Полный текст (1 284 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الأدلة على إثبات أن لله وجهاً يليق به سبحانه
قال: [قال الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]].
هذه الآية أثبتت أن لله وجهاً، لكن هل وجه الله كوجوه المخلوقين؟ من أراد أن يشبه وجه الله بوجهه نقول له: لم اخترت لله بالذات أن يكون وجهه كوجه بني آدم، فجميع المخلوقات لها وجوه؛ فلم لم يختر المولى أن يكون وجهه كوجه غير بني آدم من المخلوقات؟ إذا طرح عليه هذا السؤال لابد أنه سيعجز عن الجواب، فإذا قال: إن الله تعالى يخاطب بني آدم فقط، وأنه يخاطبهم بما يعرفون، وإنما يعرفون من أنفسهم الوجه.
نقول: لو كان وجه الله كوجهك للزم أن يكون من ذلك أن ذاته كذاتك، فهل تقول بذلك؟ لابد أنه سيقول: لا.
إن ذات الإله تختلف عن ذوات المخلوقين جميعاً من بني آدم وغيرهم.
فنقول: وكذلك صفاته تختلف عن صفات المخلوقين، ومنها الوجه.
ولذلك الذين أولوا الوجه بالنعمة ليس لديهم حجة ولا برهان، والذين قالوا: إن الوجه هو الذات: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] قالوا: المراد هنا بالوجه: الذات العلية.
نقول لهم: إن هذا تأويل باطل وفاسد كذلك؛ لأنك إذا قلت: إن الوجه هو الذات لابد أنك تنفي عن الله حقيقة الوجه؛ لأن الوجه عندك هي الذات، ولو قلت بذلك للزمك أن تنفي عن الله صفة الوجه، وهذا طبعاً كلام لا يقول به إلا خلفي متأول، أما السلف فإنهم أثبتوا لله ﵎ الوجه وقالوا: المراد بالوجه هو وجه الرحمن ﵎، فأثبتوا الوجه على النحو الذي يليق بجلاله وكماله، ولم ينفوه بتأويل الخلف أن الوجه هو الذات؛ لأن الذي يقول: الوجه هو الذات يقول: لا وجه؛ لأن الوجه عبارة عن ذات الإله، وهم ظنوا أنهم ينزهون المولى عن مشابهة المخلوقين.
فما الذي حدا بهم إلى هذا التمثيل وهذا التشبيه؟ وما الذي يمنعهم أن يثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه على الوجه اللائق به سبحانه، ويؤمنون بذلك.
صفة الوجه ثابتة بالله ، ليس كوجوه المخلوقين، وليس الوجه هو ذات الله ؛ لأن هذا تأويل الخلف، فيحرم أن تصرف صفة من صفات الله عن معناها وعن حقيقتها التي أرادها المولى منك، كما يحرم عليك أن تؤولها وأن تلوي عنقها لتصرفها عن ظاهرها.
قال: [وقال الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]].
فأثبت كذلك في هذه الآية أن له وجهاً .
стр. 492
الأدلة على إثبات أن لله يدين تليقان به سبحانه
قال: [وقال الله : ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]].
أي: ما الذي منعك يا إبليس! أن تسجد لآدم الذي خلقته أنا بيدي، .
يقولون نفياً ليدي الله : اليد بمعنى: القدرة.
واليد بمعنى: النعمة.
وهذا كلام بعيد جداً، وفيه غلو كما أن فيه تعطيلاً، فروا بزعمهم مما يسمى تشبيهاً فوقعوا في التعطيل.
أي: جردوا الذات العلية من تلك الصفات الخبرية السمعية.
فالله قال لإبليس: ما منعك أن تسجد لآدم الذي خلقته بيدي؟ فإذا كانت اليد هنا بمعنى النعمة فليس لآدم فضل على بقية المخلوقات؛ لأنه في هذه الحالة لابد أن الله خلق الخلق جميعاً بنعمته، فلم يقول عن آدم بالذات - ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]- إذا كانت اليد هي النعمة؟ كما تقول: فلان له علي يد -يعني: له علي جميل ونعمة- وهذا معروف في كلام العرب.
وهذا الذي أوقع الخلف في صرف النص عن ظاهره، فاعتمدوا فقط على بعض ما ورد في كلام العرب من أن اليد يقصد بها النعمة، وقالوا كذلك: اليد هنا بمعنى القوة.
فمعنى: ((خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)) أي: خلقت بقوتي؛ لأنه ثنى اليد: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ولم يقل: بيدِي، وإنما قال: بيدَيَّ.
فإذا قلنا: إن اليد بمعنى القوة -كما يقول الخلف- فيلزمنا أن يكون التأويل هكذا: ما منعك أن تسجد لما خلقت بقوتيَّ.
ولم يقل أحد: إن لله قوتين؛ حتى يكون التأويل: خلقت بقوتيَّ.
ثم إن الله ﵎ أثبت لنفسه اليد وأثبت لنفسه القدرة والقوة، فكونك تجعل صفة مركبة على صفة أخرى فإنه يستلزم تعطيل الصفة التي حملتها على الثانية، فأنت تقول: اليد بمعنى القدرة أو اليد بمعنى القوة، وإذا كان الله تعالى أثبت لنفسه القوة والقدرة واليد، فكونك تؤول اليد بالقدرة والقوة، فالقدرة والقوة من الأساس موجودة وثابتة لله ، ولكن تأويلك اليد بالقدرة والقوة ينفي صفة اليد عن المولى ، وستأتي معنا نصوص لإثبات أن هذا التأويل الخلفي تأويل باطل كذلك.
قال: [وقال : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]].
فهل يستقيم أن نقول: بل نعمتاه مبسوطتان؟ أو بل قوتاه مبسوطتان ينفق كيف يشاء؟ هذا كلام لا يستقيم حتى في لغة العرب.
قال: [وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]].
فأثبت العين.
قال: [وقال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧].
وقال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]].
إثبات لصفة اليد كذلك.
стр. 493
كلام بعض السلف في إثبات أن لله عيناً ووجهاً
قال: [وعن الزبير بن العوام: أنه سئل بوجه الله -يعني: قيل: أعطني لوجه الله- فقال: أعطه، فإنه بوجه الله سأل لا بوجه الخلق].
وهذا يثبت أن صفة الوجه كانت ثابتة عند السلف.
قال: [وعن القاسم بن محمد: أنه سئل بوجه الله فقال: لا يفلح من رده].
أي: لا يفلح من رد سائلاً سأل بوجه الله.
وهذا يعني: أن صفة الوجه ثابتة لديهم.
стр. 494
حديث: (أن الله سبحانه خط التوراة بيده)
قال: [عن طاوس سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : (احتج آدم وموسى)] يعني: كانت بينهما محاجة، كلٌ منهما يذكر حجته على الآخر، كأنها خصومة أو مناظرة: [(احتج آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة)].
أي: بسبب فعلك يا آدم! كنت سبباً في طرد الخليقة من الجنة، وذلك لما طردك الله وأهبطك على الأرض، وكانت بعد ذلك الذرية والنسل، فكان موطن الذرية الأرض لا الجنة، فأنت الذي خيبتنا، وأنت الذي أخرجتنا من الجنة.
قال: [قال له آدم: (أنت موسى اصطفاك الله بكلامه)].
وهذا إثبات لصفة الكلام لله ، وأن الله كلم موسى تكليماً من وراء حجاب، فموسى سمع كلام الله بنفسه لا عن طريق الوحي، ولا عن طريق جبريل ﵇، وإنما سمع موسى كلام المولى .
والجعد بن درهم -ذلك المبتدع الأثيم- أنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وأن الله كلم موسى تكليماً، وقام خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحى وخطب الناس، ثم نزل من على سلم المنبر وقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله منا ومنكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم؛ لأنه أنكر أن الله تعالى كلم موسى تكليماً، وأنه اتخذ إبراهيم خليلاً.
فذبح الجعد بن درهم عند أصل المنبر.
أي: عند أول عتبة المنبر، مع أن الجعد استجار بعد ذلك؛ وكأنه يريد أن يعتذر من مقالته خوف القتل، ولكن خالد القسري لم يأبه لذلك وقال: إن هذه مقولة صار لها أتباع، وصار لها متقولون يتقولون بها ويجهرون بها.
فقتله لخطورته، كما أن الذي أتى به الجعد هو كفر بواح، فلو قتله لكفره اجتهاداً لكان هذا اجتهاداً سائغاً، ولو قتله لعظيم بدعته التي انتشرت في العامة والخاصة لكان قتله كذلك لمنع الفتنة أمراً جائزاً في الشرع، فعلى الوجهين قد أصاب خالد بن عبد الله القسري.
قال: [قال آدم لموسى: (أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده)].
والضمير يعود على يد الله .
أي: أن الله تعالى هو الذي كتب التوراة بيده، وهذا هو الأمر الثاني الذي فعله الله بيده الشريفة، خلق آدم بيديه، وكتب التوراة بيده.
وقال في رواية أخرى: (يا موسى! ألم تعلم أن الله ﵎ خط التوراة بيده قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال: بلى).
وهذا إقرار من موسى ﵇ أن الله كتب التوراة في الأزل قبل أن يخلق آدم وقبل أن يخلق الخلق.
ومعلوم أن بين آدم ونوح عشرة قرون، وقبل نوح -بل وقبل الخلق أجمعين بأربعين سنة- خط الله التوراة بيده، وكتب في التوراة الخطيئة التي ستقع من آدم، وأن آدم بعد عصيانه سيتوب ويستغفر وينيب إلى ربه.
فقال له: وأن الله خط لك التوراة بيده، وكتب فيها ما قد وقع مني، وأنه أمر قدره علي قبل أن يخلق السماوات والأرض بأربعين سنة.
قال: [(تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟)].
إن كتاب التوراة هو الكتاب الذي أرسل به موسى، وبين موسى وآدم عشرة قرون، وقبل خلق آدم بأربعين سنة خط الله التوراة بيده ويمينه، ثم أثبت في هذه التوراة أن آدم سيعصي، وسيتبع شيطانه فيما يسول له ويجمل من الأكل من شجرة في الجنة؛ طلباً للخلد، فعصى آدم ربه فغوى.
ثم قال آدم لموسى: أتلومني على ذلك؟ هذا أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة! فلو أننا اعتبرنا أن القرن (١٠٠) عام إذاً: قبل (١٠٤٠) سنة كتب الله في التوراة أن آدم سيعصي ولكن هذا على سبيل المثال.
قال النبي ﵊: [(فحج آدم موسى)] يعني: فارتفعت حجة آدم على حجة موسى.
قال: [أخرجه البخاري ومسلم].
ولكن ربما ينطبع في أذهان الحاضرين أنه يجوز للمرء أن يحتج بالقدر على المعصية، فيقول: آدم نفسه قال: (أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟).
يعني: هذا مكتوب في اللوح المحفوظ.
فنقول: إن إجماع أهل السنة والجماعة على أنه لا يجوز لأحد أن يحتج بالقدر على المعاصي.
الأمر الثاني: الفارق بين من يحتج بالقدر على المعصية وبين آدم: أن آدم لما عصى تاب إلى الله ، وهذا لم يتب.
الأمر الثالث: أن آدم قال ذلك وهو ليس في دار التكليف، وأنت تحتج بالقدر على المعصية وأنت في دار التكليف.
فمن هذه الفوارق لا يجوز لأحد أن يعتمد على القدر في استباحة واستجازة معاصيه، وهذا الأمر محل اتفاق بين العلماء في عدم الجواز.
стр. 495
حديث: (إن الله يبسط يده بالليل والنهار للتائبين)
قال: [عن أبي موسى: إن النبي ﷺ قال: (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، حتى تطلع الشمس من مغربها) أخرجه مسلم].
الإمام المازري قال: اليد هنا بمعنى: القبول.
يعني: ليست هي اليد الحقيقية، وإنما اليد بالنسبة للمولى بمعنى قبول توبة العبد إذا تاب إلى الله .
إذاً: يكون التقدير هكذا: إن الله تعالى يقبل توبة عبده الذي عصى بالنهار إذا تاب في الليل، ويقبل توبة عبده بالليل إذا عصى في النهار.
وهذا كلام لا يستقيم مع معتقد أهل السنة والجماعة في اليد، فاليد هي اليد الحقيقية لله التي تثبت على الوجه الأكمل اللائق به ﵎، ولو قلنا: إن اليد عبارة عن قبول التوبة، أو أن اليد هي النعمة أو هي القدرة، فلابد أن يكون هذا الحديث في نهاية الأمر لا معنى له.
والإمام النووي عليه رحمة الله ينقل عن المازري، لم يكن ضليعاً في مسائل الاعتقاد.
لا أقول: إنه أشعري وإن كان يتبنى مذهب الأشاعرة في بعض الأحيان، وليس حال الإمام النووي بأحسن من حال ابن الجوزي، فكلاهما مضطرب في أمر الاعتقاد، خاصة في باب الصفات، فهما تارة ينافحان ويدافعان عن مذهب السلف بكل ما أوتيا، ويقولان: نؤمن بهذه الصفات ونمرها كما جاءت، ولا نخوض فيها بتأويل ولا تعطيل، بل نثبتها على الوجه اللائق بالله ، وتارة يقولان: لابد من تأويل هذه الصفة؛ لأن الأمر لا يستقيم في أذهانهم على المنهج الأول وهو منهج السلف.
وتارة نسمع أن مذهب السلف أسلم وأن مذهب الخلف أعلم وأحكم، وهذا الكلام في غاية الخطورة؛ لأنه يجعل من التأويل وصرف النصوص عن ظاهرها علماً أزيد وحكمة أوسع مما كان عليه السلف رضي الله ﵎ عنهم، ولم يثبت أن النبي ﵊ تعرض لصفة من الصفات بالتأويل، أو صرفها عن ظاهرها المعلوم لدى النطق بها وسماعها لدى أصحابه الكرام ﵃ أجمعين، كما لم يثبت أن صاحباً من أصحاب رسول الله سأل عن معنى اليد أو العين أو الساق أو القدم لله ، وإنما آمنوا بها على حقيقتها اللائقة بالله ، وأمروها دون أن يخوضوا فيها؛ لعلمهم أن ذات الإله تختلف عن ذوات المخلوقين، فأثبتوا هذه الصفات لله على الوجه الذي يليق بذاته العلية ﵎، فقال: (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها).
стр. 496
حديث: (أن لله وجهاً لو كشف عنه الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل شيء)
قال: [عن أبي موسى: (قام فينا رسول الله ﷺ في أربع كلمات: -يعني: قال أربع كلمات- فقال: إن الله لا ينام، ولا يبنغي له أن ينام)].
لأن النوم صفة نقص وهي تليق بالمخلوق لا تليق بالخالق، ولا يصح في الأذهان أن نقول: فماذا يحدث لو أنه نام لأن هذا طرح فاسد وباطل؛ إذ ذلك يستحيل في حق الله ﵎؛ لأنه نقص، والنقص عليه محال، والنقص ثابت في حقنا، فالله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام.
قال: [(ويخفض القسط ويرفعه)] وهذه الثانية.
والقسط: هو الميزان.
ويرفعه.
أي: يجعل الميزان العام الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة تارة عليهم وتارة لهم.
يفعل ما يشاء: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
قال: [(ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار)].
يرفع إليه عمل الليل في وقت الفجر قبل أن تطلع الشمس، ويرفع إليه عمل النهار قبيل المغرب، أو في صلاة المغرب.
وقيل: في صلاة العصر.
والراجح: قبل دخول الليل.
قال: [(يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل)].
وقوله: (يرفع إليه) يدل على أن الله ﵎ في السماء؛ لأن الرفع لا يكون إلا إلى جهة العلو والفوقية.
ثم قال: [(حجابه النار أو النور)] أي: أن الله جعل بينه وبين خلقه حجاباً، هذا الحجاب من نار أو من نور، على اختلاف في الروايات وكلاهما ثابت للمولى .
قال: [(حجابه النار -أو النور- لو كشفه -أي: لو كشف هذا الحجاب- لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره أو ما انتهى إليه بصره من خلقه)].
يعني: لو أن الله كشف هذا الحجاب بينه وبين خلقه في الدنيا لأحرق جميع المخلوقين؛ لأنهم لا يقوون على رؤية المولى ﵎، ولو كانوا يقوون على ذلك لكان أولاهم بهذه القوة موسى ﵇، فقد طلب موسى أن يرى الله ﵎ جهرة؛ لأن اليهود طلبوا منه ذلك، ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]، فموسى حاك في نفسه ذلك فطلب من ربه أن يراه، ولكن الله أخبره بعجزه ونقصه البشري وأنه لا يقوى على ذلك، وكذلك الخلق أجمعون، لو أن الله كشف الحجاب الذي بينه وبينهم لاحترقوا جميعاً؛ لأنهم لا يقوون على هذا إلا بإذن الله ﵎ في دار الآخرة لا في دار الدنيا؛ ولذلك فإن الصحابة ﵃ لما علموا يقيناً أنهم لا يقدرون على رؤية المولى سألوا عن مدى وإمكانية رؤيتهم للمولى ﵎ في الآخرة.
قالوا: (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟).
لأنهم علموا أنهم لا يستطيعون رؤيته في الدنيا.
قالوا: إذا كان موسى عجز عن ذلك، فهل نرى ربنا يوم القيامة؟ (قال النبي ﵊: أرأيتم القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ولا غمام، ورأيتم الشمس في رابعة النهار لا يحول بينكم وبينها غيم ولا غمام؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه ضيم).
أي: أنكم لا تضامون، لا يحصل لكم ضيم ولا غيم ولا شك في رؤية المولى ﵎ في دار الآخرة، وأن الله ﵎ يحجب نفسه العلية وذاته العلية عن الكافرين، ويمكن المؤمنين من رؤيته ﵎.
وهذا يثبت أن الرؤية مستحيلة في حق المخلوقات في الدنيا، وأنها ثابتة في الآخرة على خلاف ما ذهب إليه المعتزلة من أن الرؤية مستحيلة في الدنيا والآخرة، وهم بذلك كأنهم كذبوا القرآن الكريم.
стр. 497
حديث أن لله رداء كبرياء على وجهه
قال: [عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (جنات الفردوس ثنتان، من ذهب حليهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليهما وآنيتهما وما فيهما، ليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)].
ليس بين من دخل الجنة وبين الله إلا ذلك الرداء وذلك الحجاب وهو كبرياؤه ﵎.
قال: (وهي -أي: هذه الأنهار- تشخب من جنة عدن في جوبة ثم تصدع بعد الأنهار).
أي: أن هذه الجنات كأنها تنزف نزيفاً عظيماً، وتسيل سيلاناً عظيماً، ثم تنشأ الأنهار من تلك الجنات الأربع.
стр. 498
حديث أن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة
قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يمين الله ملأى).
واليمين بمعنى: يده اليمنى.
قال: [(يمين الله ملأى لا يغيضها شيء)] أي: لا ينقصها شيء مهما أنفق، لا ينقص مما في يمينه شيء.
قال: [(سحاء الليل والنهار)] سحاء تفيد: شدة العطاء وكثرته.
أي: يعطي بقوة وسرعة.
وهذا يدل على شدة عطاء المولى ﵎ بالليل والنهار لعباده.
قال: [(أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض)].
أرأيتم ما أنفق الله منذ أن خلق السماوات والأرض؟ فبسبب هذا الإنفاق الكثير لابد أن تفنى تلك الخزائن، لكن هذا لا يكون إلا في قياس المخلوقين، أما في قياس الخالق فلا؛ لأن خزائن الله تختلف عن خزائن البشر، فالبشر مهما بلغت خزائنهم لابد أنها تفنى، أما خزائن المولى ﵎ فمهما أنفق منها فإنها لا تتأثر إلا كما يتأثر البحر إذا أدخل فيه المخيط.
يعني: تصور أنك تأتي بإبرة وتدخلها في البحر، ثم تخرج هذه الإبرة مرة أخرى.
ما الذي تعلق بها؟ لا أقول: نقطة ماء، بل نقيطة ماء.
فهل هذه النقطة ومهما عظمت هل تؤثر في ماء البحر؟ أو هل تؤثر في وزن البحر، أو في حجم الخير الذي في البحر؟ أبداً.
فمهما أنفق المولى ﵎، وسحت يده بالليل والنهار فإن ذلك لا ينقص من خزائنه شيء إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر، وهذا يدل على أنه لا تنقص هذه الخزائن أي نفقه ينفقها المولى ، وخزائنه بيده ينفق منها كيف يشاء.
قال: [(أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ينفق ما في يمينه)] أي: لا يزال الخير الذي وضعه في يمينه رغم أن هذا الخير يغط فيه الخلق أجمعين من بني آدم وطير وحيوان وحشرات وغيرها، فإن الخزائن لا تزال موجودة بتمامها وكمالها في يمين المولى ﵎.
قال: [عن عبد الله بن عمرو ويبلغ به النبي ﷺ : (المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور -والمقسط هو العادل- عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين)] هذا أمر في غاية الإعجاز.
هذا أمر يجعل المرء يحار، ولابد في النهاية أن يسلم المرء بأن ذات الله وصفاته تختلف عن ذوات المخلوقين وصفات المخلوقين.
كيف تكون يداه الاثنتان يميناً، ومعلوم أن اليمين دائماً تكون أقوى في المخلوقين من الشمال؟ نقول: ليس علينا معرفة الكيفية، ولا يعرفها أحد من المخلوقين، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب؛ ولذلك فإن الأدلة التي وردت بأن لله يداً شمالاً كما قال: (ويطوي السماوات بيمينه ويقبض الأرضين بشماله) هذه الرواية وإن كانت في مسلم إلا أنها شاذة؛ لأنها من رواية عمر بن حمزة، وعمر ضعيف.
وأما مسلم فقد احتج به لتوثيق عمر عنده، مع أن جميع النقاد على أن عمر بن حمزة ضعيف، وعيب على مسلم إخراجه لحديث عمر بن حمزة، سواء هذا الحديث أو غيره.
فالرواية في مسلم لا تأخذ الحصانة إذا كانت في جنب الله ، وقد أعرض البخاري عن هذه الرواية، بل اتفق معه مسلم على أن (كلتا يدي الرحمن يمين).
فهذه الرواية هي المتفق عليها، والرواية الثانية وإن أتت من ثلاث طرق إلا أنها من طريق عمر بن حمزة وهو ضعيف، وجاءت من طريقين كل منهما في إسناده رجل متروك، فالرواية شاذة غاية الشذوذ، بل منكرة غاية النكارة؛ لأن الحديث المنكر: هو مخالفة الضعيف للثقة.
بخلاف الحديث الشاذ فإنه مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو لمجموع الثقات، فهذا الحديث في غاية النكارة، وقد ثبت لله كما اتفق على ذلك البخاري ومسلم أن كلتا يديه يمين.
قال النبي ﵊: [(المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم وما ولوا).
أخرجه البخاري ومسلم].
стр. 499
حديث: (وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض)
قال: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار.
وقال لنا: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه -أي: لم ينقص ما في يمينه- وعشره منه ملأى، وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض)].
أي: يرفع به ويخفض به.
فهذا يدل على أن لله ﵎ يدين: اليمين واليد الأخرى، والأخرى ليست شمالاً كما فهم الخلف، وإنما هي يمين كذلك؛ لقوله ﵊: (وكلتا يديه يمين).
стр. 500
أحاديث أن الله يقبض الأرض ويطوي السماوات يوم القيامة
قال: [أن عبد الله بن عمر أخبره أن النبي ﷺ قال: (يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه.
يقول: أنا الملك)].
وقال: [(يقبض الله الأرض بشماله، وتكون السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك)].
هذه رواية شاذة، هذه الرواية الثالثة، وأنا أحذر منها كل الحذر؛ لأنها وردت في صفات الله ﵎ وفيما يتعلق بالذات العلية؛ ولذلك ينبغي الحذر والتحذير منها، وهي رواية ضعيفة، وكل الروايات التي وردت في إثبات أن الله تعالى له يسار أو شمال ضعيفة جداً، وإذا أراد أحدكم أن يحقق في هذه القضية فليفعل.
[عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (يطوي الله السماوات فيقبضها، ويقبض الأخرى بيده ويقول: أنا الملك.
أين الملوك؟ أنا الجبار.
أين الجبارون؟)].
стр. 501
حديثا أبي هريرة في قبض الصدقة وقبوله سبحانه لها بيمينه
قال: [عن أبي هريرة -ولا أراه مرفوعاً- قال: (إن الله تعالى يقبض الصدقة ولا يقبل منها إلا طيباً، ويقبلها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه -والفلو: هو المهر أو ولد الناقة- حتى يجعلها أعظم من أحد).
وقال أبو هريرة: في كتاب الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]-يعني: يربيها وينميها ويزيدها- ثم تلا: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:١٠٤] إلى آخر الآية].
стр. 502
حديث صدقة الرجل تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل
قال: [عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الرب قبل أن تقع في يد السائل].
هذا نص أيضاً أثبت أن لله تعالى يداً.
قال: [وهو يضعها في يد السائل، ثم قرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:١٠٤]].
إذاً: من الذي يأخذ الصدقات؟ الله .
стр. 503
إثبات أن لله أصابع
قال: [عن عبد الله قال: (جاء حبر من أحبار اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع)] انتبه! هذا حديث يثبت صفة أخرى للمولى وهي صفة الأصابع.
قال: [(إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى -التراب- على إصبع، وذكر كلمة كلها على إصبع -يعني: ذكر مخلوقات أخرى على إصبع الرحمن- ثم يهزهن المولى ﵎، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك.
فضحك النبي ﵊ حتى بدت نواجذه تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له)] فالحجة ليست في خبر الحبر، وإنما في إقرار النبي ﵊.
[ثم قال النبي ﵊: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧])]، يعني: مع علم اليهود بذلك إلا أنهم لم يقدروا الله تعالى حق قدره، فضحك النبي ﵊ حتى بدت نواجذه من الحق الذي سمعه من ذلك الحبر، ولكنه عاب على اليهود أنهم ما قدروا الله حق قدره.
قال: [أخرجه البخاري ومسلم].
قال: عن عبد الله قال: (جاء إلى النبي ﵊ رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم! أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟ فضحك النبي ﵊ حتى بدت نواجذه، فأنزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] إلى آخر الآية).
واللفظ لـ أحمد، أخرجه مسلم من هذا الطريق والبخاري من حديث الأعمش].
[عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء)؛ ثم قال رسول الله ﷺ : (اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلبي إلى طاعتك)].
وذلك لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء.
فقلوب العباد جميعاً كقلب رجل واحد في يد الله ؛ لأنه قال: (إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد).
يعني: كأن الله جمع القلوب جميعاً فجعلها في قلب واحد، وجعل هذا القلب بين أصبعيه يصرفه ويقلبه كيف شاء إلى الطاعة إلى المعصية إلى الجنة إلى النار إلى الحب إلى البغض وغير ذلك مما يشاء ﵎، ويفعل ذلك لحكمة عظيمة لا يعلمها إلا هو.
стр. 504
وقفات مع حديث: (خلق الله آدم على صورته)
قال: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته)]، يا ترى! الضمير في قوله: (صورته) يعود على الله ، أم على آدم، أم على المضروب؟ لأن النبي ﵊ قال في حديثه: (إذا ضربت فلا تقبح ولا تضرب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).
ولذلك يقول بعض أهل العلم: الضمير في صورته يعود على الله اعتماداً واتكالاً على حديث: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) وهذه الرواية صريحة.
ثم يقولون: (إن الله خلق آدم على صورته) أي: على هيئته التي خلقه عليها يوم خلقه.
فالضمير يعود على آدم.
وهناك تأويل ثالث: (إن الله خلق آدم على صورته) أي: على صورة ذلك المضروب.
(فلا تقبح)؛ لأنك لو قبحته كأنك قبحت وجه أبيك آدم، ولكن الكلام عن حديث الصورة سنخصص له محاضرة كاملة.
قال: [(خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك، فإنه تحيتك وتحية ذريتك.
قال: فذهب فقال: السلام عليكم.
فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله.
قال: فزادوا: رحمة الله.
قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً)].
يعني: كل الذين يدخلون الجنة يكونون على صورة آدم، طوله في السماء ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن.
يعني: الله ﵎ لما خلق آدم خلقه وطوله في السماء حوالي (٤٥) متراً، تصور أنك ستدخل الجنة وطولك (٤٥) متراً، طبعاً أنت تنتظر هذا اليوم، ولن تدخل الجنة من أجل أن تنظر صورتك وأنت طويل هكذا! وقد وردت بعض الآثار أنهم يدخلون في عمر متوسط (٣٣) عاماً، فعمر سيدنا عيسى ﵇ (٣٣) عاماً، وفي الحقيقة هذه أمور كلها وإن جاز في العقل تصورها إلا أننا نقول: نؤمن بها كما جاءت.
قال: [عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : (إذا قاتل أحدكم أخاه)] يعني: إذا ضرب، من المقاتلة والمفاعلة.
أي: وقع شجار.
[قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)].
الضمير يعود على المضروب.
وفي حديث: [(إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه لا يقولون: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته)].
وعن ابن عمر مرفوعاً: [(لا تقبح الوجه؛ فإن الله تعالى خلق آدم على صورته)].
стр. 505
إثبات أن لله عينين
قال: [حدثني قتادة، قال سمعت أنساً يحدث عن النبي ﷺ قال: (ما بعث الله نبياً إلا أنذر الدجال أمته، ألا إنه الأعور الكذاب)].
ما هي علامته؟ قال: (ألا إنه الأعور الدجال) ومعنى الأعور: يرى بعين وعين أخرى فاسدة كأنها عنبة طافية.
قال: [(وإن ربكم ليس بأعور)].
وهذا يدل على أن صاحب العين الواحدة أعور، وأن الله ﵎ ليس بأعور.
إذاً: هذا يثبت لله ﵎ عينين.
قال: [(مكتوب بين عينيه -أي: المسيح الدجال -: كافر، يقرؤه كل مؤمن)] حتى وإن لم يكن قارئاً، أي: حتى الذي لا يحسن القراءة والكتابة سيقرأ كلمة كافر على جبهة المسيح الدجال، فأين العذر بعد ذلك؟ فأنت تعرف أنه كافر، وأنه المسيح الدجال فلماذا تتبعه؟
стр. 506
إثبات أن لله قدماً أو رجلاً
قال: [عن أنس عن النبي ﷺ قال: (يلقى في النار وتقول: هل من مزيد)] أي: الخلق والبعث الذين بعثهم الله ﵎ يلقون في النار، وهي تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]، كلما ألقي فيها فوج طلبت المزيد.
قال: [(حتى يضع رجله أو قدمه فيها فتقول: قط قط)].
هذا فيه إثبات صفة القدم أو الرجل للمولى ، والحديث عند البخاري.
قال: [عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (اختصمت الجنة والنار)].
يعني: احتجت الجنة والنار [(فقالت النار)].
وهل هناك نار تتكلم؟ نعم.
الذي خلقها قادر على أن ينطقها، النار تتكلم، والجنة تتكلم، كما أن الموت يوم القيامة يتكلم، والموت مخلوق كما تعلمون: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] فالموت مخلوق والحياة مخلوقة، وكل مخلوق لابد أن يموت، وفي الحديث: (وإن الله تعالى يجعل يوم القيامة الموت على صورة كبش حتى يؤتى به فيذبح).
يعني: الموت في نهاية الأمر يجعله الله في صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار؛ لأن الموت آخر من يموت، فكل المخلوقات تموت على يد ملك الموت، حتى لا يبقى إلا ملك الموت، فيأمر المولى الموت أن يميت ملك الموت، فإذا مات لا يبقى إلا الموت، فيصوره الله ويخلقه في صورة كبش، فيقضي عليه بالموت فيموت فلا يبقى إلا الله ، وبعدها تقوم الساعة.
قال: [(اختصمت الجنة والنار، فقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: يدخلني ضعفاء الناس وسقاطهم، فقال الله للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء وقال للجنة: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء، ولكل واحد منكم ملؤها -الجنة لها ملؤها والنار لها ملؤها- وإذا كان يوم القيامة لم يظلم الله أحداً من خلقه شيئاً ويلقى في النار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الله قدمه فيها، فهناك تملأ، ويزوى بعضها إلى بعض -يعني: تنضم أركانها وأبعادها إلى بعض- وتقول: قط قط)] أي: كفى.
والحديث كذلك أخرجه مسلم.
стр. 507
إثبات أن الله تعالى يضحك
قال: [عن أبي رزين: أن رسول الله ﷺ قال: (ضحك ربنا ﵎ من قنوط عباده وقرب غيره -وهذا فيه إثبات لصفة الضحك- قال: قلت: يا رسول الله! أويضحك الرب؟ قال: نعم.
لن نعدم من رب يضحك خيراً)] يعني: أملنا في الله عظيم، وهذا نص ضعيف من جهة الإسناد، لكن متنه تشهد له الرواية الثانية التي أخرجها البخاري، وهي من طريق أبي هريرة.
قال: قال رسول الله ﷺ : [(يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة.
قال: يقاتل هذا -الأول- في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيؤمن فيقاتل في سبيل الله فيستشهد)] فيدخل كذلك هو الجنة، فكلاهما يدخل الجنة.
يعني: كأنه مؤمن وكافر، فالمؤمن يقاتل في سبيل الله فيقتله الكافر، فيدخل المؤمن الجنة، ثم يسلم بعد ذلك الكافر فيقاتل في سبيل الله فيقتل فيدخل كذلك الجنة، فإن الله تعالى يضحك إلى رجلين على هذا النحو، وهذا فيه إثبات صفة الضحك.
وجاء [أن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] قال: عن بلاء عظيم].
فعبر عن الساق بالبلاء العظيم والشدة والكرب.
وهذا التفسير من ابن عباس لم يوافقه عليه أحد من أصحابه، وأنتم تعلمون أن قول الصاحب حجة إذا لم يكن له مخالف، فإذا خالفه جميع الأصحاب فالحجة في قولهم.
كل الذي ذكرناه الآن من اليدين والعينين والقدم والساق والأصابع والصورة سنفرد لكل واحدة تباعاً في الدرس القادم بإذن الله محاضرة تامة كاملة، حتى نستوعب الأدلة التي وردت في كل صفة، وإذا كان هناك شبهة في بعض الأدلة أوضحناها بإذن الله تبارك تعالى اعتماداً واتكالاً على كلام أهل العلم عليهم رحمة الله.
قال: [عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥]، قال ﵊: أعوذ بوجه الله)].
وهذا إثبات لصفة الوجه.
إن الإمام اللالكائي لم يرتب النصوص ترتيباً دقيقاً، فبعد أن يتكلم عن الوجه، يتكلم عن العين، ثم يتكلم عن الوجه مرة أخرى، ثم يتكلم عن اليد ثم عن الصورة ثم عن اليد مرة أخرى، والأصل أن يسرد كل النصوص الواردة في صفة تلو بعضها، ولكنه لم يفعل ذلك، وربما أنه أراد أن يرتب بعد الجمع، فوافته المنية قبل أن يرتب، كما هو الشأن في كثير من أهل العلم، صنفوا كتباً وقبل أن يرتبوها وافتهم المنية، فبقيت كتبهم على هذا النحو، فهل يجوز لمن أتى بعدهم أن يرتبوها؟
الجواب
يجوز بشرط أن يُعلم أن هذا الترتيب من ترتيب فلان، كـ العلائي رتب كتاب ابن حبان على الأبواب الفقهية، فهو من حيث الكلم ومن حيث الأدلة والأسانيد من جمع ابن حبان، لكن لم يرتبه ابن حبان على هذا النحو الذي بين أيدينا، وإنما رتبه على نحو آخر، وترتيبه هذا كان فيه مشقة علينا حتى إن الحافظ ابن حجر قال: من أراد البحث في صحيح ابن حبان أضناه.
لأنك ممكن قد تجد حديثاً في الوضوء وهو في نفس الوقت موجود في الجنائز، أو موجود في الحدود، فكان صحيح ابن حبان كتاباً عظيماً جداً في بابه، إلا أنه لم يرتب، فلما رتب عظمت به المصلحة.
стр. 508
مقتطفات من كلام السلف في إثبات صفات الله
قال: [حدثني هشام بن عروة عن أبيه: جاءنا سائل فسأل بوجه الله.
قال: فقام الزبير فعلاه بالدرة -يعني: ضربه بالدرة- فقال: أبوجه الله تسأل؟ ألا سألت بوجه الخلق].
يعني: لو أنك سألت بوجه الخلق كان فيه فسحة، لكن كونك سألت بوجه الله إذاً: ألزمتنا بأن نعطيك.
وهذا يدل على أنهم يؤمنون بأن لله وجهاً.
قال أشعب: [دخلت على القاسم بن محمد في حائط له وكان يبغضني في الله وأحبه فيه].
انظروا إلى الصراحة، أشعب دخل على القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: وكنت أحبه في الله؛ لأن القاسم مستقيم، لكن أشعب كان فيه انحراف.
قال: وكنت أحبه في الله ويبغضني فيه، لكن بغض القاسم لـ أشعب لم يمنع أشعب أن يحبه في الله؛ وذلك لأنه على الاستقامة.
[فقال: ما أدخلك علي؟ اخرج عني.
قلت: أسألك بوجه الله لما جذذت لي عذقاً].
يعني: لو قطعت لي عنقوداً من العنب أو شيئاً من هذه الثمار، فإنني أسألك بوجه الله العظيم.
[قال: يا غلام! خذ له عذقاً فإنه سأل بمسألة لا يفلح من رده].
وهذا فيه إثبات الوجه لله .
قال: [عن ابن عمر قال: احتجب من خلقه بأربع -أي: أن الله احتجب من خلقه بأربع-: بنار وظلمة ونور -ولم يذكر الرابعة- وخلق أربعاً بيده: آدم والعرش والقلم وجنة عدن].
وأنتم تعلمون أنه ﵎ كتب التوراة بيده، فإما أن يقصد ابن عمر أن الله تعالى كتب التوراة بيده.
أي: حيث أمسك الله ﵎ القلم بيده فكتب التوراة، أو أنه كتب التوراة بيده كيف شاء، والذي يترجح إلي الثاني دون الأول.
قال: [(وقال لسائر خلقه: كن فكان)].
يعني: خلق الله ﵎ بيده أربعاً ثم قال لسائر خلقه: (كن) أمر، فكان.
[قال عبد الله: خلق الله أربعاً بيده: العرش وآدم والقلم وعدْن، وقال لسائر خلقه: كن فكان].
وهذا طبعاً يوافق قول عبد الله بن عمر.
وقال وكيع: [إذا سئلتم: هل يضحك ربنا؟ فقولوا: كذلك سمعنا].
لأن صفة الضحك صفة فعل، إذا شاء ضحك وإذا شاء لم يضحك، بخلاف صفة الذات، فالضحك ليست صفة ذات، وضحك المولى ليس كضحكنا؛ لأننا لو قلنا بذلك لكان هذا يستلزم الفم والثغرين والأسنان على حسب حال الضحك من المخلوقات، فمنهم الذي يضحك فيبتسم في وقار، ومنهم الذي يضحك ويفتح فمه، فالمولى ﵎ لا يقاس بخلقه ولا يشبههم قط؛ بل نثبت له صفاته وأفعاله على الوجه اللائق به ﵎.
قال: [إذا سئلتم: هل يضحك ربنا؟ فقولوا: كذلك سمعنا].
أي: أن الضحك لا يثبت إلا بالسمع، ولا يثبت بالعقل؛ لأننا لم نر الله ، وصفة الفعل تثبت بالعقل والسمع تارة، وتثبت بالسمع تارة، فصفة الضحك تثبت بالسمع؛ لأننا لم نره ﵎.
قال: [نا بقية: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد! ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟] يقصد حديث النبي ﵊ المتعلق بالصفات.
[قال: قلت: قوم سوء].
الذين يبغضون حديث النبي ﷺ قوم سوء.
[قال: ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله ﵊ بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث].
وهذه علامة من علامات أهل البدع، أنك ما حدثته بآية ولا بحديث يخالف بدعته وهواه إلا أبغض الآية وأبغض الحديث وإن لم يظهر ذلك عليه، وإن لم يصرح لغيره ببغضه الآية والحديث، فصاحب الهوى إذا حدثته بآية تخالف هواه أو بحديث يخالف هواه تحير وتكلف الرد على الآية والرد على الحديث؛ لأنه يقدم هواه على المفهوم والمنقول.
قال الفضل بن زياد: [سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة].
يعني: يجب الإيمان والتسليم المطلق لله ولرسوله.
وقال مخلد بن الحسين: [قال الأوزاعي: يا أبا محمد! إذا بلغك عن رسول الله ﵊ حديثاً فلا تظنن غيره].
أي: فلا تعتقد غيره.
[فإن محمداً ﵊ كان مبلغاً عن ربه].
وإذا كان هو الذي يبلغ عن ربه فهو أعلم، وهذه البلاغات التي أبلغنا بها ﵊ مصدرها الوحي، والله أعلم بنفسه، يضحك، يغضب، يرضى، يسخط هو أعلم؛ لأنه يخبرنا عن نفسه التي لم نرها نحن ﵎، فإذا كان الله أثبت لنفسه الغضب فكيف أصرفه أنا، أو كيف لا أؤمن به؟ مع أن الذي أخبرني بهذا هو المولى ﵎، فإذا أتاك الخبر عن الله وعن رسوله فآمن به ولا تعتقد غيره.
وقال بقية: [ثنا الأوزاعي قال: كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت].
стр. 509
الأسئلة
стр. 510
اختلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه في الحياة الدنيا
السؤال
هل رأى النبي ﵊ ربه؟
الجواب
هذه المسألة محل خلاف حتى بين السلف؛ ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: وهذه الفرعيات في الاعتقاد التي اختلف فيها السلف لا يبدع فيها المخالف.
كأنه أراد أن يقول: إن اختلاف السلف في بعض مسائل الاعتقاد من الأمور السائغة والمعتبرة، والذي يترجح لدينا: أن النبي ﵊ لم ير ربه، وإنما رأى نوراً؛ لأنه لما سئل: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟) أي: حجبني النور عن المولى ، فكيف أراه مع وجود هذا الحجاب؟
стр. 511
حكم دخول المرء الحمام وعلى رأسه رباط مكتوب عليه حديث نبوي أو آية
السؤال
ما حكم دخولي الحمام وعلى رأسي رباط مكتوب عليه حديث نبوي أو آية؟
الجواب
لا يجوز.
стр. 512
حكم دخول المرء الخلاء وعلى جسده وشم مكتوب فيه ذكر
السؤال
ماذا تنصح من وشم على جسده: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، وماذا يفعل عند دخول الخلاء؛ لأنه عجز عن إزالة هذا الوشم؟
الجواب
إذا كان عجز فلا شيء عليه.
стр. 513
حكم الصلاة باستحمام لم يتضمن نية الوضوء
السؤال
يسأل كثير من الأشخاص عن جواز الصلاة بعد الاستحمام دون نية الوضوء عند الاغتسال؟
الجواب
لا يجوز له أن يصلي؛ لأننا لو قلنا بقول بعض أهل العلم أن رفع الحدث الأكبر يرفع معه الأصغر وإن لم يباشر غسل الأعضاء؛ فإنهم يلتزمون أن يكون ذلك الاغتسال بنية رفع الحدث الأكبر والأصغر، فإذا نوى رفع الحدثين فله أن يصلي بهذا الوضوء.
والذي يترجح لدي أن الترتيب كاد يكون واجباً من واجبات الوضوء، وأنا أعلم أن النبي ﵊ خالف الترتيب مرة، وهذه المخالفة ربما يكون لها تأويلات وصرف عن ظاهرها، ولو أخذنا بظاهرها لقلنا: إن الترتيب ليس واجباً، وإنما هو مستحب؛ لمداومة النبي ﵊ عليه، وهو سنة مؤكدة من سنن الوضوء عنه ﵊؛ ولذلك فإن الذي لم يباشر الوضوء فقد خالف النبي ﵊ في الاغتسال، فإنه كان يغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يصب الماء عن يمينه ثم عن شماله، ثم يعمم بدنه بالماء.
هذا صفة غسله، لكن لو افترضنا أنك دخلت في الماء بكليته دون هذا الترتيب وهذا الهدي فإن الجنابة ترتفع بالنية.
يعني: إذا نوى رفع الجنابة ارتفعت بذلك، وكذلك إذا نوى رفع الحدثين أو رفع الجنابة وحدوث الوضوء كما نوى أن يصلي، وإذا لم ينو لا هذا ولا ذاك فإن الجنابة لا ترتفع.
يعني: إذا أجنب رجل ودخل في الماء لا بنية رفع الجنابة، وإنما بنية التبرد فقط فإنه لا ترتفع الجنابة حتى وإن اغتسل، ومن باب أولى لا تصح صلاته بهذا الاستحمام، والله أعلم.
стр. 514
حكم أداء الصلوات أو أغلبها في البيت
السؤال
يقول: إن لي أباً يصلي الصلوات أغلبها في البيت، وأنصحه مرة بعد أخرى، ولكنه يستمر في ذلك، فهل علي وزر إن تركت نصيحته في بعض الأحيان، فإنه يترك الصلاة في المسجد مع قدرته؟
الجواب
على أية حال هذا أمر يهون كثيراً عمن ترك الصلاة بالكلية، فإن الذي نعتقد من خلال الأدلة الواردة في الجماعة أن الجماعة سنة مؤكدة، وأذهب إلى عدم الوجوب، ولكن ليس معنى أن الجماعة سنة مؤكدة: أن يتركها المرء، فإن الجمهور الذين قالوا بأن الجماعة سنة مؤكدة لم يثبت أنهم تركوها مرة، ولكن من حيث ترتيب الحكم الشرعي هي ليست واجبة.
وهذه المسألة نحن ذكرناها هنا في محاضرة كاملة لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، وذكرنا فيها أربعة مذاهب لأهل العلم، وترجح لدينا في ذلك الوقت ما لم يكن راجحاً لدينا في قلوبنا؛ لأننا رجحنا في المحاضرة الوجوب.
قلنا: إن الذي يترجح لدينا هو الوجوب؛ لما نرى من تفريط الناس وتفريط الإخوة في حضور الجماعة.
فكل يرجح من باب المصلحة هذا الحكم، مع أن الذي كان يستقر في نفسي أنه ليس براجح، لكن دعت المصلحة الشرعية للمستمعين أن ألقيها بين ظهرانيهم وأنها واجبة.
فلذلك لما اضطررت إلى ذكر ما أعتقد في القضية صراحة قلت: هي سنة مؤكدة.
ولما سمعها مني من سمع تخلف عن الجماعة على اعتبار أنها سنة، ولا يأثم بتركها، وأنا في الحقيقة لم أندم على تصريحي بأنها سنة مؤكدة؛ لأن الذي يريد أن يفوت عن نفسه الخير لا تأس عليه ولا تحزن؛ لأن الخير بيد المرء أن يأخذ سبعاً وعشرين درجة في كل صلاة، ما بين الدرجة والدرجة مسيرة خمسمائة عام في الجنة.
فالذي يريد أن يفوت هذا الخير على نفسه فأنا على يقين من أنه لن يفوت جنيهاً إذا دعي في الميكرفون: إن الإمام يوزع جنيهاً لكل من أتى المسجد، فأنا أؤكد أن النصارى سيأتون إلى الصلاة.
ولذلك قال النبي ﵊: (ولو دعي إلى مرماتين عظيمتين لأتاهما ولو حبواً).
يعني: لو نادى المنادي: إننا سنوزع عظماً ليس لحماً، فإنك ستجد النساء والأطفال والرجال كلهم قد أتوا إلى المسجد، كل طوائف المجتمع جاءت المسجد من أجل أن تأخذ العظم! فما بالهم لا يفقهون أن صلاة الجماعة لها ثواب ودرجات في الجنة؟! لكن سبحان الله! لا يعقل هذا الفضل إلا العالمون، ويغفل عنه الغافلون، بل إن الله ﵎ يطمس على قلوبهم فلا يعقلون هذا الفضل؛ لأنهم لا يستحقونه، أما من تخلف عن الجماعة بعذر فلا شيء عليه، ومتى صلى فصلاته صحيحة.
стр. 515
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة النفس لله
من سمات أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله من الأسماء والصفات، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله، ومن تلك الصفات التي أثبتوها صفة النفس لله تعالى، وقد اختلف السلف والأئمة من أهل السنة في كونها صفة للذات الإلهية، أم أنها دلالة على الذات الإلهية، وكذلك اختلفوا في النَفَس فبعضهم جعله صفة، وبعضهم حمله على التنفيس، ولكل قول منها ما يعضده من الأدلة.
стр. 516
أدلة إثبات صفة النفس لله تعالى
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فإن العقيدة هي أهم شيء في حياة المسلم، وأهم شيء في العقيدة هو أن تعتقد في ذات الإله ﵎ ما يجب له وما يستحيل عليه، وما يستحيل عليه هو ما لا يجوز نسبته إلى الله ، وهي جميع صفات النقص.
وما يجب إثباته لله هو جميع صفات الكمال التي أثبتها لنفسه ، وأثبتها له رسوله الكريم ﷺ ، ومما أثبته الله ﵎ لنفسه وأثبته له رسوله الكريم: (صفة النفس).
و
السؤال
هل لله نفس؟
الجواب
نعم.
لله نفس؛ لأن هذه الصفة ثبتت في الكتاب وثبتت في السنة الصحيحة، فإذا ثبتت في الكتاب فلابد وأن نسلم؛ لأن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره، وإذا جاءت على لسان رسوله، فلابد وأن نقر بأن النبي ﵊ هو أعلم الخلق بربه، وأن نسلم له حتى وإن لم يكن ما قاله يتناسب مع عقولنا؛ لأن الله ﵎ فوق حد العقول، ولا يمكن لعقل أن يحيط بالله ؛ لا بأسمائه ولا صفاته ولا ذاته.
فإذا كان عقلك يستجيز أن ذات الله ﵎ لا يمكن الإحاطة بها، فلم تقول: إنه لا يعقل أن يكون لله نفس أو يد أو عين أو ساق؟ لم تستبعد هذا وتستقرب ذاك والجميع واحد، والكلام في صفة النفس كالكلام في بقية الصفات؟ صفة النفس جاء ذكرها في كتاب الله ، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].
وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].
وقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].
فهذه ثلاث آيات في كتاب الله -ويوجد غيرها- تثبت أن الله ﵎ نفساً.
والنفس بإسكان الفاء؛ لأن لله ﵎ نفس بتحريك الفاء، وقال النبي ﵊ في ثنائه على الله : (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).
فأثبت الحديث أن لله تعالى نفساً.
وقال النبي ﵊ في حديث أبي هريرة وهو قطعة من حديث طويل قدسي: (قال الله : وإذا ذكرني -أي: عبدي- في نفسه ذكرته في نفسي).
وبهذه الأدلة يجب علينا أن نثبت أن لله تعالى نفساً.
وبعض أهل العلم ادعى المشاكلة في الآية الكريمة: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] فقالوا: سبب المشاكلة أن الله ﵎ عبر بما هو في معقول العباد، وما هو في مفهومهم حتى يقرب إليهم المعنى، وليست النفس هنا حقيقة، ولكن الله عبر بشيء يعلمه المخاطب، وهذا باب المشاكلة أو المقابلة.
يعني: ذكر النفس في مقابل النفس، ولكن النفس في البشر حقيقة، كما قال عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة:١١٦]، ونفس البشر معلومة، والله ﵎ منزه عن النفس.
لماذا تنزهون الله ﵎ عما أثبته هو لنفسه، وما أثبته له رسوله؟ أأنتم أعلم أم الله؟ أأنتم أعلم أم النبي ﵊؟ هذه دعوى غير واردة بل باطلة؛ لأن النصوص الأخرى كلها وردت دون مقابلة أو مشاكلة.
أيضاً: ذكرت النفس في هذه الآية: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
هو من كلام عيسى ﵇، والله ﵎ إنما تكلم بهذا الكلام على لسان عيسى؛ فأين المشاكلة وأين المقابلة؟ أيضاً: أن الله ﵎ يعلم السر وأخفى، فإذا كلمه عبد من عباده أو نبي من أنبيائه أو رسول من رسله فإنه يعلم ذلك حتى قبل أن يتكلم، فلا مشاكلة هنا ولا داعي للمقابلة.
كذلك لو سلمنا جدلاً بأن الله ﵎ ساق هذا على سبيل المشاكلة والمقابلة -وهي دعوى عريضة لا دليل عليها- فهل ذكر النفس في الأدلة الأخرى والأحاديث الصحيحة الثابتة أيضاً جاء على سبيل المشاكلة والمقابلة؟
الجواب
لا.
لأنه تعالى قال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].
أين المشاكلة هنا وأين المقابلة؟ والمقابلة: هي ذكر النص في مقابل نص، فقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ لم تذكر فيه إلا نفس واحدة وهي نفس الله ﵎، فلابد من إثبات النفس لله ، وليس هناك ما يدعو إلى التأويل أو التحريف؛ إذ شأن النفس كشأن الصفات الخبرية الذاتية الكثيرة التي تعرضنا لمعظمها وسنتعرض لباقيها إن شاء الله تعالى.
стр. 517
خلاف أهل السنة في النفس هل هي الذات أم صفة للذات
أهل السنة والجماعة يثبتون النفس لله تعالى، ولكن بعض أهل السنة قالوا: النفس هي الذات، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن كان هذا يعد تأويلاً، إما أن تثبت أن الله ﵎ ذات له نفس، وإما أن تثبت أن النفس هي بذاتها ذات المولى ﵎، فيكون الله ﵎ ذات بلا نفس، أو نفس الله هي ذاته المتصفة بالصفات ومنها صفة النفس.
يعني: أمامك تأويلات ثلاثة: إما أن الله تعالى ذات بلا نفس.
وهذا كلام باطل، وهو كلام المتأولة.
وإما أن الله تعالى له نفس زائدة على الذات.
بمعنى أنها صفة لازمة للذات، فيكون المولى ﵎ ذاته متصفة بالصفات، وهذا لا بأس به، بل هو أرجح الأقوال في القضية.
والذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية: أن النفس هي ذات الإله ﵎.
وهنا إشكال: ماذا يقصد ابن تيمية بهذا الترجيح؟ هل يقصد أن النفس هي ذات الإله الذي لم يتصف بأن له نفس، أو أنها ذات الإله المتصف بالصفات ولها النفس؟ الظن أن ابن تيمية عليه رحمة الله مال إلى تفسير النفس بأنها الذات المتصفة بالصفات ومنها صفة النفس، وهذا من باب إحسان الظن بكبير وشيخ أهل السنة في زمانه.
أما أهل السنة فإنهم يثبتون صفة النفس لله تعالى، ونفسه هي ذاته ، وهي ثابتة بالكتاب والسنة، فقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].
والدليل من السنة: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي).
وحديث عائشة ﵂: (وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).
وحديث أبي هريرة: (فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفس الله: (ونفسه هي ذاته المقدسة).
والذي يترجح لدي أنه تأويل.
وقال أيضاً في الفتاوى: (ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه).
يعني: تقول: نفس محمد.
لو أنك قلت: أنا كلمت محمد، أقول لك: هل كلمته نفسه؟ تقول: نعم.
كلمته نفسه.
يعني: تقصد ذاته.
ففي لغة العرب النفس والذات بمعنى واحد، وهذا الذي حدا بكثير من أهل العلم من السلف أن يقولوا: إن نفس الله تعالى هي ذاته، كما يقال: رأيت زيداً نفسه وعينه، وقد قال الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.
وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.
وفي الحديث أنه قال لأم المؤمنين: (لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته).
وفي الحديث القدسي: (وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).
فهذه المواضع المراد بها عند جمهور العلماء: الله نفسه.
يعني: يفسرون النفس بأنها ذات الإله، ولكني كنت قد نبهت على قاعدة عند سلفنا رضي الله تعالى عنهم: (أنهم يثبتون الصفة ولازمها)، ولكن كلماتهم أحياناً تطلق على الصفة ويراد بها الصفة واللازم، وأحياناً يطلقون اللازم ويريدون إيجاد الصفة قبل اللازم، فأظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية إنما عنى بأن النفس هي الذات -أي: المتصفة بالصفات- ومنها صفة النفس.
قال: (فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء: ((اللَّهُ نَفْسَهُ)) التي هي ذاته المتصفة بصفاته).
جمهور العلماء يطلقون النفس على الذات، ويقولون: النفس والذات بمعنى واحد، ولكنها النفس التي هي ذاته المتصفة بصفاته، وليس المراد بها ذاتاً منفكة عن الصفات.
يعني: ذات الله ﵎ متصفة بصفات لازمة لهذه الذات لا تنفك عنه، وهي المراد بها صفة للذات.
وهذا الكلام هو الذي أتحرج منه أشد التحرج.
قال: (ولا المراد بها صفة للذات، بل هي صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، هذه الطائفة هي التي على الحق المبين؛ أن النفس صفة لله ﵎، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة)، لا.
أي: أن ذات الله ﵎ غير متصفة بأي صفة، مجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ، بل أقول: إن أحد هذين القولين صواب والثاني خطأ.
قال الإمام البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب: قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.
وقوله جل ذكره: ((تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)).
وقال القاسمي في التفسير: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: ذاته المقدسة.
يذهب في هذا المذهب إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 518
نقض مذهب المبتدعة في الصفات وبيان مذهب السلف في الإثبات والنفي
أيضاً: من السلف من يعد النفس صفة لله .
وهذا هو الذي يترجح لدي، ومنهم الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد حيث قال في أوله: (فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه).
يعني: أول صفة ذكرها إمام الأئمة في كتاب التوحيد هي صفة النفس لله .
ثم قال: (جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه، وعز أن يكون عدماً لا نفس له).
يريد أن يقول: نثبت له الصفات بغير تمثيل، وننزهه بغير تعطيل، وهذا هو منهج السلف: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
كيف ذلك؟ أنا أعلم من نفسي أن لي نفساً، وأعلم أن هذه النفس قد اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: هي الروح.
ومنهم من قال: هي الدم.
ومنهم من قال: هي النفس الذي يتنفسه المرء.
وغير ذلك مما يقع في أودية الحد والتعريف لنفس الإنسان.
أنا أثبت لنفسي النفس؛ لأن الله ﵎ جبلني وخلقني عليها، وأثبت لله النفس، ولكنها نفس تختلف عن نفسي.
لماذا؟ لأن ذات الله تختلف عن ذاتي، ولما كانت النفس من صفات الله ، والذات غيب عني، وأنا لا أعلم كنه الذات ولا كيفية الذات، فلابد وأنني سأسكت عن الخوض في الصفات؛ لأن الذات إذا كانت علية جليلة سامية فلابد وأن الصفات تابعة لها، ومنها صفة النفس، فإن الله تعالى له نفس، ولابد وأنها تختلف عن نفسي.
كيف هي؟ الله أعلم بنفسه.
ولا نعطل المولى ﵎ عن صفاته، فنقول: لا نفس له.
لأن هذا نفي لما أثبته الله تعالى في كتابه، وما أثبته له رسوله في سنته.
فلو قلت: إن لله نفساً كنفسي، جعلت الله ﵎ كخلقه.
وهذا حرام.
وإذا قلت: إنه ليس هناك نفس لله، سلبت الذات العلية الإلهية صفاتها التي أثبتها الله ﵎ لنفسه، وهو أعلم بنفسه، ورسوله أعلم به.
فحيث أردت إثبات ما أثبته الله لنفسه احذر من الوقوع في أن أقول: إن له نفساً كنفسي.
لأن هذا تمثيل وهو حرام.
وإذا أردت أن أنزه الله فلا أنزهه على مذهب المعطلة النفاة الذين ذهبوا بزعمهم إلى تنزيه الإله، فقالوا: ذات بلا صفات.
لماذا؟ قالوا: لأن إثبات هذه الصفات يستلزم المشابهة.
ففروا من التمثيل والمشابهة فوقعوا في التعطيل، وكلاهما شر.
أما مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته فوسط بين الممثلة وبين المعطلة، فقد أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، ولم يخوضوا في معرفة كيفيته، بل أثبتوه على الوجه الذي يليق بعظمة الله ﵎ وجلاله وكماله.
وهم يقولون: له نفس، ولكن نحن لا نعلم كيفيتها؛ لأن الذات غيب عنا، ولا نعلم كيفية الذات، وإذا كنا لا نعلم كيفية الذات، فلن نعلم كيفية الصفات.
ولكن انظر مرة ثانية إلى كلام ابن خزيمة عليه رحمة الله حيث يقول: (فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه -رد للتشبيه والتمثيل- وعز ربنا أن يكون عدماً لا نفس له).
وهذا رد على المعطلة النفاة.
واعلم أن هناك بعض الحانقين الحاسدين في زمن ابن خزيمة سموا كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة: كتاب الشرك، مع أنه ينضح توحيداً على مذهب السلف.
ابن خزيمة عليه رحمة الله ذكر الذهبي في ترجمته أنه كان ممن يخضب.
وهذا ربما يقال بأنه لا يحتاج إلى ذكر، والواقع غير هذا؛ لأن في ترجمة أي راوٍ من الرواة عندما يذكر مثل ذلك الذي يُرى أنه لا قيمة له، كان لذكره سبب، وقيمته كامنة في اتباع ذلك الراوي لهدي النبي ﵊ ومنابذته في هذا الهدي لليهود والنصارى وغيرهم، ولذلك ابن خزيمة لما تكلم بهذا الكلام، لابد وأنه يرد به على بقية الفرق الضالة عن سواء السبيل، واختلفوا في دينهم، حتى اختلفوا في ذات الإله ﵎.
وللشيخ الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله كتاب اسمه: (كيد الشيطان لنفسه قبل خلق آدم ﵇ وذكر الفرق الضالة)، يذكر فيه كيف طرأ الفساد على هذه الأمة المباركة، ويذكر تسلسلاً لا تكاد تشبع منه حتى تقرأ الكتاب مرات ومرات، يشنع فيه على اليهود تارة وعلى المجوس تارة وعلى النصارى أخرى، ثم يشنع أيما تشنيع على الفرق الضالة الذين انتسبوا للإسلام واختلفوا فيه.
ومما قاله: (ونهى النبي ﵊ عن التشبه باليهود والنصارى، فإن النصارى اختلفوا في ربهم وفي إلههم، فلو سألتهم عن ربهم لكان للرجل رأي، وللمرأة رأي، وللأولاد آراء، وللخادم عندهم رأي حتى أنك تطرح عليهم المسألة وهم عشرة فتخرج منهم بإحدى عشر رأياً).
اختلاف عظيم جداً في ربهم، ولكن الدليل على أن أهل السنة والجماعة هم أعلم الناس بالله ، وأنهم أهل الإيمان الحقيقي: أنهم لم يختلفوا في ربهم، لا في ذاته ولا أسمائه ولا صفاته ولا أفعاله، كلامهم واحد.
ولو أخذت هذا الكلام لـ ابن خزيمة عليه رحمة الله وعرضته على كلام أحمد لوجدته يتطابق تمام المطابقة معه، ومع كلام السلف كلهم، وك
стр. 519
تأويلات النفس
الشيخ مرعي الكرمي له كتاب: (أقاويل الثقات) وقد أصل لنفسه أصولاً وقعد قواعد ينبغي أن يخالف فيها، من هذه القواعد: أنه عد آيات صفات لله من المتشابهات، وليس الأمر كذلك، والمحكم والمتشابه في صفات الله ﵎ له محاضرة خاصة.
قال: (ومن المتشابه: النفس).
وليس الأمر كما يقول.
بل هي من المحكمات، كما في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، وقوله : (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).
قال أهل التأويل كما ذكر ذلك البيهقي -وهو أشعري المعتقد- النفس في كلام العرب على وجوه.
يعني: عند إطلاق كلمة النفس في كلام العرب لها معاني.
قال: نفس متفرقة مجسمة مروحة -لها روح- ومنها مجسمة غير مروحة، تعالى الله عن هذين.
وهو يريد أن ينزه الله ﵎ عن هاتين النفسين.
قال: ونفس بمعنى إثبات الذات.
يعني: نفس بمعنى الذات، وعليه فيقال في الله سبحانه: إنه نفس.
يعني: فسر النفس بالذات، لا أن له نفساً منفوسة أو جسماً مروحاً، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
أي: تعلم ما أخفيه في نفسي ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك، ففسر النفس بالعلم، وهذا تأويل آخر: أن النفس تفسر بالعلم.
وهذا كلام بعيد جداً؛ لأن العلم من لوازم النفس وليس هو النفس نفسها.
وقوله: (فِي نَفْسِكَ) للمشاكلة.
وقد قلنا: إن هذا الكلام مردود؛ لأن قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) إن كان ورد على سبيل المشاكلة -أي: مقابلة النفس بالنفس- فإن النفس قد ذكرت في غير ما آية وحديث بغير مقابلة ولا مشاكلة.
قال: والمشاكلة وإن ساغت هنا لا تكون في غيره.
ومثله: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).
أي: حيث لا يعلم به أحد ولا يسأله عليه.
وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، أي: ويحذركم الله إياه.
أي ذاته، ففسر النفس بالذات.
وقال السهيلي: النفس عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد.
وهذا كلام في غاية الخطورة؛ لأنه سيثبت الذات المجردة عن الصفات -يعني يريد أن يقول: النفس هذه ليست صفة زائدة ثابتة لله تعالى- وقد استعمل من لفظها النفاسة والشيء النفيس، فصلحت للتعبير عنه تعالى.
وقال ابن اللبان: أولها العلماء بتأويلات، منها: أن النفس عبر بها عن الذات.
قال: وهذا وإن كان سائغاً في اللغة لكن تعدي الفعل إليها بـ (في) المفيدة للظرفية محال في حق الله .
وهذا إبطال لذاك التأويل السابق.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في قوله ﵊: (إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن).
قال: أي تنفيسه الكرب.
فعبر عن نفس الله بالتنفيس وتفريج الكربات.
وهذا بلا شك أمر بعيد جداً، وقد ظهر فيما مر أن النفس تطلق على الله مراداً بها الذات المتصفة بالصفات.
ومنهم من قال: إن إطلاق صفة النفس على الله يلزم من ذلك أن يكون الله تعالى شخص، ولا حرج في كون الله ﵎ شخص والأدلة قد وردت بإثبات أن الله تعالى شخص كما في حديث: (لا شخص أغير من الله).
فلما علموا ذلك نكصوا على أعقابهم يؤولون الشخص مرة أخرى، يعني: هم ظنوا أولاً أن أهل السنة لا يوافقونهم على هذا الطرح بأن إثبات صفة النفس لله يستلزم أنه شخص، فظنوا أن أهل السنة والجماعة يفزعون من هذه التسمية ويرفضونها، ففوجئوا بأن أهل السنة يقولون: وما المانع أن يوصف الله تعالى بأنه شخص وقد جاءت الأدلة بإثبات ذلك ومنها قوله ﵊ فيما رواه البخاري ومسلم: (لا شخص أغير من الله)، (لا شخص أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين).
(لا شخص أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة).
وهذا دليل يثبت أن الله تعالى شخص.
والإشكال أنك تتوهم في ذهنك شيء عن الله، ثم تنزل الله ﵎ منزلة ما تعرفه من نفسك، وهذا حرام ولا يجوز.
لما تكلمنا عن اليد استبشع بعض السامعين أن لله يد، مع أن الله قد أثبتها لنفسه، ولما تكلمنا عن العينين استبشع بعض السامعين أن لله عينين.
ما البشاعة في ذلك؟ البشاعة عندك أنت، لما وضعت في تصورك ومخيلتك أنك تثبت لله ﵎ صفة كصفتك وتظن عند سماعها بأن الله تعالى متصف بما خلقك أنت عليه، وهذا هو الذي لا يجوز، ولا ينبغي أن يخطر ببالك.
قال أبو سليمان الخطابي ﵀: إطلاق الشخص في صفة الله غير جائز؛ لأن الشخص لا يكو
стр. 520
ذكر من أثبت من العلماء أن النفس صفة للذات الإلهية
السلف أهل الحق يثبتون النفس لله سبحانه، ويسكتون عما وراءه من الخوض في حقيقتها أو كيفيتها، مادام الله ﵎ أثبت النفس لنفسه فما المانع أن أثبتها وأكف عن الخوض في الكيفية كما كففت عن بقية الصفات؟ وينزهون الله عن مشابهة نفسه بأنفس المخلوقين، كما لا يقتضي عندهم أن يكون سبحانه مركباً في نفس وبدن تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! وقد وردت الآيات والأحاديث الدالة على إثبات هذه الصفة لله تعالى، كما قال الحافظ عبد الغني المقدسي وقد تقدم ذكر ذلك.
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قوله: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فكتبه على نفسه: إن رحمتي سبقت غضبي).
فما جوزه النووي ﵀ من التأويل مردود مخالف لمنهج السلف، أما ما ذكره أولاً من أن المراد بالنفس الذات فله وجه في العربية، فإن النفس تأتي في كلامهم بمعنى الذات كما فصله شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه حمل النصوص التي فيها إثبات هذه الصفة لله .
بينما ذكر غيره هذه النصوص مثبتاً بها أن النفس صفة لله تعالى يظهر ذلك من صنيع ابن خزيمة فإنه قال: باب: (ذكر البيان من خبر النبي ﷺ في إثبات النفس لله).
ثم حشد النصوص في ذلك، ثم قال: (فالله جل وعلا أثبت في آي من كتابه أن له نفساً، وكذلك قد بين على لسان نبيه أن له نفساً، وكفرت الجهمية بهذه الآي وهذه السنة، وزعم بعض جهلتهم: أن الله تعالى إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق إليه، وزعم أن نفسه غيره -أي: زائدة- كما خلق غيره، وهذا لا يتوهمه ذو لب وعلم فضلاً عن أن يتكلم به).
وقد كتب الله الرحمة أفيتوهم مسلم أن الله كتب على غيره الرحمة؟ يعني: إذا كان الله ﵎ يقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، فإذا كانت النفس بمعنى الغير وبمعنى الخلق، فيكون المعنى: ويحذركم الله غيره، فهل يستقيم المعنى هكذا؟
الجواب
لا.
قال: (وحذر الله العباد نفسه، أفيحل لمسلم أن يقول: إن الله حذر العباد غيره؟ أو يتأول قوله لكليمه موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] إذا كان المقصود بالنفس الغير أو الخلق فهل يقال: واصطنعتك لغيري من المخلوقين؟
الجواب
لا.
ولا يستقيم هذا المعنى.
أو يقول: أراد الروح لله بقوله: ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
أي: ولا أعلم ما في غيرك.
هذا ما لا يتوهمه مسلم ولا يقوله إلا كل معطل كافر انتهى كلامه.
وإلى أنها صفة للذات ذهب أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه (اعتقاد التوحيد)، فقد نقل عنه ابن تيمية عقيدته، ومما فيها: إثبات النفس لله تعالى، فقال بعد أن أورد النصوص من الكتاب والسنة في إثبات النفس: فقد صرح بظاهر قوله أنه أثبت لنفسه نفساً، وأثبت له الرسول ذلك، فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنياً على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
يعني: نفس ليست كأنفس المخلوقين.
ثم قال: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ﵊ بنقل العدل عن العدل حتى يتصل به إلى النبي ﷺ .
وقال صديق حسن خان: ومما نطق به القرآن وصح به النقل من الصفات: النفس.
وسرد الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، وهذا هو الصواب الموافق لمنهج السلف.
وخلاصة الأمر: أننا لابد وأن نثبت لله ﵎ نفساً كما أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله الكريم، وأن هذه النفس هي صفة لله ﵎.
ويحتمل -وهو بعيد في الشرع لا في لغة العرب-: أن تكون النفس هي الذات، فإن كانت النفس هي الذات في المخلوقين، فإن الخالق لا يقاس على المخلوقين، فإن نفسه صفة لازمة لذاته، وهي صفة ذاتية خبرية قد وردت في الأخبار والآثار.
стр. 521
إثبات صفة النَفَس لله تعالى
صفة النَفَس لله جاء فيها حديث سلمة بن نفيل السكوني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال وهو مول ظهره إلى اليمن: (إن لأجد نَفَس الرحمن من هنا).
ولم يقل: نَفْس الرحمن.
رواه الطبراني والبزار والبخاري في التاريخ الكبير والبيهقي في الأسماء والصفات، وأسانيده صحيحة.
وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن).
وشيخنا الألباني حفظه الله حكم على هذا اللفظة: (نفس الرحمن) بالشذوذ والنكارة، وهو الوحيد الذي تفرد بتضعيف هذه الزيادة.
ولا أتصور أن معه الحق في ذلك حفظه الله، فهو مجتهد عظيم، ولكنه خالف العلماء سلفاً وخلفاً في تضعيف هذه اللفظة، وللحديث شواهد على فرض ضعف هذه الرواية التي تكلم عنها شيخنا، وهي حديث أبي هريرة في المسند، حتى وإن أثبت أنها ضعيفة، فإنما يشهد لها حديث سلمة بن نفيل السكوني، وكذلك حديث أبي بن كعب ﵁ موقوفاً عليه: (لا تسبوا الريح؛ فإنها من نفس الرحمن ﵎.
ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح، بل قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وقال الذهبي: بل صحيح على شرط البخاري فقط.
وحديث أبي هريرة ﵁: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).
قال الأزهري في تهذيب اللغة بعد أن ذكر هذا الحديث: (أجد نفس ربكم من قبل اليمن).
قال: أجد تنفيس ربكم عنكم.
أي: تفريج ربكم، فأول النفس بالتنفيس وتفريج الكربات؛ لأن الله جل وعز نصرهم بهم، وأيدهم برجالهم.
وكذلك قوله: (الريح من نفس الرحمن).
أي: من تنفيس الله بها عن المكروبين، وتفريجه عن الملهوفين انتهى كلامه.
وقال في القاموس المحيط: وفي قوله: (ولا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن)، (وأجد نفس ربكم من قبل اليمن)، قال: هو اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من نفس تنفيساً ونفساً.
أي: فرج تفريجاً.
وهو واقع في نفس التأويل أيضاً.
قال أبو يعلى الفراء في إبطال التأويلات بعد أن ذكر حديث: (الريح من نفس الرحمن).
قال: اعلم أنا شيخنا أبا عبد الله -وهو أحمد بن حنبل - ذكر هذا الحديث في كتابه -أي: في مسنده- وامتنع أن يكون على ظاهره في أن الريح صفة ترجع إلى الذات، والأمر على ما قاله.
ويكون معناه: أن الريح مما يفرج الله بها عن المكروب والمغموم، فيكون معنى النفس بمعنى التنفيس، وذلك معروف في قولهم: نفست عن فلان.
أي: فرجت عنه، وكلمت زيداً في التنفيس عن غريمه.
أي: في أن يفرج وأن يحط عن غريمه الدين.
ويقال: نفس الله عن فلان كربه.
أي: فرج عنه.
وروي في الخبر: (من نفس عن مكروب كربة، نفس الله عنه كربة يوم القيامة).
وفي الخبر: أن الله فرج عن نبيه بالريح يوم الأحزاب، فقال : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩].
وإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا.
أي: حمل خبر النَفَس على التنفيس، ولم يجز تأويل غيره من الأخبار.
يريد أن يقول: إن الخبر هذا بالذات يجوز تأويله، لأنه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك؛ وذلك أنه قال عن الريح: (فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به).
فإذا كانت الريح من نفس الرحمن ﵎، وليست من تنفيس الكربات فيكيف نستعيذ بالله ﵎ من شر الريح، ومن شر ما تحمل، ومن شر ما فيها وما أرسلت به؟! هذا لا يليق بالله ، وهذا يقتضي أن فيها شراً، وأنها مرسلة.
قال: وهذه صفات المحدثات -أي: صفات المخلوقات- وفي النفس شيء من هذا الكلام.
الله ﵎ قد ثبت في غير ما دليل أنه يضحك، يأتي، يسخط، يغضب، ينزل إلى السماء الدنيا.
وعند إطلاق هذه الأوصاف على المخلوقين فإنها محدثة مخلوقة، ونحن نعلم أن الخير والشر من الله ، ولا يكون في الكون إلا ما أراد، والريح مخلوقة بدليل أنها تسكن تارة وتهيج تارات أخرى، فلما قلنا: بأن الريح من نفس الرحمن.
أي: أن الله ﵎ له نفس من آثار هذه الصفة الله ﵎ يخلق الرياح التي تحمل الخير تارة، والتي تحمل الشر تارة أخرى.
ما المانع أن نؤمن بأن لله تعالى نفساً، وأن الله ﵎ يجعل من هذه النفس الرياح التي تحمل الخير والشر، وإن كانت محدثة فإن إحداث ال
стр. 522
الأسئلة
стр. 523
بيان ما يجب على المرأة من الصلوات إذا طهرت قبل أو بعد الغروب
السؤال
نرجو بيان الصلاة التي تجب على المرأة بعد أن تطهر من الحيض؛ علماً بأن الصلاة في كتاب فتاوى المرأة -والفتوى للشيخ ابن باز -: إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس وجب عليها صلاة الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل طلوع الفجر وجب عليها صلاة المغرب والعشاء؟
الجواب
هذا هو الكلام الصحيح، وعليه جمهور أهل العلم.
стр. 524
حكم الفرق التي تخالف أهل السنة
السؤال
الفرق التي لا تتفق مع السلف، مثل الأشاعرة والمنهج الذي ينشأ عليه تلاميذ الأزهر -مثلاً- ما جزاء هؤلاء أمام الله؟ وهل الذي يسير على هذا المنهج يؤدي به ذلك للكفر بالله؟
الجواب
ليس من الضروري أن نقول لك: إن هذا يؤدي إلى الكفر بالله من أجل ألا تمشي وراءه.
وقوله ﵊: (كلهم في النار إلا واحدة) لا يلزم منه الخلود في النار، بل يلزم منه المكث الطويل للمفارقة بين المتبع والمبتدع.
ولو قلنا: بأن الفرق الضالة التي خالفت في أسماء والله وصفاته في النار لا نحكم عليها بالخلود؛ لأنه لا يخلد فيها إلا كافر، لكن اعلم أننا عندما نقول: هذه فرق ضالة.
هي بالفعل ضالة.
لماذا؟ لأنها ضلت السبيل، وضلت عما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام، لكن هل ضلوا بعناد وجحود؟ لا يمكن، إلا إذا كان صاحب هوى وصاحب انحراف، مثل عبد الله بن سبأ الذي قال: إن علياً هو الله، أو مثل الشيعة الذين يتقربون إلى الله بسب أبي بكر وعمر وعثمان، وتكفير الثلاثة، بل وتكفير معظم الصحابة إلا عدد قليل منهم.
وقولهم: إن القرآن الذين بين أيدينا ليس هو كلام الله ولا كتاب الله، وأن كتاب الله يبلغ ثلاثة أضعاف هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وأنه موجود محفوظ مع المهدي المنتظر المزعوم.
وأن النبي ﵊ أوصى علياً بهذا الكتاب، وعلي أخفاه تقية، ثم أعطاه فاطمة، وفاطمة أعطته لمن بعدها وغير ذلك كلام كله خبل.
أنا أريد أن أقول لك: هناك تأويل سائغ وهناك تأويل غير سائغ وغير معتبر، ولذلك عندما تقرأ لأصحاب الفرق الضالة في كتاب ابن الجوزي المذكور آنفاً تجده يقول: ولقد بلغ أقوام من أهل الضلال مبلغاً جعلهم يقولون: إن الله تعالى شخص جميل، ومنهم من صرح بذلك فقال: إن الله تعالى إنسان لطيف، فأثبتوا له ما هو من صفات المخلوقين، من أن الله ﵎ يأكل ويشرب ويتغوط وينكح ويلد، وهذا بلا شك كفر صريح يصادم القرآن الكريم.
إذا علمت هذا فلابد وأنك ستقدر موقف المعتزلة في مسألة خلق القرآن الكريم، المعتزلة قالوا: إن القرآن مخلوق وهو كلام الله.
يعني: وافقوا أهل السنة بأن القرآن كلام الله، لكنهم قالوا: إنه مخلوق.
وأهل السنة يقولون: هو كلام الله غير مخلوق.
ومن قال: إنه مخلوق فقد كفر؛ لأن كل مخلوق حادث، وكل حادث لابد وأن يطرأ عليه الفناء.
أما المعتزلة فقالوا: لا يلزم من ذلك القول بالذات، وقامت الدنيا ولم تقعد في زمن الدولة العباسية في الصدر الأول في القرن الثالث الهجري وعذبوا أحمد بن حنبل ومن معه لرده على المعتزلة.
لو أني سألت نفسي سؤالاً: إن هذه القضية متعلقة بذات الإله، وليست لها علاقة بالدنيا ولا بالسلطان ولا بالمال ولا بالأبناء ولا بالزوجات، بل ولا حتى بالكرسي والعرش، حتى ندعي بأنهم عندما دخلت السياسية في هذه القضية كانوا يقصدون بذلك المحافظة على كراسيهم وعلى مناصبهم ودولتهم، فهي قضية عقدية بحتة عند المعتزلة، ولابد أن أحكم بأن المعتزلة كانوا يريدون بهذا المذهب وجه الله ، فإن المعتزلة حين أحدثوا هذا المذهب الباطل لم يعلموا بأنه الباطل الذي ليس بعده بطلان، وأنه أفسد الفساد، ولكنهم ذهبوا هذا المذهب وفي ظنهم واجتهادهم أن هذا دين الله ، ومن أجل ذلك قاموا على أهل السنة فضربوهم وآذوهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الكلام في الله حادث، وأحمد بن حنبل لا يقول بأنه حادث، حتى قامت الحجة واستقر الأمر، ومَنَّ الله ﵎ على هذه الأمة بظهور أحمد بن حنبل ومن معه، لكن لابد أن أوضح بأن الدولة العباسية في ذلك الزمان كان يهمها أن ترعى دين الله ، لا ترعى دنياها ولو أفسدت الدنيا والدين كمن يفتي بحل الربا، بل أصبح الآن حلالاً بقانون وبقرار.
أيعقل أنه لا يعرف أنه هذا ليس حلالاً؟ يعرف، لكن هذا كرسي وسلطان وأموال تدفع شهرياً فأصبح معلوماً لكل ذي عينين ولمن كان له لب أن هذه الفتوى فتوى مأجورة مفصلة، وليست فتوى دين أبداً.
ومعظم الفتاوى التي على هذا النحو ليست ديناً، حتى الحراس والزراع في أراضيهم يعلمون هذا؛ لأنه يصدمهم فيما تربوا عليه ونشأوا وأنت أبوك الفلاح الذي يحسن كتابة اسمه يعلم أن التعامل مع البنوك ربا.
لماذا؟ لظهور العلم وانتشاره.
تأتي وتقول: أين العمل بهذه الفتوى؟ سأقول لك: إنك صاحب هوى، أنت كذاب، أنت متبع لهواك عندما تقول: أضعها في رقبة عالم وأخرج منها سالم.
أما المعتزلة عندما أخطئوا فما كانوا يقصدون الخطأ، ولم يكن من وراء خطئهم مصلحة لهم في قيام دولتهم، وإنما هو الدين الذي حرصت الدولة في ذلك الوقت على بيانه وظهوره على الدين كله، ولكنهم في هذا الاجتهاد أخطئوا، ولما انتشرت هذه البدعة وماجت في الأرض شرقاً وغرباً كان لزاما
стр. 525
حكم هجران المداوم على المعاصي بعد نصحه
السؤال
لي ابنة أخت عمرها تسع عشرة سنة لا تصلي ومداومة على التبرج والمشاهدة للتلفزيون وسماع الأغاني واقتناء المجلات الخليعة، ولي أم كلما أنكرت هذا غضبت علي ودعت علي وصارت مشكلة، علماً بأن ابنة أختي تعيش معنا، وأن الآن لا أخاطبها إطلاقاً ولا أكلمها منذ شهور، وأعتني بنصح أمي وأختي؟
الجواب
الصحيح أن تداومي على نصيحتها وأن تصلوا لله في الثلث الأخير من الليل وتدعو لها بالصلاح والفلاح والرشد وغير ذلك، ولا تملي من نصحها بالليل والنهار، فإما أن تقبل وإما أن تخرج من البيت.
стр. 526
حكم التوسل بالأولياء والصالحين
السؤال
أثر عمر بن الخطاب في الاستسقاء: كنا نستسقي بنبينا ﷺ واليوم نستسقي بـ العباس عم نبينا، فهل يدل على جواز التوسل بالأولياء؟
الجواب
لا، وإنما التوسل يكون بدعاء الصالحين وبالعمل الصالح الذي يعمله المرء، ويكون بالله تعالى وأسمائه وصفاته، أما التوسل بذوات المخلوقين فلا يجوز قط.
стр. 527
حكم إحداث قول جديد لم يرد عن السلف
السؤال
هل يجوز لنا أن ننشئ قولاً جديداً لم يأت به أحد من السلف كقولكم في أمر النفس؟
الجواب
لا، لا يجوز.
يعني: أنت تريد أن ترد علي وتقول: مادام السلف أجمعوا أن النفس هي التنفيس، فلماذا تتحرج منها؟ أنا أقول لك لماذا أتحرج منها: لأن القضية ليس فيها إجماع، وأن لم آت برأي ثالث، بل بعض السلف -وهم قلة بلا شك- أثبتوا النَفَس لله ، على ما يليق بجلاله وكماله ، وما الحرج أن أتبع ولو واحداً من أهل العلم في إثبات هذا، وأن هذا الذي يترجح لدي، ورأيي هذا ليس رأياً ثالثاً، وإنما هو ترجيح لأحد الرأيين في المسألة.
والله أعلم.
стр. 528
حكم أكل الجلالة من الدجاج
السؤال
سمعنا أن بعض الدجاج في القرى أكلها لا يجوز وتدخل في حكم الجلالة، فهل هذا حديث، وهل هذا صحيح أم لا؟
الجواب
في الحقيقة هذه مسألة محدثة لم تكن معروفة في الماضي، إنما الجلالة هي التي ترعى وتأكل القاذورات، ويتغير لحمها عن لحوم مثيلاتها، والجلالة نهى النبي ﵊ عن أكلها حتى تحبس ثلاثاً أو أكثر من ذلك لكي يتغير لحمها.
يعني: تأكل طعاماً جيداً نظيفاً نقياً طاهراً حتى يتغير لحمها ودمها فحينئذ يجوز أكلها.
لكن في الحقيقة كون هذه فراخ الدجاج جلالة من عدمه أمر ليس محل اتفاق بين أهل العلم، وكثير ممن يربون الدواجن في مزارعهم يثبتون أن هذه ليست جلالة، وأن الطعام الذي يأتون به طعام نقي جيد وطاهر، أما قول القائلين بأن في الطعام نسبة دم، فالأطباء يقولون: إن نسبة الدم عبارة عن (١%) فقط بالنسبة للطعام الكلي، وهذه النسبة لا يتعلق بها تحريم ولا كراهة.
يعني: على فرض صحة قولهم بأن الطعام فيه نسبة (١%) دم، فنسبة (١%) إلى (٩٩%) لا يمكن أن يتعلق بهذه النسبة حرمة ولا كراهة.
والله تعالى أعلم.
стр. 529
حكم المكره على القتل والزنا
السؤال
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
وذكر الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث أنه يستثنى من ذلك الإكراه على الزنا والقتل فلا يباحان؟
الجواب
يريد أن يقول: إن الإمام النووي استثنى هذين الاثنين: القتل والزنا؛ وبالفعل فقد ذكر ذلك الإمام النووي ﵀.
لأنني إذا أكرهت على قتلك فلابد من إزهاق النفس، وإن كنت لا آثم بذلك.
أي: إذا قتلت مكرهاً، فما المانع ألا أقتل، وإن كنت أنا الذي سأقتل.
يعني: المكْرِه أعظم ما يمكن أن يملكه للمُكْرَه: القتل.
إذاً يقتلني فنفس مقابل نفس، نفس أكرهت فلم تقبل هذا الإكراه فقتلت فهي شهيدة أو بريئة عند الله ، وهذا خير من أن تقتل نفساً بريئة لا ذنب لها إلا الإكراه، هذا في حق القتل.
أما في حق الزنا، فلعظم خطره ولاختلاط النسب فيه واختلاط المياه.
أي: ماء الرجل بماء غيره، وما يترتب عليه من مفسدة عظيمة على الفرد والمجتمع؛ لذا قال: إن الزنا والقتل يستثنيان من الإكراه.
مداخلة: ما حكم الذي أحكم في قيده وأكره على الزنا من باب التعذيب والإجبار؟ الشيخ: لا يمكن لأحد مع هذه الحالة أن يقوى على الزنا، أما إذا كان الكلام موجه لبعض الجهات والهيئات التي ألفوا اغتصاب المؤمنين والمؤمنات سواء باللواط أو الزنا، فهذا أمر ليس فيه إكراه، وأي إكراه في ذلك؟ فإما أن تكون قد أنيطت بك تلك المهمة وأنت مجبر عليها، فلابد وأن تترك هذا العمل فوراً، وإن أوذيت وعذبت فلابد من الترك كذلك.
مداخلة: وهل الأفضل لهذا المكره أن يموت إن خير بين القتل والزنا أم يرتكب الفاحشة؟ الشيخ: يموت خير له، وهذا الكلام هو الذي قاله شيح الإسلام ابن تيمية.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك.
стр. 530
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة النزول لله
صفات الله الفعلية هي ما يتعلق بأفعال الله ﵎، وأفعاله لا منتهى لها، فهو يفعل ما يشاء، متى شاء، وكيفما يشاء، ومن صفات الله الفعلية صفة النزول، وأهل السنة يثبتون لله نزولاً يليق بجلاله وعظمته، وقد خالفهم في ذلك فرق الخوارج الذين يردون الأحاديث الواردة في ذلك، أو يشبهون نزوله بنزول المخلوقين، كما خالفهم في ذلك القائلون بعدم نزوله تعالى مطلقاً، وغيرهم من أهل المذاهب المنحرفة، والتي ما هي إلا نتاج إعمال العقل وتقديمه على النص، واتباع الهوى الذي يئول بصاحبه إلى التردي في أودية الهلاك.
следующие страницы →