Полный текст (705 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تفسير قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢].
(ثم) حرف عطف يفيد التراخي، والتعقيب، فهناك فترة زمنية بين قبض الروح، ورجوع العباد إلى الله ليحكم بينهم، وهي التي تسمى حياة البرزخ.
فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ [الأنعام:٦٢] أي الخلق ﴿إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]، بكسر القاف؛ لأنها صفة للفظ الجلالة.
وهنا مسألة، وهي أن الله هنا يتكلم عن جميع الأرواح مؤمنها وكافرها، فكل الأرواح مردها إلى الله، وقال الله في نعت ذاته العلية هنا: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢] مع أنه قال في سورة محمد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
فكيف يستقيم الجمع بين قول الله في كتابه: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] وقوله في آية عامة ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢].
والجواب عن هذا أن يقال: إن كلمة (مولى) لفظ مشترك لعدة معان، فيأتي بمعنى المعتِق، ويأتي بمعنى المعتَق، فيقال للسيد الذي أعتق: مولى، ويقال للعبد الذي أُعتق: مولى.
ويقال (مولى) بمعنى: مالك الملك، وهو هو المراد بالآية هنا، فقول الله جل وعلا ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ﴾ [الأنعام:٦٢] أي: ملكهم.
وأما قول الله في سورة محمد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:١١] أي: ناصرهم، وقول الله ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] أي: لا ناصر لهم، وإلا فالكفار والمؤمنون ملك لله.
فمعنى (مولى) في سورة محمد: ناصر، ومعنى (مولى) في سورة الأنعام: مالك الملك، والله مالك أهل الكفر وأهل الإيمان، أما أن الله ناصر لأهل الإيمان فلا شك في ذلك، وليس الله بنصير لأهل الكفر.
ومنه قول النبي ﷺ : (من كنت مولاه فعلي مولاه) أي: من كنت ناصره وحاميه فعلي ناصره وحاميه، فهذا معنى (مولى) في هذا الحديث الشريف.
فيتحرر من هذا أن (مولى) لفظ مشترك لعدة معان، وهو في سورة الأنعام بمعنى مالك الملك، ولا شك في أن الله مالك للعباد كلهم.
стр. 212
بيان معنى قوله تعالى (ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
قول الله: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام:٦٢] فيه إشارة خفية إلى أنه ليس لأحد أمر لازم على الله، وإنما الله يحكم بما شاء، فيدخل من يشاء برحمته، ويعذب من يشاء بعدله.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
فالله جل وعلا ليست ذاته كذوات المخلوقين، فلا يقاس حساب الله على ما نعلمه من محاسبة المخلوقين بعضهم لبعض، فالله جل وعلا -كما أنه خلق خلقه خلقا واحدا، فهو قادر على أن يخلقهم جملة، وقادر على أن يميتهم جملة، وقادر على أن يبعثهم جملة- قادر على أن يحاسبهم جملة، فهو جل وعلا له الحكم وهو أسرع الحاسبين.
стр. 213
تفسير قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٦٣ - ٦٤].
ما زال السياق يبين أن السورة مكية، والمقصود منها في المقام الأول إثبات توحيد الإلهية، ولكن إثبات توحيد الألهية، لا يقوم إلا إذا ثبت توحيد الربوبية.
وقلنا إن هنا أسلوبين: أسلوب تقرير وأسلوب تلقين.
وبيان ذلك أن الله جل وعلا يخاطب أهل الإشراك الذين يشركون مع الله بأرض الواقع، ويقول لهم جل وعلا: إنكم تسافرون في البر وتسافرون في البحر، ويصيبكم من المشاق والكوارث والمصائب ما يجعلكم -وأنتم مشركون في حال الرخاء- توحدون الله، ولا تسألون معه غيره، كما أخبر الله جل وعلا في عدة سور بأنهم يلجئون إلى ربهم وحده دون سواه، كقوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢].
والله ﵎ يبتلي عباده، ويدلل جل وعلا في خلقه المنثور وكتابه المسطور في الأرض على أنه الرب الأوحد، والمالك الذي لا يقدر على النفع ولا على الضر إلا هو، فلا يكشف بلوى ولا يدفع ضرا إلا هو، ولا يعطي عطاء ولا يمنح رحمة إلا هو.
يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٦٣].
وليس المقصود عين الظلمة، وإنما المقصود ما في البر والبحر من مشاق، ومن أمور تصيب الرجل والمرأة والجماعة والفرد على السواء، فإذا أصابهم الأمر وتيقنوا بالهلاك وعظم عليهم الأمر، واشتد عليهم الكرب، علموا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فلجئوا إلى الله جل وعلا مخلصين، يتضرعون بالدعاء سرا وإعلانا، أفرادا وجماعات، خفية وتضرعا، فإذا نجاهم الله واستجاب دعاءهم، ونقلهم من حال الخوف إلى حال الأمن، ومن حال الضراء إلى حال السراء، نسوا -عياذاً بالله- كل ذلك الأمر، ورجعوا إلى شركهم، قال الله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢].
وهذا أمر يتحقق في القريب والبعيد في الزمن الماضي وفي الزمن الحاضر وفي الزمن المستقبل، فكم من تاجر خاف على تجارته، وأيقن بغرقها، أو بتسلط غيره عليها، أو أيقن بالخسران، ففزع إلى الله في ظلمات الليل يسأل الله ويدعوه، فلما نجى الله له تجارته وأنعم عليه ورزقه، أخذ تلك الأموال التي اكتسبها فأنفقها في غير طاعة الله، وربما سافر بها سفر معصية، وهذه مرحلة أدنى، والمرحلة التي عناها الله في هذه السورة هي أن أهل الإشراك يرون الموت عيانا، فيفزعون إلى الله بقلوبهم وجوارحهم وألسنتهم، ويصرون على الدعاء ويلحون، ثم إن الله لعظمته وحلمه وكمال رحمته ينعم عليهم وينجيهم، فإذا شعروا بالأمان والرخاء رجعوا إلى أصنامهم وأوثانهم يعبدونها ويسألونها من دون الله، لكي تعلم أنه لا شيء أعظم من أن تشرك مع الله جل وعلا غيره، وأن يكون قلبك الذي فطره الله وخلقه وسواه وجبله على التوحيد وعلى إخلاص العبادة له قد اتجه إلى غير الله، وأن يلهج لسانك لأي فرد، ملكا أو أميرا أو سلطانا أو عالما أو داعية أو والدا أو ولدا أو زوجة أو ابنا أو محبا تحبه فتجعله مقدما على حبك لله جل وعلا.
ومن أراد ما عند الله من النعيم، وخاف ما عند الله من الجحيم لم يقدم على ذات الله أحدا كائنا من كان، لا والدا ولا ولدا ولا أما ولا زوجة ولا أحداً كائنا من كان، ولا يتعلق قلبه بممثل ولا بلاعب، ولا بمعلم ولا بطالب، وإنما يجعل فؤاده وقلبه للرب ﵎، فهذا هو التوحيد الذي بعث الله من أجله الرسل، وأنزل الله من أجله الكتب، وأقام النبي ﷺ من أجله الجهاد.
وكلما نقص حظ الله منك نقص حظك من الله، وكلما ابتعدت عن الله في توحيده وذكره وإجلاله ومحبته: كنت من رحمة الله أبعد، وإلى عذابه أدنى.
стр. 214
تفسير قوله تعالى: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ [الأنعام:٦٤] أي: من هذا الكرب المخصوص الذي تسألونه، بل إن الله لا ينجيكم من كرب مخصوص تدعونه بعينه فحسب، بل ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام:٦٤]، أي: ومن كل كرب عام علمته أو لم تعلمه، وقد ينجيك الله من كرب لم تدعه، بأن ينجيك منه، فلا تعلم أن ذلك الكرب في طريقه إليك، ولكن الله جل وعلا يزيله عنك من غير أن تعلم.
стр. 215
بيان شرك المشركين بعد النجاة من المهالك
ثم يقول الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٦٤].
أي: مع تلك النجاة وتلك الرحمة وذلك الحلم من الرب تعودون -كما كنتم- تشركون مع الله جل وعلا غيره.
والمقصود من هذا كله أنه لا يعقل أن نفسر سورة الأنعام، وقد جعلها الله في أغلب آياتها مخصصة للتوحيد، ودعوة إلى الإيمان به، ونبذا للشرك، ثم لا يخرج الإنسان منها بثمرة تجعله يسير في سائر أيامه حتى يلقى الله وليس في قلبه أحد يحب ويوالي ويبغض ويعادي من أجله غير الرب ﵎، جعل الله قلوبنا وقلوبكم على تلك الفطرة السليمة.
стр. 216
تفسير قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم)
ثم قال الله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥].
مناسبة الآية لما قبلها هي أن الله قد بين أنه قادر على أن ينجي من المهالك، فبين هنا أنه قادر على أن يلقي فيها، فالله بين في الآيتين قبلها أن الله قادر على أن ينجي عباده من المهالك، ويبين لهم هنا أنه قادر على أن يضعهم في المهالك، فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] مثل الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] مثل الخسف ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥].
стр. 217
بيان ما دفعه الله عن هذه الأمة وما ابتلاها به مما ذكر في الآية
وهذه الآية لا تحتاج إلى كلفة في الشرح؛ لأن النبي ﷺ -كما روى البخاري وغيره- لما نزلت هذه الآية فتلاها جبرائيل على النبي ﷺ فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال ﷺ : (أعوذ بوجهه) فالنبي ﷺ استعاذ بوجه الله، فلما استعاذ النبي بوجه ربه أعاذه الله، ومن هذا تعلم أن هذه الأمة لا يمكن أن تهلك بعذاب عام من السماء، فقرأ جبرائيل: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] فقال ﷺ : (أعوذ بوجهه)، ومن هنا تعلم أن هذه الأمة لا يمكن أن تهلك كلها بخسف من الأرض.
ثم قرأ جبرائيل: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] فلم يقل النبي ﷺ : (أعوذ بوجهه)، ليمضي قدر الله، بل قال ﷺ : (هذه أهون) وفي رواية: (أيسر) وفي رواية أخرى: (هاتان أهون وأيسر) ولم يستعذ بالله ليمضي قدر الله، وهذا أمر مشاهد واضح جلي، وهو أن الأمة ذاق بعضها بأس بعض، فمنذ أن قتل عثمان ﵁ إلى يومنا هذا والأمة يذيق بعضها بأس بعض.
وآخر ما حصل من ذلك في قمع الدولة للإرهابيين، فالذين ماتوا من هذه الطائفة مسلمون، والذين ماتوا من هذه الطائفة مسلمون.
صحيح أنهم خارجون عن طاعة ولي الأمر، وأن ما فعلوه خطأ محض، ولا يجوز شرعا، ولكن هذا لا يخرجهم عن دائرة الإسلام، وكذلك الذين ماتوا ممن كانوا تحت طاعة ولي الأمر مسلمون، فهذا معنى قول الله ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:٦٥] الشيع: الفرق والأحزاب.
والأمة منذ مقتل عثمان ﵁ في أكثر أزمنتها وهي متفرقة أهواء وفرقا وشيعا.
واعلم أن نبينا ﷺ زويت له الأرض وقال (إن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) أي ملك فارس وملك الروم.
ثم دعا ﷺ ربه بألا يهلك أمته غرقا، فاستجاب الله جل وعلا له، فالأمة لا تخاف من موتها كلها غرقاً؛ لأن هذا أمر سأله النبي ﷺ ربه فأعطاه الله إياه.
ثم سأله ألا يسلط عليها عدوا يستبيح بيضتها، و (بيضتها) مركزها وأصلها، والعصبة الرئيسة، فاستجاب الله جل وعلا لنبيه ﷺ .
وسأله ألا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعه الله جل وعلا ذلك، وقال: (أنني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد).
فتفهم من هذا أموراً، وذلك أنه لما حصل غزو العراق من قبل أمريكا خاف الناس، وبعضهم أرجف بأن تسلط أمريكا على دولة الحرمين، وتهلك مكة والمدينة، ولا شك في أن الذين خافوا قوم غيورون يريدون الخير للأمة، ولكن من كان لديه بضاعة قوية من العلم كان يعلم أن هذا لا يمكن أن يقع قدراً ولا شرعاً؛ لأن النبي ﷺ أعطاه ربه وعداً بأنه لا يسلط عدوا على أمة الإسلام يستبيح بيضتها، ومن كان منصفا يعلم أن بيضة الإسلام اليوم هي دولة الحرمين، فهي بيضة الإسلام اليوم، ولا يمكن أن يُمكن لأمريكا ولا لغيرها أن تسلط تسلطا عسكريا على أرض الحرمين فتستبيح بيضتها وتهلك من فيها بالكلية، فهذا أمر لا يمكن أن يقع، لا على يد أمريكا ولا على يد غيرها؛ لأن هذا أمر سأله نبينا ﷺ ربه فأعطاه الله إياه.
ولكن الله منع النبي ﷺ -لأمره وقضائه وحكمته- لما سأله ألا يسلط بعضهم على بعض، فقال الله جل وعلا: (إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) وهذا أمر مشاهد، فإن الأمة تفرقت فرقا وأحزابا وشيعا منذ مقتل عثمان وحرب علي ومعاوية ﵄.
стр. 218
الملجأ من الفتن
والمفر من هذا كله أن يعتصم الإنسان بكلمة المسلمين، وأن يلزم طاعة ولي الأمر، وأن يعلم أن يد الله جل وعلا مع الجماعة، وأنه من خرج عن الإمام قيد شبر مات ميتة جاهلية، وأن النبي ﷺ أمر بالصبر، وأمر بأمور عدة تقوى بها شوكة الإسلام.
والتفاف بعض الناس على بعض وكونهم متحدين متفقين على إمام واحد، أغيض للعدو، وأعظم لإقامة شرائع الله وحدوده، والكمال عزيز، والنقص موجود، لكن لا يسدد مثل ذلك إلا بالتناصح والتشاور والسمع والطاعة في غير معصية الله ﵎.
والمقصود من هذا بيان أن الله جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بين كثيراً من الأمور التي يسترشد بها العاقل، ويستنير بها المؤمن، ويتقي بها البصير، ويعرف بها الجميع الطريق الموصل إلى الله، وهذه مزية أهل العلم على غيرهم، وهي أنهم يعلمون من كتاب الله وكلام رسوله ﷺ ما يثبت الله جل وعلا به أفئدتهم، ويهديهم به إلى صراط مستقيم.
لذلك قال الله بعد هذا كله ﴿انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥].
ولا ريب في أن الله فصل الآيات، وأبان لعباده طرائق الحق والطريق المستقيم، وأوضح ما يقرب منه، وما يدل عليه، وما يرشد في أمر الدين وأمر الدنيا، ولكن الناس يتفاوتون في مقدار العلم، وأهل العلم يتفاوتون في مقدار الأخذ بالعلم، والسمع والطاعة لله، والعمل بما يعملون، فكم من إنسان حافظ للقرآن متدبر له، ويعلم معانيه ومواطن نزوله وناسخه ومنسوخه، ولكن لا يعمل به، ومنهم من أضله الله على علم، فيقرأ ويأخذ، ولكنه لا يستفيد منه في واقع الحياة شيئا، وهذه رحمة من الله وفضل يؤتيه الله من يشاء، ومن أخلص لله النية، وصدق مع الله بلغه الله مناله، وأعطاه مراده، فنسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله.
стр. 219
سلسلة تأملات قرآنية [١٠]
في سورة الأنعام يقرر الله تعالى حقائق التوحيد بذكر قصة إمام الموحدين سيدنا إبراهيم ﵇، فقد ذكر تعالى عنه محاجته قومه في إثبات ضلال عبادتهم للأصنام والكواكب وخشيتهم منها، وإعلانه توجهه إلى الله تعالى فاطر السماوات والأرض، الأمر الذي أسبغ عليه فيه الله، فجعل النبوة في ذريته، وأفضل عليه بصلاحهم وصلاح آبائهم وذرياتهم وإخوانهم.
стр. 220
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة)
стр. 221
ذكر مكانة إبراهيم ﵇
الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين وإله الآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله آخر الأنبياء في الدنيا عصراً وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الآيات التي سنقف عندها هي قول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٤٧ - ٧٥]، إلى ما بعدها من آيات، ثم ننتقل إلى قول الله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩٣].
فنقول مستعينين بالله : إنه لما كانت سورة الأنعام تتكلم عن عن عقيدة التوحيد التي بها بعث الله الرسل ومن أجلها أنزل الكتب ذكر الله جل وعلا في هذه السورة إمام الموحدين خليل الله إبراهيم ﵊.
فإبراهيم ﵊ أبو الأنبياء وشيخ الحنفاء، نسب الله جل وعلا الملة إليه في كتابه فقال الله جل وعلا: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، وهذا النبي الكريم يذكر كثيراً الثناء والمدح عليه من الله جل وعلا، وهو أهل لكل مدح، فهو أرفع الأنبياء قدراً بعد نبينا ﷺ .
ومع اتفاق المسلمين على أن إبراهيم بعد نبينا ﵊، وعلى أن نبينا ﷺ أرفع العباد قدراً؛ مع ذلك ثبت عنه ﷺ أنه لما دخل مكة عام الفتح أمر بأن يخرج ما في الكعبة من صور، فكان مما أخرج صورة فيها إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام، فقال النبي ﷺ : (قاتلهم الله -يقصد كفار قريش- قاتلهم الله، والله لقد علموا ما استقسم شيخنا بها قط).
وموضع الشاهد أن النبي ﷺ سمى إبراهيم شيخه، ولم يسم النبي ﷺ أحداً من الأنبياء بأنه شيخه إلا إبراهيم، وهذه المسألة يجب أن تحفظ وتحرر، فهي من فرائد العلم الذي يستبينه طالب العلم لنفسه، وهي أن النبي ﷺ سمى هذا النبي الصالح شيخه، مع الاتفاق على أن النبي ﵊ أفضل من إبراهيم.
وفي ليلة المعراج لما عرج به ﷺ قابله إخوانه من النبيين، فلما مر على إبراهيم قال إبراهيم لنبينا: (السلام عليك أيها النبي الصالح والابن الصالح)؛ لأن الله جل وعلا جعل كل نبي بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم، قال العلماء: ما أنزل كتاب بعد إبراهيم من السماء على نبي من الأنبياء إلا وذلك النبي من ذرية إبراهيم، وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى.
والمقصود أن هذا هو جملة ما يمكن أن يقال عن إمام الحنفاء أبينا إبراهيم ﵇.
стр. 222
دعوة إبراهيم لأبيه آزر
يخبر الله جل وعلا هنا أن إبراهيم كان يدعو الناس جميعاً مِن أهل عصره الذين بعث فيهم وفي مقدمتهم أبوه، وهو هنا يدعو أباه، قال الله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام:٧٤]، وأهل التاريخ يقولون: إن اسم أبي إبراهيم (تارح) وليس (آزر)، وحجتهم في هذا اتفاق كثير من النسابة على أن والد إبراهيم اسمه: (تارح) وعلى أن هذا المذكور في التوراة.
ولكن هناك مثل يقول: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وقد قلنا: إن الإنسان عليه أن يستمسك بأصل، فإذا جاءت شبهات وعوارض على هذا الأصل فإنه يبقي على الأصل ويترك العوارض، فلو أجمع أهل النسب على أن اسم والد إبراهيم: (تارح) فإجماعهم مردود؛ لأن الآية لا تحتمل أكثر من النص الصريح، فالله يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام:٧٤] فالله أسماه (آزر) فلا معدل عما سماه الله جل وعلا به.
فقالوا: هذا عمه، وقالوا: هذا لقب لأبيه، وقالوا عدة أمور يخرجون بها المقصود.
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام:٧٤]، (اتخذ): فعل يتعدى إلى مفعولين: فمفعوله الأول هنا: (أصناماً)، ومفعوله الثاني: (آلهة).
ويمكن أن تقول: معنى الآية: تتخذ آلهة أصناماً.
وكلا المعنيين صحيح، لكن القرآن نزل بقوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام:٧٤].
فإبراهيم يعيب على أبيه أن يعبد الأصنام ويترك عبادة الله الواحد القهار.
وهذا الخطاب الذي قاله إبراهيم ﵊ لأبيه جاء مبيناً في سور عدة، ففي آيات أخر بين الله جل وعلا الأسلوب الدعوي الذي كان يخاطب به إبراهيم أباه، حيث يقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم:٤٧] كما جاء في سورة مريم، وهو دلالة على أن الإنسان يجب أن يعلم أننا -نحن المسلمين- ندعو إلى شيء واحد هو توحيد الله ودين الإسلام، فلا يختلف ما ندعو إليه، ولكن الذي يختلف هو طرائق الدعوة.
فالإنسان يدعو ويتغير أسلوبه بحسب حال المدعو، أما ما تدعو إليه فشيء ثابت لا يتغير، ونحن ندعو إلى الله وإلى ما أمر الله به وما أمر به رسوله ﷺ ، وهذه هي دعوة الأنبياء، ونحن متبعون.
وقد تنوعت طرائق دعوة الأنبياء، فخطاب إبراهيم لأبيه ليس كخطابه لقومه كما سيأتي.
стр. 223
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥].
إن فضل الله جل وعلا على هذا العبد الصالح لا يعد ولا يحصى، ومنه أن الله أراه ملكوت السماوات والأرض.
(ملكوت) التاء فيها زائدة للمبالغة، والمعنى: أن هناك مُلكاً وهناك ملكوتاً، فالملك: ما تشاهده بعينك، والملكوت: ما وراء ما تشاهده بعينك.
فالله جل وعلا من على إبراهيم بأن أراه ملكوت السماوات والأرض، وقد يكون ذلك برؤية بصرية تؤدي إلى يقين قلبي، وقد تكون مجرد يقين قلبي في صدر إبراهيم.
والمقصود أن الإنسان ينظر إلى ما حوله، والناظرون إلى ما حولهم ينقسمون إلى قسمين: قوم ينظرون نظر إبصار، وقوم ينظرون نظر اعتبار، ونظر الاعتبار خير من نظر الإبصار؛ لأن الإبصار يشترك فيه كل من يبصر، ولكن نظر الاعتبار يختلف عن نظر الإبصار، وليس كل من نظر نظر اعتبار يوفق إلى المقصود، فالذين ينظرون نظر اعتبار منهم مهتدون ومنهم غير مهتدين، فيوجد من النصارى من يتأملون في السماوات، ويتأملون في الأرض، ويتأملون في الناس ويكتبون ويدونون، فهم ينظرون نظر اعتبار، ولكنهم لم يحصلوا على المقصود.
فهؤلاء -وإن نظروا نظر اعتبار- لم يحصلوا على المقصود، والهداية من الله.
ونظر الاعتبار لا يتعدى كونه وسيلة من وسائل الحصول على الهداية، وإلا فالهداية من الله، فمن رام شيئاً فإنه يطلبه من ربه الله جل وعلا.
والله تعالى يقول: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، وهنا يقول الله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥].
واليقين درجة عالية من أحوال المؤمنين، ولا شك في أن إبراهيم ﵇ من أعظم الموقنين، فقوله تعالى: (وليكون من الموقنين) أصل؛ لأن الله قاله نصاً.
стр. 224
تفسير قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً)
ثم قال الله جل وعلا بعدها: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٨].
وقبل أن نشرع في التفسير نقول: لا يمكن أبداً أن يصدق قول من قال من المفسرين: إن إبراهيم قال هذا على الحقيقة، وإنه قاله في طفولته، فهذا أمر لا يمكن أن يعقل؛ لأن الله وصف إبراهيم في كتابه بأنه إمام للحنفاء، وقال عنه: إنه من الموقنين، وقد دل القرآن وتواترت السنة على أن هذا العبد الصالح من أعظم من تيقن بالله، فكيف ينسب إليه الشرك في مرحلة من مراحل عمره؟! والحق أن إبراهيم ﵊ قال هذا كله في موضع المناظرة والمحاجة مع قومه.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦]، كان كوكب الزهرة، ولم يقصد أن يقول: إنه ربه يقيناً، فيستحيل أن يطبق هذا على إبراهيم، وقد قلنا: إن من القواعد أن تأخذ الأصل، وما جاء من شبهات وعوارض تفندها بثباتك على الأصل، فالتفنيد يكون بأن نقول: إن إبراهيم قال هذا في موضع المناظرة والمحاجة مع قومه.
وقد قلنا: إن طرائق الدعوة تختلف مع الناس، فكان ثلة من قومه لا يعبدون الأصنام، بل يعبدون الكواكب، فيعبدون المشتري، والشمس، والقمر، وفريق منهم يعبدون الأصنام، فتعامل مع كل فريق بطريقة معينة، وأهل الأصنام ذهب إلى أصنامهم وهدمها، وأما الكواكب فليس له عليها حتى يهدمها، فتعامل معهم بالعقل.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦]، قوله: (جن عليه) بمعنى: غشيه، ولذلك سميت الجنة جنة، وسمي الطفل في بطن أمه جنيناً، وسميت الجن جناً؛ لأنها لا ترى بالأعين، فكل ما غاب واستتر وتغطى يدخل في مادة (جنة).
فالله يقول: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام:٧٦]، والكواكب لا ترى في النهار، فلما رأى كوكباً قال لمن حوله بأسلوب يبين لهم به أنه يريد أن يصل معهم إلى الحق: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦].
وإبراهيم قد رأى الكواكب قبل هذا اليوم، ففي كل يوم يرى الكواكب تأفل، ويرى القمر يأفل، ويرى الشمس تأفل، ولكنه الآن يتعامل مع أناس كانوا على تلك العقول.
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] يقال: إنه الزهرة.
والذي يعنينا أنه كوكب.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، يقول لهم: لا يصلح أن يكون رباً وهو يُسَيَّر ويُؤمر ويُحرك من مكان إلى مكان.
стр. 225
تفسير قوله تعالى: (فلما رأى القمر بازغا)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ [الأنعام:٧٧] في اليوم التالي، فهو يريد أن يشعرهم بأنه واحد منهم يبحث عن الحق حتى يشعروا أنه غير متسلط عليهم، قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧]، فما قال: لا أحب الآفلين.
لأن هذا جواب قد سبق، فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧] حتى يبين لهم أنه في أعظم العطش والظمأ إلى الهداية.
стр. 226
تفسير قوله تعالى: (فلما رأى الشمس بازغة)
ثم جاء اليوم الثالث، ومع الصبح ظهرت الشمس، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٨] حتى يهيئهم للجواب ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨]، ولم يقل: ابرءوا مما تشركون.
بل قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨]، أن الإنسان لا يقبل الناس منه الشيء في الغالب حتى يطبقه على نفسه.
فالناس يأخذون علم من يرونه يأخذ بالعلم، وإن كان هذا ليس فيه حجة للناس، ولكن الناس إنما يتبعون في الغالب من يرون أنه يطبق ما يدعوهم إليه، كما قال العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨].
стр. 227
تفسير قوله تعالى: (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض)
فلما برئ مما يشرك به قومه أصبح الناس ينتظرون منه ما سيعبده، فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩].
ولم يقل ﵇: وجهت وجهي لمن خلق الشمس والقمر والنجوم التي كان يحاجج بها، وإنما أدرج في ذلك كل المخلوقات؛ لأن الله رب المخلوقات جميعاً، فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩]، فهو ﵇ -إمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وإليه تنسب الملة، وكان شيخ الحنفاء لأربعة أمور: أولها: أنه جعل ماله للضيفان.
والثاني: أنه جعل بدنه للنيران.
والثالث: أنه جعل ولده للقربان.
والرابع: أنه جعل قلبه للرحمن.
стр. 228
تفسير قوله تعالى: (وحاجه قومه)
ومع ذلك كله لم يقتنع قومه، قال الله جل وعلا: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام:٨٠]، أخذوا يحاجونه فيما يقول، فرد عليهم: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام:٨٠]، أي: كيف يعقل أن أقبل أقوالكم الباطلة وآراءكم الفاسدة والله جل وعلا قد من علي بالهداية؟! والعاقل لا يترك الحق من أجل الباطل، ولا يترك الشيء البين الواضح من أجل الشيء المختلط الفاسد، فهذا لا يفعله صغار العقلاء، فما بالك بشيخ الأنبياء ﵇؟! قال الله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:٨٠].
стр. 229
توحيد الله فطرة في النفوس
وقوله: ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:٨٠] يدل على بلاغة القرآن، فحين تقول لإنسان: تذكر، فمعنى ذلك أن الشيء المطلوب كان يعرفه، وأما الأمر بتعلم شيء فمعناه معرفة شيء لم يكن يعرفه.
فتوحيد الله جل وعلا شيء مفطور في النفوس، فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:٨٠]، يعني: لو رجعتم إلى أنفسكم قليلاً لتذكرتم الشيء الذي فطره الله في قلوبكم، ولعرفتم أنه لا رب غيره ولا إله سواه.
فهذا يدل على أن عقيدة التوحيد أمر مفطور في النفوس يعرفه كل أحد إذا من الله جل وعلا عليه بالهداية.
стр. 230
تفسير قوله تعالى: (وكيف أخاف ما أشركتم)
ثم قال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١ - ٨٢].
ومجمل الآية أن إبراهيم يقول: اتبعت وعبدت من بيده الضر والنفع، وأنتم تعبدون من ليس بيده ضر ولا نفع، فمن الذي يخاف؟! وذلك أنهم لما عبد الله قالوا: نخاف عليك من آلهتنا ومن أصنامنا، ونخاف عليك من الشمس، ونخاف عليك من القمر، ونخشى عليك من النجوم.
فالله يعلمه أن يقول لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ [الأنعام:٨١]، يعني: كيف أخاف من الذين أشركتم بهم من أصنامكم وأنتم لا تخافون من الله؟! مع أن الأصل أن الذي يخشى منه هو الله؛ لأن بيده الضر والنفع، أما أصنامكم هذه فلا تضر ولا تنفع ولا تقدم ولا تؤخر، وكل من عبد من غير الله لا يقدم ولا يؤخر ولا يضر ولا ينفع، فهذه الأمور كلها بيد الله.
قال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام:٨١]، وهذا استفهام استنكاري ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١].
стр. 231
المراد بالظلم في قوله تعالى (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)
ثم جاء
الجواب
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
هذه الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة كما روى البخاري وغيره، فقالوا: يا نبي الله! وأينا لم يظلم نفسه قط؟! فقال النبي ﷺ : (ليس بالأمر الذي تعنون، إنما هوكما قال العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظي)، فيصبح معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢]، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.
стр. 232
تلازم الأمان والخوف
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
وقد جرت سنة الله في خلقه بأن من خاف الله في الدنيا أمن يوم القيامة، ومن لم يخف الله في الدنيا خاف يوم القيامة، فلا يجمع الله على عبد خوفين ولا يعطي عبداً أمنين، وإنما الأمن الموجود في الدنيا السكينة والرضا بالله، ولا يعني ذلك عدم الخوف من الله، فالله جل وعلا لما ذكر الساعة ذكر عن المؤمنين أنهم: ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى:١٨] أي: خائفون من الساعة، فالخوف لا بد منه في الحياة الدنيا.
стр. 233
تفسير قوله تعالى: (وتلك حجتنا آتينا إبراهيم)
ثم قال جل ذكره: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣].
أي: هذه الحجج التي أعطيناها إبراهيم ليرد بها على قومه فضل من الله على هذا العبد الصالح، ولذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ [الأنعام:٨٣]، فلما كانت من الله كانت فضلاً منه.
ثم قال الله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٣]، وإبراهيم من أعظم من رفعهم الله جل وعلا درجات.
стр. 234
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب)
وبعد أن من الله عليه بالعطاء من النبوة والرسالة من الله عليه بالذرية فقال الله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام:٨٤]، ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٥ - ٨٦].
إن الأنبياء المذكورين في القرآن خمسة وعشرون نبياً، فهذه الآية في الأنعام ذكر الله فيها ثمانية عشر نبياً، وبقي منهم سبعة لم يذكروا في سورة الأنعام.
وهؤلاء السبعة هم شعيب، وإدريس، وصالح، وهود، ومحمد ﷺ وآدم، ويونس، وقد نظم الجميع في بيت شعر، فقيل: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا وهؤلاء الذين ذكروا في القرآن في غير هذه الآيات، فذكر الله ذا الكفل، وذكر آدم، وذكر محمداً ﷺ ، وذكر شعيباً، وهوداً، وإدريس، وصالحاً
стр. 235
إكرام الله تعالى لإبراهيم بيعقوب نافلة
يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ [الأنعام:٨٤] أي: لإبراهيم ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنعام:٨٤]، وقد ذكر تعالى أنه وهب له يعقوب نافلة في آية أخرى، والنافلة: هي الزيادة على الأصل، وهي تختلف، فكل شيء زاد عن الأصل يسمى نافلة، فقيام الليل يسمى نافلة لأنه زيادة على الصلوات المكتوبة، ولذا قال الله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩].
والناس عندما يغزون يريدون النصر، عندما يحصل النصر وتحصل غنائم يكون الزائد هو الغنائم، فلذلك قال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١].
ففي يعقوب قال الله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء:٧٢]، فذكر الله جل وعلا أنه رزقه إسماعيل، ثم رزقه بعد إسماعيل إسحاق، ثم زيادة على الأبناء رزقه أبناء الأبناء، فسمى يعقوب نافلة؛ لأنه زيادة على الأصل وهو الولد.
стр. 236
بيان معنى قوله تعالى (ونوحاً هدينا من قبل)
يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٨٤]، أي: من قبل إبراهيم، وهذا يسمى إضافة منقطعة، و (قبل) و (بعد) إذا أضيفتا تجران، وإذا لم تضافا تبنيان على الضم، كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ [النور:٥٨] فلما أضيفت إلى صلاة كسرت، وقال: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤]، فحذف المضاف إليه فضمتا.
وهنا يقول الله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٨٤] أي: من قبل هداية إبراهيم زمنياً، وإن كان إبراهيم أفضل من نوح.
ونوح يسمى شيخ الأنبياء؛ لأنه أطولهم عمراً، وإبراهيم يسمى أبا الأنبياء؛ لأن كل الأنبياء بعده من سلالته وذريته.
стр. 237
بيان مرجع الضمير في قوله تعالى (ومن ذريته)
قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام:٨٤]، وهذا موضع إشكال؛ لأنه لا يدرى أيعود الضمير على نوح أو على إبراهيم.
فإذا قلنا: إنه يعود على نوح فذلك يؤيده أمران: الأول: أن قواعد اللغة تقول: إن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو نوح.
والأمر الثاني: أن الله قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام:٨٤ - ٨٥]، في الآية الثالثة هي ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٦]، ولوط بالاتفاق ليس من ذرية إبراهيم، بل ابن أخيه، فلوط هو ابن هاران، وهاران أخو إبراهيم، فمن حيث النسب الصريح ليس لوط ابناً لإبراهيم، وإنما هو ابن أخيه.
فقالوا: هذان دليلان على أن المقصود نوح.
والذين قالوا: إن الضمير في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ [الأنعام:٨٤]، وعائد على إبراهيم قالوا: إن الآيات في مقام الثناء على إبراهيم، وهذا واضح، فالله تكلم عن إبراهيم، وقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٨٤] جملة اعتراضية.
الأمر الثاني: قالوا: إن الله سمى في القرآن العم أبا، وذلك في سورة البقرة حيث قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣]، فأبناء يعقوب يقولون لأبيهم: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣]، فإبراهيم أبو يعقوب لأنه جده، وإسحاق أبو يعقوب مباشرة، ولكن إسماعيل ليس أباً ليعقوب، وإنما هو عم له، فقالوا: هذا من الأدلة على أن الله سمى في كتابه العم أباً ولا يوجد راجح؛ لأنه لا يوجد مرجح، فلا يكون القول راجحاً حتى يكون هناك مرجح، ولا يوجد مرجح، فهذان قولان متكافئان، فنقول: تحتمل الآية الأمرين، والله أعلم بمراده منها، تأدباً مع كتاب الله.
стр. 238
ذكر سبب تقديم داود ﵇ في الذرية
قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وهَارُون﴾ [الأنعام:٨٤]، وكلهم سبق ذكرهم، وقدم الله داود وسليمان؛ لأن الله أعطاهم الملك والنبوة.
стр. 239
ذكر خبر يحيى ﵇
ثم قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى﴾ [الأنعام:٨٥]، ويحيى ابن لزكريا، وقد مات يحيى ﵇ في حياة أبيه مقتولاً، وقد سمى الله تعالى ابن زكريا يحيى، ولم يكن أحد يسمى يحيى قبل هذا الاسم، كما قال الله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧].
فأسماه يحيى لأنه مات شهيداً، فناسب الاسم المسمى، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.
قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام:٨٥]، وما القرابة بين عيسى ويحيى هي أنهما ابنا خالة، وقد ورد حديث عنه ﷺ أنه: (ما من أحد من ولد آدم إلا وقد عصى الله طرفة عين، ليس يحيى بن زكريا)، فلم يعصي الله هذا الرجل طرفة عين، ويظهر من نصوص التواريخ أنه مات صغيراً ﵇.
стр. 240
ذكر مبعث إلياس ﵇
قال تعالى: ﴿وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام:٨٥] وإلياس ذكره لله ست مرات في القرآن، وبعثه الله جل وعلا إلى أهل بعلبك شرقي دمشق في لبنان حالياً، وقد قال الله جل وعلا في كتابه: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات:١٢٣ - ١٢٥].
стр. 241
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً)
ثم قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٦].
وقد قلنا: إن لوطاً بالاتفاق ليس ابنا لإبراهيم، ولكنه ابن لـ هاران وهاران أخ لإبراهيم، فإبراهيم عم له، والله قد سمى العم أباً في كتابه، والاحتجاج بالقرآن ليس بعده احتجاج.
ويفهم من السياق الذي سلف أن مراتب التفضيل أربع: النبوة، والصديقية، والشهادة، والصلاح، قال الله ﵎: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩].
стр. 242
ذكر نعمه على إبراهيم بالتفضل والصلاح في ذريته وآبائهم وأبنائهم وإخوانهم
قال جل وعلا: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٦]، أي: فضلناهم بالنبوة ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٨٧]، قوله تعالى: ﴿آبَائِهِمْ﴾ [الأنعام:٨٧] يعني الأصول، ثم قال: ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الأنعام:٨٧]، ولم يقدم ذكر الإخوة، بل قدم الأبناء لأنهم فروع، فما دام أنه ذكر الأصول فسيذكر الفروع، ثم قال: ﴿وَإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأنعام:٨٧]، والإخوان ليسوا أصولاً وليسوا فروعاً، وإنما حواش، فترتيب القرآن ترتيب منطقي، حيث ذكر الله أولاً الأصول، ثم ذكر الفروع، ثم ذكر الحواشي.
فالله يريد أن يقول: إن نعمة الله على إبراهيم ليست محصورة في هؤلاء الصالحين في أنفسهم، وإنما في أصولهم وفروعهم وحواشيهم.
стр. 243
الهداية بيد الله
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٨٧]، والذي اجتباهم هو الله، ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٨٧]، ولأجل ذلك قال بعدها: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨].
فكل من يلتمس شيئاً لن يلتمس شيئاً أعظم من الهداية، والهداية إنما تطلب من الله، وسيأتي بيان هذا بعد قليل، فلا شيء يطلب في الدنيا أعظم من الهداية، والهداية إنما تطلب من الله.
ولذلك قال الله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:٨٨] فنسبه وأضافه إلى نفسه، ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:٨٨].
стр. 244
حبوط الأعمال بالشرك
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:٨٨] على الفرض، وإلا فلا يعقل أنهم سيشركون ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، ونستفيد منها إجمالاً: أن الشرك يحبط كل عمل.
стр. 245
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً)
قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣].
لا شيء أعظم من أن يفتري الإنسان على الله الكذب، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام:٩٣]، أي: لا أحد أعظم جرماً ممن يفتري الكذب على الله، وليس بمعقول أن يأتي إنسان ينتسب إلى الملة ويفتري على الله الكذب، فحاشاكم من ذلك بإذن الله.
والمقصود ترك الجرأة والقول على الله بلا علم، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل:١١٦]، فهذا الذي يعنينا، ولكن الآية المخاطب بها في الأصل كفار قريش، وكانوا يكذبون على الله ويفترون على الله الكذب، وينسبون إلى الله جل وعلا ما لم يقله الله ولم ينزله على أحد.
فأخبرهم الرب جل وعلا بأن هذا ظلم شنيع، وأنه لا أحد أعظم فرية من ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩٣]، ويدخل في هذا مسيلمة ويدخل فيه الأسود العنسي.
стр. 246
ذكر خبر عبد الله بن أبي السرح
وهنا تذكر قصة، وهي قصة رجل من الذين أسلموا قديماً اسمه: عبد الله بن سعد بن أبي السرح.
وهذا الرجل أرضعته أم عثمان ﵁، فهو أخ عثمان من الرضاعة، ولما أسلم كان يحسن الكتابة، فجعله النبي ﷺ كاتباً للوحي.
فلما أنزل الله سورة المؤمنون وفيها: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٣]، كان الرسول يتلوها وهذا الرجل يكتب، حتى وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤]، قال قبل أن يملي عليه الرسول: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي ﷺ : (هكذا أنزلت علي).
فاغتر بنفسه، فترك كتابة الوحي وقال: إن كان محمد صادقاً فيما يقول فأنا يوحى إلي كما يوحى إليه، وإن كان محمد كاذباً فيما يقول فأنا أقول كما يقول.
وترك الإسلام والتحق بكفار قريش، ولذلك قال الله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩٣]، ولكن كان الله يعلم أزلاً أنه سيتوب، فلم يسمه باسمه الصريح في القرآن، فلما ذهب إلى مكة وحصل فتح مكة في العام الثامن ودخلها النبي ﷺ بقتل عبد الله بن خطل وعبد الله بن سعد وعكرمة ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، فأما عبد الله بن خطل فتعلق بأستار الكعبة فلم تنجه وقتل، ورجل آخر يقال له: ابن يسار قتل في السوق.
وأما عكرمة وعبد الله بن سعد ففرا، فذهب عثمان ﵁ إلى أخيه من الرضاعة الذي هو عبد الله وطلب منه أن يدخل معه ليؤمنه رسول الله ﷺ ، فدخل عثمان ﵁ وأرضاه بأخيه عبد الله على النبي ﷺ ورسول الله كاره لتوبته؛ لأنه قال ما قال، فطلب عثمان الأمان لـ عبد الله، فسكت ﷺ طويلاً قبل أن يعطيه الأمان رجاء أن يقوم أحد فيقتله، فلم يقم أحد، ولم يفطن الصحابة لهذا؛ ليمضي قدر الله، ثم قال ﷺ : (نعم)، فأعطى عثمان الأمان.
فلما خرج قال ﵊: (لقد أطلت الصمت رجاء أن يقوم أحدكم فيقتله)، فقال رجل من الأنصار: هلا أومأت إلي يا رسول الله؟! فقال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين)، صلوات الله وسلامه عليه.
فالله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٨]، حتى تعلم أن القلوب كلها بيد الله يفعل بها ما يشاء، فهذا الذي ارتد أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فلما كانت خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه فأصبح أميراً للمؤمنين جعل عبد الله بن سعد والياً على مصر، وهو الذي قاد معركة ذات الصواري، وهي أول معركة حربية في الإسلام، وتم كثير من فتح بلدان إفريقيا على يديه، ثم لما رجع حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، فاعتزلها ولم يبايع لـ علي ولا لـ معاوية، وسكن في الرملة المدينة المعروفة في فلسطين، ثم مكث فيها ما شاء الله إلى قبل انتهاء ولاية علي، ثم إنه ذات يوم قال: اللهم اقبضني إليك في صلاة الصبح.
فصلى بالناس صلاة الصبح فقرأ في الأولى الفاتحة والعاديات، وقرأ في الثانية، ثم سلم التسليمة الأولى، ومات قبل أن يسلم التسليمة الثانية.
فهذا كله يدل على أن القلوب بيد الله، وقد يكون الإنسان متلبساً بالمعصية، وهو يحب أن يهتدي، وأنا أرى اليوم شباباً مباركين أسأل الله أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل.
ولو استطعت أن تدخل إلى قصر أمير لاستحيا الأمير أن يردك بدون شيء، وهو بشر، فكيف وقد دخلنا أجمعين بيت أرحم الراحمين؟! ففي صلاتك هنا وفي دعائك وفي استغفارك ليكن قلبك متعلقاً بالله، فتطلب من الله الهداية، وتطلب من الله غنى النفس، وتطلب من الله الرحمة، وتطلب من الله التوفيق، وتطلب الله أن يرزقك حسن الخاتمة، وتطلب من الله أن يقيك عذاب القبر، وأن يقيك عذاب النار، وتطلب من الله دخول الجنة.
والمقصود أنه كلما آمن الإنسان بأن الهداية والرحمة والفضل والإحسان بيد الله وطلبها بقلبه قبل أن يطلبها بلسانه أعطاه الله جل وعلا إياها، ولكن لا تستعجل، وكن صادقاً مع ربك يصدقك الله ﵎.
стр. 247
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، هذا تصوير لكيفية نزع أرواح أهل الإشراك، وقبض الأرواح موكل به ملائكة، والنفس إما أن تكون مؤمنة وإما أن تكون كافرة، ولأن الكفر والإيمان لا يستويان كان من البداهة ألا يستوي قبض روح المؤمن وقبض روح الكافر، والله يصور هنا قبض أرواح الكفار.
والغمرة في اللغة: لجج الماء التي تغطي صاحبها، فالإنسان حين يضربه الموج تنقله وغمرات الماء من مكان إلى مكان يصيبه الخوف الشديد والرعب، فالله جل وعلا يقول: إن هؤلاء الكفار تتخبط روحهم في أجسادهم قبل أن تخرج، والملائكة تضربهم وتقول لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾ [الأنعام:٩٣] أي: أوجدوا لأنفسكم خلاصاً ومنجى ومخرجاً إن استطعتم.
قال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، وليس المقصود أنه ليس بعده عذاب، ولكن هذا أول مراحل العذاب.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، أي: عذاب الذلة، وعذاب الصغار.
ثم ذكر السبب فقال تعالى: ﴿عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣].
والاستكبار عن آيات الله أعظم الطرائق الموصلة إلى الضلالة، كما أن انقياد القلب للرب ﵎ واللين فيه أعظم ما يجعله سبباً في أن ينال الإنسان به رحمة الله ﵎.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى ورحمتك التي وسعت كل شيء أن تهدينا أجمعين سواء السبيل، وأن تختم لنا بخير، وأن تجعل الجنة دارنا وقرارنا؛ إنك سميع مجيب.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 248
سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الأعراف
من سور القرآن الكريم العظيمة التي جمعت عدة مواضيع مهمة: سورة الأعراف، ولقد تكلم الله فيها عن بداية خلق الإنسان، وقصة نزوله إلى الأرض، وتناسله بعد ذلك، فذكر الله فيها قصة أبي البشر آدم ﵇، وكيف استطاع الشيطان بخبثه أن يزين لهم الوقوع في المعصية، وكيف أن الله أهبطه إلى الأرض، ثم تاب عليه وهدى، ثم ذكر الله منادياً بني آدم ألا يتبعوا خطوات هذا اللعين المطرود من رحمة الله، وأن يحذروا الانجرار وراء رغباته الدنيئة، وذكرهم بما أعده للمتقين، وبما أعده للكافرين، ثم ذكر أصحاب الأعراف، وحال أهل النار وكيف أنهم يستغيثون فلا يغاثون، ويصرخون فلا يجابون.
стр. 249
بين يدي سورة الأعراف
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: فهذا هو اللقاء الأول في هذا المسجد المبارك حول تفسير كلام ربنا جل وعلا، وقبل أن نشرع فيما نود تفسيره نبين أموراً: أولاً: أن هذه التفسيرات هي أشبه بالتأملات والتعليقات على كتاب رب العالمين ﷻ ، والمقصود الأسمى منها: الناحية العلمية، وتبقى الناحية الوعظية فيها تبعاً للناحية العلمية؛ فالمخاطب بهذا الدرس طلبة العلم في المقام الأول، ولهذا فإن التفصيل في بعض القضايا أمر ملح، فليس المقصود بها الوعظ المحض، وإنما المقصود: إيجاد جيل علمي يفقه كلام الرب ﵎، ومتى وجد هذا الجيل تبوأ الصدارة في الأمة ونفع الناس؛ لأنه لا يعقل أن يتصدر إنسان لتعليم الناس وهو يجهل ما جاء في الكتاب العظيم من آيات بينات، وعظات بالغات، يهذب الله بها خلقه، ويرشد الله جل وعلا بها عباده، ولقد قال الله جل وعلا في كتابه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، قال العلماء: إن من تفسيرها: أن علم التفسير علم يعان عليه صاحبه، بل هو أجل العلوم، وقد بينا هذا كثيراً في دروس سابقة نشرت، وإنما أجدد التذكير بها، على -أننا ونحن نفسر- سنقف عند آيات معينة نختارها من السورة التي نفسرها، وربما تستغرق السورة الواحدة عدة دروس، وربما تستغرق السورة درساً واحداً بحسب ما فيها، والله جل وعلا ذكر أن كتابه (مثاني) أي: يفصل ما كان فيه إجمال، ويبين ما كان فيه مبهم، ويبسط الله جل وعلا الحديث عن موضوع، ثم يقوله باختصار في سورة أخرى وهكذا، فعلى هذا سنقف عندما نرى أن الوقوف عنده ملزم، وما كان غير مكرر في القرآن فسنقف عنده.
فمثلاً: في (سورة يوسف) لم تتكرر قصة يوسف إلا في سورة واحدة، فلا ينبغي تجاوزها بخلاف غيرها كقصة موسى مثلاً، فقد وردت في عدة سور من القرآن الكريم.
هذه مقدمة يظهر أنه من الواجب التذكير بها، أما السورة التي سنبدأ بها هذه الدروس فهي (سورة الأعراف)، ونبدأ بسورة الأعراف لأننا كنا قد انتهينا إلى سورة الأنعام، فنستهل هنا سورة الأعراف وإن كنت قد بدأت في المدينة قبل أسبوع بتفسير الجزء السابع والعشرين وأنهيناه، والآن نبدأ بسورة الأعراف في هذا المسجد المبارك ونمضي بها إلى ما شاء الله ﵎.
وقبل أن نشرع في اختيار الآيات من السورة يجب أن تعلم أنه حتى تفقه القرآن فإنه يجب عليك أن تبدأ به بنظرة كلية، ثم تصغر هذه النظرة حتى تصل إلى الزبدة التي تريدها، وسورة الأعراف من حيث الجملة سورة مكية، إلا بضع آيات منها وهي قول الله ﵎: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣]، فهذه القصة ذكر أنها نزلت في المدينة، أما السورة إجمالاً فهي سورة مكية.
والقرآن المكي له خصائص تختلف عن القرآن المدني؛ لأن القرآن المكي يهتم بقضايا ثلاث: إثبات التوحيد والربوبية والألوهية لله، وذكر صدق نبوة محمد ﷺ ، والبعث والنشور وأهوال اليوم الآخر، فهذه هي قضايا القرآن المكي على وجه الإجمال، وتندرج تحتها قضايا أخرى؛ كتذكير الله بنعمه على خلقه، وهذا يندرج في إثبات التوحيد.
أما القرآن المدني، فإن أكثره: تشريع، وأحكام، وفقهيات، كما في البقرة وآل عمران، وحديث عن السير والغزوات التي كانت في أيامه صلوات الله وسلامه عليه في المدينة.
وقد بينا في دروس سابقة أن القرآن المكي والقرآن المدني في تسميتهما هذه خلاف طويل بين العلماء، لكن أرجح الأقوال -إن شاء الله- أن المقصود بالمكي: ما نزل قبل الهجرة.
والمقصود بالمدني: ما نزل بعد الهجرة.
وعلى هذا فقد قلنا مراراً: إن قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، آية مدنية رغم أنها نزلت في جوف الكعبة، والرسول آخذ بمصراعي باب الكعبة، فخرج إلى الناس ونادى بني شيبة وأعطاهم مفتاح الكعبة تنفيذاً للآية، فالآية نزلت في مكة بل في الكعبة لكنها تسمى: آية مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة.
فسورة الأعراف من حيث الجملة سورة مكية، وهي من أطول سور القرآن المكي، وعدد آيها كما هو معلوم ٢٠٦ آيات.
هذه السورة بدأها الله جل وعلا بإثبات صدق هذا الكتاب وما فيه من خير عظيم، وختمها بقوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، فختمها بآية سجدة، وبحسب ترتيب المصحف فآية السجدة في الأعراف جاءت آخر آية في السورة، لكنها من حيث ترتيب المصحف هي أول سجدة في القرآن، وهذا يعني: أن مابين فاتحة السورة وما بين خاتمتها جملة من القضايا منها: خلق آدم ﵊ أبو البشر، وما ذكر الله جل وعلا فيها من قصته مع إبليس، ثم بعد ذلك خاطب الله جل وعلا بني آدم بصفة أن آدم أبوهم، وناداهم بأربع نداءات: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦] ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧] ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأعراف:٣٥] إلى آخر الآيات.
ثم إنه جل وعلا فصل ما أجمله في الأنعام، لكن هذا التفصيل ليس على ترتيب النزول، فأنا أتكلم على ترتيب المصحف، فعلى هذا سورة الأعراف جاء فيها ما أجمله الله في الأنعام، فقد ذكر الله في سورة الأنعام الرسل جملة فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦]، ثم جاء في الأعراف بحسب ترتيب المصحف فبدأ يفصل، فإنه لم يذكر في الأنعام قصة نوح ولا موسى ولا غيرهما، ثم بدأ يفصل في الأعراف، ففصل فيها قصة نوح، وقصة هود، وقصة صالح، وقصة لوط، وقصة شعيب، وقصة موسى، فهؤلاء ستة من الأنبياء ذكر الله جل وعلا خبرهم تفصيلاً، ثم ذكر الله جل وعلا في السورة بعضاً من آياته الدالة على عظيم خلقه، وأعاد فيها أن أحداً لا يملك نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله تأكيداً للتوحيد.
بعد هذا التصور الكامل عن السورة ننتقل إلى اختيار بعض الآيات المتعلقة بتفسيرها، وأنا قلت: إن المخاطب الأول من تدريسنا طلبة العلم، على أنه ينبغي أن نعلم أن العلم لا يظهر بجلاء إلا إذا اجتمع بعضه إلى بعض، فإذا جمعت أشتات العلم واكتمل لديك مع الإلحاح والتدوين والحفظ وسؤال الله التوفيق كان العلم لديك، تراه في أول أمره صعباً كالبحر لكنه يسير على من يسره الله جل وعلا عليه، كالبناء عندما يريد أن يبنيه صاحبه يراه متوسع الأطراف بعيداً، فلا يرى إلا حديداً وما أشبه ذلك، حتى إذا اكتمل بعضه إلى بعض قام بنياناً، كذلك العلم يعجب لمن تصدر للتدريس أن يعين من يطلب العلم على يديه في فقه العلم، وأنه يعطيه أشتات العلم حتى يجتمع عنده شيئاً فشيئاً، أعاننا الله وإياكم بتوفيق من الله وفضل، والأمر كله مبدؤه ومنتهاه وأوسطه فضل من الله ﵎ يهبه جل وعلا لمن يشاء.
стр. 250
تفسير قوله تعالى: (المص) إلى قوله: (ولنسألن المرسلين)
قال الله جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١ - ٢].
هذا أول السورة، وأنا لا أبدأ تفسيراً قبل أن أفسر أول آية في السورة نفسها وقد نتجاوز بعض الآيات، لكن أول آية في السورة لا بد من تفسيرها؛ لأنها مدخل.
(المص): هذه من الحروف المتقطعة، وقد مرت معنا في دروس سابقة، وأنا أتكلم إجمالاً باعتبار التدريس العام، فقد مر معنا أنها من الذي اختص الله جل وعلا بعلمه، هذا قول جمهور العلماء وهو الأظهر.
ثم قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢]، أي: هذا كتاب، فحذف المبتدأ لدلالة الخبر عليه على قول الكسائي ومن تبعه، والمعنى: أن هذا الكتاب المقصود به: القرآن، وقد نكرت هنا: (كتاب) لدلالة التعظيم، أي: أن هذا الكتاب أعظم من أن يعرف، فإذا عرف في آية أخرى فباعتبار علميته واشتهاره، (أنزل إليك) والمخاطب في المقام الأول هنا: النبي ﷺ .
قال: ((فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ)) فسر الحرج بأحد تفسيرين: التفسير الأول: الشك.
فيصبح معنى الآية: هذا كتاب من الله فلا يكن في قلبك شك منه، وإذا قلنا بهذا التفسير أصبح لهذه الآية لها قرائن كقوله ﵎: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤]، لكن اختار جمهور العلماء أن المراد بالحرج هنا: الضيق.
فيصبح معنى الآية: فلا يكن في صدرك ضيق منه، ولا يفهم أن النبي ﷺ جُبل على ضيق الصدر فهذا محال؛ لأن الله هيأه ﷺ لئن يختم به النبوات، ويتم به الرسالات، وليس في القرآن أصلاً ما يدعو للضيق في المؤمنين.
إذاً: ينجم الضيق من أن هذا القرآن آياته واضحة ظاهرة بينة لا تحتاج إلى دليل، ولا تحتاج إلى إثبات أنها من عند الله، فالعرب أفصح البلغاء، وأبلغ الفصحاء، ومع ذلك عجزوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فينجم الضيق من هذا، وهذا كالطالب تعلمه ولا يصيبك الضيق ولا الحرج ولا الغضب على طالب لم يفقه مسألة صعبة، وإنما يصيبك الحرج والضيق على الطالب الذي لا يفهم المسألة الواضحة، فالمسألة الواضحة البينة الظاهرة لا تحتاج إلى علم، فالضيق الذي يصيبه ﷺ من أن دلائل نبوته قاهرة ومعجزاته ظاهرة، ومع ذلك لم يؤمنوا به! فنجم عن هذا ضيق في صدره، فالله يقول له: فليكن صدرك منشرحاً بهذا القرآن؛ لأنه أجل كتاب، وأعظم منزل، به الهداية والرحمة لكل أحد أراد أن ينتفع به، وإن لم ينتفع به قومك وكذبوه وردوه عليك.
ثم ذكر العلة من إنزاله، فاللام هنا لام التعليل (لِتُنذِرَ) ولذلك جاء الفعل بعدها منصوباً (لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل الله من المنذَر بالقرآن، بل قال: (لِتُنذِرَ بِهِ) لكن لما ذكر الذكرى قال: (وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).
إذاًَ: من المنذَر بالقرآن؟ أعظم قواعد العلم أن القرآن يفسر بالقرآن، والله يقول: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧].
إذاً: المحذوف هنا هو الموجود في سورة مريم: ((وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا))، يعني: الكفار، أي لتنذر به الكافرين، والإنذار في اللغة: هو الإعلام المقرون بالتهديد، وعلى هذا تنجم قاعدة: أن كل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذار.
قال: (لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) فإن قال قائل: إن الله قال في آية أخرى: إنه ينذر بالقرآن المؤمنين، قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:١١]، فيجاب عن هذا: بأن الإنذار على قسمين: إنذار عام، وإنذار انتفاع.
فالإنذار العام ينصرف للكفار، أما إنذار الانتفاع فينصرف إلى المؤمنين.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، فأخبر الله جل وعلا أن اثنين يُسألان يوم القيامة: المرسلون والمرسل إليهم، لكن الله لم يقل هنا: ماذا يسأل هؤلاء، ولا ماذا يسأل أولئك،
و
الجواب
أن الله قال في الأول: ((فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ)) قال موضحاً: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، فيكون السؤال للأمم (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) وهذا ليس من تفسير صالح ولا زيد ولا عمرو، بل هو تفسير القرآن بالقرآن.
قال الله في القصص: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، هذا حل الإشكال الأول: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ).
والإشكال الثاني قال الله: ((وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)) ماذا يسأل المرسلون؟ قال الله في المائدة: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، فالإشكال متضمن في الإجمال الذي في سورة الأعراف، وقد فصل في موضعين: فصل في القصص، وفصل في المائدة، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن.
следующие страницы →