Полный текст (1 284 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات
من القواعد المسلم بها عند أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفات المولى ﵎ وأسمائه: أنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله، وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله الكريم ﵊.
فلابد وأن نثبت الأصابع لله ، لأنه قد ورد في السنة إثباتها.
أي: نطقت السنة بإثبات أن لله ﵎ أصابع، وأحاديث صفة الأصابع لله لم تسلم من تحريف المحرفين كأي صفة من الصفات، بل تعرضوا لها مرة بالتأويل، ومرة بالتحريف، بل منهم من تعرض لها بالتعطيل، ومنهم من تعرض لها بالتمثيل.
قالوا: إذا كنا نثبت لله ﵎ أصابع، فلابد وأنها تكون كأصابعنا، ولا شك أن هذا غلو شديد، وانحراف عن منهج النبوة فيما يتعلق بصفات المولى ؛ لأن المنهج الحق هو منهج أهل السنة وهم وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، فلا ينفون الصفة وقد أثبتها الله تعالى ورسوله، كما أنهم لا يشبهون صفات الخالق بصفات المخلوقين، فلا يمثلون صفات الباري بصفات المخلوق الجارحة، فإننا نثبت أن لله ﵎ أصابع ليست جارحة، فلا تشبه أصابعنا، إنما هي أصابع تليق بالمولى ، ونسكت على ذلك، ونؤمن به إيماناً جازماً، فأحاديث الصفات نالها ما نال غيرها من نصوص الصفات الأخرى.
وزعم بعضهم: أن صفة الأصابع تخليط من اليهود، فقالوا: نحن لا نثبت صفة الأصابع، لأنها إنما أتت من طريق اليهود، وهذا الكلام مردود عليهم، فإن الحجة ليست بقول اليهودي وإنما في إقرار النبي ﵊، لأن خبر بني إسرائيل إن وافق ما عندنا فلا بأس وإن خالف رددناه، وإن لم يخالف ولم يوافق فإننا لا نؤمن به ولا نكذبه.
أي: لا نصدقه ولا نكذبه، فلا عبرة به عندنا، وإن قال به حبر من أحبار اليهود، والنبي ﵊ ضحك تعجباً لما قال، وتصديقاً له، فإنما نأخذ الحجة من تصديق النبي ﵊ لذلك الحبر.
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) ليس فيه واحد من اليهود أو النصارى بل هو خبر مسلم قح من أوله إلى آخره، وكذلك حديث النواس بن سمعان، وكلاهما يثبتان أن لله ﵎ أصابع، فلماذا نرد هذه الأخبار؟ ومعلوم أن اليهود مجسمة فما من بدعة وقعت في الإسلام إلا ولابد أن صاحبها إما يهودي أو نصراني أو مجوسي أو صاحب هوى وبدعة، فكل الانحرافات والبدع الخاصة بالعقيدة مصدرها اليهود والنصارى والمجوس، ثم أصحاب الأهواء الذين يميلون بأهوائهم إلى الابتداع لا إلى الاتباع.
وقالوا: أن ضحك النبي ﵊ من كلام الحبر ليس دليلاً على تصديقه لليهودي، بل هو دليل الكراهة والغضب والاستنكار، وهذا كلام بعيد جداً.
ومتى علم أحد من المسلمين أن النبي ﵊ إذا أنكر أمراً ضحك له؟ وهل وجدتم دليلاً في السنة من أولها إلى آخرها أو سمع أحدكم أن النبي ﵊ إذا سمع شيئاً يكرهه وينكره فإنه كان يضحك؟ إنما كان يغضب غضباً شديداً حتى يرى ذلك في وجهه، وإذا كان ذلك في عموم الأشياء فإنه من باب أولى في أحاديث الصفات لله ، فلابد أن يكون شديد الغضب، والنبي ﵊ لا يسكت على باطل، وضحكه لا يدل على استنكاره، وإنما يدل على تعجبه وتصديقه.
هب أن المسألة مسألة عقول وأفهام، فأيهما أحسن عقلاً وأشد فهماً عبد الله بن مسعود الذي رأى النبي ﵊ وهو يضحك، أم هؤلاء الذين صرفوا الضحك إلى الاستنكار ورد خبر ذلك الحبر؟ إن الواحد إذا ضحك ربما يضحك استهزاءً، أو سخرية، أو استنكاراً لما يسمع، أو تعجباً مما يسمع، أو موافقة وقبولاً لما يسمع، لأن التشريع لا يناط به، ولكن الذي يعلم أنني أضحك تعجباً أو استنكاراً هو الذي يراني أضحك، يعلم كيف أضحك، وعلام يدل هذا الضحك، فـ عبد الله بن مسعود هو الذي رأى النبي ﵊ وهو يضحك، فلو كان يعلم أن هذا الضحك ليس للتعجب ولا للتصديق بل هو للاستنكار ولغرابة الخبر لصرح بذلك ونقله إلينا، بل هو الذي رأى الضحك، ويعلم من حال ضحك النبي ﵊ أنه لا يستنكر ولا يستغرب وإنما قال: (ضحك النبي ﵊ مما قال الحبر تعجباً وتصديقاً له).
وإذا كانت المسألة مسألة فهوم وعقول فعقل عبد الله بن مسعود أرجح، وفهمه أقوى وأشد من فهم هؤلاء الذين حرفوا النص عن ظاهره لينفوا عن الله أنه ذو أصابع.
وادعوا كذلك أن ذكر الأصابع لم يرد في القرآن أو في حديث متواتر، والرد عليهم أنه ليس بلازم قط أنها ترد في القرآن الكريم، ودعواهم في ظاهرها حق ولكن أريد بها باطل، ولو وردت لفظة الأصابع في القرآن لأولوها كما أولوا غيرها من الصفات التي وردت في القرآن، كما أولوا صفة اليد مع أنها ثابتة لله في القرآن فأولوها بالنعمة، وبالقدرة.
المهم أنها
стр. 457
مذهب المعتزلة في الصفات والرد عليهم
ومن هؤلاء المعتزلة من يتفلسف ويقول: إننا لا نحتج في صفات المولى إلا بالأحاديث المتواترة.
وهؤلاء معتزلة، بل هم شر من المعتزلة، فمعتزلة هذا الزمان شر من المعتزلة في ذلك الزمان الأول، فإنهم تأولوا هذه الصفات وهم يعتقدون أن هذا دين يتقربون به إلى الله ، أما هؤلاء الملاحدة الذين تبنوا مذهب الاعتزال في هذا الزمان فإن التسمية الحقيقية لهم أنهم ملاحدة، ولكنهم تستروا بسترا العقل وقالوا: نحن عقلانيون، نحن تابعون للعلم الحديث، نحن معتزلة ولكنهم في الحقيقة لا يجرءون على أن يصرحوا بمكنون صدورهم؛ لأنه يؤدي بهم إلى الكفر الصريح عياذاً بالله تعالى فهنا يقولون: إن هذه الصفة ليست ثابتة في الكتاب ولذلك لا نقول بها إلا إذا وردت بأحاديث متواترة.
والرد عليهم فيما يلي: الرد الأول: أن غيرها من الصفات ثبتت في الكتاب ولم تقولوا بها؟ وهذا يدل على فساد قلوبكم، وسوء طويتكم.
الرد الثاني: أنه لا يلزم من ثبوت شيء في دين الله أن يرد في الكتاب، بل إن الله أمرنا أن نتبع محمداً ﵊؛ لأن سنته وحي من عند الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فالنبي ﵊ أخبرنا أن لله أصابع، وقد صح بذلك الخبر فلم لا نقول به؟ ولم لا نعتقده؟ ولم نرد على النبي ﵊؟ تصور أنك جالس بين يدي النبي ﵊ وهو يقول: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) أتقول له لا هذا الخبر ليس متواتراً؟ أم أين دليلك من الكتاب؟
الجواب
أنك لا يمكن أن تتكلم، ولو تكلمت بهذا الكلام الكفري بين يديه لوجدت من يؤدبك ومن يقطع رقبتك كأمثال عمر وغيره، بل هو اعتراض وتقدم بين يدي النبي ﵊.
الرد الثالث: من الذي فرق في صفات المولى بين قبول الخبر إذا جاء متواتراً ورده إذا جاء آحاد؟ من الذي قال بهذا؟ أهو النبي ﵊ أم الخلفاء الأربعة أم أصحاب النبي ﵊ أم الأئمة المتبوعون إلى قيام القيامة؟
الجواب
لم يقل أحد من هؤلاء برد الخبر إذا كان في الاعتقاد إذا أتى من طريق الآحاد، بل قالوا: إذا صح الخبر فهو مذهبنا، وهو معتقدنا، وبه نقول، فإذا كان هذا الخبر قد ورد في الصحيحين بإثبات هذه الصفة لله فلماذا لا نقول بها إذاً؟ ولذلك (أرسل النبي ﵊ معاذاً وحده إلى اليمن، وقال: إنك تدعو قوماً أهل كتاب -يهود ونصارى- فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) هذا اعتقاد.
وأرسل معاذاً وهو خبر آحاد، وقبله أهل اليمن ولم يردوا معاذاً ويقولوا له: اذهب إلى النبي ﵊ أو اذهب إلى أبي القاسم فأخبره أننا لا نقبل هذا الكلام إلا إذا كان متواتراً، وإن النبي ﵊ لما استقر عنده أن خبر معاذ كاف وحده في إقامة الحجة على أهل بلد أرسله إليهم يعلمهم الاعتقاد أولاً، فلما لم يكن هذا ولا ذاك، قام أهل اليمن وقبلوا خبر معاذ وأتوا بعد ذلك إلى النبي ﵊ مسلمين، بعضهم أتى إلى النبي ﵊ ليسمع بالسند العالي ما أوحى الله به إلى نبيه.
فقولهم: إن هذا الخبر ليس في القرآن مردود.
إذاً: ماذا تصنع السنة؟ وما قيمتها حينئذ؟ كما أن خبرهم أو قولهم بأننا لا نقبل في إثبات الصفات إلا الأحاديث المقطوعة ويقصدون بها المتواترة، خبر كذلك أشد رداً مما سبقه.
стр. 458
مذهب الأشاعرة في الصفات والرد عليهم
أيضاً الذين أثبتوا هذه الأحاديث، هم أحسن حالاً ممن سبق، هؤلاء قالوا: سنسلم بأن هذه الأحاديث صحيحه، وأننا سنحتج بها في الاعتقاد، لكنهم ذهبوا مذهباً آخر، واضطربوا اضطراباً شديداً، وتحيروا وتخبطوا، فقالوا: هذه الأخبار صحيحة ولكننا سنؤولها -وهؤلاء الأشاعرة- ونصرفها عن ظاهرها، وعن المراد منها، ومحاولة التأويل بدعوى أن مثل هذه النصوص لا يراد ظاهرها؛ لأن الأدلة العقلية تأبى ذلك، ومن أصول المبتدعة: تقديم العقل على النقل، لكن من أصول أهل السنة تقديم النقل على العقل، والذي خلق العقل هو الله ؛ لأنه لا خالق غيره ولا رب سواه، وهذا العقل منه الفاسد ومنه السليم، ونصوص الشرع منها الصحيح ومنها السقيم، فالصحيح كتاب الله وما صح عن النبي ﵊، والسقيم منها: الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وإذا كان الخلاف وقع بين أهل العلم فيما يتعلق بالاحتجاج بالضعيف في فضائل الأعمال، فمن باب أولى وأحرى إذا كان هذا الخبر الضعيف يثبت صفة لله فلا نثبتها، لأنهم يشترطون في ذلك يأتي الخبر من طريق صحيح، ومن طريق الثقات.
فقولهم إنما نؤول الأصابع لأنها لا تتفق مع العقل؛ ولأن الأدلة العقلية تأبى ذلك، لأنهم تصوروا أن أصابع الخالق كأصابع المخلوقين، فأرادوا أن ينزهوا الله ﵎ برفض الأدلة، وإما أن ينزهوه بتأويل الأدلة، فلما ثبتت الأدلة ثبوتاً يقينياً قالوا: إن هذه الأدلة ظاهرها غير مراد.
يعني الكلام هذا على سبيل المجاز.
أي: أن الكلام هذا لا يقصد به حقيقة الأصابع، فيصرفون النص عن ظاهره ويقولون بالمعنى المترتب عليه، وهو القبض وهو لا يتم إلا بالأصابع، والبسط لا يكون إلا بالأصابع وغير ذلك، والحثيات كذلك لا تكون إلا بالأصابع، أي براحة اليد وبالأصابع، فلما ثبت هذا كله لله أردوا أن يقولوا: إن هذه الأصابع إنما هي فرع وتصور عن اليد التي هي أصلاً عندهم القوة، فالأصابع لا يراد منها الظاهر بل هي مجاز لله ، والمجاز فيما يتعلق بأمور الغيب -خاصة فيما يتعلق بالباري ﵎ لا يجوز قط، وليس هو منهج أهل السنة والجماعة، لأنهم يثبتون لله ﵎ ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله على الوجه اللائق به حقيقة لا مجازاً، فإن لله يد حقيقة، لكن لا يعلم كيفية هذه اليد إلا الله .
أما المبتدعة قالوا: لابد من التأويل إلى ما يليق ويقبله العقل، فنقول: هذا غيب لا دخل للعقل فيه، والغيب ابتلاء من الله ، فالجنة والنار والحور العين لا نقول فيها أنها مجاز، وإلا للزم من ذلك القول بأن الله مجاز؛ لأنه ليس ذاتاً حقيقية -حسب زعمكم- لأنكم أنكرتم الصفات اللازمة للذات، فإذا كنتم تنكرون هذه الصفات وتؤولونها بأنها مجاز لابد وأنكم تقولون في النهاية بأن الذات العلية كذلك مجاز.
إذاً: في النهاية لا يوجد إله.
ويصح هنا ما قاله ابن تيمية: إن المعطل يعبد عدماً، وإن الممثل يعبد صنماً.
فـ ابن تيمية لم يقل هذا الكلام من فراغ بل هو خبر قلوب القوم لا أقوال ألسنتهم، فعلم بنور من الله أن المعطلة الذين يعطلون الصفات ويلزم بذلك أن يعطلوا الذات يعبدون عدماً؛ لأنهم في النهاية لا يكون لهم إله؛ لأنه لا يتصور أن يكون هناك ذات بغير صفات، فإذا كانوا نفوا الصفات فلابد وأن ينفوا في النهاية الذات.
والممثلة على النقيض من ذلك، فهم يثبتون أن لله تعالى يداً كأيدينا وعيناً كأعيننا، وساقاً كساقنا، وأصابع كأصابعنا، وينزل كنزولنا، ويجيء كمجيئنا، فيصورونه في النهاية شخصاً، فهم يعبدون صنماً؛ لأن الله ﵎ لا يشبه أحداً من خلقه لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وقال آخرون: يحتمل أن يكون المراد بالأصابع خلقاً يخلقهم الله ليحملوا ما تحمله الأصابع.
وهذا تأويل ساذج إذ جعلوها شيئاً حادثاً منفصلاً عن الذات، وصفات الله ﵎ ليست حادثة، لأنك لو قلت بحدوثها فيلزمك أن تقول: إن الله كان متصفاً بالنقص فكمل نفسه.
وهذا كفر والعياذ بالله.
وقال آخرون: لعل المراد بالأصابع نعمة النفع والدفع، أو أثر الفضل والعدل إلى آخر تلك التكلفات التي نحن في غنى عن سردها؛ لأن حسن اعتقادنا في الله أن نؤمن بما جاء في الكتاب والسنة عن صفات الله على الوجه اللائق به ﵎، ولذلك فإن منهج أهل السنة في غاية الراحة والطمأنينة، ولذلك إذا أتاك أي خبر لابد وأن تسأل: من القائل به؟
стр. 459
بيان أنه لا تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح
ناقشني رجل فقال: يرحم الله فلاناً فإنه كان يشن الغارة على السلفيين، وهو خبر القوم، وعلم فساداً من هديهم وفساد قلوبهم.
قلت: أما يرحمه الله فإنا نسأل الله أن يرحمه، وأما أنه خبر القوم، فوالله ما خبرهم ولو خبرهم لتبعهم، بل منعه كبره أن يقبل الحق وأن يتبع شباباً صغاراً في سن أولاده وهو عالم كبير في الأزهر، وكان يغتاظ أشد الغيظ إذا سمع كلمة سلفي أو كلمة سنة.
قلت: أليس هو الذي رد حديث الذبابة وهو في الصحيح؟ قال: نعم.
ثم قلت: أليس هو الذي رد حديث سحر النبي ﵊؟ قال: نعم.
هذا لا يليق بجناب النبوة.
قلت: النبي أعلم بجناب النبوة منك، فهو الذي أخبر أنه سحر، والنبي ﵊ هو الطبيب الأول الذي أخبرنا أن الذبابة إذا وقعت في شراب أحدنا فليغمسها في هذا الشراب فإن في أحد جناحيها داء وفي الآخر دواء، وأنت لا تدري بأي الجناحين سقطت هذه الذبابة، فمن باب الاطمئنان ودفع الوسواس أن تغمسها، فإذا كان جناحها الذي يحمل الداء هو الذي سقط عالجه الجناح الآخر؛ لأن فيه الدواء، وإن كان الذي سقط فيه هذا الشراب هو الجناح الذي فيه الدواء فإن غمس الجناح الذي فيه الداء لا يضره، ثم إني قلت له في نهاية المناقشة: من الذي أبلغك أن أبا بكر رد هذا الكلام؟ قال: لا أحد.
قلت: وعمر؟ قال: لا.
وعثمان؟ قال: لا.
والشافعي؟ قال: لا.
وأبا حنيفة؟ قال: لا، قلت: ما تقول في هؤلاء، أليس هم علماء الأمة؟ ومن الذي يقول بما تقوله الآن؟ قال: المعتزلة.
فقلت: رضيت لنفسك ولدينك أن تكون متبعاً لمنهج المعتزلة وهم الخلف.
قال: لأن هذا الكلام غير معقول.
قلت: العقل ليس مصدراً للتشريع، بل الكتاب والسنة حاكمان على العقل، هاديان له، مرشدان له إلى طريق الحق والخير، فأنت جعلت عقلك حاكماً على كلام الله وكلام الرسول ﵊، وهذا لا يعقل.
ثم قلت: أتظن أنك العاقل الوحيد؟ قال: لا وأنت أيضاً يا شيخ عاقل؟ قلت: إذا كانت المسألة مسألة عقول فإن عقلي يقبل كل خبر جاء في كتاب الله أو صح عن النبي ﵊ سواء علمت معناه أم لم أعلمه، علمت حقيقته أم لم أعلمها، فإن عقلي يأمرني بذلك، وأنت عقلك يرد هذا، فهل يتصور أن يكون الله جعل العقل حاكماً على الكتاب والسنة؟ أنت اليوم عاقل وغداً لست عاقلاً، فأنت اليوم تقبل خبراً وغداً ترده، والخبر الذي تقبله بعقلك أنا أرده بعقلي والعكس بالعكس، فلا يصح أن يكون العقل المتغير الموصوف بالعجز والنقص والضعف حاكماً على الكتاب والسنة.
نعم.
الله ﵎ خاطب العقل وكلفه بأعظم تكليف أن يؤمن بهذا الكتاب، وأن يتدبر في آيات الله ؛ لأن العقل المخاطب هو العقل السليم، ولذلك قال النبي ﵊: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ).
لأن هؤلاء الثلاثة لا عقول لهم، ولذلك لا يقعون في دائرة التكليف، والشرع لم يكلف هذه العقول أن تمعن النظر؛ لأنها لا نظر لها، فكيف تجعل من عقلك حكماً على الكتاب والسنة؟! ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل: لا يوجد أبداً تعارض بين النقل والعقل، وإن كنا أحياناً نشعر بوجود تعارض، فالنقل الصريح في الكتاب والسنة يتفق مع العقل الصحيح السليم من كل آفة وهوى وابتداع وزيغ وانحراف عن الحق.
وإذا لم يوافق العقل الشرع فلابد أن تكون هناك علة، هذه العلة ليست في دين الله ، وإنما هذه العلة إما أن تكون بفساد العقل، وإما أن تكون في ضعف النقل كأن يكون الحديث ضعيفاً، ثم ذكر مثالاً على ذلك، وهو قول النبي ﵊: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب.
قال: وما اكتب؟ قال: اكتب كل شيء كان ويكون إلى قيام الساعة).
وحديث آخر من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال النبي ﵊: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).
وهذا الحديث يحتج به الصوفية، فيقال: إن التعارض واقع بين هذين الخبرين، فإما أن يكون الجمع بينهما ممكن، وعقلي هو الذي قصر لفساد فيه وجهل فيه عن الجمع بين الدليلين، وإما أن يكون العيب في عدم ثبوت واحد منهما، فلما فتشنا علمنا أن حديث القلم هو الصحيح، وأن حديث: (نور نبيك يا جابر) حديث موضوع، فلما علمنا بوضعه استبعدناه فلم يبق لنا إلا خبر واحد: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب) فليس عندي في هذه المسألة إلا خبر واحد، فلابد أنه سيتفق مع عقلي تمام الاتفاق، لأن النقل صريح، والعقل صحيح، ففي هذه الحالة ليس هناك تعارض أبداً.
ولذلك فإن ابن خزيمة إمام الأئمة رحمه الله تعالى، صاحب كتاب التوحيد وهو كتاب عظيم جداً، قال: ما من دليلين ترون أن بينهما ت
стр. 460
مذهب الحافظ ابن حجر في الصفات
ممن أنكر الإثبات وتكلف في معنى حديث الأصابع: الحافظ ابن حجر إمام أئمة السنة، فقد زلت قدمه في بعض الصفات فوافق فيها الأشعرية، ولا يعني ذلك أنه في موافقته للأشاعرة في بعض الصفات أنه أشعري، بدليل أنه حمل حملة شعواء في شرحه للصحيح في المجلد الثاني عشر على مذهب الأشاعرة، وأثبت أنهم من أهل القبلة لا من أهل السنة.
فأهل العلم يفرقون بين المصطلحين: أهل القبلة، وأهل السنة، فأهل القبلة: يثبت لهم الإسلام فقط وعندهم انحراف وبدع.
وأما أهل السنة: فإن الاتباع والاقتداء ثابت لهم، ولذلك سموا أهل السنة والجماعة، لأنهم استنوا بسنة النبي ﵊ على مراد النبي ﵊، وهم الجماعة الذين اجتمعوا على الاقتداء والاتباع بالنبي ﵊.
أما الأشاعرة فإنهم فرقة من الفرق، وكذلك المعتزلة فرقة، والخوارج فرقة، والقدرية فرقة، والإباضية فرقة، والشيعة فرقة، والصوفية فرقة، وكلهم ضالون؛ لأن النبي ﵊ هو الذي قضى وحكم بذلك، فإننا نقضي ونحكم بما حكم به النبي ﵊ حيث قال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فحكم بأنهم للنار لأجل انحرافهم وضلالهم حين ابتعدوا عن منهج السنة.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: حيث أوضح أن في تصرف هؤلاء المتأولة الطعن في ثقات الرواة، وصرفهم هذه النصوص عن ظاهرها فيه طعن للرواة الذين رووا هذا الخبر ورد الأخبار الثابتة إلى أن قال: ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي للزم فيه تقرير النبي ﵊ على الباطل، وسكوته عن الإنكار وحاشاه من ذلك.
يعني: إذا كان كلامهم صحيحاً فإن النبي ﵇ أقر عبد الله بن مسعود على فهمه الباطل، ولما كان ذلك محال في حق النبي ﵊ أن يسكت على باطل لابد وأننا نقول: بأن ابن مسعود فهم فهماً صحيحاً سليماً أن النبي ﵊ ضحك تعجباً وتصديقاً وليس استنكاراً كما قالت المتأولة.
ثم قال: وممن أنكر بل تشدد في الإنكار على من ادعى أن الضحك في الحديث كان على سبيل الإنكار هو ابن خزيمة، فإنه بعد أن أورد هذا الحديث في كتابه التوحيد، قال: يا له من موقف غريب؟ هل هؤلاء يدعون أنهم أعلم بالله وما يليق به من رسول الله أو من أصحاب رسول الله ﵊ أو من التابعين لهم بإحسان؟ فمثل هذا يحتار فيه المرء ولا يدري كيف يفسره.
وعلى كل حال فهذه مواقف ثلاثة تمخضت من دراسة أحاديث الأصابع ومواقف الناس منها، وهي: الأول: إثبات صفة الأصابع كما جاءت بها السنة، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة.
الثاني: تأويل الأحاديث الواردة والخروج بها عن ظاهرها، وهذا مذهب الأشاعرة.
الثالث: إنكار الأحاديث وردها بدعوى أنها مخالفة للأدلة العقلية القطعية في زعمهم، وهذا منهج المعتزلة والجهمية، والحق أبلج والباطل لجلج.
стр. 461
إثبات صفة الأنامل لله تعالى
هناك صفة أخرى لله أحب أن أذكرها؛ لأنها تابعة لصفة الأصابع، وهي صفة (الأنامل) وإثباتها لله ، فقد ثبت فيما رواه أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﵊ رأى ربه فيما يرى النائم.
وأنتم تعلمون أن الخلاف قائم في رؤية النبي ﵊ لربه في ليلة الإسراء والمعراج، ولكن هذا له درس مخصوص، سيأتي بإذن الله.
أما الذي لا خلاف فيه بين الأمة أن النبي ﵊ رأى ربه في المنام بدليل حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت ربي فيما يرى النائم في أحسن صورة، فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري.
قالها ثلاثاً.
قال: فرأيته وضع كفه بين كتفي) وهذا فيه إثبات لصفة الكف لله .
قال: (حتى وجدت برد أنامله في صدري): يعني المولى ﵎ وضع كفه التي تليق به بين كتفي النبي ﵊، ولو فسرنا الكف بالنعمة فهل يتصور أن يكون المعنى: إن الله وضع نعمته بين كتفي النبي ﵊؟ لا بد وأن نقول: بأنها كف حقيقة على المعنى اللائق بالمولى .
قال: (حتى شعرت ببرد أنامله في صدري).
فهذا الحديث يثبت لله تعالى صفتين صفة الكف وصفة الأنامل، وهو حديث صحيح لغيره، أخرجه أحمد، والترمذي، وابن خزيمة، وابن أبي عاصم.
وشيخ الإسلام ابن تيمية رد على الإمام الرازي صاحب التفسير لما أول قوله: (وجدت برد أنامله) بالعناية، وأنه وجد أثر تلك العناية يفسر بأن الله تعالى وضع كفه على النبي ﷺ أنه اعتنى به أعظم عناية، فشعر النبي ﵊ بهذه العناية في صدره، فرد عليه ابن تيمية فقال: فتخصيص أثر العناية لا يجوز.
يعني: إذا كان الأمر كما قال الرازي فلن يكون هناك معنى جديد من أنه شعر ببرد أنامله على صدره، ونحن نعرف أن النبي ﷺ أبلغ العرب، فهل يقول كلاماً ليس له معنى، أم كلامه كله له معنى؟ فكلامه صدر عن حكمة، وعن وحي، وتشريع، فلا يتصور أبداً تخصيص أنه شعر بذلك في صدره، فلماذا ما شعر في جميع بدنه؟ إذا كانت رجلك تؤلمك فإنك تستشعر بأن الله تعالى سحب منها نعمة القوة والدفع والنزع، أما إذا كانت لا تؤلمك فإنك تستشعر بأن نعم الله ﵎ وعناية الله ﵎ تحيط بك حسياً ومعنوياً فلماذا خصص النبي ﵊ أنه شعر ببرد أنامل المولى على صدره؟ ولماذا لم يقل: في بطنه، أو في ظهره، أو قدمه، أو في عقله أو غير ذلك؟ فكونه خص الصدر لابد أن يكون ذلك لفائدة.
قال: فتخصيص أثر العناية لا يجوز إذا لم يوضع بين الكتفين شيء قط، وإنما المعنى أنه صرف الرب عنايته إليه، فكان يجب أن يبين أن أثر تلك العناية متعلق بما يعم، أو بأشرف الأعضاء، وما بين الثديين كذلك بخلاف ما إذا قرأ الحديث على وجهه، فإنه إذا وضعت الكف على ظهره نقل بردها إلى الناحية الأخرى وهو الصدر، ومثل هذا يعلمه الناس بالإحساس، وأيضاً فقول القائل: وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي.
هذا نص من النبي ﵊ لا يجوز صرفه، ولا يحتمل التأويل والتعبير بمثل هذا اللفظ يعني: لا يتصور أن يكون هذا البرد الذي قال به النبي ﷺ هو مجرد العناية؛ لأن العناية ثابتة للنبي ﷺ قبل هذه الرؤيا، وهذا أمر يعلم بطلانه بالضرورة من اللغة العربية، وهو من غث كلام القرامطة والسفسطائية.
ثم قال ابن تيمية الوجه الثاني: أنه ﷺ ذكر ثلاثة أشياء حيث قال: (فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها).
وفي رواية: (برد أنامله على صدري فعلمت ما بين المشرق والمغرب).
يعني هذه الرؤيا كان فيها العلم، وقوله: (فعلمت ما بين المشرق والمغرب).
يعني علمت فيم يختصم الملأ الأعلى.
لأن السؤال الأول: (أتدري فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قال: لا يا رب).
وهذه الرؤيا التي رآها النبي ﷺ أطلعه الله على علم ما بين السماء والأرض إلى قيام الساعة.
قال: (فعلمت ما بين المشرق والمغرب) فذكر وضع يده بين كتفيه، وذكر غاية ذلك أنه وجد برد أنامله بين كتفيه وهذا معنى ثان، ويجوز هذا أيضاً عن شيء مخصوص في محل مخصوص، وكل هذا يبين أن أحد هذه المعاني ليس هو الآخر، والشاهد من هذا الكلام كله: أن صفة الكف ثابتة لله ، وصفة الأنامل ثابتة لله ، وصفة الأصابع ثابتة لله .
стр. 462
مذهب الإمام النووي في الصفات
الإمام النووي تارة يذهب مذهب الخلف في التأويل وصرف النصوص عن ظاهرها، وتارة يذهب مذهب السلف وينافح ويدافع عنه، وتارة ينقل مذهب السلف والخلف ولا يرجح ويسكت، وهذا بلا شك تردد عظيم جداً ينم عن أن الإمام النووي لم يتمرس في هذا المسائل تمرس أهل السنة والجماعة، ولم يكن على علم وإحاطة بمذهب السلف فيما يتعلق بصفات الباري ﵎، كما كان الأمر عند أحمد، وعند ابن خزيمة، وعند ابن راهويه، وعند يحيى بن معين، وعند الشافعي وغيرهم من أهل العلم، ولم يكن قد بلغ في الاعتقاد هذا المبلغ، وإذا كان أحياناً يتحير ويتردد، وأحياناً يقطع بالحق، وأحياناً يميل إلى الباطل، ليس اعتقاداً أنه باطل، ولكنه تصور هذا بعقله، ووقع فيما يريد أن يفر منه.
لذلك لا نقول: إنه خلفي وإنما هو سلفي وافق المبتدعة في بعض أقوالهم، وهذه الموافقة إنما نتجت عن عدم تمكنه في دراسة الاعتقاد، بل تبعيته في الأخذ والتلقي عن الإمام المازري وعن القاضي عياض، وهما أشعريان، خلفيان، متأولان، وهما اللذان أورداه هذه الموارد، وأخرجاه إلى حد الابتداع فيما يتعلق بالصفات، ولذلك قال النووي معلقاً على قول النبي ﵊: (إن الله يمسك السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع)، هذا من أحاديث الصفات، وقد سبق فيه المذهبان: مذهب الخلف، ومذهب السلف، والتأويل مذهب الخلف، والإثبات مع الإيمان به مذهب السلف.
يقول: أنني قدمت أو شرحت هذا الأمر مراراً وتكراراً أن أحاديث الصفات فيها المذهبين مذهب الخلف ومذهب السلف مع التصديق الجازم على ما جاءت به دون خوض أو تأويل أو تحريف.
قال: مع اعتقادي أن الظاهر منها غير مراد، وهذا القول لا ينسب إلى أهل السنة.
نحن نقول: الظاهر منها مراد لله على ما يليق به، فنؤمن بصفة اليد مع اعتقادنا أن الظاهر منها مراد لله حقيقة لكن على الوجه اللائق به ﵎.
قال: (فعلى قول المتأولين الذين يتأولون الأصبع هنا على الاقتدار).
أي: خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الأصبع في مثل هذا للمبالغة في الاقتدار، فيقول أحدهم: بأصبعي أقتل زيداً.
أي: لا كلفة علي في قتله.
وقيل: يحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته.
قال: (وهذا غير ممتنع).
يعني جائز، وممكن، أي: هذا الكلام وجيه لا يرد، ولذلك ينبغي بل يجب على طلاب العلم أن يتفحصوا وأن يتحروا كل لفظ يقرءونه في كتب السلف أو في كتب غيرهم وإن كان فيها شر مستطير فاحذر من القراءة فيها ابتداء، وكتب السلف ممكن يقع فيها الخبط والخلط، والإمام النووي على العين والرأس، يا ليت واحد في هذا الزمن مثل النووي أو حتى نصف النووي، وقد تعلمنا من النووي وغيره أن من خالف الكتاب والسنة فكلامه يرد على قائله، ومن وافقهما أخذ من قائله حتى وإن كان يهودياً أو نصرانياً، لحديث: (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها).
قال النووي: وقيل: يحتمل أن المعنى بعض مخلوقاته، وهذا غير ممتنع، والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة، فمرة وافق أهل السنة، ومرة يخالف ونحن نقول: إن اليد الجارحة مستحيلة على الله ، فلو أثبت لله يداً مثل يدي الجارحة فأنا قد شبهت الخالق بالمخلوق، وهذا حرام لا يجوز ولا ينبغي، فقالوا: إن إثبات اليد لله مجازي، والمقصود باليد: القدرة والغلبة والقوة، وإلا لترتب على ذلك أن يد المولى مثل يد المخلوق.
ومذهب أهل السنة وسط بين الاثنين، فأثبت هذه الصفة لله على حقيقتها وعلى المراد منها ظاهراً لله على الوجه اللائق، ولذلك فإن مذهب أهل السنة مريح جداً، فهو عبارة عن كلمات يسيرات تعتقدها، وتتعبد مولاك بها، وليس فيها تلف، وعقيدة الأنبياء والمرسلون فيما يتعلق بالإيمان لا تتغير عن بعضهم البعض.
стр. 463
موقف أهل السنة والجماعة من التفويض
قال النووي في قوله ﵊: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن) هذا من أحاديث الصفات، وفيها القولان السابقان، والإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى.
وهذا الكلام غلط، ومردود عليه؛ لأن المعنى معلوم لدى السلف.
إن أهل السنة يفرقون بين تفويض العلم، وتفويض المعنى، وتفويض الكيف، فتفويض العلم ليس مذهب أهل السنة الجماعة، لأنهم علموا يقيناً أن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، لأن الخبر ورد بذلك فليس عندي مجال أن أفوض علم الاستواء لله ، لأن الله هو الذي أعلمني وأخبرني في كتابه أنه استوى.
أما تفويض معنى الاستواء لله هو أنني لا أعرف أن الله قد أخبرني بالاستواء، ولا أعلم معنى الاستواء، وأفوضه لله ، وهذا غلط لأن الاستواء معناه: الفوقية والارتفاع والعلو، فلا يفوض العلم والمعنى، وإنما تفوض الكيفية.
وليس من اختصاصي أن أعرف كيفية استواء ربنا على العرش، وهذا من اختصاص ربنا، لأني لم أر الله ، ومن أجل أن أكيف لك الاستواء لابد أن أراه سبحانه وأنا لم أره، فيقال: فلان استوى على الكرسي بمعنى أنه تربع أو جلس مدلدلاً رجليه، واستوى عليه بمعنى علا وارتفع عليه أو استقر عليه أو استولى عليه، وهذه المعاني كلها في الاستواء لا تليق بالمولى ، وإلا في النهاية لو أن الاستواء في حق المخلوق مثل حق الخالق سيكون ربنا في النهاية جالس على الكرسي ولابس عمامة تعالى الله عن ذلك.
وأصحاب الجمعية الشرعية يقولون عن السلفيين أنهم يريدون أن يجلسوا ربنا على الكرسي ويلبسونه عمامة، وهذا كلام في منتهى الإجرام في حق المولى ﵎.
قال: (الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى).
لا يا حبيبي نحن نعرف المعنى جيداً معنى أن الله له أصابع نحن نعرف الأصابع؛ لأن الله ﵎ خاطبنا بما نعلم، بكلمات نعلم معناها، فلا يتصور أن الله ﵎ خاطبنا بما لا يقع له معنى في عقولنا، وإلا فربنا يخاطبنا بالمحال، والمخاطبة بالمحال غير واردة في الشرع وهي مسألة محل خلاف عند الأصوليين، والراجح فيها أن الله لم يخاطب عباده إلا بمعان معلومة لديهم، فمعنى الأصابع معلوم لدينا، لكن أصابع الخالق تليق بالكمال والجلال الثابت لله .
قال: (بل نؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد).
أي: أنه يؤمن بأنها حق، وهذا كلام جميل، يؤمن بأن الله ﵎ له أصابع على الحقيقة، وأن هذا حق وليس باطلاً.
أما قوله: (وأن ظاهرها غير مراد).
هنا لابد أن يوقعك في التأويل، وينصرف النص عن ظاهره، بل نقول: إن ظاهر هذه النصوص التي أثبتت لله الأصابع مراد لله حقيقة على المعنى اللائق به ﵎.
ومعنى (غير مراد).
أي: غير معلوم لدي، ولذلك لما سئل مالك بن أنس عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال: الاستواء معلوم -لأن الله أخبرنا- والكيف مجهول.
إذاً: نفوض الكيف، لا العلم والمعنى، فتعمل عملاً لا يليق، بل يجب عليك أن تفوض الكيف، فتقول: لله أصابع.
فالعلم قام لدي بأن لله أصابع من أجل خبر ورد ولذلك نحن نسميها صفات خبرية ذاتية؛ لأنها قد وردت في الخبر، وذاتية أي ملازمة لذات الله ﵎ لا تنفك عنه، فنقول: إن لله أصابع، وأن هذه النصوص على ظاهرها، والمراد منها معلوم لدينا على الوجه اللائق لله ، ولا نعلم كيفية أصابع المولى .
قال النووي: والثاني: التأويل.
وهذا خطأ في الفهم من النووي لمعتقد أهل السنة والجماعة، وكل الناس يؤخذ من قوله ويرد، والتأويل ما كان يليق بالله أبداً، ولذلك فإن النووي كان يخلط بين مذهب السلف والخلف كأنه لا يعلم كيف هذا.
قال: تؤول بحسب ما يليق بها، فعلى هذا فإن المراد هو المجاز -والسلف لا يقولون بالمجاز في الصفات بل حاربوا من قال بذلك أشد المحاربة- كأن يقول القائل: فلان في قبضتي، وفلان في كفي ولا يراد به أنه حال في كفه بل المراد تحت قدرتي.
ويقال: فلان بين أصبعي أقلبه كيف شئت.
أي أنه قادر على قهره والتصرف به كيف شاء.
والكلام هذا يصح في لغة المخلوقين ومع المخلوقين بعضهم البعض، لكن لا يصح مع الله قط؛ لأنه لا يشبه المخلوقين لا في وحدانيته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، والقدرة من أفعاله ﵎، والتصرف من أفعاله ﵎، فقدرة الخلق ليست كقدرة الخالق ولو أجمع الخلق أجمعون على قدرتهم وجعلوها في رجل واحد.
قال: فمعنى الحديث أنه متصرف في قلوب عباده.
يعني: جعل الأصابع عبارة عن التصرف؛ لأنه قاس الخالق على المخلوق، فإن الأصابع في حق المخلوق تقبض وتبسط، وتدفع وغير ذلك، فكذلك قالوا: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ليس الأمر على حقيقته وعلى ظاهره، بل هذا كلام مجاز تعبير عن قدرة الله أنه
стр. 464
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة القدم لله
صفة القدم ثابتة لله تعالى في السنة، وهي قدم تليق بالله سبحانه لا تشبه أقدام المخلوقين، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في جميع الصفات، إذ يجب إمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تأويل، وقدم الله سبحانه لا يعلم كيفيتها إلا هو .
стр. 465
إثبات أهل السنة والجماعة صفة القدم لله تعالى
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
فمع صفة أخرى لله ، وهي من الصفات الخيرية اللازمة لذاته سبحانه، وهي صفة الرجل أو القدم، وكلاهما بمعنى واحد، وهذه الصفة ثبتت لله بالسنة لا بالكتاب ولا بالإجماع إلا أن يكون إجماع أهل السنة والجماعة، أما إجماع الأمة فلا، لأن الفرق الضالة خالفت أهل السنة والجماعة في هذه الصفة.
وإذا قلنا: إن هذه الصفة ثبتت في سنة النبي ﵊ فيلزمنا سوق الأدلة على ذلك.
قال أبو هريرة في المحاجة التي دارت بين الجنة والنار: قال النبي ﵊: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين.
وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم.
فقال الله ﵎ للجنة حينئذ: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي.
وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها).
أي: على الله تعالى أن يملأ الجنة وأن يملأ النار.
(فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الجبار رجله فيها، فتقول: قط قط قط).
أي: اكتفيت اكتفيت اكتفيت، أو حسبي حسبي حسبي.
(فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً)، أي: يخلق لها خلقاً حتى يملأها.
الشاهد من الحديث: أن النار لا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه، فهذا المقطع من الحديث يفيد ثبوت صفة القدم لله .
وروى البخاري هذا الحديث من حديث أنس ﵁ بنحو هذه الرواية.
وابن عباس ﵁ قال: الكرسي موضع القدمين، والكرسي هو أحد مخلوقات الله العظيمة، قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
ومعنى: وسع.
أي: شمل وأحاط.
فهذه السماوات السبع وهذه الأرضين السبع ما هي في الكرسي إلا كحلقة في فلاة.
والعرش أعظم من الكرسي؛ ولذلك قال النبي ﵊: (ما السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة).
هذا حديث عظيم جداً يدل على أن الكرسي بالنسبة إلى العرش لا شيء، كما أن السماوات والأرض بالنسبة إلى الكرسي لا شيء، ومثل النبي ﵊ لهذا بمثل عظيم جداً ليقرب الأذهان، فقال: هب أن السماوات والأرض حلقة بين يديك ألقيتها في صحراء هل تظهر لك هذه الحلقة؟
الجواب
لا.
بل تختفي؛ لأنها ليست شيئاً بالنسبة إلى هذه الفلاة.
قال: إذا كانت السماوات والأرض في الكرسي على هذا النحو فالكرسي نفسه لا يمثل شيئاً بالنسبة إلى العرش، فكيف يكون حجم العرش حينئذ؟ إنه عظيم جداً، والله ﵎ من فوق العرش.
وتصور أن الكرسي الذي هذا وصفه وأن السماوات والأرض بالنسبة له لا شيء هو موضع قدمي الله ، فكيف تكون هاتان القدمان لله ؟ أمر لا يمكن أبداً أن يدخله قياس ولا أن يحيط به عقل، فسبحان الله الكبير المتعال، أثبت لنفسه العلو وأثبت لنفسه اسم الكبير وصفة الكبر، بل العظمة رداؤه والكبر إزاره ، فلابد أن كل صفة من صفاته تليق بكبريائه ﵎ وعظمته وعلوه فوق عرشه.
فإذا كنا لا نستطيع تكييف مخلوق لله وهو الكرسي فعجزنا عن تصور ذات الله أولى.
وهذه الأرض بين أيدينا ونحن نعيش عليها، لكنها ليست أرضاً واحدة، وكانوا قديماً يقولون: ليس بعد بلاد مغرب العرب بلاد أخرى، وكانوا يقولون: بحر الظلمات الذي ليس بعده شيء، ثم اكتشفوا منذ حوالي (٤٠٠) عام دولة أمريكا، اكتشفوها بعد أن أيقنوا أنه ليس بعد بلاد المغرب العربي بلاد أخرى؛ اكتشفوا أعظم دولة، والآن رجعوا إلى نفس الكرة مرة أخرى وقالوا: ليس بعد أمريكا إلا بحر الظلمات، والمسافة من أول أمريكا إلى آخرها عشر ساعات بالطائرة متواصلة.
يعني: كما بين مصر إلى أمريكا.
لكن هل أمريكا آخر بلدان العالم؟ لابد أن يتصل الغرب بالشرق؛ ولذلك هذا كلام أثاره أهل العلم بمناسبة ذكر المسيح الدجال وحديث الجساسة الذي رواه مسلم في آخر كتاب الصحيح.
قالوا: المسيح الدجال موجود من زمن النبي ﵊، وحديث تميم الداري في ذكر الدجال في صحيح مسلم، يثبت أن تميماً الداري رأى المسيح الدجال ورأى الجساسة.
وهل هو ابن صياد
стр. 466
مذاهب الفرق الضالة في صفة القدم
стр. 467
إنكار المعطلة لصفة القدم لله
قال الخطابي: ونحن أحرى ألا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر منا علماً وأقدم زماناً وسناً، ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين: منكر لما يروى من هذه الأحاديث، وهؤلاء هم الجهمية الذين أنكروا صفات الباري ﵎، ومكذب به أصلاً.
فإما أنه يرد الأحاديث ويثبت أنها ضعيفة أو مكذوبة بعقله لا بالأدلة والقواعد التي وضعها أهل العلم لإثبات النص ورده، وإما إذا غلبناهم وقلنا: إنها صحيحة وأنها قد وردت في الصحيحين وغيرهما لجئوا إلى حيلة أخرى وهي تأويل هذه النصوص وصرفها عن ظاهرها.
قال: منكر لما يروى من هذه الأحاديث ومكذب به أصلاً، وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث، وهم أئمة الدين وثقة السنن، والواسطة بيننا وبين النبي ﵊.
فلماذا ترد هذه الأحاديث؟ يعني: هذا الحديث الذي بين يدينا رواه البخاري ومسلم، وهو يثبت أن لله ﵎ رجلاً أو قدماً والأمة اتفقت على قبول الصحيحين وأنهما أصح الكتب بعد كتاب الله ، فهل سترد حديثاً اتفقت الأمة على قبوله؟ سيجد المبتدع حرجاً، فيقول: لا.
إذاً: لابد أن نذهب مذهباً آخر، ولو رده سأقول له: ولم رددته؟ أفيه انقطاع؟ سيقول: لا.
أرواته عدول؟ فسيقول: نعم.
عدول.
بمعنى: أنهم ثقات ضابطون؟ سيقول: نعم.
أهناك شذوذ؟ يقول: لا.
فيه علة؟ يقول: لا.
إذاً: لم رددته؟ يقول: لأنه يستحيل عقلاً أن يثبت هذا لله ؛ لأنه يلزم من ثبوت هذا ثبوت الجارحة لله ، واليد الجارحة كأيدينا تماماً، وكأرجلنا تماماً، إذا كنتم تؤمنون بأن لله رجلاً.
وأنه سبحانه يضعها في النار حتى تقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض، فيلزمكم أن تقولوا: إن لله رجلاً كأرجلنا.
وأهل السنة يقولون: لا.
لا يلزم من إثبات الصفة لله مشابهتها لصفات المخلوقين، لكننا نثبتها لله على المعنى اللائق بالله ، ولا نتعرض لها بتكييف ولا تحريف ولا نصرفها عن ظاهرها، وإنما نؤمن بها ونمر أدلتها كما جاءت بعد الإيمان والتسليم بهذه الأدلة على مراد الله في إثبات صفاته وكماله.
стр. 468
ضلال المشبهة بتشبيه صفة القدم لله بصفات خلقه
الطائفة الأخرى: مسلمة للرواة فيها -قالوا: لا نستطيع أن نقول: إن هذا الحديث ضعيف أو مكذوب أو مردود، فنسلم للرواة فيها- ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهباً يكاد يفضي إلى القول بالتشبيه.
يعني: الأولون كأنهم أرادوا أن يثبتوا تنزيه المولى عن مشابهته للمخلوقين، فقالوا: لا يوجد شيء اسمه الصفات أبداً، لا يوجد شيء اسمه يد ولا رجل ولا ساق ولا شيء أبداً؛ لأننا ننزه المولى من أن يكون مثل المخلوقين، وهذا الفريق ذهب مذهباً مناقضاً، وهو إثبات هذه الصفات لله ، ولكنهم قالوا: يد كأيدينا ورجل كأرجلنا، ونفس كأنفسنا، فشبهوا الخالق بالمخلوق.
يعني: قوم أرادوا أن ينزهوا فوقعوا في التعطيل، وقوم أرادوا أن يثبتوا فوقعوا في التمثيل والتشبيه، أما أهل السنة فوسط بين الاثنين، قالوا: نحن ننزه المولى على مذهب الفريق الأول ولكننا نخالفهم في إثبات الصفات، ونوافق الفريق الثاني في إثبات الصفات ولكن دون تمثيل أو تشبيه.
هذا معتقد أهل السنة في صفات الله .
стр. 469
ضلال المؤولة لصفات الله تعالى
ونحن نرغب عن الأمرين معاً، ولا نرضى بواحد منهما.
أي: لا نرضى بمذهب التعطيل ولا بمذهب التمثيل والتشبيه.
وقال آخرون: يجب علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث إذا صحت من طريق النقل والسند تأويلاً.
قال أهل التأويل: القدم هاهنا يحتمل أن يكون المراد به: من قدمهم الله للنار من أهلها.
وهذا كلام سخيف وبارد.
قالوا: (حتى يضع الرب قدمه فيها) هذه اللفظة تعني: أن من علم الله سلفاً أنه من أهل النار فقدمهم إليها، فيقال لكل من قدمه الله قدم.
أنت نفسك لست مستفيداً من هذا التأويل ولن يدخل في ذهنك هذا، ولكن احذر ألا تفهمه، بل افهم أن هذا التأويل تأويل سامج وبارد، فيقولون: أن هذا القدم في هذا الحديث تعني من قدمه الله تعالى إلى النار.
يعني: من قذفه فيها.
قالوا: ولغة العرب تطلق القدم على السابقة من الأمر.
فنقول لهم: ماذا تقولون في الضمير؟ (حتى يضع الجبار فيها قدمه).
فالهاء تعود على الجبار.
وفي رواية: (حتى يضع الله فيها رجله)؟ وقال النضر بن شميل في معنى قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه).
أي: من سبق في علمه أنه من أهل النار، وهذا تأويل باطل.
قال الخطابي: وقد تأول بعضهم الرجل على نحو من هذا، والمراد به: عدد استيفاء الجماعة الذين استوجبوا دخول النار.
هذا في تأويل الرجل، قالوا: هذه الرجل بمعنى الجماعة، والعرب تسمي جماعة الجراد رجلاً، كما تسمي جماعة الظباء سرباً، واستعير ذلك لجماعة الناس.
أيتصور هذا الكلام؟! اعلم أن هذه الصفة قد عاد الضمير إليها، قال: (رجله) لم يقل: رجلاً، وقال: (قدمه) ولم يقل: قدماً، وأنتم تعلمون أن الضمير إذا أضيف إلى صفة مخصوصة يلزمها ولا يتعدى إلى غيرها بخلاف إطلاقه وعدم إضافته، كما لو قلت: قدم، يصح أن تقول قدم الله وقدم المخلوقين، لكن إذا قلت: قدمي فإنه لا يفهم منها أنها قدم الله ، وإذا قال النبي ﷺ : حتى يضع الله قدمه.
يدل على أنها قدم الله ، لأنها مضافة إلى الله ، فلا يصح صرفها عن هذا التخصيص مطلقاً.
وإن الإمام القرطبي من أعظم المتأولة، مع أن تفسيره في غاية الإمتاع، إلا أنه في صفات المولى يجب التحذير منه، فله كتاب اسمه (الأسنى في أسماء الله الحسنى) قد بلغ في أسماء الله وصفاته مبلغاً عظيماً لم يسبق ولم يلحق به؛ فأثبت لله أسماء وصفات لم يثبتها له رسوله ولم يثبتها لنفسه المولى ، وأنتم تعلمون أن الأسماء والصفات أمر توقيفي.
قال القرطبي: وقيل: إن هؤلاء قوم تأخر دخولهم في النار وهم جماعات؛ لأن أهلها يلقون فيها فوجاً فوجاً، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك:٨]، فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين الذين لم يدخلوا بعد في النار، إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به ولم يبق أحد قالت الخزنة: قط قط.
لفظ الحديث أن الذي قال: قط قط هي النار.
قال: وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها، وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر، فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم لا أن الله تعالى جسم من الأجسام تعالى الله عن ذلك.
نقول: أنت تنزه الله ﵎ عن ذلك مع أن الله لم ينزه نفسه ولم ينزهه رسوله الكريم ﵊ عن هذا، كما أن إثبات القدم والرجل لله لا يستلزم إثبات الجسم والجارحة.
وقال بعضهم: القدم: خلق من خلق الله تعالى، فمادام أن هناك مكاناً في الجنة فارغاً، وربنا ﵎ سينشئ خلقاً جديداً فيسكنهم الجنة حتى تكتفي الجنة فكذلك القدم والرجل إنما هما علم واسم على مخلوق جديد لله يخلقه في ذلك الوقت فيلقيه في النار حتى تقول: قط قط.
وهذا تأويل آخر.
يعني: هذه القدم والرجل أسماء لمخلوقات جديدة سيخلقها الله في حينها، حينما تقول جهنم هل من مزيد؟ فيخلق الله لها خلقاً جديد قد استوجبوا النار، هذا الخلق يسمى الرجل تارة ويسمى القدم تارة أخرى! قال: القدم بخلق من خلق الله تعالى يخلقه يوم القيامة، فيسميه قدماً ويضعه في النار فتمتلئ منه.
قال ابن فورك: قال بعضهم: القدم: خلق من خلق الله يخلقه يوم القيامة فيسميه قدماً، ويضيفه إليه من طريق الفعل.
فقوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) إضافة الضمير للفعل، وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها رجله) قالوا: إن هذا خلق جديد اسمه قدم واسمه رجل، والله ﵎ يأمر به فيلقى في جهنم، فإذا ألقي قالت النار: قط قط.
وقال بعضهم: المراد بالقدم هنا: قدم خلقه.
وهذا كذلك لا يصح أبداً، ولا يمكن أن يستقيم مع لغة العجم وليس العرب فقط؛ لأن من استوجب دخول النار دخلها كل بدنه، فهل تتصور أن رجليك كمخلوق تدخل النار، وأنت تدخل الجنة من غير رجليك؟! ومعلوم أن الناس في الجنة على أحسن منظر وأحسن هيئة، فلا يتصور أن النبي ﵊ يقول: (فيضع الجبار فيها قدمه).
стр. 470
الاستدلال بحديث تحاجج الجنة والنار لإثبات صفة القدم لله تعالى وكلام أهل العلم في ذلك
قال النبي ﷺ : (تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة وقالت النار)، نحن نثبت أن الجنة تتكلم على الحقيقة ولكن ليست لها جارحة؛ لأن الله لم يخبرنا أن هذه الجنة عبارة عن ذات مكونة من صفات وجوارح، وكذلك النار تتكلم بقدرة الله ، والله تعالى يخلق لها الكلام فتتكلم به، والذي يسمع هذا الكلام هو الله ، وتسمعه النار وتسمعه الجنة، بدليل الحديث: فقالت النار وقالت الجنة يعني: رداً عليها.
فالجنة تسمع النار، والنار تسمع الجنة، والله تعالى يسمع الجميع.
ولذلك قالت النار: (أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين.
وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم.
فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي.
وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها، فتقول: قط قط.
فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض).
وهذا الحديث رواه غير واحد من الصحابة، منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك خادم النبي ﵊.
وفي بعض رواياته: (حتى يضع الله ﵎ رجله فتقول: قط قط قط ثلاثاً).
وفي بعضها: (حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط، وعزتك).
فموقف السلف من معنى الحديث: أن هذا الحديث من أحاديث الصفات، وأن القدم صفة من الصفات الخبرية التي تمر كما جاءت دون تأويل أو تحريف في النص، ودون تشبيه أو تمثيل لصفات الله بصفات خلقه، فلا تقاس القدم بأقدام خلقه، ورجله بأرجل مخلوقاته، بل يكتفى بالمعنى الوضعي للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه، وقد عجزنا عن إدراك حقيقة ذاته سبحانه، فآمنا وسلمنا لله ورسوله، وهذا موقف لا يتغير ولا يتبدل بالنسبة لأتباع السلف، فهو موقف ثابت، وهو اتباع النصوص في جميع الصفات الخبرية أو غيرها، كما قال ابن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.
والحديث بجميع رواياته يدل على أن الله سوف يخلق في الجنة والنار تمييزاً وقدرة على الكلام دون أن يكون لهما آلات التكلم من الفم والأسنان واللسان وغيرها، وهو المعتاد بالنسبة لنا.
وأما الخلف فقد تكلفوا في تأويل هذا الحديث أكثر من تكلفهم في تأويل أي نص آخر من نصوص الصفات، وذكرنا من قبل تأويل الخلف في المراد بالقدم ورددنا عليه.
وابن الجوزي عليه رحمة الله في كتابه دفع (شبه التشبيه) شن غارة شعواء على بعض علماء السلف.
قال ابن الجوزي: وقد ذهب القاضي أبو يعلى إلى أن الساق صفة ذاتية وقال مثله في: (يضع قدمه في النار).
قال ابن الجوزي: وذكر الساق مع القدم تشبيه محض.
وقد اتفقنا من قبل أن ابن الجوزي كان مضطرباً جداً في مسائل الاعتقاد، فهو يريد أن يقول: إن القاضي أبا يعلى أثبت الساق وأثبت معها القدم، وأن إثباتهما يستلزم التشبيه.
وهذا لا يصح عنده.
وليس القاضي أبو يعلى فقط الذي أثبت هذا، بل كل علماء السنة أثبتوا لله ما أثبته لنفسه، ومنها الساق والقدم ولم يقولوا بالتشبيه، بل نزهوا المولى ﵎ عن التعطيل ونزهوه عن التشبيه، وكلام ابن الجوزي ليس فيه شيء من الهداية، بل هو ظلمات بعضها فوق بعض، فإن الأدلة كتاباً وسنة تدل على إثبات ذلك لله، فمن أنكره فإنما ينكر على النبي ﵊ وعلى الصحابة الذين نقلوا إلينا ذلك.
وقال ابن الجوزي: وقال أبو يعلى مثله في: (يضع قدمه في النار).
وهذا أيضاً من الحق الذي يجب الاعتقاد والتسليم له، فإن القدم صفة من صفات الله تعالى الذاتية التي يجب الإيمان بها دون تحريف أو تعطيل، ودون تكييف أو تشبيه.
ثم ذكر حديث الاحتجاج بين الجنة والنار، وقوله: (قدمه) وأن الهاء تعود على الرب جل وعلا، وهو قول واحد عند أهل السنة والجماعة، والحديث صحيح صريح في إثبات صفة القدم لله .
وذكر بعد ذلك أثر ابن عباس وأثر أبي موسى الأشعري في إثبات أن الكرسي موضع القدمين لله ؛ لأنه أمر غيبي له حكم الرفع، فلا يقال فيه من قبل الرأي ولا مجال للاجتهاد فيه، فيؤخذ منه إثبات قدمين لله ، فنثبت ذلك لله تعالى، ونؤمن بأن الله جل ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
قال أحمد بن حنبل: أحاديث الصفات تمر كما جاءت.
أي: الأحاديث التي فيها إثبات صفة لله تؤمن بها على حقيقتها، وتفوض كيفية هذه الصفة لله ، مع كونك تعلم علماً يقينياً أن هذه الصفة ثابتة لله .
قال الإمام الثقة الجبل حماد بن سلمة البصري وكان من أشد الناس في زمانه على أهل البدع: من رأيتموه ينكر
стр. 471
الأسئلة
стр. 472
الثبات على عقيدة الفرقة الناجية
السؤال
نرجو إعلامنا بمشاهير التأويل الذين نقرأ لهم كـ القرطبي وابن الجوزي؟ وكذلك أي الجماعات الحالية التي هي على الساحة متأولة وذلك للحيطة؟
الجواب
على أية حال نحن بينا أن القرطبي كان متأولاً، وبينا أن ابن الجوزي كان متأولاً، فتارة ينافح عن مذهب السلف ويهجم على الخلف، وتارة يهجم على السلف، وتارة ينسب للسلف قولاً ليس من أقوالهم قط، لذلك الذهبي عليه رحمة الله قال في السير: وابن الجوزي لم تثبت قدمه على وتيرة واحدة، فكان أحياناً ينصر مذهب السلف وأحياناً ينصر الخلف، ولا يصح أيها الإخوة! أن عقل المرء وإيمانه يكون عبارة عن قص ولصق، فالجملة التي تعجبه من عند المعتزلة يأخذها ويعتقدها، والتي تعجبه من عند الجهمية يعتقدها، والتي تعجبه من عند الأشعرية يعتقدها، والتي تعجبه من عند الشيعة يعتقدها، يعني: عقيدته عبارة عن مجموع عقائد الفرق الضالة مع الفرقة الناجية وهي أهل السنة والجماعة، بل لابد للمرء أن تكون عقيدته لا تزيد ولا تنقص عن معتقد السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
стр. 473
أخطاء سيد قطب ﵀ لا تعني بغضه وعدم الترحم عليه
السؤال
هل سيد قطب من المتأولة؟
الجواب
إذا أردنا الكلام عن الأديب البارع السيد قطب فلا شك أن هذا الرجل كانت له ظروف علمها من علمها وجهلها من جلها، فـ سيد قطب عليه رحمة الله ظهر في فترة كان الناس فيها هم للكفر أقرب منهم للإيمان، ولم يكن هذا العلم السلفي منتشراً في ذلك الوقت، قضى سيد قطب معظم حياته في سجون عبد الناصر الهالك عليه من الله تعالى اللعنة، فلم يتأهل اعتقادياً قبل أن يدخل السجن، كـ النووي عليه رحمة الله لم يتمكن من دراسة العقيدة، واكتفى بالنقول من المازري والقاضي عياض وكلاهما أشعري، ولكنه ينقل عنهما التأويل دون تقعيد وأحياناً يقعد، وأحياناً ينقل ويستحسن، واعتذر عنه بعض تلاميذه أنه لم يكن قد تمكن من دراسة علم الاعتقاد على يد مشايخ زمانه، فوقع فيما وقع فيه، فإن قيل: الإمام النووي هل هو أشعري جملة؟
الجواب
لا.
ليس كل من وقع في بدعة ينسب إليها، كما أنه ليس كل من وقع في الكفر يصير كافراً، فأحياناً يقع المسلم في قول كفري أو فعل كفري لكن لا يلزم من وقوع هذا الكفر الكفر، كما أن الرجل يقع في البدعة ولما يعلم بعد أنها بدعة.
يذكر أن رجلاً من المحدثين عمل بحديث ضعيف عشرين عاماً، فقال أحد تلامذته: إن هذا الحديث فيه فلان وفلان وهما ضعيفان، فوجد المحدث أن الطالب صادق فبكى.
قيل له: خير يا إمام! يعني: هون عليك.
قال: خير؟! والله ما في عملنا منذ عشرين عاماً بهذا النص خير قط.
فلا يلزم من وقوع الرجل في بدعة أنه مبتدع، كما لا يلزم من وقوعه في الكفر أنه كافر، بل ولا يلزم من إطلاق الكفر على الجماعة كفر كل معين فيها، فلو قلنا: إن بلداً من البلدان كافرة، هل يلزم من هذا أن كل من بهذه البلد يكون كافراً؟ فهاهي أمريكا بلد كفر، ومع ذلك نجد كثيراً من إخواننا يعيشون في تلك البلاد، فلا يلزم من إطلاق الحكم العام بالكفر على مجموعة لزوم هذا الكفر على كل فرد من أفراد المجموعة، ولذلك لما نقول: لعنة الله على الظالمين، هل كل ظالم ملعون بعينه؟ الجواب: لا، فهناك ظلم لم يرد النص بلعن صاحبه في القرآن ولا في السنة، ومع هذا فهو ظلم، لكن لا يلزم منه إثبات اللعن في شخصه.
نرجع إلى كلامنا: سيد قطب عليه رحمة الله وقع في تأويل بعض الصفات، وهو كغيره من أهل العلم نحب فيه الصلاح والخير والطاعة وموافقة السنة.
أليس هذا منهج أهل السنة والجماعة؟ ونكره كل ما يخالف الحق ويخالف الكتاب والسنة.
وكوننا نكره ما يأتي من قبل عالم أو مجتهد في مسألة من المسائل خالف فيها الحق لا يعني ذلك بالضرورة أننا نبغضه هو، بل نحن نحب سيد قطب عليه رحمة الله، ونتولاه وندعو له بالرحمة، وندعو له بالخير، وندعو له بأن يبيض الله ﵎ وجهه مع وجوه المؤمنين يوم القيامة، وفي نفس الوقت نرد عليه ما خالف فيه الكتاب؛ لأن الكتاب أحب إلينا من سيد قطب وغيره، والسنة أحب إلينا من أنفسنا وليس من سيد قطب فحسب.
فالشيخ سيد قطب عليه رحمة الله خالف منهج السلف في كثير من الصفات كما هو في كتاب (الظلال) وغيره من كتبه.
فأغلب الظن أن سيد قطب لم يتأهل في هذا الباب، وليس في هذا عيب؛ لأن معظم حياة سيد قطب قضاها في السجون، وأنت تعجب إذا علمت أنه ألف (الظلال) وهو في السجن.
وأنت لو كلفت أن تحفظ جزء عم في السجن قد تعجز.
كان عبد الناصر وزبانيته من كلاب الأرض في ذلك الزمان يحبسون سيد قطب في داخل سجونهم وزنازينهم، ولو كنت مكانه لأيقنت أنك لن تستطيع أن تفسر لحظة واحدة تفسيراً هادئاً، فكيف برجل يخرج هذا التفسير العظيم من بين جدران السجون؟ فإذا نظرت إلى خطئه في الاعتقاد فانظر إلى إصابته الحق في كثير من المسائل التي تكلم فيها في كتابه الظلال.
فالشاهد من هذا الكلام: أن السيد قطب له حسناته الكثيرة، وله أخطاؤه كذلك، فما أخطأ فيه نرده على سيد قطب وعلى غيره، وكذلك وجب علينا أن نقبل ما أصاب فيه ووافق الكتاب والسنة؛ لأن الحق ضالة المؤمن يلتمسه ويأخذه حيث وجده.
стр. 474
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة الساق لله
صفة الساق لله تعالى من الصفات الذاتية، وهي صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وقد جاء عن بعض السلف في هذه الصفة كلام مخالف لما عليه الجمهور، وقد طار أهل البدع بهذا القول فرحاً، واستندوا إليه في قولهم بنفي هذه الصفة، إلا أن هذا الكلام مردود بالكتاب والسنة وقول جمهور الصحابة.
стр. 475
إثبات صفة الساق لله
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد: فلا يزال الكلام موصولاً عن صفات الله الذاتية الخبرية، ومنها: صفة الساق، وهذه الصفة قد ثبتت لله بآية وبحديث.
стр. 476
رفع الإشكال الوارد في قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].
هذه الآية بهذا السياق أحدثت إشكالاً عظيماً عند أهل العلم، بل أقولاً عند أهل السنة؛ لأن الآية لم تكن صريحة في إثبات الساق لله ؛ لأنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، فوردت منكرة وغير منسوبة لله ، ولذلك اختلف السلف ﵃ في ماهية هذه الساق، لكن جمهور أهل العلم من السلف وغيرهم رفع عنهم هذا الإشكال بحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وغيرهم، أنه ﵊ قال: (إذا جمع الله العباد في صعيد واحد نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون).
أي: لينصرف كل قوم من أهل الموقف إلى معبودهم الذين كانوا يعبدونه في الدنيا.
قال: (فيلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم.
فيأتيهم -أي: ربنا- فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم هاهنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا الذي كنا نعبده.
فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا).
أي: إذا أتانا في صورته التي عرفنا بها في حياتنا الدنيا عرفناه.
قال: (فيكشف لهم عن ساقه).
فوردت (الساق) هنا مضافة إلى الله ، ولم يقل: فيكشف لهم عن ساق.
قال: (فيكشف -أي: الله لهم عن ساقه فيقعون سجوداً، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢].
ويبقى كل منافق لا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة).
وفي حديث أبي سعيد: (يوم يكشف ربنا عن ساقه).
وهذا تصريح ثان.
فهذا الحديث بشواهده قد رفع الإشكال الوارد في الآية.
стр. 477
أقوال أهل العلم في معنى الساق في الآية
هذه الصفة كغيرها من الصفات أحدثت إشكالاً عظيماً جداً عند كثير من أهل العلم، ولذلك ابن الجوزي عليه رحمة الله في تفسير هذه الآية يقول: قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وقتادة والجمهور -وهذا كلام فيه شطط وغلو-: يكشف عن شدة.
وهذا هو التأويل الأول في معنى الساق.
وأنشدوا: وقامت الحرب بنا على ساق أي: إذا اشتدت الحرب بنا.
وقال آخرون: إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا وقال ابن قتيبة: وأصل هذا: أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة.
وبهذا قال الفراء وأبو عبيد وثعلب واللغويون.
فإذا كانت الساق في اللغة العربية تعني الشدة في أحد وجوهها، فلا تفسر هنا على أن الساق الواردة في حق الله بمعنى الشدة؛ لأن هذا سيكون حتماً تحريفاً للكلم عن مواضعه، وصرفاً للفظ عن ظاهره إذا احتملت اللغة للمصطلح وجهاً، لكنها وردت في سياق لا تحتمل هذا الوجه اللغوي، وعليه فلا يمكن حمل هذا اللفظ على الوجه اللغوي أبداً، وإلا فاليد أحد وجوهها في اللغة: النعمة، والقوة، فهل يمكن أن نحمل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] على أن نعمته فوق نعمتهم، أو أن قوته فوق قوتهم؟
الجواب
لا.
لكن إذا عبرنا عن اليد بالقوة فهذا أمر جائز في اللغة، لكنه في الاصطلاح وفي سياق الآية لا يجوز لنا أن نحمل اليد على القوة أو القدرة أو النعمة مع عدم إثبات اليد الحقيقية لله على المعنى اللائق، فإذا أردنا أن نثبت هذا وذاك، أو أن نثبت الوجه اللغوي، فلابد أولاً من إثبات الوجه الشرعي، ثم نثبت بعد ذلك الوجه اللغوي؛ لأن أهل البدع المتأولون يعتقدون صرف النص عن ظاهره إلى معناه المجازي أو معناه اللغوي دون إثبات حقيقته لله .
أما أهل العلم من السلف فإنهم يثبتون الصفة لله ولازمها بعد ذلك، فيثبتون اليد أولاً، ثم يثبتون لازم هذه اليد، بخلاف المتأولة فإنهم يثبتون اللازم ولا يثبتون الصفة الحقيقية لله .
فإذا قلنا هنا: إن الساق في اللغة لها وجه بمعنى: الشدة، فإننا لابد وأن نثبت أولاً لله الساق، ثم نثبت لازم ذلك وهو الشدة والقوة، أما تحريف هذه الكلمة عن ظاهرها، وإثبات الشدة للساق دون إثبات الساق لله ، فهذا صرف للنص عن ظاهره دون مسوغ شرعي.
стр. 478
بيان أن ثبات الصفات لله لا يقتضي المماثلة ولا المشابهة لخلقه
روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يكشف عن ساقه).
فإذا قلنا: إن المراد بالساق الشدة، فيكون معنى الكشف الإزالة.
أي: يزيلها، وهذا كلام لا تحتمله اللغة.
قال ابن الجوزي: وقد ذهب القاضي أبو يعلى: إلى أن الساق صفة ذاتية، وقال مثله في: (يضع قدمه في النار).
فـ ابن الجوزي ينكر على أبي يعلى الفراء إثبات أن الساق والقدم صفة ذاتية لله .
ويقول ابن الجوزي: إثبات الساق مع القدم لابد وأنه يستدعي تشبيه الخالق بالمخلوق! والجواب عليه من وجهين: الأول: أن الرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وليس هناك شيء العناية بتبيينه أعظم من العناية ببيان أسماء الله وصفاته، ومن ثم كان بيان هذا الباب أعظم من بيان الأحكام؛ لأن البيان في باب الاعتقاد أولى منه في باب الأحكام والحلال والحرام، ولأن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هي أساس الإيمان، وقد كان النبي ﵊ يبين هذا الباب بياناً عاماً، فعلمه الخاص والعام، وعلمه العالم والجاهل، والبدوي والحضري، ولم يستنكر أحد منهم شيئاً في هذا الباب قط، ولم يقع في أذهانهم ولا في ذهن واحد منهم أن إثبات صفات الرب جل وعلا تقتضي مماثلة الخالق بالمخلوق، أو تشبيه الخالق بالمخلوق، وإنما آمنوا بها إجمالاً على الوجه اللائق بالله ، وإنما وقع هذا الفهم الفاسد في قلوب الجهمية وأضرابهم من أهل الإفك والضلال والتنطع في دين الله جل وعلا، وتعالى الله عن أن تكون صفاته مثل صفات خلقه، فإذا كان المخلوق له يد والله تعالى له يد، فلابد وأننا نثبت اليد الحقيقية لله على ما يليق بجلال ذاته وعظمته، بخلاف المخلوق، فهي شبيهة وشريكة ليد الله عز جل في الاسم دون المسمى؛ لأنها يد ويد الله تعالى يد، فهما متماثلتان ومتشابهتان في الاسم فقط دون المسمى ودون الحقيقة، فحقيقة يد المخلوق تختلف تماماً عن حقيقة يد الخالق ﵎، ولا يعلم حقيقتها ولا كيفيتها إلا الله ، فكيف نقول بالمماثلة والمشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق؟! لكن أهل البدع لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما فهموه من صفات المخلوق، فقالوا: إن الله تعالى قد خاطبنا بأن له يد، ونحن نعلم ما هي اليد؟ بدليل أننا نراها، والله ﵎ لما أخبر أن له يداً، وأنا أعلم سلفاً يدي وكيفية يدي، فلابد وأن يكون الله تعالى قد خاطبني بما أفهم، وخرجوا من ذلك بأن يد الله ﵎ كيد خلقه؛ لأن الله تعالى لابد وأنه قد خاطبنا بما نفهم.
والجواب عليهم: أن الله ﵎ له ذات، وهم يؤمنون بذلك، فهل ذات الله كذات المخلوق؟! لا.
فذات الله ليست كذات المخلوق، وأقصى ما يمكن أن يقوله: إن ذات الله ﵎ لا يعلمها إلا هو.
فنقول: وكذلك الكلام في الذات كالكلام في الصفات، فكما أن ذاته خفية وغيبية عنا، ولا يعلم كيفيتها أحد من الخلق، فكذلك صفاته -ومنها: الساق- لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، وعليه لما اختلفت الذات لابد أن تختلف الصفات.
ومن هنا نحن نثبت الصفات لله على الوجه الحقيقي اللائق به، ولا يعلم كيفية الذات ولا كيفية الصفات إلا هو ، ولم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا رسول مرسل، ولا نبي تنبأ.
وعليه فقولهم: إن إثبات الصفات لله تقتضي المماثلة بينها وبين صفات المخلوق عجز وضعف عقلي عندهم؛ لأنهم لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما يفهمونه من صفاتهم هم، مع أن هذا ليس بلازم، بدليل: أن الله ﵎ خلق خلقاً عظيماً كثيراً، وجعل لكل مخلوق من مخلوقاته يداً وساقاً وعيناً وقدماً، وغير ذلك من الجوارح، فهل يقول ذلك المتأول: إن ساق الله ﵎ كساقي فنقول له: إن الله قد خلق خلقاً كثيراً غيرك، سواء من الحيوان، أو الدواب، أو الطير، أو الإنس، أو الجن، أو غيرها، فلم لا تقول: إن الله تعالى له ساق كساق الجن، أو كساق الملائكة، وهم أعظم وأشرف خلقاً من العصاة.
سيرد قائلاً: لأن الله تعالى خاطبني أنا بذلك.
فهذه الحجة مردودة؛ لأن الله ﵎ قد بعث نبيه أيضاً للجن، فإذا كنت تقول: إن ساق الله كساقك أنت، فلم لا يكون ساقه كساق الجن، وهم مكلفون مخاطبون بأوامر الشرع أمراً ونهياً؟ لابد وأنه ستسقط حجته، ويسلم في نهاية الأمر بإثبات الساق لله التي تختلف عن جميع سوق المخلوقات من الإنس والجن والطير والدواب والهوام والحشرات وغير ذلك، لابد وأنه سيصل في النهاية إلى الإقرار والاعتراف بهذا.
وقد اتفق علماء السلف على إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ ، إثباتاً بلا تمثيل ولا مشابهة بينه وبين خلقه، وتنزيهاً بلا تعطيل.
أي: ننزه الله ﵎ أن تكون صفاته كصفاتنا، وفي الوقت ذاته نثبتها لله ، فنحن نثبت
стр. 479
مخالفة أهل البدع لأهل السنة في إثبات صفة الساق لله
من الصفات التي يوصف بها الرب جل وعلا، وقد شرق بها أهل البدع وغربوا، ولم يثبتوها له سبحانه تعالى: صفة الساق، زاعمين أن إثباتها يقتضي تشبيهاً للخالق بالمخلوق، لكن هذا ضلال عظيم وبعد عن منهج السلف، فلا يصف الله تعالى أحد أعلم من رسوله ﷺ ؛ لأنه أعلم الخلق بالله ، فإذا وصف النبي ﵊ ربه بوصف فلا يجوز لأحد بعد ذلك أن يدعي الورع، أو أن يدعي التنزيه، أو أن يستلزم المماثلة والتشبيه؛ لأنه لابد وأن يزعم بأنه أعلم بالله من النبي ﵊.
وقد دلت سنة النبي ﵊ الصحيحة التي لا معارض لها ولا مضاد على أن الساق ثابت لله تعالى، وكما أننا نثبت لله تعالى ذاتاً لا تشبه الذوات، فكذلك نقول في صفات الله تعالى كالساق وغيرها: إنها لا تشبه صفات المخلوقين؛ لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فنثبت لله تعالى الصفات وننفي عنه مماثلة المخلوقات، وهذا هو حقيقة الإيمان.
أي: أن نسلم لله بما أمرك ونهاك، ونبرأ من أهل التحريف والبطلان، فلا ننفي عن الله تعالى صفة صحت بها النصوص كالساق وغيرها، من أجل دعوى المعطلين أن هذا يقتضي تشبيهاً، بل نثبت لله تعالى الصفات على ما جاءت في الكتاب والسنة، وننكر عليهم ونجهلهم ونضللهم لمخالفتهم لكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ .
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، أي: يكشف الله عن ساقه.
وهذا مذهب جمهور السلف في تفسير هذه الآية، وإذا كان الفعل: (يُكْشَفُ) مبني للمجهول لما لم يسم فاعله، فإن الحديث قد سمى صاحب الساق، وهو الله ﵎، فقال النبي ﵊: (يوم يكشف ربنا عن ساقه)، فالذي أخفته الآية بينه الحديث.
стр. 480
الرد على المبتدعة في الاحتجاج بتفسير ابن عباس للساق
وأما ما جاء عن ابن عباس أنه قال: يريد القيامة والساعة لشدتها، فقد ضعفه كثيرون من أهل العلم بالحديث، وقالوا: ولا يصح شيء من هذا عن ابن عباس، ولهذا لما جاء هذا الخبر عن ابن عباس طار به أهل البدع فرحاً، وهذه من علامات أهل البدع.
أي: أن تقع أعينهم وعقولهم على قول لرجل -وإن كانت غير راجحة- ليؤيد ما هم عليه من البدعة، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لم تكن هناك صفة لله محل جدال ونقاش وخلاف بين السلف إلا هذه الصفة.
وما روي عن ابن عباس فيها طار به أهل البدع فرحاً؛ لأنهم نسبوا التأويل للسلف، ولم يقولوا: إن هذه زلة لـ ابن عباس مثلاً، مع أنها ليست بزلة؛ لأنه لم يثبت عنه هذا الكلام، وعلى فرض ثبوته -وهذا يعني على أضعف الإيمان وأقل الأقوال- فإن ابن عباس قد قال: إن قاتل النفس لا توبة له.
كما قال: إنه ليس هناك رباً إلا ربا النسيئة المذكور في القرآن، ولم يقل بربا الفضل، بل قد زل ابن عباس في أكثر من سبع مسائل خالفه فيها جمهور الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهنا في هذه الصفة قد خالفه الصحابة وعلى رأسهم: عبد الله بن مسعود وقال: الساق صفة ذاتية لله .
لذا فلو ثبت هذا عن ابن عباس فنحن نعلم أن إثبات لازم الصفة عند السلف يستلزم إثبات الصفة أولاً، وهذه قاعدة عند السلف، بخلاف المتأولة الذين يثبتون لازم الصفة دون الصفة.
فإذا كان هذا معلوماً من مذهب ابن عباس في صفات الله ﵎ كلها، فلم يثبت المبتدعة هنا لازم الصفة وينفون أصل الصفة الذي هو من معتقد ابن عباس في جميع صفات الله ﵎؟ وفي هذه الحالة لابد -وهذا على فرض صحة وثبوت هذا الكلام عنه- من إثبات الصفة ولازمها.
ومن أمثل الأسانيد التي جاءت عن ابن عباس في ذلك: ما رواه الفراء في كتابه (معاني القرآن).
قال: حدثني سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].
أي: يريد القيامة والساعة لشدتها.
وهذا التفسير من ابن عباس للآية لا تقوم به حجة.
نعم ابن عباس ترجمان القرآن، والنبي ﵊ قد دعا له، وكان من أحبار هذه الأمة، لكن هل يستلزم هذا بالضرورة ألا يخطئ ابن عباس؟ إنه إذا لم يكن معصوماً فالخطأ جائز عليه حينئذ، وإذا جاز الخطأ عليه فنرده بقول بعض أصحابه له، ولذلك نحن دائماً نقول: إن إجماع الصحابة حجة بلا خلاف، لكن على فرض أن هذا تأويل ابن عباس، فتأويل هذه الصفة من ابن عباس هل عليه إجماع الصحابة؟ لا.
فلا أقل من أن نقول: إن هذه الصفة محل خلاف عند السلف، لكن هذا الخلاف لابد من فصل النزاع فيه، فنقول: إن حديث: (يوم يكشف ربنا عن ساقه)، لم يصل ابن عباس، وإذا كان هذا الحديث لم يصل ابن عباس وقال بغيره، فهو مجتهد مأجور أجراً واحداً لأن الصحابة قد خالفوه بإثبات الساق الحقيقية لله ، وفي هذه الحالة لابد من رد كلام ابن عباس، أو حمله على أحسن المحامل، ورده أولى، وعليه فهذا التفسير للآية من ابن عباس لا تقوم به الحجة؛ لثبوت النص عن النبي ﷺ في تفسير الآية.
стр. 481
رواية أبي هريرة في إثبات الساق لله تعالى
وأما حديث أبي هريرة ففيه: (فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجوداً) فلا يمكن أبداً أن تحتمل اللغة تفسيرهم: (فيكشف الله تعالى عن شدته فيقعون سجوداً)؛ لأنه قد قال: إن كشف الساق هو كشف الشدة، وكشف الشدة بمعنى: إزالتها، أي: رفع الشدة، فهل يناسب أن نقول: إن الله تعالى في الموقف والمحشر يرفع شدته.
بمعنى: أنه يكون هناك حالة رضا.
لا.
ولا شك أن السجود هذا إنما هو داعي الخوف، فلا يسجد الناس والله ﵎ قد رفع عنهم الشدة والخوف، بل هم يسجدون إذا خافوا، فهذا الوجه في اللغة غير محتمل.
بل الحديث صريح في إثبات صفة الساق لله تعالى، وإبطال سائر التأويلات التي قيلت في الآية، فقوله: (فيكشف لهم عن ساقه)، صريح في إثبات الساق لله تعالى؛ لأنه لا يجوز أن يكون المراد هنا بالساق: الشدة قطعاً.
وقوله: وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، ظاهر في أن المراد بالآية: إثبات الساق لله تعالى.
ويؤيده ما رواه الدارمي في كتابه: الرد على الجهمية -وهو كتاب من أمتع الكتب، وهناك أيضاً كتابين بهذا العنوان: الرد على الجهمية للإمام أحمد، والرد على الجهمية لـ ابن منده، وكلها كتب لثلاثة من أئمة السلف للرد على الجهمية المعطلة بعنوان واحد- فقد روى الدارمي من طريق أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، قال: يكشف الله عن ساقه).
وفي حديث آخر: (يوم يكشف ربنا).
فهذا التفسير من النبي ﷺ لمعنى الآية يبطل جميع الأقوال المخالفة لهذا القول، ويدل دلالة صريحة على أن الآية من آيات الصفات، وليس المقصود بالساق هنا: الشدة.
وأن المراد منها -أي من الآية-: إثبات الساق كصفة ذاتية لله ﵎، وقد جاءت الأحاديث مؤيدة لهذا القول، ودالة على إثبات الساق لله تعالى.
стр. 482
رواية أبي سعيد في إثبات صفة الساق لله تعالى
قال البخاري: باب: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]: قال: حدثنا آدم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً).
أي: أن الله ﵎ يوم يكشف عن ساقه لأهل الإيمان وللمنافقين -أي: في المحشر- فإن كل مؤمن عندما يرى الله ويعرف أن الله هو هذا بساقه التي عرفهم بها في الدنيا، يقع كل مؤمن ومؤمنة ساجداً لله ؛ لأنهم يعرفون الله تعالى بهذه الصورة التي عرفهم بها في حياتهم الدنيا، ويذهب كل منافق ومعاند وجاحد ليسجد كما رأى أهل الإيمان يسجدون، والمنافقون الذين ما كانوا يصلون ولا يصومون إلا رياء وسمعة يذهبون ليسجدون، فيجعل الله ﵎ ظهورهم قطعة واحدة لا مقاطع ولا مفاصل فيها، فلا يتمكنون من السجود لله ، إذ السجود في هذا اليوم شرف عظيم، وبيان وتمييز لأهل الإيمان من أهل النفاق، فإنه لا يتمكن من السجود في ذلك اليوم إلا كل مؤمن ومؤمنة.
كما روى الإمام مسلم هذا الحديث، وكذلك أحمد في كتاب السنة من طريق عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (يجمع الله الأولين والآخرين -أي: جميع الخلق- لميقات يوم معلوم قياماً أربعين سنة).
أي: يقفون أربعين سنة في الموقف.
قال: (شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء).
فانظر إلى هذا الحديث! إنه من أمتع ما يمكن أن تسمعه أذنك، فالله يجمع الأولين والآخرين في الموقف لمدة أربعين سنة، وكل واحد منهم يشخص ببصره إلى السماء.
أي: ينظر إلى جهة العلو والفوقية لله ، ينتظرون من الله أن يفصل وأن يقضي بين العباد.
قال: (فينزل الله في ظلل من الغمام).
ينزل ربنا ﵎ في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، وهذا يعني أن العرش فوق الكرسي.
قال: (ثم ينادي مناد: أيها الناس! ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً أن يولي كل إنسان منكم ما كان يتولى ويعبد في الدنيا؟).
أي: ألا ترضون من الله أن يلحق كل واحد منكم بمعبوده وإلهه الذي كان يعبده في الدنيا؟ قال: (أليس ذلك عدلاً من ربكم؟ قالوا: بلى.
قال: فلينطلق كل قوم إلى ما كان يعبدون ويتولون في الدنيا.
قال: فينطلقون، ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان والحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون).
أي: أن الله ﵎ يجعل كل معبود في الدنيا عبد من دون الله يمثله على نفس الهيئة والشكل التي كان عليها في الدنيا، حتى يتعرف عليه كل مخلوق كان يعبده، فالذي كان يعبد الشمس يمثل الله ﵎ له الشمس، فيذهب إليها ليعبدها في ذلك، والقمر والأوثان والأصنام والحجارة والمقابر وغير ذلك فإن كل معبود يتبعه عابدوه في هذا اليوم ولا شك.
قال: (ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى).
أي: ما من نبي إلا وله شيطان، لكن النبي ﷺ تغلب على شيطانه فآمن، ولم يثبت أن شيطان عيسى آمن، والذي كان يعبد عيسى بن مريم ﵇ من دون الله يتمثل له شيطان عيسى في صورة عيسى حتى يذهب إليه من كان يعبد عيسى فيعبد هذا الشيطان؛ لأن عيسى لا يرضى بذلك، بل قد تبرأ من عبادة النصارى له ولأمه، والله ﵎ قد أكرمه بأنه لا يعبد أمام عينه في هذا الموقف العصيب الرهيب، لكنه سبحانه مثل الشيطان في صورة عيسى، ولذا لما كان عيسى يعبد في الدنيا من دون الله كان من العدل أن يلحق الله من كان يعبد عيسى بشيطان عيسى حتى يقيم كل واحد منهم الحجة على نفسه.
قال: (ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويمثل لمن كان يعبد عزيراً شيطان عزير، ويبقى محمد ﷺ وأمته، فيتمثل الرب جل وعز فيأتيهم فيقول لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا إلهاً).
أي: نحن لم نكن نعبد أحداً إلا الله ، (فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟).
ومن المعلوم أننا لا نعرف الله ، ويوم القيامة سيظهر لنا، فكيف نعرفه؟ باختلاف ذاته وصفاته عن ذوات جميع المخلوقات التي رأيناها.
لكن المسيح الدجال يقول: أنا ربكم.
لكنه أعور، وربنا ليس بأعور، وكذلك يأتي من الآيات ما يثبت صحة هذا القول في الظاهر، فيأتي بأشياء لا يمكن أن يفعلها إلا إله قادر، فيحضر رجلاً من أهل المدينة فيشقه نصفين حتى يل
стр. 483
رواية ابن مسعود في إثبات صفة الساق لله تعالى
وروى ابن خزيمة في كتاب التوحيد حديث ابن مسعود في كشف الساق، وهذا الكتاب من أنفع ما يمكن أن يقرأ في كتب العقيدة، لذا فلابد عليك أن ترتقي عن فتح المجيد وعن العقيدة الطحاوية، فعندما تقرأ في كتب العلم المسندة تشعر بلذة ما بعدها لذة، كأن تمسك بكتاب التوحيد لـ ابن خزيمة وتنهل منه في الوقت الذي لا تعرف الأمة من ابن خزيمة ولا ما هو كتاب التوحيد له، فتعرف أن هذه نعمة من نعم الله عليك، وعندما تقرأ كتب السنة كلها، فتقوم بأخذ المجلد الأول والثاني والثالث والرابع إلى المجلد الحادي عشر من كتاب فتاوى ابن تيمية، هذه المجلدات التي ضمن فيها الإمام ابن تيمية عقيدة المسلمين، سواء عقيدة السلف أم عقيدة الفرق الضالة، فعندما تبدأ تقرأ في هذه المجلدات ستقول: هذا كلام بعيد! لا، فليس بعيداً أبداً، فإنك إذا شرعت في قراءتها فإنك ستكملها، ثم ممكن أن تبدأ بكتاب التوحيد، وهو مجلدين بعدما حقق.
روى ابن خزيمة في كتابه (التوحيد) من طريق أبي الزعراء قال: ذكروا الدجال عند عبد الله بن مسعود فقال: (تفترقون أيها الناس! عند خروجه ثلاث فرق).
أي: سيفترق المسلمون ثلاث فرق عند ظهور الدجال، وذكر الحديث بطوله ثم قال: (ثم يتمثل الله للخلق).
أي: يأتي الخلق في صورة يرتضيها الله لنفسه.
قال: (فيلقى اليهود.
فيقول لهم: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً).
انظر إلى الكذابين! (فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه).
أي: إذا أتانا في صورته التي نعرفه بها عرفناه.
(فعند ذلك يكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن ولا مؤمنة إلا خر لله سجداً).
وهذا موقوف حسن على عبد الله بن مسعود، وقد تقدم مرفوعاً.
والحاصل: أن إثبات صفة الساق لله تعالى أمر مقطوع به؛ لثبوت النصوص الصريحة الصحيحة في ذلك عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة، والله أعلم.
стр. 484
خطأ ابن الجوزي في نقله قول الجمهور في صفة الساق لله تعالى
أما ما نقله ابن الجوزي عن جمهور العلماء من أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، أي: يكشف عن شدة، فقول غير صحيح، ومن قرأ الكتب المصنفة في السنة علم خطأ هذا القول وبطلانه؛ فهذا أحمد بن حنبل، وابن خزيمة، وابن منده، والدارمي، وغيرهم كثير جداً قد صنفوا في الاعتقاد، وما رأينا في كتب الاعتقاد المصنفة عند أهل السنة والجماعة أنهم أولوا الساق بالشدة، ولم نجد من هؤلاء من يقوله، وهذا القائل إما أنه لا يعرف من هم السلف، وإما أنه أطلق هذا القول جزافاً دون تحقيق، ولو فرضنا صحة ما نقله ابن الجوزي عن الجمهور فإنه لا يدل على صحة قولهم وبطلان ما عداه؛ لأنه ليس دائماً الحق مع الجمهور، إذ إن كل مسألة من مسائل الدين، سواء في باب الأصول أو الفروع لا نبحث فيها عن رأي الجمهور؛ لأنه ليس ذلك بلازم، والجمهور في أكثر من مسألة قد خالفوا فيها الدليل، لكن الأمة في مجموعها معصومة، بمعنى: أن الحق لا يخفى على مجموعها في زمن ولا في بلد، وإنما الحق لابد أنه يكون ظاهراً في كل زمان وفي كل مكان، حتى وإن ظهر لواحد من الأمة فقط، مثلاً: عندما نأتي إلى قرية (الطالبية) ونذكر مسألة من المسائل فماذا سنقول؟ هل سنقول: إن هذه المسألة قد خفيت على أهل الطالبية بأسرهم؟ لا؛ لأن هذا يخالف سنة الله ﵎، ولأنك لو قلت: إن الحق قد خفي على مجموعة من الناس في مكان أو في زمان، فلابد وأن تعتقد حينئذ أن حجة الله ﵎ تخفى عن عباده وعن خلقه في أي وقت أو في أي مكان، وهذا بخلاف عقيدة المسلمين، بل الحجة تقوم على المسلمين ولو بواحد، ولا يمكن أن يخفى الحق على مجموع الأمة، لا في زمن ولا في مكان، ولذلك لما وقع هذا الخلاف بين ابن عباس وبين الصحابة ﵃ خالفه ابن مسعود.
بل صح السند لـ ابن مسعود في المخالفة، ولم يصح إثبات التأويل عن ابن عباس كما ذكرنا، فنقول في هذه الحالة: على فرض صحة ما ادعى ابن الجوزي من أن مذهب الجمهور هو التأويل، فهل يلزمنا أن نقبل مذهب الجمهور هنا؟ لا.
لأنه قد يكون لشخص من الأشخاص قول لا نعلم له مخالفاً فيكون إجماعاً، ولو علمنا له مخالف لا أقل من أن نقول: إن هذه المسألة قد اختلف فيها الصحابة، وممكن أن يشتهر قول أحد الأصحاب ولا يشتهر القول الثاني، فيأتي بعد ذلك المقلدة فتجدهم يقلدون القول ويلتزمونه نقلاً من الكتب أو سماعاً من المشايخ دون تحقيق لهذا القول، وسائر القول على هذا النحو، من أجل ذلك أنا أحكي لك عن مسألة قال بها ألف واحد من العلماء، لكن هذا الألف بلا تحقيق لا قيمة له، إنما القيمة في التحقيق، وأقول: التحقيق دائماً؛ لأنه عندما يكون هناك مسألة هي محل نزاع بين أهل العلم، فإنهم يعرضونها على المشرحة، وهذه المشرحة هي مشرحة الكتاب والسنة، الميزان الأعظم، هذا الميزان الذي لا يمكن أبداً أن يهتز؛ لأنه الميزان الذي أزن به الأعمال والأقوال، صحيحة أو غير صحيحة، مقبولة أو غير مقبولة، وعليه فمذهب الجمهور على نقل ابن الجوزي -إن صح أن الجمهور قالوا بذلك- مردود ليس عليه دليل، وهم -إن صح ذلك عنهم- نفوا والنافي لا يطالب بالدليل في النقاش العلمي، فالذي ينفي الشيء لا يطالب بالدليل، وبالتالي فالذي يطالب بالدليل هو الذي يثبت؛ لأن معه من العلم والحجة ما ليس عند النافي، وفي هذه الحالة فمسألة الساق اختلف فيها أهل العلم، فجمهورهم ينفيها، وبعضهم يثبتها، فهل تتصور عقلاً أن آتي إلى النافي وأقول له: ما دليلك على نفي الساق؟ سيقول: الأصل عدم إثبات ما نفاه الله عن نفسه، أو لا أثبت لله إلا ما أثبته لنفسه ولم يثبت لنفسه ساقاً.
فسأقول له: إن هذا الفريق الثاني المناهض والمناقض يقول: أن هناك ساقاً، فسيقول: ليأتينا بالدليل، فأقول: الدليل: حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وحديث عبد الله بن مسعود، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وعليه؛ فإذا كانت الآية مطلقة وعامة فلابد من حملها على الحديث المقيد، وأن هذه الساق التي وردت منكرة غير مضافة إلى الله قد وردت في الحديث مضافة وثابتة، وصريحة في إثباتها الساق لله .
وفي هذه الحالة سأقول له: أنت أيها الجمهور! قد خالفك رجل واحد في الأمة، والدليل معه، فضلاً أن يكون هذا الرجل هو عبد الله بن مسعود، أو هو النبي ﵊؛ لأنه هو الذي أثبت، وإذا كنا نعتقد أنه أعلم الخلق بالله فلابد وأننا نقول: بأن حديثه مقدم على مذهب الجمهور.
ثم لو افترضنا مثلاً صحة ما نقله ابن الجوزي عن الجمهور، فلا يدل ذلك على صحة قولهم وبطلان ما عداه، إذ ليس كل قول يذهب إليه الجمهور يكون صواباً، فإن الحق لا يعرف بالكثرة، وإنما يعرف
стр. 485
رد ابن تيمية على من يؤول صفة الساق لله تعالى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في (نقض أساس التقديس)، وهذا الكتاب من أمتع ما يمكن أن يقرأ، وأقول لك: إن كثيراً من الإخوة يعتقدون أنه ليس هناك كتب عقيدة في الإسلام إلا العقيدة الطحاوية، وفتح المجيد، والواسطية فقط، وهذا غلط، بل إن هناك كتباً كثيرة في الاعتقاد، ثم إن العلماء قد صنفوا هذه الكتب من أجلنا نحن فقط، من أجل ذلك فنحن لا نعرف غيرها! ولذا فهم عندما رأوا أننا لا نستطيع أن نفهم أي كلمة من كلام السلف، قالوا: نصنف لهؤلاء الجيل علم على قدر همتهم وفهمهم، حتى يلقوا الله باعتقاد سليم.
إذاً: فنحن لا نتوقف عند هذه الكتب فقط، إذ إنها قد صنفت للمبتدئين في العلم، وأنتم أصبحتم في مستوى كبير، فلابد أن تكبروا عن ذلك قليلاً، فهناك أكثر من ألف مصنف مسند وغير مسند في توحيد الله ، وحاولوا أن تنتهوا من العقيدة الطحاوية من أجل أن تأخذوا مرحلة أعلى قليلاً.
وعلى كل قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في نقض أساس التقديس: إن هؤلاء يتأولون كشفه عن الساق بأنه إظهار الشدة -انظر هذا الكلام الجميل- وفي نفس هذه الأحاديث أنه إذا أتاهم في الصورة التي يعرفونه، فيكشف لهم عن ساقه فيسجدون له، فإذا تأولوا مجيئه في الصورة التي يعرفون على إظهار رحمته وكرامته، كان هذا من التحريف والتناقض في تفسير الكتاب والسنة.
فهو يريد أن يقول: في قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، أن المتأولة يقولون: إن الله ﵎ لا يأتي ولا يجيء ولا يذهب ولا يرضى ولا يسخط ولا يفرح ولا، ينفون كل هذه عن الله ، فيقولون في تفسير قوله تعالى: ((وَجَاءَ رَبُّكَ))، أي: وجاء أمر ربك، أو رحمة ربك، أو رضا ربك، والمهم أن الرب ﵎ عندهم لا يأتي، وعليه فإذا كنتم تفسرون مجيء وإتيان الله بإتيان الرحمة، وأنتم الذين تقولون: لو ظهر لنا بما نعرفه لعرفناه، لكن هو سيعرف لكم بالساق مثلما أبنتم ذلك، فإذا كانت الساق هي الشدة فهل تسجدون لها؟
الجواب
لا.
فإذا قلتم: إن الإتيان والمجيء لله هو إتيان الرحمة، فلا يتصور أنك إذا رأيت رحمة ربك سجدت في هذا الموقف.
واعلم أن هناك أصلاً مهماً جداً لابد وأن تعض عليه بالنواجذ خاصة فيما يتعلق بصفات المولى ، وهو: (حمل الألفاظ على ظاهرها دون تحريف، أو تأويل، أو تمثيل، أو تكييف، أو تشبيه)؛ لأن الأصل في الألفاظ أن تحمل على الحقيقة حتى يرد ما يخرجها عن ذلك.
يعني: إذا كانت الآية تقول: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].
إذاً هي ساق، حتى لو لم نكن متصورين صفة الساق، ولا نصرف هذه الساق عن ظاهرها كما يفعل المبتدعة؛ لأنه لابد أن يكون معك صارف لها أو قرينة على الصرف؛ ولأن الأصل في الألفاظ أنها تحمل على الحقيقة لا على المجاز، سواء المجاز الشرعي أو المجاز اللغوي أو المجاز العقلي.
فقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، أثبتت الآية أن هناك ساقاً، ولا أستطيع أن أقول: بأنها الشدة؛ لأنه لابد من صارف أو قرينة صارفة، واللغة ليست صارفة إلا بشرط: استحالة حمل اللفظ على ظاهره، واللفظ الذي معي أحمله على معناه الاصطلاحي الشرعي، فإن كان محالاً أحمله على الحقيقة اللغوية، وإن كانت الحقيقة اللغوية محالة فأحمله على الحقيقة العرفية، وهذا ترتيب أهل العلم في صرف النص عن ظاهره.
لكن في هذه الحالة عندما يثبت ربنا سبحانه لنفسه الساق، فإننا نحمل هذا اللفظ على حقيقته الشرعية، ولا يمكن أن نتعدى ذلك إلى غيره لأنها خطوات وضعها أهل العلم وأمرونا باتباعها، ولو تخطينا الحقيقة الشرعية في صفة الساق فلابد وأن نتخطاها في جميع الصفات الذاتية لله .
وبهذه المناسبة أذكركم بقاعدة قد مرت وهي: (أن الكلام في صفة واحدة كالكلام في جميع الصفات)، فإذا تخطينا الحقيقة الشرعية في الساق فيلزمنا أن نتخطاها في جميع الصفات.
إذاً: مذهب السلف هو إثبات الألفاظ على حقيقتها وعدم صرفها عن ظاهرها إلا بنص أو قرينة.
وعندما أريد صرف الساق عن ظاهرها، فهل أبحث لها عن صارف؟ لو قلت: نعم.
فلن أجد لها صارف في اللغة، وبعد أن أصرفها عن ظاهرها إلى معناها اللغوي سأجد الحديث قد صرح بأن الساق ساق لله ، إلا إذا كنت سأصرف لفظ الله أو الرب عن ظاهره فأقول: الله هذا، أو الرب هذا مخلوق من المخلوقات! ألا يمكن أن يقول أحد بذلك؛ لأن الحديث: (يوم يكشف الله عن ساقه)، فهل أستطيع أن أتصرف في هذا اللفظ؟ بمعنى أن أقول: ليس المقصود هنا بالله : (الإله المعبود).
إن من يقول بذلك سيكون مجنوناً بلا شك، ولو قلت: إن الله ليس المقصود به: الإله المعبود! سأنظر وأجد الحديث الثاني يقول: (يوم يكشف ربنا عن ساقه).
فلا يجتمع في مخلوق قط لفظ الرب مع لفظ الله، ممكن أن يكون رب البيت، رب الدار، رب الغنم، رب البقر، لكن الرب -بالتعريف-
стр. 486
خطأ الإمام النووي في تأويله لصفة الساق لله تعالى
قال الإمام النووي في تفسير حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم في قوله: (فيكشف عن ساق)؛ قال: فسره ابن عباس وجمهور أهل اللغة بالشدة.
وانتبه أنه قال: جمهور أهل اللغة، وابن الجوزي قال: جمهور العلماء.
أي: علماء الشرع.
لذا فأنت عندما تسمع مذهب الجمهور فالمقصود به: جمهور الفقهاء، لا جمهور اللغويين، فانظر إلى ابن الجوزي كيف عمى علينا وقال وجمهور العلماء؟! والصحيح أنهم جمهور اللغويين الذين قالوا: بأن الساق هي الشدة، ولو قالوا بذلك فلا يعول على كلامهم؛ لأن الساق تعني الشدة في أحد وجوه اللغة، لكن لا يستلزم هذا إنزال هذا المعنى اللغوي على هذا النص؛ لأن هذا يعتبر تلبيساً.
والإمام النووي قد نقل كلاماً عظيماً جداً عن كثير من أهل العلم القائلين بأن الساق تعني الشدة، وهذا على عادة الإمام النووي، فإذا كان مضطرباً في مسألة ما فإنه ينقل أقوال أهل العلم دون أن يرجح، وفي ترجمة الإمام النووي التي ذكرناها من قبل: أنه لم يتمكن من دراسة علم العقيدة، مع أن علم العقيدة متعلق بذات الله ﵎، فأنت الآن عندما تدرس كل العلوم الشرعية ولست متمكناً من العقيدة فسيخرج لك صبي في الكتاب يعدل عليك، لكن في الفقه عندما تخطئ أو تتبنى مذهباً شاذاً لا يكون لذلك تأثير، أو غير ذلك.
يعني: نحن مثلاً: عندما نعيب على ابن حزم، أو نعيب على أحد من أهل العلم مذهباً قد ذهب إليه في مسائل الفروع في الفقه، فلا يكون لذلك تأثير، لكن عندما نقول: فلان هذا جهمي، رغم أنه فقيه، فلان هذا معطل، رغم أنه محدث، فلان هذا قدري، رغم أنه كذا كذا، فلان هذا شيعي، رغم أنه كذا وكذا، فسيكون ذلك أمراً شنيعاً جداً؛ لأن الخطأ في العقيدة ليس كأي خطأ قط، ولذلك ينبغي أن تتنبه إلى أن دراسة علم الاعتقاد والتمكن منه على مذهب السلف ومعرفة أصولهم التي أصلوها وساروا عليها، أهم شيء في حياة العبد المسلم.
ولذلك يقول أهل العلم: وهذا من العلم الذي لا يسع المسلم جهله، إذ إن من العلوم ما يمكن أن يسعك جهله، ومنها ما لا يمكن أن يسعك جهله، وعلى رأس ذلك: علم الاعتقاد والتوحيد فلا يسعك جهله.
وعلم العقيدة لا يتوقف على أنك تذهب لتتزوج فيأتون لك بالبنت من أجل أن تراها، وتقول لها: أين الله؟ فتقول لك: في السماء.
فتقول: يكفي.
هذه البنت سلفية (١٠٠%).
هذه خيبة! إذ إنه لم يثبت أن واحداً من السلف تقدم لخطبة امرأة واختبرها، بل كان يتلصص إلى أن يرى جزءاً من بدنها، فينظر ما يعجبه ويسره فيتقدم لها، لذا فلا يصح أن يتقدم شخص لفتاة فيخرج هذه الورقة من جيبه ويسأل هذه الأسئلة.
ورحم الله الشوكاني فإنه قال في تفسير سورة القلم: وقد أغنانا الله في تفسير هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] بما صح عن النبي ﷺ ، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً، فليس كمثله شيء.
فانظر إلى هذا الكلام الجميل، فالحديث يبين الآية، وقد بين أن المقصود من الساق في الآية هي ساق الله ، فنثبتها من غير تجسيم ولا تمثيل مثل بقية الصفات، ولا يصح أن نخصها بكلام بمفردها، فهي مثل العين واليد، والقدم والأصابع والكف والأنامل وغيرها، فنقول فيها كما نقول في بقية الصفات.
стр. 487
إثبات الصحابة جميعاً لآيات وأحاديث الصفات من غير تحريف ولا تأويل
أخذ المتأوله ما نقل عن ابن عباس من تأويل لهذه الآية فطاروا به كل مطار، وإذا كانوا يريدون أن يأخذوا بكلمة ابن عباس هنا، فيلزمهم أن يأخذوا بكلام ابن عباس في كل الصفات، وهذا هو منهج ابن عباس، بل إن أقصى ما يمكن أن يدافع به عن ابن عباس: أن ابن عباس لم يكن عنده علم بالحديث، فحمل الساق على المحمل اللغوي، ولو كان عنده علم بالحديث ما قال هذا قط.
والحق أن تفسير ابن عباس للساق الذي ورد في الآية الكريمة ليس من تأويل الأشاعرة؛ لأنه ليس منهج ابن عباس، بل هو رأي رآه، وهذا على فرض ثبوت هذا التأويل عنه، وهو غير ثابت.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الذي أقوله الآن وأكتبه، وإن كنت لم أكتبه في ما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس -هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات ليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير.
وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]-أي: يريد أن يقول: إن هذا ليس كلام الصحابة، بل لم يختلفوا إلا في تفسير هذه الصفة- فروي عن ابن عباس -صيغة التمريض- وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة.
وعن أبي سعيد وطائفة: عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.
اهـ.
وقال ابن القيم: و (الصحابة متنازعون في تفسير الآية، هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب يكشف عن ساقه؟ ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع) اهـ.
لكن هنا جملة أمور وحقائق لا يجوز لأحد أن يتعداها، أو أن يغض نظره عنها، وهي أن الخلاف وقع بين الصحابة إلا أنه في هذه الصفة فقط؛ لأن التأويل ليس مذهبهم بتأويل الساق بالشدة.
وابن القيم يريد أن ينصحنا بنصائح، وكأنه يقول: رغم وقوع النزاع في هذه الصفة إلا أن هناك عدة نصائح أريد أن أنصحكم بها، وهي: أن تفسير بعض التابعين أو ابن عباس من الصحابة -على فرض صحته عنهم- لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] بالشدة في الآخرة ليس من التأويل الذي فيه صرف للآية عن ظاهرها.
أي: أنه ليس تأويل الأشاعرة، ولا فيه تعطيل لصفة من صفات الله جل وعلا، بل إنهم يثبتون هذه الصفة بالأحاديث الأخرى الصحيحة، فشتان بين قولهم وبين تعطيل وتأويل الأشاعرة.
كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات.
أي: أنه يريد أن يقول: إن الآية ليست صريحة في إثبات أن أن الساق صفة لله ، وإنما أتى التصريح في الحديث.
ثم قال: ولا ريب -أي: ولا شك- أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل (عن ساقه)، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنها من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إذ إن التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف، لكن كثيراً من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولاً له، كاليد على القدرة والنعمة، والعين على الإحاطة والرعاية، ثم يريدون صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلاً، وهذا خطأ من وجهين.
وقد سبقه أبو يعلى الفراء فحمل تأويل ابن عباس على قول أهل اللغة، وليس على التأويل الفاسد الذي هو مذهب الأشاعرة.
وأما ما روي عن ابن عباس في تأويل الساق فقد خالفه ابن مسعود، ولا أقل من أن يقال: إن الصحابة اختلفوا في هذه، وليس قول أحدهم بحجة على قول الآخر إلا بدليل أو بنص، والنص مع ابن مسعود لا مع ابن عباس ﵁ الله عنهما، وعليه فلا إشكال إذاً.
وأظن بذلك الكفاية والغنية، وقد اتضح أن لله ﵎ ساقاً ليست كساق المخلوق، وأنها ساق حقيقية لله يتعرف بها إلى خلقه في الموقف، وأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قد أخطأ في صرف هذه الصفة إلى المعنى اللغوي، وهذا إن صح عنه ذلك، وإن لم يصح فقد أغنانا ضعف الإسناد إليه عن نسبة التأويل له رضي
стр. 488
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة الكلام لله
منهج أهل السنة والجماعة في صفات الله أنها صفات تليق به سبحانه، لا يجوز فيها التمثيل ولا التشبيه ولا التكييف ولا التأويل، بل يجب إثباتها كما أثبتها الله لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته، ومن ذلك ما ورد أن لله يدين وعينين ووجهاً وقدماً ورجلاً، وغيرها من الصفات الذاتية، كما نثبت لله صفة الكلام وهي صفة ذاتية وفعلية، فهو تعالى يتكلم وقتما يشاء، بحرف وصوت ليس كحرف وصوت المخلوقين.
стр. 489
مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الكلام لله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
فكنا نتكلم عن صفات للمولى ﵎ تثبت بالسمع ولا شك أنها تثبت بالعقل كذلك، فصفة الكلام -مثلاً- لله لا بد للعقل أن يتصور أن الله يتكلم، فلو فرض أنه لم يأت نص سمعي يثبت أن الإله يتكلم بحرف وصوت للزم أن يتصور العقل أن هذا الإله لابد أن يكون متكلماً، بخلاف الصفات الأخرى فإنها لا تثبت بالعقل، بل تثبت بالسمع فقط.
أي: بالمنقول أو بالخبر؛ ولذلك يسميها أهل العلم: الصفات الخبرية، أو الصفات السمعية؛ لأن إيماننا بها يتوقف على السمع، والسمع هو النص -أي: المنقول- بخلاف العقل؛ ولذلك يسمي أهل العلم الصفات الذاتية لله بالصفات السمعية والخبرية، يعني: لا تثبت عن طريق العقل، وإنما تثبت عن طريق النص، وتثبت عن طريق السمع، كصفة اليد والعين والرجل والقدم والأصابع وغير ذلك من الصفات الذاتية للمولى لا يمكن أبداً أن أثبتها لله تعالى صفة ذاتية أصلية من مصدر الاجتهاد؛ وذلك لأن العقل محرم عليه أن يتصور ذات الإله وصفاته الذاتية، وإلا وقعت في تشبيه الله بأحد مخلوقاته، فلابد أن أتوقف في إثبات هذه الصفات إلا إذا ورد في ذلك النص، فإذا أثبت النص أن لله وصفاً أثبتناه، وإذا نفى النص عن الله وصفاً نفيناه؛ لأننا لم نر الله .
إذاً: يتوقف إيماننا بصفات الله تعالى الذاتية على الخبر، وعلى النص الوارد إلينا؛ ولذلك نقول: إن صفات الله الذاتية صفات خبرية بحتة لا مجال للعقل فيها، بخلاف صفات أخرى كصفة الكلام، فهب أنه إذا لم يرد نص أن الله تعالى يتكلم فإنه لابد أن يتصور العقل أن الإله لابد أن يكون متكلماً، فصفة الكلام تثبت بالسمع وبالعقل، وهذه الصفة صفة ذات وصفة فعل.
صفة الكلام صفة ذات وصفة فعل؛ لأن الله ﵎ أثبت لنفسه صفة الكلام فهي صفة ذاتية له، إذا شاء تكلم وإذا شاء لم يتكلم، وهذا معناه: أنها صفة فعلية.
بمعنى: إذا شاء فعل الكلام وإذا شاء لم يفعل، له ذلك وله ذلك.
فإن الله تعالى يتكلم في أي وقت شاء، وبأي كلام شاء، وله ألا يتكلم في وقت، وأن يتكلم في وقت آخر ، يفعل ما يشاء.
فالكلام صفة ذاتية وصفة فعلية.
أي: لها تعلق بفعله ﵎، وفعله يختلف عن أفعال المخلوقين، فإذا قلنا: إن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت لا يلزم من ذلك أنه يتكلم ككلامي هذا الذي يخرج من لساني ومن فمي بحرف وصوت، فالحرف معلوم لديكم والصوت أنتم تسمعونه، أما الله فإنه يتكلم بحرف وصوت ليس بحرف كحرفي وصوت كصوتي، ولكنه يتكلم بكيفية لا يعلمها إلا هو ﵎؛ لأنني لو قلت: إن المولى يتكلم ككلامي أو ينطق بنفس الطريقة التي أنطق بها للزم من ذلك أن نثبت أن لله تعالى فماً؛ لأنه لو لم يكن لي فم ما استطعت أن أتكلم، ولو لم يكن لي لسان ما استطعت أن أتكلم، وإن الله لم يتكلم عن إثبات صفة الفم أو اللسان له سبحانه، فيحرم على المرء أن يثبت للمولى صفة لم يثبتها لنفسه؛ ولا أنفي ذلك ولا أثبته؛ لأن النص سكت عنه.
فإن قيل: إذا لم يكن له فم ولا لسان فكيف يتكلم؟
الجواب
أنه يتكلم حيث شاء وكيف شاء، ولا يلزم من كلامه المماثلة والمشابهة بين كلامه وكلام المخلوقين، فإنه يتكلم بكيفية وطريقة لا يعلمها إلا هو ، ولما كان الكلام صفة من صفات المولى لزم أن نؤمن بهذا كما ورد، ولا نخوض في الكيفية، والكلام في صفة الكلام كالكلام في بقية الصفات، فالله أثبت لنفسه صفة اليد، وأثبت لنفسه العين والأصابع والقدم وأثبت أنه يضحك، وأثبت الساق وغير ذلك.
ولذلك عقد المصنف اللالكائي عليه رحمة الله هذا الباب لإثبات هذه الصفات من جهة السمع والخبر، وأفردها بباب مستقل، كأنه يشير إلى أن هذه الصفات ع
стр. 490
سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله على أن من صفات الله الوجه والعينين واليدين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن من صفات الله الوجه والعينين واليدين].
وسكت، ولكنه ذكر في نفس الباب صفة الأصابع والقدم والضحك والساق والكلام، ولعله لم يقصد أن يتطرق إلى ما لم يذكره في التبويب بخلاف الذي ذكره من الوجه والعينين واليدين.
стр. 491
الأدلة على إثبات أن لله وجهاً يليق به سبحانه
قال: [قال الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]].
هذه الآية أثبتت أن لله وجهاً، لكن هل وجه الله كوجوه المخلوقين؟ من أراد أن يشبه وجه الله بوجهه نقول له: لم اخترت لله بالذات أن يكون وجهه كوجه بني آدم، فجميع المخلوقات لها وجوه؛ فلم لم يختر المولى أن يكون وجهه كوجه غير بني آدم من المخلوقات؟ إذا طرح عليه هذا السؤال لابد أنه سيعجز عن الجواب، فإذا قال: إن الله تعالى يخاطب بني آدم فقط، وأنه يخاطبهم بما يعرفون، وإنما يعرفون من أنفسهم الوجه.
نقول: لو كان وجه الله كوجهك للزم أن يكون من ذلك أن ذاته كذاتك، فهل تقول بذلك؟ لابد أنه سيقول: لا.
إن ذات الإله تختلف عن ذوات المخلوقين جميعاً من بني آدم وغيرهم.
فنقول: وكذلك صفاته تختلف عن صفات المخلوقين، ومنها الوجه.
ولذلك الذين أولوا الوجه بالنعمة ليس لديهم حجة ولا برهان، والذين قالوا: إن الوجه هو الذات: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] قالوا: المراد هنا بالوجه: الذات العلية.
نقول لهم: إن هذا تأويل باطل وفاسد كذلك؛ لأنك إذا قلت: إن الوجه هو الذات لابد أنك تنفي عن الله حقيقة الوجه؛ لأن الوجه عندك هي الذات، ولو قلت بذلك للزمك أن تنفي عن الله صفة الوجه، وهذا طبعاً كلام لا يقول به إلا خلفي متأول، أما السلف فإنهم أثبتوا لله ﵎ الوجه وقالوا: المراد بالوجه هو وجه الرحمن ﵎، فأثبتوا الوجه على النحو الذي يليق بجلاله وكماله، ولم ينفوه بتأويل الخلف أن الوجه هو الذات؛ لأن الذي يقول: الوجه هو الذات يقول: لا وجه؛ لأن الوجه عبارة عن ذات الإله، وهم ظنوا أنهم ينزهون المولى عن مشابهة المخلوقين.
فما الذي حدا بهم إلى هذا التمثيل وهذا التشبيه؟ وما الذي يمنعهم أن يثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه على الوجه اللائق به سبحانه، ويؤمنون بذلك.
صفة الوجه ثابتة بالله ، ليس كوجوه المخلوقين، وليس الوجه هو ذات الله ؛ لأن هذا تأويل الخلف، فيحرم أن تصرف صفة من صفات الله عن معناها وعن حقيقتها التي أرادها المولى منك، كما يحرم عليك أن تؤولها وأن تلوي عنقها لتصرفها عن ظاهرها.
قال: [وقال الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]].
فأثبت كذلك في هذه الآية أن له وجهاً .
стр. 492
الأدلة على إثبات أن لله يدين تليقان به سبحانه
قال: [وقال الله : ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]].
أي: ما الذي منعك يا إبليس! أن تسجد لآدم الذي خلقته أنا بيدي، .
يقولون نفياً ليدي الله : اليد بمعنى: القدرة.
واليد بمعنى: النعمة.
وهذا كلام بعيد جداً، وفيه غلو كما أن فيه تعطيلاً، فروا بزعمهم مما يسمى تشبيهاً فوقعوا في التعطيل.
أي: جردوا الذات العلية من تلك الصفات الخبرية السمعية.
فالله قال لإبليس: ما منعك أن تسجد لآدم الذي خلقته بيدي؟ فإذا كانت اليد هنا بمعنى النعمة فليس لآدم فضل على بقية المخلوقات؛ لأنه في هذه الحالة لابد أن الله خلق الخلق جميعاً بنعمته، فلم يقول عن آدم بالذات - ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]- إذا كانت اليد هي النعمة؟ كما تقول: فلان له علي يد -يعني: له علي جميل ونعمة- وهذا معروف في كلام العرب.
وهذا الذي أوقع الخلف في صرف النص عن ظاهره، فاعتمدوا فقط على بعض ما ورد في كلام العرب من أن اليد يقصد بها النعمة، وقالوا كذلك: اليد هنا بمعنى القوة.
فمعنى: ((خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)) أي: خلقت بقوتي؛ لأنه ثنى اليد: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ولم يقل: بيدِي، وإنما قال: بيدَيَّ.
فإذا قلنا: إن اليد بمعنى القوة -كما يقول الخلف- فيلزمنا أن يكون التأويل هكذا: ما منعك أن تسجد لما خلقت بقوتيَّ.
ولم يقل أحد: إن لله قوتين؛ حتى يكون التأويل: خلقت بقوتيَّ.
ثم إن الله ﵎ أثبت لنفسه اليد وأثبت لنفسه القدرة والقوة، فكونك تجعل صفة مركبة على صفة أخرى فإنه يستلزم تعطيل الصفة التي حملتها على الثانية، فأنت تقول: اليد بمعنى القدرة أو اليد بمعنى القوة، وإذا كان الله تعالى أثبت لنفسه القوة والقدرة واليد، فكونك تؤول اليد بالقدرة والقوة، فالقدرة والقوة من الأساس موجودة وثابتة لله ، ولكن تأويلك اليد بالقدرة والقوة ينفي صفة اليد عن المولى ، وستأتي معنا نصوص لإثبات أن هذا التأويل الخلفي تأويل باطل كذلك.
قال: [وقال : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]].
فهل يستقيم أن نقول: بل نعمتاه مبسوطتان؟ أو بل قوتاه مبسوطتان ينفق كيف يشاء؟ هذا كلام لا يستقيم حتى في لغة العرب.
قال: [وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]].
فأثبت العين.
قال: [وقال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧].
وقال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]].
إثبات لصفة اليد كذلك.
стр. 493
كلام بعض السلف في إثبات أن لله عيناً ووجهاً
قال: [وعن الزبير بن العوام: أنه سئل بوجه الله -يعني: قيل: أعطني لوجه الله- فقال: أعطه، فإنه بوجه الله سأل لا بوجه الخلق].
وهذا يثبت أن صفة الوجه كانت ثابتة عند السلف.
قال: [وعن القاسم بن محمد: أنه سئل بوجه الله فقال: لا يفلح من رده].
أي: لا يفلح من رد سائلاً سأل بوجه الله.
وهذا يعني: أن صفة الوجه ثابتة لديهم.
стр. 494
حديث: (أن الله سبحانه خط التوراة بيده)
قال: [عن طاوس سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : (احتج آدم وموسى)] يعني: كانت بينهما محاجة، كلٌ منهما يذكر حجته على الآخر، كأنها خصومة أو مناظرة: [(احتج آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة)].
أي: بسبب فعلك يا آدم! كنت سبباً في طرد الخليقة من الجنة، وذلك لما طردك الله وأهبطك على الأرض، وكانت بعد ذلك الذرية والنسل، فكان موطن الذرية الأرض لا الجنة، فأنت الذي خيبتنا، وأنت الذي أخرجتنا من الجنة.
قال: [قال له آدم: (أنت موسى اصطفاك الله بكلامه)].
وهذا إثبات لصفة الكلام لله ، وأن الله كلم موسى تكليماً من وراء حجاب، فموسى سمع كلام الله بنفسه لا عن طريق الوحي، ولا عن طريق جبريل ﵇، وإنما سمع موسى كلام المولى .
والجعد بن درهم -ذلك المبتدع الأثيم- أنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وأن الله كلم موسى تكليماً، وقام خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحى وخطب الناس، ثم نزل من على سلم المنبر وقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله منا ومنكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم؛ لأنه أنكر أن الله تعالى كلم موسى تكليماً، وأنه اتخذ إبراهيم خليلاً.
فذبح الجعد بن درهم عند أصل المنبر.
أي: عند أول عتبة المنبر، مع أن الجعد استجار بعد ذلك؛ وكأنه يريد أن يعتذر من مقالته خوف القتل، ولكن خالد القسري لم يأبه لذلك وقال: إن هذه مقولة صار لها أتباع، وصار لها متقولون يتقولون بها ويجهرون بها.
فقتله لخطورته، كما أن الذي أتى به الجعد هو كفر بواح، فلو قتله لكفره اجتهاداً لكان هذا اجتهاداً سائغاً، ولو قتله لعظيم بدعته التي انتشرت في العامة والخاصة لكان قتله كذلك لمنع الفتنة أمراً جائزاً في الشرع، فعلى الوجهين قد أصاب خالد بن عبد الله القسري.
قال: [قال آدم لموسى: (أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده)].
والضمير يعود على يد الله .
أي: أن الله تعالى هو الذي كتب التوراة بيده، وهذا هو الأمر الثاني الذي فعله الله بيده الشريفة، خلق آدم بيديه، وكتب التوراة بيده.
وقال في رواية أخرى: (يا موسى! ألم تعلم أن الله ﵎ خط التوراة بيده قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال: بلى).
وهذا إقرار من موسى ﵇ أن الله كتب التوراة في الأزل قبل أن يخلق آدم وقبل أن يخلق الخلق.
ومعلوم أن بين آدم ونوح عشرة قرون، وقبل نوح -بل وقبل الخلق أجمعين بأربعين سنة- خط الله التوراة بيده، وكتب في التوراة الخطيئة التي ستقع من آدم، وأن آدم بعد عصيانه سيتوب ويستغفر وينيب إلى ربه.
فقال له: وأن الله خط لك التوراة بيده، وكتب فيها ما قد وقع مني، وأنه أمر قدره علي قبل أن يخلق السماوات والأرض بأربعين سنة.
قال: [(تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟)].
إن كتاب التوراة هو الكتاب الذي أرسل به موسى، وبين موسى وآدم عشرة قرون، وقبل خلق آدم بأربعين سنة خط الله التوراة بيده ويمينه، ثم أثبت في هذه التوراة أن آدم سيعصي، وسيتبع شيطانه فيما يسول له ويجمل من الأكل من شجرة في الجنة؛ طلباً للخلد، فعصى آدم ربه فغوى.
ثم قال آدم لموسى: أتلومني على ذلك؟ هذا أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة! فلو أننا اعتبرنا أن القرن (١٠٠) عام إذاً: قبل (١٠٤٠) سنة كتب الله في التوراة أن آدم سيعصي ولكن هذا على سبيل المثال.
قال النبي ﵊: [(فحج آدم موسى)] يعني: فارتفعت حجة آدم على حجة موسى.
قال: [أخرجه البخاري ومسلم].
ولكن ربما ينطبع في أذهان الحاضرين أنه يجوز للمرء أن يحتج بالقدر على المعصية، فيقول: آدم نفسه قال: (أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟).
يعني: هذا مكتوب في اللوح المحفوظ.
فنقول: إن إجماع أهل السنة والجماعة على أنه لا يجوز لأحد أن يحتج بالقدر على المعاصي.
الأمر الثاني: الفارق بين من يحتج بالقدر على المعصية وبين آدم: أن آدم لما عصى تاب إلى الله ، وهذا لم يتب.
الأمر الثالث: أن آدم قال ذلك وهو ليس في دار التكليف، وأنت تحتج بالقدر على المعصية وأنت في دار التكليف.
فمن هذه الفوارق لا يجوز لأحد أن يعتمد على القدر في استباحة واستجازة معاصيه، وهذا الأمر محل اتفاق بين العلماء في عدم الجواز.
стр. 495
حديث: (إن الله يبسط يده بالليل والنهار للتائبين)
قال: [عن أبي موسى: إن النبي ﷺ قال: (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، حتى تطلع الشمس من مغربها) أخرجه مسلم].
الإمام المازري قال: اليد هنا بمعنى: القبول.
يعني: ليست هي اليد الحقيقية، وإنما اليد بالنسبة للمولى بمعنى قبول توبة العبد إذا تاب إلى الله .
إذاً: يكون التقدير هكذا: إن الله تعالى يقبل توبة عبده الذي عصى بالنهار إذا تاب في الليل، ويقبل توبة عبده بالليل إذا عصى في النهار.
وهذا كلام لا يستقيم مع معتقد أهل السنة والجماعة في اليد، فاليد هي اليد الحقيقية لله التي تثبت على الوجه الأكمل اللائق به ﵎، ولو قلنا: إن اليد عبارة عن قبول التوبة، أو أن اليد هي النعمة أو هي القدرة، فلابد أن يكون هذا الحديث في نهاية الأمر لا معنى له.
والإمام النووي عليه رحمة الله ينقل عن المازري، لم يكن ضليعاً في مسائل الاعتقاد.
لا أقول: إنه أشعري وإن كان يتبنى مذهب الأشاعرة في بعض الأحيان، وليس حال الإمام النووي بأحسن من حال ابن الجوزي، فكلاهما مضطرب في أمر الاعتقاد، خاصة في باب الصفات، فهما تارة ينافحان ويدافعان عن مذهب السلف بكل ما أوتيا، ويقولان: نؤمن بهذه الصفات ونمرها كما جاءت، ولا نخوض فيها بتأويل ولا تعطيل، بل نثبتها على الوجه اللائق بالله ، وتارة يقولان: لابد من تأويل هذه الصفة؛ لأن الأمر لا يستقيم في أذهانهم على المنهج الأول وهو منهج السلف.
وتارة نسمع أن مذهب السلف أسلم وأن مذهب الخلف أعلم وأحكم، وهذا الكلام في غاية الخطورة؛ لأنه يجعل من التأويل وصرف النصوص عن ظاهرها علماً أزيد وحكمة أوسع مما كان عليه السلف رضي الله ﵎ عنهم، ولم يثبت أن النبي ﵊ تعرض لصفة من الصفات بالتأويل، أو صرفها عن ظاهرها المعلوم لدى النطق بها وسماعها لدى أصحابه الكرام ﵃ أجمعين، كما لم يثبت أن صاحباً من أصحاب رسول الله سأل عن معنى اليد أو العين أو الساق أو القدم لله ، وإنما آمنوا بها على حقيقتها اللائقة بالله ، وأمروها دون أن يخوضوا فيها؛ لعلمهم أن ذات الإله تختلف عن ذوات المخلوقين، فأثبتوا هذه الصفات لله على الوجه الذي يليق بذاته العلية ﵎، فقال: (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها).
следующие страницы →