← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بيان أهمية الوسع في الإنفاق وموقع المال مسألة لا تهم، إذا اجتهد الإنسان وبذل جهده، فقد يقع في قرابة وقد يقع في غير قرابة، فهو مأمور بأن يجتهد في وضع ماله، والمهم هو إخراج الدنيا من القلوب، وليس معنى ذلك أن يأتي الإنسان إلى شيء يقتات به وعياله ثم ينفقه كما نسمع بين الحين والآخر، فإن هذا قد يكون في بعض الأحايين مخالفاً للصواب، قال الله جل وعلا ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء:٢٩ - ٣٠]. فالإنفاق هو أن ينفق الإنسان من أحب ما لديه، ولكن ينظر الإنسان نظرة توازن في أهله وذويه وأبنائه والذين لهم حق عليه، والناس في هذا يختلفون اختلافاً جذرياً، فمنهم من يستطيع أن يعوض، ومنهم من لا يستطيع أن يعوض، بمعنى أن هناك من لو أنفق ماله وذهب يقترض لا يقرضه أحد، فهذا لو أنفق ماله كله لأصبح أشد ممن أنفق عليهم، ولا يقول بهذا عاقل. ولكن قد يوجد إنسان له جاه وله قدرة على أن يستدين، إذ يحبه الناس لكونه معروفاً كإمام مسجد أو خطيب أو مدير أو موظف كبير، فهذا لو أعطى ماله كله فإنه يستطيع أن يعوضه، فلو أنفق اليوم ماله كله غداً فإنه قد يكسب شيئا آخر، وعلى هذا يحمل ما فعله الصحابة. ولا يأتي إنسان ليقول: إنَّ أبا بكر أنفق ماله كله! فـ أبو بكر قد أنفق ماله كله، ولكن أبا بكر كان تاجراً، فما ينفقه اليوم يعوضه غداً. وقد نسمع أحياناً في بعض الحملات كالحملة للانتفاضة أو غيرها بأن إنساناً لا يملك إلا السيارة التي ينقل عليها الماء، ويسميها العامة الوايت، فلما تبرع بها قال: يعلم الله أنني لا أملك غيرها، وبها أقتات لأبنائي، ثم قال: جعلتها في سبيل الله! فهذا ليس بحق وليس برشد وليس بعقل، فنسأل الله أن يتقبل منه، ولكن هذا أمر لا يقبل؛ لأن النبي ﵊ قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت). فهذا الرجل إذا أمسى وأبناؤه لا يجدون طعاماً في ظل هذا الزمن الذي يحتاج الناس فيه إلى الدينار والدرهم، كره أبناؤه الدين؛ لأنهم يشعرون أن الدين هو السبب في إنفاق المال كله. والمقصود أن الإنسان يتبع السنة بفهم للسنة، لا بفهمه هو، فـ أبو طلحة ﵁ رجل غني رجل ثري، وكان من ماله بستان بجوار المسجد هو أحب ماله إليه، فماله كثير، ولكن هذا كان أحب ماله إليه، كإنسان عنده مزرعة وعنده قصر أفراح وعنده عمارات، فأحب ماله إليه هو المزرعة أو قصر الأفراح، فإن تصدق بقصر الأفراح، أو تصدق بعمارة، أو تصدق بالمزرعة فقد طبق السنة. أما أن يأتي إنسان لا يملك شيئاً، أو لا يملك إلا راتبه، وقد لا يأتيه الراتب أحياناً، أو كان موظفاً في شركة فمرة يُثَبتَّ ومرة لا يُثَبتَّ، ثم يأتي فيقول: أنفقت مالي كله لمؤسسة كذا أو لجمعية كذا أو لسبب كذا، فهذا غير صحيح، فالإنسان إذا كان راشداً عاقلاً لا يتكلف مفقوداً ولا يرد موجوداً، ويمشي بخطى، والله أعلم بما في صدور العالمين، ولا حاجة إلى أن يري الناس ما تصنع. فنقول عموماً: إن الإنفاق من أعظم أسباب حصول الخير، ولكن بضوابطه الشرعية، وكلما كان في السر كان أبلغ وأعظم، فقد قال ﵊ لما ذكر السبعة: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). وليست العبرة بالكثرة، بل العبرة بأن يصيب مال الإنسان ذا فاقة، وإذا كان ذا قرابة كان أولى وأحرى؛ لأن النبي ﵊ أمر أبا طلحة بأن يضع ماله في قرابته، فوضعها -كما بينا- في حسان وأبي بن كعب ﵃ أجمعين. هذا هو المعنى الإجمالي للآية.

стр. 107

فوائد نحوية و (لن) حرف ناصب يفيد نفي المستقبل، كما أن (لم) حرف جازم يفيد نفي الزمن الماضي، وكلاهما يؤثر في الفعل بعدها، فـ (لن): تنصبه، و (لم): تجزمه. فالله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾ [آل عمران:٩٢] وأصل الفعل (تنالون) بنون زائدة في آخر الفعل تسمى نون الرفع للأفعال الخمسة، فلما دخلت (لن) حذفت النون فأصبحت ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾ [آل عمران:٩٢] بدون نون، وتوضع ألف للدلالة على أن الواو واو جماعة.

стр. 108

بيان المقصود بالبر قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران:٩٢] واختلف العلماء في المقصود بالبر: فقيل: إنه الجنة، وهذا رأي ابن مسعود وابن عباس والسدي وغيرهم من أئمة التفسير. إذا قلنا: إنه الجنة فإنه يصبح تقدير الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾ [آل عمران:٩٢] أي: ثواب البر الذي هو الجنة، فوضع المقدر مكان ما قدر به. وقيل: إن البر اسم جامع لكل خير، واختاره ابن سعدي في تفسيره، فالمعنى: أن يصل الإنسان إلى الاسم الجامع لكل خير. والصحيح أن يقال: المعنى متقارب؛ لأن النبي ﵊ لما ذكر الصدق قال: (وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة).

стр. 109

ذكر معاني (حتى) في النحو ونلحظ في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وجود (حتى)، وقد قال أحد النحاة قبل أن يموت: أموت وفي نفسي شيء من (حتى)، والمعنى: أن حتى حرف غريب في تأثيره فيما بعده، وذلك أنهم لما نظروا إلى الأحرف وجدوا أن عملها واضح جلي، فبعضها ينصب، وبعضها يجزم، وبعضها عاطف، وبعضها استئنافي، وأما (حتى) فوجدوا أنها تقبل الجميع، كقولك: أكلت السمكة. فـ (أكلت) فعل وفاعل، و (السمكة) مفعول به، ويقال بعد ذلك: (حتى رأسها) قالوا: إن قلت: أكلت السمكة حتى رأسُها بالرفع صح، وإن قلت أكلت السمكة حتى رأسَها بالنصب صح، وإن قلت أكلت السمكة حتى رأسِها بالجر صح، وهذا الذي أشكل على النحاة، فقولك: (أكلت السمكة حتى رأسُها)، تصبح فيه (حتى) حرف استئناف، فيصبح المعنى: أكلت السكة حتى رأسها أكلت، فتعرب (رأسها) مبتدأ، و (أكلت) المقدر المحذوف خبراً. وإن قلت: (أكلت السمكة حتى رأسَها) بالنصب تكون قد جعلت (حتى) حرف عطف، فعطفت كلمة (رأس) على السمكة. وإن قلت: (أكلت السمكة حتى رأسِها) بالجر تكون قد جعلت (حتى) حرف جر، وما بعدها اسم مجرور.

стр. 110

بيان معنى قوله تعالى (وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) يقول تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢] (ما) تأتي نافية، وتأتي استفهامية، وهنا أتت شرطية، فالجملة جملة شرط، وأداة الشرط (ما) وفعل الشرط (تنفقوا) وجواب الشرط الجملة الاسمية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢] فالفاء في قول الله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢] واقعة في جواب الشرط.

стр. 111

تفسير قوله تعالى: (كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل) ثم قال سبحانه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣]. إن إبراهيم ﵊ هو أبو الأنبياء، وقد رزقه الله بعدما كبر ذرية، نص الله على اثنين من هذه الذرية، وهما الأكبران الأجلان إسماعيل وإسحاق. فإسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة، ومن إسماعيل جاء نبينا ﷺ ، ومن إسحاق جاء يعقوب، إلا أن يعقوب كان -في الأظهر- توأماً لأخ له يقال له: العيص، فلما ولدتهما أمهما -على ما يقول جمهرة المؤرخين- ولدت العيص أولاً ثم أعقبه يعقوب، فسمي يعقوب لأنه جاء عقب أخيه. فـ العيص أكبر من يعقوب، وكان العيص محبباً إلى إسحاق أكثر من يعقوب، وكان يعقوب محبباً إلى أمه أكثر من العيص. فيعقوب بعدما كبر بفترة قابله ملك، وهذا الملك هو الذي سمى يعقوب إسرائيل، ومعنى (إسرائيل): عابد الرب، ككلمة عبد الله أو نحوها. فيعقوب له اسمان: يعقوب الاسم الذي سماه به أبوه، والاسم الآخر: إسرائيل، وبهما جاء القرآن، قال الله : ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات:١١٢] أي: إبراهيم ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]. وقال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران:٩٣]. ومن إسرائيل جاء بنو إسرائيل الذين من هم اليهود، ومن ذرية إسماعيل جاء العرب العاربة، فمن ذرية العيص جاء الروم الذين هم الأوربيون والأمريكيون اليوم. فالأمريكيون والأوربيون واليهود والعرب أبوهم كلهم إبراهيم. فصار الثلاثة كلهم يفيئون إلى إبراهيم ﵊، إلا أن إسحاق وإسماعيل كانا نبيين بنص القرآن، وكذلك يعقوب, وأما العيص فلم يكن نبياً، بل كان محبباً إلى والده، فدعا له -كما يقولون- بأن يملكه الله غلاظ الأرض وأن يرزقه من الثمرات، وهذا حاصل, فكل من يرى ما هم فيه من الثمرات يذكر دعوة إسحاق لابنه العيص. والذي يعنينا أنه من ذرية إسحاق جاء يعقوب الذي اسمه إسرائيل، فعندما يقال: بنو إسرائيل فإنهم ينسبون إلى جدهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام. ويقال: إن يعقوب اختصم مع أخيه العيص، فخرج بعد أن اختصم مع أخيه ولم يكن له ذرية، ثم رزقه الله الذرية، ولما رزقه الله الذرية بارك له في تلك الذرية حتى حصل ما حصل من قصة نبي الله يوسف، ولم يكن يوسف وحيداً ليعقوب، بل كان له جملة إخوة، ثم تاب الله على إخوة يوسف. والصحيح أن إخوة يوسف هم الأسباط، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف:١٦٠] أي: قبائل متفرقة كلهم يفيئون إلى الأسباط الاثني عشر الذين هم ذرية إسرائيل. ومن هذه الذرية جاء أنبياء لا يعدون ولا يحصون، فمنهم أيوب، واليسع، وذو الكفل، وسليمان، وداود، ومن بعدهم إلى موسى ﵊، فبين موسى وإسرائيل نفسه أمم لا تعد ولا تحصى، وفترة زمنية طويلة. وموسى ﵊ هو الذي خرج ببني إسرائيل من أرض مصر بعد أن سكنوا أرض مصر عندما جاء يعقوب إلى ابنه يوسف، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف:١٠٠]. فهناك مسافة زمنية طويلة بين إسرائيل وبين موسى، والتوراة أنزلت على موسى.

стр. 112

ذكر سبب نزول الآية يقول تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣]. وقد اختلف في سببها، ولكن يقال في الجملة: إن اليهود كانت تقول للنبي ﷺ : إن النسخ شيء باطل، فليس معقولاً أن تأتي فتنسخ شريعة موسى وشريعة عيسى، وتقول: أنا أتيت بشريعة جديدة. وقالوا: إنك تقول: إن الله جل وعلا حرم علينا أشياء؛ لأن الله قال في القرآن ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء:١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام:١٤٦]. فقالوا لنبينا ﷺ : قولك هذا كذب! فهذه الأشياء محرمة علينا منذ زمن إسرائيل، بل هي محرمة منذ نوح وإبراهيم هذا زعم اليهود، فقال الله جل وعلا القول الفصل: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥]، فالله يقول لهم: إن الطعام كله كان مباحاً طيباً ليعقوب إلا شيئاً يسيراً منه لم يحرمه الله، بل حرمه يعقوب على نفسه. ولم يذكر الله عله تحريمه له، ولكن ورد في السنن وفي الآثار أن يعقوب ﵇ اشتكى عرق النسا -مرض معروف-، فلما اشتكى عرق النسا نذر إن شفاه الله من عرق النسا أن يحرم على نفسه أحب شيء إليه، فكان يحب لحوم الإبل وألبانها، فلما شفاه الله حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها. فتحريم يعقوب على نفسه لحوم الإبل وألبانها كان باجتهاد منه، ولم يحرم الله على إسرائيل ولا من بعدهم شيئاً من الطعام، وإنما حرم على قوم موسى لما بغوا ما ذكره الله جل وعلا لنبيه. فالله تعالى يقول: ﴿كُلُّ﴾ [آل عمران:٩٣] وهي من ألفاظ العموم في القرآن ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ [آل عمران:٩٣] أي: كل مطعوم ﴿كَانَ حِلًّا﴾ [آل عمران:٩٣] أي: حلالاً، وجاء منصوباً، لأنه خبر كان، ﴿كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران:٩٣] فقد كذبتم فيما تزعمون ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣] وهو ألبان الإبل ولحومها لأمر عارض. قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران:٩٣] فإذا أتيتم بالتوراة ستجدون فيها أن الله لم يحرم على إسرائيل شيئاً؛ لأن التوراة أنزلت على موسى، وإنما المحرم فيها ما حرمه الله على بني إسرائيل وفق ما نصه الله جل وعلا في كتابه. قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣] وهذا منتهى التحدي، ولم يأتوا بالتوراة، وإنما بهتوا وألجموا، ولم يقبلوا أن يعرضوها على النبي ﷺ .

стр. 113

تفسير قوله تعالى: (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك) ثم قال الله جل وعلا -وقوله الفصل الذي لا يقبل الرد-: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران:٩٤] أي: من قال وزعم كذباً بعد أن بينه الله ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [آل عمران:٩٤] لأنه قد ظلم نفسه وجاوز حده وافترى على الله، حين رد على الله جل وعلا كلامه وكذب قوله.

стр. 114

تفسير قوله تعالى: (قل صدق الله) قال الله بعدها: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥]. وهنا يرد سؤال، وهو لماذا قرأها الرسول ﷺ : ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] وكان المفروض أن يقول: (صدق الله)؟ بغير (قل)، وكذلك ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] لماذا لم يقرأها (يا أيها الكافرون)؟ وكذلك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لم يقرأها (هو الله أحد)، فهذا سؤال يرد -بلا شك- على الذهن، والجواب أن هذا فيه بيان عظيم لبشرية النبي ﷺ ، وأنه لا يأتي بشيء من عنده، بل هو مجرد مبلغ. ومثال ذلك -ولله المثل الأعلى- أن يبعث شخص ولداً له إلى قوم لدعوتهم إلى طعام الغداء، فأيهما أوقع في نفس المدعو: أن يأتي هذا فيقول: تفضلوا إلى الغداء، أو أن يقول: يقول والدي: تفضلوا إلى الغداء؟! إنه لا شك في أن الصفة الثانية أبلغ؛ إذ بها يعرف أن هذا الابن ليس له إلا البلاغ، وقد بلغ كما أمر. فعندما يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] وينقلها النبي ﷺ ففي ذلك بيان أن النبي بشر لا علاقة له بالأمر والنهي، الأمر والنهي والبلاغ من عند الله، وإنما النبي ﷺ مبلغ وبشير ونذير لقوم يؤمنون. وقوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] تُبنى على خصوص وعموم، فيبنى على خصوص كما هو هنا، أي: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] في قوله ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران:٩٣]. ويبنى على العموم في أن الله صادق في كل ما يقول، ولذلك كان عبد الله بن مسعود ﵁ إذا حدث يقول في الغالب: أخبرني الصادق المصدوق. أو يقول: سمعت الصادق المصدوق ﷺ ، كما في الصحيحين في حديث خلق النطفة والعلقة، فقوله صادق، وهو مصدوق فيما يقال له, فالنبي ﵊ صادق فيما يقول, مصدوق فيما يقول له ربه. ولما بعث ﵊ علياً ومن معه من الصحابة إلى روضة خاخ للإتيان بالخطاب الذي بعثه حاطب بن أبي بلتعة مع المرأة لتبعث به إلى كفار مكة، قال: (ائتوا روضة خاخ، فستجدون فيها ضعينة معها كتاب من حاطب إلى قريش، ائتوني بالكتا). فلما ذهب علي ﵁ وقبض على المرأة أنكرت، فقال علي: والله ما كذبنا ولا كُذِّبنا. يعني: نحن ما افترينا على الرسول بأنَّه قال هذا الكلام، والرسول لا يمكن أن يكذب علينا ويقول لنا: إن معك كتاباً وليس معك كتاب. قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] فلما ظهر الصدق لم يبق إلا الاتباع، فقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران:٩٥]، والخطاب لليهود على وجه الخصوص، ولكل من يقرأ القرآن ويصله البلاغ على وجه العموم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٩٥] عائد على إبراهيم. وقد قلنا في سياق سابق: إن الله جل وعلا نزه إبراهيم عن كل إثم؛ لأن كل الأمم ادعت أن إبراهيم منها وانتسبت إليه، ولذلك قال الله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] كما جاء هنا: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٩٥].

стр. 115

دلالات في سورة آل عمران فيتحقق من هذا كله أمور بيناها فيما سبق ونربطها بما لحق، وهي أن هذه السورة -سورة آل عمران- لها علاقة قوية بذكر اليهود، فأغلبها رد على مزاعم اليهود، فكل ما زعمه اليهود يفنده الله جل وعلا ويبين لنبيه ﷺ مكمن الصواب فيه. وتحرر من هذا كله أن بني إسرائيل وبني إسماعيل وبني العيص كلهم يفيئون إلى رجل واحد هو إبراهيم. ثم يلتقون في سام أو حام أو يافث من أبناء نوح، ثم يلتقون في نوح، ثم يلتقون في أبيهم آدم، ولهذا كان عنصر التفضيل الَقَبلِيّ مرفوضاً، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] , وقال ﷺ : (كلكم لآدم وآدم من تراب).

стр. 116

تفسير قوله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) ثم قال جل ذكره: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران:٩٦] أي: وضع للعبادة، وإلا فالبيوت قديمة، وليس الكلام عنها، سواء أكانت قديمة أم حديثة، وإنما يتكلم الله جل وعلا عن أول بيت وضع للعبادة.

стр. 117

ذكر المدة الزمنية بين بناء المسجد الحرام وبيت المقدس وهاتان الآيتان فيهما كلام طويل سنحاول بقدر الإمكان أن نجمله، فنقول: إن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض للعبادة، كما قال ﷺ -كما في الصحيحين- لـ أبي ذر لما سأله: يا رسول الله! أي بيت وضع في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام, قال: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى, أو بيت المقدس, قال: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة). والمشهور أن الذي بنى بيت المقدس هو سليمان بن داود، والمشهور أن الذي بنى البيت الحرام هو إبراهيم، فإذا أخذنا بهذا المشهور فهل يتفق الحديث مع الآية؟ والجواب أنه لا يمكن أن يتفق مع ما بينا؛ لأن بين إبراهيم وسليمان ثلاثة قرون تقريباً، والنبي ﷺ يذكر أن بينهما أربعين سنة. والصحيح -إن شاء الله- أن أول من وضع البيتين هو آدم ﵇، فهو الذي وضع الكعبة، وهو الذي وضع بيت المقدس، ولا يمكن أن ينطبق الحديث إلا على آدم، أو أن الله جل وعلا أمر ملائكة قبله بأن تبني الكعبة، ثم أمره بعد أربعين سنة بأن يبني بيت المقدس، ثم بين الله لإبراهيم مكان الكعبة، ولذلك قال الله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] أي: مكان الكعبة، فأعاد بنيانها، وبين لداود وسليمان ﵉ مكان بيت المقدس فأعادا بنيانه. والمسجد الحرام والمسجد والنبوي والمسجد الأقصى هي الثلاثة المساجد التي تشد إليها الرحال.

стр. 118

قصة بناء قبة الصخرة وهناك صور تنقل كثيراً مسجد قبة الصخرة، وهناك مسجد اسمه المسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى هو الذي صلى النبي ﷺ فيه وربط فيه دابته وهي البراق. أما قبة الصخرة، فالصخرة كانت تعظمها اليهود وتصلي إليها في غابر الأزمان، والذي أهلك اليهود هو بختنصر، جاء من بابل من العراق، فأهلك اليهود، وأعان على إهلاك اليهود النصارى، فالعداوة بين اليهود والنصارى عداوة قديمة. فالصخرة كانت تعظمها اليهود، في حين أن النصارى يعظمون كنيسة القيامة وما حولها ببيت المقدس عموماً، فبيت المقدس اتفق اليهود والنصارى والمسلمون على أنه أرض مباركة، وكل له غاية فيه. ولما فتح عمر ﵁ بيت المقدس أيام خلافته وخرج من المدينة صلحاً وسلمت إليه مفاتيح بيت المقدس كانت النصارى مسيطرة على المدينة، وكان اليهود أذلة. فهذه الصخرة كان عليها قمامة كثيرة جداً، حيث جعلها النصارى مجمع نفايات نكاية في اليهود، وكان مع عمر كعب الأحبار، وهو يهودي أسلم في المدينة، فسأل عمر كعب الأحبار فقال: أين تراني أصلي؟ وقد أسلم كعب الأحبار، لكن بقي فيه شيء من اليهودية، فقال: أرى أن تصلي خلف الصخرة. وإذا صلى عمر خلف الصخرة يصبح مستقبل الصخرة عقلاً، وإن كان سيستقبل مكة، فقال له عمر: ما فارقتك يهوديتك، تريدني أن أستقبل الصخرة حتى يرتفع شأن اليهود؟! فتقدم وجعل الصخرة خلفه، وهو يعلم أن الصخرة معظمة، وأخذ يزيل النفايات عنها، ولكنه لم يرد أن يصلي إليها حتى لا تفتخر بها اليهود، فالصخرة في بيت المقدس، وبيت المقدس كله مبارك بلا شك، ولكن عمر لم يرد أن يجعل للصخرة خصوصية تزيد على خصوصية المسجد، فتقدم وصلى وجعل الصخرة خلفه. وبقيت الصخرة على هذا الحال حتى كان عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، والذي نازع عبد الملك الخلافة هو عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله بن الزبير في مكة. وكانت العرب تحج إلى مكة، فكانوا يلتقون بـ ابن الزبير، والسياسة لا تدخل في شيء إلا أفسدته، ولذلك فإن العاقل يترك آراء السياسيين ولو كان أتقى خلق الله، فلا تكن إمعة، بحيث ترى كل من يحمل راية سياسية فتعتقد أنها راية دينية، فالسياسة: لا تدخل في شيء إلا أفسدته، فكان الناس يأتون عبد الله بن الزبير خصيم عبد الملك بن مروان ثم يذهب بعضهم راجعين إلى الشام، فجاءوا إلى عبد الملك فقالوا له: ليس عندك أحد، فأمراء القبائل يحجون ويقابلون ابن الزبير، فقام عبد الملك بن مروان فبنى على الصخرة قبة، وكساها مثلما تكسى الكعبة وزينها لعل الناس أن يأتوها، وذلك لسبب سياسي واحد، وهو أن ينصرفوا عن ابن الزبير. والسياسة فيها شيء اسمه المراحل، فالورقة هذه تنفع اليوم ولا تنفع غداً، ولذلك لما انتهت القضية وقتل عبد الله بن الزبير على يد الحجاج بن يوسف لم يبال عبد الملك بقبة الصخرة، وما عاد يكسوها، ولكنه لم يهدمها، فبقيت على حالها إلى اليوم، فجاء بعده ملوك لا يفهمون لماذا بناها، وأخذوا يزينونها! فهذه قصة قبة الصخرة.

стр. 119

بيان معنى (بكة) يقول الله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران:٩٦] والاسم الآخر هو (مكة)، فهل (بكة) و (مكة) بمعنى واحد أم هما اسمان مختلفان في المعنى؟! قال بعض العلماء: إن الباء والميم في اللغة يكثر الإبدال بينهما، فيقال: هذا طين لازب وطين لازم بالميم، والمعنى واحد. وعلى هذا القول تكون (بكة) و (مكة) بمعنى واحد. القول الثاني: أن بكة المقصود بها المسجد نفسه، ومكة المقصود بها الحرم كله. ولكن القولين لا يمكن أن يكون بينهما تنافٍ ولا يتعلق بهما كبير اختلاف.

стр. 120

بيان بركة البيت الحرام يقول الله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦] ولا شك في أنه مبارك، بدليل أن الله جل وعلا يضاعف فيه الحسنات، وأن (من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، وأن الله شرع الطواف به ولا يشرع إلا به، في أمور لا تعد ولا تحصى تدل على بركة هذا البيت.

стр. 121

الآيات الموجودة في البيت الحرام قال تعالى: ﴿فِيهِ﴾ [آل عمران:٩٧] أي: في المسجد الحرام ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران:٩٧]، ولم يذكر الله الآيات البينات، بل ذكر واحدة منها فقال: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧] فيصبح تقدير الكلام: فيه آيات بينات كثيرة، منها مقام إبراهيم، وهذا أرجح ما قيل في إعراب (مقامُ) وهو أنها مبتدأ لخبر محذوف مقدم تقديره (منها مقام إبراهيم)، وقيل غير ذلك، لكن هذا الذي نراه، والله أعلم. فمن هذه الآيات الموجودة في الحرم المكي مقام إبراهيم، وذلك أن إبراهيم ﵇ هو الذي رفع جدار الكعبة، وساعده وعاونه ابنه إسماعيل، وهذا مشهور، فلما ارتفع البنيان قدم إسماعيل حجراً لأبيه ليرتقي عليه، فلما وطئ عليه كان رطباً، فبقيت آثار قدم إبراهيم ﵊ في الصخر ظاهرة بينة، والصخر لا يؤثر فيه الوقوف، ولكن الله جعلها رطبة فأصبحت آثار قدمي إبراهيم ظاهرة وبقيت على مر الأزمان. وكان هناك قبيلة في العرب مشهور أهلها بالقيافة، أي: يعرفون آثار الأقدام والأرجل، وكانوا هم يطوفون بالبيت يرون أقدام إبراهيم، وفي ذات يوم لما كان النبي ﷺ صغيراً في حجر جده عبد المطلب خرج يلعب، فلما خرج يلعب جاء إلى قوم من بني مدلج المشهورين بالقيافة، فلما رأوا قدمي نبينا ﵊ -وهو يومئذ صبي- حملوه إلى جده قالوا لـ عبد المطلب: من هذا منك؟ أي: ما هي القرابة بينكما؟ فقال: هذا ابني، فقالوا احرص عليه؛ فإن قدميه من نفس قدمي من في المقام، يقصدون إبراهيم. ولذلك قال النبي ﷺ لما عرج به إلى سدرة المنتهى: (ما رأيت أحدا أشبه بصاحبكم منه ولا منه بصاحبكم) يقصد نفسه ﷺ . والمقصود أن مقام إبراهيم حجر وطئ عليه إبراهيم لما أراد أن يبني الكعبة بعد أن ارتفع بنيانها، فبقيت آثار قدميه إلى يومنا هذا، وهو المعروف الآن بمقام إبراهيم. وهذا المقام شرع الله الصلاة عنده، قال الله جل وعلا ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].

стр. 122

بيان معنى قوله تعالى (ومن دخله كان آمناً) ثم قال سبحانه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] قوله: (دخله) عائد على حرم مكة، إما على المسجد أو على مكة عموماً. واختلف العلماء في معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، ومكمن الخلاف في أنه قد يدخل الحرم الإنسان الآن ويؤذى، فقد يأتي مجرم فيخرج خنجراً أو مسدساً ويقتل الناس في الحرم، وهذا مر عبر التاريخ كله. فالتوفيق بين الآية وبين الواقع مشكل؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، ولذلك اختلفت كلمة العلماء في المعنى: فقال فريق من العلماء: إن هذا خبر عن الماضي، بمعنى أن أهل الجاهلية قديماً كانوا يدخلون الحرم فلا يؤذي بعضهم بعضاً لحرمة البيت التي وضعها الله في قلوبهم، وهذا معروف وإن كان ليس بصحيح على إطلاقه؛ لأنه قد وقع في الجاهلية أذى وسط الحرم، والنبي ﷺ أوذي وسط الحرم. القول الثاني: قول ابن عباس، واختاره الإمام ابن جرير الطبري إمام المفسرين وغيره، وهو أن الإنسان إذا جنى جناية خارج الحرم ثم استجار بالحرم فإنه لا يقام عليه الحد ولا يقبض عليه، وإنما يضيق عليه في المعاملة، فلا يبتاع منه ولا يباع له ولا يطعم، حتى يضطر إلى الخروج فيقام عليه الحد، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقال فريق من العلماء: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] أي: آمناً من عذاب النار، لأن الحج والعمرة سبب في النجاة من النار. وقال فريق من العلماء -وهو اختيار ابن المظفر السمعاني -: إن المعنى أن الله جل وعلا أمن قريش في جاهليتها لأنهم أهل الحرم، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧] فلم يكونوا يؤذون لأنهم أهل حرم الله، وكل من رامهم بأذى قصمه الله، كما حصل لأبرهة وجنده، وهذا -في ظني- أقرب الأقوال إلى الصحة، واختاره الإمام أبو المظفر السمعاني كما قلت في تفسيره، والله تعالى أعلم.

стр. 123

الأمر بحج البيت ثم قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]. لقد قالت اليهود لنبينا ﵊: إنك كنت تصلي إلى بيت المقدس. ومعلوم أن النبي ﵊ كان يصلي إلى بيت المقدس وهو في مكة, وصلى إلى بيت المقدس وهو في المدينة. أما في مكة فكان ﵊ يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فيصلي في جهة بحيث تكون الكعبة أمامه وبيت المقدس وراءها، فيكون قد استقبل بيت المقدس والكعبة في آن واحد، وهذا المشهور عن ابن عباس. وأما في المدينة فلا يمكن ذلك؛ لأن الكعبة في الجنوب وبيت المقدس في الشمال، فكان ﷺ يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً كما في رواية البراء بن عازب عند البخاري وغيره. ثم أنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فأخذ النبي ﵊ يصلي إلى الكعبة، وبقي الحال إلى يومنا هذا. فقال اليهود: هذا أكبر دليل على أنك مضطرب في عبادتك، فبين الله جل وعلا لهم في جواب قرآني فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢]، فكل الجهات ملك لله، والله جل وعلا يختص منها ما يشاء ويتعبد عباده بما يريد، ولو تعبدهم كل شهر بجهة فهو ربهم وهم عبيده، والجهات جهاته والملك ملكه، وليس لليهود ولا لغيرهم قول ولا برهان. فالله جل وعلا أمر نبيه أن يصلي إلى بيت المقدس ابتلاءً واختباراً وهو يعلم جل وعلا أزلاً أنه سينقلهم إلى الكعبة، ففي هذه الفترة يمحص الله جل وعلا عباده، ويبتلي خلقه ليعلم من يثبت ممن لا يثبت، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: هذا الأمر عظيم إلا على من يسره الله جل وعلا عليه. والمقصود أن بيت المقدس كان معظماً والمبالغة في تعظيم الكعبة أمر الله جل وعلا في رده على اليهود بأن يكون الحج إلى الكعبة. ولما كانت الكعبة تفضل على بيت المقدس بوجوه كثيرة، كان اختيارها مكاناً للحج أمراً لا مناص منه، فقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] واللام في ﴿وَلِلَّهِ﴾ [آل عمران:٩٧] حرف جر، ومعناها للإيجاب والإلزام. فأوجب الله وألزم عباده بحج البيت، ولم يكتف الله بقوله ﴿وَلِلَّهِ﴾ [آل عمران:٩٧]، بل أتى بحرف (على)، فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧]، فأتى بمؤكدين: اللام و (على). وكلاهما يدل على الإيجاب والإلزام، تقول: لفلان عندي كذا، وعلي لفلان كذا، أي: يجب علي له.

стр. 124

حد الاستطاعة لحج البيت الحرام يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] وكلمة ((النَّاسِ)) عامة، ثم جاء التخصيص ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فمن لم يستطع الوصول إلى البيت سقط عنه فريضة الحج. والله جل وعلا لم يحدد كيفية الاستطاعة، وهذا من بلاغة القرآن، لأنه لا يمكن عقلاً تحديد الاستطاعة بشيء واحد في كل الأزمنة، ومن قال من العلماء ﵏: إن الاستطاعة الزاد والراحلة، فقوله قول مرجوح، ولا يمكن أن يكون صحيحاً؛ لأنه قد يقع عارض أشد من الأول. ومثال ذلك: لو أن المرض المعروف بـ (سارز) -كفانا الله وإياكم شره- انتشر في أمة مسلمة في بلاد ما حتى أهلكهم، ثم رغب أناس من هذه الأمة في أن يحجوا إلى البيت، وكانوا يملكون الزاد والرواحل، فهل من الحكمة أن يؤذن لهم في الحج؟ الجواب لا؛ لأنه قد يأتي منهم من يحمل المرض فيفتك بالحجاج كلهم، فلذلك من الحكمة منعه، والحج يعتبر ساقطاً عنه، وهو معذور شرعاً؛ لأنه لا يستطيع الوصول إلى البيت، فهذا المنع لا علاقة له بالزاد ولا بالراحلة، فتبقى جملة ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] واسعة، فكل من يستطيع الوصول إلى البيت يجب عليه الحج، ومن لم يستطع فقد أعذره الله جل وعلا في كتابه. وقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] أي: طريقاً.

стр. 125

بيان معنى قوله تعالى (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، للعلماء في هذه الجملة ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الآية على ظاهرها، والمعنى: أن من لم يحج وهو قادر فهو كافر لظاهر الآية، وهذا مذهب الحسن البصري ﵀، ووافقه عليه بعض العلماء. الوجه الثاني: أن من أنكر فريضة الحج فهو كافر، وهذا قول ابن عباس ﵁، وعليه جماهير العلماء. الوجه الثالث: أن الآية جرت مجرى التغليظ والتهديد والوعيد والزجر في بيان أهمية الحج إلى بيت الله جل وعلا، وأن تاركه كالكافر، وهذا القول اختاره بعض العلماء، وهو الذي إليه نميل، والله أعلم, فالآية تجري مجرى التهديد والتغليظ والوعيد، وهذا له قرائن في كتاب الله وفي السنة. أما له قرائنه في القرآن فإن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] مع اتفاقنا على أن هذه الآية تحمل على أنها مبالغة في التهديد، وإلا فإن من قتل نفساً ومات على التوحيد لا يخلد في النار. ومن السنة قوله النبي ﷺ عن ربه : (عبد بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة، وقاتل نفسه في النار) وما إلى ذلك مما جاء في قصة الانتحار. والصحيح أن من مات منتحراً ولم يأت بناقض شرعي، ومات على (لا إله إلا الله) فإنه لا يخلد في النار، وتحمل هذه الأحاديث وغيرها على المبالغة في التهديد والزجر والوعيد. فقاتل نفسه لا يخلد في النار، وإنما يسن لإمام المسلمين أو نائبه ألا يصلي عليه، فقد روى مسلم في الصحيح أن رجلاً من الصحابة اشتد عليه مرض ما، فعمد إلى عروقه فقطعها فسال الدم، فلما سال الدم أخذ ينزف حتى مات، فرآه ابن عم له في المنام وعليه ثياب بيض وقد غلت يداه، فقال: ما صنع بك ربك؟ قال: عفا عني، قال: فما بال يديك؟ قال: إن الله قال لي: إننا لا نصلح منك ما أفسدته من نفسك؛ لأنه قطع يديه. ولما استيقظ قص الرؤيا على النبي ﵊، فقال النبي ﵊: (اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر) قالها ثلاثا. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم وغيره من العلماء: في ذلك دليل واضح على أن قاتل نفسه لا يخلد في النار. ولكن هذا يخاطب به طلبة العلم فقط، ولا يقال للعامة حتى لا يستهينوا بقتل غيرهم ولا بقتل أنفسهم، وطالب العلم ينبغي له أن يفرق بين الخطاب إلى العامة والخطاب إلى طلبة العلم.

стр. 126

الفرق بين أسلوب ذكر الأحكام وأسلوب الوعظ وبيان الحكم الشرعي غير الوعظ، ولذلك لما تقرأ في كتب ابن قدامة وغيره من أئمة الدين الفقهاء تجدهم لا يتكلمون مع بعضهم بقولهم: اتق الله، وخاف الله، واخش الله، فهذا كلام وعظ وليس له علاقة بالأحكام الشرعية، وعندما يتكلم المرء في الوعظ لا يتكلم عن تفصيلات اختلافات العلماء، فلا يأتي إنسان في مسألة يخالف فيها آخر فيقول له: اتق الله، فكيف تقول بهذا!. فالكلام العلمي لا يقال لقائله: اتق الله، إذ لا يقول هذا الكلام إلا لأنه يعتقد أنه صحيح، فلكونه يتقي الله قال هذا الكلام؛ لأنه هو يعتقد أن هذا صحيح، فهو يقوله لأنه يتقي الله، فليس هناك موضع مجال لكلمة (اتق الله) و (خاف الله). وأما من كان في معصية فإنك تقول له: اتق الله؛ لأنه يعلم أنها معصية ويعصي الله جل وعلا. ولذلك إذا قرأت مناظرات العلماء وكلام ابن قدامة وغيره من أئمة العلم لا تجد فيها الأسلوب الوعظي ولا ذكر الجنة والنار؛ لأن كل فريق يعتقد صحة ما يقول، وإنما يبنى الكلام على الأدلة، وكل يحاج الآخر بالأدلة. وبعض صغار طلبة العلم تقول له: ما رأيك في فلان؟ فيقول: هذا لا يخاف الله؛ لأنه يفتي بكذا وكذا، ويقول بكذا. وهذا ليس بكلام رجل عاقل؛ لأنه يخاف الله فقال ما يعتقده، ولو طبق هذا الكلام الذي يتناقله اليوم البعض على الصحابة لهلكنا جميعاً؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يتبادلون الرأي، ويقول كل منهم بقول، ولا يقول واحد لآخر: اتق الله؛ لأن كل واحد منهم يقول ما يعتقد أنه صواب، وكل منهم يقارع الآخر بالحجة وبالنظر وبالدليل، وإذا استبانت لك المسألة فقد لا تستبين لأخيك، والعكس صحيح. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 127

سلسلة تأملات قرآنية [٦] يبين الله تعالى في سورة النساء جملة من الأعمال الإجرامية التي استحق بها اليهود غضب الله تعالى، ومن جملة تلك الأعمال اتخاذهم العجل، وقتلهم الأنبياء، وكفرهم بآيات الله، ورميهم مريم ﵍ بالفاحشة، ومحاولتهم قتل عيسى ﵇، وأكلهم الربا، والعجيب أن اليهود قد استحوذوا على النصارى في شأن عيسى فلبسوا عليهم الباطل فتبعهم النصارى في الإيمان بصلب عيسى، وما ذلك إلا لخبث اليهود وضلال النصارى.

стр. 128

مناسبة تفسير الآيات من سورة النساء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: ففي هذا الدرس -بعون الله وتوفيقه- سننتقل إلى سورة النساء، بعد أن أنهينا وقفات ثلاث مع سورة آل عمران، والمناسب في الانتقال واختيار الآيات من سورة النساء هو أننا قد تحدثنا في سورة آل عمران عن بعض جرائم اليهود، وتكلمنا عن مسجد الصخرة، وما إلى ذلك. وهنا ننتقل إلى إتمام الحديث من سورة أخرى هي سورة النساء؛ وللعلم ببعض عقائد النصارى بعد أن بينا شيئا من عقائد اليهود، ثم نعرج على بعض الأحكام الفقهية التي يستلزم الحديث عنها في الآيات. فنقول مستعينين بالله : سورة النساء سورة مدنية جاءت متنوعة الأغراض كأكثر سور القرآن، حيث ذكر الله جل وعلا فيها جملة من العقائد، وجملة من الآداب، وجملة من الأحكام، ولأن السورة من أكثر سور القرآن حديثا عن أحكام النساء نعتت بسورة النساء، وقد سبق أن بينا أن تسمية سور القرآن الراجح فيها أنها توقيفية فعلها الصحابة بإذن من النبي ﷺ . وهناك سورة أخرى تنعت بأنها سورة النساء الصغرى، وهي سورة الطلاق، لأن السورتين تحدثتا كثيراً عن أحكام النساء وما يتعلق بهن.

стр. 129

تفسير قوله تعالى: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً)

стр. 130

بيان عنت اليهود أما الآيات التي سنتكلم عنها تفصيلا فهي قول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٥٣]، إلى قول الله : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣]. فنقول مستعينين بالله : سبق أن بينا شيئاً من جرائم اليهود في سورة آل عمران، وفي هذا السياق يخبر الله جل وعلا عن تاريخ اليهود إجمالاً، فلا يختص هذا السياق بمرحلة دون غيرها، فالجرائم التي سيذكرها القرآن الآن وسنفسرها إجمالاً لا تتعلق بمرحلة زمنية معينة، فمنذ بعثة موسى ﵊ وإنزال التوراة إلى عهد نبينا محمد ﵊ مضى أكثر من ألف عام، وخلال ذلك كان اليهود يعيشون، فبعث إليهم بين موسى وعيسى أنبياء، ثم بعث إليهم عيسى ﵊ وأعطاه الله الإنجيل، ولم يبعث أحد بعد عيسى إلا نبينا محمد ﷺ ، فعبر هذا التاريخ يذكر الله جل وعلا جملة من الخبث الملازم لليهود في تعاملهم مع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالله يقول لنبيه: هؤلاء المعشر الذين يعاصرونك الآن من اليهود يطلبون منك كتاباً ينزل جملة، حيث قالوا: إن موسى جاءته التوراة جملة واحدة، فنحن -يا محمد- لن نؤمن بك حتى تنزل علينا كتاباً جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى جملة، فرد الله جل وعلا عليهم فقال لنبيه من باب التعزية: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء:١٥٣]، فلا تعجب -يا نبينا- ولا تستغرب من هذا الطلب؛ لأنهم قد طلبوا طلبا أكبر منه، وهو طلبهم من موسى يوم قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]، وهذا والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فهذا الطلب ذكره الله مفصلاً في سورة البقرة، حيث قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦]، فهذا أول وأعظم طلبهم، وفيه من الجرأة على الله جل وعلا ما لا يخفى. قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء:١٥٣]، فلما طلبوا هذا الطلب أهلكهم الله بالموت، ثم رحمهم ﵎ وأحياهم بعدما أماتهم، كما قال جل وعلا في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٦]، وهذا صريح في أن الله أماتهم ثم أحياهم، وقد قال بعض العلماء من المفسرين: إن إماتتهم وإحياءهم كانا في يوم وليلة.

стр. 131

بيان معنى قوله تعالى (ثم اتخذوا العجل من بعدما جاءتهم البينات) قال تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [النساء:١٥٣] (اتخذ) تنصب مفعولين، ذكر الله واحداً منهما، ولم يذكر الآخر؛ لدلالة المعنى عليه، حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [النساء:١٥٣]، ويظهر من السياق أنهم اتخذوا العجل إلهاً، فـ (إلهاً) هي المفعول الثاني الذي لم يذكره الله، وهذا هو سبب نقمة الله عليهم، وإلا لو أنهم اتخذوا العجل كدابة يركبونها أو ينحرونها ليأكلوها أو لشيء آخر لكان هذا أمراً مشروعاً. وقد اتخذوا العجل في الفترة التي ذهب فيها موسى ﵊ ليكلم ربه، وجعل عليهم أخاه هارون، ففي تلك الفترة لما أبطأ عليهم موسى -لأن الله واعده ثلاثين ليلة ثم جعلها الله أربعين- ملوا، فصنع لهم السامري عجلاً من ذهب، وجعل له منفذين يدخل منهما الهواء، فجعلت الريح إذا دخلت من القبل وخرجت من الدبر تحدث صوتا، فخدعهم بقوله: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه:٨٨] كما أخبر الله. فهذان من جملة ما نقم الله عليهم، فالأول: أنهم سألوا موسى أن يروا الله جهرة، والثاني: أنهم اتخذوا العجل إلها من بعدما جاءتهم البينات.

стр. 132

تفسير قوله تعالى: (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم) ثم قال سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء:١٥٤]، فهذه ثلاث مسائل وقعوا فيها. والطور، يطلق على الجبل الذي به نبات، فإن لم يكن عليه نبات فإنه يسمى جبلاً فقط ولا يطلق عليه أنه طور. وهل هو الطور الذي كلم الله عنده موسى أم هو جبل آخر؟ كلا الأمرين محتمل. فلما أعطاهم الله التوراة رفضوا أن يقبلوها، فرفع الله عليهم الجبل تهديدا بأن يلقيه عليهم فقبلوا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧١]، فهذا من جملة ما اعترضوا عليه، ثم أمرهم أن يدخلوا باب المدينة سجداً معترفين لله بالفضل وطلب المغفرة، فدخلوا يزحفون أعجازهم كما أخبر الله جل وعلا، وهذه هي النقيصة الرابعة.

стр. 133

بيان معنى قوله تعالى (وقلنا لهم لا تعدوا في السبت) والنقيصة الخامسة ما ذكره الله في قوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء:١٥٤]، والسبت المقصود به يوم السبت، وهذه هي قصة القرية التي كانت على الشاطئ، وعبر الله عنها بقوله: ﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣]، وقد ذكرها الله في سورة الأعراف، وبين أنه كانت هناك قرية من قرى بني إسرائيل حاضرة البحر، فأمرهم الله ألا يصطادوا يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم شرعاً ظاهرة تدعوهم فتنة لهم يوم السبت، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فكانوا يلقون شباكهم يوم الجمعة، ويأتون يوم الأحد فيجمعون ما وقع فيها، فيحتالون على الله جل وعلا، وبئس ما فعلوا. وهذا كله حدث في فترات زمنية متفاوتة، وفي أماكن متفرقة، وعبر تاريخ طويل، ولكن المقصود سياق بعض جرائم اليهود بياناً وشفاء لقلب نبينا ﷺ .

стр. 134

تفسير قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله) قال الله سبحانه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:١٥٤]. ثم قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٥٥ - ١٥٦]، هنا يبين السياق القرآني ما نجم عن هذه المعاصي، فيذكر القرآن المعصية إجمالاً ثم يأتي بها تفصيلا. قال تعالى: ((فَبِمَا نَقْضِهِمْ)) الباء للسببية، أي: بسبب نقضهم للميثاق، وهو ما أخذه الله عليهم عن طريق أنبيائه ورسله من مواثيق وعهود فنقضوها، وهذا دأبهم في كل آن وحين. قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء:١٥٥]، وهذا يسميه البلاغيون مجازاً مرسلاً، ومعلوم أن اليهود لم يقتلوا الأنبياء كلهم، ولكنهم لما استباحوا دم واحد منهم كانوا كأنهم استباحوا دم الجميع، وأي إنسان يستبيح دم شخص واحد فإنه يستبيح الدماء التي تساويه، فالله عبر عن قتلهم لنبيهم -حيث هم قتلوا يحيى وقتلوا زكريا- بقتل الأنبياء جميعا؛ لأن الأنبياء جميعا يجمعهم دين واحد. قال تعالى: ((وَقَوْلِهِمْ)) أي: لنبينا، ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [النساء:١٥٥] جمع أغلف، وهو الشيء المطبوع المختوم الذي فيه حجاب يحول بينه وبين وصول المعرفة إليه. قال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٥٥]، وفي تفسير هذه الجملة لها وجهان: الوجه الأول: أنه أسلوب تستخدمه العرب في كلامها، بمعنى أنهم عديمو الإيمان. الوجه الثاني: أنهم لم يؤمنوا إلا بقليل من أنبيائهم، فلما لم يؤمنوا بالكل كانوا كأنهم لم يؤمنوا؛ لأن الشرع يوجب الإيمان بالأنبياء جميعاً بلا استثناء، ولعل هذا أظهر.

стр. 135

تفسير قوله تعالى: (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً) ثم قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٥٦] كرر الله الكفر، ثم ذكر شيئا من جرائمهم، والقول الذي قالوه في مريم هو أنهم قالوا: إنها زانية، وقد برأها الله جل وعلا -كما هو معلوم- في كتابه. والبهتان: الكذب والإفك، والقول بلا علم ولا بينة. أما مريم فهي سيدة نساء العالمين، ولم يذكر الله جل وعلا في القرآن امرأة باسمها الصريح إلا هي عليها الصلاة والسلام، مع أنها ليست بنبيه؛ لأن الله قال: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا))، فما بعث الله جل وعلا امرأة قط، ولكنها الوحيدة من النساء عبر التاريخ كله التي ذكرت باسمهما الصريح في القرآن، وهي سيدة نساء العالمين، كما جاء ذلك في صحيح السنة، وهي مريم البتول العذراء، واسمها مريم، بمعنى: عابدة -أو خادمة- الرب، وقصتها أشهر من أن تذكر، فقد خرجت فانتبذت من أهلها مكاناً شرقي بيت المقدس، فجاءها روح القدس جبرائيل فنفخ في جيب درعها فحملت بعيسى، وبعد أن وضعته أتت به إلى قومها فاختلفوا فيها، فمنهم من صدقها ومنهم من كذبها، وكان مولد المسيح عيسى ابن مريم.

стр. 136

تفسير قوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم)

стр. 137

بيان تآمر اليهود على قتل عيسى ﵇ قال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]. هذه الآية تقودنا إلى الحديث عن النصارى كما تحدثنا عن اليهود، وتفصيل ذلك أن نقول: ولد عيسى ابن مريم، فحملته أمه وأتت به الملأ من بني إسرائيل فأنكروه ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم:٢٧]، فأشارت إليه فأنطقه الله في المهد ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠]، وما اختلف الناس في رجل كما اختلفوا في عيسى ابن مريم ﵊، وبعد النبوة أخذ يدعو إلى ربه، فأسلم على يديه أقوام سموا في القرآن بالحواريين، وهم خاصة أصحابه ﵊، ثم لما ظهر أمره خاف خصومه وأعداؤه من اليهود فتآمروا على قتله، فبعضهم كان يعرفه بعينه، وبعضهم كان يعرفه باسمه، فلما أجمعوا أمرهم على قتله أخذوا معهم شخصاً يدلهم على مكانه، فلما دخلوا عليه ليقتلوه رفعه الله جل وعلا إليه، وألقى شبهه على غيره، مع اختلاف بين العلماء فيمن ألقي عليه الشبه، فقيل: إنه عبد من الحواريين صالح ألقى الله عليه الشبه، وقيل: إن الرجل الذي دلهم عليه -وهو يهوذا عند بعض المفسرين- هو الذي ألقى الله عليه شبه عيسى، فقتله اليهود ظناً منهم أنه عيسى. وجملة الأمر أن الله جل وعلا شبه لهم شخصا غير عيسى، ورفع عيسى إلى السماء كما قال ربنا في صريح القرآن: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، واختلف اليهود في هذا الذي شبه، فلما أخذوه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟! وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟! فأخذوه وصلبوه وقتلوه اعتقاداً منهم أنهم ينتقمون منه! وكان هذا في بيت المقدس في المكان المسمى اليوم كنيسة القيامة التي تعظمها النصارى، ثم رفع عيسى إلى السماء. فالله جل وعلا يقول: إن اليهود تزعم أنها قتلت عيسى، فأنكر الله ورد على اليهود قولهم: إن عيسى قتل أو صلب بأن الله رفعه إليه، فهو حي جسداً وروحاً في السماء الثانية، كما قابله النبي ﷺ ليلة المعراج، وسينزل أمارة وعلامة من علامات الساعة.

стр. 138

موقف النصارى من دعوى اليهود قتل عيسى ﵇ وبعد رفعه صدق النصارى اليهود في أن عيسى صلب وقتل، وقالوا: إن الله جل وعلا عدل، ومن عدله ألا يترك الخطيئة بلا عقوبة، فيقولون: إن آدم أكل من الشجرة فارتكب الخطيئة، فلما أكل من الشجرة وارتكب الخطيئة وأهبطه الله ورثت كل ذريته خطيئته. فقالوا: لا بد من أن تكفر الخطايا عن الذرية، ولما كان الله من صفاته مع العدل الرحمة -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- بعث ابنه الذي هو عيسى، وأنزله إلى الأرض وأحله في الناسوت بدل اللاهوت، أي: في إنسي، وصلب وقتل حتى يكفر عن البشر كلهم خطيئة أبيهم آدم، فمن آمن بأن عيسى ضحى من أجل البشر أصبح مؤمناً وسينجو يوم القيامة، ومن لم يؤمن بأن عيسى ضحى من أجل البشر فإنه لا يعتبر مؤمنا! وعندهم ما يسمى بالتعميد، والتعميد صفته بأن يأتوا بالطفل -على خلاف في المذاهب عندهم- فيضعوه في مكان فيه ماء كحوض أو يرشوا عليه الماء، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس! فإذا قالوا هذه الثلاثة اعتقدوا أن هذا الابن عُمد، وإذا عُمد طهر من الذنوب والخطايا، فأصبح قابلا للنجاة يوم القيامة، وعندهم جنة ونار وحساب بناء على هذا الاعتقاد.

стр. 139

ذكر مذاهب النصارى وينقسم النصارى إلى ثلاث طوائف رئيسية: الأولى: الأرثوذكس، وهؤلاء انفصلوا في عام (١٠٥٤م) عن الكاثوليك، والكاثوليك هي الكنيسة الأم، والبروتستانت الكنيسة الثالثة. الثانية: الكاثوليك، وهي راعية الكنيسة التي في روما اليوم، التي تتبع البابا يوحنا بولس الثاني المالك وخليفته الباب بنديكيت السادس عشر وجل كنائس العالم تابعة للكاثوليك. وأما الأرثوذكس فأقل منهم، ومعناها: (مستقيمي المعتقد) - وقد انفصلت عن الكنيسة الأم، ويتبعها بعض الكنائس، كالتي في مصر التابعة للبابا شنودة. الثالثة: حركة إصلاحية انفصلت عن الكاثوليك في القرن الثامن عشر الميلادي تقريباً على يد مارثن لوثر، وهي الكنيسة البروتستانتية، وهذه تؤمن بأن لليهود منة على النصارى، والبروتستانتية هي المذهب الذي يدين به الرئيس الأمريكي المعاصر، ورئيس الوزراء البريطاني المعاصر توني بلير، فالذي يجمع بينهما ارتباطهما حاليا بهذه الكنيسة، وأما الكنيسة التي في روما فهي منفكة عنهما ولا علاقة لها بهما. فالنصارى فرق شتى، ولكن هذه الفرق الثلاث هي الأم، ويجتمعون في أمور ويختلفون في أمور أقل منها، فيتفقون على أن الأقانيم ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وقد رد الله على الجميع في كتابه.

стр. 140

كيفية ظهور الصليب النصرانية والأصل أن عيسى بعث إلى بني إسرائيل مثل موسى، وقد قلنا: إن بني إسرائيل يعودون إلى إسرائيل الذي هو يعقوب، ويعقوب ﵇ له أخ اسمه العيص، ومن ذرية العيص الروم، وكان العيص فيه صفرة، فلذلك يسمى الروم بني الأصفر، ولذلك فإن أبا سفيان لما رأى هرقل يخشى النبي ﷺ قال: لقد أصبح ملك محمد عظيماً، تخافه بني الأصفر. فالروم في الأصل ليس لهم علاقة بعيسى، والدين النصراني اليوم أكثر أتباعه الروم في أوروبا وفي أمريكا، فهم أكثر من اليهود. وسبب ذلك أنه بعد ثلاثة قرون من رفع عيسى حدثت حروب بين الرومان وأشياعهم، فآمن ثلة من الرومان بما بقي من دين عيسى ﵊. وكانت اليهود تزعم أنها قتلته، ولذلك يأتون إلى كنيسة القيامة -وهي الموطن الذي زعموا أنهم قتلوا فيه عيسى ﵇ فيرمون فيه الزبالات، والقاذورات، والقمامة حتى تجمعت. فجاء قسطنطين الثالث فآمن بدين عيسى السلام مع التحريف، بعد أن جاء رجل يبحث في تلك القمامات حتى وصل إلى الصليب، حيث يزعمون أنه وصل إلى الخشبة التي صلب فيها من يعتقد اليهود أنه عيسى، فالصلب وقع، ولكنه ما وقع على عيسى، فاليهود صلبوا رجلاً وقتلوه. فهذا الرجل وجد خشبة على هيئة الصليب المعروفة الآن بعد عيسى بثلاثة قرون، ولما أخذها زعم أنه كان مريضاً، فلما تمسح بها برئ، فلما علم الناس ذلك أخذوا يصنعون الصليب ويتبركون به ويعتقدون فيه ذلك إلى يومنا هذا، فهذا أصل فكرة ظهور الصليب للناس. فلما علمت أم قسطنطين -واسمها هيلانا بهذا أمرت بمحو القاذورات وبنت عليها كنيسة أسمتها كنيسة القيامة، وذلك أنهم يعتقدون جهلا أن عيسى يبعث منها، فبما أنه مات فسيبعث من هذه الكنيسة، والكنيسة موجودة اليوم في بيت المقدس، وإن لم أنس فإن السادات لما زار إسرائيل تكلم وألقى خطابا في هذه الكنيسة، فهذه الكنيسة قائمة تعظم إلى اليوم. وتسمى أحياناً كنيسة القمامة بالنسبة لما كان عليها، ثم بعد ذلك كان النصارى يضعون القمامة على الصخرة التي تعظمها اليهود، وكان يصلي إليها موسى ﵇. وهذه الصخرة محا القامة عنها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولكنه صلى أمامها وجعلها خلفه. فأصبح بيت المقدس يضم الكنيسة التي يعظمها النصارى، ويضم الصخرة التي تعظمها اليهود، ويضم المسجد الأقصى الذي يعظمه المسلمون. فهذا مجمل ما يمكن أن يقال عن عقيدة النصارى، وهي: قائمة على سر التعميد، والإيمان بأن الله كَفّّر عن البشر خطاياهم بقتله ابنه، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

стр. 141

بيان معنى قوله تعالى (وما قتلوه وما صلبوه) يقول الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨] أي: عزيزاً عن أن يقتل نبي من أنبيائه وهو جل وعلا غير مريد، حكيماً في سبب رفعه إلى السماء الثانية. والمحفوظ عندنا في سنة نبينا ﷺ وفي ظاهر القرآن أن عيسى ﵊ سينزل في آخر الزمان واضعاً يديه على أجنحة ملك يخرج منه مثل بقايا الوضوء، ويقتل الدجال بحربة تكون معه، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١].

стр. 142

تفسير قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) ثم قال الله جل وعلا بعدها: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]، هذه الآيات إحدى معضلات القرآن؛ لأن تفسيرها غير واضح، فهذه الآية تحتمل عدة تفاسير، وإلى الآن لم أقف على تفسير مقنع، ولكن نقول جملة ما قاله أهل العلم، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٥٩] والمعنى: لا أحد من أهل الكتاب ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩]، فهنا ضميران، الهاء في (به) والهاء في (موته)، فعلى من يعود كل منهما؟! إن هذا هو موضع الإشكال، فتحتمل الآية أن يكون المعنى: ما من أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به -أي: بعيسى- قبل موته، أي: قبل موت الكتابي، فيكون الضمير في (به) عائداً على عيسى، والضمير في (موته) على عائداً على الكتابي. فيصبح معنى الآية: أنه ما من يهودي ولا نصراني تغرغر روحه إلا وهو يؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، إلا أنه يؤمن ساعة الاحتضار، فلا يقبل منه، وهذا مروي عن ابن عباس، وقال به كثير من العلماء، ولكن يصعب تصوره. ويحتمل أن المعنى: ليس من أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، أي: ينزل مرة أخرى فيؤمنون به، ولكن يأتي الإشكال في قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٥٩] أي: لا أحد من أهل الكتاب، وقد مات جم غفير من أهل الكتاب قبل أن يروا عيسى، وقد نموت نحن قبل أن ينزل عيسى، فهذا هو الإشكال على التفسير الثاني. وبقي تفسير لعله أقربها إلى الصواب، وهو أن معنى الآية: ما من كتابي يبقى حياً إلى يوم نزول عيسى إلا ويؤمن به. وهذا فيه إشكالية أخرى، وهي أن اليهود من أهل الكتاب، ولا يؤمنون بعيسى حتى بعد نزوله، فيبقى تفسير الآية إلى يومنا هذا -في علمنا- غير واضح، وإنما نقلنا ما ذكره أهل التفسير، وإذا أوقفنا الله جل وعلا على شيء آخر سنخبر به في حينه.

стр. 143

تفسير قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات)

стр. 144

أعظم أسباب الحرمان ثم قال جل وعلا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١]، الكلام في هذه الآيات لوجوه عدة: أولها: أن المعاصي من أعظم أسباب الحرمان، ولذلك قال الله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]، فإذا كانت المعاصي من أعظم أسباب الحرمان فإن من أعظم أسباب العطاء الطاعات، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، فالله يخبر أن ما حل على اليهود من تحريم كثير من الطيبات إنما كان بسبب معاصيهم، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١]، فالآية تتكلم عن بعض من مظالم اليهود، ومنها الصد عن سبيل الله، ومنها أكل أموال الناس بالباطل، ومنها أكل الربا.

стр. 145

بيان معنى قوله تعالى (وأخذهم الربا وقد نهو عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) وقول الله جل وعلا: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦١] هذا عطف عام على خاص؛ لأن أكل الناس بالباطل يدخل فيه الربا، والله يقول: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦١]، فعطف عاماً على خاص. والربا محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ومن الفوائد أن يقال: إن هناك معصيتين حرمهما الله على جميع الأمم، ولم يبحهما الله في أي شريعة قط هما: الربا والزنا، فلم يحل الله لأي أمة من الأمم الزنا، ولم يحل لأي أمة من الأمم الربا.
следующие страницы →