← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كلام الأصبهاني في إثبات صفة الوجه لله تعالى قال الأصبهاني في كتاب الحجة: ذكر إثبات وجه الله الذي وصفه بالجلال والإكرام، والضمير في قوله (وصفه) يعود على الوجه. قال: باب: ذكر إثبات وجه الله الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]. فهو لم يقل: ذي الجلال، وإنما قال: ((ذُو الْجَلالِ))، وذو الجلال صفة للوجه، ولو قال: ذي الجلال لكان الجلال والإكرام صفتان للرب ﵎، وليس للوجه. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]. وهنا لابد أن نفرق بين الآيتين، فلم يقل الله ﵎ في الآيتين: (ذو). ولم يقل فيهما: (ذي)، وإنما قال في الوجه: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال في الذات: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]. وهذا يدلنا على إثبات الوجه، وأنه متصف بالجلال والإكرام، وعلى إثبات الذات، وأنها كذلك متصفة بالجلال والإكرام، فمن قال: إن الوجه عبارة عن الذات -أي: أنه ذات بلا وجه- فلابد وأنه سيخطئ في تفسير قوليه ﵎: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو) و (ذِي)، ولن يخرج من هذه الورطة. وقد تعرض ابن عثيمين ﵀ لهاتين الآيتين اللتين ذكرتا في كتاب الله وتعرض كذلك لأحاديث النبي ﵊، فقال في الآية الأولى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]: وهذه معطوفة على قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]. ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]. ولهذا قال بعض السلف: ينبغي إذا قرأت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أن تصلها بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾؛ حتى تبين الاستثناء؛ حتى يتبين نقص المخلوق وكمال الخالق، وذلك للتقابل، فهذا فناء وهذا بقاء. أي: هذا فناء كتب على المخلوقين، وهذا بقاء واجب لله ﵎. وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، أي: لا يفنى. الوجه معناه معلوم عند العرب، فهو ثابت لله ، وكيفيته لدينا مجهولة، كما أن الذات مجهولة لدينا، وكذلك الصفات مجهولة لدينا، ونحن لا نعلم كيفية وجه الله ﵎ كما لا نعلم سائر صفاته، ولكنه يلزمنا أن نؤمن بأن له وجهاً موصوفاً بالجلال والإكرام، وموصوفاً بالبهاء والعظمة والنور العظيم، وقد قال النبي ﵊: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). وسبحات وجهه أي: بهاءه وعظمته وجلاله ونوره. وقوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) فبصره ينتهي إلى كل شيء. يعني: لو أن الله كشف هذا الحجاب -الذي هو من نور- لأحرقت سبحات وجهه جميع المخلوقين؛ لأن بصره ينتهي إلى جميع المخلوقين، وعليه فلو كشف الله هذا الحجاب -الذي هو النور أو النار- لاحترق كل شيء في الأرض. ولهذا نقول: هذا الوجه وجه عظيم، ولا يمكن أبداً أن يماثل أوجه المخلوقات. وبناء على هذا نقول: من عقيدتنا أننا نثبت أن لله وجهاً حقيقة، وقد أخذنا هذا ونأخذه من قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]. وهذا الوجه لا يماثل أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. فهذا نفي للمثلية بين الخالق والمخلوق، ونحن نجهل كيفية هذا الوجه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]. فإن حاول أحد أن يتصور هذه الكيفية بقلبه، أو أن يتحدث عنها بلسانه فهو مبتدع ضال؛ لأن هذا ليس طريق السلف، وهو قول على الله من غير علم، وقد حرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] فالتعرض لذكر كيفية الوجه لله قول على الله بغير علم. وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، أي: أنك مسئول على كل هؤلاء. وأما قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، فقد وصف نفسه بأنه رب محمد ﷺ ، وهذه ربوبية خاصة، وقوله: ((ذُو)) صفة للوجه، والدليل الرفع، فلم يقل: ذي، وإنما قال: ذو، ولو كانت صفة للرب لقال: ذي الجلال، كما قال في نفس السورة: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْ

стр. 387

معنى قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، أي: فان. وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] أي: هالك إلا وجهه، وهي توازي قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] والمعنى: كل شيء فان وزائل، إلا وجه الله فإنه باق، ولهذا قال: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، أي: فهو الحكم الباقي الذي يرجع إليه الناس ليحكم بينهم. وقيل في معنى الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: إلا ما أريد به وجهه. وهذا تأويل ثان، والتأويل الأول: أن يراد بالوجه الذات العارية عن الصفات. وهذا التأويل قد رددناه بقوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو)، ولم يقل: ذي؛ لأن الجلال والإكرام هنا صفة للوجه، بخلاف قوله ﵎: ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ))، فذي الجلال صفة للرب ﵎. وأما التأويل الثاني لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: إلا ما أريد به وجهه ﵎، فيكون هذا الهلاك على الأفعال، أي: أفعال العباد، فكل من فعل فعلاً لا يبتغي به وجه الله فهو هالك، أي: يصبح هباء منثوراً. وهناك أحاديث أخرى كثيرة جداً في الأمر بلزوم النية الصالحة في العمل والإخلاص لله ، وهي تبين أن من عمل عملاً على غير هذا النحو فإنه يكون هباء منثوراً، بل صاحبه في النار، ولذلك قال النبي ﵊: (من تعلم العلم ليتصدر به المجالس، أو يماري به السفهاء، أو يجادل به العلماء فالنار النار)، مع أنه تعلم العلم، ولكنه لم يتعلمه لوجه الله ، ولم يخلص فيه لله ، وإنما تعلمه بنية سيئة فاسدة، وقد قال ﵊: (إنما الأعمال بالنيات). فالنية يترتب عليها الجزاء والعقاب، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. فقولهم في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] بأنه: إلا ما أريد به وجهه هذا كلام فاسد جداً؛ لأنه يلزم منه نفي الصفة؛ لأن الهلاك سيكون مترتباً على الفعل نفسه، وهم قالوا: إن سياق الآية يدل على ذلك، فقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] كأنه يقول: لا تدع مع الله إلهاً آخر فتشرك به؛ لأن عملك وإشراكك هالك، أي: ضائع سدى، إلا ما أخلصته لوجه الله، فإنه يبقى، لأن العمل الصالح له ثواب باق لا يفنى في جنات النعيم. والمعنى الأول أسد وأولى.

стр. 388

تأويل أهل التحريف للوجه بالثواب والرد عليهم أيضاً: فسر أهل التحريف وجه الله بالثواب، فقالوا: المراد بالوجه هنا: الثواب، فكل شيء يفنى إلا ثواب الله فإنه لا يفنى. وإذا قلنا: إن الوجه الثواب لزمنا أن نقول: إن الذات غير متصفة بالوجه. يعني: أنها ذات بلا وجه، وهذا تعطيل. ففسروا الوجه الذي هو صفة كمال لله بشيء مخلوق بائن عن الله قابل للعدم والوجود؛ لأن الثواب إذا شاء الله ﵎ أوجده وإذا شاء جعله هباء منثوراً، فالثواب بيد الله ، فهو يثيب عبداً ولا يثيب آخر، والثواب على هذا النحو مخلوق؛ لأنه حادث، فأنت لن تثاب إلا إذا عملت، فثواب الله ﵎ مخلوق حادث ومترتب على العمل، والعمل كذلك مخلوق وحادث، فإذا قلنا: إن الوجه في الآية المراد به الثواب فالثواب حادث، ووجه الله ﵎ ليس حادثاً، فلا يصح أن نقول: إن الوجه مقصود به الثواب، بل الذي يصح أن نثبت لله ﵎ وجهاً على المعنى الذي يليق بكماله وجلاله، فإذا فسر بالثواب صار من باب الممكن الذي يجوز وجوده وعدمه.

стр. 389

بيان أن كل الآيات التي ذكرت الوجه مضافاً إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له الأصل أن كل آية فيها إثبات الوجه مضافاً إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]. وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]. وما أشبههما من الآيات، فالأصل أن المراد بالوجه المضاف إلى الله وجه الله ﵎، الذي هو صفة من صفاته.

стр. 390

اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) وبيان الصحيح منها اختلف المفسرون في آية واحدة، وهي قوله الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقال بعضهم: ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا)) أي: إلى أي مكان وليتم وجوهكم عند الصلاة، ((فَثَمَّ)) أي: فهناك وجه الله . ومنهم من قال: إن الوجه بمعنى الجهة، وإن معنى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: فثم الجهة التي وجهكم الله تعالى إليها، وهذا تأويل أيضاً، فأولوا ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: فثم الجهة، فأولوا الوجه بالجهة، وقالوا: إن الوجه بمعنى الجهة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]. فلم يقل: لكل وجه هو موليه، ولكن قال: لكل وجهة. فالوجه عند هؤلاء هو الجهة، أي: فثم جهة الله التي يقبل الله صلاتكم إليها، قالوا: لأنها نزلت في حال السفر، فإذا صلى الإنسان النافلة فإنه يصلي حيث كان وجهه، أو إذا اشتبهت عليه القبلة، فإنه يتحرى ويصلي، سواء كان ذلك في الفرض أو في النافلة. والصحيح أن المراد بالوجه هنا هو وجه الله ﵎ الحقيقي، أي: إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله ﵎؛ لأن الله محيط بكل شيء، ولأنه ثبت عن النبي ﵊ أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله يقبل عليه بوجهه، ولهذا نهى النبي ﵊ أن يبصق الرجل عن أمامه أو عن يمينه، ولكن إذا أراد أن يبصق فليبصق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، فإن الملائكة تلازم يمينه، وإن الله ﵎ من تلقاء وجهه. فإذا صليت في مكان لا تدري أين القبلة فيه واجتهدت وتحريت وصليت ثم بان أن القبلة خلفك فالله يكون قبل وجهك حتى في هذه الحال، ويقبل عليك بوجهه؛ لأنك قد بذلت ما في وسعك وتحريت ما أمكنك. وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية.

стр. 391

حال كتاب: المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات وحال مؤلفه للشيخ محمد عبد الرحمن المغراوي كتاب عظيم جداً اسمه: (المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات). وهو مع صغره إلا أنه عظيم النفع جداً، والشيخ المغراوي رجل مغربي، وعريق في مذهب السلف، وقد التقيت بهذا الرجل في السعودية مرة، وفي الكويت مرة أخرى، وهو في غاية الشدة في إثبات مذهب السلف، وعادة المغاربة بدءاً من ليبيا وانتهاء بالمغرب أنهم قوم لا يعرفون إلا الحدة والعصبية لأي رأي يتبنوه. ومن أعظم نعم الله على ذلك الرجل أنه تعصب لمذهب السلف، وقل أن تجد في المغرب رجلاً يفهم عقيدة السلف حق الفهم كما فهمها هذا الرجل، فصنف هذا الكتاب بعد أن طاف وجال في جميع التفاسير التي ألفها المفسرون، فمنهم من كان معتزلياً محترقاً، أو جهمياً جلداً، أو أشعرياً قحاً، أو سلفياً.

стр. 392

حال المفسرين في التأويل من المفسرين من وقع في التأويل بغير قصد كـ الشوكاني مثلاً، فـ الشوكاني كان سلفي المعتقد، وكان أولاً زيدياً شيعياً، ولكن الله ﵎ من عليه بالرجوع إلى مذهب السلف، والذي يترجح لدي أن الله من عليه بوجود محمد بن عبد الوهاب في أرض الجزيرة العربية؛ لأن الشوكاني عاصر محمد بن عبد الوهاب عليهما رحمة الله، وانتشر مذهب ابن عبد الوهاب السلفي العقيدة في أرض الجزيرة كلها في حياته، ولعل الشوكاني عليه رحمة الله تأثر به، فانحرف عن مذهب الزيدية إلى مذهب السلف الصالح ﵃، ثم بقيت عنده بقايا ربما لا يقصدها، ومن باب النصيحة في الدين أقول: إنه وقع في بعض التأويل؛ لأن صاحب البدعة قل أن يتنظف منها بالكلية، بل لابد أن يبقى فيه شيء من رواسبها، ولذلك لا يمكن أن يكون صاحب البدعة الأصلية كصاحب السنة الأصلية وإن تاب صاحب البدعة، فليس هذا كذاك عند الله إلا إذا أحسن إحساناً ليس بعده إحسان واستقام استقامة نهائية، وتخلى عن بدعته من أولها إلى آخرها.

стр. 393

حال ابن عطية وابن الجوزي في التأويل أيضاً: من المفسرين ابن عطية الأندلسي، وهو إمام كبير جداً ومفسر عظيم وصاحب سنة، ولكنه كان في العقيدة أشعرياً، وكان صاحب سنة -أي: له رواية وسند- وتفسيره من التفسيرات العظيمة التي هي محل الاعتبار والاهتمام، ولكنه في آيات الصفات وقع وزل. وكذلك ابن الجوزي عليه رحمة الله.

стр. 394

حال الزمخشري والبيضاوي والنسفي في التأويل أيضاً الزمخشري له كتاب عظيم جداً في التفسير، وهو عظيم في باب اللغة، وباب الصرف، والبيان والإعجاز، أما في صفات المولى ﵎ فلا يساوي شيئاً؛ لأنه معتزلي ومحرف، والبيضاوي كذلك، وكذلك النسفي الذي هو عمدة الأزهر. ومن التلبيس العظيم: أنك تسمع وتدرس في الأزهر أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية أتباع أبي منصور الماتريدي، وهذا تلبيس عظيم جداً على الأمة، فالأشاعرة والماتريدية من أهل القبلة وليسوا من أهل السنة، بل هم خلف، وهم في الترتيب الثاني في إثبات خلفيتهم بعد المعتزلة.

стр. 395

حال الخازن وأبي حيان والجلالين والشربيني وأبي السعود في التأويل أيضاً الخازن في تفسيره كذلك، وكذلك أبو حيان الأندلسي الغرناطي، وهو من غرناطة. وجلال الدين السيوطي كان أشعرياً قحاً، وكذلك جلال الدين المحلي، وتفسير الجلالين معلوم لديكم ومشهور، رغم أنه لا يعتبر في عالم التفاسير تفسيراً؛ لأنه تعليقات يسيرة وبسيطة على كلمات المولى ﵎، ولكن لإثبات أشعريتهما جعل الله ﵎ القلم يجري بأيديهما في آيات الصفات، فأولاها وصرفاها عن ظاهرها حتى تعلم الأمة ولا تضطرب أو تختلف في إثبات أشعريتهما، وسمي هذا التفسير تفسير الجلالين نسبة إلى جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي. كذلك الخطيب الشربيني وهو كذلك عمدة الأزهر، وأبو السعود عمدة الأزهر.

стр. 396

حال الشوكاني في التأويل وعدم تعمده للباطل كالزمخشري والشوكاني سلفي، وله كتاب اسمه: التحف في مذاهب السلف، ولكنه وقع في التأويل، وقد نبهنا مراراً أن الذي يتحرى الحق ولا يصيبه ليس كالذي يتعمد الباطل، وهذا مثل الزمخشري. إن الزمخشري في تفسيره للآيات التي أثبتت رؤية المؤمنين لربهم ﵎ صرف هذه الآيات عن ظاهرها، ولم يتكلم فيها، ولما أتى إلى الأحاديث التي تثبت ذلك سمى أهل السنة: الحشوية. وقال: لقد صنع الحشوية أحاديثاً يثبتون بها -بزعمهم- رؤية المؤمنين لربهم. وهذه الأحاديث متواترة، والذي يردها كافر، فالذي يرد الحديث المتواتر كالذي يرد الآية من كتاب الله؛ لأن هذا ثابت بالتواتر وذاك ثابت بالتواتر، ولكنه لم يستطيع أن يرد الآية فأولها، وهذا مذهب أهل البدع. يعني: إذا لم يستطيعوا نزعها من جذرها تعرضوا لها بالتأويل. يعني: يصرفوها عن ظاهرها. فكأنه يقول: الحديث أمره سهل، وأما الآية فلا أستطيع؛ لأن الأمة كلها ستقوم علي، وأما الحديث فهو محل أخذ ورد، فهو يقول عن الأحاديث التي أثبتت الرؤية: أنتم الذين صنعتموها. قال الإمام الذهبي رداً على الزمخشري: ليته ما تكلف. فهل أهل السنة سيطبقون ويجمعون في الأرض مع اختلاف بلدانهم وألسنتهم وألوانهم ومعارفهم على اختلاق أحاديث تبلغ حد التواتر؟ فالمتواتر عند المحدثين هو: الحديث الذي روي بالعدد الكثير في كل طبقة من الطبقات من أول السند إلى منتهاه بحيث يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب. يعني: لا يمكن أبداً أن يتفق مغربي مع واحد مصري مع شامي مع حجازي مع يمني مع طلياني في إثبات حديث وسياقه على نسق واحد إلى النبي ﵊؛ إذ إن كل واحد من هؤلاء في جهة، ومع هذا يتناقلون حديثاً على وجه واحد، فهذا يدل على صدقهم، ومع ذلك قال الزمخشري: إنهم صنعوا أحاديث يثبتون بها رؤية المؤمنين لربهم. وهذا لم يضرب ولم يقتل في ذلك الوقت، وهو أشر من الحكام.

стр. 397

حال الألوسي في التأويل أيضاً: من المفسرين الذين وقعوا في التأويل: الإمام الألوسي، وكتابه (روح المعاني) في التفسير يقع في عشرة مجلدات، وهو كتاب عظيم إلى أقصى حد، ولكن الألوسي زل في بعض الصفات وأولها، وليته ما كتبها، لأن أصله ليس أشعرياً، فزل في بعض الصفات وليس في كلها، فهو مرة يدافع عن مذهب السلف ومرة يقع فيما وقع فيه المؤولة، وهذا يدل على أنه لم يتمكن من دراسة الاعتقاد. ومن واجبي أن أبين لك ذلك؛ حتى إذا قرأت في كتب هؤلاء تحذر، وأنا أحثك على القراءة وطلب العلم من هذه الكتب، إلا في موطن الصفات والذات فينبغي أن ترجع لرجل سلفي سني، أو تقرأ له؛ لأن حبك لفلان ربما يجعلك تعمى وتصم عن أخطائه، وهذا مذهب غير معمول به عند المسلمين.

стр. 398

حال سيد قطب في التأويل أيضاً: سيد قطب ﵀ ﵎، وهو لم يتمكن من دراسة الاعتقاد، فقد دخل السجن قبل أن يقرأ كتاباً في العقيدة، وما تعلم في السجن شيئاً، بل تفرغ للكتابة والتصنيف. والذي يظهر أن السيد قطب يثبت صفة الوجه، ولكن بتحفظ شديد جداً، فقد قال في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]: فهي توحي بأنها جاءت رداً على تفضيل اليهود في إدعائهم أن صلاة المسلمين إلى بيت المقدس كانت باطلة وضائعة ولا حساب لها عند الله، والآية ترد عليهم هذا الزعم، وهي تقرر أن كل اتجاه قبلة، فثم وجهه حيث توجه إليه عابد، وإنما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند الله، لا أن وجه الله سبحانه في جهة دون جهة، والله لا يضيق على عباده ولا ينقصهم ثوابهم، فهو عليم بقلوبهم ونياتهم، ودوافع اتجاهاتهم، وفي الأمر سعة، والنية لله، إن الله واسع عليم. وقال في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]: فكل شيء زائل، وكل شيء ذاهب، المال والجاه والسلطان والقوة والحياة والمتاع، وهذه الأرض ومن عليها، وتلك السماوات ومن فيها وما فيها، وهذا الكون كله ما نعلمه منه وما نجهله كله هالك، فلا يبقى إلا وجه الله الباقي متفرداً بالبقاء. وقال عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]: وفي ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس، وتخشع الأصوات، وتسكن الجوارح، وظل الفناء يشمل كل حي، ويطوي كل حركة، ويغمر آفاق السماوات والأرض، وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح والزمان والمكان، ويغمر الوجود كله بالجلال والوقار. ثم ذكر كلاماً وقال بعده: ويعقب على هذه اللمسة العميقة الأثر بنفس التعقيب، فيعد استقرار هذه الحديقة الغناء لكل من عليها، وبقاء الوجه الجليل الكريم وحده بعد استقرار هذه الحقيقة نعمة يواجه بها الجن والإنس. وقال عند قوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]: ثم ماذا ينتظر هذا الأتقى الذي يؤتي ماله تطهراً وابتغاء وجه ربه الأعلى؟ إن الجزاء الذي يطالع القرآن به الأرواح المؤمنة هنا عجيب ومفاجئ على غير المألوف. فهو في تفسيره لهذه الآيات لا يؤولها بل يبقيها على ظاهرها، فنحمله على المتبادر إلى الذهن من إثبات الصفات. وسيد قطب أول صفات كثيرة لله وأقل تأويله هو تأويله لصفة الوجه، وقد أول صفة الاستواء، وصفة الكلام، وصفة الكرسي، وصفة الإتيان والمجيء، وصفة النفس، وصفة العين، والمحبة، واليد، والفوقية، وإثبات الرؤية، وصفة المعية، وأقل تأويله هو تأويله لصفة الوجه دون هذه الصفات.

стр. 399

حال المراغي ومحمود حجازي والطاهر بن عاشور في التأويل أيضاً: المراغي إمام كبير من أئمة الأزهر وعالم من علمائهم وقد أول هذه الصفات كذلك، وكذلك الشيخ محمود حجازي وقع في التأويل، وطاهر بن عاشور في تفسيره العظيم جداً وقع في التأويل، وكان متأولاً أصيلاً.

стр. 400

حال الصابوني في التأويل وذكر نماذج من تأويلاته أيضاً: الصابوني -حفظه الله وهداه- وقع كذلك في التأويل، فقال في صفة الوجه عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: كل شيء يفنى وتبقى ذاته المقدسة، ففسر الوجه بالذات، وقال: أطلق الوجه وأراد ذات الله . قال ابن كثير: وهذا إخبار بأنه تعالى الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت، فعبر بالوجه عن الذات، كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. وقال عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، أي: ويبقى ذات الله الواحد الأحد ذو العظمة والكبرياء والإنعام والكرام. وقال عند قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١١٥]. أي: إلى أي جهة توجهتم بأمره فهناك قبلته، فخص الوجه بالقبلة التي رضيها لكم، وقد نزلت الآية فيمن أضاع جهة القبلة. وكذلك القرطبي عليه رحمة الله. وإذا نظرت إلى كلام المفسرين، أو إلى تأويل المفسرين لكدت أن ترجع بالحسرة والندامة، وبشديد الحزن والغم والهم، فقل أن يسلم لك إمام من الأئمة أو مفسر من المفسرين إلا ووقع في التأويل أو كان مؤولاً أصيلاً. وهؤلاء الذين عددناهم الآن حوالي عشرين مفسراً، وبقية الكتاب تناول بقية المفسرين من أول من صنف في التفسير إلى آخر من صنف كـ الصابوني، وهم كثرة كثيرة جداً.

стр. 401

تفاسير ينصح بالرجوع إليها أعظم تفسير ترجع إليه هو تفسير الإمام الطبري؛ فقد كان على رأس أهل السنة والجماعة في زمانه، ثم اختصر كتابه العلامة الكبير النحرير شيخ السلف والمفسرين في زمانه: ابن كثير الدمشقي عليه رحمة الله تعالى. ونحن ننصح دائماً بالرجوع إلى تفسير القرآن العظيم لـ ابن كثير لمن أراد النظر في التفسير، ومن عز أو شق عليه هذا أو لم يفهمه فليرجع إلى مختصر هذا الكتاب، وهو اختصار شيخنا وأستاذنا وعالمنا ﵀ الشيخ محمد نسيب الرافعي، فقد اختصر تفسير ابن كثير في أربع مجلدات، فمن أراد فليرجع إلى هذه الكتب الثلاثة، وأما غيرها فالأولى أن لا يقرأ فيها ولا ينظر فيها إلا طالب للعلم الشرعي الذي قد تمكن من علم العقيدة على مذهب السلف. فإذا نظرت في الآية المتعلقة بصفات المولى ﵎ فلابد أن تعلم كون هذا المفسر متبعاً أو مبتدعاً.

стр. 402

حال ابن الجوزي في العقيدة ابن الجوزي -عليه رحمة الله- أشعري أصيل، وتجد له أحياناً أقوالاً في غاية الروعة والجمال في مذهب أهل السنة والجماعة، ونبذ الابتداع، وتضليل المبتدعة، والأمر بلزوم وسلوك سبيل السلف، ولكن القضية كانت عند ابن الجوزي غير منضبطة، فهو يأمر باتباع السلف ويخالفهم، فقد قال في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]: قال المفسرون: معناه يبقى ربك، ففسر الوجه بالذات. وكذا قال في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] أي: يريدونه هو. وقال في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]: إلا هو، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن الوجه صفة تختص باسم زائد على الذات. وهذا الكلام في غاية الخطورة، فهو يقول: وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم. والذين أنكر عليهم ابن الجوزي هم السلف، فقد ذهبوا إلى إثبات أن لله تعالى وجهاً، وهو صفة زائدة على الذات. وهذا هو معتقدنا نحن، فنحن نقول: ونعتقد أن لله ﵎ وجهاً يختلف عن الذات؛ لأننا لو قلنا: إن الوجه هو الذات فستكون الذات من غير وجه، ولكن الوجه صفة زائدة للذات، فهو سبحانه ذات متصفة بالوجه. وابن الجوزي يقول: و (قد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى إثبات أن لله تعالى وجهاً) وليس له دليل إلا ما عرفه من الحسيات، من أن ذلك يوجب التبعيض، وأنا إذا أثبتنا أن لله وجهاً فهذا يوجب التبعيض. قال: ولو كان كما قالوا -أي: ولو كان الأمر كما قلنا نحن- كان المعنى أن ذاته تهلك إلا وجهه. ويستدل بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]. قال ابن حامد: أثبتنا لله وجهاً ولا يجوز إثبات رأس. يعني: إذا أثبتنا أن لله وجهاً لا يلزم هذا أن نثبت أن لله رأساً؛ لأنه لم يرد في النصوص، فلو قلت: إثبات الوجه يلزم منه إثبات الرأس؛ لأن وجهي في رأسي، فكيف أثبت وجهاً بلا رأس؟ فسأقول لك: هذا الكلام في حقي أنا وأنت، وأما في حق الله فلا؛ فلو قلت: يلزم من إثبات الوجه إثبات الرأس، فسأقول لك: أنت وضعت صورة لله في رأسك وقلبك وجعلت الله كنفسك، وجعلت الذات العلية كذاتك أنت السفلية. ولا نثبت لله وجهاً بلا رأس، فهذا أيضاً خطأ، بل نثبت لله وجهاً لأنه أثبته، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، فلا نثبت الرأس، ولا مانع أن يكون الله اتصف به، ولكنه لم يخبرنا، ونحن لا نثبت لله شيئاً إلا إذا كان ثابتاً. يقول: ولقد اقشعر بدني من جراءته على ما ذكر، فما أعوزه في التشبيه غير الرأس. فـ ابن الجوزي ينقم على ابن حامد الذي يقول: إننا نثبت الوجه لكن لا نثبت الرأس، قال: لأنه يلزم من إثبات الوجه التشبيه بين الخالق والمخلوق.

стр. 403

حال كتاب دفع شبه التشبيه لابن الجوزي وسبب تأليفه له إن كتاب (دفع شبه التشبيه) لـ ابن الجوزي أشأم كتاب صنف في الإسلام في الاعتقاد، وكان غرضه من تصنيف هذا الكتاب أن يرد على أهل السنة، معتبراً أن الذي عندنا شبهات وهو يدفعها عننا. قال: لأن إثباتكم للشبهات التي في عقولكم يلزم منها التشبيه بين الخالق والمخلوق، فهو يسمينا تارة المجسمة، وتارة المشبهة. فقد انبرى قلمه في تصنيف هذا الكتاب ليرد به على أهل السنة والجماعة؛ ظناً منه أن ما عندنا هو مجموعة شبهات، وابن الجوزي رد على إمامه أحمد بن حنبل. حتى أن الإمام الذهبي حينما تكلم في المجلد الرابع عشر من السير في ترجمته لـ ابن الجوزي قال: وليت ابن الجوزي سكت وما خالف إمامه. لأن ابن الجوزي في الفروع حنبلي، وأحمد بن حنبل كان سيد الأمة في زمانه في إقامة العقيدة على ما كانت عند النبي ﵊ وعند أصحابه الكرام. وابن الجوزي اعتبر أن أحمد بن حنبل ومن معه مشبهة، وقد أساء غاية الإساءة للحنابلة ولـ أحمد بن حنبل خاصة في مذهبه، وأساء إلى مذهب السلف على العموم رضي الله ﵎ عنهم، وهو يقول: إنه سلفي، ويحث الناس على معتقد السلف.

стр. 404

مناقشة لأحد دكاترة الأزهر حول من هم المتكلمون وصفة الكلام سألت أحد مشايخ الأزهر كان يدرس العقيدة للسنة الأولى في كلية الشريعة، وقد أكثر من قول: (والمتكلمين). فقلت له: من المتكلمون؟ قال لي: أهل السنة، قلت: من هم؟ قال لي: الأشاعرة والماتريدية مجموعهم هم أهل السنة، قلت: والمعتزلة؟ قال: والمعتزلة خالفوا في بعض الصفات فقط، قلت: ومن الذي خالف في كل الصفات؟ قال: الذين أثبتوها على ما جاءت ولم يتعرضوا لها بالتأويل. قلت: وما الذي منعهم أن يتعرضوا لها بالتأويل؟ قال: جهلهم بالنصوص، قلت: الذي نعلمه من كتب الاعتقاد أن أبا بكر لم يتعرض لهذه الآيات بالتأويل، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، والنبي ﵊ أمرنا أن نتبع سنة هؤلاء، فقد قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين). قال: لا، أمر النبي ﵊ باتباع سنة الخلفاء في السياسة والحكم، قلت له: من أين لك هذا القيد؟ قال: لأن السنة إذا أضيفت إلى خليفة قصد بها الحكم، وإذا أضيفت إلى عالم قصد بها في هديه وسمته، قلت: أيضاً سنطالبك بالدليل في هذا. وكان أكبر رأس في الأزهر، وهو رئيس جامعة الأزهر، وهو الدكتور عبد الفتاح الشيخ. ثم قلت له: يا أستاذ! الذي نعلمه من مذهب سلفنا أن أسماء الله ﵎ وصفاته لا يتعرض لها بالتأويل، وما سكت سلفنا عن تأويل هذه الصفات عن جهل وإنما عن علم وإيمان، فقد آمنوا بها ولم يرد أن أحداً منهم سأل النبي ﵊ ما المقصود باليد أو الوجه أو الساق أو القدم أو الأنامل أو الأصابع؟ وهب أن أبا بكر جاهل، فهل الأمة والصحابة في ذلك الزمان كلهم جهال؟ فقد علمهم النبي ﵊ أن يسألوا إذ لم يعلموا، فكونهم لم يسألوا دليلاً على أنهم آمنوا بها كما جاءت، وأمروها ولم يتعرضوا لها بتأويل، وأما من تعرض لها بتأويل فإنه خلفي وليس سلفياً. قال: ماذا تقصد؟ قلت: أقصد أن من تعرض لها بالتأويل أشعري، والأشاعرة ليسوا من أهل السنة بل هم من أهل القبلة، وهذه مجاملة معهم، وأما أن تدعي أمام الطلاب أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة فهذا تلبيس، فثار ثورة عارمة وسب وشتم، ثم حرش بي عند العساكر الذين كانوا يحرسونه. في المحاضرة الثانية كنت جالساً في الدكة الأولى، فقال في صفة الكلام لله : والكلام ثابت لله ، فقلت: يمكن أنه تاب والحمد لله، ويبدو أن الرجل قد راجع نفسه واستقام، فقال: ولكن ليس على مذهب الحشوية، فقلت له: يا شيخ! من الحشوية؟ قال: من سموا أنفسهم بالسلف، قلت: نحن يعني؟ قال: هو أنت، قلت له: ليس أنا فأنا تابع، قال: وأما الكلام الثابت لله فهو كلام نفساني، وإن الله لا يتكلم على الحقيقة، قلت: آخر الكلام ينقض أوله، قال لي: كيف؟ قلت له: الله ﵎ يتكلم كلاماً على الحقيقة متى شاء وبأي كيفية شاء ونحن لا نعلم حقيقة الكيفية، قال لي: كيف؟ وهل ربنا يؤاخذنا بشيء لا نعلمه؟ قلت له: لا، وأرجو ألا ترفع صوتك حتى لا تضيع المعلومة، فالكلام ثابت لله على المعنى اللائق به، ثم قلت له: وهل أنت رأيت ربنا؟ قال: لا، قلت: هل رأيته كيف يتكلم؟ قال: لا، قلت له: وكيف أثبت أن له كلاماً نفسانياً؟ وما الذي يمنعك أن تثبت له الكلام على الحقيقة؟ قال: كيف يا بني؟ وهل له أسنان ولسان؟ قلت له: وهل لابد أن نثبت له ذلك؟ قال: فكيف تقول: إنه يتكلم حقيقة؟ قلت له: هل ربنا له مخ؟ فلو أن له مخاً فسيتكلم كلاماً نفسانياً، فهل تثبت له المخ؟ قال لي: لا، قلت له: كيف يكون له كلام نفساني؟ قال: تعال إلى المكتب لنتناقش، قلت له: بل هنا؛ لأنك تكلمت بهذا الكلام أمام الطلاب، ولا يصلح أن يخفى هذا على الطلاب، ولا أن تعتقد أنت لنفسك أن الله ﵎ يتكلم كلاماً نفسانياً، ومعذرة فأنا سأبيّن الطلاب ماذا يعني الكلام النفساني عند الأشاعرة، ثم قلت له: من أول من سن الأشعرية؟ قال لي: أبو الحسن الأشعري، قلت له: وفي أي قرن كان؟ قال: في القرن الثاني، قلت له: وفي خلال هذين القرنين أتظن أن الأمة كانت مجمعة على الضلال إلى أن أتى أبو الحسن الأشعري؟ ثم إن أبا الحسن الأشعري صنف كتباً بعد توبته وأعظمها كتاب (الإبانة)، وكتاب رسالة إلى أهل الثغر أثبت فيها عقيدة أحمد بن حنبل، وخلع نفسه من عقيدته الأولى -عقيدة المتكلمين- وقد تكلم بكلام عظيم ومتين جداً في الإثبات والنفي على مذهب السلف، وعلى مذهب أحمد بن حنبل. إذاً: فمن ماذا تاب؟ هل تاب من الحق ورجع إلى الباطل أم تاب من الباطل؟ فقال لي: توبة أبي الحسن غير ثابتة، قلت له: بل ثابتة وبقلمه، قال: أنت الذي افتريت عليه، قلت له: كيف؟ قال: أنتم الذين صنفتم كتاب الإبانة. ثم قلت لهذا الدكتور: دعني أبين للطلاب الكلام النفساني، قال: لا أنا من سيبينه. ثم قال: الله ﵎ لا يليق به أن يتلكم كلاماً على ال

стр. 405

مناقشة لأحد مشايخ الأزهر حول صفة اليد في قوله تعالى: (يد الله فوق أيدهم) أيضاً: أحد مشايخي في الأزهر كنت أظن فيه خيراً، وكان شديداً جداً في السنة، ولم أكن أعرف أن عنده هذا التأويل العظيم، فقلت له: نريد أن تعطينا محاضرة في مسجد الرحمة، قال: نعم، وأين مسجد الرحمة؟ قلت له: في شارع الهرم، قال: أولم تجد إلا شارع الهرم؟ قلت له: لا بأس فيه خير أيضاً إن شاء الله، قال: ما عنوان المحاضرة التي تريدونها؟ أتريدونها في العقيدة أم في الأصول أم في الفقه؟ قلت له: لا، إنما نريدها محاضرة عامة، قال: ولنجعلها في العقيدة، قلت له: هناك عندنا ناس يا دكتور! يقولون: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] يعني قوة الله فوق قوتهم، قال لي: نعم هكذا أقول، وماذا تقولون أنتم؟ قلت: يكفي يكفي لا نريدك، وكنت أتكلم معه بالتليفون وأنا بعيد منه، ثم قال: ماذا تقولون يا أخي؟! قلت له: نثبت لله يداً حقيقية، قال: من قال لكم هذا الكلام؟ قلت: الذي قال لنا هذا الكلام النبي ﵊ ثم أبو بكر وعمر، قال لي: أنتم تكذبون على هؤلاء، هؤلاء أطهار وأشراف. وقد دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها على أن لله تعالى وجهاً، كما أن له يدين وسمعاً وبصراً وصورة وعلماً وحياة وقدماً، وغير ذلك مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله محمد ﵊، فيجب إثبات الوجه لله تعالى إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل. ونحن نثبت الوجه لله ؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكما أننا نثبت لله ﵎ ذاتاً لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له تعالى وجهاً لا شبيه له ولا نظير. وقد نفى الجهمية وأشباههم من نفاة الصفات صفة الوجه عن الله تعالى، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وأتوا بعبارات مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، وأرادوا بها قطعاً معنى باطلاً؛ كي يلبسوا بها على الخلق، وهذه الألفاظ المجملة يلهج بها أهل البدع؛ لينفوا بها صفات الباري جل وعلا.

стр. 406

الرد على من أول صفة الوجه بأدلة الكتاب والسنة بالاعتصام بالكتاب والسنة تنجو من أباطيل أهل البدع وشبههم، وهناك الكثير من الأدلة من الكتاب والسنة التي ترد على الجهمية وغيرهم من النفاة وتدحض شبههم، وتقمع باطلهم: قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]. وجاء في صحيح البخاري ﵀ عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال النبي ﵊: أعوذ بوجهك، فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥]، فقال النبي ﵊: أعوذ بوجهك، قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:٦٥]، فقال النبي ﵊: هذا أيسر)، وهذا الحديث نص صحيح صريح في إثبات الوجه لله تعالى، وهو من الصفات الذاتية الخبرية. ومن الأدلة على إثبات صفة الوجه لله تعالى: ما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور)، وفي رواية: (النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). والجهمية تنكر هذا الحديث وما في معناه، فعموا وصموا، والأشاعرة تحرفه وتتأوله بتأويلات فاسدة، إما بتفسير الوجه بالذات؛ لتنفي صفة الوجه عن الله، وإما بغير ذلك من التأويلات الباطلة. وهناك العديد من الأدلة الصحيحة المتلقاة بالقبول عند أهل العلم مما يثبت لله تعالى صفة الوجه، وهي تغيظ الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من الطوائف الضالة، ففي البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي ﵊ قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن). فقوله: (على وجهه) فيه إثبات الوجه لله تعالى حقيقة، وأهل الباطل تأولوا هذا الحديث كما تأولوا غيره من الأحاديث الدالة على إثبات صفة الوجه لله تعالى، حتى قال القاضي عياض: فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، أي: فمن آمن به على ظاهره وأثبت الوجه لله أفضى به ذلك إلى التجسيم، يعني: كأنه أراد أن يقول: إذا أثبت الوجه لله فلابد وأن تقول بأن الله تعالى جسم له أجزاء وأبعاض؛ لأن الوجه جزء من الجسم، وبعض من الكل. والقاضي عياض كان إمام المتأولة، وكلامه هذا خطأ وغلط، فليس في إثبات الصفات لله تعالى تجسيم، فإن السلف يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله محمد ﵊ إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل. والواجب على جميع الخلق: التسليم والانقياد لكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وعدم ضرب الأمثال لله تعالى؛ فإنه من أعظم الضلال والإلحاد، والذي لا يفهم من صفات الخالق إلا ما يفهمه من صفات المخلوق هو المجسم المشبه. والله المستعان. ومن الأدلة كذلك على إثبات الوجه لله تعالى: ما رواه أبو داود عن حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﵊ أنه كان إذا دخل المسجد، قال: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. قال: أقط؟ قلت: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم). فقوله: (وبوجهه الكريم) دليل على إثبات الوجه لله تعالى، وهو يرد على من زعم أن الوجه هو الذات، فقد استعاذ ﷺ أولاً بالله العظيم، ثم استعاذ ثانياً بوجهه الكريم. وهذه المغايرة للتباين بين الذات وبين الوجه، وإثبات أن الوجه صفة لتلك الذات، والعطف يدل على المغايرة. والأحاديث والآثار عن الصحابة ﵃ في إثبات الوجه لله تعالى كثيرة، وقد أخرجها كثير من أهل العلم في كتبهم، متلقين لها بالقبول والتسليم، ولم ينكرها أحد منهم. قال ابن خزيمة: فنحن وعلماؤنا جميعاً في جميع الأقطار نقول: إن لمعبودنا وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله.

стр. 407

خطأ ابن الجوزي في نسبته تفسير الوجه بالذات إلى جميع المفسرين ابن الجوزي تأول قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] بأنه يبقى ربك، وهذا التعميم والإطلاق بأنه قول المفسرين خطأ عظيم جداً. فهناك من المفسرين قبل ابن الجوزي من فسر الآية بغير ما ادعاه ابن الجوزي، مع أن الحق ليس مقصوراً على من صنف كتاباً أو كتباً في التفسير، وليس بلازم أن نأخذ تأويل الصفات من التفسير، فهذا أحمد بن حنبل ﵀ ليس له كتاب التفسير، ومع هذا تكلم عن صفات المولى ﵎. والطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، قال: يقول تعالى ذكره: كل من على ظهر الأرض من جن وإنس فإنه هالك، ويبقى وجه ربك يا محمد! ذو الجلال والإكرام. فلم يقل: ويبقى ربك، وإنما قال: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ))، فهذا إثبات لصفة الوجه، وقوله: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] نعت للوجه، ففرق بين قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وبين قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]. فذو الجلال والإكرام صفة للوجه، وأما ذي الجلال والإكرام فصفة للذات ﵎. قال: وهذا مذهب أهل التحقيق، ومن فسر الوجه بالذات فقد أخطأ وسلك مسلك الجهمية.

стр. 408

رد ابن خزيمة على من أول الوجه بالذات في قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وقال ابن خزيمة في كتاب التوحيد: وزعم بعض جهلة الجهمية أن الله إنما وصف في هذه الآية نفسه -أي: التي أضاف إليها الجلال بقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]-، قال: وزعمت أن الرب هو ذو الجلال والإكرام لا الوجه. قال أبو بكر: أقول -وبالله توفيقي-: هذه دعوى يدعيها جاهل بلغة العرب؛ لأن الله قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] فذكر الوجه مضموماً في هذا الموضع مرفوعاً، وذكر الرب بخفض الباء بإضافة الوجه، ولو كان قوله: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] مردوداً إلى ذكر الرب في هذا الموضع لكانت القراءة: ذي الجلال والإكرام مخفوضاً كما كان الباء مخفوضاً في ذكر الرب جل وعلا -أي: في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]- فلما كان الجلال والإكرام في هذه الآية صفة للرب خفض (ذي)، ولما كان الوجه في تلك الآية مرفوعاً كانت صفة الوجه مرفوعة، فقال: (ذو) ولم يقل: ذي، فتفهموا يا ذوي الحجا! هذا البيان الذي هو مفهوم في خطاب العرب، ولا تغالطوا فتتركوا سواء السبيل.

стр. 409

رد ابن القيم على من أول الوجه بالذات قال ابن القيم عليه رحمة الله في مختصر الصواعق كلاماً عجيباً، فقد قال: إنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه. يعني: لا توجد حتى لغة في العالم تفهم أن الوجه بمعنى الذات، فكيف تقولون بأن الوجه في الآية المقصود به الذات؟ قال: وغاية ما شبه به المعطل وجه الرب أن قال: هو كقوله: وجه الحائط، ووجه السور، ووجه النهار، ووجه الأمر، فيقال لهذا المعطل المشبه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات، بل هذا مبطل لقولك؛ فإن وجه الحائط أحد جانبيه؛ فهو مقابل لدبره، ومعنى هذا أن وجه الكعبة مقابل لدبرها، فهو وجه حقيقة، فما الذي يمنعك أن تثبت لله وجهاً على الحقيقة؟

стр. 410

رد ابن تيمية على من نفى الصفات عن الذات قال ابن تيمية: وإذا قال من قال من أهل الإثبات للصفات: أنا أثبت صفات لله زائدة على ذاته فحقيقة ذلك أننا نثبتها زائدة على ما أثبته النفاة من الذات. وهذا كلام جميل جداً، فهو يريد أن يقول: النفاة لم يثبتوا تلك الصفات الزائدة على الذات، وأما نحن فنقول: إن الذات متصفة بصفات، والنفاة سموا نفاة؛ لأنهم نفوا تلك الصفات الزائدة على الذات، وقالوا: نحن نثبت الذات فقط، وأما هذه الصفات فإنا نؤولها أو نعطلها، أي: يصرفونها عن ظاهرها، أو يعطلونها تماماً. وابن تيمية عليه رحمة الله -وهو سيد المثبتين على منهج السلف- يقول: إنما نثبت لله ﵎ إثباتاً بلا تمثيل، وننزهه تنزيهاً بلا تعطيل. والكلام في هذا الأمر أظنه يطول جداً. فإذا علم هذا الأصل العظيم الذي لا يضل من تمسك به فليعلم أن النصوص جاءت صريحة صحيحة في إثبات الوجه لله تعالى، وقد تقدم بعضها. ومن أنكرها فإنما ينكر على الله ﵎ قوله، وعلى الرسول الكريم ﵊ خبره، وهذا من أعظم الضلال وأقبح الباطل، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. ومن رد آيات الصفات وأحاديثها أو حرفها فهو والله بمعزل عن هذا التحكيم. وقول ابن حامد: ولا نجوز إثبات الرأس قصده في ذلك أن النص لم يأت به، ولو جاء النص به لكنا أول القائلين به؛ تفادياً من مخالفة الله ومخالفة رسوله ﵊، وقد قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. قال الإمام أحمد ﵀: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. فلما لم يأت النص بإثبات الرأس لله تعالى لم يقل به ابن حامد، وأي عيب في هذا؟ ومنه يظهر أن إنكار ابن الجوزي ليس في محله؛ لأن ابن حامد أثبت لله وجهاً، وهكذا جاءت النصوص، فمن أنكر على ابن حامد فإنما يرد الآيات والأحاديث الصحيحة، وهذا ضلال بعيد وزيغ عظيم، نسأل الله تعالى السلامة والعافية.

стр. 411

حكم تأويل العين بالرؤية أيضاً: من الناس من حمل العين المذكورة في الكتاب على الرؤية، وهذا تأويل، يعني: قال في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] أي: بمرأى مني، وفي قوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] أي: بمرأى منا، وكذلك في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]. وقد يكون ذلك من صفات الذات، وتكون صفة واحدة، والجمع فيه للتعظيم، ومنهم من حملها على الحفظ والكلاءة -أي: الرعاية- وقال: إنها صفات فعل، والجمع فيها سائغ. ومن قال بأحد هذين زعم أن المراد بالخبر نفي نقص العور عن الله ، وأنه لا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين من الآفات والنقائص.

стр. 412

رد البيهقي على من نفى الصفات عن الذات قال البيهقي في الرد على هؤلاء: والذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة من إثبات العين صفة لا من حيث الحدقة أولى. فهو يريد أن يقول: أثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه من صفة العين على الحقيقة، ولا تتوهمن أن العين جارحة؛ لأن العين في حق المخلوقين هي الحدقة، فلا تقولن: حدقة في حق الله ، وهذا القول الذي اختاره البيهقي هو الذي عليه سلف الأمة، وأما محاولة بعض الناس حمل النصوص على خلاف ما يظهر من ألفاظها فمحاولة جهمية معروفة. وأما تفسير من فسر الآيات السابقة بالرؤية مع إنكار صفة العين فقوله شبيه بقول المعتزلة القائلين: إنه تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، وهو قول مرفوض شرعاً وعقلاً، كما تقدم وذكرناه. وابن الجوزي عليه رحمة الله وقع في هذا التأويل، ورد على ابن خزيمة، وهو من أئمة السلف. وابن الجوزي مضطرب جداً في باب الاعتقاد خاصة في باب الأسماء والصفات، فهو تارة يثبتها وينافح ويجادل ويهاجم المبتدعة، وتارة يقول بقول المبتدعة ويهاجم أهل السنة ويسميهم مشبهة، فهو هنا أنكر على ابن خزيمة إثبات العينين لله ﵎ حقيقة، وقال: هذا لا يشبه كلام السلف. ثم قال: وقد أتى ابن خزيمة بما لم يسبق به، مع أن ابن خزيمة هو إمام من أئمة المسلمين، وهذه زلة خطيرة وسقطة شنيعة وقع فيها ابن الجوزي عليه رحمة الله، وما ذكرناه آنفاً يكفي للرد عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 413

الأسئلة

стр. 414

حال النصوص الواردة في قيام أول رجب، وحكم تخصيص أول رجب بالقيام السؤال هل وردت نصوص في قيام أول ليلة رجب؟ الجواب النصوص التي وردت في قيام أول رجب كلها نصوص باطلة غير صحيحة، فمن خص أول يوم في رجب بقيام اعتقاداً منه أن هذه طاعة مخصوصة منصوص عليها فقد وقع في الابتداع، أي أنه غير معذور بجهله، وليحذر المرء من الأيام التي يلتزم المبتدعة بصيامها، وتلك الليالي التي يخصونها بقيام دون ما نص في كتاب الله، أو في سنة النبي ﵊.

стр. 415

حكم التصفيق للرجال، وحكم القسم بقول (اللهم أقسم بك عليك) السؤال ما حكم التصفيق للرجال في أي مناسبة؟ وهل يجوز أن أدعو الله تعالى بقولي: اللهم إني أقسم بك عليك؟ الجواب حكم التصفيق للرجال مكروه كراهة شديدة جداً، ولم يثبت عن أحد من السلف أنه كان يصفق في أي مناسبة من المناسبات، والنبي ﵊ جعل التصفيق من شأن النساء، والتسبيح من حق الرجال في الصلاة، فقال: (إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال)، يعني: إذا أخطأ الإمام فلتصفق المرأة وليسبح الرجل، فبعض أهل العلم عمم التصفيق على كل الأحوال، وبعضهم قال: إنما هو مخصوص بالصلاة، ولا بأس أن يصفق الرجل في غير الصلاة. والله تعالى أعلم بذلك. وأما قول الرجل أريد أن أدعو الله تعالى بقولي: (اللهم إني أقسم بك عليك) فليس عندي جواب على هذا السؤال. ولك أن تقسم بالله وبأسمائه وصفاته، وأما أن تقسم بالله عليه أو تقسم بصفة من صفاته عليه، أو بفعل من أفعاله عليه فليس عندي علم في هذا الباب، ولعل الله تعالى يطلعنا ويعلمنا حكم هذا.

стр. 416

حكم شراء مصحف لطالب العلم من مال الزكاة السؤال هل يجوز شراء مصحف لطالب علم يحفظ القرآن ويريد أن يتم حفظه كاملاً من مال الزكاة؟ الجواب يجوز إذا كان فقيراً؛ لأن زكاة المال لها مصارف ثمانية معلومة في كتاب الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] إلى آخر الآية، فإذا دخل هذا الطالب تحت صنف الفقراء جاز ذلك، أو تحت صنف المساكين جاز ذلك، أو تحت صنف آخر من بقية الأصناف جاز له ذلك. وأما شراء مصاحف ووقفها في المساجد من زكاة المال فهذا أمر لا يجوز، كما أنه لا يجوز بناء المساجد من زكاة المال من باب أولى، والمعاصرون توسعوا جداً في فهم في سبيل الله، وهذا التوسع الله أعلم بحقيقة قبوله، وهل هو صحيح أم لا؟ فقد أدخلوا فيه كل شيء، وكل من هب ودب، وكل محتاج، والأصل في إطلاق سبيل الله أنه الجهاد، أي: جهاد العدو، هذا هو الأصل. وقد ورد حديث في مسند أحمد يدل على أن سبيل الله هو الجهاد والحج، والسلف توقفوا عند هذين، وجمهورهم على أن سبيل الله هو الجهاد، وأما المعاصرون فإنهم أدخلوا الكثير والكثير في هذا السهم، الذي هو من أسهم الزكاة، والمنصوص عليه في الآية. فالله أعلم بحقيقة الأمر.

стр. 417

حكم صيام الإثنين والخميس إذا وافق يوم الشك السؤال الذي يصوم الإثنين والخميس طول السنة هل له أن يصوم آخر يوم في شعبان إذا كان إثنين أو خميس أم يقف في خمسة عشر شعبان؟ الجواب يصوم في كل إثنين وخميس إلى أن يدرك رمضان، حتى وإن كان اليوم الذي قبل رمضان هو يوم الإثنين أو الخميس، وقد وقع خلاف سنة (١٩٨٤م) في الأردن، وهذا الخلاف كان في يوم الأربعاء، وهل رمضان غداً أم بعد غداً؟ فسألت الشيخ الألباني: هل الصيام غداً أم بعد غد؟ قال: على أية حال أنا في الحالين صائم. وهذا يعتبر جواباً صريحاً أو ضمنياً للرد على سؤال الأخ، فيجوز لك أن تصوم الإثنين أو الخميس الذي قبل رمضان مباشرة، فإن كان من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فهو نافلة؛ لأنه قد ثبت من عادتك أنك تصوم الإثنين والخميس على مدار السنة كلها. وليلة النصف من شعبان أو يوم النصف من شعبان كل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة، وأنا لن آخذ بحديث ليلة النصف ونهار النصف من شعبان ولكن آخذ بحديث الثلاثة الأيام البيض، وإذا كنت أصوم منذ اثني عشر شهراً فلا تأت تمنعني اليوم، هذا فضلاً أنه فيه عدم مشاركة المبتدعة في بدعتهم. وأما حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) فهو حديث ضعيف، وهذا الذي اعتمد عليه الأخ في سؤاله. ويوم الشك هو يوم الغيم الذي لا تتضح فيه الرؤيا، والنبي ﵇ قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين). والعدة إذا كانت في أول الصيام فالمقصود بها عدة شعبان، وإذا كانت في آخر الصيام -أي: في آخر رمضان- فالمقصود بها عدة رمضان.

стр. 418

حكم قول: (لسوء حظي)، و (لا قدر الله) السؤال ماذا تقول في قولي الناس: (لسوء حظي)، و (لا قدر الله)؟ الجواب ( لسوء حظي) كلمة تدل على الشؤم، ولا شؤم في الإسلام كما أخبر النبي ﵊، فقد قال: (لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاث: في المرأة، والدابة، والبيت). يقول الحافظ ابن حجر: وهذا يدل على أنه لا شؤم قط في الإسلام؛ لقوله: (لو كان الشؤم في شيء)، فدل على أنه لا شؤم أصلاً في الإسلام. وهذا من الألفاظ النابية التي ينبغي للمسلم أن يتورع ويتنزه عنها. وقوله: (لا قدر الله) كلام مجمل إذا أراد قائله أن الله لا يقدر الأشياء إلا بعد وقوعها فهذا قدري جلد، أو جاهل، وإذا كان هذا من باب الدعاء لرفع الشر فلا بأس بذلك، كما تقول: فلان ﵀، وما يدريك أنت أن الله قد رحمه، فإذا كنت تخبر أن الله قد رحمه فهذا قول على الله بغير علم، وإذا كنت تقول هذا من باب الدعاء له فلا بأس بهذا، فقولك: (لا قدر الله). أي: أسأل الله ألا يقدر عليك الشر، فهذا من باب الدعاء، وهو جائز ولا بأس به.

стр. 419

حكم قول: (يا مولانا) السؤال يقول الناس: (يا مولانا!) فهل هذه الكلمة صحيحة أم لا؟ الجواب هي صحيحة، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، فأنت مولاي وأنا مولاك، وكلنا يتولى أخاه وصاحبه، والولاية من الولاء، والولاء معقود في الله حباً وبغضاً، إيماناً وكفراً، فالكافرون يتولى بعضهم بعضاً، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض. وكلمة (مولانا) لها عند العجم مدلول أحسن بكثير جداً من العرب، فالعربي يقول لك: يا مولانا! استهزاء تارة وبحق تارة وبلغو الكلام تارة ثالثة. والعجم لا يقولون: يا مولانا إلا لرجل ذو مكانة وعلم سابق، أو الشيخ له مكانته، فإذا سمعت الباكستاني يقول لآخر: يا مولانا، فاعرف أن هذا الرجل له مكانة عظيمة جداً في بلده، وأما في مجتمعنا الآن فهي تقال لكل أحد.

стр. 420

حكم إيراد المفتي والقاضي للدليل على فتواهما السؤال إذا سئلت مسألة أعلمها ولكنني لا أتذكر الدليل جيداً من الكتاب والسنة، أو أنني أعلم الدليل ولكني أشك في صحته وتمام الإجابة؛ فهل إذا سكت عن الإجابة التي ربما تنفع مسلماً أكون كاتماً للعلم النافع وواقعاً في الإثم حقاً أم أنني على صواب؟ الجواب القاضي والعالم لا يلزمان بسوق الدليل عند إجابة الأسئلة، فإذا ساقا الدليل على صحة كلامهما فهذا فضل، ولذلك استقر في أذهان وعقول وقلوب الناس -العالم منهم والجاهل- أن الحاكم إذا حكم بحكم لا يطالبه المحكوم عليه بسوق أدلته، وأجمع أهل العلم أن القاضي لا يلزم بإثبات أدلته، أو بسوق مستنده في هذا الحكم، وكذلك المفتي. وتجد في أصول الفقه مسألة: هل يلزم المفتي أن يسوق أدلة فتواه في كل فتوى؟ ويجيبون كلهم: بـ (لا). قولاً واحداً، فإذا ساق فهذا فضل، فأنت لا يلزمك أن تسوق الدليل، وإن سقته كان أحسن وأفضل. وإذا كنت تعلم أن الذي يستفتيك متعنت فلا تجبه ابتداء، وقد كان الرجل يأتي إلى مالك فيسأله السؤال فلا يجبه مالك، فيعيده عليه فلا يجبه مالك، وقد حدث منه هذا مرات وفي عدة مجالس، فإذا تأدب وانكسر وذل بين يدي الإمام أجابه، ثم يقول له الإمام في نهاية الجواب يا فلان! سل تعلماً ولا تسل تعنتاً، فإن الذي يتأدب ويريد أن يتعلم علمناه، وأما من يريد أن يتنطع فلا؛ لأن الذي لم يتأدب ولم يتعلم أصول الأدب في طلب العلم فلابد وأنه سيفسد بهذا العلم كثيراً، وهناك أناس كثر في هذا الزمان تعلموا بعض العلم ولم يتعلموا له الأدب فصار شرهم على علماء الأمة بالذات ظاهر وبين وواضح، وأول ما طعنوا طعنوا في أهل العلم؛ لأنهم لم يتعلموا الإخلاص أولاً في طلب العلم الذي هو أوجب الواجبات على طالب العلم، ثم لم يتعلموا حق الشيخ، وحق الكتاب، وحق الأقران، وحق الأمة عليهم، فإذا لم يتعلم طالب العلم هذا كله وهجم على العلم هجوماً فلابد وأنه سيتراجع عن طلب العلم، ثم بعد ذلك يدير ظهره لعلماء الأمة وطلاب العلم فيها.

стр. 421

حكم طاعة الوالدين إذا منعا الولد من طلب العلم السؤال هل يجوز الكذب على الوالدين لأنهما يمنعاني من حضور مجالس العلم خوفاً علي، وكذلك يمنعاني من إطلاق اللحية؛ لأنهما يرفضان التعصب، زادكم الله علماً وحفظكم؟ الجواب هذا السؤال صراحة مشكل جداً، وقد سمعت العلماء يجيبون عن هذا السؤال بأن العلم الذي لا يسعك جهله لا طاعة لوالديك في الامتناع عنه، كعلم الاعتقاد مثلاً، أو علم فرائض الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، هذا إذا لم تكن تعلمه ولا سبيل لك إلى تحصيله تحصيلاً سليماً، ففي هذه الحالة لا طاعة لوالديك في الامتناع. وأما إذا كان العلم من باب النافلة -وأنت عالم وراسخ على أصول ثابتة في هذه المسائل الأساسية، أو أنك جاهل وتريد أن تصبح واعظاً- ففي هذه الحالة سماع كلام الوالدين أولى من حضور هذه المجالس، والعلماء يفرقون بين العلم الذي لا يسعك جهله والعلم الذي يسعك جهله. والوعظ والمجالس الوعظية من العلم الذي يسعك أن تجهله، وليس لازماً أن تبكي، ولكن يلزمك أن تعرف أن الظهر أربع ركعات، وإذا كنت صاحب مال لزمك أن تعرف حق الله تعالى في هذا المال، وإذا أرادت الحج لزمك أن تعرف كيف تحج.

стр. 422

وقت حادثة الإسراء السؤال هل صحيح أن الإسراء كان في رجب؟ الجواب لا، لم يصح، ولكنهم يحتفلون في رجب من أجل حلاوة المولد.

стр. 423

حكم الوصية السؤال سمعت أن من مات ولم يوص لم يكلمه الله يوم القيامة، وقد كتبت وصيتي، ولكني لا أعلم ماذا أكتب فيها غير بعض الأشياء منها، وذلك تقريباً لعامل السن، فأنا لم أبلغ العشرين بعد وأشعر بقلق من هذا الأمر، فبماذا تنصحني؟ الجواب مادام أن الوصية الشرعية معك فلا بأس، وهي تكفيك إن شاء الله. ولا حرج عليك إذا لم توص خاصة إذا لم يكن عندك شيء توصي به، ويمكن أن توصي بالمسائل الشرعية، ونبذ البدع، واتباع السنن، وحث القوم على سلوك مذهب السلف من الاعتقاد الصحيح وغير ذلك، ووصية الإنسان لا بد أن تكون معلومة من حياته، فلو علم عن شخص أنه صاحب مذهب فاسد، وأنه يتحين فرصة أن يموت أحد الجيران أو أحد الأقارب ثم يلطم الخدود ويشق الجيوب ويدعو بدعوى الجاهلية -وهذا الفعل كان يفعله النساء في الجاهلية، ولكن في هذا الوقت أصبح من أعمال الرجال، فجاهلية الماضي أفضل من جاهلية المسلمين في هذه الأيام، فإذا مات شخص من الأسرة فإنه يلطم ويشق الجيوب، فإذا لبس جلابية قطعها، ثم يقطع الثوب الأول والثاني والثالث وهكذا، ثم يجعل ذلك باباً للولاء والبراء- فإذا مات ولم يوص ففي هذه الحالة سنقول: إنه كان يلزمه أن يوصي وصية شريعة يبرأ بها إلى الله . وقد دعيت مرة لألقن امرأة كانت في الاحتضار أو شيء من هذا، فذهبت مسرعاً، فقالت لي: يا شيخ حسن! هل تعرف خالتي أم زينب؟ قلت: لا والله أنا لا أعرفها. فأوصتني أن هذه هي التي تنوح عليها أول الأمر. فقلت لها: هذا حرام وأنتِ آثمة بهذا. فهل تريدين أن تدخلي النار؟ قالت: ولماذا أدخل النار؟ فأنا صوت على الناس حتى أصيبت حنجرتي بالمرض شهراً. قلت: إذاً يلزمك أن تتوبي من هذا قبل أن تموتي، فقالت: خلاص يا شيخ حسن! أنا وضعت وصيتي في رقبتك، وأنت مسئول على كل شيء، ولو حاسبني ربي عن شيء سأسألك أنت يوم القيامة، قلت لها: إذاً توكلي على الله، ثم التفت فإذا بها قد ماتت. فجاء أهلها يريدون أن يقدموا الواجب الذي عليهم، فقلت لهم: هذه قد أوصت بكيت وكيت وكيت، وإذا لم تنفذوا وصيتها فسنأتي بشبابنا وننفذ وصيتها بالإكراه، وذهبنا ودفناها ورجعنا، فكتب الله ﵎ لهذه المرأة أن توصي وصية شرعية في آخر لحظة من لحظات حياتها. فالمرء بلا شك يلزمه أن يوصي، ولكن لزوماً لا يبلغ به الإثم إذا لم يكن له ما يوص فيه، فالأمر على الاستحباب المؤكد جداً، وبعض أهل العلم ذهب إلى وجوب الوصية، ورتب الإثم على من تركها. والله تعالى أعلم.

стр. 424

معنى حديث (صلة الرحم تزيد في العمر) ودرجته السؤال قرأت في شرح الطحاوية أن صلة الرحم تزيد في العمر -أي: سبب طول العمر- فما معنى هذا؟ الجواب هذا حديث صحيح، ومعناه: أن الله قدر أن هذا يصل رحمه فيعيش، وأن هذا سبب إلى وصوله هذه الغاية، ولو لم يعمل بالسبب لم يصل إلى هذه الغاية. وهذا الحديث قد روي بطرق كثيرة، ومجموع هذه الطرق يرتقي بالحديث إلى درجة الصحيح لغيره. وقد اختلف العلماء في معنى زيادة العمر مع أن الله ﵎ كتب العمر، ولن يتغير بزيادة ولا نقصان، والإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب (الداء والدواء) تعرض لشرح هذه القضية وفصلها تفصيلاً جيداً ونقل الاختلاف فيها: فقال: زيادة العمر هنا بمعنى البركة. أي: بركة العمر، فمثلاً الإمام الشافعي مات وعمره أربع وخمسون سنة، وقد ذاع علمه في الأرض شرقاً وغرباً، وسيظل بإذن الله إلى قيام الساعة، فإذا نظرت إلى عمر هذا الرجل وذلك الميراث العظيم الذي ورثته عنه الأمة قلت: هذا إعجاز وأعجوبة من أعاجيب الزمان، وهناك من بلغ أربعاً وخمسين سنة ولا يعرف كيف يصلي ولا يصوم، وحينما تنظر إلى عمرك وعمر الشافعي تعلم أنه كان ممتلئاً بركة وأنت على غير ذلك. قال: زيادة العمر هنا البركة في العمر التي قدرها الله ؛ لأن غيرك في نفس العمر، وليس هناك بركة في عمره ولا في عمله. ومنهم من قال -وهو التفسير الأولى-: إن هذا هو المحو والإثبات في الكتب التي بأيدي الملائكة، وأما الذي لا يقبل المحو ولا الإثبات فهو اللوح المحفوظ المذكور في قول الله ﵎: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].

стр. 425

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - قواعد في الصفات مع صفة اليد صفات الله الذاتية لا تثبت إلا من طريق السمع فقط، ولا دخل للعقل ولا للنظر فيها، كالقدم والساق واليد والنفس، فكلها ثابتة بالكتاب والسنة، وقد وضع أهل السنة والجماعة قواعد تميزهم عن الفرق الضالة التي خرجت عن جادة الصواب في اعتقادهم في أسماء الله وصفاته ما بين تمثيل أو تعطيل أو تأويل، وقد ثبت بالكتاب والسنة أن لله يدين كلتاهما يمين، نمرها كما جاءت من غير تكييف ولا تمثيل لها، ومن غير تعطيل ولا تأويل.
следующие страницы →