← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذكر خبر عبد الله بن أبي السرح وهنا تذكر قصة، وهي قصة رجل من الذين أسلموا قديماً اسمه: عبد الله بن سعد بن أبي السرح. وهذا الرجل أرضعته أم عثمان ﵁، فهو أخ عثمان من الرضاعة، ولما أسلم كان يحسن الكتابة، فجعله النبي ﷺ كاتباً للوحي. فلما أنزل الله سورة المؤمنون وفيها: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٣]، كان الرسول يتلوها وهذا الرجل يكتب، حتى وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤]، قال قبل أن يملي عليه الرسول: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي ﷺ : (هكذا أنزلت علي). فاغتر بنفسه، فترك كتابة الوحي وقال: إن كان محمد صادقاً فيما يقول فأنا يوحى إلي كما يوحى إليه، وإن كان محمد كاذباً فيما يقول فأنا أقول كما يقول. وترك الإسلام والتحق بكفار قريش، ولذلك قال الله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩٣]، ولكن كان الله يعلم أزلاً أنه سيتوب، فلم يسمه باسمه الصريح في القرآن، فلما ذهب إلى مكة وحصل فتح مكة في العام الثامن ودخلها النبي ﷺ بقتل عبد الله بن خطل وعبد الله بن سعد وعكرمة ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، فأما عبد الله بن خطل فتعلق بأستار الكعبة فلم تنجه وقتل، ورجل آخر يقال له: ابن يسار قتل في السوق. وأما عكرمة وعبد الله بن سعد ففرا، فذهب عثمان ﵁ إلى أخيه من الرضاعة الذي هو عبد الله وطلب منه أن يدخل معه ليؤمنه رسول الله ﷺ ، فدخل عثمان ﵁ وأرضاه بأخيه عبد الله على النبي ﷺ ورسول الله كاره لتوبته؛ لأنه قال ما قال، فطلب عثمان الأمان لـ عبد الله، فسكت ﷺ طويلاً قبل أن يعطيه الأمان رجاء أن يقوم أحد فيقتله، فلم يقم أحد، ولم يفطن الصحابة لهذا؛ ليمضي قدر الله، ثم قال ﷺ : (نعم)، فأعطى عثمان الأمان. فلما خرج قال ﵊: (لقد أطلت الصمت رجاء أن يقوم أحدكم فيقتله)، فقال رجل من الأنصار: هلا أومأت إلي يا رسول الله؟! فقال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين)، صلوات الله وسلامه عليه. فالله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٨]، حتى تعلم أن القلوب كلها بيد الله يفعل بها ما يشاء، فهذا الذي ارتد أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فلما كانت خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه فأصبح أميراً للمؤمنين جعل عبد الله بن سعد والياً على مصر، وهو الذي قاد معركة ذات الصواري، وهي أول معركة حربية في الإسلام، وتم كثير من فتح بلدان إفريقيا على يديه، ثم لما رجع حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، فاعتزلها ولم يبايع لـ علي ولا لـ معاوية، وسكن في الرملة المدينة المعروفة في فلسطين، ثم مكث فيها ما شاء الله إلى قبل انتهاء ولاية علي، ثم إنه ذات يوم قال: اللهم اقبضني إليك في صلاة الصبح. فصلى بالناس صلاة الصبح فقرأ في الأولى الفاتحة والعاديات، وقرأ في الثانية، ثم سلم التسليمة الأولى، ومات قبل أن يسلم التسليمة الثانية. فهذا كله يدل على أن القلوب بيد الله، وقد يكون الإنسان متلبساً بالمعصية، وهو يحب أن يهتدي، وأنا أرى اليوم شباباً مباركين أسأل الله أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل. ولو استطعت أن تدخل إلى قصر أمير لاستحيا الأمير أن يردك بدون شيء، وهو بشر، فكيف وقد دخلنا أجمعين بيت أرحم الراحمين؟! ففي صلاتك هنا وفي دعائك وفي استغفارك ليكن قلبك متعلقاً بالله، فتطلب من الله الهداية، وتطلب من الله غنى النفس، وتطلب من الله الرحمة، وتطلب من الله التوفيق، وتطلب الله أن يرزقك حسن الخاتمة، وتطلب من الله أن يقيك عذاب القبر، وأن يقيك عذاب النار، وتطلب من الله دخول الجنة. والمقصود أنه كلما آمن الإنسان بأن الهداية والرحمة والفضل والإحسان بيد الله وطلبها بقلبه قبل أن يطلبها بلسانه أعطاه الله جل وعلا إياها، ولكن لا تستعجل، وكن صادقاً مع ربك يصدقك الله ﵎.

стр. 247

تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، هذا تصوير لكيفية نزع أرواح أهل الإشراك، وقبض الأرواح موكل به ملائكة، والنفس إما أن تكون مؤمنة وإما أن تكون كافرة، ولأن الكفر والإيمان لا يستويان كان من البداهة ألا يستوي قبض روح المؤمن وقبض روح الكافر، والله يصور هنا قبض أرواح الكفار. والغمرة في اللغة: لجج الماء التي تغطي صاحبها، فالإنسان حين يضربه الموج تنقله وغمرات الماء من مكان إلى مكان يصيبه الخوف الشديد والرعب، فالله جل وعلا يقول: إن هؤلاء الكفار تتخبط روحهم في أجسادهم قبل أن تخرج، والملائكة تضربهم وتقول لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾ [الأنعام:٩٣] أي: أوجدوا لأنفسكم خلاصاً ومنجى ومخرجاً إن استطعتم. قال تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، وليس المقصود أنه ليس بعده عذاب، ولكن هذا أول مراحل العذاب. وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، أي: عذاب الذلة، وعذاب الصغار. ثم ذكر السبب فقال تعالى: ﴿عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣]. والاستكبار عن آيات الله أعظم الطرائق الموصلة إلى الضلالة، كما أن انقياد القلب للرب ﵎ واللين فيه أعظم ما يجعله سبباً في أن ينال الإنسان به رحمة الله ﵎. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى ورحمتك التي وسعت كل شيء أن تهدينا أجمعين سواء السبيل، وأن تختم لنا بخير، وأن تجعل الجنة دارنا وقرارنا؛ إنك سميع مجيب. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 248

سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الأعراف من سور القرآن الكريم العظيمة التي جمعت عدة مواضيع مهمة: سورة الأعراف، ولقد تكلم الله فيها عن بداية خلق الإنسان، وقصة نزوله إلى الأرض، وتناسله بعد ذلك، فذكر الله فيها قصة أبي البشر آدم ﵇، وكيف استطاع الشيطان بخبثه أن يزين لهم الوقوع في المعصية، وكيف أن الله أهبطه إلى الأرض، ثم تاب عليه وهدى، ثم ذكر الله منادياً بني آدم ألا يتبعوا خطوات هذا اللعين المطرود من رحمة الله، وأن يحذروا الانجرار وراء رغباته الدنيئة، وذكرهم بما أعده للمتقين، وبما أعده للكافرين، ثم ذكر أصحاب الأعراف، وحال أهل النار وكيف أنهم يستغيثون فلا يغاثون، ويصرخون فلا يجابون.

стр. 249

بين يدي سورة الأعراف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: فهذا هو اللقاء الأول في هذا المسجد المبارك حول تفسير كلام ربنا جل وعلا، وقبل أن نشرع فيما نود تفسيره نبين أموراً: أولاً: أن هذه التفسيرات هي أشبه بالتأملات والتعليقات على كتاب رب العالمين ﷻ ، والمقصود الأسمى منها: الناحية العلمية، وتبقى الناحية الوعظية فيها تبعاً للناحية العلمية؛ فالمخاطب بهذا الدرس طلبة العلم في المقام الأول، ولهذا فإن التفصيل في بعض القضايا أمر ملح، فليس المقصود بها الوعظ المحض، وإنما المقصود: إيجاد جيل علمي يفقه كلام الرب ﵎، ومتى وجد هذا الجيل تبوأ الصدارة في الأمة ونفع الناس؛ لأنه لا يعقل أن يتصدر إنسان لتعليم الناس وهو يجهل ما جاء في الكتاب العظيم من آيات بينات، وعظات بالغات، يهذب الله بها خلقه، ويرشد الله جل وعلا بها عباده، ولقد قال الله جل وعلا في كتابه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، قال العلماء: إن من تفسيرها: أن علم التفسير علم يعان عليه صاحبه، بل هو أجل العلوم، وقد بينا هذا كثيراً في دروس سابقة نشرت، وإنما أجدد التذكير بها، على -أننا ونحن نفسر- سنقف عند آيات معينة نختارها من السورة التي نفسرها، وربما تستغرق السورة الواحدة عدة دروس، وربما تستغرق السورة درساً واحداً بحسب ما فيها، والله جل وعلا ذكر أن كتابه (مثاني) أي: يفصل ما كان فيه إجمال، ويبين ما كان فيه مبهم، ويبسط الله جل وعلا الحديث عن موضوع، ثم يقوله باختصار في سورة أخرى وهكذا، فعلى هذا سنقف عندما نرى أن الوقوف عنده ملزم، وما كان غير مكرر في القرآن فسنقف عنده. فمثلاً: في (سورة يوسف) لم تتكرر قصة يوسف إلا في سورة واحدة، فلا ينبغي تجاوزها بخلاف غيرها كقصة موسى مثلاً، فقد وردت في عدة سور من القرآن الكريم. هذه مقدمة يظهر أنه من الواجب التذكير بها، أما السورة التي سنبدأ بها هذه الدروس فهي (سورة الأعراف)، ونبدأ بسورة الأعراف لأننا كنا قد انتهينا إلى سورة الأنعام، فنستهل هنا سورة الأعراف وإن كنت قد بدأت في المدينة قبل أسبوع بتفسير الجزء السابع والعشرين وأنهيناه، والآن نبدأ بسورة الأعراف في هذا المسجد المبارك ونمضي بها إلى ما شاء الله ﵎. وقبل أن نشرع في اختيار الآيات من السورة يجب أن تعلم أنه حتى تفقه القرآن فإنه يجب عليك أن تبدأ به بنظرة كلية، ثم تصغر هذه النظرة حتى تصل إلى الزبدة التي تريدها، وسورة الأعراف من حيث الجملة سورة مكية، إلا بضع آيات منها وهي قول الله ﵎: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣]، فهذه القصة ذكر أنها نزلت في المدينة، أما السورة إجمالاً فهي سورة مكية. والقرآن المكي له خصائص تختلف عن القرآن المدني؛ لأن القرآن المكي يهتم بقضايا ثلاث: إثبات التوحيد والربوبية والألوهية لله، وذكر صدق نبوة محمد ﷺ ، والبعث والنشور وأهوال اليوم الآخر، فهذه هي قضايا القرآن المكي على وجه الإجمال، وتندرج تحتها قضايا أخرى؛ كتذكير الله بنعمه على خلقه، وهذا يندرج في إثبات التوحيد. أما القرآن المدني، فإن أكثره: تشريع، وأحكام، وفقهيات، كما في البقرة وآل عمران، وحديث عن السير والغزوات التي كانت في أيامه صلوات الله وسلامه عليه في المدينة. وقد بينا في دروس سابقة أن القرآن المكي والقرآن المدني في تسميتهما هذه خلاف طويل بين العلماء، لكن أرجح الأقوال -إن شاء الله- أن المقصود بالمكي: ما نزل قبل الهجرة. والمقصود بالمدني: ما نزل بعد الهجرة. وعلى هذا فقد قلنا مراراً: إن قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، آية مدنية رغم أنها نزلت في جوف الكعبة، والرسول آخذ بمصراعي باب الكعبة، فخرج إلى الناس ونادى بني شيبة وأعطاهم مفتاح الكعبة تنفيذاً للآية، فالآية نزلت في مكة بل في الكعبة لكنها تسمى: آية مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة. فسورة الأعراف من حيث الجملة سورة مكية، وهي من أطول سور القرآن المكي، وعدد آيها كما هو معلوم ٢٠٦ آيات. هذه السورة بدأها الله جل وعلا بإثبات صدق هذا الكتاب وما فيه من خير عظيم، وختمها بقوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، فختمها بآية سجدة، وبحسب ترتيب المصحف فآية السجدة في الأعراف جاءت آخر آية في السورة، لكنها من حيث ترتيب المصحف هي أول سجدة في القرآن، وهذا يعني: أن مابين فاتحة السورة وما بين خاتمتها جملة من القضايا منها: خلق آدم ﵊ أبو البشر، وما ذكر الله جل وعلا فيها من قصته مع إبليس، ثم بعد ذلك خاطب الله جل وعلا بني آدم بصفة أن آدم أبوهم، وناداهم بأربع نداءات: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦] ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧] ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأعراف:٣٥] إلى آخر الآيات. ثم إنه جل وعلا فصل ما أجمله في الأنعام، لكن هذا التفصيل ليس على ترتيب النزول، فأنا أتكلم على ترتيب المصحف، فعلى هذا سورة الأعراف جاء فيها ما أجمله الله في الأنعام، فقد ذكر الله في سورة الأنعام الرسل جملة فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦]، ثم جاء في الأعراف بحسب ترتيب المصحف فبدأ يفصل، فإنه لم يذكر في الأنعام قصة نوح ولا موسى ولا غيرهما، ثم بدأ يفصل في الأعراف، ففصل فيها قصة نوح، وقصة هود، وقصة صالح، وقصة لوط، وقصة شعيب، وقصة موسى، فهؤلاء ستة من الأنبياء ذكر الله جل وعلا خبرهم تفصيلاً، ثم ذكر الله جل وعلا في السورة بعضاً من آياته الدالة على عظيم خلقه، وأعاد فيها أن أحداً لا يملك نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله تأكيداً للتوحيد. بعد هذا التصور الكامل عن السورة ننتقل إلى اختيار بعض الآيات المتعلقة بتفسيرها، وأنا قلت: إن المخاطب الأول من تدريسنا طلبة العلم، على أنه ينبغي أن نعلم أن العلم لا يظهر بجلاء إلا إذا اجتمع بعضه إلى بعض، فإذا جمعت أشتات العلم واكتمل لديك مع الإلحاح والتدوين والحفظ وسؤال الله التوفيق كان العلم لديك، تراه في أول أمره صعباً كالبحر لكنه يسير على من يسره الله جل وعلا عليه، كالبناء عندما يريد أن يبنيه صاحبه يراه متوسع الأطراف بعيداً، فلا يرى إلا حديداً وما أشبه ذلك، حتى إذا اكتمل بعضه إلى بعض قام بنياناً، كذلك العلم يعجب لمن تصدر للتدريس أن يعين من يطلب العلم على يديه في فقه العلم، وأنه يعطيه أشتات العلم حتى يجتمع عنده شيئاً فشيئاً، أعاننا الله وإياكم بتوفيق من الله وفضل، والأمر كله مبدؤه ومنتهاه وأوسطه فضل من الله ﵎ يهبه جل وعلا لمن يشاء.

стр. 250

تفسير قوله تعالى: (المص) إلى قوله: (ولنسألن المرسلين) قال الله جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١ - ٢]. هذا أول السورة، وأنا لا أبدأ تفسيراً قبل أن أفسر أول آية في السورة نفسها وقد نتجاوز بعض الآيات، لكن أول آية في السورة لا بد من تفسيرها؛ لأنها مدخل. (المص): هذه من الحروف المتقطعة، وقد مرت معنا في دروس سابقة، وأنا أتكلم إجمالاً باعتبار التدريس العام، فقد مر معنا أنها من الذي اختص الله جل وعلا بعلمه، هذا قول جمهور العلماء وهو الأظهر. ثم قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢]، أي: هذا كتاب، فحذف المبتدأ لدلالة الخبر عليه على قول الكسائي ومن تبعه، والمعنى: أن هذا الكتاب المقصود به: القرآن، وقد نكرت هنا: (كتاب) لدلالة التعظيم، أي: أن هذا الكتاب أعظم من أن يعرف، فإذا عرف في آية أخرى فباعتبار علميته واشتهاره، (أنزل إليك) والمخاطب في المقام الأول هنا: النبي ﷺ . قال: ((فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ)) فسر الحرج بأحد تفسيرين: التفسير الأول: الشك. فيصبح معنى الآية: هذا كتاب من الله فلا يكن في قلبك شك منه، وإذا قلنا بهذا التفسير أصبح لهذه الآية لها قرائن كقوله ﵎: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤]، لكن اختار جمهور العلماء أن المراد بالحرج هنا: الضيق. فيصبح معنى الآية: فلا يكن في صدرك ضيق منه، ولا يفهم أن النبي ﷺ جُبل على ضيق الصدر فهذا محال؛ لأن الله هيأه ﷺ لئن يختم به النبوات، ويتم به الرسالات، وليس في القرآن أصلاً ما يدعو للضيق في المؤمنين. إذاً: ينجم الضيق من أن هذا القرآن آياته واضحة ظاهرة بينة لا تحتاج إلى دليل، ولا تحتاج إلى إثبات أنها من عند الله، فالعرب أفصح البلغاء، وأبلغ الفصحاء، ومع ذلك عجزوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فينجم الضيق من هذا، وهذا كالطالب تعلمه ولا يصيبك الضيق ولا الحرج ولا الغضب على طالب لم يفقه مسألة صعبة، وإنما يصيبك الحرج والضيق على الطالب الذي لا يفهم المسألة الواضحة، فالمسألة الواضحة البينة الظاهرة لا تحتاج إلى علم، فالضيق الذي يصيبه ﷺ من أن دلائل نبوته قاهرة ومعجزاته ظاهرة، ومع ذلك لم يؤمنوا به! فنجم عن هذا ضيق في صدره، فالله يقول له: فليكن صدرك منشرحاً بهذا القرآن؛ لأنه أجل كتاب، وأعظم منزل، به الهداية والرحمة لكل أحد أراد أن ينتفع به، وإن لم ينتفع به قومك وكذبوه وردوه عليك. ثم ذكر العلة من إنزاله، فاللام هنا لام التعليل (لِتُنذِرَ) ولذلك جاء الفعل بعدها منصوباً (لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل الله من المنذَر بالقرآن، بل قال: (لِتُنذِرَ بِهِ) لكن لما ذكر الذكرى قال: (وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ). إذاًَ: من المنذَر بالقرآن؟ أعظم قواعد العلم أن القرآن يفسر بالقرآن، والله يقول: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]. إذاً: المحذوف هنا هو الموجود في سورة مريم: ((وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا))، يعني: الكفار، أي لتنذر به الكافرين، والإنذار في اللغة: هو الإعلام المقرون بالتهديد، وعلى هذا تنجم قاعدة: أن كل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذار. قال: (لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) فإن قال قائل: إن الله قال في آية أخرى: إنه ينذر بالقرآن المؤمنين، قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:١١]، فيجاب عن هذا: بأن الإنذار على قسمين: إنذار عام، وإنذار انتفاع. فالإنذار العام ينصرف للكفار، أما إنذار الانتفاع فينصرف إلى المؤمنين. ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، فأخبر الله جل وعلا أن اثنين يُسألان يوم القيامة: المرسلون والمرسل إليهم، لكن الله لم يقل هنا: ماذا يسأل هؤلاء، ولا ماذا يسأل أولئك، و الجواب أن الله قال في الأول: ((فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ)) قال موضحاً: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، فيكون السؤال للأمم (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) وهذا ليس من تفسير صالح ولا زيد ولا عمرو، بل هو تفسير القرآن بالقرآن. قال الله في القصص: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، هذا حل الإشكال الأول: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ). والإشكال الثاني قال الله: ((وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)) ماذا يسأل المرسلون؟ قال الله في المائدة: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، فالإشكال متضمن في الإجمال الذي في سورة الأعراف، وقد فصل في موضعين: فصل في القصص، وفصل في المائدة، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن.

стр. 251

تفسير قوله تعالى: (والوزن يومئذٍ الحق) ثم قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف:٨ - ٩]، الله جل وعلا حكم عدل، ويوم القيامة يحشر الناس على أرض بيضاء نقية لم يعص الله جل وعلا فيها قط، وليس في تلك الأرض معلم لأحد، الآن أنت تتفق مع زميلك مع جارك مع أخيك على أن تلتقي به في مكان ما فتجعل له أمارة، مستشفى، إشارة، علامة، دار، مبنى، محل تجاري، فتذهب إليه، فهذا هو المكان المعلم، وهو سبب التقائكما، لكن يوم القيامة يحشر الناس على أرض بيضاء نقية ليس فيها معلم لأحد، ليس فيها شيء بارز يجتمع عنده الناس، والناس يحشرون حفاةً عراةً غرلاً بهماً ليس معهم شيء، فإذا كنت في الدنيا مالكاً لشيء صوري تملكه بيديك، كثيابك ودابتك، فيوم القيامة يخرج الناس لا يعلمون شيئاً، يقول الله في القرآن: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤]، وقال في سورة أخرى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧]، ولا يستقيم الجراد مع الفراش؛ لأن الجراد منتظم، والفراش يموج بعضه في بعض، فالجمع بينهما: أن الناس عندما يخرجون يخرجون أول الأمر كالفراش لا يعرفون أين يذهبون! فإذا تقدمهم إسرافيل وهو الداعي، قال الله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ [طه:١٠٨]، انتظموا خلف إسرافيل، فانتقلوا من حالة الفراش إلى حالة الجراد، هذا كله يكون يوم القيامة، قال عمر بن الخطاب ﵁ لـ ابن عباس: (مع أنني على ما قلت عني لو أن لي ملء الأرض ذهباً لافتديت به من هول المطلع)، ومما يكون في يوم القيامة: الميزان، وأهل السنة يقولون -سلك الله بنا وبكم سبيلهم-: إنه ميزان حقيقي له كفتان وله لسان، والله جل وعلا يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ويقول هنا: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:٨]، والمقصود بكلمة الحق: أنه لا جور فيه ولا ظلم ولا بخس ولا رهق، فهو ميزان حق، ويكفي أن الله جل وعلا قائم عليه، فهو ﵎ أعدل الحاكمين وأحكم العادلين. وعلى هذا اختلف العلماء في الذي يوزن، مع اتفاقهم جملة على أنه يوجد ميزان له كفتان، لكن اختلفوا في الذي يوزن على أقوال أشهرها: القول الأول: أن الذي يوزن: العمل نفسه، والذين قالوا بهذا القول احتجوا بقوله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان)، فموضع الشاهد: أنه قال: أن (الحمد لله) تملأ الميزان، وقال ﷺ : (اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان أو غمامتان أو فرقان من طير صواف تحاج عن أصحابها) فهذا من أدلة من قال: إن الذي يوزن هو العمل. وقال آخرون: إنما الذي يوزن: صحائف العمل، وهؤلاء احتجوا بقوله ﷺ كما عند الترمذي بسند صحيح: (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق ينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر فيقول له ربه: أتنكر مما رأيت شيئاً؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله جل وعلا له: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله: إن لك عندنا بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول: يا رب! وما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، قال ﷺ : فطاشت السجلات، ورجحت البطاقة) وفي زيادة عند الترمذي: (ولا يثقل مع اسم الله شيء). فهذه أدلة من قال: إن الذي يوزن: صحائف العمل. القول الثالث: إنه يوزن صاحب العمل، وهؤلاء احتجوا بقوله ﷺ كما في الصحيحين: (يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة -المقصود: الكافر- فلا يزن عند الله جناح بعوضة، ثم قرأ ﵊ ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]). هذه أحد أدلة من قال: إن الذي يوزن: صاحب العمل، واحتجوا كذلك بأن النبي ﷺ لما ضحك الصحابة من رجل عبد الله بن مسعود قال ﷺ : (أتعجبون من دقة ساقيه، فلهما أثقل في الميزان من جبل أحد) أي: رجلا عبد الله بن مسعود أثقل في الميزان من جبل أحد. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى جمعاً بين الأدلة: ولا يبعد أن يوزن هذا تارة وهذا تارة وهذا تارة، والأظهر -والله تعالى أعلم- أنه يوزن العمل وصاحبه وصحائف الأعمال جمعاً بين الأحاديث، وجمعاً بين الآثار، وهذا هو الذي تستقيم به الآيات والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]، والذي يعنينا هنا كخطاب قرآني: أن يعنى الإنسان بأعماله الصالحة، وأن يسعى فيما يثقل به الميزان، ومن أعظم ما يثقل به الميزان: حسن الخلق الذي تتعامل به مع الناس، قال ﵊: (الدين المعاملة)، ولم يكن صلوات الله وسلامه عليه فظاً ولا غليظاً في خطابه، فليس الدين مجرد ركعات تؤدى في المساجد، وإن كانت الصلاة في الذروة الأعلى من الدين، ولكن الدين جملة معاملة، مع إخوانك المؤمنين، مع والديك، مع أبنائك، مع زوجاتك، مع جيرانك، مع عامة المسلمين، تحب لهم ما تحب لنفسك، تؤثرهم على نفسك، تقبل اعتذارهم، وتقيل عثراتهم، وتقدم الصورة المثلى لما أمر الله به في كتابه، وما أمر به رسوله ﷺ ، كما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: (كان خلقه القرآن)، أي: أنه يطبق القرآن صلوات الله وسلامه عليه، ومن الخطأ العظيم الذي نقع فيه أن نعتقد أن اتصالنا بالدين وقف على أشهر معينة كرمضان، أو أماكن معينة كالمساجد، وإنما يعبد الله جل وعلا بكل لسان وفي كل مكان، وأخوة الإسلام تفرض علينا مطالب شتى في تعاملنا نكون بها -إن شاء الله- عباداً لله إخوانا، كما أمر نبينا ﷺ .

стр. 252

ذكر بعض من قصة خلق آدم وغواية إبليس له ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١١]، خلق الله جل وعلا أبانا آدم من قبضة قبضت من الأرض، وورد أن الله بعث ملكاً يقبض هذه القبضة، فلما جاء الملك ليقبضها قالت له الأرض: أعوذ بالله منك، فرجع الملك إلى ربه، فقال له ربه: ما صنعت؟ وهو أعلم، قال يا رب! استجارت بك فأجرتها، فبعث الله ملكاً آخر وهو أعلم، فلما جاء ليقبض قبضة من الأرض قالت الأرض: أعوذ بالله منك، فرجع إلى ربه فسأله ربه كما سأل الأول فأجاب كما أجاب الأول، فبعث الله ملكاً آخر وهذا الفرق في العلم، فلما جاء ليقبض من الأرض قبضة قالت له الأرض: أعوذ بالله منك، كما قالت لأخويه، فقال لها الملك: وأنا أعوذ بالله ألا أنفذ أمره؛ لأن الله أمرني أن أقبض قبضة، فقبض قبضة من الأرض مجتمعة مختلطة؛ فلذلك تفاوتت طبائع الناس، فحملها إلى الله ﵎، ومن هذه القبضة الترابية خلق أبونا آدم، لكن هذه القبضة الترابية مزجت مع ماء فأصبحت طيناً، ثم تركت مدة فأصبحت كالصلصال الفخار، وكلها ذكرها الله جل وعلا في القرآن قال: ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام:٢] وقال: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن:١٤]، فذكر الله في القرآن المراحل الثلاثة التي مر بها خلق أبينا آدم، ثم أكرم الله جل وعلا آدم بأن نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، كما هو نص القرآن، وقد بينا هذا مفصلاً في موضعه.

стр. 253

نداءات الله ﵎ لبني آدم ورحمته بهم ونصحه لهم ثم قال الله جل وعلا هنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف:١١]، لكن الله لم يقل في الأعراف هل صور آدم على هيئة حسنة أم على هيئة غير حسنة؟ لكن الله أثبت حسن خلق آدم في التين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، ولهذا قال بعض الفقهاء: لو أن رجلاً قال لامرأته: أنت طالق إن لم يكن وجهك أحسن من القمر، فإنها لا تطلق، ولو كانت من أقبح الناس وجهاً؛ لأن الله يقول: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ))، ثم وقع من أبينا آدم المعصية بالأكل من الشجرة، وأهبط إلى الأرض، فلما أهبط إلى الأرض جاءت النداءات الربانية الإلهية لبني آدم، فناداهم الله في الأعراف بأربع نداءات: - قال في الأولى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]، هذه الآية مسوقة في سياق الامتنان، واللباس: هو اللباس الضروري الذي تستر به العورة. والريش: هو اللباس الزائد عن الضروري الذي يتجمل به الإنسان. قال تعالى: ((قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ)) أي: عوراتكم، وسميت العورة سوءة؛ لأن العاقل يسوؤه أن تظهر عورته للناس، فالله يقول في باب الامتنان على عباده: ((يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا)) لباساً ضرورياً، ولباساً زائداً تتزينون به، فلما ذكر الله اللباس الحسي ذكر اللباس المعنوي فقال جل وعلا: ((وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ)) أي: خير من كل شيء، خير من كل لباس، ولباس التقوى: أن يكون الإنسان مكتسياً بتقوى الرب ﵎ في قلبه، يخشى الله ﵎ ويخافه، ويجتنب نواهيه ويأتي أوامره، فهذا هو المؤمن حقاً الذي ارتدى خير لباس: ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رديت برداً إن الجمال معادن ومناقب أورثن حمداً فاللباس الحسي يبلى ويبيد ولا ينفعك في الآخرة، بل تستر به عورتك في الدنيا فقط، أما لباس التقوى فهو الذي عليه معيار العقاب والحساب والثواب يوم القيامة. ثم قال الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، (يَا بَنِي آدَمَ) هذا خطاب، ويسمى: نداء علامة، فمتى يسمى النداء نداء كرامة؟ إذا قال الله في القرآن ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ)) هذا نداء كرامة، وإذا قال ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) أو ((يَا بَنِي آدَمَ)) فهذا نداء علامة، لأنه يشترك فيه المؤمن والكافر، وإنما علموا بنسبتهم إلى أبيهم. قال: ((يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ)) وهو العدو الأول، ((كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ)) الأبوان هنا: آدم وحواء، وإنما سميا أبوان رغم أن حواء امرأة من باب التغليب، وقد قلنا في دروس عدة مكررة: إن العرب إذا تكلمت عن اثنين وأرادت أن تثني فإنها تغلب، لكن معيار التغليب يختلف من مثنى إلى مثنى، فقالوا في الأبوين: الأبوان، فغلبوا الرجل على المرأة؛ لأن الرجل أفضل من المرأة عموماً، وقالوا في المدينة ومكة: المكتان؛ لأن مكة عند الجمهور أفضل من المدينة، وقالوا في الحسن والحسين: الحسنان؛ لأن الحسن أكبر، وقالوا في الشمس والقمر: القمران؛ لأن القمر مذكر والشمس مؤنث: وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال فلو كان النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال فهنا قول الله جل وعلا: ((لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا)) لما ذاقا من الشجرة بدت السوءتان لآدم وحواء، فعلما أنهما وقعا في أمر عظيم. ومن هنا تعلم أن هذا القرآن أنزله الله هداية للناس، فأول طريق للمعاصي هو نزع الحياء من قلب المؤمن، فأول ما أراده إبليس حتى يغوي آدم وزوجته وذريته أن لجأ إلى أول قضية وهي أن يريهما عوراتهما، فإذا كشفت السوءتان في مكان ظاهر، واستمرأ النظر إليها فإن النفس والعياذ بالله يهين عليها ما ترى، فتستمرئ كل الفواحش وتنساق بعد ذلك إلى المعاصي من غير أن تعلم، ولهذا تعلم أن ما صنعه الشيطان قديماً يصنعه شياطين الإنس حديثاً، فأكثر ما يسعى إليه القائمون على القنوات الفاجرة أن يبثوا أشياء تكشف من خلالها العورات حتى تعتاد الأسرة المسلمة أباً وأماً وأحفاداً وأبناءً على النظر إلى تلك العورات، وأن يصبح أمراً بدهياً مستساغاً لدى الأسرة ككل أن تنظر إلى الفواحش والإغراءات وما يكون من اتصالات محرمة وكشف للعورات، إما عن طريق رقص أو غناء أو تمثيل أو غير ذلك، فتصبح الأسرة -والعياذ بالله- بعد ذلك هينة عليها المعاصي، سهلة على الجميع، ويصبح أمر الله جل وعلا عياذاً بالله هيناً على تلك القلوب، فمن أراد الله جل وعلا أن يعصمه أول ما يعظم فيه يعظم فيه مسألة الحياء في قلبه، والإنسان إذا جبل على الحياء يقول ﵊: (الحياء لا يأتي إلا بخير) وقد ترى أنت بعض الناس على مسألة تستغرب كيف يصنعونها، والفرق بينك وبينه ليس العلم، فهو يعلم وأنت تعلم، لكن الفرق بينك وبينه أن مسألة الحياء شجرة نابتة في قلبك، والحياء في قلبه غير موجود، فلما ذهب الحياء من قلبه سهل عليه أن يأتي المعاصي، قال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين! يبيت أحدهم يستره ربه -أي: على معصية- فإذا أصبح قال: يا فلان! أما علمت أن البارحة فعلت كذا وكذا وكذا!) يقول ﷺ : (يمسي يستره الله ويصبح يكشف ستر الله عنه) نعوذ بالله من فجأة نقمته، وزوال نعمته. والذي يصل إلى هذه المرحلة طبع على قلبه تماماً، كمن يذهب إلى حانات الغرب وبارات الشرق فيقع في المعاصي والفجور، وبنات الزنا وأشباه ذلك، ثم والعياذ بالله -مع أن الله قد ستر عليه- يصور نفسه ثم يأتي بتلك الصور ويجمع أقرانه وخلطاءه وأمثاله ليعرض عليهم تلك الصور ويريهم إياها، وهذا قد يصل إلى حد الكفر؛ لأنه في الغالب لا يصنع امرؤ مثل هذا إلا وهو يستحل ما حرم الله، وإن كنا لا نكفر أحداً بعينه لكن نقول: إن هذا من أعظم الدلائل على ذهاب الخشية من القلب، واستيلاء الشيطان على تلك القلوب، يقول ﷺ : (من ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله عليه)، والمؤمن يسأل الله دائما الستر والعافية ومحو الذنوب في الدنيا والآخرة، لكن المقصود من الآية: أن نبين أن من أعظم طرائق إبليس لإغواء الناس: أن ينزع عنهم لباسهما كما قال الله: ((لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ))، فالله كتب أن الإنس لا ترى الجن، والجن ترى الإنس، وقد قلنا في دروس سابقة: إن العرب تسمي الجن خمسة أسماء أو ستة، وأنا مضطر للكلام العلمي؛ فبعضهم يسمون الجني العادي: جني، فإذا كان ممن يسكن البيوت سموه: عُمَّاراً، وإذا كان ممن يتعرض للصبيان سموه: أرواحاً، فإذا كان فيه شيء من التمرد سموه شيطاناً، فإذا ازداد تمرده سموه: عفريتاً، وقد ذكر هذا الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى. قال: ((إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ))، يستنبط من هذه الآية: أن عقد الولاية ما بين الإنس والجن قائم على عدم الإيمان؛ لأن الله قال: ((أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)) فعدم الإيمان بالله عقد ما بين الإنسي والشيطان.

стр. 254

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) ثم قال ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف:٣٥ - ٣٦]. حتى قال الله جل وعلا بعد ذلك بآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠]، ((كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)) أي: لم يصدقوا الرسل. ((وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا)) أي: لم ينقادوا لها. قال: ((لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ))، الإنسان تخرج روحه من جسده بعد أن تكون هذه الروح قد ألفت الجسد، فإذا خرجت كانت روحاً مؤمنة تفتح لها أبواب السماء، وإن كانت روحاً كافرة أو منافقة أغلقت في وجهها أبواب السماء عياذاً بالله. فالله يقول هنا: ((لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ)) هذا الجزاء الأول قبل البعث. ثم قال: ((وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)) يعني: بعد البعث، وهذه الآية نص على أن الكافر لا يدخل الجنة. قال: ((حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)) الجمل: الحيوان المعروف، وسم الخياط: الخرم الذي في الإبرة، فالخرم الذي في الإبرة من أضيق الأشياء، والجمل من أعظم المخلوقات جسماً، والمقصود من الآية: تعليق على الاستحالة: فكما أنه محال أن يدخل الجمل بهذه الخلقة العظيمة في سم الخياط، فمحال أن يدخل الكافر الجنة، ولن يلج الجمل في سم الخياط. قال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١]، لما ذكر الله حال أهل الكفر ذكر حال أهل الإيمان، والأصل في القرآن: أنه يبدأ بالكفار ويختم بالمؤمنين. قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف:٤٢]، جعلنا الله وإياكم منهم. ذكر الله جل وعلا هنا: ((لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)) وقد استنبط العلماء من هذه الآية وأمثالها قاعدة فقهية تقول: لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. فمثلاً: الله جل وعلا جعل من واجبات الوضوء: غسل اليدين إلى المرفقين، فلو أن أحد الناس قطعت يده فهذا ليس عنده يد، فماذا نصنع بواجب الوضوء؟ يسقط عنه للعجز، فلا توجد يد أصلاً، وقد يكون العجز أقل من ذلك، والإنسان يجب عليه أولاً: أن يتوضأ بالماء، فإذا عجز عن الوصول للماء أو أضره الماء رغم وجوده سقط عنه الواجب، وانتقل إلى مسألة أخرى وهي التيمم، حتى قد يصل أحياناً أنه يصلي بدون وضوء وبدون تيمم إذا كان عاجزاً، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة، وهذا معنى قول الله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف:٤٢].

стр. 255

تفسير قوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين) ثم قال سبحانه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]. الناس يبقون بشراً مهما بلغوا في الارتفاع في الطاعات، والنبي ﷺ في الذروة من البشر، وهو يقول ﵊: (أنا أغضب كما تغضبون)، ولما قيل له إن إحدى أمهات المؤمنين حاضت في الحج غضب وقال: (حلقاء عقراء) تغير كلامه ﷺ ، وأبو بكر نقل عنه أنه يغضب، وعمر كذلك، فالإنسان مهما بلغ يبقى بشراً؛ إلا أن نبينا ﷺ معصوم، وغيره من الناس غير معصوم، وعلى هذا أحياناً يبقى في الصدر شيء ولو كان خفيفاً، فالله من إكرامه لأهل الجنة أنهم يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، لينزع هذا الغل الباقي في القلوب قبل أن يدخلوا الجنة، قال ﷺ : (يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فتقتص بينهم المظالم التي كانت بينهم في الدنيا). وقد حصل بين علي ﵁ أمير المؤمنين وبين الزبير بن العوام شيء من سوء التفاهم، فكادا يقتتلان في المعركة، فذكر علي الزبير بقول للنبي ﷺ ، فترك الزبير أرض المعركة قناعة منه بقول رسول ﷺ ، فتبعه رجل يقال له: ابن جرموز فقتله، وممن نازع علياً طلحة بن عبيد الله، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد أحنى ظهره يوم أحد حتى يرقى النبي ﵊ على ظهره، فقال ﵊: (أوجب طلحة) يعني: وجبت له الجنة، ومع ذلك كان هناك سوء تفاهم بسيط بين طلحة والزبير وعلي، كل منهم يرى أن الصواب معه، وكلهم في المحل الأعلى من الصحابة، قال علي ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الأعراف:٤٣]، فالكمال عزيز، والصحابة ﵃ أصحاب نبينا ﷺ ، والله رضي عنهم وشهد برضاه عنهم في كتابه، ولا ينبغي لعاقل أن يخوض فيما كان بينهم، فكلهم مجتهد ﵃ وأرضاهم، نسأل الله أن يرزقنا جوارهم مع نبينا ﷺ في جنات النعيم. قال تعالى: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ))، هذا الكلام يقوله أهل الجنة اعترافاً منهم بأن الهداية من الله -جعلني الله وإياكم برحمته ممن يقولها في الجنة-، وهذا يؤكد على أمر عظيم وهو أنه ينبغي لمن يطلب الهداية أن يطلبها من الله، ولذلك كان من دعائه ﷺ : (اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك)، ولا يشمت الإنسان بأحد خوفاً من أن ينتكس كما انتكس غيره، وإنما المؤمن يسأل الله السلامة ولا يشمت بأحد، ويسأل الله غفران الذنوب، وستر العيوب، ورحمته حتى نلقاه. قال: ((وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ)) أي: هؤلاء المؤمنون: ((أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ))، توجد باء تختص بالعوض، وباء تختص بالسبب، مثلاً: لو ذهبت إلى المتجر وسألت صاحب المتجر: بكم هذا القلم؟ فقال لك: بريال؛ فأعطيته ريالاً، فأعطاك القلم، فهذا الريال عوض عن القلم بمعنى: مكافئ له، ولو كان هذا القلم أحسن الأنواع لكان بعشرة مثلاً، فهذه باء عوض، يسألك إنسان: بكم اشتريت هذا القلم؟ فتقول له: بريال هذه الباء باء العوض. وهناك باء اسمها: باء السبب، مثلاً: تأتي لصاحب متجر فيسألك: من أين أنت؟ فتقول له مثلاً: من جدة، ويكون هو قد سكن جدة قديماً فتسأله: من أي حي؟ يقول: من النزلة مثلاً، ويكون هو ساكن النزلة قديماً، فتطلب ماء؟ فيقول: خذ هذا الماء؛ لأننا أنا وأنت كنا نسكن في حي واحد، فسكنك الحي الذي سكن فيه صاحب المتجر سبب في الحصول على الماء. مثال آخر: تعفو عن إنسان؛ لأنه صاحب أخيك، يأتي إنسان يصدم سيارتك فتنزل غاضباً فعندما ترى من صدمك، تعرف أنه صاحب لأخيك فتعفو عنه، أنت عفوت عنه لا لأنه أعطاك عوضاً، بل لأن صداقته لأخيك سبب في عفوك عنه. يقول الله جل وعلا: ((أُورِثْتُمُوهَا)) أي: الجنة ((بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) هذه الباء: باء سبب، أعمالكم سبب في دخول الجنة، وإلا فالأعمال لا يمكن أن تكون عوضاً عن الجنة؛ لأن الجنة أكبر من أعمالنا، لكن قال بعض العلماء من السلف كلمة جميلة في هذا الباب فقال: إن المؤمنين ينجون من النار بعفو الله، ويدخلون الجنة برحمة الله، ويرثون منازل غيرهم بأعمالهم الصالحة.

стр. 256

التصوير القرآني لحال الكافرين والمؤمنين يوم المحشر وفي الجنة أو النار ثم ذكر الله جل وعلا ما يكون يوم القيامة وذكر ﵎ عدة نداءات: النداء الأول: نداء أصحاب الجنة أصحاب النار، والنداء الثاني: نداء أصحاب الأعراف أصحاب الجنة، ونداء أصحاب الأعراف لأصحاب النار، ونداء أصحاب النار لأصحاب الجنة، وهذا كله في هذه السورة التي سميت: بسورة الأعراف؛ لأن الله ذكر فيها الأعراف، ولم يرد ذكر أصحاب الأعراف في القرآن إلا في هذه السورة. قال الله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤] هذا النداء الأول: ويكون من أصحاب الجنة لأصحاب النار، فأصحاب الجنة يفتخرون على أصحاب النار بأنهم وجدوا ما وعدهم الله من النعيم حقاً، فيسألونهم: هل وجدتم ما وعدكم الله من الجحيم حقاً؟ فيقولون: نعم، فيستمع الفريقان بعد ذلك إلى مؤذن يؤذن ويقول: ((أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)) قال طاوس بن كيسان ﵀ لـ هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي المعروف: يا أمير المؤمنين! اذكر يوم الأذان، قال: وما يوم الأذان؟ قال: إن الله يقول: ((فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)) فصعق هشام ﵀، فقال طاوس بن كيسان: سبحان الله! هذا ذل الصفة، فكيف بذل المعاينة؟! أي: أنك صعقت وأنا أصف لك هول هذا اليوم وصفت فقط، فكيف لو رأيته بعينيك؟! ثم قال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦]، يقول جل وعلا: ((وَبَيْنَهُمَا)) أي: بين الجنة والنار. ((حِجَابٌ)) هذا الحجاب جاء مفسراً في سورة الحديد: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. قال الله جل وعلا: ((وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ)) مكان مرتفع. ((رِجَالٌ)) الله أعلم بهم، قيل: إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهذا قول حذيفة، واختاره أكثر المفسرين، وقيل: إنهم أنبياء، وقيل: إنهم ملائكة، ولا يوجد نص نجزم به ونفيء إليه قال: ((وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ)) يعني: يعرفون أهل الجنة ويعرفون أهل النار. ((بِسِيمَاهُمْ)) أي: بعلاماتهم، فإن الله قال عن أهل الجنة: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤]، وقال عن أهل الكفر: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢]، أي: زرق العيون، فيعرف المجرمون بزرقة أعينهم، ويعرف المؤمنون -جعلني الله وإياكم منهم- بما عليهم من نضرة النعيم، وهؤلاء أصحاب الأعراف عندما يقفون عليها يكون معهم نور، هذا النور يجعلهم يطمعون في دخول الجنة، فيقفون حكماً بين الفريقين، قال الله: ((وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ))، المنادي: أصحاب الأعراف، والمنادى: أصحاب الجنة ((أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ)) ثم ينقطع الكلام: ((لَمْ يَدْخُلُوهَا)) والمعنى: أن أصحاب الأعراف لم يدخلوها في أظهر الأقوال. ((وَهُمْ يَطْمَعُونَ)) أي: ويطمعون في دخولها، وهذا الطمع وهذه الرغبة في دخولها حث عليها أنهم ما زالوا يملكون النور ولم ينقطع. ثم بعد أن يرون أهل الجنة تصرف أبصارهم من غير إرادة منهم إلى أهل النار، قال الله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٧]، إذا رأوا أهل النار وما هم فيه من عظيم الجحيم والنكال والحميم تعوذوا بالله واستجاروا به: ((قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)). ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨] أي: رجالاً كانوا في الدنيا على الكفر يصدون عن سبيل الله. ((قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ)). ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩] ((أَهَؤُلاءِ)) أي: الضعفاء الفقراء المساكين. ((الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ)) كنتم تقسمون في الدنيا أنهم لن ينالوا رحمة ولا مغفرة! قال تعالى: ((ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ)).

стр. 257

تفسير قوله تعالى: (إن الله حرمهما على الكافرين) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]. ((وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ)) جعلنا الله وإياكم في هذه الحالة ممن ينادى لا ممن ينادي، فإن الله جل وعلا بقدرته يجعل لأهل النار اطلاعاً على أهل الجنة، فإذا رأوها كان أحوج ما يكون إليه أهل النار الماء، قال الله جل وعلا: ((وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ)). فيجيبهم أهل الإيمان: ((قَالُواْ إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا)) أي: الماء والرزق. ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ)) فلا يوجد شيء يحتاجه أهل النار أول أمر أكثر من احتياجهم إلى الماء؛ لأنهم إذا استسقوا في النار سقوا ماء حميماً -كما قال الله: ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]، وقد أخذ العلماء من هذه الآية: أن من أفضل القربات إلى الله سقي الماء، وقد قال العلماء: إنه ثبت في الصحيح: (أن الله جل وعلا غفر لرجل؛ لأنه سقى كلباً) فكيف بمن سقى مؤمناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ولما قيل لـ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يا ابن عم رسول الله! ما أفضل الصدقة؟ قال: أن تسقي الماء، أين أنت من قول الله: ((أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُواْ إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ)) ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١] ثم ذكر الله بعضاً من نعوت الكافرين فقال: ((الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ))، وليس الله جل وعلا ينسى أبداً، قال سبحانه: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، ولكن هذا في لغة العرب يسمى: المشاكلة في الكلام، وإنما يتركهم الله جل وعلا من غير نصرة ومن غير معين حتى يتساقطوا في جهنم.

стр. 258

انقطاع السبل الموصلة إلى رحمة الله عند الكافرين ثم بين الله جل وعلا عظمة كتابه فقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف:٥٢ - ٥٣]. قوله: ((مِنْ قَبْلُ)) أي: في الدنيا. وقوله: ((قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)) فيتمنون أمرين: ((فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا)) وهذه قطعها الله بقوله: ((فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)). وطلبوا أمراً ثانياً: ((أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)) وهذه قطعها الله جل وعلا عنهم، فلن يخرجهم الله من النار أبداً، قال: ((أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ)). فلما ذكر الله ﵎ حال الفريقين وذكر الحالة الثالثة وهي حال أهل الأعراف عرف الله جل وعلا بذاته العلية، والقرآن -أيها المؤمن- كله فاضل، لكن آياته فيها فاضل وفيها مفضول، أما كونه فاضلاً فلأن القرآن كله من عند الله، وأما كونه فاضلاً ومفضولاً فلأن من آيات الله ما تتكلم عن الله فجمعت الفضل من وجهتين: الوجهة الأولى: أنها كلام الله. والوجهة الثانية: أنها تتحدث عن الله، وليس هناك أحد أعلم بالله من الله، ولذلك من أراد أن يرقق قلبه وتدمع عينه، فليقرأ ما تكلم الله جل وعلا به عن ذاته العلية كخواتم سورة الحشر، وأوائل سورة الحديد، وهذه الآيات التي في الأعراف، وفي الفرقان، أو آية الكرسي، فكل آية تحدث الله فيها عن ذاته العلية فإن الله جل وعلا لا أحد أعلم به منه قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]. وقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]، فالآيات التي يتحدث فيها الرب جل وعلا عن ذاته العلية هي أعظم آيات القرآن قدراً؛ لأنها جمعت المجد من طرفيه: كونها من الله، وكونها تتحدث عنه ﷻ . هذا مجمل ما تكلم الله جل وعلا به عن ذاته العلية.

стр. 259

سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الأنفال يذكر الله تعالى في سورة الأنفال جملة من صفات عباده المؤمنين خاتماً ذلك بذكر عظيم جزائهم عنده تعالى. كما يذكر تعالى فيها أهمية إصلاح ذات البين تأديباً لجيل الصحابة حين تنازعوا -وهم الأفاضل- في قسمة غنائم بدر، وهو تأديب لمن بعدهم. وبين الله تعالى فيها كذلك قسمة الغنائم مؤخراً جوابها إلى بعد حين، تربية للنفوس على الإيمان وتهذيباً لها من أوضار الدنيا.

стр. 260

خلاصة ما ذكر في تفسير بعض آيات سورة الأعراف

стр. 261

شذوذ قوم لوط وانتكاس فطرهم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا نستعين الله جل وعلا في تفسير كلامه جل وعلا، وكنا قد انتهينا في الدرس الماضي إلى سورة الأعراف، وسنشرع في هذا الدرس -إن شاء الله- في تفسير سورة الأنفال. وقبل أن نشرع فيها نذكر بعض ما كنا قد تأملناه حول سورة الأعراف التي تمت دراستها عبر درسين. فكنا قد ذكرنا أن الله جل وعلا ذكر ثلة من أنبيائه ورسله في سورة الأعراف بدءاً بنوح وانتهاءً بموسى ﵈، ووقفنا عند اثنين منهم هما لوط وموسى عليهما الصلاة السلام، وذكرنا عن قوم لوط أن الفطرة انتكست عندهم، فكانوا يأتون الذكران من العالمين، ولذلك لم يكن بينهم وبين رسولهم أخذ ولا عطاء؛ فإن الله جل وعلا ذكر أن الأنبياء تحاوروا مع من بعثوا إليهم من الأمم، فقوم ثمود قالوا لصالح: ﴿قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود:٣٢]، وقالوا له: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:٦٢]. وقال قوم شعيب لشعيب قريباً من ذلك، وغير ذلك مما ذكره الله من محاورات الرسل لأممهم. وأما قوم لوط فإنهم لما انتكست الفطرة عندهم لم يبق لهم عقول يحاورون بها، قال الله عنهم: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف:٨٢]، فعاملهم الله جل وعلا بالمثل، فقال الله ﵎: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود:٨٢].

стр. 262

آيات موسى ﵇ التسع ثم ذكرنا بعضاً من خبر نبي الله موسى مع فرعون وملئه. وذكرنا أن الله جل وعلا قال عنهم: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف:١٣٢ - ١٣٣]. فهذه خمس آيات من التسع التي بعث الله بها موسى ﵇. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف:١٣٠]، فهذه اثنتان، وبقيت اثنتان هما العصا واليد، فهذه تسع آيات قال الله جل وعلا عنها: إنه بعث بها موسى إلى فرعون وملئه، والقرآن ينظر إليه جملة واحدة، ويفسر بعضه بعضاً، ويصدق بعضه بعضا، فكله كلام رب العالمين ﷻ . كما ذكرنا في قول ربنا جل وعلا: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، أن كلاً من كلمتي (آيات) و (مفصلات) أعطت معنى، فكلمة (آيَاتٍ) دلت على أمر خارج عن المألوف؛ لأن الجراد والقمل والضفادع يوجد في كل زمان ومكان، ولكن الله جل وعلا جعل وجودها في زمن موسى آية له خارجة عن المألوف. وقوله ﵎: ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣] يدل على أنها لم تكن جملة واحدة، وإنما كان يتبع بعضها بعضا.

стр. 263

ما يتعلق بحساب الأيام والليالي ثم قلنا: إن الله جل وعلا قال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢]، وقلنا: إن القاعدة في ذكر الأيام والليالي أن الأيام تحسب بها المنافع الدنيوية، فالمزارعون -مثلاً- إنما يحصدون بناء على البروج الشمسية، وليس لهم علاقة بالأهلة، وأما الأهلة والليالي فإنما يحسب بها المناسك الدينية، قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وهذه فيها فائدة كبرى، وهي أن يعرف الإنسان أن ما يتعلق بالأيام فيه المنافع الدنيوية، وما يتعلق بالليالي فيه المنافع والمناسك الدينية.

стр. 264

الميقات الزماني والمكاني الذي جعله الله لموسى ﵇ ثم قلنا: إن الرب ﵎ قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٤٢ - ١٤٣]، فكان هناك ميقاتان: ميقات مكاني وميقات زماني. فالميقات المكاني: الوادي المقدس، أو جبل الطور، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص:٤٤]، فجبل الطور هو الجبل الذي كلم الله عنده موسى مرتين: المرة الأولى: في أول أيام الوحي، والمرة الثانية: في وقت الميقات الذي وعده الله جل وعلا إياه، فهذا هو الميقات المكاني. وأما الميقات الزماني فإن الله كلم عبده موسى بن عمران بعد أربعين يوماً، فوافق ذلك يوم عشر ذي الحجة، فإن الله وعده ثلاثين يوماً، وعند جماهير العلماء هي شهر ذي القعدة، ثم زاده الله عشراً، قال الله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢]، فاليوم الأربعون هو اليوم العاشر من ذي الحجة المتمم للثلاثين ذي القعدة وعشر ذي الحجة.

стр. 265

سؤال موسى ربه أن ينظر إليه ثم قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، رغب ﵇ في مقام الرؤية بعد أن أعطي مقام التكليم, فقال الله جل وعلا له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقلنا: إن رؤية العبد المؤمن للرب جل وعلا في الدنيا جائزة عقلاً ممتنعة شرعاً، ومعنى قولنا: (جائزة عقلاً): أنه يمكن بقدرة الله أن يعطي الله عباده قدرة على أن يروا ربهم في الدنيا؛ لأن الله على كل شيء قدير، فهذا لا ينافي العقل، ولكن الله أخبر في كتابه بأن هذا لن يقع؛ إذ قال لكليمه موسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فقلنا: إنها -وإن كانت جائزة عقلاً- ممتنعة شرعاً في الدنيا. وإذا كانت جائزة عقلاً في الدنيا فمن باب أولى أن تكون جائزة عقلاً في الآخرة؛ لأن الأبصار في الآخرة أقوى منها في الدنيا، قال الله جل وعلا: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، وإذا كانت في الدنيا ممتنعة شرعاً، فإنها في الآخرة واقعة شرعاً للمؤمنين في الجنة، وقد نص القرآن والسنة على هذا، قال الله جل وعلا في سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] بالضاد، والمعنى: تعلوها النضرة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، أي: تبصر ربها من غير إحاطة؛ لأن الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فالله جل وعلا لا تدركه أبصار خلقه. وقلنا: إن من العلماء من قال إنها ممتنعة في الدنيا والآخرة، وهذا قول المعتزلة، نص عليه جار الله الزمخشري في تفسيره المشهور بـ (تفسير الكشاف)، فإنه قال: إن العباد لا يرون ربهم في الدنيا ولا في الآخرة. واحتج بحرف النفي (لن). والجواب العلمي أن يقال: إن الله جل وعلا أخبر عن اليهود بأنهم لا يتمنون الموت، فقال عنهم: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥]، أي: الموت، ومع ذلك قال الله عن أهل النار -واليهود قطعاً من أهل النار-: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فيتمنون الموت، فدل على أن (لن) هنا تجري على أحكام الدنيا ولا تجري على أحكام الآخرة. ثم إن النصوص الصريحة في رؤية المؤمنين لوجه ربهم لا يمكن تأويلها ولا دفعها بحال في رؤية وجه ربهم ﵎، منها آية القيامة، ومنها قول النبي ﷺ -كما في الصحيحين وغيرهما-: (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) منَّ الله علينا وعليكم برؤية وجهه الكريم.

стр. 266

المراد باصطفاء الله موسى على الناس ثم قلنا بعد ذلك: إن الله جل وعلا قال لموسى ﵇: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقلنا: إن هذه الكلمة ((عَلَى النَّاسِ)) ليست على إطلاقها، وإن من الآلة العلمية في تفسير كلام الله أن يكون الإنسان مطلعاً على اللغة مطلعاً على الأحاديث مطلعاً على التاريخ، فقول الله جل وعلا لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف:١٤٤] لا يمكن أن يكون على إطلاقه لعموم الناس؛ لأن نبينا ﷺ أفضل من موسى بالاتفاق، فموسى ﵇ أفضل أهل زمانه، وأما من قبله فإبراهيم أفضل منه، بل إن موسى من ذرية إبراهيم، وجميع الأنبياء الذين من بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم باستثناء لوط على الخلاف في أنه ابن أخيه؛ لأن الله قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، فما بعث نبي من الأنبياء، ولا أُنزل كتاب من السماء إلا على رجل من ذرية إبراهيم. والمقصود أن موسى ﵇ أفضل أهل زمانه، ولكنه ليس أفضل ممن كان من قبل، فإبراهيم أفضل منه، ولا هو أفضل ممن بعده؛ لأن نبينا ﷺ أفضل الرسل كلهم. هذا ما انتهينا إليه حول سورة الأعراف.

стр. 267

ذكر نسبة سورة الأنفال وموضوعها ونشرع في هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- في تأمل خمس آيات من سورة الأنفال، وقد جرت العادة بأننا نقدم للسورة قبل أن نشرع في تفسيرها. فسورة الأنفال سورة مدنية، ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠] مكي، والله أعلم. ولكن السورة في جملتها سورة مدنية، وهي من أوائل السور المدنية التي نزلت، ومن أواخر السور المدنية سورة التوبة، وكلتا السورتين عنيتا بالغزوات، خاصة سورة الأنفال، فسورة الأنفال تكلمت عن بدر، ولذلك يقول بعض العلماء: إنها سورة مدنية بدرية. أما التوبة فتكلمت عن غزوة تبوك، وجيش العسرة، وهذا كان في السنة التاسعة، والنبي ﷺ مات في العاشرة، وعلى هذا فالتوبة من آخر ما نزلَ جملة من السور المدنية، والأنفال من أوائل ما نزل من السور المدنية، فهي مدنية بدرية.

стр. 268

ذكر الحادثة التي نزلت بعدها سورة الأنفال وهذه السورة نزلت بعد اختصام المسلمين في غنائم بدر، فإن النبي ﵊ خرج بأصحابه إلى بدر، وكان أول أمره يريد عير قريش، وقال لأصحابه: (لعل الله أن ينفلكموها) أي: يهبها لكم، فلما نجا أبو سفيان بالعير، وجاءت قريش تحاد الله ورسوله التقى الجمعان في يوم الفرقان في بدر في الموضع المعروف بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، وهي أول معركة وقعت في الإسلام يمكن أن يطلق عليها أنها غزوة بالمعنى الحقيقي، وكان قبلها بدر الصغرى، ولم يقع فيها قتال فوقعت تلك المعركة، وأعلى الله فيها كلمة الإسلام، ونصر الله جل وعلا محمداً ﷺ وأصحابه، ورد الله القرشيين على أدبارهم، فغنم المسلمون غنائم. ثم إن الجيش في آخر الغزوة انقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم أخذ يحرس النبي ﷺ خوفاً عليه من أن يأتيه أحد من المشركين. وقسم أخذ يجهز على من بقي ويتبع فلول أهل الإشراك. وقسم أخذ يجمع الغنائم. فلما انتهى الأمر، ووقع من وقع من القرشيين في الأسر، وقتل منهم من قتل، وفر منهم من فر، ووضعت الحرب أوزارها؛ اختصم المسلمون في الغنائم، فهل الأولى بها من حرس النبي ﵊، أم من جمعها، أم من تبع فلول أهل الإشراك؟ فلما اختصموا فيها لجئوا إلى النبي ﷺ يسألونه، فقال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]. والنفل هو: الزيادة على الأصل، فالغنيمة زيادة على النصر في المعركة؛ لأن المطلوب الأول في المعركة النصر، فالغنيمة زيادة عليه، وولد الولد زيادة على الولد، ولذلك قال الله عن إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء:٧٢] أي: زيادة على إسحاق؛ لأن إسحاق ابن إبراهيم، فوهب الله يعقوب زيادة لإبراهيم على إسحاق الذي هو ولده. وصلاة التطوع زيادة على الفريضة، ولذلك تسمى الأولى فريضة ويسمى ما يزاد عليها نافلة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]. والغنيمة: ما يناله المسلمون من عدوهم بسعي وإيجاف خيل وركاب. وما ناله المسلمون من عدوهم من غير سعي ولا إيجاف خيل ولا ركاب -كخراج الأراضي أو الجزية- فإنه يسمى فيئاً. وقد أجمع العلماء على أن قول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١] يراد به ما غنمه المسلمون يوم بدر.

стр. 269

بيان ما قيل في اقتران (يسألونك) بالواو وخلوها منها وكلمة ((يَسْأَلُونَكَ))، وردت في القرآن مراراً بدون واو وبالواو، قال الله جل وعلا في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩]، وقال جل وعلا في البقرة أيضاً: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩]، وقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٤]، وقال ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف:١٨٧]، وقال جل ذكره: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، وقال ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، وقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب:٦٣]، وقال تبارك اسمه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [النازعات:٤٢]. فهذه سؤالات وردت من الصحابة للنبي ﷺ من غير واو. وجاء في القرآن لفظ (يسألونك) مقروناً بالواو، قال الله تعالى: ﴿ويَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢١٥]، وقال جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠]، وقال جل ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقال جل ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٣]، وقال ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥]. قال بعض العلماء: إن (يسألونك) إذا لم تكن مقترنة بواو يكون السؤال قد وقع من الصحابة، وأما إذا كان مقترنة بالواو فإن الله يخبر به لعلمه جل وعلا أنه سيقع. وأقول: إن الأمر لم يثبت لدينا فيه بيان شاف، والله أعلم.

стр. 270

ذكر حكمة تأخير جواب قسمة الغنائم في سورة الأنفال ويلحظ في كلمة: ((يَسْأَلُونَكَ)) أن الله يأتي بالجواب بعدها، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩]، حيث قال تعالى بعدها: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:٢١٥]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥] , وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]. ولكن هنا قال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، ولم يأت جواب، وإنما جاء الجواب بعد أربعين آية، حيث قال الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال:٤١]. وهذا من تربية الله للصحابة؛ لأن الخطأ من الرجل العظيم ليس كالخطأ ممن هو أقل منه. كما ترى شاباً يلعب بالكرة والمؤذن يؤذن، فهذا الفعل لا يجوز، ولكن لأنه شاب تأتيه بيسر؛ لأنك تعرف عين القدر وعين الشرع، فتأتيه باللين. ولكن لا يقبل منك اللين حين تأتي إلى إمام مسجد يلعب بالكرة وقت الأذان، فيكون تأنيبك للإمام ليس كتأنيبك للشاب. وصفوة الأمة هم أهل بدر، والنبي ﷺ قال لـ عمر ﵁: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). والبدريون هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. والمهاجرون: هم الذين تركوا ديارهم وأهليهم في مكة من أجل نصرة الدين. والأنصار: هم الذين قبلوا أن يأتي هؤلاء من مكة ليؤووهم ويحموهم ويقاسموهم، الأموال، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. فهؤلاء ﵃ وأرضاهم من المهاجرين والأنصار أعظم أصحاب النبيين على الإطلاق، وهم صفوة الأمة, وقد قال الرسول في ليلة بدر هو ينظر إليهم: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً). فهم ﵃ وأرضاهم خير أهل الأرض بعد النبيين والمرسلين. فهؤلاء الصفوة ما إن انتهت المعركة حتى اختصموا فيما بينهم على الغنائم، وهذا أمر لا يقبل، فرباهم الله جل وعلا، وعاتبهم عتاباً شديداً، فقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، ولم يقل هي كذا وكذا وكذا، بل قال: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١] أي: ليس لكم فيها اختصاص. والصحابة يعلمون أن كل شيء أمره لله وللرسول ﵊ يحكم فيه، ولكن أراد الله أن يؤدبهم فقال: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال:١]. فإذا علمت أن الله قال في حق أهل بدر: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ))، وقال في حق نبيه ﷺ في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]، فاعلم أنه لا ينبغي أن يستكبر أحد عن كلمة (اتق الله)، ولا يوجد أحد فوق مستوى النقد، فكل إنسان عرضة للخطأ، وكل إنسان يخطئ يُنقد، ويقال له: أخطأت، ولو كانت منزلته عالية. ولكن النقد يختلف، فلا تأتي إلى إمام مسجد أمام عشرات الناس الذين يصلون وراءه وتقف تنقده أمام الناس، فهذا ليس من النصيحة في شيء. ولا تأتي إلى معلم وتوبخه أو تنهره أمام طلابه، ولا تأتي إلى أمير أو حاكم فتنقده لتذهب هيبته في خطبة جمعه عند الناس، ولا تأتي إلى أب فتنقده أمام أولاده، ولا إلى أم أمام بناتها، ومن أخلص النية في النقد فسيوفق في الطريقة السليمة التي ينقد بها. ولكن هنا اختلف الأمر لأن المعاتب هنا هو الله تعالى، فالمسألة تختلف جذرياً، وليست نقد كفؤ لكفؤ، وإنما هذا عتاب من الله لأهل بدر، فقال الله جل وعلا لهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]. أي: انتصرتم على المشركين، والأهم أن تنتصروا على ما في النفوس، كما قال النبي ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، فانتصار الإنسان على هوى نفسه، وعلى شهواته، وعلى حبه للمال وحبه لأن يكون أفضل من غيره، وما يدفعه إلى الاستئثار بالشيء، هذا الذي ينبغي أن ينتصر عليه، فإذا انتصر الإنسان على شهواته وحبه للكبر والاستعلاء على غيره حقق الانتصار العظيم.

стр. 271

تفسير قوله تعالى: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) يقول الله تعالى لنبيه ولأصحابه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] والصلح وصفه الله جل وعلا بأنه خير، ويقع على عدة طرائق: فيقع بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ودليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١]، وهذا مرده إلى ولي أمر المسلمين. وهناك صلح يقع بين فئتين من أهل الإسلام تتقاتلان، فيسعى بينهما بالصلح، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]. وهناك صلح يقع بين الزوج والزوجة قال الله فيه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]. وهناك صلح يقع بين الرجل والرجل في خصومات ماليه، وهذا لابد فيه من التنازل، وأي صلح لا بد فيه من التنازل، فإن لم يتنازل كلا الطرفين فلا يسمى ذلك صلحاً. والسعي بين الناس في الصلح من أعظم طرائق الخير، قال الله جل وعلا: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]، بل إنه مما يجوز الكذب فيه شرعا. فقول ربنا جل وعلا: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] أي: كونوا أمة متحابة متآلفة لا تفرق بينكم الدنيا ولا الغنائم، وهذا تربية لصفوة الأمة -وهم أهل بدر- من لدن العليم الخبير ﷻ .

стр. 272

بيان قسمة الغنائم وقد بين الله جل وعلا قسمة الغنائم فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال:٤١]. إن حب المال أمر فطرت عليه النفوس، فالله يقول: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]، والخير هنا هو المال؛ إذ الكلام هنا عن الإنسان، ولا يعقل أن كل الناس تحب الخير والمعروف الذي هو ضد الشر. ولذلك لما علم الرب جلا وعلا أن النفوس جبلت على حب المال، وكان المال الذي يأتي للمسلمين على ثلاث طرق تولى الله جل وعلا بنفسه تقسيمها ولم يكلها إلى أحد، ولا إلى نبيه ﷺ : وتلك الطرق هي الميراث، والغنيمة في الحرب، والصدقات التي هي الزكاة، وأما الجزية والنفل فيدخلان في الغنيمة. فهذه كلها تولى رب العالمين تقسيمها، فقسم جل وعلا المواريث وأعطى كل ذي حق حقه، وقسم جل وعلا الغنائم فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال:٤١] إلى آخر الآية، وجاء إلى الزكاة الشرعية فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]. فهذه الثلاث هي: المصادر المالية، ولم يكل الله تقسيمها إلى أحد، وتولى جل وعلا تقسيمها بنفسه؛ لعلمه ﵎ بحب الناس للمال، جعلنا الله وإياكم ممن كان المال في يده وليس في قلبه. والذي يعنينا أن الله ﷻ تولى قسمة الغنائم، فجعل الخمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وقد اختلف العلماء في التقسيم، ونختار قول مالك رحمه، وهو أنه يُسنَد أمرها إلى الإمام فيعطي القرابة ما يراه مناسباً لهم، ويقسم الباقي، فيجعل للمجاهدين الذين معه بحسب ما يراه مناسباً، وقال: إن هذا فعل الخلفاء الأربعة من بعده ﷺ .

стр. 273

بيان المراد بذوي القربى في قوله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) والمقصود بذوي القربى قرابة النبي ﷺ ، فقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال:٤١] أي: قرابة النبي ﷺ ، واختلف العلماء في قرابة النبي ﷺ الذين يتم تقسيم خمس الغنائم عليهم على ثلاثة أقوال: الأول: أنهم قريش كلها، باعتبار أن النبي ﷺ من قريش، وهذا أضعف الأقوال. الثاني: أنهم بنو هاشم فقط، وهذا قول مالك والأوزاعي رحمهما الله ومن تبعهما من العلماء. وذهب الإمام أحمد والشافعي وكثير من العلماء -وهو الصحيح إن شاء الله- إلى أن المقصود به بنو هاشم وبنو المطلب. ودليل هذا القول أن النبي ﵊ اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فـ هاشم هو ابن عبد مناف، وقد ترك عبد مناف أربعة أبناء؛ فترك هاشماً وعبد شمس ونوفلاً والمطلب. فالنبي ﷺ جاء من هاشم، فبنو هاشم يستحقون الخمس لأنهم آل النبي ﷺ آله. ولما جاءت قريش وحاصرت في شعب أبي طالب النبي ﷺ وآل بيته من بني هاشم في الشعب دخل بنو المطلب مع بني هاشم في الشعب يناصرونهم، فحفظها النبي ﷺ لهم، فلما جاء يقسم الغنائم بعد خيبر جاءه من ذرية عبد شمس عثمان بن عفان، وجاءه من ذرية نوفل جبير بن مطعم وقالا في معنى كلامهما: يا رسول الله! إن كونك تعطي بني هاشم لا نعترض عليه؛ لأن الله أعزهم بك، ولكنك أعطيت إخواننا من بني المطلب، ونحن وبنو المطلب شيء واحد، فلماذا فرقت بيننا؟! فقال ﷺ : (إن بني المطلب لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام)؛ لأنهم دخلوا معه في الشعب، ثم شبك بين أصابعه وقال: (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد). فأصبح هذا الحديث حجه ظاهره على أنهم يعطون من الخمس كما يعطى بنو هاشم. وهناك مثل يقول: (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل)، فهذا الحديث نص في الموضوع، ويعتذر للعلماء الذين قالوا: إنها محصورة في بني هاشم أو عامة في قريش كلها.

стр. 274

حقيقة سماع أهل قليب بدر لكلام النبي قلنا: إن معركة بدر هي أول معركة بين المسلمين وبين الكفار، وقد وقف النبي ﷺ على قليب بدر بعد أن ألقي فيه الجمع منهم وأخذ يسألهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فأني قد وجدت ما وعدني ربي حقا)، فجاءه عمر وقال: يا رسول الله! كيف تكلم أقوام قد جيفوا؟! فقال: (يا عمر! ما أنت بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يملكون جوابا). قال حسان: فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا أصبت وكنت ذا رأي مصيب لكن كتب الله عليهم ما كتب، عياذاً بالله. فهذه معركة بدر، وهذه سورة الأنفال التي نزلت تبين الموقعة، وتذكر جهاد النبي ﷺ وأصحابه في تلك المعركة.

стр. 275

تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم

стр. 276

الخوف صفة المؤمنين ثم قال الله جل وعلا بعد أن ذكر هذه القضية يربي عباده الصالحين على الإيمان: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. فذكر الله جل وعلا هنا أصحاب المنازل العالية من أهل الإيمان الحق الذين اصطفاهم واجتباهم، سواء من النبيين أو من أتباعهم إلى يوم الدين، فلم يذكر الله أعياناًًًًًًًًًًًًً بأسمائها، وإنما ذكر صفات يتحلون بها جعلتهم مؤمنين حقاً. فقال في أولها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، والوجل هو الخوف، والمعنى: أنهم يصيبهم من الخوف والوجل والطمع والرغبة فيما عند الله ما تقشعر له الأبدان، وترتجف له القلوب، ثم لا تلبث قلوبهم أن تسكن، وجوارحهم أن تهدأ بعد ذكر الرب ﵎، وهذا من أعظم دلائل الإيمان، أي: أن يوجل قلب المؤمن إذا ذكر الله ﵎، فإذا خوف بالله خاف، وإذا ذكر بالله ذكر، وإذا اتعظ بالله اتعظ، وإذا قيل له اتق الله لم تأخذه العزة بالإثم.

стр. 277

زيادة الإيمان بتلاوة كلام الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، فالإيمان يزيد وينقص، ينقص بالمعاصي ويزيد بالطاعات، وإن مما يزيد إيمان المؤمن تلاوة كلام الرب جل وعلا، بل هذا من أعظم ما يزيد الإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]. والمؤمن ينبغي عليه أن يكون يومه خيراً من أمسه، وغده خيراً من يومه، فيزداد إيماناً كلما تلا هذا الكتاب العظيم وعلم أن هذا القول قول الله جل وعلا. وهذه مناقب ذكرها الله جلا وعلا في الأنبياء وذكرها الله جل وعلا في الرسل وذكرها الله جل وعلا في العامة، فقال الله في الأنبياء: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]. وقال جل وعلا عن أهل العلم: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩]. وقال الله عن عامة من الناس: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٨٣ - ٨٥]. فالمؤمن يحاول بقدر الإمكان أن يرقى بنفسه إلى مستوى من وصفهم الله ونعتهم من أهل الدرجات العالية ممن وعدهم الله جنانه ومغفرته والرزق الكريم، جعلني الله وإياكم منهم.

стр. 278

التوكل وصلته بالإيمان ثم قال جل ذكره: ((وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ))، وهذا متصل بما قبله، فإن من رزق الإيمان ومعرفة الله، وما لله من كمال الرحمة، وكمال القدرة وجليل العطاء، وأن الله جل وعلا لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه يجيب من دعاه ويؤي من لجأ إليه، وأنه لا ملجأ ولا منجى منه ﵎ إلا إليه؛ صدق توكله على الله. فالله جل وعلا ذكر في هذه الآية ثلاث من صفات القلوب، وهي: الوجل، أي: الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل، وكلها من أعمال قلوب.

стр. 279

تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)

стр. 280

بيان أوقات الصلاة وحال الناس فيها ثم ذكر جل وعلا أعمال الجوارح فقال جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، والصلاة أعظم ما افترضه الله جل وعلا على عباده وخلقه بعد الشهادتين، فبها يتقرب العبد إلى ربه، ولذلك فرضت الصلاة في رحلة الإسراء والمعراج، فلما كان صبيحتها -كما قال سعيد بن جبير وغيره- بعد أن زالت الشمس -أي: عند حلول وقت الظهر- نزل جبريل من السماء فأم النبي ﷺ عند البيت، فكانت أول صلاة صليت من الصلوات الخمس صلاة الظهر، وأم جبريل نبينا ﷺ يومين متتالين، فصلى به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر في أول وقتها، ثم صلى به كرة أخرى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر في آخر وقتها، وقال له بعد ذلك -وهو يعلمه الصلاة-: ما بين هذين الوقتين، أي: ما بين هذين الوقتين وقت الصلوات. والمؤمنون في الصلاة يختلفون، فمن الناس -والعياذ بالله- من لا يصليها، وهذا من المحال أن يطلق عليه أنه مؤمن ومن الناس -والعياذ بالله- من يصليها في بيته من غير عذر، ومنهم من يأتي إلى الجماعة، ومنهم من هو أرقى درجة وأرفع منزلة، يسابق إلى التكبيرة الأولى، فقد قال ﷺ -كما عند الترمذي بسند حسنه العلامة الألباني ﵀: (من صلى لله أربعين يوماً يدرك التكبيرة الأولى ـ أي: تكبيرة الإحرام ـ كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق)، وفقنا الله وإياكم لهذا العمل.

стр. 281

بيان فضيلة الإنفاق في سبيل الله ثم قال جل وعلا يختم أعمالهم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، فالإنفاق مما آتاك الله حسن ظن بالرب جل وعلا، وأن الله قادر على أن يعوضك، وقد ذكر النبي ﷺ السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله فقال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).

стр. 282

ذكر جزاء المؤمنين في الآخرة ثم لما ذكر الرب ﵎ صفاتهم، ونعوتهم -والسرائر أمرها إلى الله- ذكر الله جل وعلا ما أعد لهم، فقال عنهم: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا))، ولا يعني ذلك أن من لم يبك من خشية الله ليس بمؤمن؛ لأن الله يتكلم هنا عن أهل المنازل العالية، ولا يتكلم عن الإيمان الذي يفرق به بين الإيمان والكفر، فربما اجتمع في رجل بعض هذه الخمس فيه كلها، فلا يقال عنه: إنه ليس بمؤمن، فكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ورضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا فالأصل فيه أنه مؤمن، وأهل الإيمان يتفاوتون، والأعمال قرينة الإيمان، فلا انفكاك بين الإيمان والعمل الصالح. ثم قال الله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال:٤] أي: لهم درجات عالية في الجنة، والجنة لها ثمانية أبواب في صورة أفقية، ويأتي عليها يوم وهي كظيظ من الزحام، وفي داخل الجنة درجات متفاوتة، ولقد سأل موسى ﵊ ربه عن أهل الدرجات العلى، فقال الله جل وعلا -كما في الحديث القدسي-: (أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، فلم تسمع أذن، ولم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر)، وقال الله في سورة السجدة: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. ولو أن ملكاً من ملوك الدنيا أجرى مسابقة، وقال: من يفوز بها سأعطيه جائزة لا يتوقعها؛ لتسابق الناس إليه لعلمهم أن هذا الملك لا يمكن أن يعطي جائزة وضيعة يُعَيَّر بها، وأن هذا الفائز سينال أعظم شيء ما دام الملك قد أخفاه؛ لأن الملك سيعطي على قدر ملكه. فكيف إذا كان المانح والمعطي ومخفي الجائزة رب العالمين ﷻ وهو الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وله جل وعلا السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟! قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].

стр. 283

ذكر ما يدل عليه قوله تعالى (ومغفرة) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ﴾ [الأنفال:٤] وهذا دلالة على أن هؤلاء الذين هم المؤمنون حقاً لا يمكن أن يكونوا قد خلوا من الذنوب كلها، فهذا محال؛ إذ لا يمكن أن يخلو أحد من الذنوب كلها، فكلنا ومن قبلنا ومن بعدنا ذوو خطأ، ولن ندخل الجنة بأعمالنا، ولكن المؤمن قد شبهه النبي ﷺ بالفرس المعقود حبله في مكان ثابت، فمهما بعد فإنه يعود إلى مكانه، فالمسلم مهما نأت به المعصية فإنه يفيء إلى ربه، ويرجع إلى مولاه، ويجدد التوبة، ويسأل الله غفران الذنوب، ويأتي بالحسنات علَّ الله أن يكفر بها ما سلف من الخطايا، قال الله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. وإن كنت قد ابتليت بنوع من المعاصي فليس الحل أن تبقى على تلك المعاصي، وتداهن أهلها، وتبقى معهم، بل الحل أن تتوب وترجع، ولأن تلقى الله وقد خلطت عملاً صالحاً وآخر سيئاً خير لك من أن تلقى الله وليس لك من العمل الصالح شيء، والمؤمن حصيف عاقل يعلم أن الله يغفر الذنوب ويقبل التوبة، والله جل وعلا يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاًً فاستغفروني أغفر لكم). فالله جل وعلا وسعت رحمته كل شيء، وباب توبته مفتوح، وهو -جل وعلا- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فلا انفكاك من التوبة والأوبة والرجوع إلى الله جل وعلا.

стр. 284

بيان معنى قوله تعالى (ورزق كريم) ثم قال سبحانه: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، وهذا الرزق جاء بعضه دلالة في القرآن، قال الله عن أهل الجنة: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة:٢٥]، فيقطف أحدهم الثمرة، فما أن يقطفها وتقع في يده حتى تحل محلها أخرى مثلها تماما، فإذا أخذوا الثانية ورجعوا إلى الثالثة قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥]، كما قال الله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥]. اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أنت ربنا لا إله إلا أنت، لا رب لنا غيرك، ولا إله سواك، أنت خالقنا ورازقنا وولي نعمتنا وملاذنا عند كربتنا، نسألك -اللهم- أن تصلي على محمد وعلى آله وتسلم عليهم تسليماً كثيرا، وأن تغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها، سرها وعلانيتها، أولها وآخرها، اللهم تب على من تاب منا يا رب العالمين، اللهم تب علينا جميعاً يا ذا الجلال والإكرام، اللهم من قرأ درسنا هذا يريد أن يتقرب إليك ويزدلف إليك فتب عليه، وأعنه على نفسه يا ذا الجلال والإكرام، وأكرم مجيئه يا حي يا قيوم، وارزقه التوبة النصوح الصادقة إليك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إن لنا من الذنوب والخطايا ما لا يعلمه غيرك، ولا يعرفه سواك، فاغفر اللهم لنا ذنوبنا أجمعين يا ذا الجلال والإكرام، واجعلنا -اللهم- مباركين أينما كنا، لا إله إلا أنت، اغفر لنا ولوالدينا ولمن له حق علينا، وارزقنا -اللهم- من فضلك وأغننا بفضلك عمن سواك، واجعلنا -اللهم- من أفقر خلقك إليك، وأغنى عبادك بك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 285

سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الذاريات يقسم الله تعالى في سورة الذاريات بجملة من مخلوقاته على وقوع يوم القيامة، ويقسم مرة أخرى على مجيء قول جديد لم يعهده كفار قريش، هو أمر الوحي والنذارة، وذلك دعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة مبيناً في ذلك فضيلة عباده الصالحين الموحدين القائمين ليلهم المنفقين أموالهم في سبيله، وعاقبة المكذبين المخالفين بهلاكهم، داعياً نبيه إلى استمراره في الذكرى النافعة للمؤمنين.
следующие страницы →