← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

حكم التوسل بالأولياء والصالحين السؤال أثر عمر بن الخطاب في الاستسقاء: كنا نستسقي بنبينا ﷺ واليوم نستسقي بـ العباس عم نبينا، فهل يدل على جواز التوسل بالأولياء؟ الجواب لا، وإنما التوسل يكون بدعاء الصالحين وبالعمل الصالح الذي يعمله المرء، ويكون بالله تعالى وأسمائه وصفاته، أما التوسل بذوات المخلوقين فلا يجوز قط.

стр. 527

حكم إحداث قول جديد لم يرد عن السلف السؤال هل يجوز لنا أن ننشئ قولاً جديداً لم يأت به أحد من السلف كقولكم في أمر النفس؟ الجواب لا، لا يجوز. يعني: أنت تريد أن ترد علي وتقول: مادام السلف أجمعوا أن النفس هي التنفيس، فلماذا تتحرج منها؟ أنا أقول لك لماذا أتحرج منها: لأن القضية ليس فيها إجماع، وأن لم آت برأي ثالث، بل بعض السلف -وهم قلة بلا شك- أثبتوا النَفَس لله ، على ما يليق بجلاله وكماله ، وما الحرج أن أتبع ولو واحداً من أهل العلم في إثبات هذا، وأن هذا الذي يترجح لدي، ورأيي هذا ليس رأياً ثالثاً، وإنما هو ترجيح لأحد الرأيين في المسألة. والله أعلم.

стр. 528

حكم أكل الجلالة من الدجاج السؤال سمعنا أن بعض الدجاج في القرى أكلها لا يجوز وتدخل في حكم الجلالة، فهل هذا حديث، وهل هذا صحيح أم لا؟ الجواب في الحقيقة هذه مسألة محدثة لم تكن معروفة في الماضي، إنما الجلالة هي التي ترعى وتأكل القاذورات، ويتغير لحمها عن لحوم مثيلاتها، والجلالة نهى النبي ﵊ عن أكلها حتى تحبس ثلاثاً أو أكثر من ذلك لكي يتغير لحمها. يعني: تأكل طعاماً جيداً نظيفاً نقياً طاهراً حتى يتغير لحمها ودمها فحينئذ يجوز أكلها. لكن في الحقيقة كون هذه فراخ الدجاج جلالة من عدمه أمر ليس محل اتفاق بين أهل العلم، وكثير ممن يربون الدواجن في مزارعهم يثبتون أن هذه ليست جلالة، وأن الطعام الذي يأتون به طعام نقي جيد وطاهر، أما قول القائلين بأن في الطعام نسبة دم، فالأطباء يقولون: إن نسبة الدم عبارة عن (١%) فقط بالنسبة للطعام الكلي، وهذه النسبة لا يتعلق بها تحريم ولا كراهة. يعني: على فرض صحة قولهم بأن الطعام فيه نسبة (١%) دم، فنسبة (١%) إلى (٩٩%) لا يمكن أن يتعلق بهذه النسبة حرمة ولا كراهة. والله تعالى أعلم.

стр. 529

حكم المكره على القتل والزنا السؤال عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وذكر الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث أنه يستثنى من ذلك الإكراه على الزنا والقتل فلا يباحان؟ الجواب يريد أن يقول: إن الإمام النووي استثنى هذين الاثنين: القتل والزنا؛ وبالفعل فقد ذكر ذلك الإمام النووي ﵀. لأنني إذا أكرهت على قتلك فلابد من إزهاق النفس، وإن كنت لا آثم بذلك. أي: إذا قتلت مكرهاً، فما المانع ألا أقتل، وإن كنت أنا الذي سأقتل. يعني: المكْرِه أعظم ما يمكن أن يملكه للمُكْرَه: القتل. إذاً يقتلني فنفس مقابل نفس، نفس أكرهت فلم تقبل هذا الإكراه فقتلت فهي شهيدة أو بريئة عند الله ، وهذا خير من أن تقتل نفساً بريئة لا ذنب لها إلا الإكراه، هذا في حق القتل. أما في حق الزنا، فلعظم خطره ولاختلاط النسب فيه واختلاط المياه. أي: ماء الرجل بماء غيره، وما يترتب عليه من مفسدة عظيمة على الفرد والمجتمع؛ لذا قال: إن الزنا والقتل يستثنيان من الإكراه. مداخلة: ما حكم الذي أحكم في قيده وأكره على الزنا من باب التعذيب والإجبار؟ الشيخ: لا يمكن لأحد مع هذه الحالة أن يقوى على الزنا، أما إذا كان الكلام موجه لبعض الجهات والهيئات التي ألفوا اغتصاب المؤمنين والمؤمنات سواء باللواط أو الزنا، فهذا أمر ليس فيه إكراه، وأي إكراه في ذلك؟ فإما أن تكون قد أنيطت بك تلك المهمة وأنت مجبر عليها، فلابد وأن تترك هذا العمل فوراً، وإن أوذيت وعذبت فلابد من الترك كذلك. مداخلة: وهل الأفضل لهذا المكره أن يموت إن خير بين القتل والزنا أم يرتكب الفاحشة؟ الشيخ: يموت خير له، وهذا الكلام هو الذي قاله شيح الإسلام ابن تيمية. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك.

стр. 530

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة النزول لله صفات الله الفعلية هي ما يتعلق بأفعال الله ﵎، وأفعاله لا منتهى لها، فهو يفعل ما يشاء، متى شاء، وكيفما يشاء، ومن صفات الله الفعلية صفة النزول، وأهل السنة يثبتون لله نزولاً يليق بجلاله وعظمته، وقد خالفهم في ذلك فرق الخوارج الذين يردون الأحاديث الواردة في ذلك، أو يشبهون نزوله بنزول المخلوقين، كما خالفهم في ذلك القائلون بعدم نزوله تعالى مطلقاً، وغيرهم من أهل المذاهب المنحرفة، والتي ما هي إلا نتاج إعمال العقل وتقديمه على النص، واتباع الهوى الذي يئول بصاحبه إلى التردي في أودية الهلاك.

стр. 531

اعتقاد أهل السنة والجماعة في صفة نزول الرب ﵎ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. تعرضنا لصفات الذات لربنا ﵎، ويقاس عليه ما لم نذكر، ويفهم مما ذكرنا المراد، فتعرضنا لذكر الساق واليد والعين والقدم وغيرها، وما لم نذكره يقاس على ما ذكرناه، بحيث يفهم أن المؤمن لا بد أن يؤمن بصفات المولى ﵎ الذاتية الخبرية دون خوض في كيفيتها. وإذا قلنا: إن الصفات نوعان: صفات ذات وصفات فعل، فقد ذكرنا من صفات الذات ما يغني عن تكراره، ويقاس عليه ما لم نذكر. وأما صفات الفعل: فهي ما يتعلق بأفعال الله ﵎، وأفعاله لا منتهى لها، لأنه يفعل ما يشاء في أي وقت شاء وفي أي مكان شاء؛ ولذلك عبر المولى ﵎ عن مشيئته المطلقة في كتابه الكريم فيما يتعلق بأفعاله، فقال سبحانه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]. فأفعاله متعلقة بمشيئته وإرادته، والله ﵎ لا يسأل عما فعل، فلا يقال لأفعاله: لم فعل؟ ولا كيف فعل؟ لأنه يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، بخلاف الخلق فإنهم يسألون عما يفعلون. فأفعال الله كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء وغيرها من الأفعال تقول عنها: هذه صفة فعل لا صفة ذات، فاستواؤه ﵎ فعل، ومجيئه ﵎ يوم القيامة والملك صفاً صفاً فعل، ونزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فعل، وغير ذلك مما يطلق عليه أفعال لا صفات ذات. فإذا كنا تكلمنا عن بعض صفات الذات وقلنا بوجوب الإيمان بها وإمرارها كما جاءت دون الخوض في كيفيتها، ونثبتها لله ﵎ بلا تمثيل، وننزهه عن التشبيه بلا تعطيل؛ فكذلك نقول في أفعاله ﵎. فصفة الفعل التي نتعرض لها في هذه الليلة هي نزول المولى ﵎، فقد ثبت أنه ينزل في ليلة عرفة، وثبت أنه ينزل ويدنو في النصف من شعبان، وليس هذا يعني أننا نخص ليله بقيام ونهاره بصيام، ولكن المولى ﵎ ينزل في ليلة النصف من شعبان؛ ليغفر لعباده الصالحين، وينزل ﵎ في كل ليلة من الليالي إذا بقي ثلث الليل الآخر، فينادي في عباده: (أنا الملك. هل من داع فأجيبه؟ هل من مريض فأعافيه؟ هل من مستغيث فأغيثه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر) أي: حتى يظهر الصبح. ينادي المولى ﵎ ويتودد ويتحنن إلى عباده في هذا الوقت، وهو وقت إجابة الدعوة كما أجمع على ذلك أهل العلم، لكن القضية الآن: هل نزول الله ﵎ ثابت أم لا؟ والسؤال الثاني: إذا كان ثابتاً بالأدلة فكيف ينزل؟

стр. 532

اعتقاد الفرق الضالة في صفة نزول الله سبحانه

стр. 533

المذهب الأول: إنكار ورود أحاديث النزول في الصحيحين نازع الخوارج والجهمية في ثبوت أحاديث النزول؛ لأن الخوارج لهم في رواياتهم رجال غير رجال أهل السنة؛ ولذلك فهم لا يعتمدون خبر أهل السنة، وهم -عند أهل السنة- مغالون متطرفون في شروطهم ومنهجهم وفي اعتقادهم، بل هم من الفرق الضالة، وبالتالي كيف يعتمد خبرهم الذي يؤيد بدعتهم؟ وأهل العلم بينوا ذلك من أول ما وقعت الفتنة في زمن عثمان وعلي بن أبي طالب، ولذلك كان ابن سيرين يقول: كنا لا نسأل عن الرجال حتى وقعت الفتن فقلنا: سموا لنا رجالكم. فما سموا لنا من أهل السنة أخذنا بأحاديثهم، وما سموا لنا غيرهم تركناهم. ويقول ابن المبارك: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. أي: عن أهل الأهواء والبدع، أم عن أهل السنة والجماعة، ولذلك معظم الفرق التي انحرفت وضلت إنما كان انحرافها في عقيدتها في ربها ﵎. هذا مذهب الخوارج والجهمية ومعظم المعتزلة أنهم أنكروا ورود هذه الأحاديث رغم وجودها في الصحيحين.

стр. 534

المذهب الثاني: إثبات أحاديث النزول وتشبيهه بالمخلوق مذهب آخر قال: نحن نثبت هذه الأحاديث ولكن لا نفهم معنى النزول إلا ما نفهمه من نزول المخلوقين. فنحن لا نرد النصوص، ولكننا ننازع في فهم هذه النصوص، فنقول: نحن لا نفهم من النزول إلا ما نفهمه من نزول أحدنا، وأحدنا لا ينزل إلا إذا كان في علو ونزل درجة درجة. وافترى بعضهم على شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى أنه قال على منبر المسجد الكبير في الشام: إن الله ﵎ ينزل كنزولي هذا، ونزل درجتين ثم صعد. وهذا في حق شيخ الإسلام ابن تيمية الذي له رسالة في شرح أحاديث النزول من أمتع ما يمكن أن تقرأ وتسمع، والذي يذكر فيها مذاهب الفرق جميعاً في معنى نزول ربنا ﵎، ثم يذهب في معنى النزول إلى ما قاله مالك: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ولذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة في جميع صفات المولى ﵎ الذاتية والفعلية قولهم هذا: الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة. إذاً: فكيف يقال: إن شيخ الإسلام يقول: إن ربنا ينزل كنزولي هذا وينزل درجتين ثم يصعد المنبر مرة أخرى. هذا كذب وافتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن على أية حال! طار بهذا الخبر وبهذا النقل الكاذب أصحاب الأهواء والبدع الذين يبغضون شيخ الإسلام ابن تيمية، بل ويبغضون السنة وحامليها، طاروا بهذا الخبر فرحاً وقالوا: هذا في حكم شيخ الإسلام ابن تيمية، فإن كفرتم بعض المتعنتين الغالين من الفرق الضالة فيلزمكم أن تكفروا شيخكم شيخ الإسلام ابن تيمية. وشيخ الإسلام لم يصدر عنه هذا، بل صدر عنه غيره، وكلامه مسطور مكتوب، فضلاً عن أن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله لم يكن خطيباً قط، وهذا الخبر نقل أنه كان يخطب الجمعة فقال هذا، وشيخ الإسلام ابن تيمية لا يعلم من حياته قط أنه كان خطيباً. وهذا وجه ثان للرد على هؤلاء الكذبة الذين افتروا على شيخ الإسلام ابن تيمية. الوجه الثالث: أن هذا العام الذي نقل ابن بطوطة في رحلته، وذكر السنة التي فعل فيها شيخ الإسلام ابن تيمية هذا لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية حراً، بل كان مقيداً بالسلاسل في السجن. وهو الوجه الثالث في إثبات بطلان هذا الكلام ونسبته إلى شيخ الإسلام عليه رحمة الله. إذاً: للفرق الضالة رأيان: الرأي الأول: رد النصوص وبالتالي عدم التعرض للكيفية، لأن المسألة غير ثابتة. الرأي الثاني: ثبوت النصوص وتأويلها بما يتفق مع نزول المخلوقين، وهذا غلو في التشبيه، وأنهم لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما يفهمونه من صفاتهم إذا اتحدت الصفة في الاسم. ولعلكم تذكرون تلك القاعدة التي ركزنا عليها أيما تركيز في أول شرح هذه الأصول وقلنا: (ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق وافتراق)، ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق في الاسم وافتراق في المسمى، وافتراق في الحقيقة، فنزول الرب ﵎ يستوي مع نزولي في الاسم فقط، فأنا أنزل والرب ﵎ ينزل، فالنزول له ثابت والنزول لي كمخلوق ثابت، ولكن مسمى وحقيقة النزول لله ﵎ تختلف عن حقيقة النزول بالنسبة لي، ولذلك هذه القاعدة ركزنا عليها أيما تركيز وقلنا: ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق وافتراق، فمن نفى القدر المشترك فقد مثل وقال: إن الله تعالى كذاتي وصفاته كصفاتي وأفعاله كأفعالي. ومن نفى القدر الفارق فقد عطل. إذاً: إذا قال النبي ﵊: (إن الله خلق آدم على صورته) لو افترضنا أن الضمير في صورته يعود على آدم، لو افترضنا ذلك جدلاً فهل صورة الرحمن ﵎ كصورة آدم تماماً بتمام؟ لا. لماذا؟ لأن آدم خلقه الله تعالى على صورة، والله ﵎ له ذات بكيفية وصورة تليق بجلاله. إذاً: فأنا أثبت لله ﵎ أنه على صورة، وأنه على هيئة، وأنه على كيفية لا يعلمها إلا هو سبحانه، وليست صورته كصورة آدم، فصورة آدم صورة مخلوق، وصورة الله تبارك صورة الخالق، فالله تعالى له صورة وآدم له صورة. إذاً: الاتفاق بين آدم وبين الله ﵎ في الاسم، والمسمى يختلف؛ لأن الله تعالى واحد في صورته. أي: لا يشبه في صورته أحداً من خلقه، ولا أحداً من خلقه يشبهه في الصورة، فالذات تختلف عن الذات، والصورة صفة لله تختلف عن صورة المخلوق، فالنزول ثابت لله ، لكن لا نذهب فيه مذهب الذين لا يفهمون من النزول إلا ما يفهمونه من نزولهم هم، وإنما يقول: إن ربنا ﵎ ينزل نزولاً يليق بجلاله، فلو أني صعدت على هذا المنبر وجلست عليه لقال الناظر لي: إن فلاناً قد استوى على الكرسي. أي: قعد وتمكن من الجلوس على الكرسي. فلا نقول هذا في استواء المولى ﵎، وإنما نقول: استوى حقيقة استواءً

стр. 535

المذهب الثالث: أن الله تعالى لا ينزل لأن نزوله يستلزم خلو العرش منه مذهب ثالث يقول: إن الله ﵎ لا ينزل. قالوا: لأن نزوله يستلزم خلو العرش منه. انظر الكلام الغريب! يضربون القرآن بعضه ببعض؛ لأن القرآن يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ولا يفهمون من النزول إلا ما يفهمونه هم من صفاتهم: بأن الواحد منهم إذا جلس على الكرسي ونزل عنه خلا الكرسي عنه، فإذا كنت تقول: إن صفات الله كصفاتك فيلزمك أن تقول بخلو العرش، وإذا كنت تقول: إن الله تعالى ليست ذاته ولا صفاته كذاتي وصفاتي فيلزمك أن تقول: إن نزول المولى ﵎ لا يستلزم منه خلو العرش؛ لأن الله ﵎ فوق كل شيء وهو بائن عن كل شيء. فإذا قلت: إن الله تعالى ينزل ويخلو منه العرش فلا بد أن تقول حين نزول المولى ﵎: إن العرش أعلى من الله ، وأن السماوات السبع أعلى من الله ، وأن الكرسي أعلى من الله ، وأن الماء أعلى من الله ، ولا يقول بهذا إلا جاهل أو كافر، فما الذي يمنعك أن تقول: إن نزول المولى ﵎ لا يستلزم خلو العرش منه، لأن هذا لا يليق إلا بالعاجز المخلوق، وأما الخالق ﵎ فلا ينفي دنوه علوه؛ وذلك لأنه يفعل ما يشاء، لا يسأل عما يفعل، بلم ولا كيف. فنحن نعتقد أن الله ﵎ استوى على الكرسي، واستوى على العرش، وهو مع خلقه يدنو منهم وينزل وهو مستو على العرش ﵎، لا يخلو منه العرش، بل هذا كلام حادث أحدثه أهل البدع لا نحب أن نخوض فيه، ولكنني ذكرت ذلك على سبيل الإجمال وعلى وجه السرعة؛ لأنه ربما خطر ببالك كما خطر ببال بعض السلفيين في هذا الزمان أنهم خاضوا في هذه القضية، وعيب عليهم أن يخوضوا فيها وإن كانوا علماء؛ لأنه يجب عليهم أن يسلموا لله ويؤمنوا إيماناً مطلقاً جازماً بكل ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله من غير تكييف ولا تحريف، ومن غير خوض ولا تكلف تأويل، ولكنهم مع هذه القواعد الثابتة المستقرة في قلوبهم خاضوا في كيفية النزول لله ، وقالوا: هل يخلو منه العرش أم لا؟ وهذه مرحلة أخشى أن تؤدي بعد ذلك إلى القول بخلو العرش حقيقة ويقيناً عندهم، فيقعوا فيما وقع فيه أهل البدع.

стр. 536

المذهب الرابع: أن الله لا ينزل إنما الذي ينزل هو رحمته وأمره أيضاً: نزول الرب ﵎ فيه مذهب رابع لأهل البدع، وقد وقع في هذا المذهب الرابع بعض أهل السنة، أو بعض من ينتسب إلى السنة. قالوا: إن الله تعالى ينزل، ولكن ينزل أمره وتنزل رحمته. وهذا كلام مردود وباطل من وجوه: الوجه الأول: إن قولك: إن الله لا ينزل وإنما الذي ينزل رحمته وأمره. فيه رد للنصوص الصحيحة الصريحة بغير حجة ولا برهان. الوجه الثاني: إن رحمة الله ﵎ تنزل بالليل والنهار، لا تحتاج إلى نزول في الثلث الأخير من الليل، وليست محدودة بزمان ولا مكان. الوجه الثالث: أن الحديث يقول: (ينزل ربنا ﵎ إذا بقي الثلث الليل الآخر فيقول: أنا الملك! من يدعوني فأستجيب له). فقوله: (أنا الملك) وقوله: (ينزل ربنا) صريح في أن الذي ينزل هو الله ، فهل يمكن أن يتصور صرف لفظ: (الرب) ولفظ: (أنا الملك) إلى الأمر والنعمة والرحمة؟ لا يمكن. هذا كلام لا تحتمله اللغة، بل العقل كذلك يرده، وهو تعطيل للإيمان بصريح النصوص، وقد وقع في هذا التأويل كثير من أهل العلم الذين نعتمد كلامهم وأخبارهم. وعلى أية حال: الحق لا يعرف من خلالهم، وإنما الحق يعرف بالكتاب والسنة وبالأدلة البينة الواضحة، والأدلة ترد عليهم. فما هي تلك الأدلة التي أثبتت نزول الله ﵎؟ إن كنت أتكلم في هذه القضية كلاماً عاماً مجملاً بعد بيان عرض معتقدات أهل الملة في نزول المولى ﵎ -فإنني ألزمكم إلزاماً بقراءة رسالة عظيمة جداً لشيخ الإسلام ابن تيمية يفسر فيها حديث النزول، وهي مطبوعة في الهند، وطبعت هنا في الريان، وهي مأخوذة من المجلد الخامس من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، فمن لم يتمكن من شراء الرسالة على انفراد تمكن من قراءة هذه الرسالة في المجلد الخامس من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، كتاب عظيم جداً بلغ حوالي مائتين صفحة.

стр. 537

الأدلة على إثبات النزول لله من السنة الأدلة على إثبات النزول لله في السنة أتت بطريق التواتر، وأنتم تعلمون أن الحديث المتواتر: هو ما رواه عدد كثير في كل طبقة من طبقاته بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. حديث يأتي من عشر طرق أو من عشرين أو ثلاثين أو سبعين أو مائة، وهذا يدل على أن النبي ﵊ كان يذكر هذا الحديث في كل مكان وفي كل زمان، سمعه من النبي ﵇ ما يزيد عن عشرين نفساً من أصحابه، كلهم رووه ﵃ أجمعين، منهم: ابن مسعود وابن عباس وأم سلمة وأبو هريرة وغيرهم كثير. فرواية أبي هريرة التي هي من طريق الزهري قال: [أخبرني أبو سلمة والأغر - سلمان صاحب أبي هريرة - أن أبا هريرة أخبرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا)] فالنزول ليس إلى الأرض وإنما إلى السماء الدنيا. أي: السماء التي تلي الأرض ينزل إليها ربنا ﵎. والزمن: حين يبقى ثلث الليل الآخر. وهناك روايات قد وردت أنه ينزل إذا انصرم الثلث الأول من الليل، أو إذا مضى الثلث الأول من الليل. ورواية: أو شطر الليل، ينزل ربنا ﵎ إذا انتصف الليل إلى سماء الدنيا، وإن كانت كل هذه أحاديث صحيحة في الجملة، إلا أن اتفاق أهل العلم على أن أصح الروايات في نزول المولى ﵎ حديث أبي هريرة الذي هو من طريق الزهري لا من طريق غيره، وأن نزول المولى ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر. يعني: ينزل في آخر الليل وهو الوقت المشهود، الوقت الذي يستجيب الرب ﵎ فيه دعاء العباد. قال: [(ينزل الله كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يسألني فأعطيه)] إلى آخر الحديث. وقد روي هذا الحديث من طريق أبي سعيد الخدري، ومن طريق علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق ﵁ وجابر بن عبد الله الأنصاري ورفاعة الجهني، ومن طريق أبي الدرداء وعبد الله بن مسعود وجبير بن مطعم وأبي ثعلبة الخشني وعقبة بن عامر الجهني، كلهم وغيرهم يروي هذا الحديث، كما روي في مرسلات علي وعائشة ﵄ وعبد الله بن مسعود. كل هذا يثبت أن الله ﵎ ينزل وإن اختلفت المناسبة، فينزل ليلة عرفة -أي: يوم عرفة- حتى يدنو من العباد فيقول: (ألا هل من داع؟ ألا هل من مستغفر؟ ألا هل من تائب؟). ويدنو في ليلة النصف من شعبان، وينزل في الثلث الأخير من الليل كما جاء عن أم سلمة كذلك.

стр. 538

إثبات التابعين لنزول الرب سبحانه على الوجه الذي يليق به سبحانه ومن التابعين عطاء بن يسار وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب القرظي: [عن عطاء بن يسار: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل منها -يعني: ليلة النصف من شعبان- ينزل الله ﵎ إلى سماء الدنيا، فيغفر لكل عبد إلا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم]. قال: [عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان عطاء إذا ذكر عنده ليلة النصف من شعبان وما يقال فيها فيقول: إني لأرجو أن يكون ذلك في كل ليلة]. أي: أن يغفر الله للعباد في كل ليلة؛ وذلك لأنه يؤمن أن الله تعالى ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة، فليلة النصف من شعبان كبقية الليالي. فـ عطاء كان يرجو أن يغفر الله لكل أحد في كل ليلة. وهذا ثابت كذلك عن عمر ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم. قال مكحول الشامي: [يطلع الله ﵎ على خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمستغفرين، ويتوب على التائبين، ويدع أهل الحقد بحقدهم، فيغفر إلا لمشرك أو مشاحن]. وقال الفضيل بن فضالة: [إن الله يهبط إلى سماء الدنيا -يهبط بمعنى: ينزل- ليلة النصف من شعبان، فيعطي رغاباً، ويفك رقاباً، ويفخم عقاباً]. وهو دليل على المغفرة. وذكر أحمد بن علي الأبار أن عبد الله بن طاهر - وهو أمير خراسان - قال لـ إسحاق بن راهويه: يا أبا يعقوب! ما هذه الأحاديث التي تحدثون بها، إن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ أهو ينزل ويصعد؟ فقال له إسحاق: تقول: إن الله يقدر على أن ينزل ويصعد ولا يتحرك؟ قال: نعم. قال: فلم تنكر إذاً؟ يعني: هل أنت تعتقد أن الله ﵎ قادر على أن ينزل وأن يصعد دون أن يتحرك، وأنه مستو على العرش؟ قال: نعم. لأنه يفعل ما يشاء ، فنزولي أنا يحتاج إلى انتقال وحركة، لكن لا يلزم من نزول الله إذا أراد أن ينزل وأن يصعد أن يخلو منه العرش ولا أن يتحرك ولا أن ينتقل، بل هو مستو على عرشه كذلك. فقال: أتقول: إن الله تعالى قادر على ذلك؟ قال: نعم. قال: فلم تنكر إذاً أنه ينزل؟ كلام جميل! كلام أهل العلم، إذ إن القضية كلها أن تصدق أن القياس بينك وبين الخالق قياس مع الفارق، قياس غير صحيح ألبتة لا في الذات ولا في الأسماء ولا في الصفات ولا في الأفعال. وقد سبق أن بينا القاعدة الأولى: وهي وحدانية الله ﵎. أي: واحد في ذاته، ولا يمكن أبداً لأي ذات من الذوات أن تشبه ذات الإله، ولا الأسماء ولا الصفات ولا الأفعال، فأنا لما أنزل هذا فعل، وربنا ينزل أيضاً فهذا كذلك فعل، لكن فعلي له مثيل فنزول محمد كنزول زيد، لكن ليس نزوله كنزول الله ؛ لأنه سبحانه واحد في أفعاله، ونزوله من أفعاله. إذاً: نزوله سبحانه نزول تفرد، فلا يمكن أبداً أن يشبه نزول أحد من خلقه، فلا بد أن أؤمن بوحدانية الله في أفعاله. إن الجهمي يقول: أحاديث النزول غير صحيحة، بل هي كاذبة وباطلة، ولا يوجد شيء اسمه نزول وصعود؛ لذلك قال: [قال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب ينزل ويصعد فقل: وأنا أومن برب يفعل ما يشاء]. فيا له من كلام جميل! لا تتكلف التأويل والأخذ والرد، وإقامة الحجة عليه، فهؤلاء مجرمون، لا يسلمون لك بحجة، ولو أثبت الصفة من السنة قال لك: لا. لا بد من القرآن، وهو قبل قليل أنكر صفة كان دليلها القرآن. فهو لا يمكن أن يثبت معك على حال قط، وهو ليس محتاجاً إلى بينة أو دليل، إنما الذي دعاه إلى الإنكار هو كفره وجحوده بالله ، وقياسه الفاسد بين الخالق والمخلوق، وأنه لا يفهم من صفات الخالق إلا ما يقيسه هو من صفات الخالق على صفات ذاته. قال يحيى بن معين: [إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أنا أومن برب يفعل ما يريد]. وقال حنبل بن إسحاق -ابن أخي أحمد بن حنبل -: [سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا نرد شيئاً منها إذا كانت أسانيد صحاحاً، ولا نرد على رسول الله ﵊ قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق. حتى قلت لـ أبي عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا]. يعني: لا تخض في ذلك، أثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ دون خوض، وآمن به كما جاء وصدق به كما جاء، ولا ترد شيئاً مما صح في أخباره وصفاته وأفعاله، على الوجه اللائق. قال: [فقال: اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إنما جاءت به الآثار وبما جاء به الكتاب قال الله : ﴿

стр. 539

إثبات إسحاق بن راهويه نزول الرب سبحانه في مجلس الأمير عبد الله بن طاهر مما يحتج به أهل السنة والجماعة: نقاش دار بين إسحاق بن راهويه والأمير عبد الله بن طاهر، حين سئل إسحاق بن راهويه في مجلس الأمير عن حديث النزول: أصحيح هو؟ فقال إسحاق بن راهويه: نعم. قال السائل: كيف ينزل؟ قال إسحاق: أثبته فوق. أي: أثبته أولاً فوق حتى أقول لك كيف ينزل. لأن هذا السائل ربما يكون جهمياً أو معتزلياً، وهم لا يقولون بالعلو والفوقية لله ، والأشاعرة يقولون بأنه في كل مكان مع خلقه. فقال السائل: أثبته. يعني: ناقشني على اعتبار أنني مصدق ومؤمن بأن الله تعالى استوى على العرش. فقال إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] تلا إسحاق هذه الآية؛ لأن استقامة الأمير استقامة الرعية وفساده فساد الرعية، فلما سمع الأمير هذه الآية قال لـ إسحاق: هذا يوم القيامة. فقال إسحاق: أعز الله الأمير! ومن يأتي يوم القيامة من يمنعه أن يأتي اليوم؟ فبهت الأمير. وهذا ذكاء إسحاق بن راهويه. أجاب إجابة لا تناسب إجابة السائل حتى يسكت الأمير.

стр. 540

منهج أهل السنة والجماعة في إثبات نزول الله تعالى دون تكييف السؤال الذي طرحناه: هل إذا نزل الله إلى السماء الدنيا يخلو عنه العرش أم لا؟ الجواب المفروض عدم ورود هذا السؤال. سكت عن ذلك السلف، فقد قال مثل شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الصواب المأثور عن سلف الأمة وأئمتها: أن الله سبحانه لا يزال فوق العرش ولا يخلو منه العرش مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه قط، وكذلك يوم القيامة كما جاء في الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك، فالله قريب في علوه -يعني: عال مستو ومع ذلك قريب من عباده- وعلي في قربه، وهو مع جميع مخلوقاته بعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوالهم، وهو مع الصابرين والمحسنين والمتقين من عباده بالكلأ والحفظ والنصر والتأييد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. أما الأدلة فهي ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إذا مضى ثلث الليل الأول -وفي رواية: حين يبقى ثلث الليل الأخير- فيقول: أنا الملك! من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك). قال الذهبي: رواه أحمد وإسناده قوي. وهو من طريق آخر عند البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني) إلى آخره.

стр. 541

كلام ابن عبد البر في إثبات صفة النزول قال ابن عبد البر في التمهيد: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، رواه أكثر الرواة عن مالك. إلى أن قال: وفيه دليل على أن الله في السماء على عرشه من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة - يعني: أهل السنة - وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قالوه -أي: ما قاله أهل السنة- أهل الحق في ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. ثم قال ابن عبد البر: وأما قوله ﵊: (ينزل ربنا ﵎ إلى سماء الدنيا) فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله ﷺ ، ويصدقون بهذا الحديث ولا يكيفون، والقول في كيفية النزول كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة. وقد قال قوم من أهل الأثر أيضاً: إنه ينزل أمره وتنزل رحمته. وروي ذلك عن حبيب كاتب الملك. هو أبو محمد المصري، وهو كذاب، وأخباره منكرة باتفاق أهل العلم.

стр. 542

كلام ابن القيم في إثبات صفة النزول قال ابن القيم: إن نزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله ﷺ ، رواها عنه نحو ثمانية وعشرين نفساً من الصحابة، وهذا يدل على أنه ﵊ كان يبلغ ذلك في كل موطن ومسمع. ثم سرد الأحاديث التي تدل على ذلك.

стр. 543

كلام ابن جرير في إثبات صفة النزول وقال ابن جرير الطبري إمام المفسرين عليه رحمة الله: وأهل العلم بالكتاب والأثر من السلف والخلف يثبتون جميع ذلك ويؤمنون به بلا كيف ولا توهم، ويمرون الأحاديث الصحيحة كما جاءت عن رسول الله ﵊، بما في ذلك صفة النزول.

стр. 544

كلام ابن القيم في اختلاف أهل السنة في صفة النزول قال ابن القيم: اختلف أهل السنة في نزول الرب ﵎ على ثلاثة أقوال: فأحدها: أنه ينزل بذاته. قال شيخنا - يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية - وهذا قول طوائف من أهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين. وقالت طائفة ثانية: لا ينزل بذاته. وقالت طائفة أخرى: نقول: ينزل لا نقول بذاته ولا بغير ذاته، بل نطلق اللفظ كما أطلقه النبي ﷺ ونسكت عما سكت عنه، وهذا ما يفهم من كلام الأوزاعي وحماد بن زيد وإسحاق بن راهويه. وقد سئل أحمد بن حنبل فقيل له: يا أبا عبد الله! أينزل إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم. فقال السائل: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال الإمام: اسكت عن هذا. فغضب غضباً شديداً ثم قال: أمض الحديث على ما روي. يعني: آمن به كما جاء ولا تخض في الكيفية. ومن أقوال هؤلاء الأئمة ومواقفهم يتضح جلياً موقف السلف الصالح من هذه الصفة وغيرها من جميع الصفات الإلهية، وهو الاكتفاء بفهم المعاني العامة للصفات، والإمساك عن الخوض فيما وراء ذلك، فهم لا يبالغون في الإثبات إلى حد التشبيه والتجسيم، كما لا يبالغون في النفي إلى حد التعطيل، بل يقفون مع ظاهر النصوص ولا يتجاوزونها. يعني: يثبتون بلا تمثيل، وينفون بلا تعطيل.

стр. 545

كلام أبي سعيد الدارمي في إثبات صفة النزول قال أبو سعيد الدارمي في كتابه العظيم (الرد على الجهمية) بعد أن ذكر حديث النزول: فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن -أي: في هذه الأزمنة- في ليلة النصف من شعبان، في يوم عرفة، في الثلث الأخير من الليل. قال: وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها. لأن بعض أهل العلم كانوا يتحرجون من رواية أحاديث الصفات بالذات، ومنهم من كان ينكرها بقلبه ويكره روايتها للناس.

стр. 546

كلام ابن خزيمة في إثبات النزول وقال إمام الأئمة محمد بن خزيمة في كتاب التوحيد: (باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﷺ في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة). قال: (نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب ﵎ من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا المصطفى ﷺ لم يصف لنا كيفيه نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، فنزوله لدينا معلوم والكيفية مجهولة، لأنها لم توصف). قال: (والله جل وعلا لم يترك -وكذا نبيه- بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم. فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول). فإذا كان النبي الذي هو أعلم الخلق بالله لم يتعرض للكيفية فلم نتعرض نحن لها؟ قال: (وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح: أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى). فالذي ينزل ينزل من أعلى إلى أسفل. قال: (ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل).

стр. 547

كلام ابن تيمية في صفة النزول وقال شيخ الإسلام في تفسير سورة الإخلاص في كتابه (دقائق التفسير): (فالرب سبحانه إذا وصفه رسوله بأنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وأنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج، وأنه كلم موسى في الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأنه استوى إلى السماء وهي دخان، ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت:١١] لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة). يعني: لا يلزم من النزول والكلام والإتيان والمجيء الذي نحن نفهمه أن يكون مثل نزولنا ومجيئنا واستوائنا وغير ذلك. قال: (حتى يقال: ذلك يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر). يقصد بذلك: أن نزول الله ﵎ بخلاف نزولنا، فالنزول يستلزم تفريغ المكان الذي كنت مستوياً عليه، بخلاف نزول المولى ﵎ فإنه لا يستلزم ذلك؛ لأن نزول المخلوق غير نزول الخالق، فلا نخوض فيما لم يخض فيها السلف ﵃ أجمعين. وذكر مرعي الكرمي مذاهب أهل العلم التي ذكرناها واختلافهم في نزول المولى ﵎، وسرد ذلك كله البيهقي. قال البيهقي: وأسلمها - أي أسلم هذه المذاهب - الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق ﷺ فيصار إليه. قال: ومن الدليل على ذلك: اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم. وهذا مذهب السلف الذي أقول به وأدين الله تعالى، وأسأله سبحانه الموت عليه مع حسن الخاتمة في خير وعافية.

стр. 548

كلام العلامة الصوفي في صفة النزول قال العلامة الصوفي في كتابه (قواعد وجوب الاستقامة والاعتدال): والمشهور عند أصحاب الإمام أحمد بل عند السلف جميعاً: أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة. أي: لا يتأولون الصفات التي توهم في ظاهرها الحركة كالمجيء والإتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي والاستواء، كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح. قال: وكلام السلف في هذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه، كما قال الأوزاعي لما سئل عن حديث النزول قال: أنا أومن برب يفعل ما يشاء. وقال حماد بن زيد: يدنو من خلقه كيف يشاء. قال: وهو الذي حكاه الأشعري - أي أبو الحسن - عن أهل السنة والأثر. وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء. وقال أبو الطيب: حضرت عند أبي جعفر الترمذي -وهو من كبار فقهاء الشافعية، أثنى عليه الدارقطني وغيره- فسأله سائل عن حديث: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) قال له: فالنزول كيف يكون، يبقى فوقه علو؟! فقال أبو جعفر الترمذي: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. كما أجاب مالك في الاستواء وأم سلمة وغيرهما، وهو قول أهل السنة في سائر الصفات. وقال أبو عبد الله الرباطي: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر وحضر إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال: نعم. فقال له بعض قواد الأمير: يا أبا يعقوب! أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟ قال له إسحاق: أثبت أنت الحديث حتى أصف لك النزول. فقال له الرجل: أثبته. فقال له إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة. فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ وقال حرب بن إسماعيل: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: ليس في النزول وصف. يعني: لا يحل لأحد أن يصف نزول الرب ﵎. قال: وقال إسحاق: لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين. أي: إذا كنت تريد أن تصف شيئاً فصف أفعال المخلوقين، أما أفعال الخالق فلا، لأن الله تعالى قال: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. قال: ولا يجوز أن يتوهم على الله بصفاته وأفعاله بفهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين. يعني: يحرم عليك أن تفكر أو يجول في ذهنك أن الله ينزل كنزولك أو يستوي كاستوائك أو يأتي كإتيانك أو يجيء كمجيئك. قال: وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله؛ لأن الخالق يصنع ما يشاء كما شاء.

стр. 549

كلام الجويني في صفة النزول يقول أحد المحققين من الشافعية، وهو والد الإمام الجويني إمام الحرمين كلاماً جميلاً مع أنه أشعري. قال: والذي شرح الله صدري - أي: والذي شرح الله له صدري - في حال المتكلمين الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء، والنزول بنزول الأمر، واليدين بالنعمتين والقدرتين، أنه ما فهموا من صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوقين، فما فهموا عن الله تعالى استواءً يليق به ولا نزولاً يليق به ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف ولا تشبيه، فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه، وعطلوا ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله. قال: ولا ريب ولا شك أننا نحن وهم متفقون على إثبات صفة الحياء والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله تعالى، ونحن قطعاً لا نعقل من الحياء والسمع والبصر والعلم إلا أعراضاً تقوم بجوارحنا. يعني: لما تقول: الله تعالى حي وآدم حي، فحياة آدم أنا أعلمها؛ لأنها كحياتي أنا، لكن حياة الله تختلف عن حياة آدم، ولا أعلم كيفية حياته سبحانه، فأنا أثبت الحياة الكاملة التي لا يطرأ عليها فناء ولا فساد لله ، بخلاف حياتي فإنه يطرأ عليها العلل والأدواء والأمراض كلها وتنتهي وتفنى وتزول، فحياة المولى تختلف عن حياة المخلوقين، فإياك أن تتوهم أن الله حي بحياة تليق بحياتك أنت، يا مخلوق يا ضعيف! يا من تنتهي حياتك في يوم ما! قال: ونحن قطعاً لا نعقل من الحياة والسمع والبصر والعلم إلا أعراضاً تقوم بجوارحنا، فكما يقولون: حياته تعالى وعلمه وسمعه وبصره ليست بأعراض. فأنت تثبت أن لله ﵎ عينين، لكن هل هما جارحتان؟ لا، وكذلك اليد والساق وغيرهما من صفات الذات لله ﵎. قال: فكما يقولون: حياته تعالى وعلمه وسمعه وبصره ليست بأعراض بل هي صفات كما تليق به. أي: صفات كمال لا أعرف كيفيتها، لكنني أعلم علماً يقينياً أن الله تعالى حي بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، فأنا لا أعرف الشيء إلا من خلال أمرين: الأمر الأول: أن أراه هو. فهل رأيت الله ؟ وهل لله مثيل؟ لا. ليس له مثيل لا في ذاته ولا في صفاته، فإذا كنت أجهل كيفية الذات سأجهل كيفية الصفات، لأنني لم أر ذات المولى ﵎، فلا يمكن أبداً أن أمثل صفات الخالق بصفات المخلوقين. قال: بل هي صفات كمال كما تليق به لا كما تليق بنا، ومثل ذلك بعينه: فوقيته واستواؤه ونزوله ونحو ذلك، نقول فيه بأن الكيف مجهول. قال: وكل ذلك ثابت معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق، بل كما يليق بعظمته وجلاله، فإن صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، ولا فرق بين الاستواء والنزول والسمع والبصر، الكل ورد في النص. فإن قالوا في الاستواء والنزول: شبهتم. يعني: إن قالوا لنا: أنتم تثبتون الاستواء والنزول؟ نقول: نعم. فيقولون لنا: شبهتم. فنقول لهم: في السمع والبصر شبهتم أنتم؛ لأنكم أصلاً لا تثبتون النزول ولا تثبتون الاستواء، إنما تثبتون السمع والبصر، فإذا كنتم تدعون أننا مشبهة لأننا نثبت الاستواء والنزول، فأنتم أيضاً مشبهة؛ لأنكم أثبتم السمع والبصر؛ لأنه لا فرق بين الاستواء والنزول والسمع والبصر، كلها صفات لله . قال: قلنا لهم: شبهتم كما شبهنا، ووصفتم ربكم بالعرض. فإن قالوا: لا نثبت له عرضاً، بل كما يليق به تعالى في السمع والبصر. قلنا كذلك: ونحن نثبت له الاستواء والنزول كما يليق به ﵎. فجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه، نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم، فكما هم لا يجعلونها أعراضاً كذلك نحن لا نجعلها جوارح، ولا أعراضاً ولا ما يوصف به المخلوق. وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين، فيحتاجون إلى التأويل والتحريف، ونفهم ذلك في الصفات السبع. وهم السبعية من الأشاعرة. قال: وحيث نزهوا ربهم في الصفات السبع مع إثباتها فكذلك يقال في غيرها، فإن صفات الرب ﵎ كلها جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة. فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل وأولنا هذه وحرفناها كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفي هذا بلاغ وكفاية. انتهى كلام والد إمام الحرمين الإمام الجويني عليه رحمة الله.

стр. 550

كلام ابن تيمية في آيات وأحاديث الصفات وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: (جماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة، قسمان يقولون: تجرى على ظواهرها) في كل الصفات. قال: (وقسمان يقولون على خلاف ظواهرها). يعني: يؤولونها ويحرفونها. قال: (وقسمان يسكتون. وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا ونحو ذلك، فقل له: كيف هو؟ هل رأيته؟ فيقول: لا. فقل: وأنا كذلك لم أر نزوله، فإذا كنت أنت لا تستطيع أن تكيف ذات الإله فأنا لا أستطيع أن أكيف أفعال الإله. فإذا قال: لا يعلم ما هو إلا هو وكنه الباري غير معلوم للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية الموصوف وأنت لم تعلم كيفية الصفة؟ وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي له، بل هذه الروح علم العاقل اضطراب النفس فيها. فهذه الروح مخلوقة واختلف الناس فيها لعدم رؤيتهم لها، فأنت لا تستطيع أن تصف الروح مع أنها مخلوقة، وهي معك إذا نمت وإذا قمت، بل في كل أحوالك هي معك، فمن باب أولى أن تعجز عن وصف الخالق وصفات الخالق وأفعال الخالق. قال: (والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثانية، وهي طريقة إمرارها على ظاهرها والإيمان بها كما جاءت). وابن الجوزي قال كلاماً طيباً في كتاب (صيد الخاطر) مع أنه أشعري المعتقد إلا أنه أحياناً ينطق بكلام السلف، فيقول: من أضر الأشياء على العوام: كلام المتأولين والنفاة للصفات والإضافات، فإن الأنبياء ﵈ بالغوا في الإثبات ليقرروا في أنفس العوام وجود الخالق، فإن النفوس تأنس بالإثبات؛ فإذا سمع العامي ما يوجب النفي طرد عن قلبه الإثبات، فكان من أعظم الضرر عليه، وكان هذا المنزه من العلماء على زعمه مقاوماً لإثبات الأنبياء بالمحو، وشارعاً في إبطال ما بعثوا به. قال: (وبيان هذا أن الله تعالى أخبر باستوائه على العرش، فأنست النفوس بإثبات الإله ووجوده، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقال: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة:١٤] وقال: ﴿﵃﴾ [المجادلة:٢٢]. وأخبر الرسول أنه ينزل إلى السماء الدنيا فقال: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن). وقال: (وكتب التوراة بيده). وقال: (كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش) إلى غير ذلك مما يطول ذكره. فإذا امتلأ العامي والصبي من الإثبات وكاد يأنس من الأوصاف بما يفهمه الحس؛ قيل له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فمحا من قلبه ما نقشه، وتبقى ألفاظ الإثبات متمكنة؛ ولهذا أقر الشارع على مثل هذا، فسمع منشداً يقول: وإن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا فضحك. وقال له آخر: (أويضحك ربنا؟ فقال: نعم. وقال: إنه على عرشه هكذا وأشار بيده مثل القبة) كل هذا ليقرر الإثبات في النفوس. وهو حديث ضعيف. وعلى أية حال! كلام ابن الجوزي يحتاج إلى حذر شديد جداً؛ لأنه يضع السم في العسل فيما يتعلق بالاعتقاد، ولا يفعل ذلك ليفسد اعتقاد الأمة، وإنما أمور العقيدة عنده لم تنضبط، ولذلك خلط بينها كما خلط النووي وغيره بين الغث والسمين.

стр. 551

الأسئلة

стр. 552

حكم من دخل المسجد والإمام يصلي بالناس السؤال هل يجوز لأحد دخل المسجد والجماعة قائمة أن يصلي وحده أو يبقى بلا صلاة؟ الجواب لا يصح له ذلك، وكل من دخل المسجد ووجد الجماعة قائمة وجب عليه أن يصلي معهم وإن كان ذلك قبل التسليم مباشرة، فقد دخل رجل المسجد فجلس ولم يصل، (فلما فرغ النبي ﵊ من صلاته قال: أقبل. فأقبل. قال: ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: إني صليت يا رسول الله!) قد يكون صلى في بيته، أو صلى في جماعة أخرى وأتى إلى المسجد فوجدهم يصلون، فاجتهد أنه قد صلى فلم يصل معهم. فقال رسول الله ﷺ : (إذا دخلت المسجد فوجدت الناس يصلون فصل معهم وعدها نافلة). لكن يحظر عليك أن تدخل المسجد فتصلي صلاة غير صلاة الإمام؛ لأن النبي ﵊ يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة). إذا دخلت المسجد وشرعت في صلاة السنة وسمعت المؤذن يقيم الصلاة فسلم من صلاتك والحق بالجماعة، وإذا دخلت المسجد ورأيت الناس يصلون وإن كنت قد صليت في الخارج فالحق بهم وصل بصلاتهم وعدها نافلة، كما أنه يحظر عليك أن تجلس بلا صلاة، فإن هذا يطرق للإمام أنك تكره الصلاة خلفه، وفي هذا من الفتن ما الله تعالى به عليم.

стр. 553

فضل العالم على العابد السؤال قلت في محاضرة سبقت: إن بعض تلاميذ الشيخ الألباني والشيخ ابن باز اتجهوا للعبادة، وبعضهم اتجه للعلم ونشره والدعوة إلى الله . فمن أحب الفريقين إلى الله ؟ الجواب لا شك أن العالم أفضل من العابد، وإن كانت الأحاديث التي تدل على الأفضلية لا يصح فيها دليل، فقوله: (عالم خير من ألف عابد) لا يصح به دليل، ولكن الله ﵎ أثنى على أهل العلم وجعلهم في مرتبة فوق مرتبة العباد ومرتبة عامة الناس، قال ﵎: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، فأهل العلم منزلتهم لا يمكن لأحد أن يدانيهم فيها ولا أن يساويهم، فهم ورثة الأنبياء، ولا شك أن ورثة الأنبياء خير ممن لم يرث الأنبياء كالعباد وغيرهم.

стр. 554

حكم كتم العالم علمه عند الحاجة إليه السؤال وهل على الفريق الأول -العباد- ذنب لتركهم نشر العلم الذي أنعم الله عليهم به؟ الجواب لا شك أن كاتم العلم عند الحاجة إليه آثم، فإن قام به غيره ولم يحتج إليه فلا إثم عليه، لأن نشر العلم فرض كفاية، ولذلك قال النبي ﵊: (من كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة) هذا لمن احتيج إلى علمه، فإن لم يحتج إلى علمه فلا شيء عليه.

стр. 555

سبيل الحصول على العلم السؤال إن أعلام الدنيا في زماننا كـ ابن باز والألباني وابن عثيمين لو أنهم رحلوا عنا - أمد الله في أعمارهم- قلتم إن الله سيستخلف أقواماً غيرهم فنريد رداً يعكس وضع حياتنا؟ الجواب على أية حال! ابن باز كغيره من الناس، ولد لا يعلم شيئاً ولا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعاً ولا ضراً وغيره كذلك من أهل العلم، يقول يحيى بن أبي كثير اليماني الإمام: لا ينال العلم براحة الجسد. وهو مخرج في صحيح مسلم. هؤلاء سهروا الليالي، واصلوا الليل بالنهار وزاحموا العلماء بركبهم، وتواضعوا وتأدبوا وحصلوا وذاكروا، وسامروا وناقشوا وتعلموا من كل علم قدراً وحظاً عظيماً جداً حتى يسر الله ﵎ لهم البحث والنظر في جميع العلوم الشرعية، ولا غرو أبداً إذا سلكت مسلكهم وهممت ونشطت في طلب العلم أن يوفقك الله ، وليس ذلك عليه بعزيز.

стр. 556

حكم صلاة المنفرد خلف الصف السؤال من حضر إلى الصلاة فلم يجد مكاناً في الصف ولا فرجة فيه، فهل يقف بنفسه؟ الجواب نعم. من دخل المسجد ولم يجد مكاناً في الصف فله أن يصلي وحده، فإن وجد فرجة في الصف فليلحق بها، وإن كان بإمكانه أن يلحق بالصف أو أحد الصفوف ولكنه آثر أن يصلي في صف وحده فصلاته باطلة، (والنبي ﵊ رأى رجلاً يصلي وحده فقال: أعد صلاتك) ولو كانت صحيحة ما قال له هذا.

стр. 557

بيان أن حجاب الله واحد فقط السؤال ما الدلالة على إثبات الحجاب؟ ويوجد حديث في مجمع الزوائد يقول فيه: (سبعون حجاباً من نور ثم سبعون حجاباً من نار)، وهل يدخل في باب الصفات، فما الرد على من قال: هو حجاب واحد؟ الجواب الحجاب حجاب واحد لله ، تقدم قبل ذلك الدليل في سنة النبي ﵊ كما روى ذلك مسلم. قال: (حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) قال: حجابه، ولم يقل: حجبه، فالحديث السابق لا يمكن أن يعارض هذا الحديث الصحيح.

стр. 558

باب كيفية وزن الأعمال يوم القيامة السؤال هل الأعمال يوم القيامة توزن بالحسنات والسيئات أم هي أعراض وأجسام؟ الجواب هذه المسألة يعلمها الله ، وإن كان بعض أهل العلم تكلموا فيها، وإذا كنت تثبت القدرة المطلقة لله فما المانع أن يزن الله ﵎ الحسنات والسيئات بغير أن يجعلها أجساماً وأعراضاً. أنا أؤمن بذلك كما آمن النبي ﵊ وأبو بكر وعمر: أن الله تعالى قادر على كل شيء ويفعل ما يشاء، فإذا أراد أن يزن الأعمال خيرها وشرها دون أن تكون أعراضاً محسوسة أو ملموسة فهو قادر على ذلك، وهو قادر على أن يجعل هذه الحسنات والسيئات والأعمال أعراضاً، له هذا وله ذاك، وهو سبحانه على ما يشاء قدير.

стр. 559

حكم من سها في صلاته ونسي أن يسجد سجود السهو السؤال شخص صلى المغرب وفي الركعة الثانية بعد قراءة التشهد قام بالتسليم وعلى الفور ذكرناه فتذكر أنه صلى ركعتين فقام وجاء بالثالثة ثم سلم ونسي أن يسجد سجدتي السهو، فماذا يفعل؟ وهل صلاته صحيحة؟ الجواب أهل العلم يفرقون بين نسيان الزمن الطويل والزمن القصير، بأن كان لا يزال في مكانه الذي صلى فيه أو قريباً منه وتذكر وجب عليه أن يسجد للسهو حتى وإن كان هناك بعض الوقت بين تسليمه وبين تذكره، وإن طال الوقت فلا يجب عليه حينئذ، لكن إن شاء فعل وإن شاء ترك.

стр. 560

ميراث أولاد الأم التي ماتت قبل أبيها في تركة جدهم السؤال هل يرث أولاد الأم التي ماتت قبل أبيها في تركة جدهم؟ الجواب نعم. يرثون -تحت باب الوصية الواجبة- حظ أمهم، والوصية الواجبة هي أن يموت الفرع بوجود الأصل، ولهذا الفرع أحفاد، فهم يرثون في تركة جدهم حظهم منه من باب الوصية الواجبة.

стр. 561

حكم حلق اللحية السؤال يقول: من تنبت له لحية ولكن في أجزاء متفرقة، هل يجوز له حلقها؟ الجواب لا يجوز، لا يجوز فعل ذلك.

стр. 562

حكم ترك الحارس لصلاة الجمعة خشية الضرر السؤال شخص يعمل حارس أمن، ويأتي وقت صلاة الجمعة وهو في عمله فلا يستطيع صلاة الجمعة التي يكون فيها العمل لوقوع الضرر عليه، فماذا يفعل؟ وهل يأثم بعدم صلاتها؟ وهل يصليها ظهراً؟ الجواب صلاة الجمعة لا مفر من الإتيان إلى مسجد الإمام والصلاة خلفه، لكن إذا منع من ذلك مانع مع تحسر وتفطر قلب العبد وأن العذر قد منعه تماماً كالمريض والمسافر والعبد والمرأة كان معذوراً عند الله كعذر هؤلاء، وكذلك المحبوس لا جمعة عليه، فإذا كان عذره بلغ هذا المبلغ بحيث صار معذوراً عند الله فلا جمعة عليه حينئذ ويصلي الظهر، والله أعلم.

стр. 563

ما يفعله المغتاب إن أراد التوبة السؤال أحسست أني قد اغتبتك وسامحني سامحك الله؟ الجواب على أية حال، هذه المسائل اختلف فيها أهل العلم. قيل لـ عبد الله بن المبارك: إني اغتبتك فسامحني. قال: لا أحب أن أسامحك في شيء حرمه الله عليك. وقيل لـ محمد بن سيرين: سامحني فإني قد اغتبتك. قال: إني تصدقت بعرضي عليك فقل فيه ما شئت كل صباح ومساء. وقول ابن سيرين أحب إلي من قول ابن المبارك.

стр. 564

حكم القنوت في صلاة الفجر السؤال ما حكم قنوت الفجر، وهل ورد عن النبي ﵊ حديث صحيح فيه؟ الجواب فيه خلاف بين أهل العلم، فالشافعية يقولون بوجوب القنوت، ولكن الراجح من مذاهب الفقهاء: أنه لا قنوت خاص بصلاة الفجر ولا بأي صلاة من الصلوات الخمس، وإنما القنوت عند النوازل في الصلوات الخمس لا في صلاة دون صلاة، وهو المذهب الراجح. فإن قيل: هل أقنت خلف إمام يقنت أو أفارقه؟ الجواب تقنت خلفه رفعاً ودرءاً للفتنة والشقاق الذي يمكن أن يحدث ولا تقل شيئاً، بل ارفع يديك خلفه ولا تنزل يديك إلا عند نزول الإمام أو عند إنزال المصلين أيديهم لا لأنه دين، ولكن لأن الدين رفع الفتن عن المسلمين، ولو صح حديث أنس بن مالك: (لم يزل النبي ﷺ يقنت حتى قبض) لزال الإشكال، ولكنه حديث صحيح عند الشافعية، منكر عند جمهور أهل العلم، والصواب: أنه منكر.

стр. 565

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة الإتيان والمجيء لله صفتا الإتيان والمجيء لله من الصفات الفعلية التي تخضع لمشيئته ، وهما ثابتتان بالكتاب والسنة ثبوتاً يليق بالله سبحانه دون تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، خلافاً للمؤولة الذين صرفوا النصوص عن ظاهرها ومرادها، فأولوا الإتيان والمجيء لله بأنه مجيء أمر الله سبحانه أو رحمته، لا مجيئه بذاته .
следующие страницы →