← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بيان معنى قوله تعالى (وما قتلوه وما صلبوه) يقول الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨] أي: عزيزاً عن أن يقتل نبي من أنبيائه وهو جل وعلا غير مريد، حكيماً في سبب رفعه إلى السماء الثانية. والمحفوظ عندنا في سنة نبينا ﷺ وفي ظاهر القرآن أن عيسى ﵊ سينزل في آخر الزمان واضعاً يديه على أجنحة ملك يخرج منه مثل بقايا الوضوء، ويقتل الدجال بحربة تكون معه، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١].

стр. 142

تفسير قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) ثم قال الله جل وعلا بعدها: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]، هذه الآيات إحدى معضلات القرآن؛ لأن تفسيرها غير واضح، فهذه الآية تحتمل عدة تفاسير، وإلى الآن لم أقف على تفسير مقنع، ولكن نقول جملة ما قاله أهل العلم، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٥٩] والمعنى: لا أحد من أهل الكتاب ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩]، فهنا ضميران، الهاء في (به) والهاء في (موته)، فعلى من يعود كل منهما؟! إن هذا هو موضع الإشكال، فتحتمل الآية أن يكون المعنى: ما من أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به -أي: بعيسى- قبل موته، أي: قبل موت الكتابي، فيكون الضمير في (به) عائداً على عيسى، والضمير في (موته) على عائداً على الكتابي. فيصبح معنى الآية: أنه ما من يهودي ولا نصراني تغرغر روحه إلا وهو يؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، إلا أنه يؤمن ساعة الاحتضار، فلا يقبل منه، وهذا مروي عن ابن عباس، وقال به كثير من العلماء، ولكن يصعب تصوره. ويحتمل أن المعنى: ليس من أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، أي: ينزل مرة أخرى فيؤمنون به، ولكن يأتي الإشكال في قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٥٩] أي: لا أحد من أهل الكتاب، وقد مات جم غفير من أهل الكتاب قبل أن يروا عيسى، وقد نموت نحن قبل أن ينزل عيسى، فهذا هو الإشكال على التفسير الثاني. وبقي تفسير لعله أقربها إلى الصواب، وهو أن معنى الآية: ما من كتابي يبقى حياً إلى يوم نزول عيسى إلا ويؤمن به. وهذا فيه إشكالية أخرى، وهي أن اليهود من أهل الكتاب، ولا يؤمنون بعيسى حتى بعد نزوله، فيبقى تفسير الآية إلى يومنا هذا -في علمنا- غير واضح، وإنما نقلنا ما ذكره أهل التفسير، وإذا أوقفنا الله جل وعلا على شيء آخر سنخبر به في حينه.

стр. 143

تفسير قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات)

стр. 144

أعظم أسباب الحرمان ثم قال جل وعلا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١]، الكلام في هذه الآيات لوجوه عدة: أولها: أن المعاصي من أعظم أسباب الحرمان، ولذلك قال الله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]، فإذا كانت المعاصي من أعظم أسباب الحرمان فإن من أعظم أسباب العطاء الطاعات، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، فالله يخبر أن ما حل على اليهود من تحريم كثير من الطيبات إنما كان بسبب معاصيهم، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١]، فالآية تتكلم عن بعض من مظالم اليهود، ومنها الصد عن سبيل الله، ومنها أكل أموال الناس بالباطل، ومنها أكل الربا.

стр. 145

بيان معنى قوله تعالى (وأخذهم الربا وقد نهو عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) وقول الله جل وعلا: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦١] هذا عطف عام على خاص؛ لأن أكل الناس بالباطل يدخل فيه الربا، والله يقول: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦١]، فعطف عاماً على خاص. والربا محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ومن الفوائد أن يقال: إن هناك معصيتين حرمهما الله على جميع الأمم، ولم يبحهما الله في أي شريعة قط هما: الربا والزنا، فلم يحل الله لأي أمة من الأمم الزنا، ولم يحل لأي أمة من الأمم الربا.

стр. 146

أقسام الربا والربا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ربا الفضل. والقسم الثاني: ربا النسيئة. والقسم الثالث: ربا القرض. فالفضل في اللغة: الزيادة، وقد حدد النبي ﷺ الأصناف الربوية، فقال ﵊ -كما في الصحيحين وغيرهما-: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد). ومعنى الحديث أن هذه الأصناف الربوية من مكيل وموزون ما كان منها مطعوماً يدخله الربا. ومثال ذلك أن يأتي إنسان بثلاثة كيلو من التمر, وآخر معه أربعة كيلو من التمر، والتمر صنف ربوي، أي: يدخله الربا، وليس معنى أنه ربوي أنه محرم. فهذه الأربعة الكيلو زيادة على الثلاثة، فلا يصح التبادل بأن يقول: أعطني هذه وأعطيك هذه، ولو كان أحدهما أفضل من الآخر، فهذا لا يجوز، وإذا وقع فهو ربا فضل، أي: زيادة؛ لأنهما اتفقا في الصنف واختلفا في الزيادة، فهذا معنى ربا الفضل، وهو محرم. وأما ربا النسيئة، فإن معنى النسيئة: التأجيل والتأخير، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] أي: التأجيل زيادة في الكفر. ويقع ربا النسيئة بأن يكون هناك صنف ربوي مع صنف ربوي آخر، وقد قال ﷺ : (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم)، ولكنه قال: (يداً بيد)، وفي ربا النسيئة يلغى قوله: (يداً بيد) فيؤخر واحد عن الآخر. ومثال ذلك في الدولار والريال السعودي، فالمائة الدولار تساوي ثلاثمائة وخمسة وسبعين ريالاً سعودياً. فالدولار يعتبر صنفاً، والريال يعتبر صنفاً، فلو قايضتهما ببعضهما فإنه يجوز لك الزيادة؛ لأن الصنفين مختلفين، فالدولار غير الريال، ولكن كلاهما صنفان ربوي. ويدخل ذلك ربا النسيئة حين تأتي إلى الصراف فتقول: سأبيعك خمسمائة ريال سعودي، ولكني أريد أن أسافر، فأعطني مائة دولار أمريكي، فيعطيك مائة دولار، ولا تعطيه الخمسمائة، فهذا ربا النسيئة، وهو محرم. ولكن إذا أخذت المائة وأعطيته الخمسمائة، أو دونها أو فوقها -كيفما اتفقتما في الحال- يداً بيد فليس هذا رباً؛ لأن نبينا ﷺ قال: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بي) يعني: كله ناجز ولا يباع ناجز بغائب واضح والقسم الثالث: وربا القرض، وهو أصل الربا، وهو الذي كانت تتعامل به العرب في الجاهلية، وهو داخل في ربا الفضل والنسيئة، ولكن ميزناه ليتضح، كأن يأتي إنسان فيقرض إنساناً شيئاً، ثم يشترط عليه منفعة مقابل هذا القرض، وأكثر ما يقع في الأموال، كشخص يأتي إنسان يطلب منه مالاً فيعطيه عشرة آلاف ريال إلى ثلاثة شهور، فتنتهي المدة فيأتي الدائن إلى المدين يطلب دينه فيقول: لا أملك، فيقول: إما أن تأتي بها في الحال، وإما أن أؤخرها إلى شهر على أن تردها لي أكثر من عشرة آلاف ريال ولو ريالاً واحداً، فهذا يسمى ربا قرض، وهو الذي قال الله فيه: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، وهو الذي قال فيه ﷺ : (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)، وقال (هم سواء) أي: هم في الإثم سواء، أخرجه مسلم من حديث جابر، وأخرجه البخاري من طريق آخر، ولكن المعنى في الصحيحين. وينجم عن ربا القرض مسألة تسمى عند العلماء قلب الدين، وهو من كبائر الذنوب، وقلب الدَّين مثاله في إنسان يعطي إنسانا قرضا ألف ريال، ويقول إلى شهر، ثم جاء بعد شهر وليس عند مدينه ألف ريال، وهو رجل مستور الحال، والذي يجده شيء لا ينفك عن قوته تقوم به حياته، كسيارة يذهب بها ويغدو على قدر مستواه الاجتماعي، وبيت صغير يسكنه، في أشياء خاصة لا يمكن أن يستغني عنها فقير ولا غني، فيأتي هذا الذي له المال إليه ويقول له: بعني هذا لشيء خاص عند هذا الرجل يحتاجه، فيأخذ الشيء الخاص، ويعطيه ألفاً، ثم يقول له: الآن رد لي الألف الذي لي عندك. فهذا يسمى قلب الدين، وهو من كبائر الذنوب كما نص عليه العلماء، ونقل عن العلامة عبد الله بن بسام رحمه الله تعالى عن شيخه عبد الرحمن بن سعدي القول بأنه من كبائر الذنوب. فهذه أصناف الربا، وكلها محرمة، ولا يوجد أحد - ولله الحمد - فيما نعلم من علماء المسلمين أباح الربا في أي قطر كان، وحين تسمع أن أحداً أباح الربا من علماء المسلمين فلا تصدق، فهذا ليس بعالم، فلا يوجد أحد يتجرأ على أن يبيح الربا، وقد تفهم أنت المسألة خطأ، والربا لا يحتاج إلى أن تقول فيه: مسألة خلافية، بل الربا محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.

стр. 147

حكم التعامل مع المرابي بيعاً وشراءً وينجم عن الآية مسألة لها وضع خاص في عصرنا، وهو أن اليهود أكلة ربا بنص القرآن، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١]، وهذا كلام رب العالمين، ومع ذلك ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ اشترى شعيراً من يهودي وليس عنده مال، فرهن درعه صلوات الله وسلامه عليه عند اليهودي بعد أن اشترى منه. فالنبي ﵊ تعامل مع اليهود بيعاً وشراء رغم أنهم أكلة ربا، فينجم عن هذا أنك إذا سئلت: هل يجوز التعامل مع البنوك الربوية بيعاً وشراء؟! فتجيب بأن: نعم؛ لأن اليهود كانوا أكلة ربا، والنبي ﷺ اشترى منهم وباع منهم وقبل هداياهم، ما لم تعلم أن عين ما تتعامل به محرم، فلو رأيت إنساناً يسرق سيارة أمام عينيك ثم أراد أن يبيعك إياها فلا يجوز لك شراؤها. ولكن لو أن إنساناً اشترى من أي بنك بماله شراء شرعياً فالبيع جائز باتفاق المسلمين؛ لأن النبي ﷺ اشترى من اليهود، ولأن الله قال في كتابه -وهو يعلم أن اليهود حرفوا والنصارى كذلك-: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، ولن يكون طعامهم حل لنا إلا بالشراء؛ لأن طعامهم لا يؤتى به لنا على شكل هدايا، فلا بد من أن تشتريه، فأباح الله لنا أكله، فإذا أباح لنا أكله فمن باب أولى أن يبيح شراءه. وهذه المسألة نحتاج إليها كثيرا في العصر، وقد عنون الإمام البخاري في الصحيح (باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب)، وساق حديثا فيه أن النبي ﷺ في سفر له اشترى قطيع غنم من رجل مشرك، فهو ﵊ كان خارج المدينة في حرب مع أهل الشرك. فلو جئنا إلى ما يسمى اليوم المقاطعة فلا شك في أن المقاطعة -إذا أراد بها الإنسان قطيعة من يعين أهل الباطل وتعبد الله- بها قربة يثاب عليها بلا شك، ونحن لا نتكلم عن القربة، وإنما نتكلم عن صحة البيع وصحة الشراء، والأشياء تنزل على منازلها، ولكن الكلام بالحل أو بالحرمة توقيع عن رب العالمين، قال ابن القيم، والكلام عن رب العالمين بالحل والحرمة لا بد فيه من أن يكون على بينة، وهدي من الكتاب والسنة، ولا علاقة للعواطف به، ولن تكون أعظم ورعاً من رسولنا ﷺ ، فاليهود يقول الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، ويذهب النبي ﷺ ليشتري من يهودي رغم أن أسواق المدينة مليئة بمن يبيعون الشعير، ولكن النبي ﷺ أراد أن يبين للأمة جواز البيع. وإذا جرنا الكلام إلى قضايا العصر فيحسن تناول قضية الاقتراض من البنوك، فالاقتراض بفائدة لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه حرام بإجماع المسلمين، ولكن البنوك أحياناً تقول: إذا اقترضت إلى ثلاثة أشهر ورددت القرض فإنا لا نطلب منك فائدة، فإذا لم تستطع ردها أخذنا منك فائدة، وهذا حكمه كالأول سواء بسواء، فمجرد توقيع العقد -ولو كنت قادراً على السداد قبل نهاية العقد- يعتبر عقداً ربوياً يدخل في اللعن الذي لعن النبي ﷺ صاحبه. فالتعامل مع البنوك بقرض أو إيداع الأموال عندهم لتعود إليك بفائدة هو من الربا الملعون صاحبه على لسان نبينا ﷺ ، والمحرم في كتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين.

стр. 148

عموم حرمة كل مال باطل قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦١]، أكل أموال الناس بالباطل عام، وقلنا: إن هذا من باب عطف عام على خاص، فكل شيء تتوصل إليه بالباطل محرم، سواء أوصلت إليه بالرشوة أو بالسرقة أو بالاختلاس أو بالنهب، أو بأي طريق من طرائق الباطل، فإنه يعتبر محرماً.

стр. 149

تفسير قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون) ثم قال سبحانه: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٦٢]، (لَكِنِ) -عند النحويين- حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر، ولكنها هنا خففت، والأصل أنها مشددة، فلما خففت جاز فيها عدم الإعمال، فأصبحت تعني الانتقال من جملة إلى جملة، أي: تفيد الإضراب، وهو الانتقال من حال إلى حال، فلا تعمل ولا تؤثر فيما بعدها عملا، فـ (الراسخون) مبتدأ. وقوله تعالى: (منهم) أي: من أهل الكتاب، وهذا يدخل فيه عبد الله بن سلام ومن آمن من اليهود والنصارى، ((وَالْمُؤْمِنُونَ)) المقصود: به المهاجرون والأنصار أصحاب النبي ﷺ ، ((يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ)) أي: القرآن ﴿وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:١٦٢] أي: جميع الكتب ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٦٢] المتباد إلى الذهن أن تكون (والمقيمون) مثل (المؤتون) و (المؤمنون) بعدها، ولكنها جاءت ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ [النساء:١٦٢]، وفي قراءة (والمقيمون)، ولكن الكلام هنا عن القراءة التي بين أيدينا ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ [النساء:١٦٢]، وللعلماء فيها ستة تخريجات، وأحد هذه التخريجات أنها منصوبة على الاختصاص لبيان التعظيم والتفخيم، فيصبح المعنى: وأخص المقيمين الصلاة، ليبين أهميتها في الدين وأنها أمر عظيم، وهذا تخريج إمام النحاة سيبويه وعليه أكثر العلماء. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٦٢]، نكر الله كلمة (أجر) هنا لبيان التفخيم؛ لأنه لا يعلم ما لهم من أجر إلا الله، قال سبحانه: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. هذا ما أردنا الوقوف عنده، وحاصل ما ذكرنا أنا تكلمنا عن اليهود، وتكلمنا عن النصارى في سورتي آل عمران وسورة النساء. وقلنا إجمالاً: إن اليهود يزعمون أنهم قتلوا المسيح ابن مريم، ويفخرون بذلك، والنصارى وتدعيه، ولكنها تقول: إن هذا خلاص للبشرية، وكلا الفريقين ضال، فإن عيسى ابن مريم لم يقتل ولم يصلب؛ بل رفعه جل وعلا إليه ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]، وسينزل آخر الزمان حكما عدلا مقسطا. هذا ما انتهى إليه الدرس، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله.

стр. 150

سلسلة تأملات قرآنية [٧] النبوة اصطفاء واختيار من الله تعالى، يمن بها على من يشاء من عباده، وقد ذكر الله تعالى جملة من الأنبياء والرسل الذين منّ الله عليهم بهداه، واصطفاهم لحمل رسالته، وسماهم بأعيانهم، وفي حياتهم ذكرى للذاكرين وعبرة وعظة للمتقين.

стр. 151

حاجة السائر إلى الله إلى المنهج والقدوة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبينا عن أمته، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فحديثنا في هذا الدرس إكمال لما فسرناه من كتاب ربنا في الدرس الماضي، وقد وقفنا عند قول الله : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٣ - ١٦٥]. فهذه الثلاث الآيات هي التي سيدور عليها الحديث في هذا اللقاء المبارك إن شاء الله تعالى. فنقول مستعينين بالله تعالى: إن الإنسان وهو يسير إلى ربه لا بد له من منهج يسير عليه، ولا بد له في نفس الوقت من أئمة يقتدي بهم، وحتى يكون المسير إلى الله جل وعلا حقاً على بينة وعلى صراط مستقيم لا بد من أن يكون المنهج الذي نسير به من لدن ربنا، وإلا فلن نستقيم في السير على صراطه ولا في الطريق إليه. الأمر الثاني: ينبغي أن يكون القدوة والإمام الذي نضعه نصب أعيننا أن يكون معصوماً حتى لا تختلف علينا الأهواء، ولا معصوم إلا أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولذلك عندما يحتج الإنسان وهو يتحدث أو يعمل بفعل الأنبياء والمرسلين لا تجد لأحد طريقاً عليه؛ لأن الله جل وعلا عصم الأنبياء والمرسلين من الزيغ ومن الضلال، فهم عليهم الصلاة والسلام لا يصدرون عن آرائهم، إنما يصدرون عن وحي الله جل وعلا إليهم، فإذا اجتهدوا في أمر ليس فيه وحي فإن الله جل وعلا لا يقرهم على خطأ إذا أخطئوا، فإن نبينا ﵊ أعرض عن عبد الله بن أم مكتوم، فنزل القرآن يعاتبه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] وأراد النبي ﷺ أن يكون له أسرى يوم بدر واستشار أصحابه، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] إلى غير ذلك من الدلائل التي لا تحتاج إلى كثير شواهد وعظيم قرائن. والمقصود أن الله جل وعلا قص في كتابه الكريم بعضاً من أخبار رسله وطوى بعضها عن نبينا ﷺ وعنا.

стр. 152

تفسير قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده)

стр. 153

الفارق بين الأنبياء والمصلحين وفي الآيات التي بين أيدينا يتكلم الله جل وعلا عن جملة من أنبياء الله ورسله ممن اصطفاهم الله، وكل المذكورين في هذه الآية هم رسل وليسوا أنبياء فقط، أي: بعثوا إلى أقوام ودعوا إلى الله جل وعلا بشرع جديد، فهؤلاء الرسل أوحى الله جل وعلا إليهم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣]، والوحي هو الفارق الأعظم بين الأنبياء وبين المصلحين من البشر، فنحن نعترف بأن البشرية شهدت علماء ومصلحين وقادة عبر تاريخها الطويل في كل الأمم، ولكن هؤلاء القادة والمصلحين والأئمة في أي ملة لن يسلموا من خطأ؛ لأنهم غير موحى إليهم وليسوا بمعصومين. وأما أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فإن الوحي كفل لهم العصمة فهذا هو الفارق العظيم بين أنبياء الله ورسله وبين من شهدتهم البشرية عبر تاريخها الطويل، فنحن نسمع بـ سقراط وأرسطو، وأفلاطون في الحضارة اليونانية وغيرهم، وكان كثير منهم ذوي عقول وحكمة، فأسسوا حضارة، ولكنها لم تسلم -ولن تسلم- من زلل ما دامت جهداً بشرياً، أما جهد أنبياء الله ورسله فهو فرقان ووحي ينزل من الله لا يقبل أنصاف الحلول لأنه من لدن حكيم خبير. قال الله جل وعلا في حق نبيه ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. والآن نأتي لذكر الأنبياء، وسنقف على مجمل سيرتهم عبر ما ذكره الله جل وعلا، فمنهم من مر معنا في دروس سابقة، فلا حاجة إلى التكرار، ومن لم يمر معنا سنقف عنده لنتبين بعض سيرة حياته وكيف نقتدي به، مع البيان الشافي في أنهم جملة بعثوا بدين واحد، وهذه أهم قضية، ولذلك قال الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥].

стр. 154

بيان معنى قوله تعالى (إنا أوحينا إليك) يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٣]. قوله: (إنا) هذا كلام رب العزة، والنون لتعظيم الرب ﷻ ، كما تسمع في الأوامر الملكية قول الملك: نحن فهد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية، ثم يأتي الأمر، فـ (نحن) للجماعة، ولكنها تقال في السياق اللغوي للتعظيم، ويجوز إطلاقها على البشر، ويجوز إطلاقها على الله، ولكنها في حق الله -بلا شك- أعظم منها في حق البشر، كما يقال: فلان حكيم، والله جل وعلا حكيم، ولكن هناك فرق بين حكمة العباد وحكمة رب العباد ﷻ ، فإن اتفقا في المسمى فإنهما لا يتفقان في دقائق الوصف. وقوله تعالى: (وأوحينا) أسند فيه الفعل (أوحى) إلى نا الدالة على الفاعلين لبيان العظمة لأهلها. وقوله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٣] المخاطب هنا نبينا محمد ﷺ ، مع اليقين بأنه ﷺ آخر الأنبياء، ولكنه قدم هنا لعلو شرفه، وجليل منزلته، ولأنه أفضل الأنبياء بلا شك، ولأنه سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والفائدة من هذا تتعلق بمن خطب أو ألقى محاضرة أو أراد أن يقول درساً، فإنه يقول: وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله آخر الأنبياء في الدنيا عصراً وأولهم يوم القيامة شأناً وذكراً. فهو آخر الأنبياء في الدنيا عصراً من حيث الزمن، وفي الحديث: (أنا آخر النبيين وأنتم آخر الأمم) وهو أولهم يوم القيامة وأرفعهم شأناً وذكراً صلوات الله وسلامه عليه. يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٣]، ثم جاء بكاف التشبيه فقال تعالى: (كما) أي: كالذي (أوحينا).

стр. 155

نبوة نوح ﵇ ثم ذكر الله جملة من الأنبياء سيأتي بيانهم على التفصيل فقال تعالى: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] فنوح أول رسل الله جل وعلا إلى الأرض، وقد أثنى الله جل وعلا عليه في القرآن وأسماه عبداً شكوراً. والأصل أن الله خلق الناس على فطرة واحدة منذ أن كان أبوهم آدم ﵇، فمكثوا على هذا الحال -كما يقول ابن عباس وجمهرة المؤرخين- عشرة قرون، ثم اجتالتهم الشياطين فصرفتهم عن طاعة الله، فبعث الله جل وعلا أول رسول، وهو نوح، والدليل على أنه أول الرسل ثابت في السنة، فإن النبي ﷺ لما ذكر قيام الناس وحديث الشفاعة قال: (إن الناس يأتون نوحاً فيقولون: يا نوح! أنت أول رسل الله إلى الأرض، وسماك الله في كتابه عبدا شكوراً) فهو أول رسل الله بالاتفاق، وهو أطول الأنبياء عمراً، عاش ألفاً وتزيد، قيل: ألف ومائة وخمسون، وما ذكره الله جل وعلا في كتابه في قوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤] فهو العمر الدعوي وليس عمر حياته كلها، فقول الله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤] أي: يدعو إلى الله، بدليل أن الله قال بعدها: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٤ - ١٥] فهذه دلالة على أن نوحاً عاش بعد هذه المدة، ويحسب معها المدة التي كانت قبل أن ينبأ صلوات الله وسلامه عليه، والمقصود أنه شيخ المرسلين، وهو الأب الثاني للبشر، والأب الأول للأنبياء بعد آدم صلوات الله وسلامه عليهم.

стр. 156

نبوة إبراهيم ﵇ ولم يذكر الله جل وعلا النبيين بعد نوح، ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء:١٦٣]. فذكر الله إبراهيم، وقد مرت معنا سيرته، وهو الأب الثاني للأنبياء، ويطلق عليه (أبو الأنبياء) من باب التجوز، فإذا قيل: (أبو الأنبياء) أريد بها إبراهيم، وإذا قيل: (شيخ الأنبياء) أريد بها نوح، وإذا قيل: (كليم الله) أريد بها موسى، مع أن الله كلم محمداً وكلم آدم، وإذا قيل: (شيخ المرسلين) انصرف ذلك إلى نوح؛ لأنه الأب الأول للأنبياء، ولأنه أطولهم عمراً، وإذا قيل: (أبو الأنبياء) انصرف ذلك إلى إبراهيم؛ لأن جميع الأنبياء بعده كانوا من ذريته، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧] وهذا يفيد الحصر، إلا أنه يشكل عليه أن لوطاً ابن أخي إبراهيم.

стр. 157

ذكر نبوة إسماعيل وبعض خبره قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء:١٦٣] وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم من زوجته هاجر، وهاجر كانت جارية عند سارة، فجارية أمة وسارية حرة، وحين لم تنجب سارة أهدت إبراهيم هاجر، فلما ولدت إسماعيل أصابها ما يصيب النساء من الغيرة، فما طاقت أن تمكث هي وهاجر في مكان واحد، فهاجر إبراهيم بزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى واد غير ذي زرع، أي: إلى مكة، ووضعهما في مكة بأمر الله كما في القصة المشهورة، وتركها ورجع إلى مصر إلى زوجته سارة، فلما رجع إلى سارة أنجبت له سارة إسحاق، وجاء في الآية: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [النساء:١٦٣] فصار إسحاق الابن الثاني لإبراهيم. ولما ترك إبراهيم إسماعيل وأمه في واد غير ذي زرع -وهو مكة اليوم- لم يترك معهما إلا شيئاً يسيراً من زاد وماء، ثم فني الاثنان، فلما فني الاثنان بعثت ماء زمزم من تحت قدمي إسماعيل. ووجود الماء يجلب القبائل، فجاءت قبيلة جرهم، وهي قبيلة قحطانية من العرب العاربة، فتزوج منهم إسماعيل بعدما شب وبلغ مبلغ الرجال، وبعدما تزوج منهم ماتت أمه قبل أن يأتي أبوه، ثم مكث ما شاء الله فجاء إبراهيم يبحث عن زوجته وابنه، فلما جاء عرف أن الأم توفيت، أي: والدة إسماعيل، فسأل عن ابنه، وكان إسماعيل وقتها في الصيد، فلما دخل على المرأة الجرهمية التي تزوجها إسماعيل في أول الأمر سألها عن إسماعيل فقالت: خرج يصطاد لنا، فسألها عن حالهم فذكرت عسراً ولم تحسن الخطاب وقالت: نحن في ضيق وشدة وكرب، ولم تذكر شيئاً حسناً. فقال لها: إذا جاء إسماعيل فاقرئيه مني السلام وقولي له: غيّر عتبة بابك. فجاء إسماعيل من الصيد فكأنه آنس شيئاً فقال لزوجته: هل من خبر؟ فأخبرته القصة، وأخذت تصف إبراهيم وهي لا تدري أنه والد إسماعيل، فقال: أخبرك بشيء؟ فأخبرته بالقصة فقال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أطلقك، فالحقي بأهلك، ثم تزوج امرأة أخرى من جرهم؛ لأنه ما كان هناك قبيلة إلا جرهم، فلما تزوج جاء إبراهيم بعدها بفترة، وكان إسماعيل في الصيد، فقابل الزوجة الجديدة فقال لها: أين إسماعيل؟ قالت: في الصيد، فسألها عن حالهم فأخبرته بأنهم بأحسن حال، فدعا لهم بالبركة وقال: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام وقولي له: ثبِّت عتبة بابك، لما جاء إسماعيل سأل زوجته؟ أخبرته الخبر، فقال: ذاك أبي وقد أمرني أن أبقي عليك، ثم جاء في المرة الثالثة وحصل ما حصل من بناء الكعبة. وقد نعت إسماعيل في القرآن بأنه كان ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم:٥٥] وأنه كان صادق الوعد. فإسماعيل كان يحث أهله على الصلاة، وهذا أعظم الفوائد في هدي الأنبياء، فحث الأبناء على الصلاة هدي الأنبياء. فالإنسان وهو يوقظ أهل بيته يتذكر هذه الآية ويتلوها: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم:٥٥] ويأمر أهله بالصلاة وينادي عل الملكين أن يكتباها له.

стр. 158

بيان المراد بالأسباط قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [النساء:١٦٣]. الأسباط: جمع سبط، والأظهر أنهم أولاد يعقوب ﵊، وإذا قلنا: إنهم أولاد يعقوب فهم إخوة يوسف ﵇، وقيل: إن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهذا أظهر ما قيل في الأسباط، فهم إخوة يوسف، وقد تاب الله جل وعلا عليهم، وهناك أقوال غير ذلك.

стр. 159

فائدة تقديم ذكر عيسى ﵇ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى﴾ [النساء:١٦٣] والأصل أن عيسى في الترتيب ليس بعد يعقوب والأسباط، وإنما هو آخر الأنبياء قبل نبينا ﷺ ، وفي هذا فائدتان: الفائدة الأولى: أن الله ذكر عيسى مقدماً هنا لأن الخطاب موجه للنبي ﵊ وهو يخاطب بني إسرائيل، وقد سبق أن النبي ﷺ كان يجادل نصارى نجران، والآيات قريبة مما قبلها، فتقديم عيسى هنا لمناسبة الآية لما قبلها. الفائدة الثانية: أن عيسى ﵇ إذا لم يكن الأول فهذا دليل على أن الواو العاطفة لا تفيد الترتيب، وإن كان في المسألة أقوال للعلماء.

стр. 160

ذكر خبر أيوب ﵇ قال جل وعلا: ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾ [النساء:١٦٣] وأيوب من ذرية يعقوب، أي من بني إسرائيل، وقد جعله الله جل وعلا قدوة ومثالاً وموعظة للصابرين، وهو عبد صالح ونبي مرسل بنص القرآن كما في هذه الآية. فهذا النبي ابتلاه الله جل وعلا بعد أن كان حسن الخلقة بمرض في الظاهر والباطن، ومكث في المرض ﵊ ثمانية عشر عاماً هو صابر محتسب، حتى كان ذات يوم فقد أبناءه، وفي هذه الفترة فقد بعض أهله، وتخلى الناس عنه، ولم يبق له إلا صاحبان وزوجته، وكانت بارة به، فغضب عليها مرة فحلف بالله أن يضربها -إن شفاه الله- مائة جلدة، والإنسان مع المرض يحدث منه أشياء عاجلة. فبقي له صاحبان فخرجا من عنده ذات يوم وأخذا يتحدثان فيه، كما رواه أبو يعلى والحاكم في مستدركه بسند صحيح، وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، فخرجا من عنده ثم أخذا يتحدثان عنه، فقال أحدهما للآخر: ألا ترى أن أيوب قد أذنب ذنباً عظيماً؟! وإلا فكيف يمكث ثمانية عشر عاماً ولم يشفه الله؟! لتعرف أن الناس في تقبلها للآخرين يبقى تصورها ضيقاً، والأمور مردها إلى الله، ولا يمكن أن يعطى إنسان العلم كله. فهذا صاحبان حميمان ومع ذلك يقولان عنه هذا القول وهو نبي مرسل، فلما رجعا إليه ما صبرا، فأخبراه فقالا: إنا تحدثنا في شأنك وقلنا: إنك أذنبت ذنباً عظيماً، وإلا فإنه لا يعقل أن تمكث في البلاء ثمانية عشر عاماً ولا يشفيك الله. فقال ﵇: لا أدري ما تقولان، إلا أنني أمر على الرجلين يتنازعان فيحلف الاثنان بالله، فأعلم أن أحدهما كاذب؛ لأنه لا يعقل أن يصدق الاثنان وهما متنازعان، فأذهب إلى بيتي فأكفِّر عن أحدهما كراهية أن يذكر الله إلا بحق، فخرجا من عنده. وكان إذا أراد أن يقضي حاجته تذهب معه زوجته، فأخذته مرة ليقضي الحاجة وأوصلته إلى منتهى المكان الذي يريد أن يقضي فيه الحاجة وتركته، ثم انتظرته كالعادة، وفي الطريق أصابه ما أصابه من الهم، فسأل الله جل وعلا، كما قال الله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] وفي آية (ص) ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص:٤١] ففجر الله من تحته عيناً وقال له: اشرب واغتسل، كما قال تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص:٤٢] فركض ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] فشرب فبرئ باطنه، وكل وجع داخلي انتهى، واغتسل فبرئ ظاهره، فأصبح تام الخلقة حسن الوجه، فرجع معافى إلى زوجته، ولكنها لم تعرفه، فقالت: يا فلان! أمر بك هذا النبي المبتلى، فوالله إنه عندما كان غير مريض كان من أشبه الناس بك! فقال لها: أنا نبي الله أيوب، ورجع معها صلوات الله وسلامه عليه. فمكثه ثمانية عشر عاماً من أعظم وأجل أنواع الصبر، ولذلك لما نعته الله جل وعلا في القرآن قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] قال العلماء والربانيون: إن ﴿نِعْمَ﴾ [ص:٤٤] ثناء من الله ليس بالأمر الهين، فلا يقول الرب الجليل ﷻ عن أحد عباده: (نعم العبد) إلا لعلم الله بسريرة ذلك العبد وأنه أهل لهذا الثناء والمدح الإلهي، وقد من الله على أيوب ﵊ بهذا العطاء، وزيادة في الخير له كان له أندران -أي: بيادر كبيرة- فيها قمح وشعير، فجاءت سحابتان، فأفرغت إحداهما على مكان القمح ذهباً، وأفرغت الأخرى على مكان الشعير فضة فضلاً من الله جل وعلا عليه وإكراماً لصبره صلوات الله وسلامه عليه. ومن مات من ذريته وأولاده وأهله أحياهم الله جل وعلا إكراماً له، فالله إذا أعطى لا يسأله أحد عما يفعل، قال سبحانه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤] فهذه لأيوب ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤] أي: لمن صنع في صبره صنيع أيوب.

стр. 161

ذكر خبر يونس ﵇ ثم قال الله تعالى: ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ﴾ [النساء:١٦٣]. ويونس هو يونس بن متى ﵊، بعثه الله جل وعلا إلى أرض نينوى من أهل الموصل، وبلاد الموصل في أرض العراق حالياً، فهذا النبي خرج مغاضباً في قصة مشهورة، قال الله جل وعلا عنه: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: وصاحب الحوت ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وجاء في السنة -كما في البخاري وغيره- أنه ﷺ قال: (لا يقل أحدكم: أنا خير من يونس بن متى). وهذا الحديث مشكل؛ لأن له مفهومين: المفهوم الأول: أن تكون (أنا) في قوله عليه الصلاة: (لا يقل أحدكم: أنا) عائدة على النبي ﷺ ، فإذا قلنا يصبح المعنى: لا يفضِّل أحد بين النبي ﷺ وبين غيره من الأنبياء. وهذا بعيد في ظني؛ لأن النبي ﵊ أفضل من كل الأنبياء، ولا حاجة لذكر يونس وحده. والرأي الثاني -وهو الأرجح- أن معناه: لا يقل أحد من الناس عن نفسه حين يرى صلاحه وتقواه وصلاته وصيامه: إنه أفضل من يونس. والذي يدفع الناس لأن يقول أحدهم: أنا أفضل من يونس هو ما ذكره الله جل وعلا عن يونس من نوع عتاب؛ فإن الله قال في كتابه: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨]، فقالوا: هذه الآية تشعر بأن يونس ليس بذلك الكمال، فيأتي إنسان يرى في نفسه الكمال العظيم فيظن أنه خير من يونس، فقال ﵊ حسماً للباب: (لا يقل أحدكم: أنا خير من يونس بن متى) فيونس نبي مرسل أرسله الله إلى أهل نينوى من أرض الموصل في العراق اليوم.

стр. 162

ذكر نبوة هارون ﵇ ثم قال سبحانه: ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء:١٦٣]. هارون هو الأخ الأكبر لموسى، وكان فرعون قد أمر بقتل الذكور المواليد من بني إسرائيل، فاشتكى إليه الأقباط أنه إذا أفنى بني إسرائيل لا يبقى لهم خدم، فأصبح يقتلهم عاماً ويبقيهم عاماً، فولد هارون في العام الذي لا قتل فيه، وولد موسى في العام الذي فيه قتل، فهارون كان أكبر من موسى، وجعله الله جل وعلا رسولاً نبياً بشفاعة موسى، قال الله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣]، وقال الله عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩] وجاء في حديث الإسراء والمعراج أن النبي ﷺ قال: (ورأيت رجلاً تكاد تلامس لحيته سرته، قلت: من هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا المحبب في قومه، هارون بن عمران) وكان هارون سمحاً ليناً، ولذلك كان محبباً في بني إسرائيل، وافترقت بنو إسرائيل على ولايته لما ذهب موسى يكلم ربه كما سيأتي.

стр. 163

ذكر نبوة سليمان ﵇ ثم قال الله: ﴿وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء:١٦٣]. سليمان ﵇ هو ابن داود، وسيأتي ذكر داود ﵇. وأما سليمان قد من الله جل وعلا على سليمان بأن استجاب دعاءه عندما قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، فإذا جئت تسأل الله فلا تسأله على قدر ما تظنه في الناس، ولكن اسأل الله على قدر ما تظنه في ربك، فالله جل وعلا أعظم مسئول، فسليمان ﵇ كان يفقه هذا جيداً، فلما سأل ربه سأله على قدر ما يعلمه عنه تعالى، فنحن نسأل الله على قدر علمنا بعظمة ربنا وجلال قدرته، وعلمنا أن خزائنه لا تنفد ، فهذا النبي الصالح قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] فمنَّ الله جل وعلا عليه وأعطاه ما سأل، قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] حتى أصبح في الأمثال يقال: (ملك سليمان)، كناية عن الملك العظيم الذي لا يعطى لأي أحد، وهذا فضل من الله جل وعلا عليه.

стр. 164

ذكر نبوة داود ﵇ وعبادته ثم قال سبحانه: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣] وداود هو والد سليمان ﵉، وهذا دلالة كذلك على أن الواو لا تعني الترتيب، وإن كانت هنا قد تكون واواً استئنافية. وداود أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو الذي يسمى عند النصارى اليوم (ديفيد) فـ (كامب ديفيد) معناها (مخيم داود)، وهو أحد أعظم أنبياء بني إسرائيل، وعلى يديه قتل جالوت، وآتاه الله الكتاب والحكم والنبوة كما قال جل وعلا. ولما مسح الله جل وعلا -كما عند الترمذي بسند صحيح- على ظهر آدم، وخرج من ظهر آدم ذريته رأى آدم كل نسمة كائنة من ذريته إلى يوم القيامة، فرأى فيهم غلاماً أزهر فيه وبيص، أي: نور بين عينيه، فقال: يا رب! من هذا؟ فقال له ربه: هذا رجل من ذريتك يكون في آخر الزمان يقال له: داود، فقال: كم جعلت عمره؟ قال: ستين عاماً، فقال: يا رب! زده أربعين. فقال الله: لا إلا أن يكون من عمرك. فوافق آدم، وكان الله قد جعل عمر آدم ألف عام، فلما جاء ملك الموت ليقبض آدم نسي آدم أنه أعطى ابنه داود أربعين عاماً، قال النبي ﷺ : (فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته) فأتم الله الألف لآدم والمائة لداود. قال الله تعالى عن دود: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧] أي: جمع الله له قوة القلب وقوة البدن في الطاعة، فالإنسان أحياناً يكون عنده رغبة في الطاعة، ولكن الكسل يكون بدنياً كمهدود، أو رجل كبير، أو شاب مريض، أو قادم من عمل مظن متعب، فالرغبة لا يطيقها البدن. وأحياناً يكون الإنسان في عافية وقدرة ولكن ليس له عنده قلب يريد أن يقوم الليل. فاجتمع في داود قوة القلب على الطاعة وقوة البدن، وهذا من أفضال الله جل وعلا على عباده. وقد من الله عليه بخصلتين: حسن الصلاة وحسن الصيام، قال النبي ﷺ -كما في الصحيحين-: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود: كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه). فإذا كان أذان المغرب في السادسة وكان أذان الفجر في الرابعة فإن مقدار الليل هو تسع ساعات، فإذا أراد أحد تطبيق سنة داود ﵇ فإنه إن نام بعد العشاء بعد ساعتين من دخول المغرب سينام ثلاث ساعات ونصفاً، فسيقوم في الساعة الثانية عشرة والنصف، فيصلي إلى الساعة الثالثة وخمس وعشرين دقيقة، وهذه قلما يطيقها أو يفعلها أحد في عصرنا مرة في العمر، وكان النبي يفعل ذلك كل ليلة. وقال ﷺ : (وأحب الصيام إلى الله صيام داود: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) وتمام الحديث -وهو في الصحيحين-: (وكان لا يفر إذا لاقى) أي: أنه كان يجاهد في سبيل الله ولا يفر صلوات الله وسلامه عليه. وقد أعطاه الله جل وعلا حسن الصوت، ولذلك لما سمع النبي ﵊ أبا موسى الأشعري قال: (أُعطي مزماراً من مزامير آل داود) إذا قرأ الزبور، والزبور هو الكتاب الذي أعطى الله داود، والزبور كله مواعظ، وقال بعض العلماء: ليس فيه حكم شرعي، وإنما هو كله رقائق ومواعظ تذكر بالله، فكان يتلوه بصوت حسن فتجتمع الطير لصوته وقراءته للزبور، وبعضها قد يموت جوعاً وينسى الأكل وهو مؤتلف منسجم مع ترتيل داود ﵇.

стр. 165

بيان معنى قوله تعالى (وآتينا داود زبوراً) قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣]، والزبور في اللغة: الكتاب المجموع بعضه إلى بعضه، وهو الكتاب الذي أنزله الله جل وعلا على داود، وقلنا: إنه مواعظ وحكم. وأذكر هنا فائدة أدبية لأريك الفرق بين الناس، وهي أن الفرزدق أبو فراس الشاعر الأموي كان من أهل الفسق، فجاء ذات يوم إلى مسجد يقال له: مسجد بني زريق في الكوفة، وهذا المسجد كان يجلس عنده الشعراء ينشدون الشعر، فذكر رجل شعراً لـ لبيد بن ربيعة، لبيد له معلقة يقول فيها: عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها وفيها بيت يقول: وجلا السيول عن الطلول كأنها زبر تجد متونها أقلامها أي: أن السيل عندما يأتي يمسح الوادي، فكأنه يعيد كتابته من جديد، فهذا الشاعر كان واقفاً يتكلم، فمر الفرزدق فسمعه يقول: وجلا السيول عن الطلول كأنها زبر تجد متونها أقلامها فسجد الفرزدق، فلما رفع رأسه قالوا: ما هذا يا أبا فراس؟ قال: أنتم تعرفون جيد القرآن فتسجدون وأنا أعرف جيد الشعر فأسجد له. فهذا أمر يبين لك أن عقلية الناس تختلف من شخص إلى شخص، فـ الفرزدق لا ينقصه ذكاء، وإلا فلن يقول ذلك الشعر، ولكن لا يوجد له قلب يتعلق بالآخرة. وكلما كان قلبك أخروياً ربطته بالآخرة، فقد روي أن سليمان بن عبد الملك خرج ومعه عمر بن عبد العزيز واضعاً يده في يد أمير المؤمنين سليمان يمشيان فحصل رعد وبرق، فانتفض سليمان، فلما رأى البرق والرعد قال عمر: يا أمير المؤمنين! هذا صوت رحمته، فكيف بصوت عذابه؟! فربط -رحمه الله تعالى- المسألة بالآخرة مباشرة. فأنت تلقي الكلام وتلقي الخطاب ويختلف حال السامعين من زيد إلى عمرو؛ لأن الناس يتفاوتون في إدراك الأشياء بحسب قلوبهم.

стр. 166

تفسير قوله تعالى: (ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل) ثم قال سبحانه: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]. يقول الله لنبيه: هؤلاء رسل قصصناهم عليك، وممن قصهم الله جل وعلا: صالح وشعيب وهود، وهم غير مذكورين في هذه الآية: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] فلم نعرفهم؛ لأن الله لم يقصهم على نبيه.

стр. 167

بيان معنى قوله تعالى (وكلم الله موسى تكليماً) قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وإفراد موسى هنا بالذكر تشريف له صلوات الله وسلامه عليه، فموسى أعظم أنبياء بني إسرائيل، وهو كليم الله وصفيه، قال الله عنه: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] وفي اللغة شيء يسمى مفعولاً مطلقاً، ويأتي على ثلاثة أنواع: إما مبيناً للعدد، وتقول: ضربت فلاناً ستاً، أي: ست ضربات، وإما مبيناً للنوع، فتقول: أكرمت زيداً إكراماً كثيراً، وإما أن يأتي مؤكداً حدوث الفعل، كما في هذه الآية: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فهذا تأكيد أن الله كلم موسى، أما كيف كلمه فلا ندري، ولكن كلمه بلا شك، وهناك فِرَقاً حادت عن الصواب وقالت: إن الله لم يكلم موسى. وكلم الله موسى في بدء النبوة عندما خرج من أرض مدين، فكلمه الله عند جبل الطور، وكان لا يدري أنه نبي ولا يدري أنه رسول. وكلمه الله جل وعلا عندما واعده ﵎، قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٢ - ١٤٣].

стр. 168

ذكر اعتقاد المعتزلة في الرؤية وقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فيه فوائد مهمة، و (لن) للنفي، وقد ظهرت فرقة يقال لها: المعتزلة تقول: إن الله جل وعلا لا يرى في الآخرة! ومن حججهم هذه الآية، يقولون: إن الله قال لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] بمعنى: لن تراني أبداً. فقالوا: يستحيل أن يُرى الله في الآخرة، ونحن -معشر أهل السنة- نؤمن بأن الله جل وعلا يُرى في الآخرة؛ لدلالة الكتاب ودلالة السنة، قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال ﷺ : (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) والحديث في الصحيحين وفي غيرهما. والمعتزلة فرقة ظهرت في أواخر القرن الأموي، وعظم قولها وسلطانها في عصر بني العباس أيام المأمون والمعتصم. قلنا المعتزلة ماذا؟ فرقة ويقوم مذهب المعتزلة على خمسة بنود: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب فهمهم.

стр. 169

ذكر سبب تسميتهم بالمعتزلة وقد قيل في تسميتهم بالمعتزلة: إن الحسن البصري كان يدرس في حلقة، فجاءه رجل يسأله فقال: يا أبا سعيد! ما تقول في مرتكب الكبيرة؟ وكان الناس يومها في جدال صراع في كون مرتكب الكبيرة يكفر أو لا يكفر؟ فكان الخوارج يقولون: إن مرتكب الكبيرة يكفر كفراً أكبر مخرجاً من الملة، فيستبيحون قتله، وأهل السنة يقولون: إن مرتكب الكبيرة فاسق، ولكن الكبيرة لا تخرجه من الملة، ولذلك لا يستبيحون قتله. فجاء رجل يسأل الحسن البصري وكان من أعلام الناس، فأجاب الحسن، فانبرى رجل في الحلقة اسمه واصل بن عطاء -وهو أعظم من أسس مذهب الاعتزال- فقال: هو في منزلة بين المنزلتين. وقام وجلس بجوار سارية ليشرح معنى المنزلة بين المنزلتين، وأي إنسان يقوم ليشرح شيئاً بعد عضبه من أحد فإنه لا بد أن يتجه إليه واحد أو اثنان ليعلموا تصرفه، فقال الحسن: اعتزلنا واصل. فسموا بالمعتزلة.

стр. 170

ضلال واصل بن عطاء في تقريرات معتقده فقرر واصل مذهب الاعتزال، من أفصح خلق الله رغم أنه كان فيه لثغة فلا يستطيع نطق الراء، فكان يجلس يتكلم الساعات ولا أحد يعرف أنه فيه لثغة في الراء، فكان لا يأتي بكلمة فيها راء فيقول: الحمد لله القديم بلا ابتداء، الباقي بلا انتهاء، ويذكر الله ويصف ويشرح ويتكلم ويخرج وأنت لا تدري أنه لا يأتي بالراء؛ لأنه ما قال كلمة بالراء لقوة بلاغته، ومع ذلك أضله عقله؛ أضله عقله؛ لأنه حكم على الناس بأن الفاسق ترد شهادته وأنه في منزلة بين المنزلتين، ومن أعظم ضلاله أنه قال -وبئس ما قال- يقول: إن علياً ﵁ والحسن والحسين وعمار حاربوا عائشة وطلحة والزبير، فرد كل النصوص التي جاءت في فضل هؤلاء ﵃ وأرضاهم، وقال بالعقل: واحد فيهم فاسق، وواحد ظالم، وواحد مظلوم، وقال: وأنا لا أدري من الظالم من المظلوم! أي: لا أدري من الفاسق، فقال: لو شهد عندي علي والحسن والحسين وعائشة وطلحة والزبير وعمار لما قبلت شهادتهم في بقل ولا بصل؛ لأنهم فساق ترد شهادتهم! وهو يزعم أن مذهبه قام على العقل، وسنبين بالعقل أن مذهبه باطل، فقد قيل له: اشرح لنا معنى منزلة بين المنزلتين؟ فقال: أنا لا أقول مثل الخوارج إنهم كفار يقتلون في الدنيا، ولا أقول مثل ما تقولون يا أهل السنة: إنهم مسلمون أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، بل أقول: في الدنيا تجري عليهم أحكام أهل الإسلام فهم مسلمون، وفي الآخرة كفار مخلدون في النار تجري عليهم أحكام أهل الكفر؛ لأنهم لم يتوبوا، هو معنى الوعد والوعيد عندهم، فيقول: إنه لازم على الله أن يعذبهم؛ لأن الله عدل لا يترك أحداً لا يعذبه وهو قد عصاه، فمعنى المنزلة بين المنزلتين أنه تجري عليه في الدنيا أحكام أهل الإسلام، لا ما مثل قول الخوارج: إنه يقتل وفي الآخرة كافر يدخل جهنم ويخلد فيها ولا يدخل الجنة أبداً. والرد عليهم سيكون بالعقل دون الآيات والأحاديث، فعندما نجري عليه أحكام الدنيا فإنه إذا مات يغسل ويكفن ويصلى عليه، فهذه أحكام الدنيا على المسلم، فإذا صلينا عليه وهو مرتكب كبيرة فإننا نقول في الدعاء: اللهم اغفر له وارحمه وعافه، فهل نقول ذلك ونحن نعرف أنه كافر داخل النار؟! فبذلك يكون الدعاء للمسلمين باطلاً وعبثاً، وهذا أكبر دليل على أن المذهب كله باطل. ومن أئمتهم جار الله الزمخشري، يقول: إن الله لن يُرى في الآخرة، وله تفسير (الكشاف)، موجود في المكتبات، وهذا التفسير آية في البيان، فقد كان الزمخشري فصيحاً، ولكنه ضيعه بما فيه من مذهب الاعتزال والدعوة إليه. فهذا المذهب كان في عصر بني أمية، ثم انتشر في عهد بني العباس وتبناه المأمون ومات، ثم كتب لأخيه المعتصم أن يتبنى المذهب فتبناه المعتصم، وبسببه أوذي وعذب الإمام أحمد حتى جاء المتوكل فألغى مذهب الاعتزال وتبرأ منه وأعاد مذهب أهل السنة بعد أربعة عشر عاماً من انتصار المعتزلة، ثم بعد ذلك ظهر المذهب كرة أخرى في دولة بني بويه الشيعية عام ٣٣٤ هـ، وجعلوا القاضي عبد الجبار أحد أئمة المعتزلة قاضي القضاة في ذلك العصر.

стр. 171

تفسير قوله تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة ثم قال الله سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥] أي: هؤلاء الرسل يبشرون الناس بالجنة وينذرونهم من النار، وهذه هي الغاية الأساسية للأنبياء والمرسلين؛ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]. فموضع الشاهد أن الله لا يعذب من لم تقم الحجة عليه؛ لأن الله قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥]. فهذا مجمل ما أردنا بيانه، ونسأل الله أن يبارك فيما قلناه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 172

سلسلة تأملات قرآنية [٨] لقد أخبر الله تعالى في كتابه الكريم بحال نبيه عيسى ﵇ وحوارييه، ومن جملة خبرهم سؤالهم الله تعالى أن ينزل عليهم مائدة من السماء لتكون عيداً لهم وآية ورزقاً. كما أخبرنا تعالى بحقيقة عيسى ﵇ رداً على النصارى، فإنه تعالى يظهر يوم القيامة عبودية عيسى وعجزه وبشريته، وتفويضه أمره إلى الله تعالى خالقه وخالق من سواه.

стр. 173

تفسير قوله تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي) الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين وإله الآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا -بعون الله وتوفيقه- الدرس الثاني حول تفسير سورة المائدة، وبه نختم -إن شاء الله تعالى- هذه السورة، وقد بينا غير مرة أن منهجنا في التفسير هو أننا ننتقي ونختار آيات من السورة التي نعنى بتفسيرها، وما كان من الآيات معنياً كثيراً بالفقهيات نحاول أن نبتعد عنه؛ لأن هذا له موطن آخر. والآيات التي نستعين بالله جل وعلا على تفسيرها هي من قول الله ﵎: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١] إلى آخر السورة. فنقول مستعينين بالله ﵎: هذه الآيات تتكلم عن نبي الله عيسى ابن مريم ﵊، وقد جرت سنة الله ﵎ في خلقه أنه ما بعث رسولاً إلا ويؤيده في الغالب بأنصار وأصحاب يعضدونه، كما قال الله في حق نبينا ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٢]، كما يجعل فريقاً آخر يعاند ذلك النبي ويعاديه، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١].

стр. 174

أنواع الإيحاء في القرآن الكريم وفي هذه الآيات يخبر الله جل وعلا أنه ألهم قلوب الحواريين الذين هم أنصار عيسى ابن مريم، وقذف جل وعلا في قلوبهم محبة عيسى، والإيمان بالله جل وعلا من قبل، ونصرة ذلك النبي الكريم صلوات الله عليه وعلى نبينا، فقال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة:١١١] و (أوحى) في القرآن تأتي على ثلاثة أضرب: فتأتي بمعنى الإرسال، وهو الذي يختص بالنبيين، فالوحي الذي يكون به الإنسان نبياً يسمى إرسالاً، ويأتي على عدة هيئات، منها: أن يكلم الله جل وعلا العبد من وراء حجاب، أو يرسل جبرائيل بذاته، أو أن يقذف شيئاً في قلب ذلك النبي، وهذا النوع هو الذي يميز به النبيون عن غيرهم. والضرب الثاني: وحي بمعنى الإلهام، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨]، وقال الله ﵎: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] فوحي الله جل وعلا إلى النحل ووحي الله ﵎ إلى أم موسى لا يجعل من النحل ولا من أم موسى أنبياء، ولكن المقصود الإلهام الذي ألهمه الله جل وعلا النحل وألهمه الله جل وعلا أم موسى، وهذا هو الذي قصده الله بقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة:١١١] أي: ألهمتهم الإيمان بالله والإيمان برسوله ﷺ . الضرب الثالث: الوحي بمعنى الأمر، قال الله جل وعلا: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٥] فقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٥] أي: بأن الله أمرها. فينجلي عن هذا أن الوحي في القرآن على ثلاثة أضرب: وحي بمعنى الإرسال، ووحي بمعنى الإلهام، ووحي بمعنى الأمر. وقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة:١١١] أي: ألهمت الحواريين أن يؤمنوا بي وبرسولي. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ [المائدة:١١١] أي: الحواريون ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١] واختلف في المخاطب بـ (اشهد) هل هو الله أو عيسى؟ وقواعد القرآن لا تنافي أن يراد الاثنان، أي: أشهدوا الله وأشهدوا عيسى على أنهم مسلمون.

стр. 175

تفسير قوله تعالى: (إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك) وبعد أن ذكر الله جل وعلا أن الحواريين كانوا أنصاراً لعيسى ابن مريم -أي: خلصاء وأصحاباً وأصفياء ويعضدونه ويؤمنون بالله- قال جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:١١٢]. هذه الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى المشهورة التي بين أيدينا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا﴾ [المائدة:١١٢]، والقراءة الثانية: (هل تستطيع ربَّك) بالتاء بدلاً من الياء، وبنصب (رب) بدلاً من رفعها, وهي قراءة الكسائي ومن وافقه من القراء، ومعنى الآية مع تقدير المحذوف: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ فهذه القراءة قرأ بها الكسائي، وكانت أم المؤمنين عائشة ﵁ تختارها. وعلى القراءة الأولى -وهي قراءتنا في المصحف الذي بين أيدينا- يصبح معنى الآية: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة:١١٢] الاستطاعة المعروفة، وليس المقصود إظهار عجز الله كما سيأتي.

стр. 176

بيان مراد الحواريين بقولهم (هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة) قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:١١٢] وعندما يتكلم الإنسان المفسر أو غيره عن أمر لابد له من أن يستصحب واقع الحال، فهؤلاء الذين يتكلمون ويسألون عيسى هم أنصاره وحواريون وأصفياؤه، فلا يعقل أبداً أن يكون الحواريون يشكون في قدرة الله، ولو كانوا يشكون في قدرة الله لما كانوا مؤمنين فضلاً عن أن يكونوا حواريين لعيسى ابن مريم. فالمقصود: أنهم أرادوا أمراً زيادة في اليقين، كما قال إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] فالذي يظهر -خروجاً من خلاف المفسرين- أن سؤال الحواريين هنا من نوع سؤال إبراهيم ﵊.

стр. 177

بيان معنى المائدة وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٢] المائدة: الطعام الموجود في مكانه المعد للأكل، وهو لا يخلو من أن يكون على أحد حالين: فإن كان على خوان -وهو الذي يسمى اليوم طاولة الطعام- يسمى مائدة، ولا يسمى مائدة إن لم يكن عليها طعام. وإن كان على ما يسمى اليوم بالسفرة -وهي كلمة فصحى- سمي كذلك مائدة، فإن كانت السفرة خالية من الطعام لا تسمى مائدة. فالمقصود أن الحواريين طلبوا طعاماً. وإذا عرجنا على الحديث عن النبي ﵊ فقد ثبت عنه -كما عند البخاري من حديث أنس - أنه (لم يأكل على خوان قط) أي: ما يسميه اليوم الناس طاولة طعام، نقله أنس ﵁ وهو خادم نبينا ﷺ ، ولا يعني هذا التحريم قطعاً؛ لأن الفعل المجرد لا يدل على حكم، ولكنه ﵊ كان نبياً عبداً ولم يكن نبياً ملكاً، وكان الأكل على الخوان من دأب الملوك، فكان ﵊ لا يأكل حتى يكون أقرب إلى العبودية، والحديث رواه البخاري عن أنس، ولكن الذي روى الحديث عن أنس هو قتادة بن دعامة السدوسي المشهور، فقال: حدثني أنس عن النبي ﷺ ، وذكر الحديث وفيه ثلاثة أشياء، ومنها: (وما أكل على خوان قط)، فقيل لـ قتادة: على أي شيء كانوا يأكلون؟ فقال: على السفرة. والسفرة في القديم كان لها معاليق، فيجمع بعضها مع بعض وتعلق، ويوضع فيها الطعام أحياناً؛ لأن طعامهم كان غالباً ليس مما يحفظ في الثلاجات اليوم، وإنما غالب الطعام تمر أو شيء يحفظ، فكان يوضع بعضه في السفرة فتعلق، فإذا وضعت بين أيدي الناس مدت، فإذا مدت أسفرت عما فيها، فلما كانت تسفر عما فيها سميت سفرة، وقيل: إن السفرة اسم للطعام، ولكن الأول أقرب فيما نعلم. فهذا هو الطلب الذي تقدم به الحواريون إلى عيسى، فقال لهم عيسى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:١١٢] وكأنه ﵇ استعظم الطلب.

стр. 178

تفسير قوله تعالى: (قالوا نريد أن نأكل منها)

стр. 179

بيان الحواريين أسباب طلبهم المائدة فلما استعظم الطلب أدلى الحواريون بحجتهم في بيان سبب أنهم طلبوا هذه المائدة، فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣]، فذكروا أربعة تعليلات، وقبل أن نعرج على التعليلات التي ذكرها الحواريون نقول: إن الحوار والأخذ والعطاء أمر محمود، ولا يوجد أحد منزه عن الخطأ إلا الأنبياء لما عصمهم الله جل وعلا به، فكون الإنسان يناقش ويأخذ ويعطي ويقبل أن يعترض عليه ويعترض على غيره ويقدم أدلة هذا أمر محمود، فهذا نبي يطلب منه أنصاره مائدة فيقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:١١٢] فيردون عليه بذكر السبب قائلين: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة:١١٣] إلى آخر الآية، ففيه أخذ وعطاء. فالرجل المعصوم الذي يجلس على كرسي ولا يقول إلا الحق لا يوجد، ولا تبحث عنه، فإن العصمة خصها الله جل وعلا بأنبيائه ورسله، وذلك هو المشهور من أقوال العلماء، فقد قال مالك: ما منا إلا راد ومردود عليه، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: ما أعلم أحدا حفظ السنة كلها. فلا يوجد أحد تحارب وتعادي وتوالي وتخاصم من أجل أن قول الحق غير نبينا ﷺ ، أما غيره فإنه -مهما بلغ- يعرض قوله على الكتاب والسنة، فيقبل ما هو حق ويعتذر له عما أخطأ فيه. فواجب عند اختلاف الفهم إحساننا الظن بأهل العلم فتعتذر له، ولكنك لست ملزماً بقوله، والناس منذ القديم كانوا يأخذون ويعطون ويقبلون، ومن دلالة علو كعب العالم أنه يناقش ويأخذ ويعطي، والمهم أن يكون المراد من المناقشة والأخذ والحوار الوصول إلى الحق، لا المجادلة وإظهار علو الصوت ونبز الأقران والتعالي على الناس، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. قال تعالى: ﴿قَالُوا﴾ [المائدة:١١٣] أي: الحواريون ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣]. قولهم: (نَأْكُلَ مِنْهَا) إما لحاجتهم من الفقر الذي كانوا عليه، وإما لكونها منزلة من السماء بإذن من الله وفضل منه، فتكون مباركة طيبة، فيحسن -بلا شك- الأكل منها. وقولهم: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة:١١٣] انتقال إلى مرحلة تسمى عين اليقين؛ لأن الإنسان إذا حدثه أحد من الصادقين بشيء فهو يقين، ولكنه إذا رأى الشيء بعينه انتقل من اليقين إلى عين اليقين. ومن أظهر الأدلة ما حصل لموسى ﵇، فإن الله جل وعلا أخبر موسى بأن قومه عبدوا العجل من بعده، فلما أخبره الله جل وعلا اشتاط غضباً ورجع، فلما رجع إلى قومه رآهم بعينه يعبدون العجل، فكان هذا أعظم في عينه وأوقع أثراً في نفسه، وليس الخبر كالمعاينة، فألقى الألواح؛ لأن الشيء الذي تراه بعينك ليس كما يقال لك. فالحواريون أرادوا أن يصلوا إلى مرحلة عين اليقين؛ لأنهم يرون المائدة تنزل، فيكون إيمانهم أرفع، وقد قال العلماء: من الفوائد في ذلك: أن الإنسان يجدد إيمانه فيبحث عن وسائل تزيد من إيمانه بين الفينة والفينة، وبين الحين والحين الآخر، وأما ما يزيد به إيمانه فهذا باب واسع. ثم قال سبحانه عنهم: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة:١١٣] والخطاب لعيسى ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣] أي: نخبر من بعدنا أن هناك مائدة نزلت، فيصبح في ذلك فوائد دنيوية وفوائد دينية، فالدينية: أن نخبر الناس ونشهد على صدقك، والدنيوية: أننا نأكل ونطعم ونسد جوعنا ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣].

стр. 180

تفسير قوله تعالى: (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة) فاقتنع عيسى بقولهم، وجاء في بعض الآثار أنه أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوماً، فصاموا فدعا ربه، قال الله جل وعلا بعدها: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة:١١٤]. قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٤] أي: النبي (اللَّهُمَّ) أصلها (يا الله)، والعرب تحذف أحياناً حرف النداء، فلما حذفت حرف النداء في (يا الله) عوضت بدلاً منه بالميم. ولا يقال: (يا اللهم) بالميم والياء، فلا يجمع بين البدل والمبدل منه إلا عند الضرورة الشعرية، كما نقل سيبويه وغيره عن الراجز أنه قال: إني إذا ما خطب ألما أقول يا اللهم يا اللهم فهذا شاهد نحوي المقصود به الجمع بين البدل والمبدل منه، ولكن لا يقاس عليه، لأن الأصل أن الياء حذفت وأبدلت عنها الميم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ [المائدة:١١٤] الأصل: (يا ربنا)، وحذف حرف النداء، فأصبح (رب) منادى، ولأنه مضاف نصب مباشرة، فلذلك جاءت الفتحة على الباء. قال تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٤] ثم نعت تلك المائدة فذكر بعض أوصافها وتعليلات لذلك الطلب فقال: ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة:١١٤] فذكر عيسى ﵊ في دعائه لربه مصلحتين: المصلحة الدنيوية في قوله: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة:١١٤] وقوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ [المائدة:١١٤]، والمصلحة الدينية في قوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة:١١٤] أي: علامة وأمارة على أنك قبلت دعاءنا، فيكون ذلك سبباً في أن يدخل الناس في الدين بعد ذلك أفواجاً. وقوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة:١١٤] العيد الشيء الذي يعود ويتكرر، ولكن لا ينبغي أن يكون ثمة عيد إلا بإذن شرعي، أما أن يتخذ الإنسان من أي مناسبة دينية أو غير دينية عيداً فهذا أمر -إذا ربطه بالدين- لا يجوز شرعاً، أما إذا جعله من باب العادات فهذا باب واسع لا يحسن تفصيله الآن، ولكن نقول: الأشياء الشرعية لا تثبت إلا بشيء شرعي، فالله جل وعلا على مر العصور يجعل من بعض عبادات أنبيائه ورسله وعباده سنناً يجتمع الناس عليه، فكلنا في الطواف والسعي نمر على الصفا والمروة لنحيي سنة هاجر، ولكن هذا الإحياء لم يكن من أنفسنا، إنما كان بإذن من الله على لسان رسوله ﷺ ، فنطوف بالبيت كما طاف به إبراهيم ﵊ من قبل، ونرمي الجمار كما رماها إبراهيم من قبل، فنحيي ملة إبراهيم، ولكن هذا أمر لم نجتهد فيه نحن من أنفسنا، وإنما شرعه الله ﵎ لنا، والدين لا يكون باجتهاد شخصي أبداً، قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].
следующие страницы →