Полный текст (705 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بيان فضيلة الإنفاق في سبيل الله
ثم قال جل وعلا يختم أعمالهم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، فالإنفاق مما آتاك الله حسن ظن بالرب جل وعلا، وأن الله قادر على أن يعوضك، وقد ذكر النبي ﷺ السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله فقال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
стр. 282
ذكر جزاء المؤمنين في الآخرة
ثم لما ذكر الرب ﵎ صفاتهم، ونعوتهم -والسرائر أمرها إلى الله- ذكر الله جل وعلا ما أعد لهم، فقال عنهم: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا))، ولا يعني ذلك أن من لم يبك من خشية الله ليس بمؤمن؛ لأن الله يتكلم هنا عن أهل المنازل العالية، ولا يتكلم عن الإيمان الذي يفرق به بين الإيمان والكفر، فربما اجتمع في رجل بعض هذه الخمس فيه كلها، فلا يقال عنه: إنه ليس بمؤمن، فكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ورضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا فالأصل فيه أنه مؤمن، وأهل الإيمان يتفاوتون، والأعمال قرينة الإيمان، فلا انفكاك بين الإيمان والعمل الصالح.
ثم قال الله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال:٤] أي: لهم درجات عالية في الجنة، والجنة لها ثمانية أبواب في صورة أفقية، ويأتي عليها يوم وهي كظيظ من الزحام، وفي داخل الجنة درجات متفاوتة، ولقد سأل موسى ﵊ ربه عن أهل الدرجات العلى، فقال الله جل وعلا -كما في الحديث القدسي-: (أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، فلم تسمع أذن، ولم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر)، وقال الله في سورة السجدة: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
ولو أن ملكاً من ملوك الدنيا أجرى مسابقة، وقال: من يفوز بها سأعطيه جائزة لا يتوقعها؛ لتسابق الناس إليه لعلمهم أن هذا الملك لا يمكن أن يعطي جائزة وضيعة يُعَيَّر بها، وأن هذا الفائز سينال أعظم شيء ما دام الملك قد أخفاه؛ لأن الملك سيعطي على قدر ملكه.
فكيف إذا كان المانح والمعطي ومخفي الجائزة رب العالمين ﷻ وهو الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وله جل وعلا السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟! قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
стр. 283
ذكر ما يدل عليه قوله تعالى (ومغفرة)
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ﴾ [الأنفال:٤] وهذا دلالة على أن هؤلاء الذين هم المؤمنون حقاً لا يمكن أن يكونوا قد خلوا من الذنوب كلها، فهذا محال؛ إذ لا يمكن أن يخلو أحد من الذنوب كلها، فكلنا ومن قبلنا ومن بعدنا ذوو خطأ، ولن ندخل الجنة بأعمالنا، ولكن المؤمن قد شبهه النبي ﷺ بالفرس المعقود حبله في مكان ثابت، فمهما بعد فإنه يعود إلى مكانه، فالمسلم مهما نأت به المعصية فإنه يفيء إلى ربه، ويرجع إلى مولاه، ويجدد التوبة، ويسأل الله غفران الذنوب، ويأتي بالحسنات علَّ الله أن يكفر بها ما سلف من الخطايا، قال الله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
وإن كنت قد ابتليت بنوع من المعاصي فليس الحل أن تبقى على تلك المعاصي، وتداهن أهلها، وتبقى معهم، بل الحل أن تتوب وترجع، ولأن تلقى الله وقد خلطت عملاً صالحاً وآخر سيئاً خير لك من أن تلقى الله وليس لك من العمل الصالح شيء، والمؤمن حصيف عاقل يعلم أن الله يغفر الذنوب ويقبل التوبة، والله جل وعلا يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاًً فاستغفروني أغفر لكم).
فالله جل وعلا وسعت رحمته كل شيء، وباب توبته مفتوح، وهو -جل وعلا- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فلا انفكاك من التوبة والأوبة والرجوع إلى الله جل وعلا.
стр. 284
بيان معنى قوله تعالى (ورزق كريم)
ثم قال سبحانه: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، وهذا الرزق جاء بعضه دلالة في القرآن، قال الله عن أهل الجنة: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة:٢٥]، فيقطف أحدهم الثمرة، فما أن يقطفها وتقع في يده حتى تحل محلها أخرى مثلها تماما، فإذا أخذوا الثانية ورجعوا إلى الثالثة قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥]، كما قال الله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥].
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أنت ربنا لا إله إلا أنت، لا رب لنا غيرك، ولا إله سواك، أنت خالقنا ورازقنا وولي نعمتنا وملاذنا عند كربتنا، نسألك -اللهم- أن تصلي على محمد وعلى آله وتسلم عليهم تسليماً كثيرا، وأن تغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها، سرها وعلانيتها، أولها وآخرها، اللهم تب على من تاب منا يا رب العالمين، اللهم تب علينا جميعاً يا ذا الجلال والإكرام، اللهم من قرأ درسنا هذا يريد أن يتقرب إليك ويزدلف إليك فتب عليه، وأعنه على نفسه يا ذا الجلال والإكرام، وأكرم مجيئه يا حي يا قيوم، وارزقه التوبة النصوح الصادقة إليك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إن لنا من الذنوب والخطايا ما لا يعلمه غيرك، ولا يعرفه سواك، فاغفر اللهم لنا ذنوبنا أجمعين يا ذا الجلال والإكرام، واجعلنا -اللهم- مباركين أينما كنا، لا إله إلا أنت، اغفر لنا ولوالدينا ولمن له حق علينا، وارزقنا -اللهم- من فضلك وأغننا بفضلك عمن سواك، واجعلنا -اللهم- من أفقر خلقك إليك، وأغنى عبادك بك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 285
سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الذاريات
يقسم الله تعالى في سورة الذاريات بجملة من مخلوقاته على وقوع يوم القيامة، ويقسم مرة أخرى على مجيء قول جديد لم يعهده كفار قريش، هو أمر الوحي والنذارة، وذلك دعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة مبيناً في ذلك فضيلة عباده الصالحين الموحدين القائمين ليلهم المنفقين أموالهم في سبيله، وعاقبة المكذبين المخالفين بهلاكهم، داعياً نبيه إلى استمراره في الذكرى النافعة للمؤمنين.
стр. 286
بيان جملة أمور في التأملات القرآني
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله نبي الأميين ورسول رب العالمين، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن السور التي سنشرع في تفسيرها -بإذن الله تعالى- هي في الجزء السابع والعشرين من كتاب الله ﵎، ومعلوم أن الجزء السابع والعشرين يبدأ من آخر سورة الذاريات، وسنشرع -إن شاء الله تعالى- في تفسير سورة الذاريات كاملة، وسنقف في كل درس -إن شاء الله تعالى- مع سورة من هذا الجزء، بدءاً بالذاريات ثم نثني بالطور، وهكذا بحسب ترتيب المصحف.
الأمر الثاني: أننا لا نقف عند كل آية؛ لأن الله جل وعلا أخبر أن كتابه مثاني، بمعنى: أنه يثنى ويكرر، بل سنقف وقفات معينة.
الأمر الثالث: أن الغاية من الدرس كله تأملات في كتاب الله، واطلاع على المسائل العلمية، وقليلاً ما يكون الوعظ؛ لأن المخاطب بالدرس أولاً طلبة العلم، وإن كان الوعظ لا يستغني عنه أحد، ولكنه لا يكون هو قوام الدرس في الغالب.
الأمر الرابع: أننا لا نعذر أنفسنا في أننا لم نترك قضية إلا ونحاول قدر الإمكان الإشباع العلمي فيها، بمعنى أننا نتكلم في المقام الأول مع طلاب العلم، فما لا يحسن كتمه عنهم وينبغي أن يعرفوه سنعرج عليه ونعرض له بحول الله ﵎ وقوته، سائلين الله جل وعلا أن يجعلنا أعمالنا خالصة لوجهه الكريم؛ إنه سميع مجيب.
стр. 287
ذكر نسبة سورة الذاريات وموضوعها
ثم إن السورة هي سورة الذاريات وهي سورة مكية تعنى كغالب السور المكية -بشأن مسائل العقيدة، وذكر دعائم التوحيد، فعلى هذا أكثر سور القرآن المكية، وقد بينا في دروس سلفت الفرق بين القرآن المكي والقرآن المدني، وذكرنا الخلاف في ذلك، واخترنا أن السور المكية هي التي نزلت قبل الهجرة بصرف النظر عن موطن نزولها، وأن السور المدنية: هي التي نزلت بعد الهجرة بصرف النظر عن موطن نزولها.
وقلنا: إن قول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] نزل على النبي ﷺ يوم فتح مكة وهو ﵊ داخل الكعبة يهم بالخروج منها، ومع ذلك نقول: إن هذه الآية مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة.
стр. 288
تفسير قوله تعالى: (والذاريات ذرواً)
قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:١ - ٨].
صدر الله جل وعلا هذه السورة بقسمين: قسم متتابع، وقسم منفرد.
فالقسم المتتابع هو قوله ﵎: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:١ - ٤]، فالفاء هنا عاطفة على ما قبلها، وجواب القسم هنا هو قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:٥ - ٦].
ثم أقسم ﵎ قسماً منفرداً عن الأول غير متصل به فقال جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٧ - ٨].
стр. 289
بيان المراد بالذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات
أما تفسير الآيات فإن العلماء ﵏ اختلفوا في معنى: (الذاريات)، و (الحاملات)، و (الجاريات)، و (المقسمات)، وجمهور المفسرين على أن المقصود بـ (الذاريات) الريح، ويؤيده من القرآن قول الله جل وعلا: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف:٤٥].
وأن المقصود بقوله تعالى: ﴿فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات:٢] السحب، والذي تحمله هو الماء.
وأن المقصود بقوله تعالى: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات:٣] السفن، تجري بيسر وسهولة في البحر، ويؤيده من القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الرحمن:٢٤].
وأن المقصود بقوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:٤] الملائكة، ولكنهم يقولون: ليس المقصود جميع الملائكة، وإنما المقصود أربعة منهم: وهم جبريل للوحي والحرب، وميكال للرحمة والغيث والرياح، وإسرافيل للنفخ في الصور، وملك الموت لقبض الأرواح، وإن قدمت ملك الموت على إسرافيل كان ذلك أليق في الخطاب، فملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ في الصور.
فهؤلاء الأربعة من مخلوقات الله، وأقسم الله جل وعلا بهم، وأداة القسم هنا هي (الواو)، فمعناها القسم، وعملها جر ما بعدها ولذلك قال تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:١ - ٦]، فالجواب هنا جواب القسم، لتأكيد ما كان القرشيون ينكرونه من قبل، فالسور المكية نزلت على قوم ينكرون البعث والنشور، فأهم قضية عالجتها السور المكية هي قضية الإيمان بالله واليوم الآخر.
ومن جملة الآثار التي تدل على صحة هذا التفسير -أي أن (الجاريات) هي السفن، (والحاملات) هي السحب، (والذاريات) هي الريح، (والمقسمات) هي الملائكة- ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه صعد المنبر ثم قال في أول من خلافته أيها الناس! اسألوني قبل أن تفقدوني؛ فإنكم لن تسألوا بعدي من هو مثلي.
فقام إليه رجل يقال له ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين! ما (الذاريات ذرواً)؟ فقال: الريح، قال: فما (الحاملات وقراً)؟ قال: السحب.
قال ما (الجاريات يسراً)؟ قال: السفن، قال فما (المقسمات أمراً)؟ قال: الملائكة.
فهذا الأثر يدل على صحة قول جمهور المفسرين بما ذكرناه.
وبعض العلماء يقول: إن (الذاريات ذرواً) هي المرأة عندما تحمل، وبعضهم حملو على غير ذلك، ولكننا نقف هنا عند قول جماهير العلماء؛ لأن الأثر يدل عليه، وكذلك يدل عليه كلام الرب جل وعلا كما بينا في ذكرنا لما يدل على الجاريات وعلى الذاريات.
стр. 290
تفسير قوله تعالى: (إنما توعدون لصادق)
وقلنا: إن جواب القسم: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:٥ - ٦]، فقوله تعالى: (ما توعدون) أي: البعث، والدين المقصود به هنا: الجزاء والحساب.
وكون الرب جل وعلا يقسم بأربعة من مخلوقاته فيه شرف لمن أقسم الله بهم، وفي نفس فيه دلالة على أهمية القضية، ولذلك جعل الله الإيمان باليوم الآخر أمراً يترتب عليه الكفر والإيمان، فمن آمن بالله بوجود الله ولم يؤمن باليوم الآخر بالبعث والنشور لا يعتبر مؤمناً، ولكن ليس كل من آمن باليوم الآخر يعتبر مؤمناً حتى يؤمن بالحساب والعقاب الذي أخبر به الرسل، فاليهود والنصارى يؤمنون باليوم الآخر، ويؤمنون بأن هناك جنة وناراً، ولكنهم يزعمون أن الجنة لهم والنار لغيرهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥]، وقالوا: لن ندخل النار إلا أياماً معدودات.
وهذا كله إخبار منهم بأن هناك بعثاً ونشوراً، وهم مؤمنون بالبعث والنشور، ولكنهم يؤمنون بأمور أخر، منها: أنهم يجعلون مع الله آلهة أخرى، فقد زعمت اليهود أن عزيراً ابن الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله، فأركان الإيمان المنصوص عليه في حديث جبريل ﵇ لابد من الإتيان بها كلها، حتى يحكم على أي رجل بأنه مؤمن.
стр. 291
تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات الحبك)
ثم قال ﵎: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٧ - ٩]، هذا قسم آخر غير متتابع جاء لوحده.
وجملة ما يقال في معنى قول الرب جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧] أي: والسماء ذات الخلق الحسن، وأقوال المفسرين فيها تصب في نهر واحد، حيث اختلفوا ﵏ في معنى الحبك؛ لأن الكلمة تحتمل هنا أكثر من معنى في اللغة: فمنهم من قال: إن المقصود: والسماء ذات النجوم.
من باب قولهم: (حبكت الشيء) بمعنى: زينته، والنجوم زينة للسماء.
ومنهم من قال: إن الحبك هنا بمعنى الطرائق، وهذا يؤيده القرآن في قوله تعالى: ﴿فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون:١٧].
ومنهم من قال: (ذات الحبك) أي: الشيء المحبوك، وهذا يؤيده إخبار الرب عن السماء بأنه جعلها سقفاً محفوظاً.
وهذه الأقوال كلها يجمعها أن المراد: السماء ذات الخلق الحسن وهذا اختيار ابن جرير الطبري ﵀، وكل من قال من المفسرين قولاً غير هذا فإنه لا يبعد عنه ويصيب فيه.
стр. 292
تفسير قوله تعالى: (إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك)
ثم قال جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٨ - ٩].
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨] قال فيه بعض العلماء: (في قول مختلف) أي: مصدق ومكذب.
فإن قلنا بهذا تكون الآية قد خوطب بها جميع الناس؛ لأن الكفار منهم لا يصدقون بالبعث.
وقال الأكثر (في قول مختلف) أي: اختلفتم في النبي ﷺ ، فمنكم من قال: إنه شاعر، ومنكم من قال: إنه كاهن، ومنكم من قال: إنه ساحر، ومنكم من قال: إنه مجنون.
وعلى هذا القول يصبح عائداً على الكفار، وكفار قريش في المقام الأول.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٩]، المعنى: يصرف عنه من يصرف، ويدفع عنه من يدفع بقدر الله.
و (عن) هنا جارة، والهاء ضمير يعود على النبوة، ويعود على القرآن، ويعود على البعث والنشور، فالإيمان بذلك يصرف عنه من صرفه الله جل وعلا عن الإيمان، هذا قول علماء التفسير في هذه الآية ونقول غير متجرئين -والله تعالى أعلم-: إن هذا القول في نظرنا لا يستقيم؛ لأنه لا يمكن أن يقسم الرب على شيء لم ينكره أحد.
فالله تعالى قال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات:١]، ثم قال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:٥ - ٦]، أقسم الله لأنهم أنكروا البعث والنشور ولكن إذا أخذنا بقول المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨] فمعنى الآية أن هؤلاء القرشيين اختلفوا في النبي ﷺ ، وهذا لا يحتاج إلى قسم؛ لأنهم لم ينكروا اختلافهم في النبي ﷺ .
ثم إننا إذا أخذنا قوله تعالى: (يؤفك عنه)، وجئنا بالضمير؛ فإن الضمير لا يمكن أن يعود على (قول مختلف)، فيعود على القرآن، ويعود على النبوة، ويعود على البعث والنشور كما قال العلماء، وهذا تكلف في الخطاب.
فالصحيح -فيما نظن والله أعلم- أن معنى قول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨] أي: هذا القول الذي جاء به محمد ﷺ مختلف مغاير لما عهدتموه من الأقوال، ومغاير لما عهدتموه من الأساطير والأقوال، وهذا القول الذي هو الإيمان جملة يصرف عنه من يريد الله جل وعلا صرفه عنه.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨] أي في نبأ جديد مختلف عما عهدتموه مما ينقل لكم من أساطير الأولين ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٩] أي: يقبله من يريد الله، ويصرف عنه ويدفع عنه من يريد الله ﵎ أن يصرفه ممن لم يكتب الله جل وعلا له الهداية.
ولا أعلم أحداً قال بهذا القول قبل، ولكننا في مجلس علم، ولا يلزمك شيء من قبوله.
стр. 293
تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون)
الوقفة الثانية في قول الرب ﵎: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٥ - ١٨].
стр. 294
بيان معنى قوله تعالى (آخرين)
قوله تعالى: (آخذين) يحتمل معنين: فإما أن يكون المقصود: (آخذين) وقت دخولهم الجنة، فيصبح المعنى: آخذين ما هم فيه من النعيم.
والمعنى الآخر: أن يكون ذلك في حال كونهم في الدنيا، فالله تعالى يصف حال المحسنين عندما كانوا في الدنيا، فيقول: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات:١٦].
فإذا قلنا بهذا يصبح المعنى: كانوا راضين عن الله؛ ولأنهم رضوا عن الله أخذوا عنه الأمر بتنفيذه، والنهي باجتنابه، والمصائب بالصبر عليها، والنعماء بالشكر.
وإن قلنا: إنها حال لهم في الآخرة؛ إن قوله تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات:١٦] هذه ظاهرة لا تحتاج إلى تفسير، أي: أنهم يتقلبون في نعم الرب ﵎ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٦].
стр. 295
بيان معنى قوله تعالى (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون)
ثم ذكر الله جل وعلا صفتين من صفاتهم، وسنقف عندهما وقفة علمية لا وقفة وعظية.
قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]، فالله جل وعلا هنا يخبر عن حال أهل النعيم، فالآية في سيقال المدح، وحين تفسر لابد لك من أن تستحضر سياق الآية حتى لا تقع في حواجز اللغة.
فـ (ما) في قوله تعالى: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون) معنيين: المعنى الأول: أن تكون نافية، والمعنى الثاني: أن تكون موصولة.
فإذا قلنا: إنها نافية يصبح معنى الآية: كانوا قليلاً من الليل لا يهجعون.
أي: أن قيامهم في الليل قليل بالنسبة إلى النوم.
وإن قلنا: إنها موصولة يصبح المعنى: كانوا أكثر الليل قائمين بين يدي ربهم، وقليلاً ما ينامون.
فمن حيث اللغة العربية تحتمل الآية معنيين؛ لأن (ما) في اللغة تأتي موصولة، وتأتي نافية، ولا يعرف المرجح إلا من السياق العام، والسياق العام في معرض المدح والثناء، وأنا كنت في معرض المدح والثناء، فإنه لا يمكن أن تكون (ما) نافية، فلا يُعقل أن الله يثني على خلق من خلقه وعدهم الجنان، وأعطاهم ما يشاءون بأنهم كانوا أكثر الليل نائمين.
فحواجز اللغة هنا أخرجها السياق القرآني؛ لأنه سياق مدح وثناء على تلك الفئة.
стр. 296
بيان معنى قوله تعالى (وبالأسحار هم يستغفرون)
ثم قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨]، والسحر: آخر الليل، وهو موطن التنزل الإلهي، وهو موطن إجابة الدعاء، وقد قال العلماء ﵏: إن يعقوب لما قال لبنيه (سوف أستغفر لكم ربي): إنما كان ينتظر ساعة السحر؛ لأنها أقرب إجابة وكان طاوس بن كيسان ﵀ لا ينام السحر، فذهب إلى رجل يسأله عن مسألة وقت السحر، فلما طرق الباب ردت عليه الجارية أو الغلام فقالت: إن مولاي نائم، فقال: سبحان الله! ما ظننت أن مؤمناً ينام السحر؛ لأنه موطن وقت عظيم، فيه يتقرب الصالحون إلى ربهم جل وعلا، وقد النبي ﷺ لـ معاذ في بيان بعض الأعمال الفاضلة: (وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]).
стр. 297
تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين)
الوقفة الثالثة مع قول الرب ﵎: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٥].
هنا يخبر الله جل وعلا نبيه ﷺ بنبأ ضيف إبراهيم المكرمين، وهم ملائكة كرام، قيل: إنهم جبريل وإسرافيل وميكال نزلوا من السماء، وأصل مهمتهم أن يعذبوا قوم لوط، ولوط ﵊ ابن أخ لإبراهيم، كانا يسكنان بأرض بابل في العراق، فلما تآمر القوم على إبراهيم وأدخلوه النار هاجر لوط بزوجته وابنتيه، وكذلك إبراهيم، فتركوا أرض العراق، فنزل لوط ﵊ في أرض سدوم جهة الأردن حالياً في الضفة الشرقية من الأردن، ونزل إبراهيم ﵊ في بيت المقدس في أرض فلسطين، فكانا بعيدين.
فلما جاءت الملائكة مرسلة لتعذب قوم لوط لأنهم أنكروا نبوة نبيهم وجاءوا بالفاحشة العظيمة مرت وهي في طريقها على إبراهيم، وكان إبراهيم آنذاك متزوجاً من سارة الحرة، ولم تكن تحته هاجر الأمة، وكان إبراهيم يفتح بيته للضيفان، فلذلك لم تستأذن الملائكة، فدخلت البيت على إبراهيم ﵊ في صور رجال غير معروفين، فاستقبلهم وهو منكر لهم؛ لأنه لا يعرفهم، ولما حيوه كأنهم سلموا بطريقة غير معهودة قال تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥]، فدخلوا عليه، فبادر ﵊ فعمد إلى عجل سمين فقربه إليهم وقدمه لهم على أنه طعام لضيفه، وكان عامة النعم التي يملكها البقر، ولكن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا توصف بذكورة ولا بأنوثة فلم تقرب أيديهم الطعام، فازداد خوفه، قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٨]، فلما شعر بالخوف طمأنته الملائكة وأخبروه بأنهم رسل من الله، فلما زال عنه الخوف بشروه، قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨]، وقال في آية أخرى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١]، وكان الذي يتولى خدمة الضيوف إبراهيم بنفسه ومعه زوجته سارة.
فلما قالوا ذلك بدر من الزوجة ردة فعل، حيث تعجبت فأظهرت صوتاً، قال الله جل وعلا: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات:٢٩] و (أقبلت) هنا ليس بمعنى (مشت)، وإنما أخذت في الفعل، فهو نظير قول الله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه:١٢١] أي: أخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وقوله تعالى: (في صرة) يعني: -ظهرت صوتاً- يقال: صرير الباب، أي: صوته، فصكت وجهها تعجباً ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات:٢٩]، فذكرت سببين من أسباب منع الحمل، فقالت: (عجوز عقيم)، فأخبرتها الملائكة بأن هذا أمر الله: ﴿قَالُوا كَذَلِك قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات:٣٠]، فاطمأن إبراهيم وقبل البشارة، فلما ذهب عنه الروع والخوف سألهم: لماذا قدمتم؟ فأخبروه بأنهم قدموا ليعذبوا قوم لوط، فأدركته العاطفة والشفقة على ابن أخيه لوط، فقال: ((إِنَّ فِيهَا لُوطًا)) قالت الملائكة: ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت:٣٢]، وأخبرته الملائكة بأنهم معهم حجارة مسومة -أي: معلمة- عقاباً لأولئك المجرمين، هذا ما تدل عليه الآية جملة.
стр. 298
بيان كرامة الملائكة
يقول الرب جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤]، هذا يسمى أسلوب تفخيم، حتى يتهيأ النبي ﷺ ليسمع الخطاب.
وكلمة (ضيف) تطلق على المذكر وعلى المؤنث، وعلى المفرد وعلى المثنى وعلى الجمع، وقوله تعالى: (المكرمين) معناه أنهم مكرمون أصلاً، ومكرمون عارضاً.
فهم مكرمون أصلاً؛ لأنهم ملائكة، والدليل قوله تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١١] وأوضح منها قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]، فهذا نعت للملائكة بأنهم مكرمون أصلاً.
وهم مكرمون عارضاً لأنهم ضيوف، ومن شدة كرمه ﵇ باشر بإكرامهم بنفسه، فهو الذي قدم الطعام، وهو الذي أدخلهم، وهو الذي دعاهم فقال: (ألا تأكلون) ومن عناية الرجل بضيفه أن يباشر هو بنفسه إكرام الضيف، فهذا معنى قول ربنا: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٥].
стр. 299
بيان حصول الأنس بالمؤاكلة
والعامة تقول (بينك وبين فلان عيش وملح) في التقاليد الموروثة إنسانياً شيء اسمه حرمة المؤاكلة، وهو معنى قول العامة: (عيش وملح)، فالإنسان إذا جلست معه على طعام واحد يصبح بينكما شيء من الحرمة، وليست الحرمة أن ترى زوجته ويرى زوجتك، ليس المقصود هذا، ولكن المقصود أنك تغير تعاملك معه؛ لأن هذا الأمر يغير فيك، وهذه جبلة إنسانية موجودة عبر التاريخ، وإذا أردنا أن نخوض في هذا إنسانياً نقول: إن موسى ﵊ كان ذكياً في الصغر، فلما أراد فرعون أن يقتله ائتمر بأمر آسية فقدم له جمراً وتمراً، فعمد موسى إلى التمر يريد أن يأكله، فجاء جبريل ووضع يد موسى على الجمر، حتى يفهم فرعون أن موسى لا يفقه، فلا يعمد إلى قتله، ولأن تحرق يد موسى قليلاً خير من أن يقتل ولما أصابت يد موسى الحرق أصبح غير قادر على أن يأكل في الصبا بنفسه، فلا يستطيع أن يأكل مع فرعون، بل يحتاج إلى وقت حتى يأكل معه، فيضطر إلى أن لا يأكل مع فرعون، فحين يضطر موسى إلى أن لا يأكل مع فرعون لا تكون بينه وبين فرعون حرمة مؤاكلة، فإذا قدر الله بعد ذلك أن يزيل ملك فرعون على يد موسى لم تكن لفرعون يد على موسى حتى في باب حرمة المؤاكلة.
فحين تريد أن يكون بينك وبين امرئ نوع من الحرمة فتقدم له الطعام يصيبك الخوف، لذا قال إبراهيم ﵇: ﴿قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥]، بعد أن قال الله: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٦ - ٢٧]، وقلنا: إن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل ولا تتناكح، ولا توصف بذكورة ولا بأنوثة، بل هم كما نعتهم ربهم وخالقهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦].
стр. 300
بيان بشارة الملائكة لزوج إبراهيم
يقول تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨]، ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات:٢٩].
إذا أردت أن تفسر القرآن فاجمع الآيات كاملة، ولا تأخذ القرآن مجزأ، لأنه كله كلام الله، فليس بعضه بأولى من بعض.
فسارة ذكرت سببين لمنع الحمل، وهما أنها عجوز وعقيم و (عجوز) على وزن فعول يجتمع فيها المذكر والمؤنث، فيقال للرجل: عجوز، وللمرأة عجوز، و (عقيم) معناها أنها امرأة لا تأتي بالولد، فهذان سببان، وبقي سبب ثالث ذكره الله جل وعلا في هود، وهو قوله تعالى عنها: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧٢]، فالله جل وعلا ذكر هذه الأسباب متفرقة.
стр. 301
ذكر ما قيل في تعيين الذبيح
يقول الله تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨].
إن هناك أموراً لا ينبغي لطالب العلم أن يجهلها، فأهل كل الملل من اليهود والنصارى والمسلمين متفقون على أن إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه، وأن الله جل وعلا فدى ذلك الذبيح، ولكن السؤال من هو الابن الذي أمر إبراهيم بذبحه ثم فداه الله جل وعلا بكبش عظيم.
فقول على إنه إسماعيل، وقول على إنه إسحاق.
وجمهور العلماء على أنه إسحاق، واختاره ابن جرير الطبري شيخ المفسرين ﵀، وهو المروي الثابت عن عبد الله بن مسعود، والرواية الصحيحة عن عبد الله بن عباس، وهو قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وعن جملة من الصحابة، وروي عن أكثر من عشرة من سادات التابعين.
وذهب بعض العلماء -وهي الرواية الثانية عن ابن عباس، وقول الإمام أحمد -إلى أن الذبيح هو إسماعيل، وكل منهم له أدلة.
وقال الزجاج ﵀: الله أعلم أيهما هو الذبيح، لكثرة الاختلاف في المسألة.
وأما أنا فلا أدري أيهما الذبيح، فكلما ترجح قول صُدم بشيء، وقد يقول قائل: إن النبي ﷺ قال: (أنا ابن الذبيحين)
و
الجواب
أن الحديث رواه الحاكم في المستدرك، وقال عنه الذهبي: إن سنده واهٍ جداً، فلا يقبل في مسألة كهذه.
أما اختلاف أقوال العلماء فسنحاول الإجمال فيه لتتبين.
فالله تعالى: ذكر أن قوم إبراهيم أرادوا أن يحرقوه، ثم ذكر عنه أنه قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، ثم دعا ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠]، قال الله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠١ - ١٠٢]، والذي بلغ معه السعي هو، الغلام الذي بشر به، وذلك عند خروجه من أرض العراق، فدعا ربه أن يهب له من الصالحين، ثم قال الله عنه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢].
فالذين قالوا: إنه إسحاق قالوا: ليس في القرآن دليل واحد على أن الله بشر إبراهيم بإسماعيل، بل المبشر به في القرآن هو إسحاق، كقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات:١١٢]، فكل القرآن يدل على أن الذي بشر به بشارة هو إسحاق، فقالوا: إن الذبيح هو المبشر به؛ لأن الله قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ﴾ [الصافات:١٠١ - ١٠٢].
فهذا هو الذي دفع العلماء إلى القول بأنه هو إسحاق.
ومن أدلتهم أنهم قالوا: إن الله يقول: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات:١٠٢] أي أنه كان يعيش في كنف من؟ في كنف أبيه، وإسماعيل لم يعش في كنف أبيه، بل كان مع أمه في مكة، فإسحاق هو الذي كان مع أبيه يخدمه، وأما إسماعيل فكان مع أمه، وإبراهيم قد جاء إلى مكة ثلاث مرات، فمرتان لم يجد فيهما إسماعيل، وفي المرأة الثالثة وجده.
وممن قالوا: إنه إسماعيل وانتصروا لهذا الرأي العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى صاحب (أضواء البيان)، فقد قال: إنه لا يسوغ القول بأنه إسحاق، وإن ظاهر القرآن يدل على أنه إسماعيل، واحتج بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى في الصافات: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ﴾ [الصافات:١٠١ - ١٠٢] وذكر الله قصة الذبح كلها، ثم قال الله بعد أن ذكر الذبح: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٦ - ١١٢].
يقول الشنقيطي ﵀: إن قواعد القرآن تقتضي أنه لا يمكن أن يعيد الله البشارة مرة ثانية، فالمبشر به الأول غير المبشر به بالثاني؛ لأن الله قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] ولم يسمّ، ثم قال بعد الحدث، قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات:١١٢]، فـ (الواو) واو عطف، والعطف يقتضي المغايرة.
ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن تكون الواو واو العطف، فيمكن أن تكون الواو واو استئناف، فتكون الآية قد نزلت منفكة عن الأولى وقال رحمه الله تعالى: والدليل الثاني على أن الذبيح هو إسماعيل: أن الله قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] ووجه الدلالة هو أنه لا يعقل أن يبتلي الله إبراهيم بذبح إسحاق وقد أخبره بأن من ذرية إسحاق يكون يعقوب، فليس هناك معنى للابتلاء؛ لأن إبراهيم يعرف أنه لن يموت؛ لأن الله قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]، فلن يأتي يعقوب إلا بحياة إسحاق.
ويجاب عن هذا بأن العرب تكرر حرف الجر في نحو قولك: مررت بصالح ثم مررت بعده بخالد، ولا يستقيم أن تقول إذا أردت العطف: مررت بصالح ثم مررت بعده خالد.
فالله هنا قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] فلو كان المقصود العطف -أي أنها بشارة واحدة -لكان لفظ الآية: (ومن وراء إسحاق بيعقوب)، فلما حذفت الباء دل حذفها على أن الآية منفكة، بمعنى أن البشارة كانت بإسحاق فقط، وأما جملة (ومن وراء إسحاق يعقوب)، فغير داخلة في البشارة.
ومن المعلوم أنه لا يتعلق بمعرفة أحد الذبيحين عمل في حياتك اليومية، والذي أردته من إثارة القضية أن تعرف أولاً أنها مسألة خلاف، وأن كثيراً من العلماء قالوا بأنه إسحاق، وكثيراً منهم قالوا بأنه إسماعيل، والمهم أن تعرف أن لكل قوم دليلاً، وأشهر من قال من المفسرين أنه إسحاق ابن جرير أمام المفسرين، وأشهر من قال من المفسرين أنه إسماعيل الحافظ ابن كثير ﵀، والعلامة الشنقيطي ﵀ ورحم الله جميع علماء المسلمين.
стр. 302
ذكر خبر عاد
وقد ذكر الله بعد ذلك أخبار الأمم والرسل، ونقف إجمالاً مع قول الله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات:٤١] والريح العقيم هي التي لا تلقح شجراً ولا تثير سحاباً.
قال تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤٢]، وهذا لا يعني العموم، فليس كل شيء أتت عليه جعلته كالرميم؛ لأن الله قال: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، فأثبت وجود المساكن.
стр. 303
تفسير قوله تعالى: (فتول عنهم فما أنت بملوم)
ثم قال تعالى لنبيه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤]، فقول الله جل وعلا لنبيه: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤] يشعر بأن الله أعذر نبيه في عدوة أولئك الناس.
فهو لفظ يشعر بأن الأمور انتهت، فقد فعلت ما عليك، ودعوت وأنذرت وبلغت، (فتولّ عنهم) أي: اتركهم، فالمؤمنون الذين كانوا آنذاك أحياء، ونزلت هذه الآية وهم موجودون أخذوا ينتظرون العذاب على الكفار وانقطع الوحي؛ لأن الله أعذر نبيه وأمره أن يتولى فقال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤]، فلما أصابهم هذا الخوف أخبر الله أن الوحي ما زال مستمراً، فقال بعدها: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] يعني: لا تترك البلاغ، واستمر في تذكيرك، فهذا يدل على أن الوحي آنذاك غير منقطع، فأصبحت هذه الآية -كما قال علي ﵁ وغيره- نوعاً من البشارة للمؤمنين.
هذا ما تهيأ إيراده، وتيسر قوله حول هذه السورة، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم.
стр. 304
سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الطور
يقسم الله تعالى في صدر سورة الطور بجملة من مخلوقاته لبيان أن البعث والجزاء حق، وأن عذاب الكافرين كائن لا محالة، مردفاً ذلك بذكره تعالى بعض مشاهد أهوال يوم القيامة، وما أعده للمكذبين من العذاب الأليم وما هيأه لعباده الصالحين من النعيم المقيم، آمراً رسوله ﷺ بالاستمرار في الذكرى، ومبيناً لجملة من الاعتراضات الصادرة عن المشركين وتفنيدها، وقد توعدهم الله تعالى بالإمهال إلى يوم يبعثون، وأمر نبيه بالصبر والفزع إلى تسبيح الله.
стр. 305
تفسير قوله تعالى: (والطور)
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صفيه من خلقه وأمينه على وحيه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا الدرس خاص بتأملات في سورة الطور، وهي سورة مكية تناولت أصول العقيدة الثلاثة: الوحدانية، وإثبات الرسالة، والبعث والجزاء.
وهذه السورة بدأت بقسم على صدق البعث والجزاء وانتهت بالأمر لنبينا ﷺ بأن يصبر وأن يقرن ذلك الصبر بالتسبيح، كما أن هذه السورة الكريمة ثبت فيها أنه ﷺ قرأ بها في صلاة المغرب، كما في حديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه وأرضاه لما قدم المدينة يسأل النبي ﷺ في أسارى بدر، فسمع النبي ﵊ يقرأ بها -أي: بسورة الطور- في صلاة المغرب، فكاد أن ينصدع قلبه كما أخبر بعد ذلك ﵁ وأرضاه.
أما تفسيرها فإننا نقول ومن الله نستمد العون، ونستدفع نقمته ونستجدي رحمته قال ربنا ﷻ : ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:١ - ٨] هذا قسم من الله جل وعلا ببعض مخلوقاته، فأقسم ربنا جل وعلا في هذه السورة بالطور، والطور في اللغة: هو الجبل الذي فيه نبت وشجر، فكل جبل أنبت فهو طور، وكل جبل لم ينبت فليس بطور.
و (أل) في الطور إما أن تكون للجنس، وإما أن تكون للعهد، فإذا قلنا: إنها للجنس فهي شاملة لجميع الجبال التي عليها نبت وشجر، وإن قلنا: إنها للعهد فإن المعهود هنا معهود ذهني وليس معهوداً لفظياً؛ لأنه ليس قبل هذه الآية شيء، وإنما هو معهود ذهني مستقر في الأذهان، والمعهود الذهني المستقر في الأذهان المتعلق بالطور هو الجبل الذي كلم الله جل وعلا عنده عبده ونبيه وصفيه موسى بن عمران ﵇، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، وقال الله ﵎: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ [القصص:٤٤]، وفي آيات أخر سماه الله جل وعلا البقعة المباركة، وسمى ﵎ الوادي الذي فيه هذا الجبل، قال الله جل وعلا: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، فهذا كله إخبار بأن الأرض التي فيها الجبل أرض مقدسة، وهي طور سيناء، وأن الجبل نفسه جبل مبارك؛ لأنه عند هذا الجبل نزل الوحي على رسول من أولي العزم من الرسل هو موسى بن عمران، وكلمه الله جل وعلا، ونال موسى في ذلك المكان المبارك ما نال من فيض الله جل وعلا ورحمته وبركاته عليه وهو النبي والصفي والكليم الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
فيتحرر من هذا أن الطور في قول أكثر العلماء المقصود به الجبل الذي كلم الله عنده موسى.
стр. 306
تفسير قوله تعالى: (وكتاب مسطور في رق منشور)
ثم قال جل وعلا: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣].
جاءت كلمة (كتاب) منكرة، فليست معرفة بـ (أل) حتى نقول: هل هي للعهد أم هي للجنس.
ولذلك اختلف العلماء ﵏ في المقصود بالكتاب هنا، وأظهر الأقوال ينصرف إلى قولين: قول أن المقصود بالكتاب اللوح المحفظ، والقول الثاني -وهو الأشهر- أن المقصود به كتاب الله القرآن الكريم الذي بين أيدينا.
قال تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:٢] أي: مكتوب، يقال: سطر بمعنى: كتب.
قال تعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣] الرق -بفتح الراء- ما يكتب عليه، وكل شيء كتبت عليه من الصحف أو الورق يسمى رقاً، أما الرِق -بكسر الراء- فهو العبودية، ويتناول عند الفقهاء في قضية الرقيق وما أشبه ذلك.
وسواء قلنا: إنه اللوح المحفوظ، أو قلنا: إنه القرآن الكريم، فكلاهما مكتوب، كما هو معلوم أن الله أول ما خلق القلم قال له: اكتب كما في الحديث الصحيح.
والأظهر أن المقسم به هنا هو كلام الله.
стр. 307
تفسير قوله تعالى: (والبيت المعمور)
ثم قال جل وعلا: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور:٤] وهذا القسم الثالث، والبيت المعمور: هو بيت في السماء السابعة على أظهر الأقوال، قال العلماء فيما نقل من آثار يعضد بعضها بعضاً: إن هذا البيت في السماء السابعة فوق الكعبة، فلو سقط منه شيء لسقط على الكعبة.
ومن العلماء من يقول إن البيت المعمور المقصود به هنا الكعبة نفسها؛ لأنها تعمر بالطائفين، والعباد، والراكعين، والساجدين.
ولكن في هذا السياق نرجح أنه البيت المعمور الذي في السماء السابعة؛ لأن البيت المعمور وردت تسميته بذلك في الحديث، حيث قال ﵊ في الحديث الصحيح في الإسراء والمعراج: (فإذا أنا برجل قد أسند ظهره إلى البيت المعمور) يقصد خليل الله إبراهيم، فلما ورد في السنة أن البيت المعمور هو بيت في السماء السابعة، وجاء في أثر آخر أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يسبحون الله لا يعودون إليه إلى يوم القيامة؛ قلنا: إن الأرجح أن يكون المقصود بالبيت المعمور هو البيت الذي في السماء السابعة.
وقلنا: ثمة رأي يقول: إن البيت المعمور المقصود به الكعبة، وكلا القولين وجيه، ولكن الأول -فيما نعلم والله أعلم- هو أرجح، وهو قول أكثر المفسرين ﵏.
والذي يعنينا أن الرب ﵎ -لا رب غيره ولا إله سواه- يُعبد في الأرض ويُعبد في السماء، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وأنت إذا قرأت مثل هذه الآيات وعلمت أن الله يقسم بالبيت المعمور، وأن هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، وأنه في السماء السابعة، وأن الله جل وعلا يُعبد؛ تعلم يقيناً أنه كم من عبد صالح غيرك يعبد الله، وليس لك ولا لغيرك، فالله جل وعلا غني عن كل خلقه بلا استثناء، وكل خلقه بلا استثناء فقراء إليه شاءوا أم أبوا، فكل الخلق فقراء إلى ربهم ﵎، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] وهذا الذي يتركه أثر القرآن في نفوسنا إذا تلوناه وقرأناه.
стр. 308
تفسير قوله تعالى: (والسقف المرفوع)
قال تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور:٥] السقف المرفوع في أظهر الأقوال المقصود به السماء، وهي مرفوعة عن الأرض، وقد زينها الله جل وعلا بالنجوم، وقد جعل الله لها أبواباً وجعل لها طرائق، وجعل لها خزنة، قال ﵊: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله) جعلنا الله ممن يخافونه رغباً ورهباً.
فالمقصود أن السقف المرفوع هو السماء، وقد قال الله جل وعلا في آية أخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢]، وإذا أردت أن تفسر الآية فوجدت لها قرائن تعضدها في كتاب الله كان ذلك دلالة وقرينة على أنك أقرب إلى الصواب، ولكننا لا نجزم بشيء في الغالب إلا بما ثبت عن رسولنا ﷺ ، أو أجمع عليه الصحابة، أو أجمعت عليه الأمة.
стр. 309
تفسير قوله تعالى: (والبحر المسجور)
قال تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:٦] أقسم الله ﵎ بخلق عظيم من خلقه هو البحر، والبحر من أعظم مخلوقات الله ﵎ بلا شك، فإذا رآه الرائي يتذكر عظيم قدرة الجبار ﵎، وقد نعت البحر هنا بأنه مسجور، وكلمة (مسجور) تحتمل معنيين: المعنى الأول: أنه المملوء ماء، وهذا ظاهر لا ارتياب فيه.
والمعنى الثاني: أن يكون بمعنى الموقد الذي يشتعل ناراً، فإذا اخترنا الرأي الثاني -وقد اختاره كثير من العلماء- يكون المعنى أنه مسجور يوم القيامة؛ لأنه الآن ليس بمسجور فيما نرى، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] أي: أوقدت، وقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] قرينة على أن المقصود بالبحر المسجور البحر الموقد، ولكن لا نجزم به، واللغة تحتمل المعنيين.
стр. 310
ذكر فائدة القسم وأثره
والمقصود أن هذا كله قسم من الرب ﵎ ببعض مخلوقاته لبيان أن البعث والجزاء حق، ولبيان أن ما وعد به الكفار من العذاب كائن لا محالة، ولهذا كان كثير من العصاة يخوّف المرء منهم ويرقق قلبه ويدعى إلى الله بقراءة سورة الطور عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:١ - ٨]، فأي أحد يعصي الله لن يحول بينه وبين عذاب الله شيء إلا أن تتداركه رحمة الرب ﵎، ولذلك فإن جبير بن مطعم لم يكن مسلماً، بل كان كافراً في أول الأمر، فلما قدم إلى المدينة للنظر في أسرى بدر والتفاوض دخل المدينة فسمع النبي ﷺ يقرأ بالطور، وكان النبي ﵊ أندى الناس صوتاً بقراءة القرآن، فاجتمع صوت النبي مع ما يتلوه، فلما قرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور:٧] قال: خفت أن ينصدع قلبي وآمنت خوفاً من أن يقع عليَّ العذاب.
والمؤمن يعلم أن وعد الله حق، فمن عصى الله يبقى في خوف، فإذا كان الله قد نعت المؤمنين بأنهم خائفون من ربهم، فما بالك بالعصاة؟! أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:٧ - ٨] والعصاة يوم القيامة لا يمكن أن يدفع عنهم عذاب الله جل وعلا أحد كائناً من كان، لا شفيع ولا قريب ولا ذو مال ولا ذو سلطان.
стр. 311
تفسير قوله تعالى: (يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً)
ولما كانت آيات القرآن يمهد بعضها لبعض قال الله جل وعلا في بيان وقت حصول العذاب: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور:٩ - ١٠].
قوله تعالى: (تمور السماء) أي: تضطرب، وتموج، وتتحرك، فالسماء يوم القيامة تضطرب تتحرك، ثم بعد ذلك يموج بعضها في بعض، ثم بعد ذلك تتبدل، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] وكذلك الجبال، فإنها أول الأمر تسير كما يسير السحاب، قال الله جل وعلا: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨] وأخبر الله جل وعلا أنها تصبح كالعهن المنفوش، ثم بعد ذلك تصبح منبثة، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٦] فتضمحل وتنتهي وتندك، كما قال ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧]، وهذه الأحداث تقديم بين يدي يوم عظيم يجيء فيه الجبار ﷻ مجيئاً يليق بجلاله وعظمته، ويحشر الناس على أرض بيضاء نقية لم يُعص الله جل وعلا فيها طرفة عين، ويخرج الناس من قبورهم حفاة عراة غرلاً بهماً لا يملكون من متاع الدنياء شيئاً، فيلجمهم العرق، وتدنو منهم الشمس، ويزدحم بعضهم ببعض، ومنهم من يخصه الله بأن يظله تحت ظل عرشه جعلني الله وإياكم من أهل ذلك.
فذلك كله أخبر الله جل وعلا عنه بالتمهيد الذي كان ينكره المشركون فقال: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور:٩ - ١٠].
стр. 312
بيان ما أعده الله للمكذبين وتفسير قوله تعالى: (أفسحر هذا)
ثم أخبر الله جل وعلا في آيات متتابعة أن الويل لأهل التكذيب، وأنهم يساقون إلى جهنم في آيات ظاهرة البيان، حتى قال الله جل وعلا بأسلوب تهكم بهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] والحق أنه ليس بسحر، وأنهم يبصرون، فلما انتفى الاثنان بقي الثالث، وهو أن ما يرونه حق، فعندما يواجه الكفار النار يوم القيامة يقال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] وكلا الأمرين منتف، فلا النار سحر ولا هم لا يبصرون، بل يبصرون النار، ولذلك بقي الأمر الثالث، وهو أنهم يبصرون النار -عياذاً بالله- فيصيبهم من الكرب ما الله به عليم وأجارنا الله وإياكم من حرها وشررها.
стр. 313
تفسير قوله تعالى: (اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا)
ثم يقال لهم: ((اصْلَوْهَا)) أي: ذوقوا حرها ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٦] واستوى الصبر والجزع هنا لأنه قد تقرر عقلاً ونقلاً وشرعاً أن الإنسان إذا ابتلي بشيء فهو إما أن يصبر وإما أن يجزع، فإذا جزع خسر العاقبة، وإذا صبر نال العاقبة والخير؛ هذا إذا كان مؤمناً، وإن كان كافراً فإنه إذا جزع خسر، وإذا صبر فإن صبره يهون عليه الأمر، حتى إن أعداءه لا يستطيعون أن يشمتوا به إذا كان صابراً؛ لأنهم يرون أن هذا الكرب لم يغير فيه.
فالصبر إذا تحلى به الإنسان -مؤمناً أو كافراً- فإنه يعينه على قهر ما أصابه من بلاء ولو نسبياً، فالصبر ذو فضل على الجزع.
ولكن في يوم القيامة إذا دخل أولئك النار كان الصبر والجزع بالنسبة لهم سواء، فلا هم يخرجون إن صبروا، ولا يخفف عنهم العذاب إن جزعوا، ولذلك قال الله عنهم في آية أخرى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] فلا يوجد مفر ولا مخرج، ولا يوجد لهم ملجأ، فالصبر والجزع يستويان في نار جهنم أعاذنا الله وإياكم منها.
стр. 314
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان)
ثم ذكر الله ﵎ بعدها ما يكون لأهل الطاعة والنعيم، ثم قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] وللعلماء ﵏ في معنى هذه الآية قولان: القول الأول -وهو الأظهر وعليه الجمهور-: أن يكون المعنى أن الله جل وعلا يكرم من علت درجاتهم من أهل الجنة بأن يلحق بهم من ذريتهم من نزلت درجتهم عنهم، فيرفع الله درجة الأدنى -وليس في الجنة دان- إلى درجة الأعلى؛ لتقر عينه دون أن يُبخس من درجة الأعلى شيء.
فلو أن إنساناً دخل هو وأبناؤه الجنة وكانت درجة الوالد أعلى من درجة الولد؛ فإن الله يرفع الولد إلى مقام أبيه لتقر عين الوالد بولده دون أن يُبخس شيء من حق الوالد، قال الله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١]، وإذا كان الابن في الأعلى والأب في الأدنى فكذلك يرفع الأب إلى الابن، فهذا هو القول الأول، وهو الأظهر.
القول الثاني: أن معنى الآية أن من المؤمنين من كان لهم أبناء ماتوا قبل البلوغ، فليس لهم أعمال إلا الإيمان، فلكي تقر بهم أعين والديهم يُرفعون إلى درجات آبائهم وأمهاتهم.
وليس أحد القولين عن الآخر ببعيد، ويمكن أن تحتوي الآية كلا المعنيين.
والذي نريد أن نصل إليه إن من أعظم السعادة أن تدخل أنت وأهلك الجنة ممن تحبهم في الدنيا، وأن الله جل وعلا ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، وإنما هي الأعمال، فالرجل، وزوجته، وأبناؤه، وأمه، وأبوه، وإخوته، وعماته، وخالاته، ومن حوله إذا كان بعضهم يحب بعضاً وتمنوا أن يكونوا مجتمعين في الجنة كما هم مجتمعون في الدنيا؛ فإن من أعظم ما ينال به ذلك تقوى الرب ﵎، فالذي يسعى في حيه، أو في أسرته، أو في مجتمعه الخاص لهدايتهم إنما يسعى لأن يجتمع بهم في الجنة، ولقد قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، فكون الإنسان يجتهد أولاً في نجاة نفسه ثم في نجاة من يحب من أعظم القربات التي يتوصل بها إلى رحمة الرب ﵎.
стр. 315
بيان المراد بقوله تعالى: (كل امرئ بما كسب رهين)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] وبعض العلماء يقول تقف هنا، ثم تقرأ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] قال بعضهم: هذه الجملة ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] ليست خاصة بأهل الإيمان، وإنما المقصود بها أهل الكفر، ومعنى الآية عند من قال هذا من العلماء أن الإنسان قد يقرأ هذه الآية فيتوهم أن ما يجري من أحكام على أهل الجنة يجري على أهل النار، فقول الرب ﵎: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] يدفع هذا الوهم، والمعنى أن أهل الجنة لا يُبخسون شيئاً، ولكن ينالهم فضل الله، فقد يعطى الرجل من أهل الجنة ما لا يستحقه بعمله، كأن يرفع الولد إلى منزلة والده، أو يرفع الوالد إلى منزلة ولده، ولكن في النار لا يجري هذا الحكم، فلا يعذب أحد إلا بمقدار ما يستحق، وهذا معنى قول الله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] أي: مرتهن بعمله، وقالوا: إن الرهن لا يكون للمؤمنين، والدليل أن الله جل وعلا قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٠] وأياً كان المعنى فإنه معنى قوي يقصد به أن هذه التذييل أريد به دفع الوهم.
стр. 316
ذكر ما يتذاكر به أهل الجنة في الجنة
ثم قال الرب ﵎ عن أهل جنته: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٨].
يخبر الله بأن أهل الجنة يتذاكرون مجالسهم التي كانت في الدنيا، وإنني أسأل الله بكمال جماله وعز جلاله أن يجعلنا وإياكم ممن يتذكر هذا المجلس في جنات نعيم.
فالله يقول: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥] فهؤلاء مؤمنون قد كساهم الله جل وعلا أعظم الحلل، وأنزلهم الله جل وعلا أجل المنازل، وأفاء الله ﵎ عليهم من رحمته، ودفع الله جل وعلا عنهم كل نقمة، يجلس بعضهم إلى بعض فيتخاطبون، فإذا جلسوا في مجلس لا لغو فيه ولا تأثيم تذاكروا برحمة من الله وفضل ما من الله به عليهم في الدنيا، فنقل الله جل وعلا -وهو أصدق القائلين- كلامهم الذي سيكون يوم القيامة جعلني الله وإياكم منهم، فقال عنهم: ((وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ)) وهذا إقبال فرح ﴿عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥].
стр. 317
ذكرهم خوفهم من الله تعالى في الدنيا
فمما تذاكروه من الدنيا قولهم: ((إِنَّا كُنَّا قَبْلُ)) أي: في الزمن الماضي ﴿فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] أي: خائفين وجلين من عذاب الله ﵎، والله جل وعلا لا يأمن مكره إلا القوم الخاسرون، ولا يقنط من رحمته إلا الضالون، فالمؤمن يجعل الخوف والرجاء كجناح الطائر، فالله جل وعلا لو أوكلنا إلى أعمالنا لهلكنا، ولكننا نسأل الله أن يكلنا إلى رحمته وفضله وعفوه؛ فإن الدنيا لا تطيب إلا بذكره جل وعلا، والآخرة لا تطيب إلا بعفوه، والجنة لا تطيب إلا برؤيته ، فالله يخبر عنهم بأنهم يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦]، فهذا الخوف الذي يعتري قلبك في الدنيا هو سبب الأمن يوم القيامة، أما من انكب على ظهره ومشى يبحث عن الشهوات ويقلب في الشبهات، ويؤذي هذا ويحارب هذا، ويكفر بالله، ويخرج من بار إلى بار، ومن شاطئ عراة إلى مثله، ومن قناة إلى قناة، ومن فضائيات إلى فضائيات، ويتلبس بالزنا واللواط والفواحش وغيبة العلماء أو غيبة الحكام، أو أذية المسلمين أو أخذ الرشوة، أو السرقة، أو ما شابه ذلك من المعاصي، ولا يخشى أحداً ولا يخاف ولا يرهب، وهو مطمئن بأنه لن يتسلط عليه أحداً، فلا يمكن أن يأمن عند الرب ﵎.
وقد قام الربيع بن خثيم ﵁ الليل كله يتلوا آية واحدة هي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، وثبت في حديث صحيح عن نبينا ﷺ أنه قام ليلة يقرأ آية واحدة من كتاب الله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].
فما زال نبينا ﷺ يقرؤها حتى طلع الفجر صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا الخوف الذي يملأ قلوبنا نفرح به؛ لأن الخوف من الله جل وعلا أعظم وسائل نيل الأمن يوم القيامة، قال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وقال جل ذكره: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠]، وذكر تعالى الجنة ونعيمها ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤] أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يخافه سراً وعلانية وغيباً وشهادة.
стр. 318
ذكرهم منة الله تعالى عليهم
قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [الطور:٢٥ - ٢٧] أي: رحمة منه وفضلاً وإحساناً ليس لنا فيه نصيب ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨] فدلت الآية على أن الدعاء من أرجى الأعمال عند الرب ﵎، وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن أبيها وعن أمها تتأول القرآن فتدعو فتقول: اللهم قنا برحمتك عذاب السموم؛ إنك أنت البر الرحيم؛ لأن الله قال عن أولياءه: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨].
стр. 319
تفسير قوله تعالى: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون)
ولما ذكر الرب جل وعلا في هذه السورة الكريمة إثبات التوحيد والبعث والنشور ذكر جل وعلا إثبات الرسالة، فقال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٩] وهذا بيان لتناقض الكفار، فالمجنون هو الذي لا يفكر أبداً، والكهانة صنعة تحتاج إلى نوع من الذكاء وإلى دقة وفطنة، وهي كفر بالله، ولا يجتمع في إنسان الجنون والكهانة، فمن تناقض أهل الكفر أنهم نعتوا النبي ﷺ بأنه كاهن ومجنون؛ وهذان ضدان لا يمكن أن يجتمعا في إنسان واحد، ولهذا قال الله جل وعلا لنبيه: ((فَذَكِّرْ)) أي: استمر في الدعوة إلى ربك والتذكير بآيات ربك، ولا تلتفت إلى ما يقوله هؤلاء الكفار عنك ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٢٩] أي: بفضل الله عليك، ونعمته وإحسانه عليك بكاهن ولا بمجنون، وكيف يكون كاهناً أو مجنوناً من يدعو إلى الواحد الأحد ﷻ ؟! فهذا يستحيل عقلاً ونقلاً.
стр. 320
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون)
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠]، وكل كلمة: (ريب) وردت في القرآن هي بمعنى الشك، إلا في هذه الآية، فهي بمعنى حوادث الدهر، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع وقول الأعشى: أأن رأت رجلاً أعشى أضر به ريب المنون ودهر مفند خبل فجملة من القرشيين كانوا يقولون هذا شاعر، والحل فيه أن نصبر عليه ونتربص به حوادث الأيام، فإما أن يموت، وإما أن يهلك، وإما أن يصيبه تلف فيعجز كما عجز من قبله من الشعراء.
ثم أخذ القرآن يحاكم أهل الإشراك بأسلوب منطقي عقلي، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور:٣٠ - ٣٢]، فبدأ الله جل وعلا بسوق الاعتراضات ثم فندها واحدة واحدة.
وهناك فرق بين العقل وبين الذهن، فهناك شيء اسمه ذهن وشيء اسمه عقل، فالذهن: الشيء الذي تفهم به، والعقل: هو الشيء الذي تتصرف من خلاله.
فقد يكون هناك إنسان تقول له العامة: ذهين، بمعنى: ذكي فطين، فيستطيع أن يسرق دون أن يكتشفه أحد، فهذا يدل على ذكائه، ولا يدل على عقله؛ لأنه لو كان عاقلاً لم يعص الله ولم يرم نفسه في المهالك.
فيوجد من الكفار من هم أذكياء، ولكن لا يمكن أن يكون هناك كافر يوصف بأنه عاقل؛ لأن من أعظم دلائل عدم عقله أنه كافر بالله، ولو كان له عقل لآمن بالله.
следующие страницы →