Полный текст (1 284 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الأدلة من السنة على أن الله مستو على عرشه فوق خلقه
ذكر الإمام اللالكائي في هذا الباب -كما ذكر في غيره على عادة المصنفين المسندين- آثاراً وأحاديث بعضها صحيح والبعض الآخر ضعيف، ولا شك أن الحجة في الصحيح، خاصة إذا كان الاحتجاج في باب الاعتقاد، أما الضعيف فلا حجة فيه، ولا حتى في فضائل الأعمال على المذهب الراجح، ولذلك ذكر هنا أحاديث ضعيفة كما ذكر آثاراً أعرضنا عن ذكرها صفحاً؛ لأنها ليس فيها حجة.
ومما صح من روايته عن معاوية بن الحكم السلمي، وهذا الحديث عند الإمام مسلم وهو المعروف بحديث الجارية.
قال معاوية بن الحكم السلمي ﵁: (يا رسول الله! كانت لي جارية ترعى غنيمات لي من قبل أحد والجوانية -أي: كانت لي بنت صغيرة ترعى الغنم بين جبل أحد والجوانية- وإني أطلعتها يوماً إطلاعة، فوجدت ذئباً قد ذهب منها بشاة)، يعني: اختبرتها وراقبتها ذات يوم؛ فوجدت ذئباً أخذ شاة من تلك الغنيمات.
قال: (وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون)، يعني: أحزن لفقدان مالي وأغضب، (فصككتها صكة)، يعني: لما غفلت عن تلك الغنيمات؛ صفعتها وصككتها على وجهها صكة.
قال: (فعظم ذلك على النبي ﷺ ، استعظم ذلك جداً وأنكره.
قال معاوية: (فقلت: يا رسول الله! ألا أعتقها؟ -أي: فيكون ذلك كفارة لي؟ - فقال: ادعها إلي، فقال لها النبي ﵊: أين الله؟ قالت: الله في السماء)، وهذه جارية صغيرة، وإن شئت فقل: بدوية لا تعرف من دينها ولا من دنياها شيئاً غير أنها ترعى الأغنام في الجبل، ومع هذا لم تقع فيما وقع فيه فرق كثيرة من فرق المسلمين، وضلت فيه جماعات من أمة محمد ﵊: كالجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم.
فقالت هذه الجارية: (الله في السماء.
قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله! فقال النبي ﵊ لـ معاوية بن الحكم السلمي: اعتقها فإنها مؤمنة)، فرتب النبي ﵊ إيمان هذه الجارية على معرفتها بذات الله ﵎، وأنه مستو على عرشه في السماء، وأنها أقرت برسالة ونبوة النبي ﵊، وهذا بلا شك أعظم علامات الإيمان: اعتقادك بالله واعتقادك بأن محمداً ﷺ نبيه ورسوله.
انظروا إلى هذه الجارية الصغيرة في السن، البدوية التي لا حظ لها في العلم، علمت بفطرتها أن الله تعالى في السماء، مستو على عرشه.
وعن أبي هريرة: (أن رجلاً أتى النبي ﵊ بجارية سوداء أعجمية)، والأعجمي ليس بلازم ألا يكون عربياً، فالأعجمي: هو كل من لم يجد اللسان العربي، ولكنه يتكلم بلسان آخر، وكذلك العربي الذي لا يستطيع أن يفصح عما في نفسه بلسان عربي فصيح مبين يسمى أعجمياً وإن كان عربياً.
أتى رجل إلى النبي ﵊ بجارية سوداء أعجمية فقال: (يا رسول الله! إن علي عتق رقبة مؤمنة)، يعني: قد فعلت فعلاً يستوجب أن أعتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ : (أين الله؟ فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء، فقال لها: من أنا؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله ﷺ وإلى السماء)، أي: أنت رسول الله الذي في السماء، وهذه جارية أعجمية؛ فقال النبي ﵊: (اعتقها)، يعني: هي تصلح أن تكون كفارة لذنبك؛ لأنها مؤمنة، وإن الذنب الذي ارتكبته ورتب الله ﵎ عليه عتق رقبة مؤمنة هذه الجارية بهذه الإجابة مؤمنة وهي تجزئ في كفارتك؛ فأعتقها.
قال: [وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع نظره إلى السماء -وهذا محل الشاهد وفي رواية: بصره إلى السماء- فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)].
الشاهد: أن المرء إذا توضأ ثم رفع بصره إلى السماء، لماذا يرفع بصره إلى السماء؟ لماذا لا يضع وجهه في الأرض وينادي المولى ﵎؟
الجواب
لداعي الفطرة في قلبه وفي روحه ونفسه أن الله تعالى في السماء، وما وجدنا واحداً قط من المسلمين، بل ولا حتى من غير المسلمين يدعو الله ﵎ إلا وهو يتوجه بيديه وبوجهه ورأسه ورقبته، بل وبكليته إلى جهة السماء؛ لأن داعي الفطرة من داخله يناديه أن الله تعالى في السماء، وأنك إن توجهت إليه بالدعاء قبل الله دعاءك.
وهذا الحديث محل خلاف بين أهل العلم من المحدثين، فبعضهم يحسنه، والبعض الآخر يضعفه، كالذي بعده؛ لأنه من رواية أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وهو أبوه، وقيل: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه إلا بعض أحاديث -أربعة أو خمسة- قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود
стр. 352
أقوال السلف في استواء الله على عرشه وعلوه وفوقيته على خلقه
стр. 353
قول عمر ﵁ في علو الله وفوقيته
قال عمر ﵁: (والذي نفس عمر بيده لو أن أحدكم أشار إلى السماء بأصبعه على مشرك ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله؛ لقتلته به).
هذا النص خفي على المحقق فقال في الحاشية: لم يتبين لي المراد من هذا القول، والمراد من هذا القول: أن عمر بن الخطاب ﵁ علم أن الله تعالى يقبل دعاء المؤمنين ويقبل دعاء الصالحين، فلو أن واحداً من المؤمنين توجه إلى السماء، أي: إلى الله بالدعاء على مشرك من غير ما جريرة ارتكبها واقترفها استوجبت أن يدعو المسلم والمؤمن عليه، وقتل ذلك المشرك من جراء هذه الدعوة؛ لقتله عمر بن الخطاب؛ لأنه قتل مشركاً بغير ذنب.
стр. 354
قول ابن عباس ﵄ في علو الله وفوقيته
وعن مجاهد قال: قيل لـ ابن عباس: إن ناساً يقولون بالقدر -أي: يتكلمون فيه وينفون علم الله ﵎ بما كان وما سيكون- فقال: (يكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه)، يعني: لئن ظفرت بواحد منهم لأضربنه ضرباً مبرحاً، وعبر عنهم بأنه إذا لقي الواحد منهم أخذ شعره حتى يقطعه ولا يبقي في رأسه شعرة، قال: (إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه)، والشاهد في قول ابن عباس في الباب: إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فإن الله تعالى كان على العرش، وأهل العلم اختلفوا: هل القلم خلق أولاً أو العرش؟ لأنه قد وردت نصوص تدل على أن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، وورد أن الله تعالى قبل أن يخلق شيئاً من مخلوقاته خلق العرش؛ لأنه كان على العرش ولم يكن شيئاً.
واختلاف أهل العلم له محاضرة أخرى؛ لأن الكلام فيه والتأويل فيه طويل جداً، ويحتاج إلى صفاء ذهن في هذه الجزئية على جهة الخصوص: هل خلق العرش أولاً أو القلم؟ ولكن الراجح: أن القلم خلق أولاً، وخلق الله تعالى العرش فاستوى على العرش.
وعن عكرمة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧]، ولم يقل: سآتيهم من فوقهم.
قال ابن عباس: لم يستطع أن يقول: من فوقهم؛ لعلمه أن الله من فوقهم.
وعن بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال: ارتفع.
لأن استوى في لغة العرب بمعنى (علا وارتفع)، خاصة إذا قيدت بالمولى ﵎، فاللفظ له معنى عند الإطلاق، وله معنى عند التقييد، فعند الإطلاق (استوى) بمعنى: (علا وارتفع)، وذلك عند العرب، فإنهم لا يعرفون (استوى) إلا بمعنى: (علا وارتفع)، وعند التقييد لها معان متعددة سنذكرها الآن.
стр. 355
شرح قول أم سلمة في استواء الله
وعن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
قالت: الكيف غير معقول.
أي: إذا كنا متفقين على أن (استوى) بمعنى: (علا وارتفع)، فما هي الكيفية التي استوى الله بها على عرشه؟ هذا أمر لا يدخل في دائرة العقل قط، فهو أمر غيبي، ونحن نؤمن بوجود الله ، ولا يشك أحد في أن الله تعالى ذات موجودة، لكن لو قلنا لواحد: صف لنا الله ؛ فإنه لا يستطيع، والذي لا يستطيع أن يصف المولى ﵎ لا بد أنه سيعجز عن وصف صفاته، وعلى ذلك فإنه سيعجز كذلك عن معرفة كيفية يد الله ، وساق الله ، وعين الله ، ووجه الله ؛ وذلك لأن اليد من الصفات، والوجه من الصفات، والساق من الصفات، وكذلك الأمر في بقية الصفات.
والصفات في حق المخلوقين هي المكونة للذات، فإذا قلت لك: صف لنا محمداً أو إبراهيم أو سعداً، فإنك تستطيع أن تصفه تماماً؛ لأنك لا تستطيع أن تصف شيئاً إلا إذا كان مماثلاً لأمر أنت رأيته، فلو أني قلت لك: صف لنا إبراهيم! لقلت: إبراهيم طويل أو قصير، أو عريض أو نحيف أو سمين، ذو عينين زرقاوتين، أو أصابعه طويلة، أو أبيض أو أسود، حليم غضوب، وغير ذلك من الصفات، فأنت تصف إبراهيم بهذه الدقة؛ لأنك رأيت إبراهيم، أو رأيت من هو مثل إبراهيم، وهكذا فتستطيع أن تصف إبراهيم من خلال مثيله.
ولكن الله ﵎ ليس له مثيل، وأنت لم تر الله ، إذاً: الله ﵎ غيب عن الخلق أجمعين؛ فلا نستطيع أبداً أن نصف المولى ﵎، نعجز عن ذلك؛ لأنه غيب، وهو لا مثيل له ولا عدل له ولا كفء له؛ ولأنه منزه عن الشريك والمثيل والضد وغير ذلك من أنواع المماثلات والمتشابهات في عالم المخلوقات، فإذا كان الله ﵎ غيباً عنا على هذا النحو الذي ذكرناه، فإما أن ننكره وإما أن نثبته، فإن أنكرناه لا بد أن ننكر ذاته؛ لأن هذه الذات هي متصفة بتلك الصفات، فإن أنكرناه كفرنا، وإن أثبتنا وجود الذات؛ لا بد أن نثبت وجود الصفات، لكن وجود الصفات يكون على نحو يليق بالذات، ونحن لا نعلم كيفية الذات.
فإذا كنت أنا أعجز عن وصف ذات الإله، فلا بد أنني سأعجز عن وصف يده وساقه ووجهه وبقية الصفات اللازمة له ، التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته؛ ولذلك عندما يأتي شخص ويقول لي: كيف الله؟ أقول: هذا أمر أنا لا أعقله، ولا أقدر أن أصفه، فإن قال لي: صف لي يد الله ﵎ فقط، أقول له: لا أقدر على ذلك، والذي لا يستطيع أن يتكلم في الذات لا يستطيع أن يتكلم في الصفات؛ لأن الذات والصفات أمر واحد، وصفات المولى ﵎ -كما قلنا- لازمة لذاته.
فالذي يستطيع أن يتكلم في الذات يستطيع أن يتكلم في الصفات، والصواب: أننا لا نستطيع أن نتكلم في الذات، وبالتالي يحرم علينا أن نتكلم في الصفات، ولكن علينا أن نؤمن بها كما جاءت، أليس عندنا إيمان بوجود الله من غير ما نراه ومن غير ما نمثله؟ فلماذا لا نؤمن بصفات الله من غير ما نراها ومن غير ما نمثلها ونشبهها بصفات المخلوقين؟ وهذا أمر لازم لإيمانك بالذات من غير أن تراها، فكذلك لا بد أن تؤمن بالصفات على الوجه اللائق الكامل لله وأنت لم ترها ولا تعرف كيفيتها؛ ولذلك لما سئلت أم سلمة عن معنى الاستواء الذي هو أحد صفات المولى ﵎ قالت: الكيف غير معقول، أي: لا يدخل في دائرة عقلي قط؛ لأن عقلي قاصر وعاجز أن يكيف الاستواء لله .
فاستواء المولى ﵎ شيء آخر يختلف عن استواء المخلوقين؛ لأن الذات تختلف عن ذوات المخلوقين، وكذلك الصفات لا بد أن تختلف عن صفات المخلوقين، فالكلام في كيفية الاستواء كالكلام في كيفية كل صفة من صفات المولى ﵎، يمتنع ويستحيل ولا يجوز لأحد أن يمثل ولا أن يشبه، ولا أن يحرف الكلم عن مواضعه؛ فيصرف هذه الصفات عن مدلولها الذي وضعه المولى ﵎ له؛ فلا يجوز لأحد أن يقول: اليد هي القدرة، والعين هي الرعاية، والمجيء هو الأمر، وغير ذلك من صفات المولى ﵎، بل نثبتها كما أثبتها السلف، ونمرها كما جاءت، ولا نتكلم فيها قط، ونؤمن بها على هذا النحو.
فإن النبي ﵊ لما نزلت عليه هذه الآيات لم يخف عليه معناها، ولم يناقش أحد من الصحابة النبي ﵊ في كيفية الاستواء؛ وذلك لأنهم يعلمون أن الاستواء بمعنى العلو والارتفاع، فهذا كان أمراً مستقراً لديهم، ولذلك لم يسألوا عنه، بل لم يثبت أن واحداً من أصحاب النبي ﵊ سأل عن صفة واحدة لله ؛ لأنهم سكتوا عن هذه الصفات، وآمنوا بها على هذا النحو الذي وردت به ظاهراً، وعلموا المعنى؛ لأنه لا يعقل أن الله ﵎ يخاطب المخاطبين بكلام هم لا يعلمون معناه؛ ولذلك قالوا: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، يعني: معلوم لنا أن الله تعالى استوى؛ لأنه أخبر في
стр. 356
شرح قول الإمام مالك في استواء الله
الجواب الذي أجابت به أم سلمة قد أجاب به ربيعة الرأي، وأجاب به مالك كذلك، فقد جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته -يعني: ما رأيته غضب غضباً شديداً إلا عندما وجه إليه هذا السؤال- وعلاه الرحضاء، يعني: العرق، وهذا يدل على أن هذا السؤال لم يطرح في عالم السلف، وكان بالنسبة لـ مالك كصاعقة نزلت على رأسه.
قال: وأطرق القوم، وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه، فلما سري عن مالك قال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول -يعني: معلوم لدينا أنه استوى بمعنى: علا وارتفع- والإيمان به واجب على ما جاءت به النصوص من غير تأويل ولا تحريف، والسؤال عنه بدعة.
فالسؤال عن كيفية صفات المولى ﵎ بدعة؛ لأن أمرها موكول إلى الله ، فلا يحل لأحد أن يسأل عن كيفية صفات المولى ؛ لأن الذي يسأل عن كيفية الصفات لا بد أن يسأل عن كيفية الذات، فالله له وجه يليق به ليس كوجوه المخلوقين، وله ساق تليق به ليست كسوق المخلوقين، وله نفس لكن ليست كأنفس المخلوقين، وفي النهاية نعلم أن ذات المولى ﵎ تختلف عن ذوات المخلوقين؛ لأنها تابعة للخالق.
قال: والسؤال عنه بدعة؛ فإني أخاف أن تكون ضالاً، فأمر به فأخرج من المسجد.
وهنا وقفة طيبة جداً: أن من سأل عن شيء تورع عنه السلف؛ فلا بد أن يعلم أن هذا أول الطريق للضلال، خاصة إذا كان تعلقه بالمولى بذاته أو صفاته من جهة الكيفية، لا من جهة العلم والمعنى، ألسنا دائماً نردد هذا الشعار: ما وسع السلف يسعنا؟ لكن لماذا في الأسماء والصفات لم يسعنا ما وسع السلف؟ لماذا السلف سكتوا عن تكييف صفات المولى ونحن لا نريد أن نسكت؟ فالسلف وسعهم أن يؤمنوا ويصدقوا بهذه الأخبار التي أثبتت أن لله ﵎ صفات تليق بجلاله وكماله، لماذا نحن لا نريد أن نسكت؟ ولماذا الأمة كلها لم تسكت، وخاضت في الأسماء والصفات؟ فمنهم من عطل المولى ﵎ وحرَّف الكلم عن مواضعه، بحيث يصل بهم الحال في النهاية إلى أنه لا يوجد شيء اسمه إله متصف بصفات؛ لأن اليد عندهم هي القدرة، والعين هي الرعاية، وغير ذلك من تحريف وتأويل الصفات عن معناها اللائق بالله ؛ هؤلاء معطلة.
ولذلك إذا سألت: أين إله المعطلة؟ سيظهر عندهم أنه إله بلا ساق وبلا يد وبلا عين وبلا وجه وبلا ذات، وصدق ابن تيمية عليه رحمة الله لما قال: المعطل يعبد عدماً، والممثل يعبد صنماً؛ لأن الممثل والمشبه قالا: الله تعالى له يد كيدي، وله عين كعيني؛ فنصل في النهاية إلى أن ربنا عبارة عن شخص من الأشخاص، وذات من ذوات المخلوقين؛ ولذلك قال ابن تيمية: وكل ممثل يعبد صنماً؛ لأن الصنم معلوم لديه، فهذا القول من أفضل أقوال ابن تيمية: الممثل يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً.
فالممثل والمشبه لصفات المولى ﵎ بصفات المخلوقين ينتهي إلى أن هذا الإله هو عبارة عن إنسان، والمعطل الذي أراد بزعمه أن ينزه المولى ﵎ عن منهج المجسمة والممثلة والمشبهة نفى تلك الصفات عن الله ، فأصبح عندهم في النهاية إلهاً بلا صفات، وبهذا وقعوا فيما فروا منه، وقعوا في شر لكن من نوع آخر.
وأهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، لا يعطلون صفات المولى ﵎، بل يثبتونها، ولكن ليس على مذهب المثبتة الممثلة المشبهة، وإنما يؤمنون بما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله على الوجه اللائق بكماله وجلاله، فهم يفارقون المشبهة ويفارقون في الوقت نفسه الممثلة.
стр. 357
شرح قول ربيعة الرأي في استواء الله
وسئل ربيعة عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول -يعني: هو معلوم لدينا- والكيف غير معقول، لا نستطيع أن نعقله؛ لأن العقل لا يدرك إلا ما أحاط به، أما شيء غيبي فلا يدخل في مقدور العقل ولا في حدوده؛ فكيف يعقله؟ أو كيف يكيفه ذلك العقل؟ قال: الكيف غير معقول، ومن الله الرسالة -أي: الأمر بإثبات ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله- وعلى الرسول البلاغ وقد بلغ، وعلينا التصديق، أي: الإيمان بما فرض الله علينا.
وقول مالك: فإني أخاف أن تكون ضالاً، وأمر به -أي: السائل- فأخرج من المسجد؛ هذا يدل على أن كل منحرف عن معتقد السلف ينبغي ألا يجالس؛ لأن مجالس السلف فيها عامة الناس وفيها خاصتهم، وأما الخاصة فلا يخشى عليهم، لكن الخشية كل الخشية أن تفسد عقائد عامة الناس، ولذلك كل مبتدع ضال -خاصة في مسائل الاعتقاد- ينبغي أن يعزل عن مجالس أهل الخير إذا علم عناده وجحوده، أما إذا أتى طالباً للعلم وطالباً للهدى ومنقاداً لأهل العلم من سلف هذه الأمة وممن سار على منهجهم وأخذ من منبعهم؛ فلا شك أن جلوسه هنا مستحب بل واجب عليه.
стр. 358
شرح قول ابن الأعرابي في استواء الله
وعن داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ فقال: هو على عرشه كما أخبر .
انظر إلى الجواب كأنه فسر الماء بالماء، لو قلنا: صف لنا الماء، ستقول: الماء هو الماء، ولا يوجد تفسير أسهل من هذا، والسلف كانوا يفسرون الماء بالماء.
فقال له: ما معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ قال: معناه: أنه على عرشه كما أخبر.
إجابة مريحة لكن لمن أراد أن يرتاح، فقال له: يا أبا عبد الله! ليس هذا معناه، إنما معناه: استولى.
إذا كنا نفسر قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بمعنى: استولى، فمن هذا الذي كان ينازع الله ﵎ على العرش فغلبه واستولى على العرش؟! وهذا من لازم التأويل، إذا كنت تقول: إن (استوى) بمعنى: (استولى) فلا بد أن يكون قد حصل هناك مغالبة بين الله وبين غيره، وكان هذا العرش بينهما، أو كان هذا العرش مع غير الله، وأن الله استولى على ذلك الغير وضربه وهزأه ثم أخذ منه العرش، هل يعقل أن يكون هذا تفسيراً؟ وهل هناك مجنون -فضلاً عن عاقل- يقبل هذا التفسير في حق المولى ؟! إذاً: (استوى) بمعنى: (علا وارتفع) لكن لو قلت: استوى بمعنى: استولى في حق المولى ؛ فهذا يدل على أن المغالبة كانت بين الله وبين غيره، ولكن في النهاية كتب النصر لله ، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
فقال: يا أبا عبد الله! ليس هذا معناه -أي: ليس معناه: علا وارتفع- إنما معناه: استولى.
قال ابن الأعرابي: اسكت، ما أنت وهذا، لا يقال -يعني: لا يقال: (استوى) بمعنى: (استولى) - استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى، أما سمعت النابغة يقول: ألا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد ففي حق المخلوقين لا بأس، لكن في حق الخالق لا.
وقال أبو بكر محمد بن أحمد بن النضر: كان أبو عبد الله بن الأعرابي جارنا، وكان ليله أحسن ليل -يعني: يقيمه ويتعلم فيه- وذكر لنا أن ابن أبي داود سأله: أتعرف باللغة استوى بمعنى استولى؟ وكان ابن الأعرابي لغوياًّ ومحدثاً وفقيهاً، فقال: لا أعرف، إنما استوى بمعنى: علا وارتفع.
وقال ثعلب -أي: أبو العباس -: استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجاً.
وهذا أحد المعاني، (ثم استوى إلى السماء)، أي: أقبل إلى السماء، واستوى على العرش بمعنى: علا، واستوى وجهه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمر: تشابها، واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا معنى استوى في اللغة، واختار من بينها استوى على العرش، بمعنى: علا، فإذا صرف الاستواء لغير الله كانت له معانٍ أخرى، أما إذا قيد بالرحمن فإن الاستواء يكون بمعنى: العلو والارتفاع، هذا الذي يعرف من كلام العرب.
стр. 359
شرح تفسير مقاتل لقوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)
قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، يعني: لو تناجى ثلاثة أو أربعة أو خمسة؛ إلا كان الله تعالى معهم أينما كانوا، حتى وإن أخفوا كلامهم.
أتت امرأة تشتكي زوجها إلى الرسول ﷺ في مسألة الظهار، تقول عائشة: فدخلت المرأة على رسول الله ﷺ وهو في بيته، وكنت في زاوية منها، والمرأة تجادل النبي ﵊ في أمر زوجها الذي قال: أنت علي كظهر أمي، فقال النبي ﷺ : (انتظري حتى يأتينا الوحي).
فانتظرت المرأة فنزل جبريل ﵊ بقوله ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]، تقول عائشة لما نزلت هذه الآية: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات! مع أنها نجوى بين الرسول ﷺ وبين تلك المرأة إلا أن الله سمع ذلك؛ ولذا قالت عائشة للنبي ﵊: (يا رسول الله! ما من شيء صغير ولا كبير، غيب ولا شهادة إلا الله يعلمه؟ قال النبي ﷺ : نعم).
فالله ﵎ مستو بذاته على عرشه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] بسمعه وعلمه وإحاطته وبصره ورعايته وغير ذلك من بقية صفات المولى ﵎ اللازمة لعلمه وسمعه وبصره وإحاطته بالخلق.
قال مقاتل في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، قال: هو على العرش ولن يخلو شيء من علمه.
قوله: (هو على العرش) أي: بذاته، وكلمة (بذاته) لم يتعرض السلف لها ولم يذكروها؛ لأنها معلومة لديهم، فلم يذكروها إلا بعد أن تكلم الخلف المبتدعون في الذات الإلهية، وقالوا: إن الله تعالى مع كل خلقه بذاته.
يعني: لو أنا دخلت الحمام، أو دخلت الحوش، أو دخلت الأماكن النجسة فإن ذات الله ﵎ موجودة معي في هذه الأماكن القذرة والنجسة؟! تنزه الله عن ذلك! فالصحيح: أنني لو صنعت في الحمام صنيعاً أحاسب عليه، فإن الله يعلمه ويراه ويسمعه.
إذاً: الله تعالى مع خلقه بعلمه وسمعه، أما ذاته العلية فإن الله ﵎ قد استوى على عرشه، وقد تحرج السلف من كلمة الذات؛ لأنها لم تكن على لسان النبي ﵊ ولا على لسان أصحابه، فلم يذكروها، والسلف كانوا يتحرجون أشد الحرج من الحق ما لم يتكلم به من قبلهم.
وكلمة الذات حق، ولكن لكونها لم ترد عن السلف؛ فإنهم تورعوا عن ذكرها، مثال ذلك: في قصة خلق القرآن، فإن السلف يقولون: القرآن كلام الله، ولم يقولوا يوماً: مخلوق ولا غير مخلوق؛ لاعتقادهم أنه غير مخلوق، لكن لا يلزم بهذا المعتقد التصريح به، ولما وقع المعتزلة فيما وقعوا وقالوا: هو مخلوق؛ اضطر أحمد بن حنبل ومن معه أن يقولوا: هو غير مخلوق، فكلمة (غير مخلوق) هذه تحرج بعض السلف من ذكرها ونطقها وإطلاقها؛ لأنها لم تأت على لسان الصحابة والتابعين.
لكن في مقابلة أهل البدع وذكرهم لهذا صراحة صرح السلف رضي الله تعالى عنهم بأقوال يكرهونها، لا لأنها الحق، وإنما لأنها لم ترد على لسان السلف، فكذلك لم نجد واحداً من الصحابة يقول: استوى الرحمن على العرش بذاته، وإنما هو علم من نفسه وآمن وصدق بأن الرحمن استوى على العرش، أما كلمة (بغير ذاته) فلم يخض فيها السلف، وإنما خاض فيها الخلف، إذ قالوا: الله معنا في كل مكان بذاته، فالسلف اضطروا إلى التصريح، قالوا: أنتم تقولون: الله معنا بذاته، ولو كان الصحابة يقولون ذلك والنبي ﵊ يقوله؛ فهذا أمر آخر، أما أن تقولوا شيئاً لم يقله الصحابة: إنه معنا بذاته، فالله تعالى عن ذلك، ونحن سنتعرض للذات، ونقول: إن الذات العلية في السماء على العرش، وأما المعية لله فإنها معية علم وسمع.
ولذلك قال: هو على العرش، ولن يخلو شيء من علمه، ولم يقل: من ذاته، يعني: هو على العرش بذاته، وليس شيء يخلو من علمه، يعني: هو معنا بعلمه، وأما ذاته العلية فهي فوق العرش.
стр. 360
قول سليمان التيمي في علو الله وفوقيته
وقال سليمان التيمي -وهو من أئمة السلف-: لو سئلت: أين الله ﵎؟ لقلت: في السماء.
من هذا القول نعلم أن السلف لم يدخلوا في هذه التعقيدات التي دخل فيها الخلف، إنك عندما تقرأ مثلاً: كتاب مقالات الإسلاميين لـ أبي الحسن الأشعري، أو كتاباً من كتب الخلف عموماً -وأبو الحسن سلفي؛ لأنه قد ثبتت سلفيته- لوجدت أمراً صعباً شديداً جداً على العقل وتخشى أن تقبله، فهناك كلام في المقالات مثل الطلاسم، تقول: هذا الكتاب أشبه بالسحر؛ لأن العقيدة أخفى وأدق من ذلك، وهناك كثير من طلبة العلم يقولون: أشق الدروس على نفوسنا وعقولنا دروس العقيدة؛ لدخول المحاضر في تلك التعقيدات الخلفية التي أتى بها الخلف، وأنها أشبه بالكلام الذي لا معنى له، وكأنها سفسطة وخوض في الباطل.
قال التيمي: لو سئلت: أين الله ﵎؟ لقلت: في السماء، فإن قال -أي: السائل-: فأين عرشه قبل أن يخلق في السماء؟ قلت: على الماء، فإن قال لي: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء؟ قلت: لا أدري.
وأنا لست مطالباً أن أستمر معك في هذه الأسئلة، لا بد أن تؤمن كإيماني، وأنا لست مكلفاً بذلك، أعطني نصاً من كتاب الله وسنة رسوله ﵊ يقول بوجوب التسلسل مع هذا السائل.
لا يوجد؛ لذلك قال: لا أدري، وهذا كلام جميل، واعتقاد سليم، وهو من أئمة السلف، ومع هذا يقول في أمر من أمور الاعتقاد: لا أدري؛ لأنه غير مكلف بذلك.
стр. 361
أقوال سفيان الثوري وعبد الله بن نافع وأحمد بن حنبل في علو الله وفوقيته
وقال سفيان الثوري في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، قال: علمه، أي: علمه معكم أينما كنتم.
وعبد الله بن نافع يقول: ملك الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.
وقال يوسف بن موسى البغدادي: قيل لـ أبي عبد الله أحمد بن حنبل: الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه في كل مكان؟ قال أحمد: نعم، على العرش، وعلمه لا يخلو منه مكان.
وفي رواية حنبل أن أحمد سئل عن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧].
انظر! يحتجون بظاهر القرآن الذي هو في ظاهره تعارض، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فيقولون: هذا فوق وهذا تحت، أليس فيه تعارض؟ فأجاب أحمد بأن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، يعني: بعلمه، أما ذاته العلية فهي فوق.
قال: علمه، عالم بالغيب والشهادة، علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد.
أليس العرش مخلوقاً، والكرسي وسع السماوات والأرض، وهو أكبر من العرش، لكنه على أية حال في النهاية هو كالسقف الذي أظل الخلق أجمعين، وله حد.
والله ﵎ باعتباره على العرش له صفة يعلمها هو سبحانه، لكن لا يعلمها أحد من خلقه، لكن ليس له حد سبحانه، إذا كان الذي يتكلم في حد الله يريد أن لله ذاتاً فإننا نؤمن أن الله ﵎ ذات متصف بالصفات ونوافقه على ذلك، أما إذا كان يريد أن الله تعالى محدود يميناً ويساراً، وفي الأمام والخلف، وطولاً وعرضاً؛ فإننا نقول: هذا كفر بواح.
قال: وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السماوات والأرض بعلمه.
стр. 362
قول محمد بن جعفر في استواء الله على عرشه
وسئل محمد بن جعفر عن قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال: من زعم أن الله استوى على العرش استواء مخلوق على مخلوق فقد كفر، ومن اعتقد أن الله استوى على العرش استواء خالق على مخلوق فهو مؤمن.
وهو بهذا يريد أن يقول: إن استواء الخلق غير استواء المخلوق، فإذا اعتقدت أن الله استوى استواء يليق به؛ فأنت مؤمن، وإذا اعتقدت أن الله يستوي كاستوائك أنت؛ فأنت كافر، والذي ينبغي في هذا أن يقال: إن الله استوى على العرش من غير تكييف، يعني: عندما يقال: كيف استواؤه؟ أقول: لا أعلم، هذا علمه لله .
стр. 363
الجمع بين قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) وبين أن الله مستو على العرش
هنا سؤال مهم، والجواب عليه إما أن يكون بالنقل والسمع، وإما أن يكون بالعقل: معية الله ﵎ لخلقه في الوقت الذي نثبت فيه العلو والارتفاع هل بينهما تناقض؟ كيف تجمع بين أن الله على العرش وهو كما في الآية: ﴿مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]؟ فإنك إن لم يكن عندك علم تقف، وبعد هذا التوقف تشك، والشك في ذات الله ﵎ وفي صفاته كفر، فهل بين العلو والمعية تناقض؟
الجواب
ليس بينهما تناقض لأول وهلة، حتى لو لم تكن تعرف الجواب، فلعلمك أن هذا ورد في الكتاب تحكم بعدم التناقض؛ لأنه ﴿لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فهذا كلام الله الذي لا يخطئ قط، ولا يجوز عليه الخطأ، بل هو مستحيل في حقه ﵎، فما دام هذا كلامه فلا بد من الجمع والتأويل بما يتناسب مع كمال الله وجلاله، أما من قال بالتعارض والتناقص في حق الله فهو كافر.
стр. 364
ما ورد في القرآن ليس فيه تناقض
الوجه الأول من أوجه
الجواب
أن الله جمع بينهما حين وصف به نفسه، ولو كانا يتناقضان ما صح أن يصف الله تعالى به نفسه، يعني: يكفي أنهما في القرآن قد وردا، فلا يوجد بينهما تناقض؛ لأن الله قال هذا، وهذا إيمان مطلق، ما دام ربنا قال هذا، وما دام النبي ﷺ قال هذا فالكلام صحيح، كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقوله ﵊: (يد الله على الجماعة)، وفي رواية: (يد الله مع الجماعة)، معنى هذا الكلام: أنه عندما أجتمع معك على البر والتقوى فربنا معنا ومؤيدنا وناصرنا ومعيننا، لكن (يد الله على الجماعة) أو (مع الجماعة) عجزت بعض العقول أن تفهم هذا المعنى، فقالوا: لا، اليد هنا ليس المقصود بها اليد الحقيقية لله ، إنما المقصود بها: النصرة والتأييد والإعانة والتثبيت، كيف ذلك والله تعالى قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]؟ فلو كانت اليد بمعنى القوة فهذا صرف للصفة عن مدلولها الحقيقي، وكأنك تقول: إنه ليس لله يد، ولو كانت اليد بمعنى القدرة فأنت تنفي أن تكون لله يد؛ لأنك أولت، بل حرفت النص عن ظاهره بما ينتج عنه تعطيل المولى عن إحدى صفاته وهي صفة اليد.
فالقول الصحيح في تفسير قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]: فوقية يد الله فوق أيدي الجماعة المؤمنة لا يعلم كيفيتها إلا الله، وهذه قاعدة أخذناها في الدرس الماضي: أن الكلام في صفة واحدة كالكلام في بقية الصفات، والكلام في الصفات كالكلام في الذات.
стр. 365
عدم وجود تعارض بين العلو والمعية
كذلك عندما تمشي في الصحراء ليلاً فإنك تجد القمر معك وهو في السماء معك، فتقول: أنا كنت ماشياً في الصحراء والقمر يمشي معي، لكن المعية هذه تشير إلى أن القمر كان ماشياً بجانبك، فهل كان القمر يمشي بجانبك؟ كذلك لو قال شخص: كنت أمشي في صحراء مكة والشمس تسير معي، فهل سارت الشمس معه؟ والشمس كانت معه بالفعل، فالشمس معي بضوئها، والقمر كذلك معي بضوئه ونوره، فالقمر في السماء بينك وبينه ملايين الأميال، ومع هذا أنت جوزت لنفسك أن تقول: القمر معي، والشمس معي، والنجوم معي، وغير ذلك من المخلوقات.
كذلك السماء فوق الأرض، فعندما أقول: السماء فوق الأرض، هل يلزم من ذلك أن السماء ملاصقة للأرض مماسة لها؟ فكلمة (فوق) عند الإطلاق ولأول وهلة تعني المماسة والالتصاق، فقولي: السماء فوق الأرض، يعني: أن السماء قد التصقت وماست الأرض، وهذا الكلام في الواقع غير صحيح؛ لأن بين السماء الدنيا وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، هذه السماء الدنيا تبعد عن الأرض بنحو خمسمائة عام للراكب المسرع، بل قال بعضهم: بسرعة الضوء، وسمك السماء الواحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام حتى السماء السابعة.
خمسمائة عام في (١٣) أو في (١٤)، وفوق السماء السابعة بحر، وهو الماء المعبر عنه بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] فالماء ليس هو الساحل الأحمر أو الأبيض، بل الماء الذي فوق السماء السابعة، عمقه مسيرة خمسمائة عام، وفوق هذا الماء العرش، وفوق العرش الكرسي، والله تعالى استوى على العرش، انظر إلى علو الله ﵎ على هذه المخلوقات جميعاً بهذه الأبعاد الفلكية الخطيرة التي لا يمكن إحصاؤها، ثم بعد ذلك هو مع خلقه بعلمه وسمعه يرى مكانهم ويسمع كلامهم، ويجازيهم على الإحسان إحساناً، ويقدر لهم خيراً أو شراً على ما صنعوه من شر؛ إما أن يؤاخذ به، وإما أن يعفو عنه.
إذاً: الوجه الثاني في الجمع بين معية الله ﵎ وفوقيته: أنه ليس بين العلو والمعية تعارض، إذ من الممكن أن يكون الشيء عالياً وهو معك، مثلما ذكرنا في القمر والشمس وغيرها.
أرأيت لو أن إنساناً على جبل عال وقال للجنود: اذهبوا إلى مكان بعيد في المعركة وأنا معكم، فمعيته هنا ليست ببدنه، ولكنهم أرادوا أن يثبتوا ذلك من باب المجاز، فقد يقول أمير الجيش للجيش: اذهبوا قاتلوا العدو الفلاني وأنا معكم، ووضع نفسه أو التف على قمة الجبل، ووضع المنظار على عينيه، وهو يرى الجيش رغم المسافات البعيدة بينه وبين الجيش إلا أنه يرى أحوال الجيش، وفي الحقيقة هو ليس معهم إلا بمجرد المنظار، فإذا كان هذا القائد يقول لجنوده: أنا معكم رغم هذا البعد وهو مخلوق، فما بالكم بالخالق ﵎؟
стр. 366
تعذر اجتماع العلو والمعية في حق المخلوق لا يعني تعذر اجتماعهما في حق الخالق
الوجه الثالث: أنه لو تعذر اجتماعهما في حق المخلوق لم يكن متعذراً في حق الخالق؛ للكلام الذي قلناه في الدرس الماضي: أن نظام الأقيسة والجاذبية الأرضية التي يتعامل بها الناس في حياتهم لا يمكن أن تنطبق على الله، ولا أن يخضع لها المولى ؛ لأنها مقاييس ضعيفة وهزيلة تتناسب مع ضعفنا.
أما المولى ﵎ القوي الواحد المتفرد الصمد الذي تلجأ إليه جميع المخلوقات، ولا يلجأ هو لأحد، هو الغني عن الخلق، والخلق كلهم فقراء، غنيهم وفقيرهم فقير إلى الله ﵎، فإذا كان اجتماع المعية والعلو والارتفاع في حق المخلوقين مستحيل، أو غير ممكن، فإنه ممكن في حق المولى ﵎؛ لأن البشر تحكمهم المقاييس، هذه المقاييس والمعايير لا يمكن أن تحكم على الصفات الإلهية؛ لأن الله أعظم وأجل، ولا يمكن أن تقاس صفات الخالق بصفات المخلوقين في ضوء التباين بين الخالق والخلق.
والرسول ﵊ كان يقول في السفر: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل)، يعني: أنت معي في سفري، وأنت معي في أهلي، وأنت خليفتي في أهلي، يعني: أنا يا رب! قد استخلفتك على أهلي أن تحفظهم وترعاهم، وهذا الفهم الذي في عقولنا إنما يتناسب مع المخلوق.
لو قلت لك: يا أخي! ستسافر معي؟ فتقول أنت: أنا موافق، فأقول لك: بشرط أن تخلفني في أهلي؛ فإنك ستقول: أنت مخطئ هل سأقسم نفسي نصفين؟ فإما أن آتي معك وإما أن أخلفك في أهلك، اختر واحدة من اثنتين؛ لأن قدرتي لا تتسع للأمرين، لكن قدرة المولى ﵎ فوق ذلك بكثير، فهو القدير وهو القادر ﵎، فإنه يصحب كل من يسافر، والأمة كلهم مسافرون وحاضرون، والله ﵎ معهم جميعاً في الحضر والسفر.
قال ﵊: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) فجمع بين كونه صاحباً له في السفر، وخليفة له أيضاً في أهله.
وفي الحديث القدسي العظيم في سورة الفاتحة: (إذا قال العبد أو المصلي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الرب: حمدني عبدي)، فكم من الناس يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]؟ ملايين، مع أن لكل واحد من الله جواباً على حده؛ لأن الله ﵎ ساق في هذا الحديث الجواب بصيغة الفرد: (إذا قال عبدي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله ﵎: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي)، والثاني يقول: الحمد لله، وفي نفس الوقت تلقى آخر في مكان آخر بل في نفس المسجد يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٤ - ٦]، ولكل واحد منهم جواب.
فالله ﵎ يجيبه، فلو قلت لك: أنا وأدهم مثلاً سنقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، على نَفَس واحد، وسنقرأ الفاتحة كلها، وأنت تقول: حمد أدهم وحمد حسن، ومجد أدهم ومجد حسن، فهذا ليس في قدرتك، لكن المولى ﵎ عليم بما يقول العباد حتى وإن أسروا في أنفسهم، بل هو أسهل من السهولة عليه ﵎ أن يرد على كل واحد وإن تعددت أقاويل المتكلمين، ويجيب كل واحد بما يتناسب مع سؤاله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢]، حمدني عبدي، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٣ - ٤]، والمولى ﵎ يجيب على جميع الخلائق؛ لأن هذا في قدرته، وإذا كان هذا في مقدور الخالق ﵎؛ فلا بد أن تقر أن المقاييس التي تحكمني أنا ليست هي المقاييس التي تحكم كلام الباري ﵎.
فلما أقول: إن الله ﵎ في السماء وهو معنا، لا بد أن تؤمن بذلك؛ لأنه في مقدوره ﵎ أن يكون معنا، فعندما أسألك عن أخيك مثلاً تقول: هذا يا أخي! مسافر في المنصورة، لي (١٠) سنوات منه ولا أعرف عنه شيئاً، لكن الله ﵎ يعلم عنه كل شيء، ويعلم عنك وأنت هنا كل شيء، ويعلم جميع الخلائق على بعد أوطانهم، وعلى اختلاف ألوانهم وألسنتهم وقلوبهم، يعلم كل شيء، عالم الغيب والشهادة لا يعزب عن علمه شيء يعلم كل ذرة وكل دقيقة؛ لأنه عليم وعلاَّم -صيغة مبالغة- أي: لا يخفى عليه شيء مهما حاول أحد من المخلوقين أن يخفى عن الناس؛ فإنه لا يخفى على الله ؛ لأنه عالم الغيب وعالم الشهادة.
وقد ثبت في السنة أن الصحابة ﵃ كانوا يدعون الله ﵎ بصوت عالٍ جداً، فقال النبي ﵊: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً)، يعني: ادعوا بصوت هادي، فالله يعلم كل هذا ويشاهده؛ لأنه
стр. 367
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة السمع لله
أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وسط بين المجسمة والمعطلة، فهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه ﵊ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تبديل ولا تأويل، سواء في صفات الذات كالسمع والبصر، أو صفات الأفعال كالمجيء والاستواء، وغيرها.
стр. 368
سياق ما دل من الكتاب والسنة في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما دل من كتاب الله، وما روي عن النبي ﷺ في أن الله عالم بعلم].
وهذا في باب الأسماء والصفات للمولى ، وهو من أعظم الأبواب ومن أخطرها، فيجب أن يكون الكلام في هذا الباب في غاية الأهمية، خاصة وأن الذات الإلهية غيب عنا، فإذا كان الأمر كذلك، فهذا يستلزم أن صفاته كذلك غيبٌ عنا، فلا نستطيع أبداً أن نجزم باسم لله ، أو بصفة من صفاته إلا عن طريق السمع والخبر، فأنا أستطيع أن أصفك لأني أراك، والمولى ﵎ ليس كذلك؛ لأنه لا يراه أحد في الدنيا، ولو كان يراه أحد لرآه موسى ﵇ حينما طلب من ربه أن يراه، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣].
فالله ﵎ لم يحقق هذه الرغبة لموسى ﵊، ولكنه قال: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولكن الجبل لم يستقر.
فرؤية المولى ﵎ في الدنيا مستحيلة وغير ممكنة ألبتة، لا نقول إلا أن يشاء الله فلو شاء الله أي شيء كان، ولكن الله تعالى قضى ألا يراه أحد في الدنيا على خلاف الآخرة؛ فإن المؤمنين يرونه رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، بخلاف الكافرين فإن الله تعالى يحجب ذاته ونفسه عن الكافرين عقوبة لهم.
الشاهد من هذا الكلام: إذا كان الله تعالى غيب عنا فلا نعرف أوصافه، ولا أسماءه، وفي المقابل نقول: إن الله تعالى أرسل رسوله، وأنزل معه الكتاب، وأخبرنا في هذا الكتاب أن له أسماء وصفات، فإذا كنا نؤمن بهذا الكتاب، فلابد وأن نؤمن بأن لله أسماء وصفات، والله ﵎ فرق بين الأسماء والصفات.
فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧] أثبت في هذه الآية اسمين: السميع والعليم، فلابد وأن نثبت أن لله هذين الاسمين.
وقال الله تعالى لموسى وهارن: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
والله ﵎ يسمع بسمع، ويبصر ببصر، ويعلم بعلم، ويقدر بقدرة، وهو رحيم برحمة، وقوي بقوة، فهذه الأسماء اشتقت منها الصفات مع أن الصفات ثابتة، فضلاً عن جواز اشتقاق الصفة من الاسم، إلا أن الله أثبت بالنص أن له صفات بخلاف الأسماء ولكنها تتناسب مع الأسماء؛ لأنه هو السميع وهو يسمع، وهو البصير ويبصر، وهو العليم ويعلم.
هذا الكلام أجمعت عليه الأمة إلا المعتزلة، وقليل من الجهمية، قالوا: إن الله تعالى يسمع بغير سمع، ويبصر بغير بصر، ويعلم بلا علم، ويرحم بلا رحمة؛ لأنه عليم بذاته، بصير بذاته، رحيم بذاته.
أرادوا من ذلك إثبات الأسماء ونفي الصفات.
ولكن أهل السنة والجماعة اتخذوا قاعدة في أسماء الله تعالى وصفاته، هذه القاعدة لا يضل من تمسك بها، بل يضل من خالفها وجعلها وراء ظهره، وهي: (أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية).
ومعنى توقيفية: أي: ما أوقفه الشرع، فمثلاً: صلاة الظهر أربع ركعات فقط، بلا زيادة ولا نقصان، فالله تعالى قد شرع وأذن وفرض ألا يصلى الظهر متعمداً أكثر من أربع ولا أنقص منها إلا في حال القصر وهو تشريع بنص.
стр. 369
بيان أن صفات الله وأسماءه توقيفية
إذاً: معنى أن أسماء الله وصفاته توقيفية هو أنني لا أثبت لله تعالى إلا ما أثبته لنفسه من غير زيادة ولا نقصان، فمثلاً: الله هو المنعم حقاً على جميع العباد، ولا يوجد نص يثبت أن الله تعالى اسمه المنعم، فلا يجوز لي أبداً أن أسمي الله تعالى المنعم، وإن كان الإنعام من صفات الكمال، وهي ثابتة من هذا الوجه لله ، لأنه لا ينعم غيره، ولذلك قال الله تعالى في قصة زيد بن حارثة والنبي ﵊: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فالله تعالى هو المنعم والمتفضل والرزاق، ولكن القضية في إثبات الاسم من عدمه، هل يجوز لي أن أتبجح بذكر اسم لله تعالى لم يثبته تعالى لنفسه؟
الجواب
لا.
حتى وإن كان هذا الاسم جميلاً ومعناه حسناً، فهذا شيء، وإثباته لله ﵎ شيء آخر.
فمهما كان الاسم جميلاً إذا كان الله تعالى لم يثبته لنفسه في الكتاب، ولم يثبته له رسوله في السنة الصحيحة فلا يجوز لأحد أن يجتهد في إثبات ذلك لله .
стр. 370
بيان أن اسم (الستار) ليس من أسماء الله تعالى
الناس يعتقدون أن من أسماء الله تعالى (الستار)، وليس في كتاب ولا في سنة رسوله ﵊ هذا الاسم، فنسبة هذا الاسم لله تقول وافتراء على الله بغير علم؛ لأن الله تعالى أعلم بذاته، وبما تستحقه ذاته العلية من الأسماء والصفات، فإذا كان الله تعالى لم يسم نفسه بهذا الاسم، فلا يجوز لأحد أن يسمي الله تعالى به.
والستر يحبه الله ، ولم يسم نفسه به، وإنما وصف نفسه به، فقال النبي ﵊: (إن الله حيي ستير، يحب الحياء والستر).
وقال ﵊ فيما رواه مسلم: (من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله يوم القيامة).
فستر الله ﵎ على عباده من صفاته سبحانه وليس من أسمائه، وإذا كان الله تعالى متصفاً بالستر، فلا يجوز أن يسمى الستار، وهذا خطأ واشتقاق على غير منهج السلف؛ لأن منهج السلف في قضية الأسماء والصفات هو التوقف عند النص، فهم لا يثبتون اسماً زائداً على النص ولا ناقصاً عنه، ولذلك قال النبي ﵊: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة).
أي: من علمها وحفظها وعمل بمقتضاها دخل الجنة.
وفي حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك).
فهذا الحديث يبين أن الله ﵎ له أسماء، منها: ما اختص الله نفسه بعلمه ولم يطلع أحداً عليه.
وقوله: (أو علمته أحداً من خلقك).
أي: من الأنبياء، وهذا فيه رد على صناديد الصوفية الذين يدعون دائماً أنهم يعلمون اسم الله الأعظم، وأن الله تعالى أوحى إليهم وأطلعهم على اسمه الأعظم، وهذا افتراء عظيم على الله ؛ لأن الأنبياء أحق بذلك، ومع هذا لم يدع نبي من أنبياء الله ولا رسول من رسله أنه يعلم الاسم الأعظم.
وقوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، أي: حجبته عن خلقك أجمعين أنبياء وغير أنبياء، فإذا كان الله ﵎ له أسماء قد حجبها عن الخلق أجمعين ومنهم الأنبياء فلا يجوز لعامة المسلمين والمؤمنين أن ينسبوا أسماء لله ﵎ لم يصرح المولى بها في كتابه، ولا على لسان رسوله، ولا أطلع أحداً من الخلق أجمعين بما فيهم الأنبياء والمرسلين على هذه الأسماء.
والله تعالى إذا أثبت لنفسه اسماً وصفة فلا يجوز لأحد من الخلق إثبات الاسم ونفي الصفة، أو إثبات الصفة ونفي الاسم، وإنما نتوقف فيما أوقفنا الله تعالى عليه سواءً كان ذلك في باب الأسماء أو في باب الصفات، ولذلك عقد الإمام هذا الفصل والذي بعده لإثبات هذه القضية فقال: [سياق ما دل في كتاب الله، وما روي عن النبي ﷺ في أن الله عالم بعلم].
فهذان اسم وصفة.
стр. 371
بيان أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق
قال: [وأن علمه غير مخلوق].
ليرد على القدرية الذين نفوا علم الله ﵎ الأزلي السابق؛ لأنهم قالوا: إن الله تعالى لم يكن عالماً، ثم علم بعد ذلك، وبعد أن علم خلق الخلق.
فقولهم: (إن الله لم يكن عالماً فصار عالماً).
هذا نقص.
وكذلك قولهم: (لم يكن سميعاً فصار سميعاً)، فالكلام في اسم واحد أو في صفة واحدة كالكلام في جميع الأسماء والصفات، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن الله عالم بغير علم، ولكنه سميع بسمع.
وخلافه تخبط وخبل؛ لأن الكلام في الأسماء والصفات كلها شيء واحد في جهة الإثبات، أو في جهة النفي، فإذا كان في الكمال فهو كلام في الإثبات، وإذا كان في النقص فهو كلام في النقص، لأن الله تعالى متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص.
إذاً: قوله: [إن الله عالم بعلم، وأن علمه غير مخلوق] فيه قضيتين: القضية الأولى: أن الله عالم بعلم.
أي: إثبات الاسم والصفة في وقت واحد.
والثانية: أن علمه غير مخلوق.
قال: [قال الله : ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف:٧].
وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥].
وقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وقال: ﴿بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦].
وقال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤].
وقال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١].
وروى ذلك من الصحابة ابن عباس وبه قال من العلماء: الشافعي وأحمد، وإسحاق، وعبد العزيز بن يحيى الكناني، وأحمد بن سنان الواسطي].
قال: [عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سبق علم الله في خلقه فهم صائرون إليه)]، وإن كان الحديث ضعيفاً إلا أنه يشهد له عدة آثار في ذلك.
ومعنى ذلك: أن علم الله تعالى سابق عن الخلق، ولذلك جاء في صحيح مسلم وغيره أن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، فهل يصح في المعقول والمنصوص أن يصدر هذا من غير عالم؟ إن الواحد منا يتصف بالعلم وبالجهل، وأن علمنا حادث؛ لأن المرء يولد جاهلاً، ثم يتعلم شيئاً فشيئاً، وربما تقدم على الشيء وأنت تجهل ماهيته وحقيقته، وكيف يعمل وكيف ينتج وكيف يسير، ثم تتعلم بعد ذلك.
كما لو أنك اشتريت سيارة أو مكينة أو شيئاً من الأشياء وأنت لا تستطيع أن تتعامل معه؛ لأنك جاهل بحقيقة هذا الشيء، ثم تأتي بمعلم ليعلمك على هذا الجهاز أو غيره، ثم بعد أن تتعلم تصير عالماً بهذا الجهاز؟ لأن الله تعالى خلق فيك العلم بعد أن كنت جاهلاً.
أما الله فلا يوصف بأنه لم يكن عالماً فصار عالماً، فأما علمي فإنه على قدر بشريتي أعلم شيئاً وأجهل أشياء، وعلمي لهذا الشيء الذي أنا تعلمته وعلمته إنما هو علم حادث.
ومعنى أنه حادث: أنه مخلوق.
وأما علم الله ﵎ فإنه علم شامل محيط بجميع الخلائق، فهو يعلم ﵎ ذاته ويعلم أسماءه، ويعلم صفاته كما أنه يعلم كل شيء من خلقه أجمعين.
وأما أنت فعلمك على قدر ما تحتاج وربما أقل مما تحتاج، فلم يدع أحد من الخلق أنه أحاط بكل شيء علماً، أو ادعى صفة من صفات الربوبية إلا أن يكون فرعون، والله تعالى قد كذبه وأهلكه، ولو كان إلهاً كيف يتسنى له أن يموت، مع أن الحياة والقيومية صفتان ذاتيتان لازمتان لله، ولذلك ورد في الأثر: أن امرأة طرقت الباب على فرعون فقال لها: من؟ فقالت وهي بالباب: بئس الإله الذي لا يعرف من في الباب.
أي: أتزعم أنك إله ولا ترى من خلف الباب فكيف ترى الكون؟ ولا ينازع أحد في أن الله تعالى يرى كل كبيرة وصغيرة في الكون، فعلمه محيط، ولو تفكرت في علم الله لوجدت عجباً.
إن الله تعالى يعلم ما في جوفك وما في ظاهرك، وما في جوف الآخرين وظواهرهم، بل وما في جوف السماوات السبع والأرضين السبع وما في ظاهرها، وإن الله تعالى يعلم الموجود، وإن الله تعالى يعلم الغيب ويعلم الشهادة، فعلمه محيط بكل شيء، علم عام وشامل، أما علم المرء فإنه علم قاصر ضعيف حتى في أخص خصوصيات عملك واختصاصك فكثيراً ما تقابل أشياء من صميم عملك فتقول: أنا ما تعلمت هذه القضية، وأنا أجهلها.
إذاً: علم الله تعالى علم لا يقاس به علم، وكذلك سمع الله لا يقاس به سمع، لأنه يسمع كل شيء مهما دق وخفي، فأنت ربما تحدث نفسك بأشياء ومعك جارك أو صديقك أو صاحبك، وربما يقول لك صاحبك: فيم تفكر يا فلان؟ الذي يفكر فيه ذلك المرء يعلمه الله ﵎، ويعلم ما هو صائر إليه، ونتيجة هذا التفكير الذي لا يعلمه العبد إنما يعلمه الله؛ فإن الله ﵎ قبل أن يخلق السماوات والأرض وقبل أن يخلق هذا العبد علم أن عبده فلان
стр. 372
إثبات أن صفة العلم صفة ذات أزلية لله تعالى
قال: [عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قال الرجل عند المريض وكان في علم الله ألا يموت في مرضه ذلك: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفاه الله)].
والشاهد من هذا الحديث: إذا قال الرجل عند مريض في زيارة مرضه: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك شفاه الله تعالى) إذا دعا بها سبع مرات، إذا كان في علم الله الأزلي السابق أن هذا المرض ليس هو مرض الموت، ولذلك كانوا يفرقون بين مطلق المرض ومرض الموت، فمطلق المرض يمرض ويشفى، بينما مرض الموت يموت بسببه، فإذا كان لم يسبق في علم الله أن هذا الرجل في هذا المرض يشفى من مرضه فإنه يشفى بسبب هذا الدعاء.
وهذا يعني أن الله تعالى علم في الأزل أن هذا العبد لم يمت، ولذلك فإن هذا النص يثبت أن الله ﵎ لا يزال عالماً منذ الأزل، ولا ينتهي علمه أبداً، لأن العلم صفة ذات للمولى ﵎.
وصفة الفعل إذا شاء فعل وإذا شاء لم يفعل، مثل صفة الكلام إذا شاء الله تعالى تكلم، وإذا شاء ألا يتكلم لا يتكلم، بخلاف صفة الذات فإنها لازمة له لا يمكن أن تنفك عنه كصفة اليد مثلاً، فإن الله تعالى أثبت لنفسه اليدين فهو متصف بهما أزلاً وأبداً.
ومن قال: إذا شاء الله أن يحتفظ بيديه احتفظ بهما، وإذا شاء أن يستغني عنهما استغنى، فهذا سوء أدب مع الله ، حتى وإن كان ذلك على سبيل المثال.
فهنا نقول: إن صفة العلم صفة لازمة لله ، ليست صفة فعل، لأننا لو قلنا إنها صفة فعل، لجاز لنا أن نقول: إذا شاء علم وإذا شاء جهل، والجهل منتف عنه تعالى، فلابد أن يثبت له العلم أولاً وآخراً، فهنا نقول: الله ﵎ علم أزلاً أن هذا العبد سيموت في هذا المرض أو لا يموت، فإذا كان الله تعالى علم أنه لا يموت في هذا المرض شفاه بسبب هذا الدعاء، وإذا كان علم أزلاً أنه سيموت في هذا المرض، وأنه قدر عليه المرض وكتبه ويموت بسببه، فإن الناس أجمعين لو اجتمعوا على أن يدعوا لهذا المريض لا ينفعه ذلك، ولو أتوا بأصلح من في الأرض وأتقى من في الأرض لا ينفع ذلك الدعاء؛ لأن الله تعالى كتب أزلاً أنه سيموت بهذا المرض، حتى ولو جمع الله الأنبياء والمرسلين يدعون لعبد من عباده بالشفاء، ولكن الله كتب له ألا يشفى من هذا المرض بل يموت فيه لا تقبل دعوات الأنبياء والمرسلين، ولكنه من باب الدعوات وطلب الخير فقط، ولا يلزم أن يشفى منه بسبب دعاء المرسلين، فكم دعا النبي ﵊ لأصحابه في مرض موتهم، ولكن الله تعالى كتب أزلاً أنهم سيموتون في هذا المرض، فكتب لهم الأجر بسبب دعاء النبي ﵊، ولم يملك لهم السلامة والشفاء من هذا المرض.
стр. 373
الرد على ما يروى عن ابن عباس في معنى الكرسي وتأويله بالعلم
قال: [عن ابن عباس قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] قال: علمه].
في الحقيقة: هذا نص لم يثبت عن ابن عباس، والحمد لله أنه لم يثبت، ولو ثبت على مذهب من حسن هذا الأثر فليس فيه حجة؛ لأن الكرسي لا يجوز صرفه عن ظاهره.
فلا يجوز أن أقول: الكرسي بمعنى العلم.
أي: وسع علمه السماوات والأرض؛ لأن سعة علم الله في السماوات والأرض قد ذكرت في آيات ونصوص آخر، والكرسي قد وردت فيه أحاديث تثبت أن لله ﵎ كرسي، فالنبي ﵊ يقول: (إن الله خلق الأرضين، وخلق السماوات وجعل بين السماء الدنيا وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وفوق كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات البحر، وفوق البحر الكرسي، وفوق الكرسي العرش، والله تعالى فوق العرش).
وقال ﵊ لما سئل عن الكرسي، قال: (هو موضع القدمين لله .
فهل يتصور أن علم الله تعالى هو موضع قدميه؟ هذا كلام لا معنى، فكيف يفسر الكرسي بأنه العلم، وهل دعت الضرورة إلى صرف هذا النص وهذا اللفظ عن ظاهره؟
الجواب
لا.
وأهل السنة متفقون على أن ما يخص المولى ﵎ من أسماء وصفات خاصة في أمور الغيب لا يجوز صرفها عن ظاهرها أبداً وإلا وقع الصارف في التعطيل، أي: تعطيل المولى عن صفاته.
стр. 374
حكم القول: (بأن علم الله مخلوق)
قال: [أخبرنا عبد الله بن أحمد بن علي المقرئ، قال: سمعت أبا بكر عبد الله بن محمد بن زيد النيسابوري يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: قال حفص الفرد: علم الله مخلوق.
قال الشافعي: كفرت بالله العظيم].
هذا القول إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان؛ لأن كل مخلوق حادث جديد، وعلم الله ﵎ أزلي أولي، فهل يتصور أن الله تعالى لم يكن عالماً فصار عالماً حتى نقول إن علم الله مخلوق؟! فضلاً عن أن كل مخلوق يفنى، وما من شيء إلا وهو حادث يطرأ عليه البلى والفناء، فهل الله ﵎ لم يكن عالماً فصار عالماً، ولزاماً أن نقول: إن علمه حادث ومخلوق، وكل مخلوق فان، فهل كان الله تعالى جاهلاً ثم صار عالماً، ثم يئول بعد ذلك إلى الجهل؛ لأنه إذا كان علمه حادثاً فلابد وأن يفنى، فهذا كلام هو للكفر أقرب منه إلى الإيمان.
ولذلك كفَّر أهل العلم من قال بهذا القول: [قال الشافعي: كفرت بالله العظيم].
أي: كونك تقول: إن علم الله حادث.
وهؤلاء المبتدعة يتكلمون من طرف خفي ومع خاصتهم في صفة واحدة لا في كل الصفات، ثم يصير من سمع هذا الكلام فرحاً ببيان بدعة ذلك المبتدع في علم الله، وليس في علم الله فحسب، وإنما في جميع الصفات، لأن أهل السنة يعتقدون أن الكلام في صفة واحدة كالكلام في جميع الصفات إما إثباتاً أو نفياً، فمن قال: إن علم الله حادث أو مخلوق، يلزمه أن يقول: إن سمع الله تعالى كذلك، وحلم الله تعالى كذلك، وقدرة الله تعالى كذلك، وأنه لم يكن قادراً فصار قادراً، ولم يكن سميعاً فصار سميعاً، ولم يكن مبصراً فصار بصيراً بعد ذلك، وكذا في بقية الصفات.
ولماذا تقول بالذات: (علم الله تعالى حادث)، مع أن العلم صفة، والسمع صفة والرحمة صفة، والقوة صفة، والإرادة صفة والمشيئة صفة، فلم تقول هذا في صفة وتترك في بقية الصفات؟ لابد أنه سيعجز عن جواب هذا السؤال.
ولذلك لما أتى يحيى بن يعمر البصري إلى مكة ومعه حميد بن عبد الرحمن البصري قال له: لعل الله تعالى يقيض لنا أحداً من أصحاب النبي ﵊ قال: فأتينا الكعبة فوجدنا أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر يطوف بها.
قال: فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي أسأله أنا فقلت: أبا عبد الرحمن! قد ظهر قبلنا أناس يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف.
والشاهد في قوله: (وأن الأمر أنف).
يعني: مستحدث.
أي: أن الله لا يعلمه أزلاً، وما علمه إلا بعد أن وقع بالفعل.
يعني: أن الله ﵎ على مذهب الجعد وتلميذه الجهم بن صفوان - لا يعلم قبل صلاة العشاء أنه هناك درس، وما علم أن هناك درس في مسجد الهدى إلا بعد يوم السبت حقيقة.
فهل يتصور في جنب الله أنه لم يكن عالماً به إلا بعد أن وقع فعلمه؟ وهذا يعني أن صفات المولى خلقت له ، وهذا كلام هو إلى الكفر أقرب، ولذلك كفر عبد الله بن عمر هؤلاء وتبرأ منهم.
وفي رواية أنه قال: أو قد قالوها؟ كأن الصحابة ﵃ كانوا يتوقعون أن يظهر هذا، ولذلك ورد في صفاتهم أنهم يتنطعون ويتعمقون، وهذا شأن كل متنطع في دين الله أن يبوء بالفشل، وقد صح عن النبي ﷺ فيما رواه البخاري أنه قال: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا).
فما من إنسان تشدد في دين الله في كل مسائله وقضاياه أكثر مما ورد فيه النص إلا انقطع، إما غالى مغالاة شديدة جداً فكان حرباً على الإسلام والمسلمين، وإما سقط وترك كل شيء، وخير الأمور أوسطها، وهذه الوسطية وهذا العدل هو الذي كان النبي ﵊ يحيا به وعليه، وكذلك أصحابه الكرام وأهل العلم الذين يقتدى بهم في دين الله .
قال ﵊: (إن دين الله يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه).
يعني: لن يغالب الدين أحد إلا غلبه الدين.
لو أن رجلاً قام الليل كله يصلي لغلبه النوم فنام قبل صلاة الفجر ولم يصل الفجر إلا بعد طلوع الشمس، وإن شئت فقل إلا بعد أذان الظهر؛ لأنه قام الليل كله، وانقطع لذلك عن أداء الفرض، والنبي ﵊ يحذر أن يكون الرجل منا كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
والمنبت: هو المسرع الذي يجري جرياً سريعاً متلاحقاً، فلو أن رجلاً أراد سفراً إلى بلد ما، فركب دابة وظل يضربها على ظهرها، ويأنف أن تمكث وأن تستريح في أثناء الطريق، فإنها ستكل وتعجز عن السير مهما ضربها، فلا هو أبقى الدابة وحافظ عليها، ولا هو وصل إلى البلد التي يريد الوصول إليها، لأنه مسرع على غير العادة متنطع متشدد.
أما الاستمساك بكتاب الله ﵎ وسنة النبي ﵊ على منهاج العدل والوسطية الذي كان علي
стр. 375
الإيمان بمدلول الأسماء والصفات
قال: [وعن إسحاق بن راهويه: إن الله سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة].
والمعتزلة قالوا: إن الله سميع بغير سمع، بصير بغير بصر، قادر بغير قدرة، ومعنى ذلك: أن الله تعالى ذات متصفة بأسماء لا مدلول لها في الواقع.
من الممكن أن يكون الإنسان قوياً ويصرعه أحد الناس، أو كريماً وفيه ما فيه من البخل والشح أو لطيفاً وعنده من الغلظة ما فيه، فلا يلزم من صفات المخلوقين أن يكون لها وجود في الواقع، بل من الممكن أن يتصف المرء بصفة وبضدها، وليس لصفات المولى ﵎ ضد، وإنما ضدها في المخلوقين لا في الخالق، فالله ﵎ اتصف بالحلم فحلمه وسع كل شيء، وهو حليم إلى أقصى درجات الحلم وأكمل درجات الحلم، بحيث لا حلم بعد ذلك، ولا أحد يتصف بهذه الصفات فيداني أو يقارب المولى ﵎، لأنه متفرد في صفاته، فلا أحد في الخلق يبلغ مبلغ الحلم لله ، ولا يدانيه ولا يقترب منه، لأن حلمه عام وحلم المخلوق خاص.
فكذلك لو قلت: إن الله سميع بغير سمع يلزمني أن أقول: ربما يتصف بالسمع وغيره.
أنا ممكن أن أسمى سميع وأنا أصم، وأنا في الحقيقة لا أسمع شيئاً لأنني أصم، فلا يلزم من كون اسمي سميعاً أن أكون سميعاً حقاً.
فهذه المسألة مهمة جداً: إذا قلت: إن الله سميع بغير سمع، وبصير بغير بصر، وعليم بغير علم، يلزمك أن تقول: أنه لا يسمع أصلاً، ولا يبصر أصلاً، ولا يعلم أصلاً، أو أحياناً يعلم وهو لا يعلم، ويبصر وأحياناً لا يبصر، وأحياناً يكون قادراً وأحياناً يكون عاجزاً.
بالنسبة للمخلوق لا يلزم من ذكر اسم قادر أن يكون في كل شيء قادراً، فلا يلزم من كان من المخلوقين اسمه قوي أن يكون قوياً، أو من كان اسمه قادر أن يكون قادراً على كل شيء، إنما يلزم لله أن يكون صاحب القدرة، والقوة المطلقتين، فهو سميع بسمع، وبصير ببصر، وغير ذلك من الأسماء والصفات.
стр. 376
سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله بأن الله سميع بسمع قادر بقدرة
قال: [سياق ما دل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بأن الله سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة، قال الله : ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٤]].
فأثبت لنفسه السمع والعلم.
[قال ﵎: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]].
وهذا قول إبراهيم لأبيه، وهذه الآية بمفهوم المخالفة تثبت أن الإله يسمع ويبصر وهو الغني ولا يغني عنك شيئاً؛ لأنه الغني ﵎.
[وقال في قصة موسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وقال : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، وروي عن عمر أنه كلمته هذه المرأة.
فقيل لها: أكثرت على أمير المؤمنين.
فقال: دعها أما تعرفها؟ هي التي سمع الله منها] أي: فأولى بنا أن نسمع.
فـ عمر ﵁ أثبت لله صفة السمع، فقال: دعها أما تعرفها هي التي سمع الله جدالها.
وهذا نص من عمر بن الخطاب وفيه انقطاع، ولكن يشهد له أصل القصة أنها في كتاب الله .
[وقالت عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات].
يعني: سمع الله ﵎ أحاط بجميع الأصوات، لا أقول: يسمع أصوات الآدميين فحسب، بل وأصوات جميع المخلوقات آدميين وغير آدميين من شجر وبشر وحجر وخيل وريح وجميع المخلوقات.
[وقال النبي ﷺ حين سمع أصحابه يرفعون أصواتهم بالدعاء، فقال: (أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً)].
وكان هذا في غزوة من الغزوات، كانوا كلما نزلوا منزلاً أو صعدوا جبلاً رفعوا أصواتهم بالدعاء، فأتاهم النبي ﵊ فقال: (أربعوا).
يعني: تلطفوا وأرفقوا بأنفسكم، (إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً).
فنفى عنه صفة النقص، وأثبت له صفة الكمال، فالله ﵎ لا يتصف بالصفات التي تليق بالمخلوقين كالصمم وغيرها، فأثبت له الكمال في السمع والبصر، ونفى عنه صفة الأصم والغائب؛ لأن الله تعالى لا يغيب عنه شيء، لأنه حي قيوم.
[وأشار النبي ﵊ في حديث أبي هريرة لما قرأ (سميعاً بصيراً) فوضع أصبعه السبابة التي يدعو بها وإبهامه على عينه وأذنه -يعني بذلك- أن الله تعالى يسمع بسمع، بصير ببصر].
لكن لا يلزم من هذه الإشارة أن الله تعالى له عين كعيني وأذن كأذني، خاصة وأن الذي فعل ذلك هو النبي ﵊، وقد حذرنا من أن نمثل صفات المخلوق بصفات الخالق، ولكن النبي ﵊ أراد أن يبين لنا أن المولى ﵎ يتصف بصفات هي صفات لنا من جهة الاسم فقط، فما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق.
فالقدر المشترك بين سمع الله وسمع المخلوق هو في الاسم فقط ومن ذلك أن الدنيا فيها تفاح والجنة فيها تفاح، والدنيا فيها عسل ولبن وخمر والجنة فيها عسل ولبن وخمر، فهل خمر الجنة وعسلها وتفاحها كخمر الدنيا وعسلها وتفاحها؟ شتان ما بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
إذا كان هذا الاختلاف في المخلوقات التي خلقها الله سواء في الدنيا أو في الآخرة، فإنهما يختلفان تماماً من جهة المذاق والحلاوة، فكذلك صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوق.
قال: [عن أبي موسى ﵁: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) -يعني: أقرب شيء إلى شعر رقبة بعيره- قال أبو موسى: (فقلت في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله)]، فالله تعالى معنا بسمعه وعلمه وبصره، أما ذاته العلية ﵎ فهو فوق العرش.
قال: [عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ، يشرك به ويجعل له ولد، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم) أخرجه مسلم من حديث جرير، والبخاري من حديث الأعمش].
فأي حلم وأي صبر للمولى ! والشاهد من هذا الحديث: إثبات السمع لله ، فهو الذي يخلق الخلق ويعافيهم ويرزقهم الصحة والرزق والمال والطعام والشراب وغير ذلك، ثم بعض هؤلاء الخلق يطوفون حول قبر البدوي، أو الحسين، ويدعونهم من دون الله ، وهذا من أعظم الظلم لله ، وهو أن تجعل لله نداً وهو خلقك.
قال: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إنه سميع بصير، فوضع أصبعه السبابة وإبهامه على عينه وأذنه) أخرجه أبو داود، وهو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه]
стр. 377
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة الوجه والعين لله
صفة الوجه ثابتة لله بأدلة الكتاب والسنة، وقد تضافرت أقوال علماء السنة على إثباتها لله ، كما أثبتها سبحانه لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ ، وهذا كعادتهم في إثبات سائر الصفات الله ، بدون تأويل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل، وقد خالف أهل البدع في ذلك فأولوا هذه الصفة، كما أولوا غيرها من الصفات، ظانين منهم أنهم ينزهون الله بزعمهم عن الأبعاض والأجزاء ومشابهة المخلوقين، وهذا انحراف وضلال مبين.
стр. 378
سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله على أن من صفات الله الوجه
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فإن الوجه ثابت لله في كتابه الكريم، وفي سنة نبيه العظيم ﵊، وأجمع على ذلك سلفنا رضي الله ﵎ عنهم، وخالف في ذلك المتأخرون، أو خالف في ذلك الخلف جميعاً.
وصفة الوجه لله صفة ذاتية خبرية، وليست صفة فعلية، بل هي صفة ذاتية، بمعنى أنها لازمة لذاته منذ الأزل وإلى الأبد، فهي لازمة له أولاً وآخراً ولا تنفك عنه، فهي ليست من صفات الأفعال التي إذا شاء الله تعالى فعلها وإذا شاء لم يفعلها كصفة الكلام والضحك والغضب والإتيان والمجيء والسرور والفرح، وغير ذلك، فهذه صفات فعلية إذا شاء فعلها وإذا شاء لم يفعلها، بخلاف الصفات الذاتية اللازمة له، والتي لا تنفك عنه .
وثبتت هذه الصفة كغيرها من الصفات الخبرية بكتاب الله ، قال: [قال الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]] فهذه الآية أثبتت أن لله ﵎ وجهاً.
قال: [وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]].
أي: وجه الله ﵎.
قال: [عن أبي موسى: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه -يعني: يخفض الميزان ويرفعه- يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفها -أي: لو كشف هذا الحجاب- لأحرقت سبحات وجهه) زاد عبد الله: (كل شيء أدركه بصره)].
فأثبت في هذا الحديث أن له وجهاً.
وقال ﵊ في حديث طويل: [(ما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)]، فإذا رفع هذا الحجاب رأى الناس ربهم ﵎ وذلك في الآخرة.
أي المؤمنون.
وهذا الحديث قطعة من حديث طويل عند البخاري ومسلم في أبواب رؤية الرب ﵎ لأهل الإيمان.
стр. 379
إتيان السلف لصفة الوجه كسائر الصفات
أطبق سلفنا ﵃ وأتباعهم على الإيمان بهذه الصفة كغيرها من صفات الرب ﵎، وإثباتها على ما يليق بالله، وهم لا يفسرونها ولا يؤولونها، وإنما يؤمنون بها كما جاءت، ويمرونها كما جاءت، وهذا مذهب سلفنا ﵃ في جميع الصفات الخبرية لله ، بل وفي جميع الصفات، فهم يؤمنون بها على ما وردت في النص دون أن يتعرضوا لها بالتأويل أو التحريف أو التمثيل أو التكييف، ولا يطلقون عليها شيئاً من الألقاب التي يرددها النفاة -أي: المعطلة أو المتأولون- مثل العضو أو الجزء.
المعطلة والمؤولة يقولون: الوجه لله يلزم منه إثبات أنه كل يتجزأ.
قالوا: فالوجه جزء من البدن والذات، فلو أننا قلنا: إن لله وجهاً للزم أن نقول: إن الله ذات مكون من أبعاض وأجسام وأجزاء.
وهذه هي شبهة الممثلة أو المعطلة الذين أرادوا أن ينزهوا بزعمهم الله ﵎ عن مشابهته للمخلوقين.
قالوا: ولو أننا أثبتنا الوجه للزم من ذلك أن نقول بالأبعاض أو الأجزاء للكل وللذات العلية، ولما كان هذا عندهم يتنافى مع تنزيه المولى ﵎ فقد قالوا: نحن لا نثبت له وجهاً؛ لأن إثبات الوجه يلزم منه أنه جسم.
وإن سلفنا ﵃ لم يذهبوا في هذه الصفة -كما لم يذهبوا في غيرها- إلى مثل هذه التأويلات، بل قالوا: نثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه من صفات النقص، ونثبت له ما أثبته له رسوله من صفات الكمال، وننفي عنه ما نفاه عنه رسوله من صفات النقص، وإذا أثبتنا شيئاً لله ﵎ قد ورد في الكتاب والسنة فإنما نثبته على الوجه اللائق بالله ، ولا نخوض فيه بتأويل أو تعطيل أو تحريف؛ لأننا لو عطلنا هذه الصفة وقلنا: ليس لله وجه فلابد وأن نكون مكذبين بالقرآن الكريم وبأحاديث النبي ﵊.
والله ﵎ أعلم بنفسه من خلقه، ونبيه أعلم به من بقية الخلق، وإذا كان الله ﵎ -وهو أعلم بذاته العلية- قد أثبت لنفسه الوجه فلم لا نثبته نحن؟ وإذا أثبت الرسل لله ﵎ الوجه فلم لا نثبته نحن؟ وإذا كنا متبعين غير مبتدعين فلم لا نتبع النبي ﵊ فيما أمرنا؟ ولم لا ننته عما حذرنا منه؟ ولماذا نعطل الله ﵎ عن صفاته العلية وأسمائه الحسنى؟ وهنا أمر أكرره دائماً؛ لأنه في غاية الأهمية، وهو أن نعتقد معتقد السلف في صفات المولى ﵎ وفي أسمائه العلية، ولو نظرت الآن على وجه المعمورة والبسيطة لوجدت قلة قليلة جداً من أهل العلم -ولا أقول من طلاب العلم ولا من عامة الناس- يعتقدون معتقداً صحيحاً في الله ، وأما عامة أهل العلم فإنهم قد وقعوا فيما حذر منه النبي ﵊، وحذر منه أصحابه الكرام، فقد وقعوا في التأويل تارة، وفي التحريف تارة، وفي التعطيل تارة، وغير ذلك زعماً منهم أنهم ينزهون الله ﵎.
стр. 380
خطأ إطلاق لفظ (كتب التربية الدينية) على الكتب الشرعية
إننا لو نظرنا الآن إلى القائمين على المناهج الدراسية التي أعدت إعداداً لإبعاد أطفالنا وأولادنا عن سلوك طريق الهدى المستقيم، وعن سلوك طريق ربهم لوجدنا أنهم أقوام تربوا على أيدي اليهود تربية طويلة، أخذت أمداً بعيداً من السنين، وإذا نظرنا إلى كتب التربية الدينية، وهذا اسم خطأ، وإنما الصحيح أن تسمى: التربية الشرعية الإسلامية، وليست التربية الدينية؛ فإن اليهود يقولون: التربية الدينية.
والنصارى يقولون: التربية الدينية، ونحن نقول: التربية الدينية.
إذاً: نحن نعترف بأن لليهود ديناً، وغير ذلك، ودين الله ﵎ واحد، فقولنا: التربية الدينية هذا أمر مجمل، وفيه لبس عظيم جداً، وهو يجعل المستمع لهذا المصطلح يقول: هناك تربية دينية لليهود وللنصارى وللمسلمين، ولو قلنا: (التربية الشرعية الإسلامية) لكان أمراً قاطعاً وجازماً، فالمصطلح الأول مصطلح غربي لا علاقة لأهل الإسلام به.
стр. 381
اشتمال المناهج الدراسية على عقيدة التأويل والتحريف والتعطيل والتمثيل
أيضاً: لو نظرنا في أمثال هذه الكتب التي تدرس التربية الشرعية لأولادنا في المدارس وإخواننا في الجامعات لوجدنا فيها التأويل والتحريف والتعطيل بل والتمثيل تارة كما عند النصارى، وهو تمثيل الخالق بالمخلوق، وهذا أمر في غاية الفظاعة، فأولادنا يتربون أعواماً طويلة على هذا الانحراف العقدي، ثم بعد ذلك إذا أردنا أن نضبط هذا الفكر والفهم تعبنا كل التعب؛ لأنهم منذ عشرين عاماً وهم يدرسون تلك العقيدة الفاسدة التي استقوها من جوهرة التوحيد، أو من كتب النسفي، أو من كتب الزمخشري، أو غيرها، فيعز بل يصعب جداً أن يستقيم هذا الذي درس هذا الانحراف أمداً طويلاً، وأن يعود بين يوم وليلة.
وأنا أحذر كل الحذر الإخوة والآباء لهؤلاء الطلاب والتلاميذ، وأنصحهم أن يراجعوا على جهة الخصوص كتب اللغة العربية والتربية الدينية، ويقوموا أولادهم، ويبينوا لهم فساد وعوار ما أدخل في هذه الكتب، وأنه قد حرص واضعيها على إرضاء أسيادهم هنا وهناك.
إن تصحيح معتقدك ومعتقد أبنائك وأهل بيتك أمر في غاية الأهمية؛ لأن العقيدة أهم شيء في حياة المسلم، فإن استقامت استقام ما بعدها، وإن اعوجت فقد اعوج كل شيء بعدها، ولا يسلم للعبد شيء قط إذا كانت عقيدته غير منضبطة على عقيدة السلف رضي الله وتبارك وتعالى عنهم.
والسلف ﵃ يثبتون لله ﵎ الصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله على المعنى اللائق به، وكونهم يثبتون ذلك هذا يرد على المعطلة الذين ينفون هذه الصفات عن الله ، وكونهم يثبتونها على المعنى اللائق بالله يردون به على الممثلة الذين قالوا: إثبات هذه الصفات يستلزم التمثيل، فقال السلف: إثباتها لا يستلزم التمثيل، ولكننا نثبت لله ما أثبته لنفسه على الوجه الذي يليق بذاته العلية.
وإذا كنا نؤمن أن لله ﵎ ذاتاً علية تختلف عن ذوات المخلوقين، فلابد وأن نؤمن لزاماً أن لهذه الذات العلية التي تختلف عن ذوات المخلوقين صفات علية تختلف عن صفات المخلوقين؛ لأنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هناك ذات بغير صفات، فإذا بلغنا هذا المبلغ وعرفنا أن هذه الذات متصفة بصفات، وأنها علية لا تتناسب ولا تتماثل وتتشابه مع ذوات المخلوقين، فلابد أن تكون الصفات كذلك.
стр. 382
شبهة نفاة صفة الوجه والرد عليهم
السلف لا يطلقون على هذه الصفات شيئاً من الألقاب التي يرددها النفاة مثل العضو، والجزء، والبعض، وغير ذلك من الألقاب التي يطلقونها ليتذرعوا بها إلى نفي هذه الصفة، بدعوى أن إثبات هذه الصفة يعني التركيب المستلزم للحاجة والافتقار، فهم يقولون: لو أنكم أثبتم الوجه فلا بد أن تقولوا: إنه بعض من كل؛ لأن الوجه جزء من الجسم ومن البدن، فإذا أثبتنا لله وجهاً فلابد وأنه جزء من ذاته، قالوا: كما أن إثبات اليد يستلزم أن تكون جزءاً من ذاته، وكذلك العين والساق، فهو إذاً: ذات مكونة من أبعاض وأجزاء وأجسام، وهذا كلام في غاية الإجرام في حق الله .
والمخلوق مكون من أجزاء وأجسام وأبعاض، ولو سئلت: هل تقيس الخالق بالمخلوق؟ فلا بد وأنك ستقول: لا، فالذات تختلف عن الذات.
أي: ذات الخالق تختلف عن ذات المخلوق.
وإذا كان هذا النافي أو المشبه يقول بهذا، فنقول له: اختلاف الذات عن الذات يستلزم اختلاف الصفات، وهذا يعني: أن نثبت الصفات، ولكن على الوجه اللائق بتلك الذات، فلما كانت الذات كاملة علية جليلة، فلابد وأن تكون الصفات كذلك، فنثبت لله ﵎ الوجه.
وهم يقولون: الوجه هو الذات.
فإذا سئلوا: لماذا تقولون إن الوجه هو الذات؟ لقالوا: اعتماداً على قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
ونحن نثبت لله ﵎ الساق والوجه واليد والعين والنفس، وكل ما أثبته الله تعالى لنفسه، ولو قلنا بإثبات الوجه الحقيقي لله لقال النفاة: يلزم من إثباتكم الوجه لله : أن ذات الإله هالكة مع من يهلك، ولا ينج إلا وجهه، ويستشهدون بظاهر الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
стр. 383
رد ابن عثيمين على من أول الوجه بالذات
تعرض الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى لرد هذه الشبهة بكلام ممتع وجميل جداً فقال: فإن قيل: ما المراد بالوجه في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]؟ إن قلت: المراد بالوجه الذات، فيخشى أن تكون حرفت -يعني: عطلت- فإذا قلت: إن هذا الوجه عبارة عن الذات فيكون المعنى: إنه ذات بلا وجه، كما قال أحد المفسرين: إن الله ﵎ ليس له وجه، فالله ﵎ يثبت أن له وجهاً، وهو يقول: ليس لله ﵎ وجه.
وقال في قوله تعالى في سورة القصص: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، أي: إلا ذاته.
لأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، فنفى الوجه عن الله ﵎ نفياً صريحاً، وقال: الوجه عبارة عن الذات حيث إنه لا وجه له؛ لأنه يلزمنا من إثبات الوجه أن نشبهه بالمخلوقين، ولما كان لا يشبه المخلوقين ولا يشبهه مخلوق يلزمنا نفي صفة الوجه.
ولذلك قال صراحة في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
أي: إلا ذاته؛ لأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء.
وهذا الرجل الكبير هو فريد وجدي، وتفسير فريد وجدي يقع في مجلد عظيم، وقد سلك فيه مسلك الأشاعرة في كل الصفات، وقد نفى عن الله ﵎ صفة الوجه التي أثبتها الله ﵎ لنفسه، وأثبتها له رسوله الكريم ﵊.
يقول ابن عثيمين ﵀: إن قلت المراد بالوجه الذات فيخشى أن تكون حرفت، وهذا التحريف يستلزم التعطيل، وإن أردت بالوجه نفس الصفة -أي: صفة الوجه- وقعت في محذور، وهو ما ذهب إليه بعض من لا يقدرون الله حق قدره حيث قالوا: إن الله يفنى إلا وجهه.
يقول:
و
الجواب
إن أردت بقولك إلا ذاته يعني: أن الله تعالى يبقى هو نفسه مع إثبات الوجه لله، فهذا صحيح، ويكون هنا عبر بالوجه عن الذات لمن له وجه.
أي: بذات لها وجه.
وإن أردت بقولك الذات: أن الوجه عبارة عن الذات بدون إثبات الوجه، فهذا تحريف وهو غير مقبول.
أي: أن ابن عثيمين مشى على قاعدة: أن السلف يثبتون الصفة ولازمها، فهو يقول: إذا أردت بالوجه الذات فلا بأس بهذا المراد إذا كنت تثبت أن هذه الذات لها وجه، وأما إذا قصدت أن الوجه هنا يعني الذات المجردة عن الصفة فهذا تحريف وتعطيل.
إذاً: لا بأس أن تقصد بالوجه الذات، ولكن مع الإيمان بأن هذه الذات لها وجه.
وهذا كلام جميل ومقبول، وإن كنت لا أستريح راحة كاملة لهذا التأويل، وهذا التفسير والبيان، ولكني أؤمن بالصفة كما جاءت هكذا، ولكن يلزمني أن أجيب عن السؤال، وأقول: من قال: إن الهلاك يلزم كل شيء إلا الوجه، وأن الله ﵎ يهلك فقد كفر.
ويكون معنى الآية: إن الله ﵎ يهلك كل عباده ولا يهلك هو؛ لأن الهلاك صفة عجز ونقص، وهذا لا يجوز على المولى ﵎، بل تبقى ذاته ويبقى وجهه، وربما يكون هذا صياغة أخرى لكلام الشيخ ابن عثيمين حفظه الله، ولذلك يقول: وعليه فنقول: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، أي: إلا ذاته المتصفة بالوجه، وهذا ليس فيه شيء.
والفرق بين هذا القول وبين قول أهل التحريف: إن هؤلاء يقولون: إن المراد بالوجه الذات ولا وجه لهذه الذات.
ونحن نقول: المراد بالوجه الذات المتصفة بأن لها وجهاً، فعبرنا به عن الذات.
أي: فعبرنا بالوجه عن الذات رداً على هذه الشبهة.
وهناك أدلة أخرى في كتاب الله تدل على إثبات هذه الصفة -أي: صفة الوجه لله- ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٢].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٢٢].
ومن السنة: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: (لما قسم النبي ﵊ الغنائم يوم حنين قام إليه رجل وقال: يا محمد! إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله).
فأثبت الوجه لله.
فقال النبي ﵊: (ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟).
يعني: إذا عم الظلم في الأرض فمن يعدل إلا الأنبياء والرسل؟ والشاهد من هذا: أن النبي ﵊ أقره على سياق هذا الكلام وفهمه وأن لله وجهاً، وهذا الرجل هو زعيم الخوارج، ولما ولى قال النبي ﵊: (ليخرجن من ضئضئ هذا -أي: من صلبه وظهره- قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم.
قال: فإذا لقيتموهم فاقتلوهم).
وهم الخوارج.
فهذا إقرار من النبي ﵊ لفهم هذا الرجل أن لله تعالى وجهاً.
ومنها: حديث عبد الله بن عمر ﵄ في الثلاثة الذين حبسوا في الغار، وقصتهم طويلة معروفة مشهورة، وقال كل واحد منهم: اللهم إن
стр. 384
كلام ابن خزيمة في إثبات صفة الوجه لله تعالى
قال إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوجه لله : فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق الشام ومصر مذهبنا أن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا -أي: نشهد به بألسنتنا- ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين -يعني: نؤمن بهذه الصفة كما جاءت دون تشبيه ودون تمثيل- عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين -يعني: لا وجه شبه بين الخالق والمخلوق- ثم استعاذ من مقالة المعطلين النافين لصفات المولى ﵎.
стр. 385
كلام ابن مندة في إثبات صفة الوجه لله تعالى
قال الحافظ ابن منده في كتاب التوحيد: ومن صفات الله التي وصف بها نفسه: قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وكان النبي ﵊ يستعيذ بوجه الله من النار، والفتن كلها، ويسأل بوجه الله ﵎.
ثم سرد ابن منده بسنده أحاديث، ثم قال: بيان آخر يدل على أن العباد ينظرون إلى وجه ربهم .
إلى أن قال: باب آخر: فيه إثبات أن العباد ينظرون إلى وجه الله ، وسرد بسنده ما يدل على ذلك من أخبار سلفنا رضي الله ﵎ عنهم.
стр. 386
كلام الأصبهاني في إثبات صفة الوجه لله تعالى
قال الأصبهاني في كتاب الحجة: ذكر إثبات وجه الله الذي وصفه بالجلال والإكرام، والضمير في قوله (وصفه) يعود على الوجه.
قال: باب: ذكر إثبات وجه الله الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
فهو لم يقل: ذي الجلال، وإنما قال: ((ذُو الْجَلالِ))، وذو الجلال صفة للوجه، ولو قال: ذي الجلال لكان الجلال والإكرام صفتان للرب ﵎، وليس للوجه.
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨].
وهنا لابد أن نفرق بين الآيتين، فلم يقل الله ﵎ في الآيتين: (ذو).
ولم يقل فيهما: (ذي)، وإنما قال في الوجه: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال في الذات: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨].
وهذا يدلنا على إثبات الوجه، وأنه متصف بالجلال والإكرام، وعلى إثبات الذات، وأنها كذلك متصفة بالجلال والإكرام، فمن قال: إن الوجه عبارة عن الذات -أي: أنه ذات بلا وجه- فلابد وأنه سيخطئ في تفسير قوليه ﵎: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو) و (ذِي)، ولن يخرج من هذه الورطة.
وقد تعرض ابن عثيمين ﵀ لهاتين الآيتين اللتين ذكرتا في كتاب الله وتعرض كذلك لأحاديث النبي ﵊، فقال في الآية الأولى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]: وهذه معطوفة على قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦].
ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧].
ولهذا قال بعض السلف: ينبغي إذا قرأت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أن تصلها بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾؛ حتى تبين الاستثناء؛ حتى يتبين نقص المخلوق وكمال الخالق، وذلك للتقابل، فهذا فناء وهذا بقاء.
أي: هذا فناء كتب على المخلوقين، وهذا بقاء واجب لله ﵎.
وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، أي: لا يفنى.
الوجه معناه معلوم عند العرب، فهو ثابت لله ، وكيفيته لدينا مجهولة، كما أن الذات مجهولة لدينا، وكذلك الصفات مجهولة لدينا، ونحن لا نعلم كيفية وجه الله ﵎ كما لا نعلم سائر صفاته، ولكنه يلزمنا أن نؤمن بأن له وجهاً موصوفاً بالجلال والإكرام، وموصوفاً بالبهاء والعظمة والنور العظيم، وقد قال النبي ﵊: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وسبحات وجهه أي: بهاءه وعظمته وجلاله ونوره.
وقوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) فبصره ينتهي إلى كل شيء.
يعني: لو أن الله كشف هذا الحجاب -الذي هو من نور- لأحرقت سبحات وجهه جميع المخلوقين؛ لأن بصره ينتهي إلى جميع المخلوقين، وعليه فلو كشف الله هذا الحجاب -الذي هو النور أو النار- لاحترق كل شيء في الأرض.
ولهذا نقول: هذا الوجه وجه عظيم، ولا يمكن أبداً أن يماثل أوجه المخلوقات.
وبناء على هذا نقول: من عقيدتنا أننا نثبت أن لله وجهاً حقيقة، وقد أخذنا هذا ونأخذه من قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
وهذا الوجه لا يماثل أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
فهذا نفي للمثلية بين الخالق والمخلوق، ونحن نجهل كيفية هذا الوجه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
فإن حاول أحد أن يتصور هذه الكيفية بقلبه، أو أن يتحدث عنها بلسانه فهو مبتدع ضال؛ لأن هذا ليس طريق السلف، وهو قول على الله من غير علم، وقد حرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] فالتعرض لذكر كيفية الوجه لله قول على الله بغير علم.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، أي: أنك مسئول على كل هؤلاء.
وأما قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، فقد وصف نفسه بأنه رب محمد ﷺ ، وهذه ربوبية خاصة، وقوله: ((ذُو)) صفة للوجه، والدليل الرفع، فلم يقل: ذي، وإنما قال: ذو، ولو كانت صفة للرب لقال: ذي الجلال، كما قال في نفس السورة: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْ
стр. 387
معنى قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)
قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، أي: فان.
وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] أي: هالك إلا وجهه، وهي توازي قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] والمعنى: كل شيء فان وزائل، إلا وجه الله فإنه باق، ولهذا قال: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، أي: فهو الحكم الباقي الذي يرجع إليه الناس ليحكم بينهم.
وقيل في معنى الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: إلا ما أريد به وجهه.
وهذا تأويل ثان، والتأويل الأول: أن يراد بالوجه الذات العارية عن الصفات.
وهذا التأويل قد رددناه بقوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو)، ولم يقل: ذي؛ لأن الجلال والإكرام هنا صفة للوجه، بخلاف قوله ﵎: ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ))، فذي الجلال صفة للرب ﵎.
وأما التأويل الثاني لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: إلا ما أريد به وجهه ﵎، فيكون هذا الهلاك على الأفعال، أي: أفعال العباد، فكل من فعل فعلاً لا يبتغي به وجه الله فهو هالك، أي: يصبح هباء منثوراً.
وهناك أحاديث أخرى كثيرة جداً في الأمر بلزوم النية الصالحة في العمل والإخلاص لله ، وهي تبين أن من عمل عملاً على غير هذا النحو فإنه يكون هباء منثوراً، بل صاحبه في النار، ولذلك قال النبي ﵊: (من تعلم العلم ليتصدر به المجالس، أو يماري به السفهاء، أو يجادل به العلماء فالنار النار)، مع أنه تعلم العلم، ولكنه لم يتعلمه لوجه الله ، ولم يخلص فيه لله ، وإنما تعلمه بنية سيئة فاسدة، وقد قال ﵊: (إنما الأعمال بالنيات).
فالنية يترتب عليها الجزاء والعقاب، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فقولهم في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] بأنه: إلا ما أريد به وجهه هذا كلام فاسد جداً؛ لأنه يلزم منه نفي الصفة؛ لأن الهلاك سيكون مترتباً على الفعل نفسه، وهم قالوا: إن سياق الآية يدل على ذلك، فقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] كأنه يقول: لا تدع مع الله إلهاً آخر فتشرك به؛ لأن عملك وإشراكك هالك، أي: ضائع سدى، إلا ما أخلصته لوجه الله، فإنه يبقى، لأن العمل الصالح له ثواب باق لا يفنى في جنات النعيم.
والمعنى الأول أسد وأولى.
стр. 388
تأويل أهل التحريف للوجه بالثواب والرد عليهم
أيضاً: فسر أهل التحريف وجه الله بالثواب، فقالوا: المراد بالوجه هنا: الثواب، فكل شيء يفنى إلا ثواب الله فإنه لا يفنى.
وإذا قلنا: إن الوجه الثواب لزمنا أن نقول: إن الذات غير متصفة بالوجه.
يعني: أنها ذات بلا وجه، وهذا تعطيل.
ففسروا الوجه الذي هو صفة كمال لله بشيء مخلوق بائن عن الله قابل للعدم والوجود؛ لأن الثواب إذا شاء الله ﵎ أوجده وإذا شاء جعله هباء منثوراً، فالثواب بيد الله ، فهو يثيب عبداً ولا يثيب آخر، والثواب على هذا النحو مخلوق؛ لأنه حادث، فأنت لن تثاب إلا إذا عملت، فثواب الله ﵎ مخلوق حادث ومترتب على العمل، والعمل كذلك مخلوق وحادث، فإذا قلنا: إن الوجه في الآية المراد به الثواب فالثواب حادث، ووجه الله ﵎ ليس حادثاً، فلا يصح أن نقول: إن الوجه مقصود به الثواب، بل الذي يصح أن نثبت لله ﵎ وجهاً على المعنى الذي يليق بكماله وجلاله، فإذا فسر بالثواب صار من باب الممكن الذي يجوز وجوده وعدمه.
стр. 389
بيان أن كل الآيات التي ذكرت الوجه مضافاً إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له
الأصل أن كل آية فيها إثبات الوجه مضافاً إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢].
وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠].
وما أشبههما من الآيات، فالأصل أن المراد بالوجه المضاف إلى الله وجه الله ﵎، الذي هو صفة من صفاته.
стр. 390
اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) وبيان الصحيح منها
اختلف المفسرون في آية واحدة، وهي قوله الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقال بعضهم: ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا)) أي: إلى أي مكان وليتم وجوهكم عند الصلاة، ((فَثَمَّ)) أي: فهناك وجه الله .
ومنهم من قال: إن الوجه بمعنى الجهة، وإن معنى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: فثم الجهة التي وجهكم الله تعالى إليها، وهذا تأويل أيضاً، فأولوا ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: فثم الجهة، فأولوا الوجه بالجهة، وقالوا: إن الوجه بمعنى الجهة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨].
فلم يقل: لكل وجه هو موليه، ولكن قال: لكل وجهة.
فالوجه عند هؤلاء هو الجهة، أي: فثم جهة الله التي يقبل الله صلاتكم إليها، قالوا: لأنها نزلت في حال السفر، فإذا صلى الإنسان النافلة فإنه يصلي حيث كان وجهه، أو إذا اشتبهت عليه القبلة، فإنه يتحرى ويصلي، سواء كان ذلك في الفرض أو في النافلة.
والصحيح أن المراد بالوجه هنا هو وجه الله ﵎ الحقيقي، أي: إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله ﵎؛ لأن الله محيط بكل شيء، ولأنه ثبت عن النبي ﵊ أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله يقبل عليه بوجهه، ولهذا نهى النبي ﵊ أن يبصق الرجل عن أمامه أو عن يمينه، ولكن إذا أراد أن يبصق فليبصق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، فإن الملائكة تلازم يمينه، وإن الله ﵎ من تلقاء وجهه.
فإذا صليت في مكان لا تدري أين القبلة فيه واجتهدت وتحريت وصليت ثم بان أن القبلة خلفك فالله يكون قبل وجهك حتى في هذه الحال، ويقبل عليك بوجهه؛ لأنك قد بذلت ما في وسعك وتحريت ما أمكنك.
وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية.
следующие страницы →