← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بيان مراد الحواريين بقولهم (هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة) قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:١١٢] وعندما يتكلم الإنسان المفسر أو غيره عن أمر لابد له من أن يستصحب واقع الحال، فهؤلاء الذين يتكلمون ويسألون عيسى هم أنصاره وحواريون وأصفياؤه، فلا يعقل أبداً أن يكون الحواريون يشكون في قدرة الله، ولو كانوا يشكون في قدرة الله لما كانوا مؤمنين فضلاً عن أن يكونوا حواريين لعيسى ابن مريم. فالمقصود: أنهم أرادوا أمراً زيادة في اليقين، كما قال إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] فالذي يظهر -خروجاً من خلاف المفسرين- أن سؤال الحواريين هنا من نوع سؤال إبراهيم ﵊.

стр. 177

بيان معنى المائدة وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٢] المائدة: الطعام الموجود في مكانه المعد للأكل، وهو لا يخلو من أن يكون على أحد حالين: فإن كان على خوان -وهو الذي يسمى اليوم طاولة الطعام- يسمى مائدة، ولا يسمى مائدة إن لم يكن عليها طعام. وإن كان على ما يسمى اليوم بالسفرة -وهي كلمة فصحى- سمي كذلك مائدة، فإن كانت السفرة خالية من الطعام لا تسمى مائدة. فالمقصود أن الحواريين طلبوا طعاماً. وإذا عرجنا على الحديث عن النبي ﵊ فقد ثبت عنه -كما عند البخاري من حديث أنس - أنه (لم يأكل على خوان قط) أي: ما يسميه اليوم الناس طاولة طعام، نقله أنس ﵁ وهو خادم نبينا ﷺ ، ولا يعني هذا التحريم قطعاً؛ لأن الفعل المجرد لا يدل على حكم، ولكنه ﵊ كان نبياً عبداً ولم يكن نبياً ملكاً، وكان الأكل على الخوان من دأب الملوك، فكان ﵊ لا يأكل حتى يكون أقرب إلى العبودية، والحديث رواه البخاري عن أنس، ولكن الذي روى الحديث عن أنس هو قتادة بن دعامة السدوسي المشهور، فقال: حدثني أنس عن النبي ﷺ ، وذكر الحديث وفيه ثلاثة أشياء، ومنها: (وما أكل على خوان قط)، فقيل لـ قتادة: على أي شيء كانوا يأكلون؟ فقال: على السفرة. والسفرة في القديم كان لها معاليق، فيجمع بعضها مع بعض وتعلق، ويوضع فيها الطعام أحياناً؛ لأن طعامهم كان غالباً ليس مما يحفظ في الثلاجات اليوم، وإنما غالب الطعام تمر أو شيء يحفظ، فكان يوضع بعضه في السفرة فتعلق، فإذا وضعت بين أيدي الناس مدت، فإذا مدت أسفرت عما فيها، فلما كانت تسفر عما فيها سميت سفرة، وقيل: إن السفرة اسم للطعام، ولكن الأول أقرب فيما نعلم. فهذا هو الطلب الذي تقدم به الحواريون إلى عيسى، فقال لهم عيسى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:١١٢] وكأنه ﵇ استعظم الطلب.

стр. 178

تفسير قوله تعالى: (قالوا نريد أن نأكل منها)

стр. 179

بيان الحواريين أسباب طلبهم المائدة فلما استعظم الطلب أدلى الحواريون بحجتهم في بيان سبب أنهم طلبوا هذه المائدة، فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣]، فذكروا أربعة تعليلات، وقبل أن نعرج على التعليلات التي ذكرها الحواريون نقول: إن الحوار والأخذ والعطاء أمر محمود، ولا يوجد أحد منزه عن الخطأ إلا الأنبياء لما عصمهم الله جل وعلا به، فكون الإنسان يناقش ويأخذ ويعطي ويقبل أن يعترض عليه ويعترض على غيره ويقدم أدلة هذا أمر محمود، فهذا نبي يطلب منه أنصاره مائدة فيقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:١١٢] فيردون عليه بذكر السبب قائلين: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة:١١٣] إلى آخر الآية، ففيه أخذ وعطاء. فالرجل المعصوم الذي يجلس على كرسي ولا يقول إلا الحق لا يوجد، ولا تبحث عنه، فإن العصمة خصها الله جل وعلا بأنبيائه ورسله، وذلك هو المشهور من أقوال العلماء، فقد قال مالك: ما منا إلا راد ومردود عليه، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: ما أعلم أحدا حفظ السنة كلها. فلا يوجد أحد تحارب وتعادي وتوالي وتخاصم من أجل أن قول الحق غير نبينا ﷺ ، أما غيره فإنه -مهما بلغ- يعرض قوله على الكتاب والسنة، فيقبل ما هو حق ويعتذر له عما أخطأ فيه. فواجب عند اختلاف الفهم إحساننا الظن بأهل العلم فتعتذر له، ولكنك لست ملزماً بقوله، والناس منذ القديم كانوا يأخذون ويعطون ويقبلون، ومن دلالة علو كعب العالم أنه يناقش ويأخذ ويعطي، والمهم أن يكون المراد من المناقشة والأخذ والحوار الوصول إلى الحق، لا المجادلة وإظهار علو الصوت ونبز الأقران والتعالي على الناس، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. قال تعالى: ﴿قَالُوا﴾ [المائدة:١١٣] أي: الحواريون ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣]. قولهم: (نَأْكُلَ مِنْهَا) إما لحاجتهم من الفقر الذي كانوا عليه، وإما لكونها منزلة من السماء بإذن من الله وفضل منه، فتكون مباركة طيبة، فيحسن -بلا شك- الأكل منها. وقولهم: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة:١١٣] انتقال إلى مرحلة تسمى عين اليقين؛ لأن الإنسان إذا حدثه أحد من الصادقين بشيء فهو يقين، ولكنه إذا رأى الشيء بعينه انتقل من اليقين إلى عين اليقين. ومن أظهر الأدلة ما حصل لموسى ﵇، فإن الله جل وعلا أخبر موسى بأن قومه عبدوا العجل من بعده، فلما أخبره الله جل وعلا اشتاط غضباً ورجع، فلما رجع إلى قومه رآهم بعينه يعبدون العجل، فكان هذا أعظم في عينه وأوقع أثراً في نفسه، وليس الخبر كالمعاينة، فألقى الألواح؛ لأن الشيء الذي تراه بعينك ليس كما يقال لك. فالحواريون أرادوا أن يصلوا إلى مرحلة عين اليقين؛ لأنهم يرون المائدة تنزل، فيكون إيمانهم أرفع، وقد قال العلماء: من الفوائد في ذلك: أن الإنسان يجدد إيمانه فيبحث عن وسائل تزيد من إيمانه بين الفينة والفينة، وبين الحين والحين الآخر، وأما ما يزيد به إيمانه فهذا باب واسع. ثم قال سبحانه عنهم: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة:١١٣] والخطاب لعيسى ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣] أي: نخبر من بعدنا أن هناك مائدة نزلت، فيصبح في ذلك فوائد دنيوية وفوائد دينية، فالدينية: أن نخبر الناس ونشهد على صدقك، والدنيوية: أننا نأكل ونطعم ونسد جوعنا ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣].

стр. 180

تفسير قوله تعالى: (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة) فاقتنع عيسى بقولهم، وجاء في بعض الآثار أنه أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوماً، فصاموا فدعا ربه، قال الله جل وعلا بعدها: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة:١١٤]. قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٤] أي: النبي (اللَّهُمَّ) أصلها (يا الله)، والعرب تحذف أحياناً حرف النداء، فلما حذفت حرف النداء في (يا الله) عوضت بدلاً منه بالميم. ولا يقال: (يا اللهم) بالميم والياء، فلا يجمع بين البدل والمبدل منه إلا عند الضرورة الشعرية، كما نقل سيبويه وغيره عن الراجز أنه قال: إني إذا ما خطب ألما أقول يا اللهم يا اللهم فهذا شاهد نحوي المقصود به الجمع بين البدل والمبدل منه، ولكن لا يقاس عليه، لأن الأصل أن الياء حذفت وأبدلت عنها الميم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ [المائدة:١١٤] الأصل: (يا ربنا)، وحذف حرف النداء، فأصبح (رب) منادى، ولأنه مضاف نصب مباشرة، فلذلك جاءت الفتحة على الباء. قال تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٤] ثم نعت تلك المائدة فذكر بعض أوصافها وتعليلات لذلك الطلب فقال: ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة:١١٤] فذكر عيسى ﵊ في دعائه لربه مصلحتين: المصلحة الدنيوية في قوله: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة:١١٤] وقوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ [المائدة:١١٤]، والمصلحة الدينية في قوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة:١١٤] أي: علامة وأمارة على أنك قبلت دعاءنا، فيكون ذلك سبباً في أن يدخل الناس في الدين بعد ذلك أفواجاً. وقوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة:١١٤] العيد الشيء الذي يعود ويتكرر، ولكن لا ينبغي أن يكون ثمة عيد إلا بإذن شرعي، أما أن يتخذ الإنسان من أي مناسبة دينية أو غير دينية عيداً فهذا أمر -إذا ربطه بالدين- لا يجوز شرعاً، أما إذا جعله من باب العادات فهذا باب واسع لا يحسن تفصيله الآن، ولكن نقول: الأشياء الشرعية لا تثبت إلا بشيء شرعي، فالله جل وعلا على مر العصور يجعل من بعض عبادات أنبيائه ورسله وعباده سنناً يجتمع الناس عليه، فكلنا في الطواف والسعي نمر على الصفا والمروة لنحيي سنة هاجر، ولكن هذا الإحياء لم يكن من أنفسنا، إنما كان بإذن من الله على لسان رسوله ﷺ ، فنطوف بالبيت كما طاف به إبراهيم ﵊ من قبل، ونرمي الجمار كما رماها إبراهيم من قبل، فنحيي ملة إبراهيم، ولكن هذا أمر لم نجتهد فيه نحن من أنفسنا، وإنما شرعه الله ﵎ لنا، والدين لا يكون باجتهاد شخصي أبداً، قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].

стр. 181

تفسير قوله تعالى: (قال الله إني منزلها عليكم) ثم قال سبحانه: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥]. اختلف العلماء: هل أنزل الله جل وعلا المائدة أو لم ينزلها، وذلك لأن الله قال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا﴾ [المائدة:١١٥] وليس في القرآن أن الله أنزلها. فجمهور العلماء من المفسرين على أنها أنزلت، وقالوا: إن هذا وعد من الله لنبيه، والله لا يخلف الميعاد، وهو الذي نختاره. وذهب مجاهد رحمه الله تعالى المفسر المعروف تلميذ ابن عباس إلى أن الله لم ينزلها؛ لأنه مجرد مثل ضربه الله في كتابه، وهذا أبعد الأقوال عن الصواب في ظننا. والقول الثالث قاله الحسن البصري رحمه الله تعالى وتبعه عليه بعض المفسرين، وهو: أن الله لما قال لهم: (فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) خافوا وطلبوا الإعفاء من نزولها واستغفروا الله ولم تنزل المائدة. والذين قالوا بهذا الرأي من أدلتهم: أن هذه المائدة لم تذكر في الإنجيل الذي بين أيدينا، والنصارى لا يعرفون قصتها إلا من القرآن. فرد جمهور العلماء على هذا القول بأن كونها لم تذكر في الإنجيل من الشيء الذي نسوه، كما قال الله جل وعلا عنهم: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٤]، فهذا من الحظ الذي أنساهم الله جل وعلا إياه. والذي نختاره -والله أعلم- من هذه الأقوال أن الله جل وعلا أنزلها، وهو مذهب جماهير العلماء.

стр. 182

انقطاع العذر سبب في نزول العذاب عند الكفر يقول تعالى: ﴿قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥]. إن الآية إذا كانت ظاهرة وأقيمت الحجة ينقطع العذر، فإذا انقطع العذر لا يقبل عند الله إلا الإيمان، فإما إيمان وإما كفر أو ينزل العذاب. ولنرجع في بيان هذا إلى سيرة نبينا ﷺ ، ففيها أن النبي ﵊ -كما في مسند أحمد من طريقين كلاهما جيد- طلبت منه قريش أن يجعل لهم الصفا ذهباً فقالوا: إن جعلت الصفا ذهباً آمنا بك. فأراد النبي ﷺ أن يدعو أن يجعل الله الصفا ذهباً حتى يؤمنوا، فبعث الله إليه جبرائيل أو ملكاً غيره فأخبره بأنه لو جعل الله الصفا ذهباً ولم يؤمنوا فإن الله سيهلكهم عن بكرة أبيهم. وإذا هلكوا عن بكرة أبيهم فلن يكون منهم مؤمنون، ولكن إذا بقوا ولم يهلكهم الله فهناك أمل في أنهم يؤمنون أو يأتي من ظهورهم من يؤمن. فاختار النبي ﷺ أن يبقوا على حالهم حتى يؤمن منهم من يؤمن أو يخرج الله من ظهورهم من يؤمن بالله ومن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، ولذلك قال الله في سورة الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]. والله إذا أراد أن يرحم أمة أمات نبيها قبل إهلاكها، فيكون النبي فرطاً سابقاً لأمته، وإذا أراد الله أن يهلك أمة أبقى نبيها حياً وأهلكها ونبيها ينظر؛ ليكون ذلك أقر لعينه، كما هو دأب الله في سنن الأنبياء الذين قبلنا، فقوم صالح، وقوم نوح، وقوم لوط كلهم أهلكوا وأنبياؤهم ينظرون إليهم، قال الله جل وعلا عن قوم صالح: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل:٥٣] بعد أن أخبر أنه أهلك قومه، وكذلك قال الله عن شعيب، وكذلك الله قال عن عاد وغيرهم من الأمم، وهذا ظاهر.

стр. 183

بيان أشد الناس عذاباً يوم القيامة يقول تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥] أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن أعظم الناس عذاباً ثلاثة: أتباع فرعون، قال الله جل وعلا: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والذين كفروا بالمائدة بعد نزولها من قوم عيسى، قال الله جل وعلا: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥]، والمنافقون الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ويظهر لي أن هؤلاء المنافقين هم أشد خلق الله جل وعلا عذاباً.

стр. 184

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦] إلى آخر السورة. هذا الموقف موقف في الآخرة، أما موقف المائدة فكان في الدنيا، فهذا موقف في الآخرة وإن قال بعض العلماء: إنه موقف دنيوي، وقولهم بعيد، فكونه جاء بصيغة الماضي لا ينفي أنه سيكون يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ [المائدة:١١٦] ونحن نعلم أن الله يعلم أن عيسى ابن مريم لم يقل هذا للناس، والله ما أراد بهذا السؤال توبيخ عيسى، وإنما أراد الله تقريع النصارى وتوبيخهم في يوم العرض الأكبر على ما اتهموا به نبيهم كذباً أنه دعاهم إلى عبادة نفسه وإلى عبادة أمه، وقالوا بالأقانيم الثلاثة، وزعموا أن المسيح ابن الله، فأراد الله جل وعلا أن يبطل كيدهم ويظهر كذبهم على ملأ من الأشهاد بنطق عيسى نفسه، وذلك في يوم حشر العباد، ويوم الحشر يوم عظيم، وفي حديث الشفاعة أن الأنبياء يقولون جميعاً: (إن الله غضب غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) فيتدافعون الشفاعة حتى تصل إلى نبينا ﷺ ، فالموقف موقف جليل وخطب عظيم ودعاء النبيين يومئذ: (اللهم سلم سلم)، ففي هذا الموقف يسأل الله جل وعلا عيسى: (أَأَنتَ) والهمزة الأولى للاستفهام، والهمزة الثانية من أصل الكلمة، ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦]. والمتبادر إلى الذهن أن المفروض يقول عيسى: لا، أو يقول: لم أقله.

стр. 185

ذكر سبب تقديم عيسى ﵇ الجواب بـ (سبحانك) ولكن عيسى في هذه الآيات ضرب أروع الأمثلة في الأدب مع الرب جل وعلا، فبدأ جوابه بقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقد قال بعض العلماء: إن عيسى ﵇ قدم الجواب بكلمة (سبحانك) لسببين: الأول منهما: تنزيه الله عما أضافته النصارى إليه. الثاني: الخضوع لعزة الله والخوف من سطوته. فمن أجل ذلك قال هذا النبي الكريم: (سبحانك).

стр. 186

ملك العباد محدود ثم دخل في الجواب فقال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦] فهناك أشياء -يا أخي- تملكها وأشياء لا تملكها، ومن أعظم ما لا نملكه: أننا عبيد، وإذا كنا عبيداً فإننا لا نملك أن نتكلم كما يتكلم الرب ، ولا نطالب بحق الإلهية؛ لأننا لسنا آلهة، فلا إله إلا الله، وكل أحد سوى الله مربوب وعبد، والله جل وعلا وحده هو الإله وهو الرب لا رب غيره ولا إله سواه، فلا يصح أن يأتي أحد لا يملك هذا الحق فيطلبه لنفسه، فعيسى يقول: أنا مربوب وعبد ولا أملك أن أطلب من الناس أن يعبدوني من دونك؛ لأن هذا ليس لي فيه حق، فمقام الإلهية غير مقام العبودية.

стр. 187

بيان معنى قوله تعالى (إن كنت قلته فقد علمته) ولم يقل: أنا لم أقله، بل قال تأدباً مع ربه: ﴿إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]، وهذا الجواب لا يكون إلا مع الله، فلا يصح أن تجيب أحداً من الناس بهذا الجواب، فهذا الجواب لا يمكن أن يكون إلا مع الله، وأما مع الناس فتقول: لم أقله، أو تقول: قلته، وتقول: ذهبت إلى مكان كذا أو: لم أذهب لمن سألك: ذهبت أو لم تذهب؟ ولا يعقل أن تقول له: إن كنت ذهبت فأنت تعلم أني ذهبت! فهذا جواب لا يقال إلا لله. قال تعالى عنه: ﴿إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] وهذه واضحة لا تحتاج إلى بيان، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]، فما من غيب إلا والله جل وعلا يعلمه، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦].

стр. 188

تفسير قوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) ثم أخذ يبرئ ساحته أمام النصارى، فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ [المائدة:١١٧] و (ما) نافية (إِلاَّ) للاستثناء ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧] فأنا عبد أنفذ أوامرك، وأؤدي ما أوكلته إلي، ولا أستطيع أن أخرج عن أمرك مثقال ذرة. قال تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٧] (أن) حرف تفسير لا محل له من الإعراب، فجملة: (أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) مفسرة لقوله: (إلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) يعني: الذي أمرتني به هو (أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)، وقد مر بنا نحو هذا في سورة البقرة، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٦]، فقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٦] مفسر لقول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ [الحجر:٦٦]. وكذلك قول الله ﵎: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٧] مفسر لقول الله ﵎: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧]، فعيسى ﵇ قبل أن يقرر أن الله رب لهم قرر أن الله رب له هو فقال: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٧] وهذا هو التوحيد الذي بعث الله جل وعلا به الرسل من نوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والذي لا يقبل الله من أحد صرفاً ولا عدلاً إلا بتحقيقه.

стр. 189

بيان معنى قوله تعالى (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم) ثم قال تعالى عنه: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة:١١٧]. قوله: (مَّا دُمْتُ فِيهِمْ) أي: أنه عبد، فمتى ما وضع أو رفع لا يعلم شيئاً، ولا يوجد عاقل يدعي أنه يفهم كل شيء أو يعلم كل شيء، فالنبي ﵊ كان يعيش في المدينة، وحوله في المدينة مهاجرون وأنصار ويهود ومنافقون، فالله يقول لنبيه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة:١٠١] قال العلماء: إذا جاز على سيد الخلق ﷺ أن يكون له جيران يسكنون مدينته ولا يعلم أنهم يكيدون له وأنهم منافقون؛ فمن باب أولى أن يخفى ذلك على من دونه، وكل الناس دونه صلوات الله وسلامه عليه. قال تعالى: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة:١١٧] أي: وأنا بينهم أعيش كنت أقول لهم: اعبدوا الله، فهذا يوافق وهذا لا يوافق، فأنا شهيد عليهم بأن هذا وافق وهذا لم يوافق، وهذا قبل وهذا لم يقبل، وهذا رضي بك رباً وهذا لم يرض.

стр. 190

بيان معنى الوفاة قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧]. قوله: (توفيتني) فيه نوع من الإشكال؛ لأن عيسى ﵇ ليس بميت، وإنما رفع إلى السماء، قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وعندما تريد أن تفسر أمسك أصلك، فإذا جاء شيء يعارض الأصل فرد العارض وابق على الأصل، ولا تنتقل عنه إلا بعارض يفوق الأصل، وفي حياتك في أمر دين أو في أمر دنيا أمسك أصلك، ولا تترك الأصل لأي عارض أو لأي شبهة، ولو لم تفهم العارض. فالله جل وعلا تكلم عن عيسى في سورة النساء وقال: إن اليهود زعمت أنها قتلته، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء:١٥٧] ثم قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]، فالله يقول في كتابه: إنه رفع عيسى، فلما تأتي آية فيها أنه توفى والله يقول: إنه رفع لا تجتمع وفاة مع رفع، فنبقي على الأصل الذي هو الرفع، ونقول: إن الوفاة هنا بمعنى الرفع، فقوله: (توفيتني) يعني: استوفيت بقائي معهم ثم رفعتني، لكي نبقي على الأصل، ومن أخذ بهذه القاعدة فإنه يسلم في أمر دينه وأمر دنياه؛ لأنه ليس كل شبهة تستطيع أن تردها، فلو وجدت شبهة لا تستطيع أن تردها فابق على الأصل حتى يمن الله عليك بعالم تسأله عن هذه الشبهة فيردها، أما أن تمسك بكل شبهة تأتيك فتأخذ بها فإن الشبه لا تنتهي، وستصل إلى ما لا نهاية، فتتخبط بك الطرق كما هو حاصل في بعض ممن ينتسبون إلى العلم، فيتخبط أحدهم ميمنة وميسرة لأنه لا يوجد أصل يقبض عليه ويمسك به. فالأصل -مثلاً- في المؤمن أنه من قال: (لا إله إلا الله)، فإخراجه من الملة يحتاج إلى أصل أعظم من هذا، ولا يوجد ذلك حتى يفرح هو بالكفر، فإذا قال: أنا كافر فقوله يهدم الأصل، لكن إذا فعل أفعالاً خلاف في أنها كفر ولم يرض بها فليس لك ولا لغيرك أن يكفره بمثل هذه الشبهات. وهذا الذي وقع فيه من وقع في أيام الصحابة لما كفر علياً وكفر عثمان وكفر غيرهما فضل بهذا الطريق، فلا يمسك أصلاً، فكلما جاءته شبهة طبقها على الناس. ويروى عن الذين خاصموا علياً أنهم مروا على شجرة ليهودي فيها بلح وهم جياع، فقالوا: هذه شجرة يهودي، وهو ذمي مستأمن، فلا يجوز لنا أن نأخذ منها. وبعد قليل جاء عبد الله بن خباب بن الأرت فقالوا: تقول في عثمان وعلي؟ فقال: صحابة أخطئوا في أشياء وأصابوا في أشياء، وهم أصحاب النبي ﷺ ومردهم إلى الله، فقالوا: إن هذا الذي في صدرك -يعنون القرآن- يأمرنا بقتلك؛ لأنك ما قلت الحق! وعلي حكم الرجال في دين الله، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] فأصبح علي كافراً وأنت لا ترى أن علياً كافر، فأنت كافر؛ لأن من لم ير كفر الكافر فهو كافر. فانزلوه من فوق ظهر ناقته ومعه زوجته وابنه، ثم ذهبوا به إلى نهر دجلة الذي في العراق وذبحوه على النهر وسال دمه على النهر واليهودي ينظر، فقال: والله ما رأيت أجهل منكم! أتمتنعون عن التمر وتقولون: أكله حرام وإنما هو شيء من بلح ثم تأتون إلى رجل من أتباع دينكم يقول: لا إله إلا الله فتذبحونه كما تذبح الشاة وتقولون: هذا يجوز؟! فالعاقل في كل شئون حياته يمسك الأصل ويتمسك به، وليس سهلاً أن تهدم الأصل؛ لأن هذا الباب لو دخلت فيه لا تنتهي. وأذكر أنني تأخرت يوماً عن الصلاة، فصلى شخص بدلاً عني، فدخل رجل فرأى رجلاً ساجداً على أمشاط أصابعه لا على الأطراف، فرآه رجل فأخذ بيدي وقال: انظر كيف يصلي! فالسجود على الأعضاء السبعة، وهذا ما سجد على الأعضاء السبعة! فهذه الفتوى المركبة معناها أن السجود غير صحيح، والسجود ركن من أركان الصلاة، فصلاته غير صحيحة، فكأنه ما صلى، والرسول يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، فصار بذلك كافراً، وقعد يقول: سبحان ربي الأعلى سبحان ربي الأعلى، اللهم اغفر لي! فعقلك لا تعطيه لغيرك، واحفظ لسانك عن أعراض المسلمين من عالم أو حاكم أو أمير أو وزير أو صغير أو كبير، ففي النقاش العلمي ناقش كما تشاء، فالعلم حق مشاع، ولكن الإخراج من الملة والإدخال في الملة ليس لأحد، فالله يقول: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦]. يقول تعالى عن عيسى ﵇: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة:١١٧]، وقلنا: إن الوفاة هنا بمعنى الرفع، والوفاة في كتاب الله تأتي بمعنى الموت وانقضاء الأجل، ومنه قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢] أي: حين انقضاء أجلها، وتأتي بمعنى النوم، قال الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠]، وتأتي بمعنى الرفع، كما في الآية التي بين أيدينا: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) أي: رفعتني ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧]، ولا ريب في أن الله على كل شيء شهيد.

стр. 191

تفسير قوله تعالى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) ثم قال الله جل وعلا عن عيسى ﵇: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] وهذه من أعظم آيات القرآن في المعاني، فالله جل وعلا أرحم بعباده من أنفسهم، فإذا ألحق العذاب بأحد فمعنى ذلك قطعاً أنه مستحق للعذاب، ولو لم يكن عبدا متمرداً مستحقاً للعذاب لما عذبه الله؛ لأن الله أرحم بنا من أنفسنا وأرحم بالعبد من الوالدة بولدها. فقوله: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) يعني: لو لم يستحقوا العذاب لما عذبتهم، والأصل أنهم عبادك مملوكون لك تفعل وتحكم فيهم ما تشاء. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].

стр. 192

بيان حكم ذكر العزة والحكمة مع المغفرة ولم يقل عيسى هنا: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم وهذا مرده إلى أن الموقف موقف عظمة وخطب جليل، ولا يريد عيسى أن يظهر بمظهر من يملي على ربه ما يفعل، ولذلك قال بما يناسب واقع الحال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] بمعنى: أنك لو غفرت غفرت وأنت قادر على أن تعذب، ولكن لحكمة لم تعذبهم، وإلا فليس عفو الله عمن يعفو عنه لضعف أو عجز كما يفعل بعض أهل الدنيا، كمدير ضعيف شخصية يتأخر عنده المدرس في الحضور وله قرابات وشفاعات، فيقول: هذه المرة لن نكتب تأخرك ولن نعاقبك، فهذا عفو ولكنه ناجم عن ضعف، وأما عفو الله جل وعلا عمن يعفو عنه فناتج عن عزة وقدرة، وإلا فإن الله قادر على أن يعذبهم، ولذلك قال عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]. وهذه الآية ورد أن النبي ﷺ قام ليلة يرددها، وثبت عند مسلم وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن النبي ﷺ تلا قول الله جل وعلا عن إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقول الله في هذه الآية عن عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، ثم بكى ﷺ ، فلما بكى جاءه جبرائيل بعد أن بعثه الله وقال له: سل محمداً علام يبكي؟ والله أعلم بذلك، فجاءه جبرائيل فسأله فقال: أمتي أمتي. فقال الله جل وعلا: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك)، ولهذا قال العلماء: إن أمة محمد ﷺ أمة مرحومة، أخذاً من هذا الحديث، فالله جل وعلا وعد نبيه أنه لن يسوءه في أمته، والله جل وعلا لا يخلف الميعاد، والنبي ﷺ يسوؤه ألا ترحم أمته، والله قد وعده ألا يسوءه.

стр. 193

تفسير قوله تعالى: (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) وينتهي الموقف بقول الله ﵎: ﴿قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩] أي: صدقوا في النيات، وصدقوا في الأقوال، وصدقوا في الأعمال، فكان صدقهم نافعاً لهم بين يدي ربهم، والجزاء من جنس العمل، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فلما صدقوا مع الله قال الله جل وعلا عنهم: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]. قال الله تعالى: ﴿قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة:١١٩] فهذه أتم نعمة، ولا توجد نعمة بعد رؤية وجه الله أعظم من رضوان الله، وهي آخر ما يعطاه أهل الجنة، بلغنا الله وإياكم رضوانه.

стр. 194

تفسير قوله تعالى: (لله ملك السموات والأرض وما فيهن) ثم ختم الله جل وعلا السورة كلها بقوله: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠]، وتقديم الخبر نوع من أنواع الحصر، والمعنى: أن الله جل وعلا المالك وحده لما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما فيهما، وهو ﵎ على كل شيء قادر، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، يقدم من يشاء بفضله، ويؤخر من يشاء بعدله، ولا يسأله مخلوق عن علة فعله، ولا يعترض عليه ذو عقل بعقله. هذا ما تيسر إيراده من سورة المائدة، فلله الحمد على توفيقه وإحسانه، ونسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما قلنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 195

سلسلة تأملات قرآنية [٩] يقرر الله تعالى في سورة الأنعام حقيقة التوحيد بأعظم بيان وأوضح برهان، حيث يأمر نبيه ﷺ بإظهار عدم علمه الغيب، وكون خزائن الرزق ليست بيده، وإذا كان هذا حاله ﷺ فغيره من باب أولى أن يكون أعجز وأفقر. كما يبين ﵎ سبق علمه، وتوليه قبض أرواح عباده، وإنجاءهم من المهالك، ويذكر تعالى غير ذلك مما لا يقدر عليه سواه.

стр. 196

إشارات مجملة في تفسير سورة الأنعام الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن هذا الدرس سيكون حول سورة الأنعام، وكنا قد استفتحنا تفسيرها في درس ماض، وذكرنا أن من المقدمات المهمة في تفسيرها أن هذه السورة سورة مكية، وأن أكثر أهل العلم يقول إنها نزلت جملة واحدة، كما روي ذلك عن ابن عباس، وأنه نزل معها سبعون ألف ملك يشيعونها، وقلنا: إن هذه السورة أصل في إثبات الحجة على المشركين، وإنها اعتمدت على أسلوبين هما: أسلوب التقرير وأسلوب التلقين، وبينا هذا في موطنه.

стр. 197

تفسير قوله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله) وفي هذا الدرس سيكون لنا وقفات مع آيات من هذه السورة المباركة، سائلين الله فيها التوفيق والسداد. قال الله : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:٥٠]. إن التفسير الحقيقي ليس بيانا للمفردات والمعاني، فهذا أمر متيسر، ولكن التفسير الحقيقي أن تفهم المراد من كتاب الله في سياقه العام، وأن تفقه الآية من السورة والسورة من القرآن، زمانا ومكانا ومناسبة حتى يتضح لك المقصود من كلام الرب ﵎.

стр. 198

الرد على عناد المشركين إن النبي ﷺ لما بعث عانده الكفار من قريش، فتارة كانوا يطالبونه بحجج، ومنها أن يقسم الأرزاق بينهم، وهذا لا يقدر عليه إلا الله، وتارة يسألونه عن أمور غيبية لا يعلمها إلا الله، وتارة يعيبون عليه أنه يمشي في الأسواق ويأكل الطعام ويشرب الشراب، محتجين بأن هذا ليس من شأن الرسل. وتارة يقولون له: إنك بدينك هذا إنما تريد أن تدعي الإلهية، وهذا هو الشق الثاني من الحجج. فهذان الضربان هما اللذان يجمعان نقمة كفار قريش على رسولنا ﷺ . فهذه الآية التي أنزلها الله من باب أسلوب التلقين رد على مزاعم أولئك الكفار، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ [الأنعام:٥٠]. أي يا محمد: ﴿لا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [الأنعام:٥٠] أي: يا كفار قريش ﴿عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠]. فالنبي ﷺ يأمره ربه بأن يبين للناس، بأن غاية المراد من دعوته أنه بشر يبلغ رسالة ربه، ولا يملك قدرة جبربة على التغيير، كما قال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]. ويخبرهم بأن خزائن الله لا يملكها ولا يدعي أنه يملكها؛ لأن ملك خزائن الله أمر من خصائص الرب وحده جل وعلا، وهذا مقام الإلهية والربوبية. والنبي ﷺ ليس له من مقام الإلهية والربوبية شيء، فلا يمكن له أن يقسم الأرزاق، ولا الرحمة، ولا الخيرات، ولا العطاء بين الناس؛ لأن هذا من خصائص الرب، ولم يدع يوماً النبي ﷺ أنه إله.

стр. 199

بيان ضعف الأنبياء ممن دونهم في علم الغيب وقوله تعالى: ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠]. يخبر نبينا ﷺ بأمر ربه كفار قريش بأنه لا يعلم الغيب، والغيب: ضد الشهادة، فيخبر صلوات الله وسلامه عليه بأن ربه يأمره بأن يبلغ الناس بأنه لا يعلم الغيب، فإذا بان ضعف الرسول في علم الغيب ظهر كمال الله في العلم، وهذا أمر هو المقصود من السورة كلها، أي: أن يظهر الله للناس ضعفهم وعجزهم حتى يظهر لهم كمال خالقهم وعظمته جل وعلا، وأنه منزه من كل عيب ونقص، ولذلك قال الله لما ذكر خلق السماوات والأرض: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]. أي لم يمسه جل وعلا إعياء؛ لأن ذاته غير ذات المخلوقين، فصفاته غير صفات المخلوقين. وهذا الأمر الذي قرره النبي ﷺ وقع حالا ومعنى عليه، وعلى الملائكة وعلى الأنبياء والرسل من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالملائكة بين يدي ربهم لما علم الله آدم الأسماء وقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣١ - ٣٢]. وخليل الله إبراهيم -وهو أبو الأنبياء، وثاني الرسل من أولي العزم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- يأتيه الملائكة في صورة ضيوف، فيذهب عجلا إلى بيته، فيأخذ العجل ويذبحه ويشويه ويقدمه، كل هذا وهو لا يعلم أن الضيوف ملائكة لا يأكلون الطعام. فلو كان يعلم لما فعل هذا كله، ولكن ليبين الله لك وأنت تقرأ كتابه ضعف المخلوقين أيا كانوا وعظمة الرب ﷻ وحده. ونبي الله يعقوب ﵊ كان ابنه يوسف في أرض مصر عزيزا على كرسي الوزارة يأمر وينهى ويأتيه الناس من كل مكان، ويعقوب في أرض كنعان في بادية الشام قد ابيضت عيناه من الحزن على فقد ولده، وهو نبي يوحى إليه، ومع ذلك كان ﵇ يجهل أن ابنه في مقام عزيز ومكان رفيع، ولو كان يعلم لما دمعت عيناه، لكنه شيء من الغيب الذي أخفاه الله جل وعلا عن هذا النبي الكريم. ورسولنا ﷺ كان في المدينة وحوله من يكيد له الكيد، ويحيق به الدوائر، وربه يقول له: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]. وسليمان يعطى الملك، وسخرت له الريح والجن والشياطين، تأتمر بأمره وتذعن لخبره، وتنفذ ما يطلب وتفعل ما يأمرها به، ومع ذلك كله يخفى عليه أن بلقيس كانت تعبد الشمس، ثم يأتي طائر لا ينطق ليقول له: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]. فهذا ما جرى لأنبياء الله ورسله وأخذنا منهم بعض الأمثلة، وما يقال عنا من باب أولى، وهذا يدل على أن علم الغيب أمر اختص الله جل وعلا به وحده، وسيأتي الحديث عن مفاتيحه.

стр. 200

بيان حقيقة النبي ﷺ يقول تعالى: ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠]. أي: أتستنكرون علي أن أمشي في الأسواق، وأن آكل الطعام والشراب؟! فهذا لن يكون إلا للملائكة، وأنا لم أقل يوما من الدهر: إني ملك، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠]. فهو ﷺ يأتيه الوحي من السماء يأمره بالنذارة والبشارة، فيفعل ما أمره الله جل وعلا به، قال الله تعالى عنه: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠].

стр. 201

بيان معنى قوله تعالى (قل هل يستوي الأعمى والبصير) ثم بعد بيان أنه رسول، يدعو إلى رب بيده خزائن كل شيء، ويعلم الغيب والشهادة، ويستحق العبادة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام:٥٠]. وهذا استفهام إنكاري؛ لأن (هل) أداة استفهام، بمعنى: لا يستوي الأعمى والبصير. والمقصود بالأعمى والبصير هنا الضال والمهتدي، والعالم والجاهل، والموحد والمشرك، فكلها يمكن أن تدخل في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:٥٠]. وقول الله جل وعلا: ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:٥٠] دلالة على أن العقول مخاطبة بشرع الله ﵎، وهنا مسألة وهي دخول العقل في الشريعة، وهذه مسألة تذكر كثيرا بين طلاب العلم، وفصل الخطاب فيها أن تعلم أن العقل مكتشف للدليل وليس منشئاً له. فالدليل وضعه الله في كتابه وفي سنة رسوله، وأصحاب العقول يكتشفون تلك الأدلة ويتوصلون إليها بعد أن وضعها الله لهم في كتابه وفي سنة رسوله، أو في آية من الآيات العامة المنثورة في الخلق.

стр. 202

تفسير قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) ثم تلا تلك الآية آيات ست آيات مسترسلات بعضها بعد بعض، فقال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٥٩ - ٦٥]. قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩] هذا أسلوب حصر، ومن أساليب الحصر في اللغة: تقديم ما حقه التأخير، وأصل الآية: مفاتح الغيب عنده. فقدم الله الخبر على المبتدأ ليصبح المقام مقام حصر، أي: ليست عند أحد غيره مفاتح الغيب، ولو قال: ومفاتح الغيب عنده فإن المعنى يحتمل أن مفاتح الغيب عنده وعند غيره، ولكنه قال ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩] فجعل الأمر محصوراً؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ، وتقديم ما حقه التأخير أسلوب من أساليب الحصر في بلاغة العرب. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ﴾ [الأنعام:٥٩] أي: عند الله ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩]. و (مفاتح): جمع مفتاح، وهي عند النحويين اسم ممنوع من الصرف لأنه على وزن مفاعل. يقول الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]. والنفي مع الاستثناء كذلك أسلوب من أساليب الحصر.

стр. 203

بيان المراد بمفاتح الغيب ولم يذكر الله في هذه الآية مفاتح الغيب، ولكن السنة فسرت القرآن، فقال ﷺ -كما في حديث ابن عمر -: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]). فنقول: إن مفاتح الغيب أمر لا يعلمه إلا الله، ولا يعطى لأحد، أما غير ذلك من الغيب فيمكن أن يطلع الله جل وعلا عليه بعض عباده، قال الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]. فقد يطلع الله بعض عباده على بعض غيبه، ولكن مفاتح الغيب اختص الله جل وعلا بها، فلا يطلع عليها أحدا كائنا من كان إلا وقت المراد من الغيب نفسه. وبناء على آية لقمان أصبح أعظم الغيبيات علم الساعة، وهي أعظم الغيبيات بدلالة القرآن والسنة، فجبرائيل سيد الملائكة يسأل نبينا ﷺ : (أخبرني عن الساعة؟ فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) أي علمي وعلمك فيها سواء. والله يقول: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]. بل إن إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور لتقوم الساعة، يقول عنه النبي ﷺ : (إنه قد أحنى جبهته وأصغى أذنه والتقم القرن ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ) فإسرافيل لا يعلم متى ينفخ، فمن باب أولى ألا يعلم الناس ذلك، فالساعة أعظم الغيبيات. يقول تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤]. وإنزال المطر لا يعلم تحديد وقته إلا الله، أما ما تراه من إرهاصات فهو مقدمات تصيب وتخطئ، ولا يجزم بها أحد، وقد نقل القرطبي ﵀ عن بعض علماء المسلمين أن من جزم بنزول المطر، فقال: غداً سيكون مطر، فإنه يكفر؛ لأنه خالف صريح القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤]. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] (ما) هنا موصولة تدل على العموم، أي: يعلم ما في الأرحام، فإن كان ما في الرحم سقطا سينزل، أو سيتم خلقه فإنه يعلمه، ويعلم الله جل وعلا إن كان شقيا أو سعيدا، ويعلم الرب ﵎ إن كان سيعمر أو لا يعمر، في أمور شتى تتعلق به، ويعلم أنه سيكون ذكراً أو أنثى، وغير ذلك مما يتعلق به ولا يعلمه إلا الرب ﵎. يقول تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]. إن هناك فرقاً بين جدول العمل وبين ما تحصل عليه من العمل، فإن المعلم يعلم جدول حصصه قبل العام، وكذلك كثير من الناس ممن لهم أمور مرتبة وجداول وأعمال، ولكن هل يحصل هذا العمل الذي يسمى في اللغة كسبا؟! إن هذا لا يعلمه إلا الرب ﵎، فقد يحول الله بين المرء وبين ما يريد قبل أن يقع الأمر بلحظات. ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] وفي المسند أن من أراد الله أن يقبض روحه في أرض جعل له حاجة إليها. ومن جهل المكان فمن باب أولى أن يجهل الزمان. والمقصود من هذا كله إجمالا أن مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الرب ﵎.

стр. 204

سعة علم الله تعالى يقول تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. فهذه من أعظم آيات الربوبية في القرآن، يخبر الله جل وعلا فيها عن سعة علمه، وعظيم إحاطته بخلقه، وأن ما تراه العيون، وما لا تراه، ومثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وورق الأشجار على كثرته واتساعه وعظيم عدده، لا يعلمه إلا الرب ﵎، فكل تلك الأمور أينما كانت، وأينما غابت عن عيوننا، الغيب وغياهب البحار، ومفاوز البر، وكل ما يقع فيه، وما يكون في ليل أو في نهار أو في أي مكان قد اطلع، الله جل وعلا عليه وقد علمه وكتبه وأراده وشاءه، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٥٩] ثم تتناقلها الرياح ميمنة وميسرة، وشمالاً وجنوباً، ثم تهوي، كل ذلك يعلمه الله جل وعلا، لا يخفى عليه من خلقه خافية أينما كانت، قال تعالى عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]. والإنسان -ستره الظلام أو كان في الضوء- قد اطلع الله جل وعلا عليه، سواء أسر في نفسه أم أعلن، فالله جل وعلا يعلم ذلك كله، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، ولا تخفى عليه من خلقه خافية. يقول تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ﴾ [الأنعام:٥٩] أي: ولا حبة تسقط ﴿فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ [الأنعام:٥٩] أسلوب قرآني يسمى عطف عام على خاص؛ لأن كل ما سلف لا يخلو من كونه رطباً أو يابساً، وحياً أو ميتاً. قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ [الأنعام:٥٩] من كل ذلك ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] أي: في اللوح المحفوظ، فالله أول ما خلق القلم، قال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، جفت الأقلام وطويت الصحف، فأنت تسعى وراء رزق سيأتي إليك، أو تطلب شيئا لن يأتيك أبدا. فالعاقل من أحسن صلته بربه جل وعلا، وأهل والفضل العلم يقولون: من خسر مع الله جل وعلا فماذا ربح؟ ومن ربح مع الله ﵎ فماذا خسر؟ فمن ربح مع الله لم يخسر شيئا، ومن خسر مع الله لم يربح شيئا ولو أوتيت له الدنيا بحذافيرها.

стр. 205

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) ثم قال جل شأنه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام:٦٠]. نسب الله جل وعلا هنا الوفاة إلى ذاته العلية، ونسبها إلى الملائكة في آيات آخر، فيقال: إن نسبة الأمر إلى الله نسبة حقيقية، ونسبة الأمر إلى غير الله نسبة تكليف، أي كلف الله أحدا ليقوم بها، كما كلف الملائكة. وقول الرب: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام:٦٠].

стр. 206

معاني الوفاة في القرآن المقصود به المنام، وليس المقصود به الوفاة الحقيقية. والوفاة في القرآن تأتي على ثلاثة معان: تأتي بمعنى الموت، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام:٦١]. وتأتي بمعنى النوم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام:٦٠]، وقول الله في سورة الزمر ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢]. وتأتي بمعنى الرفع، ومنه قول الله لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]. والمقصود من هذا كله أن الوفاة هنا بمعنى النوم، والنبي ﷺ كان إذا استيقظ قال (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) فسمى النوم موتة صغرى.

стр. 207

علاقة الروح بالجسد وصفوة القول أن يقال: إن للروح علاقة مع الجسد تختلف من حال إلى حال، فبينهما علاقة قبل أن يوجد الجسد، يوم كانت أرواحنا في ظهر أبينا آدم، وعلاقة يوم كنا أجنة في بطون أمهاتنا فنفخ فينا الروح، وعلاقة شبه كمال، وهي علاقة الروح بالجسد في حال اليقظة، وعلاقة أقل منها، وهي علاقة الروح بالجسد في حال النوم، وعلاقة لا نعلم كنهها، وهي علاقة الروح بالجسد في حياة البرزخ، فإن الإنسان ينعم ويعذب في حياة البرزخ، وعلاقة هي علاقة الكمال والتمام تكون بعد البعث والنشور؛ لأنه لا موت بعدها. فنجم عن هذا ست علاقات: علاقة في عالم الأرواح، وعلاقة في عالم الأجنة، وعلاقة في عالم اليقظة، وعلاقة في عالم النوم، وعلاقة في عالم البرزخ، وعلاقة بعد البعث والنشور.

стр. 208

بيان معنى قوله تعالى (ويعلم ما جرحتم بالنهار) يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠]. فقد جرت سنة الله في خلقه أن النهار للمعاش، فلما كان الإنسان في النهار يعمل ويكد من أجل عيشه بجوارحه، قال الله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠]. أي: ما كسبتم، فعبر بما تسببت به الآلة. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام:٦٠] أي: يوقظكم من منامكم، أي: في النهار ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام:٦٠]. وهذا باعتبار الأفراد، لا باعتبار الجماعات، بمعنى أن كل فرد له أجل مسمى كتبه الله جل وعلا عليه.

стр. 209

تفسير قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) ثم قال جل ذكره: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]. وقد قلنا: إن السورة حجة في إثبات توحيد الربوبية والإلهية، فإذا كان الله جل وعلا قاهراً مالكاً لجميع الخلق، فإنه يفعل في خلقه ما يشاء، فهو ﵎ خلقهم ورزقهم، وجعل لهم طريقا موصلا إليه، وقال: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٩] أي أن الخلق خلقوا أطواراً، حيث كانوا في ظهر أبيهم، ثم في بطون أمهاتهم، حتى أصبحوا ينامون بالليل ثم يبعثون بالنهار.

стр. 210

بيان معنى قوله تعالى (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) وبعد ذلك بقي المرد إلى الله، فقال الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] فلما كان قاهرا مالكا ملكا حقيقيا متصرفا قال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]. و (إذا) في اللغة تأتي قبل التلبس بالفعل، فتقول: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ، أي: قبل أن تقوم إلى الصلاة تتوضأ. وكذلك: إذا وقفت بين يدي الله فكبر، و: إذا صليت فاقرأ القرآن، أي: بعد دخولك في الصلاة. فقوله تعالى هنا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [الأنعام:٦١] أي: حتى إذا قرب الموت وجاءت علاماته ودنت ساعته، ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]. والرسل هنا هم الملائكة، وينبغي أن تعلم أن قرب الله من خلقه نوعان: قرب بذاته، وقرب بملائكته، فالقرب بالملائكة منه قول الله جل وعلا في سورة الواقعة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]. فليس المراد قرب الله بذاته، إنما هو قرب الله بملائكته، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام:٦١]. والأصل أن الموكل بقبض الأرواح ملك، ولكن هذا الملك له أعوان، ومفهوم الآية لا يخلو من أحد أمرين، وبهما قال العلماء: فإما أن تكون الملائكة هي التي تخرج الروح، حتى إذا دنت من الحلقوم تركتها لملك الموت، فهو الذي يقبضها، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]. فالله يقول في آية الأنعام: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام:٦١]، وقال في السجدة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة:١١]. فقال بعض العلماء: إن الملائكة تقبض الروح، فتستلها من الجسم كله استلالا يختلف بين روح المؤمن وروح الكافر ليس هذا موضع بيانه، فإذا دنت الروح من الحلقوم قام ملك الموت بالنزع الأخير. وقال بعضهم: إن ملك الموت هو الذي ينزع الروح، وقد جعل الله له العالم كالمأدبة بين يدي من يريد أن يأكل، فيأخذ منها كيفما يشاء، فإذا كثر عليه في يوم قبض الأرواح فإنه يناديها فتأتي، وكل ذلك بأمر الله، وسواء صح هذا أو لم يصح فإن العقل لا يرده والشرع لا ينافيه. والمقصود هذا أمر الأمر الثاني أن يكون ملك الموت هو الذي يقبض الروح وحده، ولا يعينه غيره من الملائكة، ثم إذا قبضها لا تلبث في يده حتى يعطيها ملائكة آخرين، فإذا كانت روحا مؤمنة أعطاها لملائكة الرحمة، جعل الله جل وعلا أرواحكم كذلك. وإن كانت روحا كافرة أعطاها ملائكة العذاب، وهذا الرأي الثاني هو الذي تميل النفس إليه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]. أي: لا يضيعون في قبض الأرواح، ولا يتقدمون قبل الأجل ولا يتأخرون بعد الأجل، فحيثما أمرهم الله زمانا ومكانا يفعلون ﵈.

стр. 211

تفسير قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]. (ثم) حرف عطف يفيد التراخي، والتعقيب، فهناك فترة زمنية بين قبض الروح، ورجوع العباد إلى الله ليحكم بينهم، وهي التي تسمى حياة البرزخ. فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ [الأنعام:٦٢] أي الخلق ﴿إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]، بكسر القاف؛ لأنها صفة للفظ الجلالة. وهنا مسألة، وهي أن الله هنا يتكلم عن جميع الأرواح مؤمنها وكافرها، فكل الأرواح مردها إلى الله، وقال الله في نعت ذاته العلية هنا: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢] مع أنه قال في سورة محمد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]. فكيف يستقيم الجمع بين قول الله في كتابه: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] وقوله في آية عامة ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]. والجواب عن هذا أن يقال: إن كلمة (مولى) لفظ مشترك لعدة معان، فيأتي بمعنى المعتِق، ويأتي بمعنى المعتَق، فيقال للسيد الذي أعتق: مولى، ويقال للعبد الذي أُعتق: مولى. ويقال (مولى) بمعنى: مالك الملك، وهو هو المراد بالآية هنا، فقول الله جل وعلا ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ﴾ [الأنعام:٦٢] أي: ملكهم. وأما قول الله في سورة محمد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:١١] أي: ناصرهم، وقول الله ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] أي: لا ناصر لهم، وإلا فالكفار والمؤمنون ملك لله. فمعنى (مولى) في سورة محمد: ناصر، ومعنى (مولى) في سورة الأنعام: مالك الملك، والله مالك أهل الكفر وأهل الإيمان، أما أن الله ناصر لأهل الإيمان فلا شك في ذلك، وليس الله بنصير لأهل الكفر. ومنه قول النبي ﷺ : (من كنت مولاه فعلي مولاه) أي: من كنت ناصره وحاميه فعلي ناصره وحاميه، فهذا معنى (مولى) في هذا الحديث الشريف. فيتحرر من هذا أن (مولى) لفظ مشترك لعدة معان، وهو في سورة الأنعام بمعنى مالك الملك، ولا شك في أن الله مالك للعباد كلهم.

стр. 212

بيان معنى قوله تعالى (ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]. قول الله: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام:٦٢] فيه إشارة خفية إلى أنه ليس لأحد أمر لازم على الله، وإنما الله يحكم بما شاء، فيدخل من يشاء برحمته، ويعذب من يشاء بعدله. قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]. فالله جل وعلا ليست ذاته كذوات المخلوقين، فلا يقاس حساب الله على ما نعلمه من محاسبة المخلوقين بعضهم لبعض، فالله جل وعلا -كما أنه خلق خلقه خلقا واحدا، فهو قادر على أن يخلقهم جملة، وقادر على أن يميتهم جملة، وقادر على أن يبعثهم جملة- قادر على أن يحاسبهم جملة، فهو جل وعلا له الحكم وهو أسرع الحاسبين.

стр. 213

تفسير قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) ثم قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٦٣ - ٦٤]. ما زال السياق يبين أن السورة مكية، والمقصود منها في المقام الأول إثبات توحيد الإلهية، ولكن إثبات توحيد الألهية، لا يقوم إلا إذا ثبت توحيد الربوبية. وقلنا إن هنا أسلوبين: أسلوب تقرير وأسلوب تلقين. وبيان ذلك أن الله جل وعلا يخاطب أهل الإشراك الذين يشركون مع الله بأرض الواقع، ويقول لهم جل وعلا: إنكم تسافرون في البر وتسافرون في البحر، ويصيبكم من المشاق والكوارث والمصائب ما يجعلكم -وأنتم مشركون في حال الرخاء- توحدون الله، ولا تسألون معه غيره، كما أخبر الله جل وعلا في عدة سور بأنهم يلجئون إلى ربهم وحده دون سواه، كقوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢]. والله ﵎ يبتلي عباده، ويدلل جل وعلا في خلقه المنثور وكتابه المسطور في الأرض على أنه الرب الأوحد، والمالك الذي لا يقدر على النفع ولا على الضر إلا هو، فلا يكشف بلوى ولا يدفع ضرا إلا هو، ولا يعطي عطاء ولا يمنح رحمة إلا هو. يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٦٣]. وليس المقصود عين الظلمة، وإنما المقصود ما في البر والبحر من مشاق، ومن أمور تصيب الرجل والمرأة والجماعة والفرد على السواء، فإذا أصابهم الأمر وتيقنوا بالهلاك وعظم عليهم الأمر، واشتد عليهم الكرب، علموا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فلجئوا إلى الله جل وعلا مخلصين، يتضرعون بالدعاء سرا وإعلانا، أفرادا وجماعات، خفية وتضرعا، فإذا نجاهم الله واستجاب دعاءهم، ونقلهم من حال الخوف إلى حال الأمن، ومن حال الضراء إلى حال السراء، نسوا -عياذاً بالله- كل ذلك الأمر، ورجعوا إلى شركهم، قال الله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢]. وهذا أمر يتحقق في القريب والبعيد في الزمن الماضي وفي الزمن الحاضر وفي الزمن المستقبل، فكم من تاجر خاف على تجارته، وأيقن بغرقها، أو بتسلط غيره عليها، أو أيقن بالخسران، ففزع إلى الله في ظلمات الليل يسأل الله ويدعوه، فلما نجى الله له تجارته وأنعم عليه ورزقه، أخذ تلك الأموال التي اكتسبها فأنفقها في غير طاعة الله، وربما سافر بها سفر معصية، وهذه مرحلة أدنى، والمرحلة التي عناها الله في هذه السورة هي أن أهل الإشراك يرون الموت عيانا، فيفزعون إلى الله بقلوبهم وجوارحهم وألسنتهم، ويصرون على الدعاء ويلحون، ثم إن الله لعظمته وحلمه وكمال رحمته ينعم عليهم وينجيهم، فإذا شعروا بالأمان والرخاء رجعوا إلى أصنامهم وأوثانهم يعبدونها ويسألونها من دون الله، لكي تعلم أنه لا شيء أعظم من أن تشرك مع الله جل وعلا غيره، وأن يكون قلبك الذي فطره الله وخلقه وسواه وجبله على التوحيد وعلى إخلاص العبادة له قد اتجه إلى غير الله، وأن يلهج لسانك لأي فرد، ملكا أو أميرا أو سلطانا أو عالما أو داعية أو والدا أو ولدا أو زوجة أو ابنا أو محبا تحبه فتجعله مقدما على حبك لله جل وعلا. ومن أراد ما عند الله من النعيم، وخاف ما عند الله من الجحيم لم يقدم على ذات الله أحدا كائنا من كان، لا والدا ولا ولدا ولا أما ولا زوجة ولا أحداً كائنا من كان، ولا يتعلق قلبه بممثل ولا بلاعب، ولا بمعلم ولا بطالب، وإنما يجعل فؤاده وقلبه للرب ﵎، فهذا هو التوحيد الذي بعث الله من أجله الرسل، وأنزل الله من أجله الكتب، وأقام النبي ﷺ من أجله الجهاد. وكلما نقص حظ الله منك نقص حظك من الله، وكلما ابتعدت عن الله في توحيده وذكره وإجلاله ومحبته: كنت من رحمة الله أبعد، وإلى عذابه أدنى.

стр. 214

تفسير قوله تعالى: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب) ثم قال الله جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ [الأنعام:٦٤] أي: من هذا الكرب المخصوص الذي تسألونه، بل إن الله لا ينجيكم من كرب مخصوص تدعونه بعينه فحسب، بل ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام:٦٤]، أي: ومن كل كرب عام علمته أو لم تعلمه، وقد ينجيك الله من كرب لم تدعه، بأن ينجيك منه، فلا تعلم أن ذلك الكرب في طريقه إليك، ولكن الله جل وعلا يزيله عنك من غير أن تعلم.

стр. 215

بيان شرك المشركين بعد النجاة من المهالك ثم يقول الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٦٤]. أي: مع تلك النجاة وتلك الرحمة وذلك الحلم من الرب تعودون -كما كنتم- تشركون مع الله جل وعلا غيره. والمقصود من هذا كله أنه لا يعقل أن نفسر سورة الأنعام، وقد جعلها الله في أغلب آياتها مخصصة للتوحيد، ودعوة إلى الإيمان به، ونبذا للشرك، ثم لا يخرج الإنسان منها بثمرة تجعله يسير في سائر أيامه حتى يلقى الله وليس في قلبه أحد يحب ويوالي ويبغض ويعادي من أجله غير الرب ﵎، جعل الله قلوبنا وقلوبكم على تلك الفطرة السليمة.
следующие страницы →