Полный текст (1 284 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
حكم طاعة الوالدين إذا منعا الولد من طلب العلم
السؤال
هل يجوز الكذب على الوالدين لأنهما يمنعاني من حضور مجالس العلم خوفاً علي، وكذلك يمنعاني من إطلاق اللحية؛ لأنهما يرفضان التعصب، زادكم الله علماً وحفظكم؟
الجواب
هذا السؤال صراحة مشكل جداً، وقد سمعت العلماء يجيبون عن هذا
السؤال
بأن العلم الذي لا يسعك جهله لا طاعة لوالديك في الامتناع عنه، كعلم الاعتقاد مثلاً، أو علم فرائض الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، هذا إذا لم تكن تعلمه ولا سبيل لك إلى تحصيله تحصيلاً سليماً، ففي هذه الحالة لا طاعة لوالديك في الامتناع.
وأما إذا كان العلم من باب النافلة -وأنت عالم وراسخ على أصول ثابتة في هذه المسائل الأساسية، أو أنك جاهل وتريد أن تصبح واعظاً- ففي هذه الحالة سماع كلام الوالدين أولى من حضور هذه المجالس، والعلماء يفرقون بين العلم الذي لا يسعك جهله والعلم الذي يسعك جهله.
والوعظ والمجالس الوعظية من العلم الذي يسعك أن تجهله، وليس لازماً أن تبكي، ولكن يلزمك أن تعرف أن الظهر أربع ركعات، وإذا كنت صاحب مال لزمك أن تعرف حق الله تعالى في هذا المال، وإذا أرادت الحج لزمك أن تعرف كيف تحج.
стр. 422
وقت حادثة الإسراء
السؤال
هل صحيح أن الإسراء كان في رجب؟
الجواب
لا، لم يصح، ولكنهم يحتفلون في رجب من أجل حلاوة المولد.
стр. 423
حكم الوصية
السؤال
سمعت أن من مات ولم يوص لم يكلمه الله يوم القيامة، وقد كتبت وصيتي، ولكني لا أعلم ماذا أكتب فيها غير بعض الأشياء منها، وذلك تقريباً لعامل السن، فأنا لم أبلغ العشرين بعد وأشعر بقلق من هذا الأمر، فبماذا تنصحني؟
الجواب
مادام أن الوصية الشرعية معك فلا بأس، وهي تكفيك إن شاء الله.
ولا حرج عليك إذا لم توص خاصة إذا لم يكن عندك شيء توصي به، ويمكن أن توصي بالمسائل الشرعية، ونبذ البدع، واتباع السنن، وحث القوم على سلوك مذهب السلف من الاعتقاد الصحيح وغير ذلك، ووصية الإنسان لا بد أن تكون معلومة من حياته، فلو علم عن شخص أنه صاحب مذهب فاسد، وأنه يتحين فرصة أن يموت أحد الجيران أو أحد الأقارب ثم يلطم الخدود ويشق الجيوب ويدعو بدعوى الجاهلية -وهذا الفعل كان يفعله النساء في الجاهلية، ولكن في هذا الوقت أصبح من أعمال الرجال، فجاهلية الماضي أفضل من جاهلية المسلمين في هذه الأيام، فإذا مات شخص من الأسرة فإنه يلطم ويشق الجيوب، فإذا لبس جلابية قطعها، ثم يقطع الثوب الأول والثاني والثالث وهكذا، ثم يجعل ذلك باباً للولاء والبراء- فإذا مات ولم يوص ففي هذه الحالة سنقول: إنه كان يلزمه أن يوصي وصية شريعة يبرأ بها إلى الله .
وقد دعيت مرة لألقن امرأة كانت في الاحتضار أو شيء من هذا، فذهبت مسرعاً، فقالت لي: يا شيخ حسن! هل تعرف خالتي أم زينب؟ قلت: لا والله أنا لا أعرفها.
فأوصتني أن هذه هي التي تنوح عليها أول الأمر.
فقلت لها: هذا حرام وأنتِ آثمة بهذا.
فهل تريدين أن تدخلي النار؟ قالت: ولماذا أدخل النار؟ فأنا صوت على الناس حتى أصيبت حنجرتي بالمرض شهراً.
قلت: إذاً يلزمك أن تتوبي من هذا قبل أن تموتي، فقالت: خلاص يا شيخ حسن! أنا وضعت وصيتي في رقبتك، وأنت مسئول على كل شيء، ولو حاسبني ربي عن شيء سأسألك أنت يوم القيامة، قلت لها: إذاً توكلي على الله، ثم التفت فإذا بها قد ماتت.
فجاء أهلها يريدون أن يقدموا الواجب الذي عليهم، فقلت لهم: هذه قد أوصت بكيت وكيت وكيت، وإذا لم تنفذوا وصيتها فسنأتي بشبابنا وننفذ وصيتها بالإكراه، وذهبنا ودفناها ورجعنا، فكتب الله ﵎ لهذه المرأة أن توصي وصية شرعية في آخر لحظة من لحظات حياتها.
فالمرء بلا شك يلزمه أن يوصي، ولكن لزوماً لا يبلغ به الإثم إذا لم يكن له ما يوص فيه، فالأمر على الاستحباب المؤكد جداً، وبعض أهل العلم ذهب إلى وجوب الوصية، ورتب الإثم على من تركها.
والله تعالى أعلم.
стр. 424
معنى حديث (صلة الرحم تزيد في العمر) ودرجته
السؤال
قرأت في شرح الطحاوية أن صلة الرحم تزيد في العمر -أي: سبب طول العمر- فما معنى هذا؟
الجواب
هذا حديث صحيح، ومعناه: أن الله قدر أن هذا يصل رحمه فيعيش، وأن هذا سبب إلى وصوله هذه الغاية، ولو لم يعمل بالسبب لم يصل إلى هذه الغاية.
وهذا الحديث قد روي بطرق كثيرة، ومجموع هذه الطرق يرتقي بالحديث إلى درجة الصحيح لغيره.
وقد اختلف العلماء في معنى زيادة العمر مع أن الله ﵎ كتب العمر، ولن يتغير بزيادة ولا نقصان، والإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب (الداء والدواء) تعرض لشرح هذه القضية وفصلها تفصيلاً جيداً ونقل الاختلاف فيها: فقال: زيادة العمر هنا بمعنى البركة.
أي: بركة العمر، فمثلاً الإمام الشافعي مات وعمره أربع وخمسون سنة، وقد ذاع علمه في الأرض شرقاً وغرباً، وسيظل بإذن الله إلى قيام الساعة، فإذا نظرت إلى عمر هذا الرجل وذلك الميراث العظيم الذي ورثته عنه الأمة قلت: هذا إعجاز وأعجوبة من أعاجيب الزمان، وهناك من بلغ أربعاً وخمسين سنة ولا يعرف كيف يصلي ولا يصوم، وحينما تنظر إلى عمرك وعمر الشافعي تعلم أنه كان ممتلئاً بركة وأنت على غير ذلك.
قال: زيادة العمر هنا البركة في العمر التي قدرها الله ؛ لأن غيرك في نفس العمر، وليس هناك بركة في عمره ولا في عمله.
ومنهم من قال -وهو التفسير الأولى-: إن هذا هو المحو والإثبات في الكتب التي بأيدي الملائكة، وأما الذي لا يقبل المحو ولا الإثبات فهو اللوح المحفوظ المذكور في قول الله ﵎: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].
стр. 425
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - قواعد في الصفات مع صفة اليد
صفات الله الذاتية لا تثبت إلا من طريق السمع فقط، ولا دخل للعقل ولا للنظر فيها، كالقدم والساق واليد والنفس، فكلها ثابتة بالكتاب والسنة، وقد وضع أهل السنة والجماعة قواعد تميزهم عن الفرق الضالة التي خرجت عن جادة الصواب في اعتقادهم في أسماء الله وصفاته ما بين تمثيل أو تعطيل أو تأويل، وقد ثبت بالكتاب والسنة أن لله يدين كلتاهما يمين، نمرها كما جاءت من غير تكييف ولا تمثيل لها، ومن غير تعطيل ولا تأويل.
стр. 426
الإيمان بذات الله وصفاته من الإيمان بالغيب
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
مع باب جديد من أبواب أصول الاعتقاد.
هناك صفات ذاتية للمولى ﵎ لا تثبت إلا من طريق السمع فقط ولا دخل للعقل ولا للنظر فيها، وهي: الصفات اللازمة لذاته ﵎ كصفة اليد والعين، والقدم والساق والنفس وغير ذلك مما أخبر المولى أنه متصف بها، وأخبر بها رسوله ﵊، نقول: إنه لا دخل للعقل فيها؛ ولا دخل للنظر فيها؛ لأن الله ﵎ بذاته وصفاته غيبها عنا، فلابد أن نؤمن بما أخبرنا الله ورسوله حتى وإن لم يكن ذلك داخلاً في مقدور عقولنا، لأنه الابتلاء في الإيمان، فإذا أخبر الله أن له يدين فلابد أن أؤمن أن له يدين؛ ولذلك فرق الضلالة التي انتسبت إلى الإسلام وأخبر النبي ﵊ عنها هي كما قال ﷺ : (وإن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة).
هذه الواحدة هي التي نهجت نهج النبوة في اعتقادها ومسلكها ومشربها.
стр. 427
اختلاف الناس في صفات الله وبيان مذهبهم
وقد اختلف الناس، واختلافهم عظيم، ولكنه يرجع إلى ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: ادعى أصحاب هذا المذهب أن إثبات هذه الصفات الذاتية لله ﵎ يستلزم التشبيه.
قالوا: إذا كان لله يدان وعينان، وله سمع وله قدم وعين وساق إلى غير ذلك فإن هذا يستلزم أن يكون الله مشبهاً بخلقه.
ولذلك وقعوا إما في التمثيل، وإما في التعطيل.
قالوا: لا ينبغي لإله أن يتصف بما يتصف به خلقه، ولذلك عطلوا هذه الصفات فقالوا: ليس لله يد ولا ساق ولا عين ولا نفس، وغير ذلك من الصفات الخبرية؛ لأن وجود هذه الصفات وإثباتها لله يستلزم المماثلة والمشابهة مع خلقه؛ ولكنهم لا يقولون ولا يجترئون أن يقولوا: نعطل هذه الصفات؛ لأنهم لو قالوا ذلك وصرحوا به لكان لأطفال المسلمين الذين يلعبون في الشوارع أن يكفروهم، ولكنهم قالوا: لا.
العين يقصد بها: الرعاية.
واليد يقصد بها: القوة.
والساق يقصد بها: الرفعة، وغير ذلك من تأويل النصوص وصرفها عن ظاهرها وعن مراد الله ﵎ منها.
فهم لم يصرفوا هذه الصفات ويعطلوها عن الله صراحة، وإنما أولوها فوقعوا في شر عظيم جداً؛ ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: المتأول أشد شراً من المعطل.
ويقول أيضاً: إن الممثل يعبد صنماً، وإن المعطل يعبد عدماً.
لأنه لا يمكن أن يكون هناك ذات بغير صفات، فإذا كنت تؤمن بذات الله ﵎ وأنها ذات علية موجودة، فإن هذه الذات لابد أن يكون لها صفات؛ لأن ذوات كل شيء لها صفات، فكذلك ذات المولى ﵎ أولى وأحرى أن تكون لها صفات خاصة، وقد أخبر المولى ﵎ بصفاته في كتابه، وأخبر بها رسوله ﵊.
إن الذي ينفي هذه الصفات عن الله ويعطلها عن الذات لابد أنه سيخرج في النهاية بلا ذات، وإذا كان يستحيل أن توجد ذات بغير صفات في حال تعطيلك فلابد أن يكون في النهاية أنك تعبد إلهاً غير موجود، وغير متصف بأي صفة من الصفات، فهو والعدم سواء.
هذا في مذهب المعطلة؛ ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: المعطل يعبد عدماً.
والممثل يقول: إن يد الله كيدي، وإن عيني الله كعيني، وإن رجل الله كرجلي، فسيصير هذا الإله في النهاية عبارة عن إنسان، ربما يكون جميلاً وربما يكون هو كالإنسان في جماله أو أقل أو أكثر، والذي يعبد الله على هذا النحو لا شك أنه يعبد صنماً.
ولذلك أهل السنة والجماعة ذهبوا مذهباً وسطاً بين الممثلة والمشبهة، وبين المعطلة والنفاة من جهة أخرى، فلم يعطلوا الصفة عن الذات، ولم يمثلوا هذه الصفة بصفات المخلوقين، ولكنهم أثبتوا الصفة ثبوتاً حقيقياً لله كما يليق بجلاله، فلا يشبهونها بصفات المخلوقين، ولا يعطلون الصفة عن الذات، فأثبتوا الصفات من جهة، وهذا الإثبات يليق بالله ، وليست هذه الصفات كصفات المخلوقين، فالله ﵎ له يدان، لكن هاتين اليدين ليست كيدي، وله عينان ليست كعيني، وله ساق ليست كساقي؛ لأن ذاته تختلف عن ذاتي، فلابد أن تختلف الصفات كذلك عن صفاتي.
فأهل السنة والجماعة لهم مذهب وسط بين المعطلة وبين المشبهة إذ أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ على الوجه اللائق بكماله وعظمته، فلا إشكال حينئذ.
ما الذي يضرك أن تعلم أن لله يدين على الوجه اللائق به؟ لأن الأيدي في لغة المخلوقين وحياتهم مختلفة، فإن أيدي الضفادع والبهائم ليست كأيدي الآدميين، وليست أيدي الجن كأيدي الإنس، فإذا كانت الأيادي والصفات تختلف في عالم المخلوقات، فلم لا تقول بهذا الاختلاف بين الخالق والمخلوق.
وأن لله صفات تختلف عن صفات المخلوقين جميعاً؟ ولكن لما وقع الخلاف وبين أبناء هذه الملة المباركة، وكل واحد منهم نحا نحواً يختلف فيه عما أراده النبي ﵊، وعما أراده الله ، لاشك أنهم يبتعدون كل البعد، ويتشبهون تارة بالنصارى، وتارة باليهود الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤].
إذاً: لابد أن نذهب المذهب الوسط بين الممثلة الذين شبهوا صفات الخالق بصفات المخلوق، وبين المعطلة الذين نفوا عن الذات جميع الصفات، وبعضهم نفى بعض الصفات وأثبت بعضها.
стр. 428
قواعد مهمة في عقيدة أهل السنة في الأسماء والصفات
ذهب أهل السنة والجماعة إلى وضع قواعد وأصول، من خلالها يمكنك بيسر دون عسر أن تفهم معتقد أهل السنة والجماعة في ذات الإله وصفاته ﵎.
стр. 429
القاعدة الأولى: إفراد الله ﵎ بالوحدانية في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله
أول قاعدة هي: إفراد الله ﵎ بالوحدانية، سواء في ذاته أو في أسمائه أو في صفاته أو في أفعاله.
ومعنى أنه واحد في ذاته: أن أحداً من خلقه لا يشبه ذاته، فإن جميع المخلوقين ذوات، فذات الإنسان وذات الحيوان وذات الجن وذات الجماد والحجر والشجر تختلف تماماً عن ذات المولى ﵎، ولا يجوز لأحد أن يتصور في الذهن أن ذات الله ﵎ كذاته هو؛ لأن الله تعالى ليس له مثيل؛ ولذلك قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فنفى التمثيل والتشبيه بينه وبين جميع المخلوقات، فلا أحد يشبهه قط في شيء من الأشياء، ولا في ذاته العلية ﵎.
فلما كان واحداً في ذاته فهو كذلك واحد في صفاته، فالمرء يتصف بالرحمة، والله ﵎ متصف بالرحمة، ولكن الله تعالى واحد في رحمته، إذ إن رحمته لا تشبه رحمة المخلوقين جميعاً ولو اجتمعت، فلا يجوز أن أقول: (أنا رحيم والله تعالى رحيم فرحمتي كرحمة الله).
هذا لا يجوز؛ لأنني في هذه الحالة جعلت الشبه قائماً بين صفتي وصفة المولى ﵎، وهذا لا يجوز، والله تعالى واحد في صفاته، وليس لأحد من خلقه أن يتصف بصفة من صفاته إلا على وجه الكمال البشري، أو على وجه النص العام، فربما يتصف المرء بأنه رحيم بكل الناس، لكن هل رحمته وسعت كل شيء كما وسعت رحمة المولى ﵎ كل شيء؟ لا.
لأن الله لم يثبت لعبد من عباده رحمة واسعة.
فرحمة الله تختلف عن رحمة جميع المخلوقين، وهذا يبين القول بأن الله تعالى واحد في صفاته.
وصفاته ﵎ لازمة له، وأما صفاتنا فليست بلازمة؛ لأنني يمكن أن أقول: سماني أبي وأمي رحيماً، أو كريماً، وليس عندي رحمة بل أنا غضوب وجهول، وبخيل لست كريماً، أما المولى ﵎ إذا سمى نفسه بالرحيم ووصف نفسه بالرحمة يلزم أن يكون رحيماً.
وإذا كان المولى ﵎ من أسمائه الحسنى: الكريم، فهو متصف بالكرم؛ لأنه كريم بكرم، ولا يكون المولى ﵎ بخيل قط، والبخل هو عكس الكرم؛ لأن البخل صفة نقص لا تليق بالبشر فضلاً عن رب البشر.
فالمولى ﵎ واحد في صفاته، كذلك واحد في أفعاله.
إذا أخبرنا المولى ﵎ بأنه ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ويقول: (هل من داعٍ فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له)، وغير ذلك من النداءات التي ينادي بها المولى ﵎ فلا نقول: إن الله تعالى ينزل كنزولي هذا وينزل الدرج.
لأن نزول المولى ﵎ نزولاً كاملاً يليق بجلاله وكماله، أما نزولي أنا فيتفق مع عجزي وضعفي ونقصي.
وهو كذلك يغضب، لكن ليس كغضبي، ويفرح ليس كفرحي، وهكذا أفعاله ﵎، هو واحد في أفعاله لا يجوز أبداً أن أشبه أفعالي بأفعال المولى ﵎، إنما هو اشتراك في الاسم دون المسمى، فنزوله يوافق نزولي في الاسم فقط ويختلف في المسمى.
وإذا كنت لم أر الله ﵎، وأخبرني أنه ينزل فهذا النزول لا أعلم أنا كيفيته، وليس نزول أحد من الخلق كنزول الله ﵎ حتى أقول: إن الله ينزل مثل فلان؛ لأنه قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فنفى المماثلة والمشابهة بينه سبحانه وبين أحد من الخلق، فهو واحد في ذاته، واحد في أسمائه، واحد في صفاته، واحد في أفعاله.
стр. 430
القاعدة الثانية: إثبات الصفات على مراد الله ومراد رسوله، ووجوب الإيمان بذلك
القاعدة الثانية: إثبات الصفات على مراد الله ، وعلى مراد الرسول ﷺ ووجوب الإيمان بذلك دون بحث في الكيفية، فإنه ما من أحد خاض في كيفية أسماء الله وصفاته إلا حار وظل وتاه.
فمنهم من تاب، ومنهم من مات على بدعته؛ لأن صفات المولى ﵎ تصعد فوق حد الخيال العقلي والتصور الذهني.
فإذا فكرت في كيفية نزول المولى ﵎، أو في كيفية غضبه أو فرحه لا يمكن أبداً أن تدرك حقيقة ذلك، ولكن الله تعالى أخبرك أنه ينزل، فأنت تؤمن إيماناً جازماً بأن الله ﵎ ينزل ويفرح ويضحك، ويغضب ويسخط، لكن لا تعلم كيفية هذا النزول، ولا كيفية هذا الغضب، ولا كيفية هذا الضحك، ولا يضحك ربي كضحكي؛ لأنني أضحك ضحكاً يستلزم فماً ونواجذ وأسناناً ولساناً، والمولى ﵎ لم يثبت ذلك لنفسه، فضحكي يناسبني أنا، أما ضحك المولى ﵎ فإنه ضحك يتناسب مع ذاته العلية، فلذلك أهل السنة لم يخوضوا قط في كيفية الصفات.
دخل رجل على مالك بن أنس رحمه الله تعالى وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم.
لأن الله تعالى أخبرنا أنه استوى، ولذلك لا يجوز لنا أبداً أن نفوض العلم.
واستوى بمعنى: علا وارتفع، فإثبات الفوقية لله أمر معلوم لدينا لا نشك في ذلك، والعرش لا يحويه ولا يستلزم هذا حداً؛ لأن من قال بالحد فهو مبتدع.
ثم قال مالك: والكيف مجهول.
يعني: استواء المولى ﵎ لا يعلمه إلا المولى ﵎؛ لأن استواءه لنا غيب، فنثبت لله ﵎ الاستواء على الكيفية التي أرادها المولى لنفسه.
قال مالك: والسؤال عنه بدعة.
وخوض في الباطل، وكلام على الله بغير علم، وهذه القاعدة تقال في كل صفة من صفات المولى ﵎.
стр. 431
القاعدة الثالثة: الكف عن الخوض في كيفية الذات والصفات
القاعدة الثالثة: الكف عن الخوض في كيفية الذات والصفات، والترابط بين الذات والصفات؛ لأن ذات الله ﵎ قد اتصفت بصفات لازمة للمولى ﵎، فليس هناك فاصل بين الذات والصفات.
стр. 432
القاعدة الرابعة: النفي المجمل والإثبات المفصل والنفي المتضمن لكمال الضد
القاعدة الرابعة: أن طريقة السلف في الصفات هي: (النفي المجمل) أي: نفي جميع النقائص عن الله ، فكل نقيصة معلومة في عالم المخلوقات لا يتصف المولى ﵎ بها قط، بل هو المختص بالكمال والجلال المطلق.
فطريقة السلف في الصفات هي: (النفي المجمل والإثبات المفصل).
وطريقة السلف هي: (النفي المتضمن لكمال الضد)، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وفي الحديث: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام).
فإذا نفينا النوم عن الله لابد وأن نثبت ضد النوم وهو كمال القيومية والحياة لله حياة تليق بجلاله ﵎ لا كحياتنا.
كما أن المولى ﵎ حي قيوم حياة دائمة سرمدية أبدية، لا أول لها ولا آخر؛ لأنه تعالى هو الأول وهو الآخر، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.
فنقول: إن طريقة السلف في إثبات الصفات هي: (النفي المتضمن لكمال الضد).
أي: نفي جميع النقائص عن الله ، وإثبات ضد هذه النقائص، وهي: صفات الكمال.
стр. 433
القاعدة الخامسة: أن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق
القاعدة الخامسة: السلف يقولون: التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل، والتكييف والتمثيل، وما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق، فالقدر المشترك مثلاً بين صفة الله ﵎ (الحلم) وصفتي هي أن الحليم من أسماء الله وهو حليم بحلم، فهذه صفة لله ﵎ ثابتة، وكذلك اسمه (الحليم)، وأنا كذلك سماني والدي حليماً، فأنا أشابه المولى ﵎ في مجرد الاسم فقط، ولا يجوز أن يسميني والدي الحليم؛ لأن الحليم معرف على ذات علية، ولا يجوز لأحد أن يشارك هذه الذات في هذه الصفة المعرفة بالألف واللام، فلا يجوز لأحد أن يتسمى بالكريم أو الحليم، أو العظيم، أو الرءوف أو الرحيم إلا أن يكون على نسبة العبودية لله ﵎: كعبد الرحيم، عبد العظيم، عبد السميع، وغير ذلك، فالله هو السميع البصير الحليم القوي القدير؛ لأن هذه ثابتة لله ﵎ فقط دون أحد من خلقه، ولذلك ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، والقدر المشترك يكون في التسمية فقط، أنت رحيم والله رحيم، أنت كريم والله كريم.
هذا من جهة الصفة، وبالإمكان أن تسمى كريماً وليس عندك شيء من الكرم، أما إذا كان الله تعالى موصوفاً بالكرم فلابد أن نثبت له حقيقة صفة الكرم.
ومعنى القدر الفارق: أن رحمة الله تختلف عن رحمتي، وكرم الله يختلف عن كرمي، وفضل الله يختلف عن فضلي، وغير ذلك من الفوارق بين الخالق والمخلوق، فلا تقل: إن لله ذاتاً تشبه ذاتك، أو إن لله صورة كصورتك، ولا تتصور أن نزوله -سبحانه- كنزولك، إلا أن الاشتراك يقع في مطلق الاسم، أو في مجرد الاسم فقط، فإن صفات المخلوقين تختلف عن صفات الخالق ﵎.
قال شيخ الإسلام ﵀: فمن نفى الأول -أي: فمن نفى القدر المشترك -فقد عطل- لأنه جعل نفسه كالله ﵎ ومن نفى القدر الفارق فقد مثل.
ومذهب السلف وسط بين التشبيه والتعطيل، وقد عرجنا عليه، وكل ممثل معطل لحقيقة الصفة وذاتها، وكل معطل ممثل.
هذه القواعد تكلم عنها شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في فتاواه العظيمة، وأخذها تلميذه ابن القيم ووضعها في كثير من كتبه.
стр. 434
توسط أهل السنة والجماعة في اعتقادهم من بين الفرق الأخرى في صفة اليد
لما تكلمنا عن بعض صفات المولى ﵎ من جهة الإجمال كان لزاماً علينا أن نتكلم عن صفاته من جهة التفصيل، وسنعيش في كل محاضرة مع صفة واحدة من صفات المولى ﵎، وهذه المحاضرة مع (صفة اليد).
стр. 435
مذهب الفرق الضالة في تفسير اليد والرد عليهم
صفة اليد كجميع الصفات الخبرية التي أخبر المولى ﵎ أنه متصف بها، قد طاشت فيها سهام الخلف عن إصابة الهدف، وأخذوا يفسرونها تفسيراً يساوي عقيدتهم، ففسروها مرة بالقدرة، ومرة فسروها بالنعمة؛ يريدون الفرار بزعمهم من التشبيه والتمثيل، ويا سبحان الله! قد وقعوا فيما فروا منه؛ لأن الله ﵎ أثبت ذلك لذاته العلية وهو أعلم بذاته وبجميع خلقه، أثبت هذا لنفسه وهم نفوه، يقول الله ﵎ في كتابه لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥].
(مَا مَنَعَكَ) أي: يا إبليس؟! لم لم تسجد لآدم الذي خلقته بيدي؟ و (يدي) تسمية.
وهذا فيه: إثبات أن لله ﵎ يدين لا يداً واحدة.
ويقول تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، رداً على اليهود الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤].
فهل من الجائز أن يقال في قوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بنعمتي، أو بقدرتي؟ إن هذا الكلام لا يستقيم في لغة العرب؛ لأن المعلوم أن لله ﵎ قدرة واحدة تشمل جميع الخلق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠]، فلم يثبت المولى ﵎ تعددية في قدرته، فتفسير اليد بالقدرة تفسير لا يعرفه العرب، وإن قلت بالتعددية فلا بد أن تطالب بالدليل ولا دليل، فلابد أن ترجع مرة أخرى للبحث عن معنى اليد.
إذاً: اليد صفة لله ﵎، وهي معلومة لدينا، أما كيفيتها في جنب الله فإن الله تعالى هو الذي يعلمها، وليس من الجائز أن يقال: (مما خلقت بنعمتي).
بالإجماع؛ لأن الذي يؤمن به جميع المؤمنين -والخلف كذلك منهم- أن نعم الله كثيرة لا تعد ولا تحصى، كما أخبر الله فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].
يعني: كثيرة جداً.
فلا يستقيم كذلك أن يقال: ما منعك أن تسجد لما خلقت بنعمتي؛ لأن الله تعالى نعمه كثيرة جداً، بحيث أن العاد والحاصي لا يستطيع أن يعدها ولا أن يحصيها.
ويلزم من قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أن يقال: خلق الله آدم بقدرتين.
وهذا لا يجوز بالإجماع؛ لأن الذي ندين به -سواء كان في ذلك السلف والخلف- أن لله تعالى قدرة واحدة وباهرة وهو على كل شيء قدير؛ لعدم الدليل على التعدد، وهذا يتضح فيه الصواب في المسألة بإذن الله تعالى.
وهذا الإمام أبو الحسن الأشعري زعيم تلك الفرقة، تاب وأناب ورجع إلى مذهب السلف، وتبرأ مما كان عليه من قبل، قال هذا الإمام العظيم الجبل في رسالته لأهل الثغر وفي بقية كتبه الاعتقادية: فلو كان الله عنى بقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] القدرة لم يكن لآدم ﵇ على إبليس في ذلك ميزة؛ لأن الله تعالى خلق آدم بقدرته وخلق إبليس بقدرته، بل خلق جميع الخلق بقدرته ﵎، وكل مولود يولد بقدرة الله وإرادته، فإذا كانت اليد هنا بمعنى: القدرة فلابد أن إبليس سيرد على المولى ﵎ هذا القول، ويقول: أنت كذلك خلقتني بقدرة، كما خلقت آدم بقدرة، لكن إبليس لم يرد على المولى ﵎؛ لأنه علم من الخبر أن الله تعالى خلق آدم بيديه ، وأخبر الله ﵎ إبليس أن آدم يمتاز عنه ويتفوق عليه بأنه خلقه بيديه الكريمتين .
وإبليس لما فهم ذلك لم يرد، فسبحان الله! الذي فهمه إبليس لم يفهمه الأشعرية، ولم يفهمه المعتزلة، ولو كان خالقاً لإبليس بيديه كما خلق آدم بيديه لم يكن بتفضيله عليهم بذلك وجه من الوجوه، ولقال إبليس محتجاً على ربه: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم بهما.
فلما أراد الله تفضيله عليه بذلك قال له موبخاً باستكباره على آدم أن يسجد له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥].
إذا كان لا يصح في الأذهان ولا في الاعتقاد تفسير اليد بالقدرة ولا بالنعمة، فلابد أن يكون هناك تفسير ثالث، وهو إثبات هذه الصفة للمولى ﵎ على النحو الذي يليق بجلاله سبحانه، وإذا ثبت بطلان هذا التأويل فلابد من الذهاب إلى تفسير غير الذي ثبت لدينا أنه باطل.
стр. 436
مذهب أهل السنة والجماعة في تفسير قوله تعالى: (لما خلقت بيدي)
التفسير الذي نذهب إليه: إثبات الصفة لله ﵎ كما أراد على الوجه اللائق به ﵎، نؤمن بذلك ونسلم، وإلا فإننا في النهاية نقع في الخوض في ذات الله، وسنصوره في عقولنا، ولما كان الخوض محرماً كان الثاني (التصور) من باب أولى محرماً، فدل على أنه ليس معنى اليد: القدرة، إذ إن الله خلق الأشياء جميعها بقدرته، وأراد الله إثبات يدين لم يشارك إبليس آدم ﵊ في أن خلق بهما، ولا يخلو قوله : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] من إثبات اليدين لله ، كذلك لا يجوز لنا أن نعتقد أن الله تعالى له يد جارحة كأيدينا، وإن قلت ذلك فقد مثلته بيدي، وهذا لا يجوز.
فلابد في النهاية من إثبات يدين ليست نعمتين، ولا جارحتين ولا قدرتين، ولا يوصفان إلا كما وصف الله بها نفسه، فلا يجوز عند أهل اللسان أن يكون معنى قول القائل: عملت بيدي.
يعني: نعمتي.
فلو أن واحداً قال لك: أنا رفعت هذه المنضدة بيدي.
هل تفهم من ذلك: أنه رفعها بنعمتيه؟ فتفسير اليد بالنعمة ليس معلوماً في كلام العرب خاصة عند التثنية.
أما عند الإفراد والجمع فهذا وارد في كلام العرب.
تقول: فلان له علي يد.
أي: له علي جميل وفضل ونعمة.
هذا عند الإفراد، وفلان صاحب أياد بيضاء.
أي: صاحب نعم وتفضل.
وهذا في الجمع.
أما عند التثنية فإن العرب لا تعرف عند التثنية أن اليد بمعنى: النعمة.
قال ابن تيمية: وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع وهو أن معنى قوله: (بِيَدَيَّ): إثبات يدين ليستا قدرتين ولا نعمتين ولا جارحتين، ولا يوصفان إلا بأن يقال: بأنهما يدان ليستا كالأيدي، خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت.
إذاً: جاءت اليد في كتاب الله على ثلاثة أنواع وأنحاء، قال تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] على الإفراد.
وقال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] على التثنية.
وقال تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].
فاليد أتت بالإفراد وأتت بالتثنية وأتت بالجمع، وقلنا: إن العرب لا تعرف ذلك عند تثنية اليد وإنما تعرفه إذا تعدى الخبر إلى المفرد أو إلى الجمع، وإذا راجعنا هذه الاستعمالات الثلاثة في اللغة فإنك ستجد أن الله ﵎ إذا ذكر اليد المسماة يضيف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد: (بيدي) ويتعدى الفعل بالباء إليهما.
أي: إلى اليدين، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] في الإفراد والتثنية.
وهنا ذكرهما بصيغة الجمع، فأضاف العمل إلى اليد نفسها، وإضافة العمل إلى اليد تعني: النعمة، كما قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].
فقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] أي: مما عملنا.
وهذا يشهد له قول الله ﵎: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] والمعنى: بما كسبتم.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:١٠] أي: بما قدمت أنت، لأنه تعدى بحرف الباء: ((فَبِمَا كَسَبَتْ))، وقوله: ((بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ))، فإذا تعدى الفعل بحرف الباء يضاف العمل إلى العامل، وليس إلى الصفة، وأما إذا أضيف الفعل إليه ﵎ ثم عدي الفعل بالباء إلى يده مثناه أو مفردة، فهذا مما باشرته يده على الحقيقة.
فقوله: (خلقت بيدي) تعدى الفعل بالباء هنا، ولابد أن يضاف إلى اليد حقيقة عند التثنية؛ لأن الله تعالى هو الذي باشر خلق آدم بيديه ﵎، ولا يحتمل المعنى أبداً القدرة، وقد جاء في التوراة في قول موسى لآدم وآدم لموسى في حديث المحاجة: (احتج آدم وموسى فقال موسى لآدم: أنت آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة أنت الذي خلقك الله بيده فقال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله بكلامه وكتب لك التوراة بيده).
إذاً: الله تعالى خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، فلما احتج موسى على آدم بأن الله خلقه بيده، احتج عليه كذلك آدم بأن الله كتب له التوراة بيده وكلمه تكليماً.
الشاهد من هذا: أن الله تعالى باشر كتابة التوراة بيده سبحانه، وباشر خلق آدم بيده سبحانه، فلا يجوز أن نقول: إن الله كتب التوراة بنعمته، أو بقدرته، لأن كل شيء بنعمة الله، وكل شيء بقدرة الله، فنقول: للتوراة هنا فضيلة وليست صفة على غيرها، وكذلك إذا كان الله تعالى خلق آدم بقدرته فكذلك خلق جميع الخلق بقدرته، فما الداعي أن يقول: إنه خلق آدم بقدرته؟ فليس هناك فضل لآدم على بقية المخلوقات إذا حملنا اليد على القدرة أو على النعمة؛ وذلك لأن الجميع مخلوق بقدرة الله.
إذاً: هذه اليد التي باشرت الخلق يد على الحقيقة، وأن الله باشر ذلك على الحقيقة، وخلاصة ذلك: أن هذه الصفة صفة بها العطاء والأخذ والقبض وهي غير القدرة وغير النعمة، وقد ورد في كثير من الأدلة صفة اليد كما في قوله ﵊: (
стр. 437
اختلاف علماء أهل السنة والجماعة في كون كلتا يدي الله يمين أو هما يد يمنى ويد يسرى
هناك إشكال عظيم جداً يقع فيه كثير من الناس، وهو: بعد أن أثبتنا أن الله ﵎ له يدان هل هما: يد يمنى والأخرى يسرى؟ فأنت لا تعرف من صفة اليدين في المخلوقين إلا اليمين واليسار، خاصة وقد وردت بعض الأدلة التي تثبت أن لله ﵎ يدين، فهل هما يمين أم شمال؟ هذا أمر لابد من تحريره، فنتغاضى عن إثبات اليدين لله ، لأننا قد علمنا ذلك من خلال الأدلة، وأن اليدين لله فهل هما يمين وشمال، أو كلاهما يمين؟
стр. 438
وصف كلتا يدي الله بأنها يمين وثبوت ذلك بالكتاب والسنة
أولاً: توصف يد الله بأنها يمين، وهذا ثابت بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧].
فليس في كتاب الله وصف ليده بأنها شمال أو أنها يسار، وأن الآيات كلها نطقت بأن يد الله ﵎ موصوفة بأنها يمين.
والدليل من السنة: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة).
أي: لا تنقصها نفقة.
وأيضاً جاء من حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم: (ويطوي السماء بيمينه).
وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه البخاري ومسلم: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيباً، فإن الله يتقبلها بيمينه).
стр. 439
أدلة القائلين بإثبات صفة اليد الشمال لله تعالى
أهل السنة والجماعة يؤمنون أن لله يدين، وأن إحدى يديه يمين، فهل الأخرى توصف بالشمال، أو أن كلتا يديه يمين؟ القائلون بإثبات صفة الشمال منهم: عثمان بن سعيد الدارمي، وأبو يعلى الفراء، والإمام محمد بن عبد الوهاب، وصديق حسن خان، ومحمد بن خليل هراس ذلك العالم النحرير المصري، وعبد الله بن سليمان الحجازي، وأدلتهم في ذلك هي: ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعاً: قال النبي ﵊: (يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى).
وهذا إثبات لليمين، (ثم يقول: أنا الملك.
أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك) إلى آخر الحديث.
والشاهد في هذه الجزئية: (ثم يقضي الأرضين بشماله).
والحديث في صحيح مسلم من طريق عبد الله بن عمر.
وحديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعاً: قال النبي ﵊: (خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمين فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للتي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي).
يعني: أنتم قسم الجنة وحظ الجنة.
(وقال للتي في يساره: إلى النار ولا أبالي).
هذا الحديث حديث حسن، ولكن من ذهب إلى إثبات اليسار لله فسر الضمير هنا بأنه يسار المولى ﵎، وليس كذلك السياق، فأنتم تعلمون أنه لا يستقيم قط أن يكون الضمير عائداً على المولى ﵎، قال: (خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه) والضمير يعود على أقرب اسم مفرد (كتف)، أي: كتف آدم اليمين فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، (وضرب كتفه اليسرى) والضمير يعود على كتف آدم، (فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للتي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي) أي: الذرية التي خرجت من كتف آدم الأيمن إلى الجنة ولا أبالي.
قال: (وقال للتي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي).
فسقط احتجاجهم بهذا الحديث؛ لأن الضمير في (كتفه) يعود على كتف آدم.
ومن أدلتهم: أنه قد ورد في بعض الأدلة: (ويأخذ الله ﵎ السماوات بيمينه، أو يطوي السماوات بيمينه، والأرضين بيده الأخرى).
قالوا: (الأخرى) تستلزم أن تكون في مقابلة اليمين، وهذا تأويل واجتهاد في النص، فإذا كان يقول: (يطوي المولى ﵎ السموات بيمينه، ثم يطوي الأرضين بيده الأخرى) قالوا: لابد أن تكون الأخرى هي اليسرى، وهذا استنباط من النص، وهذا الاستنباط ربما يصح في جنب المخلوقين، لكنه لا يصح في جنب الله ، فلا يستقيم مع النصوص التي وردت بأن كلتا يديه يمين.
ونحن نعلم أنه لا اجتهاد مع النص، فإذا كان النص قد ثبت بأن كلتا يديه يمين، فلا يجوز أن نقول في لفظه: (بيده الأخرى): أنها اليسار؛ لأنها في مقابلة مذكورة وأنها اليمين، وهذا من أدلتهم في وصف إحدى اليدين باليمين كما في الأحاديث السابقة، وهذا يقتضي أن الأخرى ليست يميناً فتكون شمالاً.
على أية حال: اجتهد كل واحد في إثبات ما لديه من علم، والذي يترجح من خلال النصوص أن كلتا يدي الله يمين لا شمال ولا يسار فيهما.
ومن القائلين بهذا: إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى في كتابه العظيم كتاب التوحيد، والإمام أحمد بن حنبل، والبيهقي.
ومن العلماء المعاصرين: جميع العلماء إلا الشيخ الغنيمان فقد تردد في ذلك، ولا أظن أنه قطع في هذا.
стр. 440
أدلة القائلين بأن كلتا يدي الله يمين
أدلة من قال بأن كلتا يديه سبحانه يمين: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعاً: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين)، وهذا نص ثابت.
وحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ مرفوعاً: (أول ما خلق الله تعالى القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين).
واعلم أن الحديث الذي جاء في إثبات الشمال أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن عمر، وهنا ثبت عن عبد الله بن عمر أنه روى حديثاً: (أول ما خلق الله تعالى القلم، فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين).
إذاً: عبد الله بن عمر وافق جمهور الرواة، ووافق الروايات بإحدى روايتيه وخالف في الأخرى؛ ولذلك هذه المخالفة في إثبات الشمال لله إذا أتت من طريق واحد تدل على الاضطراب.
يعني: إذا كان الراوي لهذه الصفة هو عبد الله بن عمر مرة يثبت أن كلتا يديه يمين، ومرة يثبت أن لله يدين إحداهما يمين والأخرى شمال فلابد أن نقول: قد حدث هنا اضطراب، ولا يلزم أن يكون هذا الاضطراب من جانب الصحابي، بل إن ذلك في الغالب العام من طرف أحد رواة الإسناد.
ولذلك هذا الخبر هو الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: (أول ما خلق الله تعالى القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين).
وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه قال بيده وهما مقبوضتان: خذ أيهما شئت يا آدم! فقال: اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة، ثم بسطها).
هذا الحديث عند ابن أبي عاصم، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في الأسماء والصفات وغيره.
وحديث أبي هريرة ﵁: (يمين الله ملأى لا يغيضها شيء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض) والحديث في الصحيحين.
فلو قلنا: إن اليد هنا بمعنى: القدرة أو بمعنى: النعمة، فهل يصح أن نقول: إن النعمة تقبض وتبسط؟ قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد: باب ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أن لخالقنا جل وعلا يدين كلتاهما يمينان، لا يسار لخالقنا ، إذ اليسار من صفة المخلوقين تجلى ربنا عن أن يكون له يسار.
هذا كلام ابن خزيمة.
وقال في التوحيد أيضاً: بل الأرض جميعاً قبضة ربنا جل وعلا بإحدى يديه يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه وهي اليد الأخرى.
يعني: هي كذلك يمين، وكلتا يدي ربنا يمين لا شمال فيهما جل ربنا وعز عن أن يكون له يسار، إذ كون إحدى اليدين يساراً إنما يكون من علامات المخلوقين جل ربنا وعز عن التشبه بخلقه.
وقال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب طبقات الحنابلة لـ أبي يعلى: وكما صح الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (وكلتا يديه يمين) لابد من الإيمان بذلك.
قال: فمن لم يؤمن بذلك ويعلم أن ذلك حقٌ كما قال رسول الله ﷺ فهو مكذب برسول الله ﵊.
وسئل الشيخ الألباني ﵀ كما في مجلة الأصالة: كيف نوفق بين رواية: (بشماله) الواردة في حديث ابن عمر في صحيح مسلم، وبين الرواية: (وكلتا يديه يمين)؟
الجواب
قال: لا تعارض بين الحديثين، فقوله: (وكلتا يديه يمين)، تأكيد لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
يعني: لابد أن تصرف من الذهن تشبيه الخالق بالمخلوق، فإذا صرفته فلابد أن تعلم بإثبات اليدين لله ليس على نحو أيدي المخلوقين.
قال: فقوله: (وكلتا يديه يمين) تأكيد لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فهذا الوصف الذي أخبر به رسول الله ﷺ تأكيد للتنزيه، فيد الله ليست كيد البشر (شمال ويمين)، ولكن كلتا يديه سبحانه يمين.
وترجيح آخر للروايتين: أن رواية: (بشماله) رواية شاذة كما بينتها في تخريج المصطلحات الأربعة لـ أبي الأعلى المودودي.
ويؤكد هذا: أن أبا داود روى نفس الحديث الذي رواه مسلم وأثبت فيه -أي: مسلم - الشمال دون أن يثبت فيه هذه الرواية الأخرى، ولكن قال: (وبيده الأخرى) بدل (وبشماله)، وهو الموافق لقوله تعالى، وقوله ﵊: (وكلتا يديه يمين).
стр. 441
مناقشة الأدلة التي تثبت صفة اليد الشمال لله تعالى
أولاً: أن حديث عبد الله بن عمر عن مسلم الذي فيه لفظة: (الشمال) تفرد بها عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه، وعمر بن حمزة ضعيف، وإن كان أحد رواة مسلم، فضلاً عن أنه قد روى رواية خالف فيها جمهور الرواة، وإن الضعيف إذا أتى برواية يخالف فيها الثقات، فهذه الرواية منكرة، وهي في غاية النكارة إذا تعلقت بذات الإله أو بصفاته.
والحديث الذي رواه ابن عمر عند البخاري وكذلك عند مسلم ليس عندهما لفظة: (الشمال) والحديث المتفق عليه في الصحيحين أولى مما تفرد به مسلم، بل ومن طريقه راوٍ ضعيف.
وقال الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات: ذكر الشمال في الرواية تفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر ولم يذكرا فيه الشمال.
فلما خالفه عمر بن حمزة وهو ضعيف دل ذلك على أن روايته منكرة.
وروي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلا أنه ضعيف كذلك بمرة، تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير، وفي الطريق الثاني يزيد الرقاشي وهما متروكان، فكيف يقال: إن الشمال في مقابلة اليمين؟ وتخرج من ذلك إلى أنه لا يصح دليل ولن يصح دليل في إثبات صفة الشمال في يدي الله ﵎؛ لأن هذه اللفظة إنما وردت من طريق الضعفاء، والذي روي من طريق الثقات كذلك ورد في كتاب الله أن الله تعالى له يدان، وكلتا يديه يمين.
وأما قولهم: إن ذكر اليمين يدل على أن الأخرى شمال قول صحيح لو لم يرد ما يدل على أن كلتا يديه يمين.
يعني: صحيح عند إطلاق اليدين في لغة العرب وفي التصور الذهني أن أحدهما يمين والآخر شمال، لكن هذا في حياة المخلوقين أولاً.
ثانياً: أن هذا القياس لا يصح مع المولى تبارك وتعال خاصة، فإنه قد ثبت بالأدلة أن كلتا يديه يمين على أية حال، ونحن نعلم يقيناً أن الخلق جميعاً إذا كانت لهم يدان فإحداهما يمين والأخرى يسار، وقد ورد في بعض أشعار العرب مدحاً بوصف الرجل باليمينين، فكيف لا يكون المولى ﵎ كذلك إذ إن وصف اليدين بأن كلتيهما يمين لا يعني عند العرب أن الأخرى ليست يساراً، بل قد يوصف الإنسان بأن يديه كلتاهما يمين كما قال المرار الأسدي: وإن على الأمانة من عقيل فتى كلتا اليدين له يمين ولا يعني ذلك: أنه لا شمال له، بل هو من كرمه وعطائه بشماله ويمينه، فهو يعني: أن يده الشمال تنفق وتعطي كيده اليمين.
ولقب أبو الطيب طاهر بن حسين بن مصعب بذي اليمينين، كتب له أحد أصحابه: للأمير المهذب المكنى بطيب ذو اليمينين طاهر بن الحسين بن مصعب والشاهد: (ذو اليمينين) لفرط عطائه وجوده.
يريد أن يقول له: أنت يدك تعطي وتبذل بالليل والنهار، وأنت لا تبخل عن أصحابك بشيء سواء بيمينك أو بشمالك، وهذا كلام لا يستقيم في الأذهان، ولكنه خرج مخرج المجاز في الإطناب والمدح، وإلا فإنفاق الشمال مكروه في الشرع؛ ولذلك قالت عائشة: وكان النبي ﵊ يحب التيمن في أمره كله كان يحب التيمن في ترجله، وتنعله وفي عطائه وأخذه، فما كان النبي ﵊ يعطي إلا بيمينه، وما كان يأخذ شيئاً من أصحابه إلا بيمينه.
والترجيح: أن صفات الله ﵎ توقيفية، والذي قد ثبت بالنص أن كلتا يديه يمين، ولابد من القول والذهاب إلى هذا المذهب بأن كلتا يدي ربنا ﵎ يمين، ولا توصف إحداهما بأنها شمال.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله ﵎ لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 442
الأسئلة
стр. 443
الحكم على حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)
السؤال
ما صحة الحديث بأن الله تعالى خلق آدم على صورته؟
الجواب
هذا حديث صحيح متفق عليه عند البخاري ومسلم، لكن لا يلزم منه إثبات الصورة لآدم، أو أن الضمير يعود على المولى ﵎، وهذا كلام أيضاً محل تفصيل، فقد ورد في الحديث: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن).
وقد ورد أن النبي ﵊ قال: (إذا ضربت فلا تقبح ولا تلعن، ولا تضرب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).
هل الضمير هنا يعود على آدم أو على صورة آدم، أو على صورة المضروب، أو على صورة الرحمن؟ كلام طويل جداً نبحثه عند الكلام عن صفة (الصورة) للمولى ﵎.
стр. 444
ثبوت اكتحال النبي ﷺ
السؤال
هل أحاديث اكتحال النبي ﵊ صحيحة؟ وهل هو مستحب أم واجب؟
الجواب
نعم.
صحيحة، وإذا صح الأثر لزم العمل به، سواء كان ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب والندب.
стр. 445
بيان أن السنة قص الشارب لا حلقه
السؤال
هل السنة قص الشارب أم حلقه؟
الجواب
السنة في ذلك قص الشارب دون الحلق.
стр. 446
حكم التصدق على زانية
السؤال
هو يجوز لي أن أتصدق على زانية؟ وكيف أفعل حتى لا أفتن بها؟
الجواب
نعم يجوز؛ لحديث الرجل الصالح الذي تصدق على سارق وزانية وغني فأصبح الناس يقولون: تصدق على سارق.
استشهد الشيخ أبو إسحاق الحويني حفظه الله في درس له أنه لما يتصدق المسلم على زانية ربما بهذه الصدقة تستعف عن الزنا.
وهذا نص الحديث.
ولا يلزم أن تعطيها الصدقة بنفسك، من الإمكان أن تحتال في إيصال هذه الصدقة إلى هذه المرأة التي تريد التوبة، ولا سبيل لها إلا أن تستعف بمال حلال كصدقتك، فلا بأس أن تذهب أمك إليها، أو أختك أو إحدى محارمك، أو شيخ كبير هرم لا يفتن بها ولا تفتن به، ولا تمكنه من نفسها، وإذا كان يغلب على ظنك أن هذه المرأة الزانية البغية ربما تفتنك فيحرم عليك أن تقترب منها؛ لغلبة ظن وقوع الفتنة بينك وبينها، فأوسط الأمر أن تجعلها صدقة سر، وهي -إن شاء الله تعالى- مقبولة عند الله .
стр. 447
النصح بشراء كتاب أصول الاعتقاد
السؤال
هل تنصحنا بشراء كتاب أصول الاعتقاد للالكائي وهو محل الكلام، أم نسمع ونكتب الشرح فقط؟
الجواب
لا أرى تعارضاً بين شراء الكتاب، وبين أن تسمع الشرح، وأن تكتب نقاط الفوائد.
وأهل الأصول يقولون: إذا كان الجمع ممكناً بين الاثنين فهو خير من رد أحدهما.
стр. 448
الحكمة من تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله
السؤال
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] الآية، فما الحكمة من تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله؟
الجواب
سؤال لطيف، الله تعالى يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فأخر الإيمان وقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما السياجان اللذان يحيطان بالإيمان ويحفظانه، فأمة ليس فيها أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر لابد أن يضيع فيها الإيمان، فقدم المولى ﵎ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهما السياجان اللذان يحيطان بالإيمان ويحافظان عليه.
وأنتم تعلمون بداهة: أن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهو ليس من أهل الإيمان والإسلام لا يقبل منه ذلك، فالكافر لو أمر بالمعروف ونهى عن المنكر يكافئه الله عليه بزينة الحياة الدنيا، لكن في الآخرة ليس له نصيب، ولا يقبل الله ﵎ منه ذلك العمل؛ لأنه عديم الإيمان، وعديم الإسلام والتوحيد.
стр. 449
بيان أن صفات الله سبحانه توقيفية كما أن أسماءه توقيفية
السؤال
هل تثبت هذه الأسماء لله : الجميل، الطيب، النظيف؟
الجواب
هذه صفات للمولى ﵎ دون الثالث قولك: (نظيف) لم أسمع به، لكن من صفاته: أنه جميل يحب الجمال، وأنه طيب لا يقبل إلا طيباً.
ولابد أن تعلموا أن الصفات كذلك توقيفية كالأسماء، فلا يجوز أن نسمي الله ﵎ إلا بما سمى به نفسه، ولا يجوز أن نصف الله ﵎ إلا بصفة قد وصف الله ﵎ بها نفسه.
وعندما ننسب صفة لله أو اسماً لله ليس وارداً في الكتاب ولا السنة فإن هذا لا يجوز؛ لأن الأسماء توقيفية وكذلك الصفات.
أما باب المعاني الجميلة فهو باب أوسع من باب الأسماء والصفات، فنثبتها لله ﵎، فالمنعم والستار ليست من أسماء الله، وغير ذلك من الأسماء التي درجت على ألسنة الناس، وليست في حقيقتها من أسماء الله.
فالمنعم ليست صفة ثابتة لله ﵎ وردت في كتابه أو في سنة رسوله، ولكنها من المعاني الجميلة التي تليق بالمولى ؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فالله ﵎ بلا شك هو المنعم والمتفضل ليس على سبيل أن (المنعم) من أسمائه أو من صفاته، ولكنه معنى جميل يليق بجلال المولى ﵎ في الجملة.
стр. 450
معنى حديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا)
السؤال
هل يوصف الله بالملل كما في حديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا)؟
الجواب
لا.
ملل المخلوق المعروف لا يوصف به المولى ﵎؛ لأنه صفة نقص، والملل في حق الله ﵎ صفة كمال؛ لأننا متفقون على أنه متصف بالكمال المطلق، منفي عنه جميع النقائص.
فأحسن تفسير لحديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا): أن الله لا يمل من إعطائكم الثواب على الأعمال الصالحة حتى تمتنعوا أنتم عن تلك الأعمال، فإن الله يقطع ثوابه عنكم، وهذا أحد وجوه التفسير في هذا الحديث: (إن الله لا يمل)؛ لأنكم تعلمون الحديث: (من عمل حسنة فله عشر أمثالها).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا حديث فيه الحث على علو الهمة في طلب معالي الأمور وعظيم الأعمال التي يثيب المولى ﵎ عليها، فإن المرء كلما عمل صالحاً أثابه الله ﵎، ويتوقف هذا الثواب إذا توقف العمل.
فعبر المولى ﵎ عنه بكلام من لغة العرب حتى يفهموه.
فقوله: (إن الله لا يمل) أي: من إعطائكم الثواب على الأعمال حتى تكفوا أنتم عن الأعمال، فإن الله ﵎ يمنعكم ويحرمكم الثواب، لأنكم منعتم أنفسكم العمل الصالح.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 451
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة الأصابع لله
أهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى الأسماء والصفات كما يليق بجلال الله من غير تكييف ولا تعطيل ولا تحريف ولا نفي ولا تأويل، ومن ذلك إثباتهم لصفة الأصابع والأنامل، فقد ثبت ذلك في أحاديث النبي ﵊ التي ذكر فيها أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن جل وعلا.
стр. 452
الأدلة على إثبات صفة الأصابع لله تعالى
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فلا زلنا نتكلم عن صفات الباري ﵎، واليوم بمشيئة الله نتكلم عن صفة الأصابع لله ﵎، بعد أن تكلمنا أنه ذو يدين ، وكلتا يديه يمين لا شمال فيهما، وأما الأحاديث التي وردت تثبت أن لله يميناً وأن له شمالاً فأحاديث شاذة ضعيفة خالفت كتاب الله ، وخالفت ما اتفق عليه البخاري ومسلم من أن كلتا يديه سبحانه يمين، ورددنا كل تأويل صرف لفظ اليد لله عن ظاهرها وعن حقيقتها، والذي قلناه في صفات اليد لابد وأننا سنقوله في كل صفة ولذلك فإننا لا نعيد الكلام اعتماداً على فهمه في المرة الأولى أو الثانية.
واليوم نتكلم عن صفة الأصابع فنقول: لله أصابع، وإذا كنا لا نعلم كيفية اليد، فإننا كذلك لا نعلم كيفية الأصابع لله ، ولكننا نثبتها له بلا كيف ولا حد، فلا نستطيع أن نكيف صفات المولى ﵎، سواء كانت صفاته الفعلية، أو الخبرية الذاتية، ومعنى أنها صفة ذاتية.
أي: أنها لازمة لذاته ﵎ لا تنفك عنه، أولية بأوليته دون ابتداء، وآخرية بآخريته بلا انتهاء، بخلاف -مثلاً- صفة الكلام لله وصفة النزول، وصفة المجيء وغيرها من الصفات، فإن الله ﵎ أعلمنا أنه ينزل في الثلث الأخير من الليل، فلا يجوز لأحد أن يقول: إنه ينزل في الثلث الأول، أو ينزل في النهار، أو ينزل في بعض الليل دون بعضه، إلا ما حدده الله تعالى ورسوله، فإذا كان الخبر يثبت أنه ينزل في الثلث الأخير من الليل، فيمنع أن يقول أحد: أنه ينزل في منتصف الليل، أو في أول الليل أو في بعض أجزاء النهار؛ لأنه ينزل حيث أخبر، وبالطريقة التي تليق به ﵎.
إذاً: الله ﵎ ينزل في وقت ولا ينزل في وقت آخر، ولا ينزل في بقية الليل وكذلك النهار، وإنما ينزل في الثلث الأخير من الليل، والله ﵎ يتكلم بأي كلام متى شاء، وله أن يتكلم في وقت دون وقت، لكننا لا نقول: إن لله ﵎ يد بالليل، وليست له يد بالنهار، لأنها صفة ذاتية، ومعنى ذاتية أنها ملازمة لذاته لا تنفك عنه، فيمتنع أن نقول في هذه الصفات: إنها ثابتة لله في وقت دون وقت، وإنما هي ثابتة له في كل وقت وحين، فإن الله ﵎ لا تنفك عنه يده، كما أنه لا تنفك عنه أصابعه.
يعني: لا يوصف في وقت أنه ذو أصابع، ثم ننفي عنه في وقت أنه ذو أصابع، لأنها لازمة له على الدوام من الأزل وإلى الأزل، دون بداية ولا نهاية.
ذكر غير واحد من العلماء في كتبهم أن صفة الأصابع لله ثابتة لله ، وتلقاها بالقبول أهل السنة والجماعة، ومما يؤيد ذلك: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما -أي: البخاري ومسلم - وكذلك ذكره ابن عبد البر في كتابه العظيم: (التمهيد)، وقد جمع أكثر طرقه الإمام الدارقطني في رسالة صغيرة لطيفية جداً سماها: (صفات الباري ﵎، هذه الرسالة ليس فيها حديث إلا له تعلق بصفات الله ، والإمام الدارقطني كان على رأس طبقته ممن يدعو إلى السنة على منهج النبوة، فقد كان إماماً عظيماً جبلاً من جبال السنة والداعين إليها، الآمرين فيها بالمعروف، والناهين فيها عن المنكر، جمع في هذه الرسالة عدة أحاديث تثبت صفات المولى ﵎.
стр. 453
حديث: (إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع)
من هذه الأحاديث التي رواها الدارقطني في هذه الرسالة: ما أخرجه ابتداءً الإمام مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء حبر إلى النبي ﷺ ومعنى حبر: عالم من علماء اليهود، (فقال: يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء على أصبع، والثرى -الذي هو التراب- على أصبع، وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الملك، فضحك النبي ﷺ تعجباً مما قال الحبر وتصديقاً له).
وعبد الله بن مسعود راوي الحديث فهم أن النبي ﵊ إنما ضحك تعجباً وتصديقاً ولا غرو في ذلك؛ لأنه حق أتى من قبل اليهودي فقبلناه، لا لأن القائل به يهودي، ولذلك لم يرده النبي ﵊ ويقول له لا هذا الخبر يرد؛ لأنك يهودي لا يقبل منك هذا الخبر، وإنما ضحك تعجباً وتصديقاً لمن أخبر بذلك الخبر، (ثم قرأ قول الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
وقد روى هذا الحديث غير واحد من الصحابة، فلم ينفرد به ابن مسعود، بل رواه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس وغيرهما.
وقريب منه: حديث أبي هريرة عند مسلم والحديث متفق عليه -أخرجه الشيخان- رواه البخاري في كتاب التوحيد في صحيحه.
стр. 454
حديث: (إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن)
أيضاً: وفي معنى هذه الأحاديث المشار إليها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم ولفظه: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، ثم قال -أي النبي ﵊: يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك).
والشاهد: إن قلوب العباد كقلب واحد بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا الحديث كذلك هو الحديث الثاني في إثبات أن لله ﵎ أصابع.
стр. 455
حديث: (قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن)
كذلك في معناه الحديث الثالث: حديث النواس بن سمعان ﵁ عند مسلم ونصه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الميزان بيد الرحمن إن شاء يرفع أقواماً ويضع آخرين، وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه).
(إن شاء أقامه): أي هداه.
(وإن شاء أزاغه): أي أضله.
فهذه أحاديث ثلاثة تثبت الأصابع لله ﵎، فصفة الأصابع لم تثبت بالكتاب العزيز، ولا يلزم في إثبات صفة من الصفات أن يكون لها ذكر في القرآن الكريم، وإنما مصدر التشريع والاعتقاد كتاب الله وسنة النبي ﵊، وإنما نعتمد على السنة وحدها إذا لم يكن هناك خبر في القرآن الكريم، وقد نطقت السنة فيما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو وكذلك رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان وما اتفق عليه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين.
هذه الثلاثة الأحاديث أثبتت أن لله ﵎ أصابع، وقال النبي ﵊: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).
وبهذه الأحاديث الصحاح يثبت علماء الحديث وأهل السنة لله تعالى الأصابع، بثبوتها صفة لله تعالى خبرية؛ لأن الخبر قد ورد بها.
стр. 456
منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات
من القواعد المسلم بها عند أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفات المولى ﵎ وأسمائه: أنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله، وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله الكريم ﵊.
فلابد وأن نثبت الأصابع لله ، لأنه قد ورد في السنة إثباتها.
أي: نطقت السنة بإثبات أن لله ﵎ أصابع، وأحاديث صفة الأصابع لله لم تسلم من تحريف المحرفين كأي صفة من الصفات، بل تعرضوا لها مرة بالتأويل، ومرة بالتحريف، بل منهم من تعرض لها بالتعطيل، ومنهم من تعرض لها بالتمثيل.
قالوا: إذا كنا نثبت لله ﵎ أصابع، فلابد وأنها تكون كأصابعنا، ولا شك أن هذا غلو شديد، وانحراف عن منهج النبوة فيما يتعلق بصفات المولى ؛ لأن المنهج الحق هو منهج أهل السنة وهم وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، فلا ينفون الصفة وقد أثبتها الله تعالى ورسوله، كما أنهم لا يشبهون صفات الخالق بصفات المخلوقين، فلا يمثلون صفات الباري بصفات المخلوق الجارحة، فإننا نثبت أن لله ﵎ أصابع ليست جارحة، فلا تشبه أصابعنا، إنما هي أصابع تليق بالمولى ، ونسكت على ذلك، ونؤمن به إيماناً جازماً، فأحاديث الصفات نالها ما نال غيرها من نصوص الصفات الأخرى.
وزعم بعضهم: أن صفة الأصابع تخليط من اليهود، فقالوا: نحن لا نثبت صفة الأصابع، لأنها إنما أتت من طريق اليهود، وهذا الكلام مردود عليهم، فإن الحجة ليست بقول اليهودي وإنما في إقرار النبي ﵊، لأن خبر بني إسرائيل إن وافق ما عندنا فلا بأس وإن خالف رددناه، وإن لم يخالف ولم يوافق فإننا لا نؤمن به ولا نكذبه.
أي: لا نصدقه ولا نكذبه، فلا عبرة به عندنا، وإن قال به حبر من أحبار اليهود، والنبي ﵊ ضحك تعجباً لما قال، وتصديقاً له، فإنما نأخذ الحجة من تصديق النبي ﵊ لذلك الحبر.
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) ليس فيه واحد من اليهود أو النصارى بل هو خبر مسلم قح من أوله إلى آخره، وكذلك حديث النواس بن سمعان، وكلاهما يثبتان أن لله ﵎ أصابع، فلماذا نرد هذه الأخبار؟ ومعلوم أن اليهود مجسمة فما من بدعة وقعت في الإسلام إلا ولابد أن صاحبها إما يهودي أو نصراني أو مجوسي أو صاحب هوى وبدعة، فكل الانحرافات والبدع الخاصة بالعقيدة مصدرها اليهود والنصارى والمجوس، ثم أصحاب الأهواء الذين يميلون بأهوائهم إلى الابتداع لا إلى الاتباع.
وقالوا: أن ضحك النبي ﵊ من كلام الحبر ليس دليلاً على تصديقه لليهودي، بل هو دليل الكراهة والغضب والاستنكار، وهذا كلام بعيد جداً.
ومتى علم أحد من المسلمين أن النبي ﵊ إذا أنكر أمراً ضحك له؟ وهل وجدتم دليلاً في السنة من أولها إلى آخرها أو سمع أحدكم أن النبي ﵊ إذا سمع شيئاً يكرهه وينكره فإنه كان يضحك؟ إنما كان يغضب غضباً شديداً حتى يرى ذلك في وجهه، وإذا كان ذلك في عموم الأشياء فإنه من باب أولى في أحاديث الصفات لله ، فلابد أن يكون شديد الغضب، والنبي ﵊ لا يسكت على باطل، وضحكه لا يدل على استنكاره، وإنما يدل على تعجبه وتصديقه.
هب أن المسألة مسألة عقول وأفهام، فأيهما أحسن عقلاً وأشد فهماً عبد الله بن مسعود الذي رأى النبي ﵊ وهو يضحك، أم هؤلاء الذين صرفوا الضحك إلى الاستنكار ورد خبر ذلك الحبر؟ إن الواحد إذا ضحك ربما يضحك استهزاءً، أو سخرية، أو استنكاراً لما يسمع، أو تعجباً مما يسمع، أو موافقة وقبولاً لما يسمع، لأن التشريع لا يناط به، ولكن الذي يعلم أنني أضحك تعجباً أو استنكاراً هو الذي يراني أضحك، يعلم كيف أضحك، وعلام يدل هذا الضحك، فـ عبد الله بن مسعود هو الذي رأى النبي ﵊ وهو يضحك، فلو كان يعلم أن هذا الضحك ليس للتعجب ولا للتصديق بل هو للاستنكار ولغرابة الخبر لصرح بذلك ونقله إلينا، بل هو الذي رأى الضحك، ويعلم من حال ضحك النبي ﵊ أنه لا يستنكر ولا يستغرب وإنما قال: (ضحك النبي ﵊ مما قال الحبر تعجباً وتصديقاً له).
وإذا كانت المسألة مسألة فهوم وعقول فعقل عبد الله بن مسعود أرجح، وفهمه أقوى وأشد من فهم هؤلاء الذين حرفوا النص عن ظاهره لينفوا عن الله أنه ذو أصابع.
وادعوا كذلك أن ذكر الأصابع لم يرد في القرآن أو في حديث متواتر، والرد عليهم أنه ليس بلازم قط أنها ترد في القرآن الكريم، ودعواهم في ظاهرها حق ولكن أريد بها باطل، ولو وردت لفظة الأصابع في القرآن لأولوها كما أولوا غيرها من الصفات التي وردت في القرآن، كما أولوا صفة اليد مع أنها ثابتة لله في القرآن فأولوها بالنعمة، وبالقدرة.
المهم أنها
стр. 457
مذهب المعتزلة في الصفات والرد عليهم
ومن هؤلاء المعتزلة من يتفلسف ويقول: إننا لا نحتج في صفات المولى إلا بالأحاديث المتواترة.
وهؤلاء معتزلة، بل هم شر من المعتزلة، فمعتزلة هذا الزمان شر من المعتزلة في ذلك الزمان الأول، فإنهم تأولوا هذه الصفات وهم يعتقدون أن هذا دين يتقربون به إلى الله ، أما هؤلاء الملاحدة الذين تبنوا مذهب الاعتزال في هذا الزمان فإن التسمية الحقيقية لهم أنهم ملاحدة، ولكنهم تستروا بسترا العقل وقالوا: نحن عقلانيون، نحن تابعون للعلم الحديث، نحن معتزلة ولكنهم في الحقيقة لا يجرءون على أن يصرحوا بمكنون صدورهم؛ لأنه يؤدي بهم إلى الكفر الصريح عياذاً بالله تعالى فهنا يقولون: إن هذه الصفة ليست ثابتة في الكتاب ولذلك لا نقول بها إلا إذا وردت بأحاديث متواترة.
والرد عليهم فيما يلي: الرد الأول: أن غيرها من الصفات ثبتت في الكتاب ولم تقولوا بها؟ وهذا يدل على فساد قلوبكم، وسوء طويتكم.
الرد الثاني: أنه لا يلزم من ثبوت شيء في دين الله أن يرد في الكتاب، بل إن الله أمرنا أن نتبع محمداً ﵊؛ لأن سنته وحي من عند الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فالنبي ﵊ أخبرنا أن لله أصابع، وقد صح بذلك الخبر فلم لا نقول به؟ ولم لا نعتقده؟ ولم نرد على النبي ﵊؟ تصور أنك جالس بين يدي النبي ﵊ وهو يقول: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) أتقول له لا هذا الخبر ليس متواتراً؟ أم أين دليلك من الكتاب؟
الجواب
أنك لا يمكن أن تتكلم، ولو تكلمت بهذا الكلام الكفري بين يديه لوجدت من يؤدبك ومن يقطع رقبتك كأمثال عمر وغيره، بل هو اعتراض وتقدم بين يدي النبي ﵊.
الرد الثالث: من الذي فرق في صفات المولى بين قبول الخبر إذا جاء متواتراً ورده إذا جاء آحاد؟ من الذي قال بهذا؟ أهو النبي ﵊ أم الخلفاء الأربعة أم أصحاب النبي ﵊ أم الأئمة المتبوعون إلى قيام القيامة؟
الجواب
لم يقل أحد من هؤلاء برد الخبر إذا كان في الاعتقاد إذا أتى من طريق الآحاد، بل قالوا: إذا صح الخبر فهو مذهبنا، وهو معتقدنا، وبه نقول، فإذا كان هذا الخبر قد ورد في الصحيحين بإثبات هذه الصفة لله فلماذا لا نقول بها إذاً؟ ولذلك (أرسل النبي ﵊ معاذاً وحده إلى اليمن، وقال: إنك تدعو قوماً أهل كتاب -يهود ونصارى- فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) هذا اعتقاد.
وأرسل معاذاً وهو خبر آحاد، وقبله أهل اليمن ولم يردوا معاذاً ويقولوا له: اذهب إلى النبي ﵊ أو اذهب إلى أبي القاسم فأخبره أننا لا نقبل هذا الكلام إلا إذا كان متواتراً، وإن النبي ﵊ لما استقر عنده أن خبر معاذ كاف وحده في إقامة الحجة على أهل بلد أرسله إليهم يعلمهم الاعتقاد أولاً، فلما لم يكن هذا ولا ذاك، قام أهل اليمن وقبلوا خبر معاذ وأتوا بعد ذلك إلى النبي ﵊ مسلمين، بعضهم أتى إلى النبي ﵊ ليسمع بالسند العالي ما أوحى الله به إلى نبيه.
فقولهم: إن هذا الخبر ليس في القرآن مردود.
إذاً: ماذا تصنع السنة؟ وما قيمتها حينئذ؟ كما أن خبرهم أو قولهم بأننا لا نقبل في إثبات الصفات إلا الأحاديث المقطوعة ويقصدون بها المتواترة، خبر كذلك أشد رداً مما سبقه.
стр. 458
مذهب الأشاعرة في الصفات والرد عليهم
أيضاً الذين أثبتوا هذه الأحاديث، هم أحسن حالاً ممن سبق، هؤلاء قالوا: سنسلم بأن هذه الأحاديث صحيحه، وأننا سنحتج بها في الاعتقاد، لكنهم ذهبوا مذهباً آخر، واضطربوا اضطراباً شديداً، وتحيروا وتخبطوا، فقالوا: هذه الأخبار صحيحة ولكننا سنؤولها -وهؤلاء الأشاعرة- ونصرفها عن ظاهرها، وعن المراد منها، ومحاولة التأويل بدعوى أن مثل هذه النصوص لا يراد ظاهرها؛ لأن الأدلة العقلية تأبى ذلك، ومن أصول المبتدعة: تقديم العقل على النقل، لكن من أصول أهل السنة تقديم النقل على العقل، والذي خلق العقل هو الله ؛ لأنه لا خالق غيره ولا رب سواه، وهذا العقل منه الفاسد ومنه السليم، ونصوص الشرع منها الصحيح ومنها السقيم، فالصحيح كتاب الله وما صح عن النبي ﵊، والسقيم منها: الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وإذا كان الخلاف وقع بين أهل العلم فيما يتعلق بالاحتجاج بالضعيف في فضائل الأعمال، فمن باب أولى وأحرى إذا كان هذا الخبر الضعيف يثبت صفة لله فلا نثبتها، لأنهم يشترطون في ذلك يأتي الخبر من طريق صحيح، ومن طريق الثقات.
فقولهم إنما نؤول الأصابع لأنها لا تتفق مع العقل؛ ولأن الأدلة العقلية تأبى ذلك، لأنهم تصوروا أن أصابع الخالق كأصابع المخلوقين، فأرادوا أن ينزهوا الله ﵎ برفض الأدلة، وإما أن ينزهوه بتأويل الأدلة، فلما ثبتت الأدلة ثبوتاً يقينياً قالوا: إن هذه الأدلة ظاهرها غير مراد.
يعني الكلام هذا على سبيل المجاز.
أي: أن الكلام هذا لا يقصد به حقيقة الأصابع، فيصرفون النص عن ظاهره ويقولون بالمعنى المترتب عليه، وهو القبض وهو لا يتم إلا بالأصابع، والبسط لا يكون إلا بالأصابع وغير ذلك، والحثيات كذلك لا تكون إلا بالأصابع، أي براحة اليد وبالأصابع، فلما ثبت هذا كله لله أردوا أن يقولوا: إن هذه الأصابع إنما هي فرع وتصور عن اليد التي هي أصلاً عندهم القوة، فالأصابع لا يراد منها الظاهر بل هي مجاز لله ، والمجاز فيما يتعلق بأمور الغيب -خاصة فيما يتعلق بالباري ﵎ لا يجوز قط، وليس هو منهج أهل السنة والجماعة، لأنهم يثبتون لله ﵎ ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله على الوجه اللائق به حقيقة لا مجازاً، فإن لله يد حقيقة، لكن لا يعلم كيفية هذه اليد إلا الله .
أما المبتدعة قالوا: لابد من التأويل إلى ما يليق ويقبله العقل، فنقول: هذا غيب لا دخل للعقل فيه، والغيب ابتلاء من الله ، فالجنة والنار والحور العين لا نقول فيها أنها مجاز، وإلا للزم من ذلك القول بأن الله مجاز؛ لأنه ليس ذاتاً حقيقية -حسب زعمكم- لأنكم أنكرتم الصفات اللازمة للذات، فإذا كنتم تنكرون هذه الصفات وتؤولونها بأنها مجاز لابد وأنكم تقولون في النهاية بأن الذات العلية كذلك مجاز.
إذاً: في النهاية لا يوجد إله.
ويصح هنا ما قاله ابن تيمية: إن المعطل يعبد عدماً، وإن الممثل يعبد صنماً.
فـ ابن تيمية لم يقل هذا الكلام من فراغ بل هو خبر قلوب القوم لا أقوال ألسنتهم، فعلم بنور من الله أن المعطلة الذين يعطلون الصفات ويلزم بذلك أن يعطلوا الذات يعبدون عدماً؛ لأنهم في النهاية لا يكون لهم إله؛ لأنه لا يتصور أن يكون هناك ذات بغير صفات، فإذا كانوا نفوا الصفات فلابد وأن ينفوا في النهاية الذات.
والممثلة على النقيض من ذلك، فهم يثبتون أن لله تعالى يداً كأيدينا وعيناً كأعيننا، وساقاً كساقنا، وأصابع كأصابعنا، وينزل كنزولنا، ويجيء كمجيئنا، فيصورونه في النهاية شخصاً، فهم يعبدون صنماً؛ لأن الله ﵎ لا يشبه أحداً من خلقه لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وقال آخرون: يحتمل أن يكون المراد بالأصابع خلقاً يخلقهم الله ليحملوا ما تحمله الأصابع.
وهذا تأويل ساذج إذ جعلوها شيئاً حادثاً منفصلاً عن الذات، وصفات الله ﵎ ليست حادثة، لأنك لو قلت بحدوثها فيلزمك أن تقول: إن الله كان متصفاً بالنقص فكمل نفسه.
وهذا كفر والعياذ بالله.
وقال آخرون: لعل المراد بالأصابع نعمة النفع والدفع، أو أثر الفضل والعدل إلى آخر تلك التكلفات التي نحن في غنى عن سردها؛ لأن حسن اعتقادنا في الله أن نؤمن بما جاء في الكتاب والسنة عن صفات الله على الوجه اللائق به ﵎، ولذلك فإن منهج أهل السنة في غاية الراحة والطمأنينة، ولذلك إذا أتاك أي خبر لابد وأن تسأل: من القائل به؟
стр. 459
بيان أنه لا تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح
ناقشني رجل فقال: يرحم الله فلاناً فإنه كان يشن الغارة على السلفيين، وهو خبر القوم، وعلم فساداً من هديهم وفساد قلوبهم.
قلت: أما يرحمه الله فإنا نسأل الله أن يرحمه، وأما أنه خبر القوم، فوالله ما خبرهم ولو خبرهم لتبعهم، بل منعه كبره أن يقبل الحق وأن يتبع شباباً صغاراً في سن أولاده وهو عالم كبير في الأزهر، وكان يغتاظ أشد الغيظ إذا سمع كلمة سلفي أو كلمة سنة.
قلت: أليس هو الذي رد حديث الذبابة وهو في الصحيح؟ قال: نعم.
ثم قلت: أليس هو الذي رد حديث سحر النبي ﵊؟ قال: نعم.
هذا لا يليق بجناب النبوة.
قلت: النبي أعلم بجناب النبوة منك، فهو الذي أخبر أنه سحر، والنبي ﵊ هو الطبيب الأول الذي أخبرنا أن الذبابة إذا وقعت في شراب أحدنا فليغمسها في هذا الشراب فإن في أحد جناحيها داء وفي الآخر دواء، وأنت لا تدري بأي الجناحين سقطت هذه الذبابة، فمن باب الاطمئنان ودفع الوسواس أن تغمسها، فإذا كان جناحها الذي يحمل الداء هو الذي سقط عالجه الجناح الآخر؛ لأن فيه الدواء، وإن كان الذي سقط فيه هذا الشراب هو الجناح الذي فيه الدواء فإن غمس الجناح الذي فيه الداء لا يضره، ثم إني قلت له في نهاية المناقشة: من الذي أبلغك أن أبا بكر رد هذا الكلام؟ قال: لا أحد.
قلت: وعمر؟ قال: لا.
وعثمان؟ قال: لا.
والشافعي؟ قال: لا.
وأبا حنيفة؟ قال: لا، قلت: ما تقول في هؤلاء، أليس هم علماء الأمة؟ ومن الذي يقول بما تقوله الآن؟ قال: المعتزلة.
فقلت: رضيت لنفسك ولدينك أن تكون متبعاً لمنهج المعتزلة وهم الخلف.
قال: لأن هذا الكلام غير معقول.
قلت: العقل ليس مصدراً للتشريع، بل الكتاب والسنة حاكمان على العقل، هاديان له، مرشدان له إلى طريق الحق والخير، فأنت جعلت عقلك حاكماً على كلام الله وكلام الرسول ﵊، وهذا لا يعقل.
ثم قلت: أتظن أنك العاقل الوحيد؟ قال: لا وأنت أيضاً يا شيخ عاقل؟ قلت: إذا كانت المسألة مسألة عقول فإن عقلي يقبل كل خبر جاء في كتاب الله أو صح عن النبي ﵊ سواء علمت معناه أم لم أعلمه، علمت حقيقته أم لم أعلمها، فإن عقلي يأمرني بذلك، وأنت عقلك يرد هذا، فهل يتصور أن يكون الله جعل العقل حاكماً على الكتاب والسنة؟ أنت اليوم عاقل وغداً لست عاقلاً، فأنت اليوم تقبل خبراً وغداً ترده، والخبر الذي تقبله بعقلك أنا أرده بعقلي والعكس بالعكس، فلا يصح أن يكون العقل المتغير الموصوف بالعجز والنقص والضعف حاكماً على الكتاب والسنة.
نعم.
الله ﵎ خاطب العقل وكلفه بأعظم تكليف أن يؤمن بهذا الكتاب، وأن يتدبر في آيات الله ؛ لأن العقل المخاطب هو العقل السليم، ولذلك قال النبي ﵊: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ).
لأن هؤلاء الثلاثة لا عقول لهم، ولذلك لا يقعون في دائرة التكليف، والشرع لم يكلف هذه العقول أن تمعن النظر؛ لأنها لا نظر لها، فكيف تجعل من عقلك حكماً على الكتاب والسنة؟! ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل: لا يوجد أبداً تعارض بين النقل والعقل، وإن كنا أحياناً نشعر بوجود تعارض، فالنقل الصريح في الكتاب والسنة يتفق مع العقل الصحيح السليم من كل آفة وهوى وابتداع وزيغ وانحراف عن الحق.
وإذا لم يوافق العقل الشرع فلابد أن تكون هناك علة، هذه العلة ليست في دين الله ، وإنما هذه العلة إما أن تكون بفساد العقل، وإما أن تكون في ضعف النقل كأن يكون الحديث ضعيفاً، ثم ذكر مثالاً على ذلك، وهو قول النبي ﵊: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب.
قال: وما اكتب؟ قال: اكتب كل شيء كان ويكون إلى قيام الساعة).
وحديث آخر من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال النبي ﵊: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).
وهذا الحديث يحتج به الصوفية، فيقال: إن التعارض واقع بين هذين الخبرين، فإما أن يكون الجمع بينهما ممكن، وعقلي هو الذي قصر لفساد فيه وجهل فيه عن الجمع بين الدليلين، وإما أن يكون العيب في عدم ثبوت واحد منهما، فلما فتشنا علمنا أن حديث القلم هو الصحيح، وأن حديث: (نور نبيك يا جابر) حديث موضوع، فلما علمنا بوضعه استبعدناه فلم يبق لنا إلا خبر واحد: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب) فليس عندي في هذه المسألة إلا خبر واحد، فلابد أنه سيتفق مع عقلي تمام الاتفاق، لأن النقل صريح، والعقل صحيح، ففي هذه الحالة ليس هناك تعارض أبداً.
ولذلك فإن ابن خزيمة إمام الأئمة رحمه الله تعالى، صاحب كتاب التوحيد وهو كتاب عظيم جداً، قال: ما من دليلين ترون أن بينهما ت
стр. 460
مذهب الحافظ ابن حجر في الصفات
ممن أنكر الإثبات وتكلف في معنى حديث الأصابع: الحافظ ابن حجر إمام أئمة السنة، فقد زلت قدمه في بعض الصفات فوافق فيها الأشعرية، ولا يعني ذلك أنه في موافقته للأشاعرة في بعض الصفات أنه أشعري، بدليل أنه حمل حملة شعواء في شرحه للصحيح في المجلد الثاني عشر على مذهب الأشاعرة، وأثبت أنهم من أهل القبلة لا من أهل السنة.
فأهل العلم يفرقون بين المصطلحين: أهل القبلة، وأهل السنة، فأهل القبلة: يثبت لهم الإسلام فقط وعندهم انحراف وبدع.
وأما أهل السنة: فإن الاتباع والاقتداء ثابت لهم، ولذلك سموا أهل السنة والجماعة، لأنهم استنوا بسنة النبي ﵊ على مراد النبي ﵊، وهم الجماعة الذين اجتمعوا على الاقتداء والاتباع بالنبي ﵊.
أما الأشاعرة فإنهم فرقة من الفرق، وكذلك المعتزلة فرقة، والخوارج فرقة، والقدرية فرقة، والإباضية فرقة، والشيعة فرقة، والصوفية فرقة، وكلهم ضالون؛ لأن النبي ﵊ هو الذي قضى وحكم بذلك، فإننا نقضي ونحكم بما حكم به النبي ﵊ حيث قال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فحكم بأنهم للنار لأجل انحرافهم وضلالهم حين ابتعدوا عن منهج السنة.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: حيث أوضح أن في تصرف هؤلاء المتأولة الطعن في ثقات الرواة، وصرفهم هذه النصوص عن ظاهرها فيه طعن للرواة الذين رووا هذا الخبر ورد الأخبار الثابتة إلى أن قال: ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي للزم فيه تقرير النبي ﵊ على الباطل، وسكوته عن الإنكار وحاشاه من ذلك.
يعني: إذا كان كلامهم صحيحاً فإن النبي ﵇ أقر عبد الله بن مسعود على فهمه الباطل، ولما كان ذلك محال في حق النبي ﵊ أن يسكت على باطل لابد وأننا نقول: بأن ابن مسعود فهم فهماً صحيحاً سليماً أن النبي ﵊ ضحك تعجباً وتصديقاً وليس استنكاراً كما قالت المتأولة.
ثم قال: وممن أنكر بل تشدد في الإنكار على من ادعى أن الضحك في الحديث كان على سبيل الإنكار هو ابن خزيمة، فإنه بعد أن أورد هذا الحديث في كتابه التوحيد، قال: يا له من موقف غريب؟ هل هؤلاء يدعون أنهم أعلم بالله وما يليق به من رسول الله أو من أصحاب رسول الله ﵊ أو من التابعين لهم بإحسان؟ فمثل هذا يحتار فيه المرء ولا يدري كيف يفسره.
وعلى كل حال فهذه مواقف ثلاثة تمخضت من دراسة أحاديث الأصابع ومواقف الناس منها، وهي: الأول: إثبات صفة الأصابع كما جاءت بها السنة، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة.
الثاني: تأويل الأحاديث الواردة والخروج بها عن ظاهرها، وهذا مذهب الأشاعرة.
الثالث: إنكار الأحاديث وردها بدعوى أنها مخالفة للأدلة العقلية القطعية في زعمهم، وهذا منهج المعتزلة والجهمية، والحق أبلج والباطل لجلج.
следующие страницы →