← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

سياق ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن كلام الله على الحقيقة قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن تكلم الله به على الحقيقة]. وكلمة (على الحقيقة) وضعها أهل السنة للرد على من قال: إن كلام الله مجازي، وإن كلام الله نفساني، فكلام الله على الحقيقة، تكلم به بحرف وصوت، وأنزله الله على محمد ﷺ من السماء، وهذا يدل بمفهوم الموافقة أو بالاستنباط على أن الله ﵎ مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وقد أنزل هذا القرآن على محمد وأمره أن يتحدى به، وهذا يدل على أن القرآن معجز ولا يستطيع أحد أبداً أن يأتي ولو بآية من مثل كتاب الله ، وأمر الله محمداً ﷺ أن يدعو الناس إليه، وهذه صفة خامسة: أن النبي ﵊ بعد البيان لابد أن يدعو الناس إلى هذا القرآن، وأنه القرآن على الحقيقة، يعني: تكلم الله به بحرف وصوت. قال: [متلو في المحاريب، مكتوب في المصاحف، محفوظ في صدور الرجال، ليس بحكاية ولا عبارة عن قرآن]. أي: ليس بقصة افتعلها جبريل، ولا عبر جبريل عن هذا الكلام الذي دار في نفس الله . فقوله: (ولا عبارة عن قرآن) يعني: هو كلام الله على الحقيقة. قال: [وهو قرآن واحد غير مخلوق وغير مجعول -والمجعول بمعنى: المخلوق- ومربوب -أي: وغير مربوب- بل هو صفة من صفات ذاته، لم يزل به متكلماً -يعني: يتكلم في أي وقت شاء- ومن قال غير هذا فهو كافر ضال مضل مبتدع مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة]. هذا مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بكلام الله ، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فالله تعالى يتكلم، وقد كلم موسى، والذي يقول: إن الله لم يكلم موسى معناه: أنه مكذب للقرآن، منكر لهذه الصفة. وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، يعني: أن الله يتكلم. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]. فالله يتكلم بكلام أنزله من السماء على نبيه؛ ولذلك قال الله : ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]. وقال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٥٠]. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. فهذه الآية لها حكاية وقصة عصرية، إذ كل زعيم في كل زمان يبحث له عن آية تناسبه، فيتأول القرآن هؤلاء المنافقون الزنادقة ويتأكلون به، فيصرفون كلام الله على غير مراده، وهكذا إلى أن ظهر الرئيس مبارك، فيقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، والله إن هذا التأويل قد حدث في جامع الأزهر. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، إذاً: هذا القرآن منزل من عند الله . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٣] أي: جبريل ﵇. فأشار الله إلى أن كلامه غير مخلوق، وهو منزل منه سبحانه، فمن قال: إن القرآن هو الذي في السماء -أي: في اللوح المحفوظ فقط دون الذي بين أيدينا- أو من قال: إن القرآن في السماء -يعني: لم يتكلم به الله وإنما دار في نفسه- فقد خالف الله ورسوله، ورد معجزات نبيه، وخالف السلف من الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة. وقال عكرمة: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله)، والضمير يعود على الله (خضعاناً لقوله)، إذاً: فهو يتكلم، قال: (كأنها سلسلة على صفوان)، والصفوان: هو الحجر أو الجبل الأملس. قال: (فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير)، أخرجه الإمام البخاري في صحيحه. وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربك؟ قال: يقول الحق، قال: فينادون الحق الحق)، فيرددون أن الله تعالى يتكلم بالحق. وهنا منقبة عظيمة لـ عبد الله بن مسعود أن

стр. 317

تحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو المحارب وعن ابن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو)، والحديث عند البخاري ومسلم. إن الانجليز والفرنسيين أعداؤنا، وكل من لم يكن مسلماً فهو عدو لنا، وها نحن نسافر بالقرآن إلى أمريكا وروسيا ولبنان -لبنان تعتبر نصرانية- فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما الموقف من فعلنا وواقعنا مع نهي النبي ﵊ ألا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو؟ إنك عندما تصل إلى المطار فإنه يفتشك ويلاقي بجيبك مصحفاً فيقوم يأخذه منك، ويرميه في الزبالة، فماذا تعمل في هذه الحالة؟ إن لم تقتله لن ترجع إلى هذا البلد مرة أخرى. إن هذا الحديث ليس على ظاهره، بل المراد منه معنى آخر، فكل من لم يكن مسلماً فهو عدو لك، لكن هناك من الأعداء من هو محارب، ومن الأعداء من هو مسالم. فهناك فرق عظيم جداً بين ديار الكفر وديار الحرب، فدار الحرب كفر أصلاً، ولكنها زادت أنها رفعت لواء الحرب مع دار الإيمان، والحرب والله لابد أن تدور، ولابد أن يكتب النصر لأهل الإيمان، فنسأل الله ﵎ أن يعجل بما وعدنا به. والعدو ينقسم إلى محارب ومسالم، فأما المسالم فإن النهي لا ينطبق عليه، وأما المحارب فينطبق النهي عليه، وهذا مقصود الحديث. مثال ذلك: الحرب التي دارت بين مصر وإسرائيل في فلسطين، ففي هذه الآونة من الحرب لا يجوز قط لواحد أن يأخذ معه المصحف ويدخل به فلسطين؛ لأن غلبة الظن أن القرآن يتعرض للإهانة، وأن العدو ينال منه؛ لأن البلدين في حالة حرب. واحترام اليهودي لكتاب الله ليس معناه: أنه محب للقرآن، بل هو عدو وخبيث ومجرم، وأقرب إلى أن يكون محارباً، لكن ليس هناك حرب بين البلدين الآن، فنهى النبي ﵊ من أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو المحارب.

стр. 318

الأمر بتعاهد القرآن يقول عبد الله: عن النبي ﵊: (بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا، بل هو نسي). وهذا القول فيه كراهة شديدة، كذلك قول النبي ﵊ كما في البخاري: (لا تقل: نسيت آية وكذا، وإنما قل: نسيت آية كذا وكذا). يعني: أن الذي أنساك هذه الآية هو الشيطان، فقال عبد الله: تعاهدوا هذه المصاحف -وربما قال: القرآن- فلهو أشد تفلتاً من صدور الرجال من النعم من عقلها. وانظر إلى الإبل حين تتفلت من عقالها ورباطها، ثم تنطلق في الصحراء، فكذلك القرآن إن لم يتعاهده صاحبه فإنه يتفلت منه.

стр. 319

حكم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق قال أهل العلم بكفر من قال لفظي بالقرآن مخلوق، ولا فرق بينه وبين من يقول: القرآن مخلوق؛ لأن قوله: لفظي يعني: ملفوظي بالقرآن، أي: الذي تلفظت به مخلوق، بخلاف قولك: تلفظي بالقرآن يعني: حركة اللسان والفم والأضراس والحلقوم والصوت والحروف، فكل هذا قد خلقه الله فيك، وأما المنطوق والمتلو والمقروء والملفوظ فإنه ليس بمخلوق. فقولك: لفظي بالقرآن مخلوق يعني: القرآن الذي تلفظت به مخلوق، وهذا بلا شك قول كفر، بخلاف قولك: حركاتي أنا قد خلقها الله في، فحركة شفتيك ولسانك هذه مخلوقة بلا شك.

стр. 320

رؤية العبد النبي ﵊ في المنام، وما تقوله الصوفية في معنى اليقين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما روي عن النبي ﷺ في أن من رآه في النوم فقد رأى الحق، والنبي حق ﷺ ، وأن الشيطان لا يتمثل به -أي: لا يأتي في صورته- وفيمن رآه وسأله عن القرآن فأجاب بأنه غير مخلوق من العلماء والسلاطين]. هذا باب عظيم في الرؤيا، والرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان. فالرؤيا التي هي من عند الله مبشرات، وهي عاجل بشرى المؤمن، وهي منحة الله ﵎ لعباده الصالحين في الدنيا، ولا يعني ذلك: أن هذه الرؤيا يؤخذ منها الأحكام والعقائد، بل هي مبشرات فقط؛ ولذلك قال النبي ﵊: (من رآني في المنام فسيراني حقاً، أو قال: فكأنما رآني في اليقظة؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي). وقد يأتي إليك الشيطان ويقول لك: أنا النبي؛ وهو كذاب، أو يقول لك: أنا محمد، أو يقول: أنا رأيت النبي ﷺ وهو يقول لك: كيت وكيت، ورفع عنك الصلاة والصوم والزكاة والحج، ورفع عنك كل شيء، ويقول: ما دمت قد بلغت درجة اليقين فليس عليك عبادة، فأنت رجل بلغت درجة لم يبلغها أحد من الأمة ولا حتى أنا. فهؤلاء المجرمون يقولون: سقطت عنا التكاليف؛ لأننا بلغنا مرحلة اليقين، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، ونحن قد حصلنا على مرتبة اليقين التي ليس بعدها يقين؛ ولذلك وضعت عنا العبادة. فنقول لمثل هؤلاء: هل بلغت من اليقين مبلغاً لم يبلغه النبي ﵊؟! إن عمر طعن وهو يصلي، وأبو بكر الصديق صلى إلى آخر لحظة في حياته، وكل الصالحين وأهل السنة يصلون ولم يرفع عن واحد منهم قط شيء، ولم يرفع عنهم خلق من أخلاق النبي ﵊ فضلاً عن عبادة أو واجب أو فرض من الفروض، واليقين في الآية كما يفهمه القاصي والداني هو الموت. فبعد الموت محاسبة على ما مضى من تقصير وتفريط، والصوفية يقولون: اليقين درجة من درجات التوكل على الله ، يبلغها المرء فيكشف له الحجاب، وكل هذا كذب. فهذا عبد القادر الجيلاني -وهو ممن تزهد، وقد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية عدة مرات- أتاه الشيطان في صورة شيء عظيم، فقال له: يا جيلاني! أنا ربك، وقد وضعت عنك كل شيء، فقال الجيلاني: اخسأ أي عدو الله! فذهب ولم ير شيئاً بعد ذلك. وشيخ الإسلام ابن تيمية في ترجمة الجيلاني يثني عليه ثناءً قوياً، ويقول: هذه هي الولاية لله حقاً. فالشاهد: أن الشيطان لا يتمثل في حقيقة النبي ﵊ ولا يستطيع، لكن قد يأتي في صورة أخرى غير صورة النبي ﵊ ويدعي أنه النبي، فقد ادعى أنه الله ، وقد ادعى أنه الإله، فكيف لا يدعي أنه نبي في صورة غير صورة النبي؟! فالشيطان قد يتمثل على هيئة أخرى ويدعي أنه محمد، ثم يلقي بعد ذلك مفترياته على ذلك الرائي أو صاحب الحلم. قال النبي ﷺ : (من رآني فإنما رأى الحق). وقال ﵊: (الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة). فالرؤيا الصالحة يراها العبد لنفسه أو ترى له، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وهذه منحة من الله . وليس معنى ذلك: أن الذي يرى ستاً وأربعين رؤيا يكون نبياً؛ لأنه لا نبي بعده ﷺ ، ولكنها مبشرات.

стр. 321

رؤيا الصالحين لرسول الله وهو يخبرهم أن القرآن غير مخلوق قال محمد بن منصور: رأيت النبي ﷺ في النوم، ومعه رجلان أعرفهما بوجهيهما، قلت: يا رسول الله! ما نقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق، قلت: هذه رؤيا جميلة، فقلت للرجلين: اشهدا على هذا الكلام. وقال يحيى بن عبادة: سمعت رجلاً من أهل دمشق ممن يكتب عنه العلم يقول: رأيت النبي ﷺ في منامي، وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فقال لي: قل لـ يحيى بن أكثم: من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، وقد بانت منه امرأته. ثم قال الرجل: والله ما رأيت يحيى وما أعرفه، أتروني أكذب على رسول الله ﷺ ؟! وذكره عبد الرحمن قال: حدثني يوسف إلى أحمد بن الوليد قال: حدثني علي العابد قال: رأيت النبي ﷺ في المنام بعبادان -قرية- فقلت: يا رسول الله! أما ترى ما نحن فيه من الاختلاف في القرآن، هذا يكفر هذا وهذا يكفر هذا؟ فقال النبي ﵊: وما ذنبي وقد رفعت لكم علماً، فضم إليه قوم وانقطع عنه آخرون. فقلت: يا رسول الله! فكيف السنة وكيف أقول؟ قال: هكذا، وعقد ثلاثين وأومأ إلى فيه، كأنه أراد أن يقول: إن القرآن ثلاثون جزءاً، وقال: كلام الله وليس بمخلوق. فقلت: يا رسول الله! هؤلاء الذين وقفوا فقالوا: لا نقول كذا ولا كذا؟ قال: فكلح وجهه وقال بيده كهيئة المستخف. يعني: أشار بيده أن ابعد عني ولا تخبرني عن هؤلاء. وقال محمد بن عبد الله بن طاهر: كان أبي لا يكاد يرى رؤيا فقال: رأيت في النوم رجلاً حسن الهيئة فقال لي: ما تقول في القرآن؟ فقلت: لأسألنه عنه، فقلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: فقال: الخلق في كلام العرب: التقدير، وكلام الله أجل من أن يكون مقدراً. يعني: كلام الله غير مخلوق وغير مقدر، فهو يتكلم بما شاء، في أي وقت شاء. قال ابن الأعرابي: ما رأيت قوماً أكذب على اللغة من قوم يزعمون أن القرآن مخلوق. يعني: هب أنهم يكذبون على الله وعلى الرسول ﷺ ، فإن قول: القرآن مخلوق لا يستقيم في لغة العرب. وقال أحمد بن محمد المروزي صاحب الإمام أحمد: رأيت أحمد بن حنبل في النوم وعليه حلتان -والجزاء من جنس العمل- خضراوان، وفي رجليه نعلان شراكهما من الرمجان، وعلى رأسه تاج مكلل بأنواع الجواهر، فقلت: يا أبا عبد الله! ما الذي فعل الله بك؟ قال: غفر لي وتوجني وكساني، وقال لي: يا أبا عبد الله! إنما أعطيتك هذا لمقالتك: القرآن كلام الله غير مخلوق. فانظر إلى هذه الرؤيا العظيمة، فإنها مبشرات قليلة ونادرة.

стр. 322

ما روي من الرؤيا السوء لمن قال بخلق القرآن في الدنيا، وما أعد الله لهم من العذاب في الآخرة قال خالد بن خداش: رأيت في المنام كأن آتٍ آتاني بطبق قطن، فقال: اقرأ، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم. إن ابن أبي دؤاد يريد أن يمتحن الناس، فمن قال: القرآن كلام الله كسي خاتماً من ذهب، فصه ياقوتة حمراء، وأدخله الله الجنة، وغُفِر له أو قال: غَفَر له. ومن قال: القرآن مخلوق جعلت يمينه يمين قرد، فعاش بعد ذلك يوماً أو يومين، ثم يصير إلى النار. وابن أبي دؤاد صاحب فتنة أن القرآن مخلوق. وقال الحسين بن الصباح: رأيت في المنام قائلاً يقول: مسخ ابن أبي دؤاد، ومسخ شعيب، وأصاب ابن سماعة فالج -مرض- وأصاب آخر الذبحة ولم يسمه. وقال: علي بن الموفق: حدثني أبو عمرو التمار قال: كان لنا جار مجوسي يقال له: بهرام فمات، فرأيته بأقبح رؤيا فقلت: أي بهرام! فقال لي بصوت ضعيف: نعم؛ أنا بهرام يا أبا عمرو! فقلت: إلى أي شيء صرت؟ قال: إلى قعرها، قلت: فتحتكم أحد؟ قال: نعم. هؤلاء الذين يقولون: القرآن مخلوق. قال أبو بكر بن أبي العوام: ثم لقيت أبا عمرو التمار فسألته عن هذا فحدثني كما حدثني علي بن الموفق عنه. وكان علي بن الموفق يقول: كان لي جار مجوسي فكنت أعرض عليه الإسلام فيأبى، فمات على المجوسية، فقال: نحن في الدرك الأسفل من النار. قلت: وتحتكم أحد؟ قال: نعم، قوم منكم. قلت: من أي الطوائف؟ قال: الذين يقولون: القرآن مخلوق. وقال الدورقي: سمعت أحمد بن نصر الشهيد يقول: مررت برجل وقد صرع، فجئت أقرأ في أذنه، فإذا قائل يقول: دعني أقتله؛ فإنه يقول: القرآن مخلوق. أي: حتى الجن لا يرضون بهذا، وليس من عقيدتهم. فنسأل الله ﵎ أن يحيينا وإياكم على كتابه، وسنة نبيه على مراد الله ومراد رسوله الكريم ﷺ . أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

стр. 323

الأسئلة

стр. 324

أهمية الاعتقاد بأن القرآن كلام الله غير مخلوق السؤال ما الفرق بالنسبة لنا بين أن يكون القرآن كلام الله أو مخلوقاً؟ الجواب لو قلت لك: ما هو معتقد أهل السنة والجماعة في كلام الله ؟ أو قلت لك: ما هو معتقد أهل السنة والجماعة في استواء المولى على عرشه؟ أو قلت: اشرح لي هذه الآية: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨]. فإنك ستقول كما قال ابن عباس: غير مخلوق. فالفائدة بالنسبة لك أن تستقيم لديك صفة من صفات الله على منهج أهل السنة والجماعة، وأن تعتقد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير ذلك فهو كافر. ففائدة علمك أن هذا القرآن كلام الله، وهو غير مخلوق: أن تنجو بنفسك من الكفر، وأن تحسن اعتقادك في الله وأسمائه وصفاته.

стр. 325

تزيين الشيطان عمل من يدعي أنه المهدي حتى يدعي الألوهية السؤال يوجد بالطالبية شاب متعلم، ويحفظ بعضاً من القرآن الكريم، وعنده شيء من علم الشرع، ويصلي بالليل ويبكي كما تقول زوجته، ويشاهد التلفزيون وزوجته متبرجة، ويدعي أنه المهدي المنتظر، وهذا الادعاء منذ سنوات، وعقله صحيح سليم، فعندما كلمته وأثبتَّ أنه كذاب ضحك مني وسخر، وأقر على ذلك. ويدعي أيضاً أنه الرسول محمد ﷺ ، وأنه مخلوق من نور الله، ورغم ذلك هو يسخر من صاحب اللحية والجلباب القصير، فهل هو كافر أم ماذا يكون حكمه؟ الجواب انتظروا شهرين أو ثلاثة أشهر وسيدعي الألوهية، وهذا الأمر ليس فيه خلاف، ولو قرأت في تاريخ الفرق فإنك ستجد في الفرق أمماً ادعت الألوهية، وذلك بعد أن كان الواحد منهم يدعي أنه المهدي، فإن لم يجد ذلك ادعى النبوة، فإن لم يجد النبوة ادعى الألوهية، وخاصة لو أراد الحكم ومعه العتاد والعدة، ففرعون ادعى الإلوهية؛ لأن معه المجرمين الذين يشيرون عليه، ويفرضون على الأمة المصرية أنه إله شاءوا أم أبوا، فكل من يدعي هذا ماذا يقصد من وراء ذلك؟ إن المسلم عندما يسمع هذا الكلام فإنه يقول: ما أحلم ربي! وما أعظم صبره على من يسبونه ويفترون عليه! بل ويغذيهم ويطعمهم ويسقيهم ويصحهم، ويكسوهم من عري، ويقويهم من ضعف.

стр. 326

حكم رؤية الأب مخطوبة ابنه السؤال هل يجوز للأب أن يرى من سيخطبها ابنه؟ الجواب لا يجوز، فالذي سيخطبها هو الولد وليس الأب، وأحاديث محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وغيرهما من الصحابة كلها تقول: (انظر إليها). يعني: انظر أنت وليس أبوك.

стр. 327

حكم من حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه السؤال رجل حلف بالله ألا يقوم ببيع شيء في محل ثم باعه، فما هي كفارة هذا الحلف؟ الجواب كفارة يمينه على هذا الترتيب: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو صيام ثلاثة أيام. والنبي ﵊ يقول: (من حلف على شيء فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه).

стр. 328

نصائح لمن ابتلاه الله بالاستمناء السؤال شاب رأيت فيه الالتزام، ومظهره يدل على ذلك، فهو يحفظ كتاب الله، ويحضر دروس العلم، ولكنه يشكو من أنه يقوم بالاستمناء، ويقول: إنه في حالة ضيق شديد من هذا الفعل، ولديه شهوة عظيمة جداً لا يستطيع ردها، حتى إن الشهوة تفاجئه وهو في الصلاة، فما حكم هذا الاستمناء؟ الجواب أسأل الله ﵎ أن يصرف عنه هذا السوء، وأن يبدله مكانه عفة وطهارة ونقاء، على هذا الشاب إن كان قادراً على الزواج أن يبادر به؛ لأنه لا علاج له إلا النكاح، فإن لم يكن قادراً فقد حدد النبي ﷺ علاجاً له وهو الصوم، فليكثر من الصوم، ولو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فخير الصوم صيام داود ﵇. كما أنه يجب عليه أن يختار لنفسه الصحبة المؤمنة، والرفقة الطيبة، وألا يدع لنفسه المجال في أن يخلو بنفسه، فإن خلا بنفسه غلبه الشيطان، ويجب عليه أن يتذكر دائماً أن نظر الله ﵎ إليه أسبق من مد يده بالاستمناء، وليستشعر أن الله ﵎ يراقبه في السر والعلن، وهذه درجة الإحسان، وهي: أن تعتقد أن الله تعالى يراك، وإن كنت لا تراه في الدنيا فإنه تعالى مطلع عليك، محيط بك بسمعه وعلمه وبصره وقدرته عليك أيها العبد! كما ينبغي عليك أن تكثر من قراءة القرآن الكريم، وأن تطالع كتب أهل العلم. وأخيراً: لا تخلُ في وقت من الأوقات في أثناء نومك على جهة الخصوص بنفسك قط، وينبغي أن يكون معك أحد من إخوانك، أو أحد من أهل بيتك، ولا تطالع تلك المجلات الخبيثة والجرائد الفاضحة التي تعرض صور الفاتنات التي يفتن بها من تزوج أربعاً! فهذه فتنة عظيمة جداً، أسأل الله تعالى لي ولكم النجاة منها.

стр. 329

عدم طاعة الولد أباه في تطليق زوجته إلا لمصلحة شرعية السؤال لو قال رجل لابنه: طلق زوجتك، فماذا يفعل؟ الجواب هذا الأب معتمد على الأثر الذي روي عن عمر بن الخطاب مع ولده عبد الله، وليست هذه الرواية على إطلاقها، فقد دعت الضرورة والمصلحة الشرعية إلى أن يأمر عمر ولده أن يطلق امرأته، وليس هناك حجة في قول عمر وأمره لولده، بل الحجة في قول النبي ﷺ الذي قال لـ عبد الله: (أطع أباك)، وكانت هذه المرأة جميلة جداً، وقد كادت تفتن عبد الله بن عمر؛ مما جعله يتخلف عن حضور مجالس علم النبي ﵊. فلما رأى عمر أن هذه المرأة بجمالها كادت تفتن ولده أمره أن يطلقها، وهذه حجة شرعية؛ ولذلك أقره النبي ﵇ على هذا الأمر. وقد أتى رجل إلى أحمد بن حنبل وقال: إن أبي أمرني أن أطلق امرأتي، فماذا أفعل؟ قال: إن كان أبوك مثل عمر فطلقها.

стр. 330

حكم قراءة القرآن وإعطاء ثوابه للميت السؤال هل يجوز قراءة القرآن وإعطاء ثوابه للميت؟ الجواب الراجح من أقوال أهل العلم: أن ذلك لا يجوز، وأنه حرمان للقارئ؛ لأن النبي ﵊ يقول: (خير مال المرء من كسب يده، وولده من كسبه). ويقول: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له)، فإنك بمجرد عملك الصالح -ومنه قراءة القرآن- وبمجرد أن تهم به ويحول بينك وبينه حائل؛ يذهب ثوابه إلى الوالد مباشرة مع عدم حرمانك أنت، لكن لو قلت: اللهم إني قرأت ربع القرآن لك على أن تجعل ثوابه لأبي فإنك جريء على الله، وكأنك تتألى عليه، وهي على الأقل قلة أدب مع الله . فينبغي للمرء أن يطيع الله ﵎ ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وليس عليه شيء بعد ذلك، فإن هذا الثواب سيأخذ القارئ حظه فيه تاماً كاملاً، ومن سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، فهي أجور توزع بغير نقصان. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 331

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - قواعد السلف في إثبات الصفات هناك قواعد قعدها السلف في باب الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، ولا يمكن فهم وإثبات صفات الله على منهج السلف إلا بحفظ هذه القواعد واعتقادها، كما أن معرفتها وفهمها يقودان إلى معرفة سبب الانحراف الذي وقع فيه الخلف الذين خاضوا في التمثيل والتعطيل والتأويل لأسماء الله وصفاته.

стр. 332

القواعد التي انتهجها أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فسنبدأ في المجلد الثاني من كتاب أصول الاعتقاد للإمام أبي القاسم اللالكائي، وهذا المجلد في غاية الأهمية؛ لأنه يتعلق بأسماء الله تعالى وصفاته، وأنتم تعلمون أن الأمة بأسرها إلا من رحم الله تعالى من أهل السنة والجماعة قد خاضوا خوضاً عظيماً في صفات المولى ﵎ حتى شككوا عامة الناس. فصفات المولى ﵎ بين مؤول صارف لها عن ظاهرها، بمعنى: أنه قد عطلها، فإذا صرف الاسم أو الصفة عن ظاهرها فمعنى ذلك: أنه لم يثبتها لله كما أراد وكما أراد رسوله ﵊، ففي هذه الحالة عطل هذا الاسم أو هذه الصفة، وعلى النقيض من هذا نجد من أثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله من أسماء وصفات ولكنه قال: إن هذه الصفات الثابتة للمولى ﵎ تناسب الصفات التي أثبتها الله تعالى لخلقه، فصفة اليد وصفه الوجه وصفة الساق وغيرها من الصفات ثابتة لله ﵎، ولكنهم قالوا: إن يد الله كأيدينا، ووجه الله كوجوهنا، وساق الله كساقنا، فمثلوا الخالق بالمخلوق، ولم يجعلوا فارقاً بين الخالق والمخلوق. وأهل السنة والجماعة هم وسط بين المعطلة وبين الممثلة المشبهة، فقالوا: نثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله على النحو الذي أراده الله ، من غير تعطيل ولا تمثيل، فلا يعطلون الصفة ولا يصرفونها عن ظاهرها، ولا يشبهون هذه الصفات بصفات المخلوقين، فهم وسط بين الاثنين، أثبتوا لله الصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله، ولكن على صورة تليق به ﵎، وما وقع أهل البدع والأهواء فيما وقعوا فيه في صفات المولى ﵎ إلا لأنهم غفلوا عن أشياء وصرفوا أشياء عن ظاهرها، ولذلك كان من المهم جداً أن نتعرف على قواعد وأصول يجب على دارس العقيدة أن يتعلمها؛ لأنه من لم يزل في قاعدة قد يزل في غيرها، لكن إذا استجمعت لديه هذه القواعد وهذه الأصول فإنه لا يزل بإذن الله أبداً. فينبغي علينا الآن أن نكتب هذه القواعد وأن نسمعها، ولا بد لنا من شرحها والعروج عليها، ولكننا سنكتبها أولاً، سأملي عليكم هذه القواعد ثم بعد ذلك نتعرض لها بالشرح بإذن الله تعالى.

стр. 333

التوحيد وإفراد الخالق عن مشابهة المخلوقين القاعدة الأولى: التوحيد وإفراد الخالق عن مشابهة المخلوقين، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].

стр. 334

إثبات الصفات على مراد الله ومراد رسوله ووجوب الإيمان بذلك القاعدة الثانية: إثبات الصفات على مراد الله وعلى مراد رسوله ﷺ ، ووجوب الإيمان بذلك. وهذه القاعدة احتراز من التعطيل الذي هو نفي الصفات، كما أنها احتراز من التأويل بغير دليل الذي سماه العلماء: (تحريفاً) فبعد أن أثبت الله ﵎ أنه ليس كمثله شيء بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فنفى المثلية والمشابهة بينه وبين جميع الأشياء، وما دون الله ﵎ مخلوق والمخلوق شيء، فليس هناك شيء في مخلوقات الله تعالى يماثل ويشابه المولى ﵎، ثم أثبت في نفس الآية الصفات فقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] سميع بسمع، بصير ببصر. فبعد أن نفى المماثلة أثبت ما يمكن أن يوهم التشبيه: فلان سميع والله سميع، فلان بصير والله بصير، فقد يفهم الشخص من هذا التشبيه في السمع والبصر بين الخالق والمخلوق، وليس الأمر كذلك، فقد أثبت المولى ﵎ أنه ليس كمثله شيء، وأثبت لنفسه سبحانه الصفات اللائقة، كما في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وفي قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]؛ لأن من صفات الله ﵎ العلو. وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بمعنى: علا وارتفع. وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فمن صفات المولى ﵎ أنه يتكلم. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]. وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]. وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]. وحديث النبي ﵊: (ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا إذا بقي الثلث الأخير من الليل)، فالنزول والمجيء صفتان لله ﵎، والغضب والرضا والعجب كلها صفات للمولى ﵎. وحديث النبي ﵊: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من أحدكم براحلته) إلى آخر الحديث. وقول النبي ﵊: (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر) ورؤية المولى ﵎ جائزة وممكنة، بل حادثة يوم القيامة، بمعنى: حاصلة. هذه القاعدة الثانية.

стр. 335

الكف عن الخوض في كيفية الصفات القاعدة الثالثة التي تعين على فهم صفات المولى ﵎ كما فهمها السلف: الكف عن الخوض في كيفية الذات والصفات. فلا تقل: كيف يكون شكل الله؟ وكيف تكون صفاته؟ وكيف يسمع؟ وكيف يأتي؟ وكيف يصعد؟ وكيف ينزل إلى السماء؟ وكيف يجيء؟ وكيف يرى؟ وغير ذلك من الأسئلة؛ حتى تسأل عن ذات المولى ﵎، وأنت منهي عن هذا كله، ولذلك ثبت عن السلف أنهم قالوا: أمروها كما جاءت، أي: لا تتعرضوا لها ولا تخوضوا فيها بتأويل غير سائغ ولا بصرفها عن ظاهرها، فآمنوا بها وصدقوا بها على النحو الذي جاءت به في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵊، من غير أن تتعرضوا لها بتمثيل أو تعطيل أو تحريف. وقول أم سلمة وربيعة الرأي ومالك وهو قول مشهور: الاستواء معلوم. فقد سئل مالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم. لماذا معلوم؟ لأن الله ﵎ يخاطبنا بلغة نحن نفهمها، ولا يتصور أن الله تعالى خاطب هذه الأمة بما ليس له مدلول في اللغة عندهم، فاستوى في اللغة بمعنى: علا وارتفع إذا كان هذا متعلقاً بالمولى ﵎. فالاستواء في اللغة إذا قيد بالمولى ﵎ فهو يعني: العلو والارتفاع، بخلاف استواء بلقيس على عرش اليمن، إذ إن استواء بلقيس يختلف عن استواء المولى ﵎، واستواء الزعيم على كرسيه يختلف عن استواء المولى ﵎ على كرسيه، فإذا قيد الاستواء بذات المولى ﵎ فإنه يعني: أنه علا وارتفع، واللغة لا تسمح إلا بهذا، وسنبين هذا أيضاً. وقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، فإذا كان الله ﵎ قد حجب نفسه عنا بحيث لا أحد منا يعلم ذات الله ﵎، ولا ملك مقرب ولا نبي مرسل يعلم ذات المولى ﵎، فمن باب أولى أنه يجهل كنه صفات المولى ﵎، أي: لا يعلمها على كيفيتها الثابتة للمولى ﵎. فإذا كنت لا تعرف كنه الله ولا كيفية ذاته؛ فلا بد أن تسلم بأنك لا تعرف الصفات؛ لأنها فرع وتصور عن الذات، وكل ذات لها صفات، وهذه الصفات هي تصور وفرع عن الذات، فإذا كنت تعلم الذات وكيفيتها فلا بد أن تعلم كذلك الصفات. هب أنك سئلت عن محمد أو عن علي أو عن إبراهيم، فقلت: نعم، أنا أعرفه، طوله كذا وعرضه كذا وأبيض اللون أو أسود اللون وذو لحية وله يدان طويلتان أو قصيرتان وكتف عريض وغير ذلك. وتصفه تماماً؛ لأنك تعلم ذاته وبالتالي تعلم صفاته. أما إذا سألناك: هل الله موجود؟ فتقول: نعم موجود. ولو سألناك: كيف هو؟ فتقول: لا أعلم كيف هو، فكان لزاماً عليك أن تقول: أنا لا أعلم كيفية الصفات الثابتة للمولى ﵎، وفي المقابل قد أثبت الله ﵎ لنفسه هذه الصفات فينبغي عليك أن تؤمن بها، وأن تصدق وأن تسلم للمولى ﵎، فكما سلمت بوجود الذات وأنت تجهل كيفيتها فلابد أن تسلم بالصفات وأنت تجهل كذلك كيفيتها. ولذلك سئل مالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ علو المولى ﵎ هذا صفة واستواؤه على العرش صفة، فإذا كنت تجهل الذات فلا بد أن تجهل الصفات ومنها الاستواء؛ ولذلك قال مالك: الاستواء معلوم. يعني: نحن نعلم في اللغة ما معنى استوى، إذا قرنت بالمولى ﵎ فمعناه: ارتفع وعلا، وهذا معلوم. قال: والكيف مجهول، يعني: لا يُعلم كيف استوى الله ﵎ على العرش، فلا يستطيع أحد أبداً أن يقول: إن الله ﵎ استوى على العرش على نحو استواء المخلوق؛ لأن كيفية الاستواء لم تأتِ في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وإنما ورد الاستواء، وهو العلو المعلوم لدى العرب. فنحن لا نعلم كيفية استواء المولى ﵎، كما أننا لا نعلم كيف يسمع المولى ﵎، ولا كيف يبصر المولى ﵎، ولا كيف يجيء المولى ﵎، ولا كيف ينزل إلى السماء الدنيا ﵎، فإذا كنت تجهل كيفية صفة واحدة فينبغي أن تجهل كيفية جميع الصفات، ولو أنك ادعيت العلم في كيفية صفة فلابد أن تدعي العلم في كيفية جميع الصفات، وإلا فلا حجة مع من فرق بين صفة وصفة، وبين اسم واسم. إذاً: هذه القاعدة الثالثة التي قعدها أهل السنة والجماعة في معرفة أسماء الله وصفاته: أننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه، ونكف عن الخوض في التأويل ومعرفة الكيفية، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ لا ندري، ولكننا نؤمن ونسلم، فمن الله الرسالة وعلينا التصديق والتسليم. فإذا كنت تؤمن بكتاب الله وبكلام الله فلا بد أن تعلم أن الله تعالى نفى المماثلة بينه وبين خلقه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وأثبت لنفسه السمع والبصر بقول

стр. 336

القول في الصفات فرع عن القول في الذات القاعدة الرابعة: الترابط بين الذات والصفات؛ لأنها ذات واحدة للمولى ﵎ متصفة بصفات كشأن أي ذات، فليس هناك شيء في المخلوقات ليس له صفات، فهذا المنبر هل له صفات؟ نعم. له صفات؛ فهو مرتفع عن الأرض، عريض، طويل، بني اللون، له كرسي يجلس عليه الإمام، وغير ذلك من الصفات، وكذلك هذا الكتاب له ذات ومتصف بصفات، فله طول وعرض، وله عمق، كما أنه أخضر اللون وبداخله ورق أبيض، فكل هذه صفات إذا ذكرتها لك فمعنى ذلك: أنني قد حددت هذه الذات بصفاتها، فهل يمكن أن أقول: هناك كتاب لا صفة له؟ لا يمكن أبداً، إذ كيف يكون كتاباً؟ ومن الذي سماه كتاباً إذا كان معدوم الصفات؟ فإن الذي ليس له صفة هو العدم؛ لأنه لا يمكن أبداً القول بأنه موجود. فذات المولى ﵎ متصفة بصفات، فإذا كنت تقر أن ذات المولى ﵎ موجودة فلا بد أن تنسب الصفات لهذه الذات، وفي نفس الوقت أنت لا تعلم هذه الذات، وبالتالي لا تعلم كيفية صفات المولى ﵎. فالقول في الصفات كالقول في الذات، والقول في الذات كالقول في الصفات، فإذا كنت تقول: الذات موجودة فلابد أن تقول: الصفات موجودة، وإذا نفيت -عياذاً بالله- الذات فلابد أن تنفي كذلك الصفات؛ لأن الذات لا بد لها من صفات. وهذا الكلام يرد به على المعتزلة الذين أثبتوا الذات ونفوا الصفات، فجعلوا المولى ﵎ في نهاية الأمر أنه ذات بغير صفات، وهذا محال في العقل وفي الشرع. كما أن الأشعرية أثبتوا للمولى ﵎ سبع صفات فقط، ونفوا عنه بقية الصفات؛ ولذلك أهل العلم يقولون عن الأشعرية: السبعية؛ لأنهم يثبتون سبع صفات وينفون بقية الصفات. والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فإذا أثبت لله بعض الصفات فلابد أن تثبت البعض الآخر التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله، وإذا كنت تكيف بعض الصفات فلابد أن تكيف البعض الآخر، والتكييف باطل. فالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر يرد به على الأشعرية الذين أثبتوا لله سبع صفات فقط ونفوا عنه بقية الصفات الثابتة في الكتاب والسنة.

стр. 337

طريقة السلف في الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصل القاعدة الخامسة: طريقة السلف في الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصل، أي: أن السلف ﵃ نفوا عن الله تعالى إجمالاً جميع صفات النقص، وأثبتوا لله ﵎ تفصيلاً جميع صفات الكمال. وسنشرح هذه القاعدة بالتفصيل إن شاء الله.

стр. 338

طريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد القاعدة السادسة: طريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد، يعني: إذا نفيت أن الله تعالى ينام، والنوم صفة نقص في حق المولى ﵎، وكل صفات النقص منتفية عن المولى ﵎، فإذا كنت تنفي صفة النقص هذه عن المولى فلابد أن تثبت كمال ضدها، فتقول: هو القيوم، فكمال الضد للنوم أن الله قيوم قائم بذاته لا يحتاج إلى أحد من خلقه، كما أنه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ولا يجوز أن نفرض أنه لو نام لحدث كذا وكذا؛ لأن هذا الفرض مجرد طرحه لا يجوز ولا ينبغي؛ لأن طريقتنا في النفي هي النفي المطلق لجميع صفات السلوب، أي: جميع صفات النقص. فالناس ينامون ويستيقظون، والمولى ﵎ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، فطريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد، فإذا نفيت صفة نقص عن المولى فلابد أن أثبت ضد هذه الصفة على أعلى درجات الكمال. فالإنسان يوصف بأنه أعمى، والمولى ﵎ يوصف بضد هذه الصفة، فهو البصير ﵎، وبصر الله ﵎ لا حد له ولا نهاية؛ لأنه يبصر على أعلى درجات الكمال، وليس هناك أحد من خلقه يشبهه في الإبصار؛ وذلك لأن الله ﵎ يبصر السر وأخفى، يبصر الخطيئة، ويبصر الغيب كما يبصر المشاهد، وأنت لا تبصر إلا الذي أمامك، وبصرك محدود، فأنت لا ترى إلا من بالمسجد، وكذلك لا ترى جميع من بالمسجد، بل إنني لو وقفت أمامك فإنك لم تحطني رؤية وبصراً؛ لأنك لا ترى مني إلا ما يقابلك من جسدي كالوجه والصدر ومقدم اليدين ومقدم البدن، أما من خلف فأنت لا تراني، وإن أتيت إلى خلفي فأنت ترى خلفي ولا ترى أمامي، فبصرك ضعيف عاجز ناقص، بخلاف بصر المولى ﵎؛ فإنه يبصر كل شيء، لا يخفى عليه شيء لا بالليل ولا بالنهار، مهما أخفيت شيئاً فإن الله يعلمه، ولو وضعته في سبع أرضين فإن الله تعالى يبصره ويعلمه، فإذا كنا ننفي عن المولى ﵎ صفة نقص فإن الله ﵎ يتصف بضدها بأعلى درجات الكمال. ونحن نقول: فلان ظالم، فالظلم صفة نقص، والمولى ﵎ نفى عن نفسه الظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] بل رحمته سبقت غضبه. فالظلم صفة نقص يتصف بها المخلوق وليس الخالق، فنفي صفة الظلم عن الله يلزم منه إثبات ضدها للمولى وهي العدل، كما أن عدل الله ليس كعدل المخلوق؛ لأن عدل الله ﵎ عام وشامل وفي أعلى درجات الكمال من العدل. ومن الممكن أن أقول: فلان عادل، لكنه ليس عادلاً بصفة مستمرة؛ لأن عدله ليس مع كل الناس، فهو بشر قد يحيد في يوم ما على فلان من الناس. فلو أن قاضياً قضى بين متخاصمين، وأحد هذين الخصمين عدو أو بغيض إلى ذلك القاضي، فأنت لا تأمن أبداً قضاءه في هذا الخصم؛ وذلك لأنه بشر ربما يحيد، وإن اعتبرنا أن هذا القاضي عادل في الخصومة؛ لأنه ليس له عدو من المتخاصمين، ولكنه يقضي بما يسمعه من المتخاصمين لا بما يراه، وربما أحد الخصمين ألحن بحجته من صاحبه فيقضي القاضي للظالم، وهو ليس آثماً بهذا الحكم؛ لأنه حكم بناءً على ما سمع. فالذي يعلم خصوصية العدل وحقيقته هو الله ، وسيقضي بعدله يوم القيامة بأن يرد المال إلى صاحبه على شكل حسنات، أي: يؤخذ من حسناته ويعطى لصاحب الحق، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئات الأول فطرحت عليه حتى طرح في النار؛ وذلك لأن عدل الله ﵎ متعلق ببقية صفاته كالعلم والسمع والبصر وغير ذلك، وإن الله تعالى في هذه الخصومة قد علم الحق أين هو، وقد شاهد ذلك مشاهدة يعلمها هو ، فرغم إجراء الباطل في الدنيا إلا أن الأمور ترد إلى نصابها يوم القيامة. فنقول: إذا اتصف المرء بالظلم فإن الله ليس بظلام للعبيد، بل إنه متصف بضد هذه الصفة وهو كمال العدل للمولى ﵎.

стр. 339

التحريف بالتأويل أشد قبحاً من التعطيل والتكييف والتمثيل القاعدة السابعة: التحريف بالتأويل أقدح من التعطيل والتكييف والتمثيل وأقبح، وإن كان الكل قبيحاً، إلا أن التحريف في الذات أقبح ما أتت به فرق الضلالة، لأنهم يحرفون النص عن ظاهره ويعطلون المولى ﵎ عن صفاته التي وصف بها نفسه، وكأنهم كذبوا بالقرآن والسنة.

стр. 340

كل شيئين بينهما قدر مشترك وقدر فارق القاعدة الثامنة: ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق، فمن نفى القدر الفارق فقد مثل، ومن نفى القدر المشترك فقد عطل، والقاعدة هذه من أعظم القواعد في الأسماء والصفات، أسسها شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده ابن القيم. ولنضرب مثالاً: الله ﵎ ذات، وقد وصف نفسه بأن له يدين، وأنا ذات ومتصف بصفات منها اليدان، إذاً القدر المشترك بين يدي ويدي الله ﵎ أن الذي لي اسمه يد، وأن الذي ثبت لله ﵎ كذلك، فالقدر المشترك بيني وبين الله هو مجرد التسمية، لكن هناك فارق، ويعلم هذا الفارق بالإضافة وعند إطلاق كلمة يد، فحينما أقول: (يد) فقط يعني: اليد المعلومة التي تراها، وهي اليد الملاصقة لبدنك، لكن لو قلت: يد الله، فالمعنى يحمل شيئاً آخر، وهو أن يد الله ﵎ لا يعلم كيفيتها أحد من الخلق؛ وذلك لوجود القدر الفارق بين ذات الله وذات المخلوق، فلا بد أن يكون هناك قدر فارق بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فمن صفات الخالق أن له يداً لكنها يد تليق بذاته، ولما كان ذات الله بالنسبة لي مجهولة فلا بد أن تكون يده كذلك بالنسبة لي مجهولة، لكن لو قلت: يدي فقط، أو يد محمد، أو يد إبراهيم، أو زيد، أو عبيد، فأنت تعلم كيفية هذه اليد حتى وإن لم ترها، لكن لو قلت: يد الله فوق أيديهم، فإنني أثبت لله ﵎ اليد التي أثبتها لنفسه على مراده هو، وعلى كيفية لا يعلمها إلا هو . فالقاعدة الثامنة: ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق، فمن عطل القدر الفارق فقد مثل؛ لأنه يلزمه أن يقول: يد الله كيدي، ولو أنك مثلت صفات المولى ﵎ بصفاتك فيصبح الله سبحانه عبارة عن إنسان، بل يكون إنساناً على صورة قبيحة تعالى الله عن ذلك! لأن الله ﵎ له ساق واحدة كما أثبت لنفسه، فعندما ترى إنساناً له ساق واحدة فإن هذا منظر قبيح على غير العادة والمألوف. فهل يتصور أن يكون الخالق ﵎ في نهاية الأمر عبارة عن صورة قبيحة؟! وسيصبح وجه المولى ﵎ ممسوحاً لو مثلته بالمخلوق؛ لأن المولى ﵎ لم يثبت لنفسه الأذن ولا الأنف ولا الفم، وهذا لا يتصور عنه سبحانه، تنزه عن ذلك كله، بل لو أن إنساناً بغير فم ولا أنف ولا أذن فإن منظره سيكون قبيحاً. إذاً: لا بد أن نثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه، كما قال: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠] فالله ﵎ هو أعلم بذاته وأعلم بصفاته، وهو جميل يحب الجمال، ففي الحديث: (إن الله جميل) فإذا أثبتنا أن الله ﵎ يشابه أو يماثل خلقه فلا بد أن يكون الله تعالى عبارة عن شخص له ساق واحدة وبلا وجه، بمعنى: أنه ليس له أنف ولا فم ولا أذن، وسينطبع في مخيلتي وذهني قبح هذه الصورة، والله ﵎ جميل يحب الجمال، فكيف يتفق ما دار في ذهني مع ما ثبت في النص؟ إذاً: لابد أن أرجع إلى إثبات النص على مراد الله . إنَّ الله ﵎ له ساق واحدة وهي في حقه غاية الكمال، وقد تكون صفة النقص في حق المولى ﵎ كمالاً في حق المخلوقين، بل لا يستقيم ولا تستقيم حياة المرء إلا بهذه الصفة، فالنوم مثلاً صفة نقص في حق المولى ﵎، وهي صفة كمال للمرء؛ لأنه لو لم ينم لجن، وذلك لأنه يلبي رغبة بدنه وهي النوم، فإذا نام واستيقظ فإنك تجده في أحسن منظر ويظهر عليه الوضاءة والنضرة؛ لأنه أخذ حاجته من صفة لازمة له، فالنوم نقص في حق المولى ﵎ ولا ينبغي له، وهي صفة كمال في حق المخلوقين لا تستقيم حياتهم إلا به، فالذي ينفي القدر الفارق بين الله ﵎ وبين المخلوقين لا بد أن يثبت لله صفات كصفات المخلوقين. ومن نفى القدر المشترك فقد عطل، والقدر المشترك هو أن يكون الاشتراك بيني وبين الله في الاسم فقط، فالقدر المشترك بين يدي ويدي المولى ﵎ في مجرد التسمية، قال الله سبحانه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]. وفي الحديث: (يد الله على الجماعة)، وفي رواية: (يد الله مع الجماعة). وأهل البدع يقولون: قوة الله، باعتبار اللازم لهذه اليد؛ لأن اللازم لليد هو القوة، وباعتبار اللازم تصير اليد هنا بمعنى: القوة، وقد سمى الله ﵎ نفسه القوي واتصف بالقوة، فالأحاديث والآيات أثبتت له القوة من جهة الصفة، وأثبتت أنه قوي من جهة الاسم، فلما أقول: اليد بمعنى: القوة، إذاً: لا داعي أن أثبت أنه قوي كما في الآية الأخرى، قالوا: لأننا في الحقيقة ننزه المولى ﵎ عن مشابهته لخلقه، فإنه يلزم من إثبات اليد المشابهة بين الخالق والمخلوق، وهكذا عجزوا بعقولهم أن يثبتوا لله يداً تليق بجلاله وكماله وعظمته، فهم بذلك أرادوا أن يهربوا بزعمهم من التمثيل والتشبيه فوقعوا في التعطيل، وقالوا: اليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ ال

стр. 341

مذهب السلف وسط بين التمثيل والتعطيل القاعدة التاسعة: مذهب السلف وسط بين التمثيل والتعطيل؛ لأن الأمة كلها وسط بين الأمم السابقة: بين اليهود والنصارى، فاليهود أمة مادية، والنصارى أمة روحانية رهبانية، ونحن وسط بين هذا وذاك، فهذه الأمة متمتعة بالوسطية في كل شيء، وعلى رأس هذه الأشياء اعتقادها في المولى ﵎. فهم لا يشبهون الله تعالى بخلقه ولا يعطلونه عن صفاته، إنما يثبتون له ما أثبته لنفسه على مراده سبحانه، وما أثبته له رسوله على مراده سبحانه وعلى مراد رسوله الكريم الذي هو أعلم الخلق على الإطلاق بربه ومولاه وسيده.

стр. 342

كل ممثل معطل لحقيقة الصفة وذاتها وكل معطل ممثل القاعدة العاشرة: كل ممثل معطل لحقيقة الصفة وذاتها. فالذي يقول: يد الله كيدي في الحقيقة هو معطل ليد الله ، صارف لها عن حقيقتها. كذلك كل معطل ممثل، أي: أن الذي يعطل المولى ﵎ عن صفاته لا بد أن يئول في نهاية الأمر إلى تمثيله بالمخلوقين، لأنه لم يفهم من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوقين. فإن قال قائل: لا أقدر أن أتصور أبداً كيفية يد الله فكيف يخاطبني الله بشيء لا أعرفه؟ قلنا: إن الله يخاطبك بشيء لا تعرفه، وذلك من باب أنك لا تعلم كيفيته؛ ليبتليك أتؤمن أم تكفر، فإنه يصعب عليك أن تثبت لله ﵎ صفاته وتقول بلزوم التمثيل والتشبيه، فإن قلت: وأنا لا يمكن أبداً أن أتصور يد الله إلا أن تكون كيدي، وساق الله إلا أن تكون كساقي، ومجيئه إلا كمجيئي ونزوله كنزولي من السلم، فهذا هو النزول الذي أعلمه، ولا أتصور أن الله يخاطبني بما لا أعلمه. فنقول: الله ﵎ خاطبك بما تعلم، ولكن ليس عالم الغيب كعالم الشهادة، فلما كان ذات الله ﵎ غيباً عنا غير مشاهد فكذلك صفاته غيب عنها غير مشاهدة، ولذلك يلزم الإيمان بها كما أقررت بلزوم الإيمان بالذات وأنت لم تره. فلو قلنا لك الآن: هل تعلم ذات المولى ؟ ستقول: أعوذ بالله! أنا لا أعلمها، بل الذي يعلمها هو الله ﵎، لكني أؤمن أن الله ﵎ له ذات موجودة، فإذا كنت تستعيذ بالله من وصف الذات فلا بد أن تستعيذ بالله من وصف الصفات كذلك، وهذا أمر لازم.

стр. 343

بيان معنى السلف والخلف هذه عشر قواعد قعدها أهل العلم قديماً وحديثاً، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، ولكن لا بد أن نعلم من أين أوتي أهل البدع والأهواء القاعدتين اللتين قام عليهما مذهب الخلف في تعطيل الصفات، وعندما أقول: (الخلف) هذا في مقابل السلف، فيكون عندنا مصطلحان: سلف وخلف، وكلمة السلف لها معنيان: المعنى الأول: تلك الحقبة الزمنية التي عاش فيها خير القرون؛ لقوله ﵊: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فإذا قصدت بيان معنى كلمة السلف من جهة الزمن فهو القرن الأول والثاني والثالث، وإذا قصدت ما هو أعظم من ذلك فإنما تقصد المنهج، فإن المنهج ليس له علاقة مطلقاً بالحقبة الزمنية، فعند إطلاق لفظ: (فلان سلفي)، معناه: إما أن يكون عاش في تلك الحقبة الزمنية؛ لقوله ﵊: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلوهم) فأقول: هذا سلفي زمانياً، وإما أن يكون على سلف المنهج والتلقي والمشرب والاعتقاد، وهو من كان على مثل ما كان عليه السلف إلى يوم القيامة، فلو أن شخصاً اعتقاده في الله ومنهجه وأصوله كلها هي التي كان عليها النبي ﵇ وأصحابه الكرام والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين فإننا نقول عنه: سلفي المنهج. ومن هنا نفهم أنه ليس كل من عاش في القرن الأول الهجري أو الثاني أو الثالث سلفي المنهج، فهناك الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيرهم من أهل البدع وواصل بن عطاء المعتزلي، فهؤلاء نسميهم خلفاً؛ لأنهم خالفوا السلف في المنهج. ولذلك القول الذي يقول: كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف محل نظر؛ لأن هذا قد يحمل على الحقبة الزمنية، (كل خير في اتباع من سلف) أي: في اتباع القرون الأولى. وكل شر في اتباع من أتى بعدهم في الحقبة الزمنية، فالأفضل أن نقول: الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع، سواء كان هذا الاتباع في القرون الأول أو في القرون التي بعدها، والابتداع سواء ظهر في القرن الأول أو في القرن الألف فهو ابتداع؛ لأن كله شر؛ بل إن الشر ظهر في القرون الخيرية على أيدي رءوس البدع، فلا يمكن أبداً نسبتهم إلى السلف ولا أنهم سلفيون، بل ولا سلف لهم في البدع التي أتوا بها وأفسدوا بها عقائد الأمة وضمائرها وعبادتها. ففي هذه الحالة نبين أن لفظ السلف له معنيان: معنى زمني ومعنى منهجي، فلا أستطيع أن أقول مثلاً: أنا خلف لـ أبي بكر الصديق، لأن إطلاق لفظ الخلف يعني: الذم، لكن أقول: أنا تابع لـ أبي بكر، تابع لـ عمر، لـ عثمان، لـ علي، لأن نفس المنهج الذي استقاه أبو بكر هو الذي أنا عليه وإن كنت مقصراً، حيث إني لا أقدم منهجاً آخر غيره خاصة في باب صفات المولى ﵎.

стр. 344

قواعد الخلف المخالفة لسلف الأمة في صفات الله

стр. 345

حكم قياس الخالق بالمقاييس التي تحكم المخلوق القاعدة الأولى التي مشى عليها الخلف وجعلتهم يخالفون سلف الأمة: هي قياسهم الخالق بالقوانين والمقاييس التي تحكم المخلوق. فقالوا: إن الله ﵎ استوى على العرش بمعنى: أنه استولى وقعد على العرش وصار لصيقاً وملاصقاً للعرش؛ وذلك لأن الواحد فينا لو جلس على الكرسي لكان ملاصقاً للكرسي. ونقول لهم: هل القوانين التي تحكم البشر هي التي تحكم المولى ﵎؟ الجواب لا؛ ولذلك لما حكموا المقاييس والمعايير التي لا تصلح إلا للبشر في حق المولى ﵎ وقعوا تارة في التشبيه وتارة في التمثيل، وأحبوا أن يهربوا من تشبيه الخالق بالمخلوق فوقعوا في التعطيل، فغلطوا في كل الأحوال، فلا تعطيل ولا تمثيل ينفعهم، ولا تشبيه ولا تأويل ولا تحريف ينفعهم، فقياسهم الخالق بالقوانين والمقاييس التي تحكم المخلوق ممتنع في الأصل، فممتنع أن يمثلوا الله بخلقه، أو يقيسوا صفات المولى ﵎ بصفة المخلوق؛ وذلك للزوم الوحدانية لله ، أي: أن الله واحد في ذاته، واحد في أسمائه وصفاته، واحد في أفعاله. فإذا قلت: المولى ﵎ تكلم فليس كلامه ككلامنا، بل إنه يتكلم على نحو لا يستطيع أحد من خلقه أن يتكلم مثله؛ وذلك لأنه واحد في كلامه، أي: لا يشبهه أحد من خلقه في صفة الكلام، فهو واحد في أفعاله. ومن صفات الله المجيء، فربنا ﵎ يجيء، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]. فالرب ﵎ يأتي، فإن قيل: كيف يأتي؟ الجواب الله أعلم، لكنه يأتي؛ لأنه أثبت صفة الإتيان وصفة المجيء لنفسه، فأنا أثبت لله ﵎ صفة المجيء كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] فلا أقول: وجاء أمر ربك؛ لأن هذا ضلال وزيغ وتحريف للنص، حيث إن الله أثبت لنفسه صفة المجيء، فأنت لو قلت: المقصود بقوله: (وجاء ربك) أمر ربك: لنفيت صفة المجيء عن الله ، وهذا ليس منهج السلف، بل أنا أثبت لله ﵎ صفة المجيء، ولكنه مجيء غير مجيئي أنا؛ وذلك لأن هذا فعل لله ، ولما كان الله تعالى واحد في أفعاله فإن أفعاله لا تشبه أفعال المخلوقين. إذاً: الله ﵎ يجيء ويأتي ويغضب ويرضى ويسخط على نحو لا يشبهه مجيء الخلق ولا إتيانهم ولا غضبهم ولا رضاهم ولا سخطهم، فهو واحد لأنه متصف بالوحدانية في الذات والصفات والأفعال.

стр. 346

التأويل لصفات الله الثابتة له للخروج من تمثيله بالمخلوقين هذه القاعدة الأولى جرت الخلف إلى الانحراف، وإلى تصوير الله تعالى بصورة قبيحة، سبحانه وتعالى عما يقولون، فأرادوا أن يفروا من ذلك فوقعوا بين نارين. قالوا: لو أثبتنا لله ما أثبته لنفسه بالمماثلة لصفة المخلوقين فإن الله سيكون إنساناً، وهذا ليس معقولاً، فوقعوا بين نارين: أن يكذبوا بآيات الله الواردة في وصفه سبحانه كما فعل الجهم بن صفوان، فلا يد ولا ساق ولا عين ولا وجه؛ لأن إثبات هذه الصفات يستلزم التشبيه والتمثيل، فقالوا: ونحن ننزه المولى عن ذلك، فنفوا عن المولى ما أثبته لنفسه. وهذه بلية أخرى. وإما أن يؤولوها فيقولون: لو نفينا الصفات لأصبحنا نكذب بالقرآن، والله قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] فأثبت الله لنفسه العين وأثبت لنفسه اليد، فلا بد أن نؤولها بالمجاز ونخرجها عن معناها الحقيقي اللائق به ، وبهذا نكون قد أثبتنا لله تعالى ما أثبته لنفسه، فنقول: يد الله بمعنى: القوة. وقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] المقصود بالعين هنا الرعاية، يعني: أحوطك وأشملك برعايتي حتى تتربى وتصير شاباً فتياً، وبالتالي يصرفون صفات المولى ﵎ عن معناها ومضمونها الحقيقي إلى المعنى المجازي. هذه هي القواعد التي قعدها السلف في الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، ولا يمكن أبداً فهم صفات المولى على منهج السلف إلا بحفظ هذه القواعد واعتقادها، فلابد أن تراجعها بين الفترة والفترة حتى تعرف من أين أتي الخلف. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 347

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة الاستواء لله من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، واستواؤه تعالى معناه: علوه وارتفاعه على خلقه فوق سماواته وعرشه، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم المعتبر، خلافاً للفرق الضالة الخارجة عن الطريق المستقيم، والذين يؤولون ذلك تأويلات عقلية مبناها على اللغة، وعلى اعتبار عدم مناقضتها لصفة المعية كما هو في المخلوقين، ولبئس ما فهموا، وساء ما إليه فطنوا.

стр. 348

اشتراك المخلوق مع الخالق في بعض الصفات لا يستلزم المشابهة والمماثلة إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. في الدرس الماضي ذكرنا عشراً من القواعد التي تلزم كل مسلم -فضلاً عن طالب العلم- في سبيل دراسته لعلم الاعتقاد، وقلنا: إن صفات المولى ﵎ لا يمكن فهمها كما فهمها السلف إلا من خلال هذه القواعد، وهذه القواعد كنا قد استفدناها من كتب شيخي الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وقد جمع جلها شيخنا محمود عبد الرازق المنصوري في كتاب سماه: توحيد الصفات بين معتقد السلف وتأويل الخلف، وبالأمس أرسل إلي عدة نسخ من مختصر لهذا الكتاب، فقرأته اليوم فألفيته مختصراً نافعاً جداً؛ ولذلك آثرنا أن نوزعه عليكم إن شاء الله. ذكرنا أن أول هذه القواعد هي: توحيد المولى ﵎، بمعنى: إفراده بالوحدانية في كل شيء، فلا يستطيع أحد أن يتصف بصفة على الوصف الكامل لله من خلقه قط، فلو ذكرنا صفة الرحمة فإن الله تعالى موصوف بها، وإن كثيراً من عباده موصوف بها، لكن الله تعالى تفرد بهذه الصفة على الوجه الأكمل الذي ليس بعده كمال، فلا تستوي رحمة المخلوق ورحمة الخالق ؛ لأن رحمة الخالق واسعة وعامة وشاملة لمن كان أهلاً لها؛ ولذلك يقول المولى ﵎: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، أما رحمة العباد فلا تسع كل شيء؛ ولذلك هناك مفارقة ومباينة بين صفة المخلوقين وصفة الخالق ﵎. فعند إطلاق صفة من الصفات على مخلوق من المخلوقات -وإن تشابهت وتماثلت- مع صفة لله ، فلا يعني هذا أنها شبيهة ومماثلة لها من جميع الوجوه ومن جميع الجوانب، بل هي شبيهة بها من حيث الاسم فقط، فإذا كانت المخلوقات نفسها تتماثل أو تتشابه في الاسم، وتختلف في الصورة، فإن الله ﵎ خلق العسل وخلق الخمر، وخلق التمر وخلق الجنان وخلق التفاح وخلق المطعومات، ولكنك إذا وازنت بين مطعومات الدنيا التي تطعمها أنت الآن ومطعومات الجنة فشتان ما بين هذا وذاك. وإذا قلنا لك: هل تستطيع أن تكيف تين الجنة أو زيتونها؟ تقول: لا، أنا الذي أعرفه من هذا النعيم الأسماء فقط؛ وذلك لأن الله ذكر في كتابه أنه خلق في الجنة التين والزيتون، لكن هل هو كالتين والزيتون اللذين نأكلهما؟ الجواب لا، فالزيتون الذي نأكله نحن الآن ليس كالزيتون الذي خلقه الله في الجنة، فإذا كانت المخلوقات نفسها اتحدت في أحد الأوصاف ولكنها تباينت واختلفت في بقية الأوصاف، فهل يمكن أن تسوي صفات الخالق بصفات المخلوقين عند الإطلاق؟ لا يمكن أبداً، هناك مباينة ومفارقة.

стр. 349

سياق ما روي في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) ونحن بصدد ضرب بعض أدلة استواء الله تباك وتعالى على عرشه، فاستواء سليمان على العرش، واستواء بلقيس على العرش، واستواء أي ملك على عرشه يختلف تماماً عن استواء المولى ﵎؛ لأن استواء المخلوقات يتناسب مع ضعف وعجز ونقص هذه المخلوقات، أما استواء المولى ﵎ فلا شك أنه على الوجه الأكمل الذي يتناسب مع كمال صفاته ﵎، وإن كان الجميع يسمى: استواء. فليس استوائي هذا على الكرسي وأنا مماثل له كاستواء المولى ﵎ على عرشه، فإن هذا استواء يليق بالله ، واستوائي على الكرسي يليق بذلك الضعف البشري الذي خلقت له ومن أجله. وقد ذكر الإمام اللالكائي باباً وسرد فيه أدلة استواء الرحمن على العرش، فقال: [سياق ما روي في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وأن الله على عرشه في السماء]، فهل كلمة (على) هنا تستلزم المماسة؟ هذا الذي فهمه أصحاب الفرق الضالة. فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قالوا: (استوى) بمعنى: استولى، ولنا وقفة مع هذا التفسير. الوقفة الأولى: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، هل يلزم من هذا الحرف (على) أن الله تعالى مماس وملاصق للعرش؟ فإذا قلنا ذلك فإنه يلزمنا أن نقول: إن العرش يحمله، وهو منزه عن ذلك، فهو أكبر من العرش، وأكبر من جميع المخلوقات؛ فلا يحمله خلق من خلقه ﵎، وإنما نقول: إن الله تعالى علا فوق العرش، أي: خلق الأرضين وخلق السماوات السبع، وجعل فوق السماء السابعة بحراً، وفوق البحر الكرسي، وفوق الكرسي العرش، والله تعالى فوق العرش، ليس مماساً له ؛ لأنه منزه أن يلتصق بأحد من مخلوقاته. قال: (وأن الله على عرشه في السماء)، قولنا: (في السماء) لا تستدعي الظرفية كذلك، بل (في) بمعنى (على)؛ لأن المتفق عليه أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، فقوله: (في) يعني: (على)، أي: وأن الله على عرشه على السماء، بمعنى: فوق السماء؛ لأن (على) تفيد العلو والفوقية، فـ (في) هنا بمعنى (على)، أي: على السماء؛ ومثلها قوله ﵎: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، فهل يتصور أن ذلك المجرم يدخل غيره في جذع النخلة حتى يعاقب ويصلب؟ الجواب لا، ولكن التقدير: ولأصلبنكم على جذوع النخل، فـ (في) بمعنى (على). إذاً: قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه:٥]، أي: فوق العرش، وأن الله على عرشه في السماء، يعني: على السماء، فهذه الحروف إنما تفيد الفوقية والعلو.

стр. 350

الأدلة من القرآن على أن الله مستو على عرشه فوق خلقه قال: [وقال الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]]، فالصعود لا بد وأن يكون إلى جهة العلو، وكذلك الرفع، قال: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ))، أي: يرتفع ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وأن الله تعالى يجازي صاحبه خيراً، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: يرفعه إليه ويقبله. قال: [وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧]]، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، والذي في السماء هو الله ، وكما اتفقنا أن (في السماء) بمعنى: (على السماء). قال: [وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:٦١]]، فأسند لنفسه تارة العلو وتارة الفوقية، وهما بمعنى واحد، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١]، أي: يرسل عليكم من السماء إلى الأرض حفظة؛ فدلت هذه الآيات على أنه تعالى في السماء، وعلمه في كل مكان من أرضه وسمائه. فهذا أمر معلوم لدى جميع السلف أن الله تعالى بذاته استوى على العرش، ولكن لما خاض المعتزلة والأشاعرة من بعدهم في صفات المولى ﵎، وتكلموا على استوائه وفوقيته، أو معيته مع خلقه -قالوا: إن الله تعالى مع خلقه بذاته في كل مكان، هذا قول المعتزلة والأشاعرة، وهو قول يناقض وينافي الحق تماماً ولا حق فيه، بل الحق أن الله ﵎ مستو بذاته على العرش، مباين لخلقه، كما ثبت ذلك من كلام السلف، وللإمام الطحاوي شعر ونظم جميل جداً في بيان معتقد أهل السنة والجماعة في معية الله ﵎، قال: نؤمن بالله تعالى، وأنه فوق السماء، أي: وأنه استوى على عرشه بائن من خلقه، ومعنى بائن: غير ملاصق لخلقه، بل مغاير لهم. ولا بد أن نعرف أن العرش مخلوق ولا خالق إلا الله ، وقول الإمام: بائن من خلقه، يدل على أن الله غير ملاصق للعرش، ولكنه فوق العرش ، وذلك لما كان العرش أعلى شيء في المخلوقات؛ فإن الله تعالى فوق هذا العلو، يعني: أن الله ﵎ أعلى من كل مخلوق، وأعلى المخلوقات هو العرش، والله تعالى فوق العرش. فدلت هذه الآيات على أنه تعالى في السماء، وعلمه بكل مكان من أرضه وسمائه؛ لأن الله تعالى قد أحاط علمه بكل شيء، والسماوات شيء، والأرض شيء، وجميع المخلوقات شيء، وأن علم الله ﵎ قد أحاط بكل شيء، روي ذلك عن الصحابة: عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة، ومن التابعين: ربيعة بن أبي عبد الرحمن الفقيه المدني، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وقال به من الفقهاء: مالك بن أنس، والثوري، وأحمد بن حنبل، ونحن نذكر هذا على سبيل الاختصار، وإلا فقد سبق أن سردنا الكثير من أسماء السلف الذين تكلموا وصنفوا في معتقد سلف هذه الأمة.

стр. 351

الأدلة من السنة على أن الله مستو على عرشه فوق خلقه ذكر الإمام اللالكائي في هذا الباب -كما ذكر في غيره على عادة المصنفين المسندين- آثاراً وأحاديث بعضها صحيح والبعض الآخر ضعيف، ولا شك أن الحجة في الصحيح، خاصة إذا كان الاحتجاج في باب الاعتقاد، أما الضعيف فلا حجة فيه، ولا حتى في فضائل الأعمال على المذهب الراجح، ولذلك ذكر هنا أحاديث ضعيفة كما ذكر آثاراً أعرضنا عن ذكرها صفحاً؛ لأنها ليس فيها حجة. ومما صح من روايته عن معاوية بن الحكم السلمي، وهذا الحديث عند الإمام مسلم وهو المعروف بحديث الجارية. قال معاوية بن الحكم السلمي ﵁: (يا رسول الله! كانت لي جارية ترعى غنيمات لي من قبل أحد والجوانية -أي: كانت لي بنت صغيرة ترعى الغنم بين جبل أحد والجوانية- وإني أطلعتها يوماً إطلاعة، فوجدت ذئباً قد ذهب منها بشاة)، يعني: اختبرتها وراقبتها ذات يوم؛ فوجدت ذئباً أخذ شاة من تلك الغنيمات. قال: (وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون)، يعني: أحزن لفقدان مالي وأغضب، (فصككتها صكة)، يعني: لما غفلت عن تلك الغنيمات؛ صفعتها وصككتها على وجهها صكة. قال: (فعظم ذلك على النبي ﷺ ، استعظم ذلك جداً وأنكره. قال معاوية: (فقلت: يا رسول الله! ألا أعتقها؟ -أي: فيكون ذلك كفارة لي؟ - فقال: ادعها إلي، فقال لها النبي ﵊: أين الله؟ قالت: الله في السماء)، وهذه جارية صغيرة، وإن شئت فقل: بدوية لا تعرف من دينها ولا من دنياها شيئاً غير أنها ترعى الأغنام في الجبل، ومع هذا لم تقع فيما وقع فيه فرق كثيرة من فرق المسلمين، وضلت فيه جماعات من أمة محمد ﵊: كالجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم. فقالت هذه الجارية: (الله في السماء. قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله! فقال النبي ﵊ لـ معاوية بن الحكم السلمي: اعتقها فإنها مؤمنة)، فرتب النبي ﵊ إيمان هذه الجارية على معرفتها بذات الله ﵎، وأنه مستو على عرشه في السماء، وأنها أقرت برسالة ونبوة النبي ﵊، وهذا بلا شك أعظم علامات الإيمان: اعتقادك بالله واعتقادك بأن محمداً ﷺ نبيه ورسوله. انظروا إلى هذه الجارية الصغيرة في السن، البدوية التي لا حظ لها في العلم، علمت بفطرتها أن الله تعالى في السماء، مستو على عرشه. وعن أبي هريرة: (أن رجلاً أتى النبي ﵊ بجارية سوداء أعجمية)، والأعجمي ليس بلازم ألا يكون عربياً، فالأعجمي: هو كل من لم يجد اللسان العربي، ولكنه يتكلم بلسان آخر، وكذلك العربي الذي لا يستطيع أن يفصح عما في نفسه بلسان عربي فصيح مبين يسمى أعجمياً وإن كان عربياً. أتى رجل إلى النبي ﵊ بجارية سوداء أعجمية فقال: (يا رسول الله! إن علي عتق رقبة مؤمنة)، يعني: قد فعلت فعلاً يستوجب أن أعتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ : (أين الله؟ فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء، فقال لها: من أنا؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله ﷺ وإلى السماء)، أي: أنت رسول الله الذي في السماء، وهذه جارية أعجمية؛ فقال النبي ﵊: (اعتقها)، يعني: هي تصلح أن تكون كفارة لذنبك؛ لأنها مؤمنة، وإن الذنب الذي ارتكبته ورتب الله ﵎ عليه عتق رقبة مؤمنة هذه الجارية بهذه الإجابة مؤمنة وهي تجزئ في كفارتك؛ فأعتقها. قال: [وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع نظره إلى السماء -وهذا محل الشاهد وفي رواية: بصره إلى السماء- فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)]. الشاهد: أن المرء إذا توضأ ثم رفع بصره إلى السماء، لماذا يرفع بصره إلى السماء؟ لماذا لا يضع وجهه في الأرض وينادي المولى ﵎؟ الجواب لداعي الفطرة في قلبه وفي روحه ونفسه أن الله تعالى في السماء، وما وجدنا واحداً قط من المسلمين، بل ولا حتى من غير المسلمين يدعو الله ﵎ إلا وهو يتوجه بيديه وبوجهه ورأسه ورقبته، بل وبكليته إلى جهة السماء؛ لأن داعي الفطرة من داخله يناديه أن الله تعالى في السماء، وأنك إن توجهت إليه بالدعاء قبل الله دعاءك. وهذا الحديث محل خلاف بين أهل العلم من المحدثين، فبعضهم يحسنه، والبعض الآخر يضعفه، كالذي بعده؛ لأنه من رواية أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وهو أبوه، وقيل: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه إلا بعض أحاديث -أربعة أو خمسة- قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود

стр. 352

أقوال السلف في استواء الله على عرشه وعلوه وفوقيته على خلقه

стр. 353

قول عمر ﵁ في علو الله وفوقيته قال عمر ﵁: (والذي نفس عمر بيده لو أن أحدكم أشار إلى السماء بأصبعه على مشرك ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله؛ لقتلته به). هذا النص خفي على المحقق فقال في الحاشية: لم يتبين لي المراد من هذا القول، والمراد من هذا القول: أن عمر بن الخطاب ﵁ علم أن الله تعالى يقبل دعاء المؤمنين ويقبل دعاء الصالحين، فلو أن واحداً من المؤمنين توجه إلى السماء، أي: إلى الله بالدعاء على مشرك من غير ما جريرة ارتكبها واقترفها استوجبت أن يدعو المسلم والمؤمن عليه، وقتل ذلك المشرك من جراء هذه الدعوة؛ لقتله عمر بن الخطاب؛ لأنه قتل مشركاً بغير ذنب.

стр. 354

قول ابن عباس ﵄ في علو الله وفوقيته وعن مجاهد قال: قيل لـ ابن عباس: إن ناساً يقولون بالقدر -أي: يتكلمون فيه وينفون علم الله ﵎ بما كان وما سيكون- فقال: (يكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه)، يعني: لئن ظفرت بواحد منهم لأضربنه ضرباً مبرحاً، وعبر عنهم بأنه إذا لقي الواحد منهم أخذ شعره حتى يقطعه ولا يبقي في رأسه شعرة، قال: (إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه)، والشاهد في قول ابن عباس في الباب: إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فإن الله تعالى كان على العرش، وأهل العلم اختلفوا: هل القلم خلق أولاً أو العرش؟ لأنه قد وردت نصوص تدل على أن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، وورد أن الله تعالى قبل أن يخلق شيئاً من مخلوقاته خلق العرش؛ لأنه كان على العرش ولم يكن شيئاً. واختلاف أهل العلم له محاضرة أخرى؛ لأن الكلام فيه والتأويل فيه طويل جداً، ويحتاج إلى صفاء ذهن في هذه الجزئية على جهة الخصوص: هل خلق العرش أولاً أو القلم؟ ولكن الراجح: أن القلم خلق أولاً، وخلق الله تعالى العرش فاستوى على العرش. وعن عكرمة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧]، ولم يقل: سآتيهم من فوقهم. قال ابن عباس: لم يستطع أن يقول: من فوقهم؛ لعلمه أن الله من فوقهم. وعن بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال: ارتفع. لأن استوى في لغة العرب بمعنى (علا وارتفع)، خاصة إذا قيدت بالمولى ﵎، فاللفظ له معنى عند الإطلاق، وله معنى عند التقييد، فعند الإطلاق (استوى) بمعنى: (علا وارتفع)، وذلك عند العرب، فإنهم لا يعرفون (استوى) إلا بمعنى: (علا وارتفع)، وعند التقييد لها معان متعددة سنذكرها الآن.

стр. 355

شرح قول أم سلمة في استواء الله وعن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. قالت: الكيف غير معقول. أي: إذا كنا متفقين على أن (استوى) بمعنى: (علا وارتفع)، فما هي الكيفية التي استوى الله بها على عرشه؟ هذا أمر لا يدخل في دائرة العقل قط، فهو أمر غيبي، ونحن نؤمن بوجود الله ، ولا يشك أحد في أن الله تعالى ذات موجودة، لكن لو قلنا لواحد: صف لنا الله ؛ فإنه لا يستطيع، والذي لا يستطيع أن يصف المولى ﵎ لا بد أنه سيعجز عن وصف صفاته، وعلى ذلك فإنه سيعجز كذلك عن معرفة كيفية يد الله ، وساق الله ، وعين الله ، ووجه الله ؛ وذلك لأن اليد من الصفات، والوجه من الصفات، والساق من الصفات، وكذلك الأمر في بقية الصفات. والصفات في حق المخلوقين هي المكونة للذات، فإذا قلت لك: صف لنا محمداً أو إبراهيم أو سعداً، فإنك تستطيع أن تصفه تماماً؛ لأنك لا تستطيع أن تصف شيئاً إلا إذا كان مماثلاً لأمر أنت رأيته، فلو أني قلت لك: صف لنا إبراهيم! لقلت: إبراهيم طويل أو قصير، أو عريض أو نحيف أو سمين، ذو عينين زرقاوتين، أو أصابعه طويلة، أو أبيض أو أسود، حليم غضوب، وغير ذلك من الصفات، فأنت تصف إبراهيم بهذه الدقة؛ لأنك رأيت إبراهيم، أو رأيت من هو مثل إبراهيم، وهكذا فتستطيع أن تصف إبراهيم من خلال مثيله. ولكن الله ﵎ ليس له مثيل، وأنت لم تر الله ، إذاً: الله ﵎ غيب عن الخلق أجمعين؛ فلا نستطيع أبداً أن نصف المولى ﵎، نعجز عن ذلك؛ لأنه غيب، وهو لا مثيل له ولا عدل له ولا كفء له؛ ولأنه منزه عن الشريك والمثيل والضد وغير ذلك من أنواع المماثلات والمتشابهات في عالم المخلوقات، فإذا كان الله ﵎ غيباً عنا على هذا النحو الذي ذكرناه، فإما أن ننكره وإما أن نثبته، فإن أنكرناه لا بد أن ننكر ذاته؛ لأن هذه الذات هي متصفة بتلك الصفات، فإن أنكرناه كفرنا، وإن أثبتنا وجود الذات؛ لا بد أن نثبت وجود الصفات، لكن وجود الصفات يكون على نحو يليق بالذات، ونحن لا نعلم كيفية الذات. فإذا كنت أنا أعجز عن وصف ذات الإله، فلا بد أنني سأعجز عن وصف يده وساقه ووجهه وبقية الصفات اللازمة له ، التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته؛ ولذلك عندما يأتي شخص ويقول لي: كيف الله؟ أقول: هذا أمر أنا لا أعقله، ولا أقدر أن أصفه، فإن قال لي: صف لي يد الله ﵎ فقط، أقول له: لا أقدر على ذلك، والذي لا يستطيع أن يتكلم في الذات لا يستطيع أن يتكلم في الصفات؛ لأن الذات والصفات أمر واحد، وصفات المولى ﵎ -كما قلنا- لازمة لذاته. فالذي يستطيع أن يتكلم في الذات يستطيع أن يتكلم في الصفات، والصواب: أننا لا نستطيع أن نتكلم في الذات، وبالتالي يحرم علينا أن نتكلم في الصفات، ولكن علينا أن نؤمن بها كما جاءت، أليس عندنا إيمان بوجود الله من غير ما نراه ومن غير ما نمثله؟ فلماذا لا نؤمن بصفات الله من غير ما نراها ومن غير ما نمثلها ونشبهها بصفات المخلوقين؟ وهذا أمر لازم لإيمانك بالذات من غير أن تراها، فكذلك لا بد أن تؤمن بالصفات على الوجه اللائق الكامل لله وأنت لم ترها ولا تعرف كيفيتها؛ ولذلك لما سئلت أم سلمة عن معنى الاستواء الذي هو أحد صفات المولى ﵎ قالت: الكيف غير معقول، أي: لا يدخل في دائرة عقلي قط؛ لأن عقلي قاصر وعاجز أن يكيف الاستواء لله . فاستواء المولى ﵎ شيء آخر يختلف عن استواء المخلوقين؛ لأن الذات تختلف عن ذوات المخلوقين، وكذلك الصفات لا بد أن تختلف عن صفات المخلوقين، فالكلام في كيفية الاستواء كالكلام في كيفية كل صفة من صفات المولى ﵎، يمتنع ويستحيل ولا يجوز لأحد أن يمثل ولا أن يشبه، ولا أن يحرف الكلم عن مواضعه؛ فيصرف هذه الصفات عن مدلولها الذي وضعه المولى ﵎ له؛ فلا يجوز لأحد أن يقول: اليد هي القدرة، والعين هي الرعاية، والمجيء هو الأمر، وغير ذلك من صفات المولى ﵎، بل نثبتها كما أثبتها السلف، ونمرها كما جاءت، ولا نتكلم فيها قط، ونؤمن بها على هذا النحو. فإن النبي ﵊ لما نزلت عليه هذه الآيات لم يخف عليه معناها، ولم يناقش أحد من الصحابة النبي ﵊ في كيفية الاستواء؛ وذلك لأنهم يعلمون أن الاستواء بمعنى العلو والارتفاع، فهذا كان أمراً مستقراً لديهم، ولذلك لم يسألوا عنه، بل لم يثبت أن واحداً من أصحاب النبي ﵊ سأل عن صفة واحدة لله ؛ لأنهم سكتوا عن هذه الصفات، وآمنوا بها على هذا النحو الذي وردت به ظاهراً، وعلموا المعنى؛ لأنه لا يعقل أن الله ﵎ يخاطب المخاطبين بكلام هم لا يعلمون معناه؛ ولذلك قالوا: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، يعني: معلوم لنا أن الله تعالى استوى؛ لأنه أخبر في
следующие страницы →