Полный текст (705 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ذكر ما يتذاكر به أهل الجنة في الجنة
ثم قال الرب ﵎ عن أهل جنته: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٨].
يخبر الله بأن أهل الجنة يتذاكرون مجالسهم التي كانت في الدنيا، وإنني أسأل الله بكمال جماله وعز جلاله أن يجعلنا وإياكم ممن يتذكر هذا المجلس في جنات نعيم.
فالله يقول: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥] فهؤلاء مؤمنون قد كساهم الله جل وعلا أعظم الحلل، وأنزلهم الله جل وعلا أجل المنازل، وأفاء الله ﵎ عليهم من رحمته، ودفع الله جل وعلا عنهم كل نقمة، يجلس بعضهم إلى بعض فيتخاطبون، فإذا جلسوا في مجلس لا لغو فيه ولا تأثيم تذاكروا برحمة من الله وفضل ما من الله به عليهم في الدنيا، فنقل الله جل وعلا -وهو أصدق القائلين- كلامهم الذي سيكون يوم القيامة جعلني الله وإياكم منهم، فقال عنهم: ((وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ)) وهذا إقبال فرح ﴿عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥].
стр. 317
ذكرهم خوفهم من الله تعالى في الدنيا
فمما تذاكروه من الدنيا قولهم: ((إِنَّا كُنَّا قَبْلُ)) أي: في الزمن الماضي ﴿فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] أي: خائفين وجلين من عذاب الله ﵎، والله جل وعلا لا يأمن مكره إلا القوم الخاسرون، ولا يقنط من رحمته إلا الضالون، فالمؤمن يجعل الخوف والرجاء كجناح الطائر، فالله جل وعلا لو أوكلنا إلى أعمالنا لهلكنا، ولكننا نسأل الله أن يكلنا إلى رحمته وفضله وعفوه؛ فإن الدنيا لا تطيب إلا بذكره جل وعلا، والآخرة لا تطيب إلا بعفوه، والجنة لا تطيب إلا برؤيته ، فالله يخبر عنهم بأنهم يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦]، فهذا الخوف الذي يعتري قلبك في الدنيا هو سبب الأمن يوم القيامة، أما من انكب على ظهره ومشى يبحث عن الشهوات ويقلب في الشبهات، ويؤذي هذا ويحارب هذا، ويكفر بالله، ويخرج من بار إلى بار، ومن شاطئ عراة إلى مثله، ومن قناة إلى قناة، ومن فضائيات إلى فضائيات، ويتلبس بالزنا واللواط والفواحش وغيبة العلماء أو غيبة الحكام، أو أذية المسلمين أو أخذ الرشوة، أو السرقة، أو ما شابه ذلك من المعاصي، ولا يخشى أحداً ولا يخاف ولا يرهب، وهو مطمئن بأنه لن يتسلط عليه أحداً، فلا يمكن أن يأمن عند الرب ﵎.
وقد قام الربيع بن خثيم ﵁ الليل كله يتلوا آية واحدة هي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، وثبت في حديث صحيح عن نبينا ﷺ أنه قام ليلة يقرأ آية واحدة من كتاب الله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].
فما زال نبينا ﷺ يقرؤها حتى طلع الفجر صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا الخوف الذي يملأ قلوبنا نفرح به؛ لأن الخوف من الله جل وعلا أعظم وسائل نيل الأمن يوم القيامة، قال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وقال جل ذكره: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠]، وذكر تعالى الجنة ونعيمها ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤] أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يخافه سراً وعلانية وغيباً وشهادة.
стр. 318
ذكرهم منة الله تعالى عليهم
قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [الطور:٢٥ - ٢٧] أي: رحمة منه وفضلاً وإحساناً ليس لنا فيه نصيب ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨] فدلت الآية على أن الدعاء من أرجى الأعمال عند الرب ﵎، وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن أبيها وعن أمها تتأول القرآن فتدعو فتقول: اللهم قنا برحمتك عذاب السموم؛ إنك أنت البر الرحيم؛ لأن الله قال عن أولياءه: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨].
стр. 319
تفسير قوله تعالى: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون)
ولما ذكر الرب جل وعلا في هذه السورة الكريمة إثبات التوحيد والبعث والنشور ذكر جل وعلا إثبات الرسالة، فقال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٩] وهذا بيان لتناقض الكفار، فالمجنون هو الذي لا يفكر أبداً، والكهانة صنعة تحتاج إلى نوع من الذكاء وإلى دقة وفطنة، وهي كفر بالله، ولا يجتمع في إنسان الجنون والكهانة، فمن تناقض أهل الكفر أنهم نعتوا النبي ﷺ بأنه كاهن ومجنون؛ وهذان ضدان لا يمكن أن يجتمعا في إنسان واحد، ولهذا قال الله جل وعلا لنبيه: ((فَذَكِّرْ)) أي: استمر في الدعوة إلى ربك والتذكير بآيات ربك، ولا تلتفت إلى ما يقوله هؤلاء الكفار عنك ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٢٩] أي: بفضل الله عليك، ونعمته وإحسانه عليك بكاهن ولا بمجنون، وكيف يكون كاهناً أو مجنوناً من يدعو إلى الواحد الأحد ﷻ ؟! فهذا يستحيل عقلاً ونقلاً.
стр. 320
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون)
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠]، وكل كلمة: (ريب) وردت في القرآن هي بمعنى الشك، إلا في هذه الآية، فهي بمعنى حوادث الدهر، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع وقول الأعشى: أأن رأت رجلاً أعشى أضر به ريب المنون ودهر مفند خبل فجملة من القرشيين كانوا يقولون هذا شاعر، والحل فيه أن نصبر عليه ونتربص به حوادث الأيام، فإما أن يموت، وإما أن يهلك، وإما أن يصيبه تلف فيعجز كما عجز من قبله من الشعراء.
ثم أخذ القرآن يحاكم أهل الإشراك بأسلوب منطقي عقلي، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور:٣٠ - ٣٢]، فبدأ الله جل وعلا بسوق الاعتراضات ثم فندها واحدة واحدة.
وهناك فرق بين العقل وبين الذهن، فهناك شيء اسمه ذهن وشيء اسمه عقل، فالذهن: الشيء الذي تفهم به، والعقل: هو الشيء الذي تتصرف من خلاله.
فقد يكون هناك إنسان تقول له العامة: ذهين، بمعنى: ذكي فطين، فيستطيع أن يسرق دون أن يكتشفه أحد، فهذا يدل على ذكائه، ولا يدل على عقله؛ لأنه لو كان عاقلاً لم يعص الله ولم يرم نفسه في المهالك.
فيوجد من الكفار من هم أذكياء، ولكن لا يمكن أن يكون هناك كافر يوصف بأنه عاقل؛ لأن من أعظم دلائل عدم عقله أنه كافر بالله، ولو كان له عقل لآمن بالله.
стр. 321
تفسير قوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا)
فالله هنا يقول: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور:٣٢] والأحلام هنا بمعنى العقول، ومنه قول حسان ﵁ وأرضاه: لا بأس بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير فقوله: أحلام العصافير: أي: عقول العصافير، فالله يقول إن كانت عقولهم تأمرهم بهذا فبئست العقول عقولهم إن كانوا يجعلون من يؤمن بالله واليوم الآخر ويدعو إلى التوحيد شاعراً أو كاهناً أو مجنون.
قال تعالى: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور:٣٢] قيل: إن (أم) هنا بمعنى (بل)، يعني: بل هم طاغون طغوا وتجاوزوا الحد فيما يقولونه.
стр. 322
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون تقوله)
ثم قال جل وعلا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور:٣٣].
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور:٣٣] أي: إن قالوا: إن هذا الحديث الذي جئت به يا محمد أتيت به من نفسك، كان الرد عليهم بأنه إن كان هذا القول جاء به نبينا ﷺ من عنده فأنتم أبناء عمومته، وكلكم عرب، وكلكم فصحاء بلغاء، فإن كنتم تزعمون أن محمداً جاء به من عنده فأتوا أنتم بمثله من عندكم، ولذلك قال جل وعلا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٣ - ٣٤] فلو كان جهداً بشرياً لأمكنكم أن تأتوا بمثله.
стр. 323
تفسير قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شيء)
وللرد على إنكارهم قوله ﷺ لا إله إلا الله ولا رب سواه قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]؛ فإنه ليس ثمة إلا افتراضات ثلاثة: أن يكونوا خلقوا من غير شيء، أو أن يكونوا خلقوا أنفسهم، أو أن يكون خلقهم خالق هو الله، فاسألهم: هل خلقوا أنفسهم؟! فيعترفون بأنهم لم يخلقوا أنفسهم، وسيعترفون بأنهم ما وجدوا أنفسهم أحياء في الشوارع والطرقات والمدن، وإنما نشئوا عن خلق من بعد خلق من آباء وأمهات.
إذاً: لم يبق من حيث التقسيم إلا الثالث، وهو أن الله جل وعلا خالقهم.
стр. 324
تفسير قوله تعالى: (أم خلقوا السموات والأرض)
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٦] معنى الآية: هل هم خلقوا السماوات والأرض؟! فإذا كانوا خلقوا السماوات والأرض كان لهم الحق في أن يمنعوا النبوة عنه؛ لأنهم أصبحوا شركاء لله، ولكنهم يعترفون بأنهم لم يخلقوا أرضاً ولا سماء.
стр. 325
تفسير قوله تعالى: (أم عندهم خزائن ربك)
ثم ذكر الله افتراضاً بعده فقال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٧].
أي: هل يملكون خزائن الله التي ينفق منها جل وعلا على عباده، فيمنعونك -يا محمد- ما أعطيناك من النبوة؟! وهذا أيضاً ينكرونه، هم يعلمون أنهم لا يملكون خزائن الرب جل وعلا.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٧] أي هل هم جبارون حيث يتسلطون على رحمة الله فيصرفونها كيف يشاءون؟! وهذا أيضاً غير واقع.
стр. 326
تفسير قوله تعالى: (أم لهم سلم يستمعون فيه)
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور:٣٨]، فبقيت هنا فرضية، وهي أن يكون لديهم طريق، وسبب إلى السماء، فصعدوا إلى السماء فثبت لهم الذي أنك لست بنبي، فلذلك ينكرون عليك الأمر.
стр. 327
تفسير قوله تعالى: (أم له البنات ولكم البنون)
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور:٣٩] وذلك لأن الكفار نسبوا إلى الله البنات، فارتكبوا بذلك محذورين: المحذور الأول: أنهم نسبوا إلى الله الولد، والولد يطلق على الذكر والأنثى، والله منزه عن الولد.
والمحذور الثاني: أنهم مع إجرامهم وإفكهم في نسبتهم إلى الله الولد لم ينسبوا إلى الله أفضل الولدين، بل نسبوا إلى الله أدناهما، فخصوا أنفسهم بالبنين وخصوا الله جل وعلا بالبنات.
стр. 328
تفسير قوله تعالى: (أم تسألهم أجراً)
قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور:٤٠].
أي: أنت لا تطلب أجراً على دعوتك ولا على تبليغ رسالة الله حتى يصبح ذلك عائقاً لهم عن استجابة الدعوة إلى الله.
стр. 329
تفسير قوله تعالى: (أم عندهم الغيب)
قال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور:٤١] أي: هل اطلعوا على اللوح المحفوظ فعلموا أنك لست بنبي؟! وهذا -أيضاً- محال.
стр. 330
تفسير قوله تعالى: (أم يريدون كيداً)
قال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور:٤٢] أي: هل يريدون بذلك أن يكيدوا لك؟! فإن فعلوا فإن الله يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور:٤٢] وقد وقع هذا، حيث كادوا للنبي فقُتلوا يوم بدر.
стр. 331
تفسير قوله تعالى: (أم لهم إله غير الله)
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور:٤٣] وهذه الجملة أجاب الله ﵎ عنها، ونزه الله ﵎ ذاته العلية عن أن يكون له شريك أو أن يكون له ند، أو أن يكون له نظير، أو أن يكون هناك من يدبر الأمر ويصرفه غيره جل وعلا، فقال ﵎: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٤٣] والمؤمن لا يفزع قلبه لشيء أعظم من فزعه من أحد يُتَّخذ من دون الله ﵎ إلهاً ورباً، ويُدعى أو يُرجى أو يُهاب أو يُخاف من غير الله، أو من شخص يتوسل إلى أحد يظن أن بيديه نفعاً وضراً، أو أن يكون في قلبه رجاء أناس يحب أن يكثروا ويجعلهم أحب إلى قلبه من حب ربه ﵎، أو خوف قوم لبطشتهم أو همزهم أو لمزهم أكثر من الله.
فالمؤمن الحق ليس في قلبه أحد يهابه، ويخافه، ويرجوه، ويؤمل فيه، ويعتمد عليه، ويتوكل عليه، ويؤمن به، ويستعين به، ويستغفره ويرجوه لرهبته ويرجوه لرغبته غير ربه ﵎، فالله لما ذكر هنا في رده على أهل الإشراك في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور:٤٣] لم يقل الله: ليس لهم، بل جاء بإجابة أعظم، فقال الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٤٣] فنزّه الله ذاته العلية عن أن يكون له شريك، ولهذا كان التوحيد من أعظم ما ينجي العبد يوم القيامة، فمن عظم توحيده عظمت نجاته يوم القيامة، قال ﷺ : (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق يُنشَر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، فيقول له الرب: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله له: أتنكر مما ترى شيئاً؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله جل وعلا: إن لك عندنا بطاقة، فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول: يا رب! وما تغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟! فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة) قال ﷺ : (فرجحت البطاقة وطاشت السجلات، ولا يثقل مع اسم الله جل وعلا شيء).
قال العلماء: وهذا عبد ملئ قلبه توحيداً لله وخوفاً ورجاءاً ومحبة منه مع معاصيه، جعلنا الله وإياكم ممن يملأ قلبه بتوحيد ربه ﵎.
стр. 332
تفسير قوله تعالى: (وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً)
وبعد هذه القضايا التي أخبر عنها ربنا جل وعلا قال الله تعالى في ختام الآية: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤] فمن كتبت عليه الضلالة لا يمكن أن يهتدي، والشخص إذا طبع على العناد لا يقبل الحق وإن كان جلياً والعياذ بالله؛ لأن من الناس من يسأل وهو يريد إجابة معينة قبل أن يسألك، فإذا أجبته بخلاف ما يريد لم يقبل، فالله جل وعلا يقول عن أمثال هؤلاء: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطور:٤٤] أي: قطعة من العذاب نازلة عليهم يخرجونها ويؤولونها ميمنة وميسرة ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤] أي: هذا سحاب تراكم بعضه على بعض فنزل إلى الأرض؛ لأنهم طبعوا على العناد.
стр. 333
تفسير قوله تعالى: (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون)
قال الله لنبيه: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور:٤٥] وهذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة.
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [الطور:٤٥ - ٤٦]، فكيدهم في الدنيا قد يغني عنهم شيئاً بأن يمتعوا إلى أن يأتي العذاب، ولكن في يوم القيامة ﴿لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الطور:٤٦].
стр. 334
تفسير قوله تعالى: (وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك)
ثم قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧].
كلمة (دون) تحتمل فقوله تعالى: (دون ذلك) يعني: قبل ذلك، أي: قبل يوم الآخرة، وأقل من ذلك، أي: أقل من عذاب الآخرة، ويقع هذا زمناً قبل الموت بعذاب القبر، وحين تصيبهم الأوجاع والأسقام وتشريد المؤمنين لهم في الدنيا، فهذا كله يقع زمناً قبل القيامة، وهو في نفس الوقت أقل من عذاب يوم القيامة.
стр. 335
أمر الله تعالى نبيه بالصبر والتسبيح
فلما أنهى الله جل وعلا دمغ حجج أهل الكفر بشّر نبيه وأمره بالاستعانة بأمرين، فقال له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:٤٨ - ٤٩] فأمر الله نبيه بأمرين حتى يعان على الدعوة: الأول منهما الصبر، والثاني التسبيح بحمد الله.
فأما الصبر فإنه لا يمكن أن يدعو أحد إلى الله حتى يؤذى، فأمره الله جل وعلا بالصبر على ما يناله من أذى المشركين، وقد كان النبي ﷺ صابراً، ولذلك عد من أول أولي العزم من الرسل الذين كانت لهم مواقف صبر دون غيرهم من الأنبياء ﵈ جميعاً، وقد أوذي ﵊ فقال: (رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) وأراد الله أن يبين لنبيه قربه منه ونصرته إياه فقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨].
أي: على منظر ومرأى من الله؛ فإن الله يراك ويسمعك ويؤيدك وينصرك ويحفظك ويحرسك ويعينك ويوفقك.
ثم قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:٤٨ - ٤٩] ذكر الله للتسبيح ثلاثة مواضع: الأول: إدبار النجوم، والثاني: (ومن الليل) أي: بعض الليل، والثالث: (وحين تقوم).
أما (حين تقوم) فاختلف العلماء فيها، فذهب ابن مسعود ﵁ إلى أن المراد عندما تقوم من مجلسك، وبعضهم قال: عندما تقوم من النوم، ويؤيده أنه روى البخاري في صحيحه عنه ﷺ أنه قال: (من تعار من الليل) أي: أوقض إما بصوت أو بغيره فقام من الليل، (من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فإذا توضأ وصلى قلبت صلاته).
وإدبار النجوم اختلف العلماء فيه وأظهر الأقوال أن المقصود به ركعتا الصبح القبلية التي قال النبي ﷺ فيهما: (ركعتا الفجر -أي: سنة الفجر- خير من الدنيا وما فيها).
هذا ما تهيأ إيراده وقوله حول سورة الطور، نفعنا الله وإياكم بما قلناه، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 336
سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة القمر
تتعرض سورة القمر لعرض قضايا العقيدة ببيان عنت المشركين ومشاقتهم بعد رؤيتهم دلائل القدرة بانشقاق القمر، كما تعرض طرفاً من أخبار الأمم السابقة المكذبة ومآلها، خاتمة ذلك بذكر ما يمتلك كفار قريش من أسباب القوة المادية التي أعلن الله تعالى أنها لن تنفع أصحابها حين تنزل بهم الهزيمة وينزل بهم قضاء الله في نصرة عباده الموحدين.
стр. 337
ذكر نسبة سورة القمر وآيها وموضوعها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين وإله الآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا -بحمد الله- هو الدرس الرابع، وسنقف خلاله مع سورة مكية، وهي سورة القمر، وعدد آيها خمس وخمسون آية، وهي سورة مكية تعنى بما تعنى به السورة المكية عادة من الكلام في أصول العقيدة الثلاثة: إثبات الإلهية للرب جل وعلا، وإثبات الرسالة لنبينا ﷺ ، وذكر البعث والنشور.
فالقضايا التي تتناولها السور المكية التي نحن بصدد الوقوف معها في تفسير الجزء السابع والعشرين من كتاب الله الكريم تتشابه تشابهاً كثيراً؛ لأنها تعنى بقضايا واحدة، وعلى ذلك سبقت دروس مشابهة لها، وقد جرت العادة في الدرس بترك ذكر ما اشتهرت معرفته وكثر الحديث عنه؛ لاشتهاره ولعلم الطالب به، وسنحاول أن نذكر ما ليس بظاهر بقدر الإمكان، ونبقى مقصرين كيفما حاولنا، والله المستعان على أن ينفع بهذا القليل وأن يبارك فيه، وأن يكتب لنا ولكم العون والتوفيق والسداد، والإخلاص من قبل ومن بعد.
هذه السورة اسمها سورة القمر، وسميت بهذا الاسم لذكر القمر فيها، قال الله جل وعلا في صدرها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، والقمر آية من آيات الله، ويقال له مع الشمس: القمران للتغليب؛ لأن العرب إذا ثنت اختارت أحد ما ثنتهما ثم تذكرهما باسم يجمعهما، فتقول: القمران للشمس والقمر؛ لأن القمر مذكر والشمس لفظها مؤنث، فلا يقولون: الشمسان، ولكن يقولون: القمران، ويقولون: المكتان لمكة والمدينة؛ لأن مكة عند الجمهور أفضل من المدينة.
ويقولون: العمران في حق الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما؛ لأن (عمر) اسم مفرد تمكن تثنيته و (أبو بكر) مركب تركيباً إضافياً، فلا تمكن تثنيته، فلذلك قالوا: العمران للشيخين الجليلين: أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.
стр. 338
ذكر ما ورد في القراءة بالقمر في الجمع والأعياد
وهذه السورة هي إحدى السور التي كان يصلي بها النبي ﷺ مع أخرى في بعض المناسبات، وقد اشتهر في الصحيح والسنن من ذلك ثلاث: الأولى: قرن ﵊ بين (سبح) والغاشية، وكان يقرأ بهما في الجمع والأعياد، وقد وافق يوم جمعة في حياته ﷺ يوم عيد، فصلى بهم العيد بـ (سبح) والغاشية، ثم لما جاءت صلاة الجمعة صلى بهم بـ (سبح) والغاشية، ولم يكن بينهما صلاة.
الثانية: كان يقرن ﵊ في فجر الجمعة غالباً بين (ألم تنزيل) السجدة، وبين سورة الإنسان.
الثالثة: كان يقرن في الجمع والأعياد عليه الصلاة السلام، بـ (ق) و (اقتربت)، كما روى مسلم في الصحيح وأصحاب السنن من حديث أبي واقد الليثي ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرن بين سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، وبين سورة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]).
وبهذا يتضح أن سورة القمر إحدى القرائن الثلاث لنبينا ﵊ التي قرن بها في صلواته.
وقد قال العلماء: إن النبي ﵊ كان يقرن بين (ق) و (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) في الجمع والأعياد والمحافل الكبار.
فهذا ما يتعلق بما تقتضيه فضيلة السور أولاً.
стр. 339
تفسير قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر)
قال الله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:١ - ٥].
الخطاب هنا في الأصل لكفار مكة، والقضية المراد إثباتها هي قضية البعث والنشور، ولن يكون بعث ونشور حتى تكون القيامة، ولن تكون قيامة كبرى حتى تكون قيامة صغرى، والقيامة الصغرى بالنسبة للفرد الواحد هي موته، فمن مات قامت قيامته، ثم القيامة الكبرى، ثم الساعة، والساعة تطلق على قيام الناس مرة أخرى.
فالله جل وعلا يخبر بقرب الساعة، حيث قال ﵎: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١].
فالله جل وعلا هو الذي خلق الساعة، وهو الذي خلق القيامة، وإذا كان -جل وعلا- هو الذي خلقها، وهو أعلم بها متى تكون، فقد أخبر جل وعلا بأنها اقتربت، فهذا من أعظم الأدلة -وكفى به دليلاً- على أن الساعة اقتربت، ولا يلجأ لدليل خارج القرآن إلا من باب الاستئناس، فأعظم الأدلة على أن الساعة اقتربت قول الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
وطالب العلم منظم في أدلته، يسرد من القرآن ما هو ظاهر، ثم ينتقل إلى سرد السنة، ثم ينتقل إلى أقوال الصحابة وإجماع الأمة، وهكذا، ولكن يبدأ بالأصل العظيم وهو القرآن، ولذلك نقول: إن الساعة اقتربت بدليل أن الله قال: ((اقْتَرَبَتِ)).
وأما الأدلة غير هذا الدليل فهي كثيرة، فمن الأدلة العقلية على ذلك أن هذه الأمة هي آخر الأمم ونبينا ﷺ آخر الأنبياء، فليس بعد ذلك إلا أن تقوم الساعة، قال ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين) وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى.
والمقصود من هذا المثال أننا لو فرضنا أن هذين الإصبعين يشيران إلى الجدول الزمني؛ فإن الفارق بين مبعثه ﷺ وبين الساعة من الزمن كالفارق بين أعلى السبابة وأعلى الوسطى، فهما يكادان يتقاربان في الطول، وهذا كله يدل على اقتراب الساعة، ولذلك عبر عنها القرآن بقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١]، وقال في آية أوضح: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، فعبر الله بـ (أتى) لتحقق وقوعه، وهذا شيء، ولقرب وقوعه، وهذا شيء آخر.
стр. 340
أشراط الساعة
وللساعة أشراط مع أنه أخفى الله ﵎ وقتها، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧].
والمقطوع به أنها لا تقوم إلا يوم جمعة، ولكن الله جل وعلا جعل لها أشراطاً وعلامات، وأعلم النبي ﷺ الناس بهذه الأشراط والعلامات، وقد سأل جبريل نبينا ﵊ فقال: (أخبرني عن الساعة؟) وجبريل يعلم أن النبي ﵊ لا يعلم وقت الساعة، ولكن هذا من باب تعليم الناس، فقال: (أخبرني عن الساعة؟) والرسول ﷺ يعلم أن جبريل لا يعلم، ويعلم أن هذا هو جبريل، وإن كان في غير هيئته التي خلقه الله عليها، فلذلك قال له: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: علمي وعلمك فيها سواء، فلا أنا ولا أنت نعلم متى تكون الساعة.
ولكن الله جعل لها أشراطاً وعلامات، قال الله في كتابه: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، أي: علاماتها.
فالعلماء ﵏ تقصوا القرآن، وتقصوا السنة والآثار الصحيحة، فتبين لهم أن هناك أشراطاً اصطلح على تسميتها بعلامات صغرى، وأخرى اصطلح على تسميتها بعلامات كبرى، والعلامات الكبرى تأتي منتظمة بعضها وراء بعض، وتبدأ من ظهور المهدي حتى قيام الساعة، وما قبل ذلك قد يكون بطيئاً، والله جل وعلا أعلم.
فمن العلامات التي تدل على قرب الساعة مبعثه ﷺ كما بينا في الحديث، وقد ذكر عليه الصلاة السلام أحاديث تدل على قرب الساعة، منها فتح بيت المقدس، وهذا قد وقع، ومنها مقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وفتح باب الفتنة، ومنها قوله عليه الصلاة السلام -كما في الصحيحين-: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجار تضيء لها أعناق الإبل ببصرى) وبصرى هي الآن محافظة حوران في سوريا غير بعيدة عن دمشق، والنار التي أخبر عنها النبي ﷺ وقعت عام (٦٥٤هـ) أي في أواسط القرن السابع، حيث خرجت نار من المدينة من جهة الحرة الشرقية عند حرة بني قريظة، فرآها من كان في مدينة حوران في سوريا، ووقع صدق ما أخبر به نبينا ﷺ .
ولذلك حرص العلماء على تدوين هذه الحادثة؛ لأن فيها دليلاً على صدق نبينا ﷺ ، وقد ذكر العلماء -كما ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية وغيره- أن كثيراً من طلبة العلم آنذاك ممن هم في القرى النائية حول المدينة كانوا يكتبون ويحررون الكتب ويقرءون على ضوء تلك النار، وقد سبقها رجفات وزلزلة شديدة، قال بعض من شهد تلك النار: إن ارتفاعها في أول ظهورها كان كعلو ثلاث منارات، ولا ندري كيف كانت المنارة آنذاك، ولا شك في أن فيها شيئاً من الارتفاع، ثم أخذت تزيد، واستمرت أياماً عديدة.
والذي نقصده ونعنيه في سياق هذا الخبر ما أخبر به ﷺ من قرب قيام الساعة، وهو ﵊ عندنا وعند كل مؤمن صادق مصدوق لا شك في ذلك، صادق فيما يقول، مصدوق فيما يقال له صلوات الله وسلامه عليه.
ومن أشراط الساعة أيضاً، ما أخبر به ﵊ من أن الساعة لن تقوم حتى تكلم السباع الإنس، وأصل الحديث -فيما رواه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بسند صحيح- (أن أعرابياً كان يرعى الغنم، وبينما هو يرعاها جاء ذئب فانتزع شاة منه، فتبعه الراعي واستطاع أن يأخذ الشاة، فأقعى الذئب على ذنبه وقال: اتق الله، رزق ساقه الله إلي تنزعه مني! فتعجب الأعرابي وقال: سبحان الله! ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس! فقال الذئب: أعجب منه محمد ﷺ في يثرب يحدث الناس بأخبار من سبقه، فقام الأعرابي وأخذ غنمه فقدم المدينة، ثم وضع غنمه في زاوية من زواياها، ثم دخل المسجد وأخبر النبي ﷺ ، فنودي في الناس بأن الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس أمر النبي ﵊ الأعرابي أن يقول لهم القصة كلها، فقالها الأعرابي، فقال ﷺ : صدقت والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه).
وهذا سيقع كما أخبر نبينا ﷺ ، إن متنا قبله أو شهدناه، فأياً كان الأمر فنحن نؤمن بكل خبر صح عن رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
فهذه الأشراط كلها قد تكون ممهدة للساعة، أما أعظم الأشراط الذي يؤذن بقرب الساعة حقاً فهو خروج المهدي، والمهدي رجل من ذرية نبينا ﷺ يخرج في آخر الزمان، واسمه على اسم رسول الله محمد بن عبد الله الحسني العلوي الفاطمي الهاشمي، فهو حسني لأنه من ذرية الحسن، وعلوي لأنه من ذرية علي، وفاطمي نسبة إلى فاطمة، وهاشمي لأن علياً من بني هاشم، وجده لأمه النبي ﷺ ؛ لأن الحسن من فاطمة، وفاطمة أبوها رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا الرجل يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وفي زمنه يخرج الدجال فيقتتلان، وفي قمة الصراع بينهما ينزل عيسى ابن مريم فيصبح ثاني الأشراط الكبرى بعد خروج المهدي، والدجال شاب قطط أعور العين اليمنى أحمر كأن عينه عنبة طافية، كتب الله له شيئاً من السلطان فتنة للناس، قال ﵊: (ما من فتنة من خلق آدم إلى أن تقوم الساعة أعظم من الدجال) وقال ﵊: (أنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وإنه لا محالة خارج فيكم، فإن يخرج وأنا بين أظهركم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج وأنا ميت فكل حجيج نفسه)، ثم أوصى ﷺ بقراءة أوائل سورة الكهف؛ لأن الله أخبر في أوائل سورة الكهف بأن أولئك الفتية عصمهم الله من الطاغية في زمانهم، فمن يقرأ هذه السورة ويحفظ أولها يعصم من الطاغية الدجال.
وفي حياة الدجال ينزل عيسى ابن مريم ﵊ مطأطئاً رأسه كأنه تنزل منه قطرات ماء، وليست قطرات ماء، ولكن يظهر لمن رآه أنه توضأ لتوه، فينزل ومعه حربه فيقتل الدجال، فإذا قتل الدجال أسلم الناس، فيمكث ﵊ لا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، قال نبينا ﵊: (طوبى للناس العيش بعد عيسى ابن مريم؛ فإنه في حياته ينزع الله حمة كل ذي حمة) أي: شر كل ذي شر، ثم يمكث عيسى ما شاء الله، وقد ورد أنه يمكث سبع سنين، وورد غير ذلك، ثم بعد ذلك يبدأ الأمر في النقصان حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت لا يقبل الله جل وعلا توبة أحد كائناً من كان، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، ثم يبدأ الناس يتناقصون دينيناً، حتى يأتي ذو السويقتين من أرض الحبشة فيهدم الكعبة وينزعها حجراً حجراً، ويسلبها كنوزها، ثم بعد ذلك يأخذ الإيمان في التلاشي، ويرفع القرآن في ليلة، ثم يبقى شرار خلق الله أعاذنا الله وإياكم من تلك الحقبة، ثم يأمر الله ملكاً يقال له: إسرافيل أن ينفخ فينفخ، فهذه نفخة الصعق الأولى، وهي الساعة التي حذر الله جل وعلا عباده.
فهذا معنى قول الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر:١].
стр. 341
ذكر حادثة انشقاق القمر
قال تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، والقمر آية من آيات الله، وهو مسير بأمر الله في غدوه ورواحه، وشروقه وغروبه، وطلوعه ومغيبه، وفي عهد النبي ﷺ في الفترة المكية طلب القرشيون منه آية، فأشار ﷺ إلى القمر، فانفلق القمر بأمر الله فلقتين حتى رأى الناس حراء الجبل المعروف في مكة بين الفلقتين، وفي بعض الروايات أنهم كانوا في منى، وفي بعضها أنهم كانوا في مكة، فقال ﷺ ، وكان بجواره أبو بكر: (اشهدوا) فهذه حجة أقامها الله على القرشيين على قرب قيام الساعة، وعلى صدق رسالة محمد ﷺ ، فقال بعض القرشيين لبعض: لا يغرنكم سحر ابن أبي كبشة، إنما سحر أعينكم، فإذا كان السفار -أي: المسافرون- في غير مكة، فاسألوهم إن كانوا رأوا القمر، فإنه إن قدر على سحركم لا يقدر على سحر غيركم، فلما أقبل السفار من كل وجه سألوهم فقالوا: نعم، شهدنا القمر قد انفلق فلقتين، مع ذلك كله لم يؤمنوا، ولم يؤمن إلا من كتب الله الإيمان، ولذلك الله جل وعلا قال: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥]، وقولهم: سحركم ابن أبي كبشة؛ لأن أبا كبشة هو زوج حليمة، فهو أب للنبي ﵊ من الرضاعة، فقول القرشيين: لا يغرنكم سحر ابن أبي كبشة يقصدون النبي ﵊، ولكن نسبوه إلى أبيه من الرضاعة، ولم ينسبوه إلى أبيه من النسب.
وهذه الآية إحدى معجزاته صلوات الله وسلامه عليه، ولا شك في أن للنبي ﵊ معجزات كثيرة لا تعد ولا تحصى، بل قال الإمام الشافعي ﵀: إنه ما أعطي نبي نوعاً من المعجزات إلا وأعطي النبي ﷺ مثله.
قال شوقي: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم أي: إذا كان عيسى كلم ميتاً، فإنك أحييت أمة من الموت.
ونجد العلماء عند معجزة عيسى وإحيائه للموتى يقولون: إذا كان عيسى قد أحيا الموتى فإن نبينا ﷺ قد حن له الجذع، وموات الجذع في الأصل أعظم من موات الميت، وأياً كان فلا يحسن التفضيل بين الرسل بهذه الطريقة.
стр. 342
بيان عنت المشركين
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:٢]، فلما قال لهم السفار: إننا رأينا القمر منفلقاً، قالوا: ما زاد الأمر شيئاً؛ هذا سحر محمد مستمر علينا وعليكم، وما زالت الأمور عندهم في لبس وظنون؛ لأنهم لا يريدون أن يؤمنوا.
ثم قال جل وعلا: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:٣].
معنى قوله تعالى: ((وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ))، أي: كل أمر في الدنيا سيكشف، وسينتهي إلى جلاء، قال طرفة بن العبد: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود فمهما حاول الإنسان أن يخفي شيئاً فإنه سيتضح، وكل الأمور إذا صبرت عليها ستنتهي بك إلى خير أو إلى شر، هذا إذا أخذت الآية بعمومها.
أما إذا أخذت الآية بخصوصها، فإن المعنى كما -قال العلماء-: ((وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ)) أي: أن أمر المسلمين إلى الجنة، وأمر الكفار إلى النار، فأمر أهل الخير إلى خير، وأمر أهل الشر إلى شر.
والآية تحتمل المعنيين، وفي قواعد التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين ينزل المعنى على كلا المعنيين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر:٤].
قلنا: إن هؤلاء القرشيين جاءتهم من الآيات الكثيرة، ولكن الله لم يكتب لهم الهداية، فما تغني عنهم الآيات، كما قال الله: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١]، وقد كان عبد الله بن أبي بن سلول يحضر الجمعة مع رسول الله ﷺ ، والرسول أخلص الناس وأصفح الناس وأعلم الناس، فيستمع الخطبة كلها، ثم يخرج من المسجد كما دخل لم يتعظ بكلام سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، فاحمد الله ﵎ على نعمة الهداية؛ وإذ لا توجد نعمة أعظم من نعمة الهداية أبداً؛ لأن النعم قسمان: نعمة خلق وإيجاد، ونعمة هداية وإرشاد.
يقول الله : ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥].
стр. 343
تفسير قوله تعالى: (فتول عنهم)
ثم قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر:٦].
أي: أعرض عنهم إعراضاً رفيقاً، وبعض العلماء يقول: إن مثل هذه الآيات منسوخ بآية السيف، وآية السيف في سورة التوبة: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥].
ويبدأ خطاب جديد: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٦ - ٧].
والداعي هنا هو إسرافيل.
стр. 344
بيان معنى النُكْر والنُكُر والمنكر
(نُكُر)، و (نُكْر)، و (منكر).
فأما نكُر -بضم الكاف- فلم ترد في القرآن إلا في هذه السورة: ((يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ)).
وأما (نُكْر) فقد وردت ثلاث مرات بسكون الكاف.
وأما (منكر) فقد وردت تقريباً ثلاث عشرة مرة.
والفرق بينها أن (نُكُر) و (نُكْر) بالضم والسكون بمعنى واحد، وإذا كان التغيير في قلب الكلمة فغالباً لا يضير ذلك، ويضير أحياناً.
والمنكر ضد المعروف، وهو الباطل الذي هو ضد الحق، أي: الشيء غير المشروع الذي لم يأذن به الله، والذي لم يأذن به الله شرعاً يسمى منكراً، قال الله عن هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال الله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢] أي: باطلاً.
أما النُكْر فهو الشيء العظيم الذي تفزغ منه الأنفس، ولا يلزم أن يكون باطلاً، وقد يكون عين الحق، وسنأخذ الآيات التي ورد فيها النُكُر والنُكْر.
فأولها: الآية التي بين أيدينا: ((يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ)) أي: إلى شيء عظيم، وهو الحشر، والحشر حق ليس بباطل، ولكنه أمر يشيب له الغلمان، ويشيب له الصبيان، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج:٢]، فهو أمر مهول، فعبر الله عنه بنُكُر.
و (نُكْر) إذا جاءت بالسكون تكون أخف، ومثال ذلك في القرآن أن الله ذكر قصة موسى مع الخضر، فلما قتل الخضر الصبي الغلام قال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]، فمعنى (نُكْر): شيء مهول يتعجب منه الإنسان، ولكن فعل الخضر كان حقا؛ لأنه قال ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]، أي: فعله عن أمر الله.
وأخبر الله جل وعلا عن الملك الصالح ذي القرنين بأنه قال جل وعلا له: ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٨٦ - ٨٧]، أي: عذاباً مهولاً مخوفاً، وتعذيب الله لأهل الكفر حق وليس بباطل.
стр. 345
تفسير قوله تعالى: (خشعاً أبصارهم)
ثم قال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧].
(الأَجْدَاثِ) هي القبور.
وقوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) هذه آية القمر، ولكن الله قال في القارعة: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤]، فيكون الناس كالفراش المبثوث يوم القيامة، فشبههم الله مرة بالجراد ومرة بالفراش، والفراش والجراد ضدان؛ لأن الجراد منتظم في سيره، أما الفراش فطائش يموج بعضه في بعض حول النار حتى يتساقط فيها، ففرق بين الجراد وبين الفراش، ولكن الله جل وعلا قال عنهم: إنهم فراش، وقال عنهم: إنهم جراد، ووظيفة العالِم هنا أن يجمع بين الآيتين؛ لأنه ينبغي تصديق الآيتين، ولكن العلم أن تجمع بينهما، ويجمع بينهما بأن نقول: إن الناس أول ما يخرجون يخرجون كالفراش لا يدرون أين يذهبون؛ لأنهم لم يبعثوا من قبل، فيموج بعضهم في بعض كما قال الله جل وعلا، لا يدرون أين يذهبون، فإذا تكلم إسرافيل ونادى تركوا هذا الموج وانتظموا وتبعوا الداعي الذي هو إسرافيل، فانتقلوا من حالة كونهم كالفراش، إلى حالة كونهم كالجراد، فحالتهم كالجراد المقصود بها الكثرة والانتظام، وحالتهم كالفراش المقصود بها الاضطراب، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه:١٠٨]، يعني: لا أحد يزيغ ميمنة ولا ميسرة.
والجراد يأتي منتظماً إلى أرض خضراء، وتسمى مجموعة الجراد عند العرب الرجل، يقولون: رجل جراد، أي: مجموعة جراد، وقد جاء في الحديث: (إن الله أنزل على أيوب رجل جراد من ذهب)، فالجراد المجتمع يسمى رجلاً، والطير المجتمع يسمى سرباً.
стр. 346
تفسير قوله تعالى: (مهطعين إلى الداع)
ثم قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨]، مفهوم الآية أنه على المؤمنين يوم يسير.
وهذا مفهوم وليس منطوقاً؛ لأن المنطوق هو أن الكافرين يقولون: هذا يوم عسر.
فهذا كله ذكره الله لإثبات أمر عقدي، وهو البعث والنشور، والمخاطب به في الأصل كفار مكة.
стр. 347
ذكر خبر نوح ﵇ وقومه
стр. 348
ذكر ما قاله وفعله قوم نوح
ثم بعد ذلك ضرب الله جل وعلا لهم أمثلة في أربع أمم سابقة: قوم نوح، وقوم عاد، وقوم صالح، وقوم لوط.
فهؤلاء أمم سبقت، وذكر الله بعد ذلك قوم فرعون، فأصبحوا خمس أمم.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩].
قوله تعالى: (عَبْدَنَا) مركب من كلمتين: (عبد) و (نا) الدالة على الفاعلين، ويراد بها التعظيم، والمقصود بها هنا الله، فالإضافة هنا إضافة تشريف، وكلمة (عَبْدَنَا) أرفع مقام إضافة في القرآن؛ وذلك لأن العبودية أعظم مطلوب من العبد، وإذا أضيفت هذه العبودية إلى الله؛ فقد وصل الإنسان إلى الشرف العظيم، وقد نعت بها بصورة الإفراد نوح، وذكر الله بها أيوب فقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص:٤١]، وذكر بها النبي ﷺ ، حيث قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥]، والذي يعنينا أنها من أرفع المقامات.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩] إنك إذا كنت تقرأ القرآن بالعربية الصحيحة فإنك تقف على كلمة (مجنون) ثم تقول: (وازدجر)؛ لأن كفار قوم نوح ما قالوا: مجنون وازدجر، بل قالوا: مجنون، ولم يقولوا كلمة (ازدجر).
فالواو في (وَازْدُجِرَ) عاطفة على (قالوا) لا على (مجنون)، أي: قالوا مجنون بألسنتهم، وازدجروه بفعلهم، والذي يتأمل قراءة الشيخ سعود الشريم وفقه الله يجده يقرأ هكذا: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾ [القمر:٩] ويقف، ثم يقول: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩]، وهذا من العلم بكلام الله ﵎، وأنا لا أقول إن الوصل لا يجوز، ولكنني أتكلم عن مراسي العلم العالية، ولا أتكلم عما هو جائز وغير جائز؛ لأنهم ازدجروه بفعلهم، وقالوا: مجنون بألسنتهم؛ حتى لا يفهم أن (ازدجر) معطوفة على (مجنون).
стр. 349
ذكر دعوة نوح ﵇ على قومه
قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠].
قوله تعالى: (مَغْلُوبٌ) أي: مضطهد.
(فَانْتَصِرْ) سأل الله النصرة، وكانت له دعوة، فقالها مرة واحدة، ولذلك جاء في حديث الشفاعة أنه لما يقول له الناس يوم القيامة: اشفع لنا عند ربك، فيقول: قد كانت لي دعوة فقلتها، فعجلت بها على قومي.
وينبغي أن تفهم جيداً أن الله جل وعلا لما خلق آدم خلقه وذريته على الفطرة، فبقي الناس مؤمنين إلى أن جاء قوم نوح فاتخذوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحاً، فكان نوح أول الرسل.
فالناس من آدم إلى نوح لم يكونوا كفاراً ومؤمنين، بل كانوا كلهم مؤمنين، قال الله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] أي: على دين واحد، وتقدير الآية: (فاختلفوا) ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣].
وعندما غُلِب نوح وآذاه قومه دعا الله، فلما دعا الله أنزل الله الماء من السماء فأغرق أهل الأرض، فلما أغرق أهل الأرض حمل نوح المؤمنين الذين معه في السفينة، فمات كل من على ظهر الأرض، إلا من كان على ظهر السفينة مع نوح.
وهذا هو التطهير الثاني، لأن التطهير الأول كان في بداية الخلق، والتطهير الثاني كان بدعوة نوح، حيث قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، فلو أتى الآن إنسان وقال: سأدعو الله بألا يذر على الأرض كافراً، فهذا لا يجوز؛ لأن الأحاديث دلت على أن الكفر والإيمان يبقيان إلى قيام الساعة، فأنت تسأل الله مالا يكون، لكن الله أخبر نوحاً بأنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فهو يعرف أنه لن يؤمن أحد، فدعا عليهم، فأهلك الله الكفار، والذين كانوا مع نوح في السفينة هم المؤمنون، فكل من على ظهر الأرض اليوم من ذرية نوح ومن كان معه على السفينة، قال الله جل وعلا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١]، و (ذرية) هنا ليست بمعنى الأبناء، وإنما بمعنى الآباء والأجداد؛ لأن الذين حُمِلوا مع نوح ليسوا أبناءنا، لأننا نحن المخاطبون بالقرآن، وإنما الذين حملوا مع نوح هم آباؤنا، والله يقول لكفار قريش ولمن يقرأ القرآن: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ [يس:٤١] أي: لكل من يقرأ القرآن ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١]، و (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) سفينة نوح.
فقوله: (ذُرِّيَّتَهُمْ) يعني: آباءنا وأجدادنا الذين كانوا مع نوح في السفينة، و (ذرية) تأتي بمعنى الأبناء، وهو الأكثر، وتأتي بمعنى الآباء، وهذا من دلائلها في القرآن.
стр. 350
ذكر إنجاء الله نوحاً ومن معه
قال الله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢] لما دعا نوح ربه أنزل الله الماء من السماء، ونكاية بقوم نوح أمر الله الأرض بأن تخرج ما فيها من ماء، فانفجرت الأرض أربعين يوماً تخرج عيونها، والسماء تمطر.
(فَالْتَقَى الْمَاءُ) أي: جنس الماء، أي: ماء السماء وماء الأرض.
قال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣].
قوله تعالى: (ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) يحتمل عشرات المعاني، والمراد هنا السفينة؛ لأن الله قال في آية أخرى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥].
وأيسر شيء تفسر به القرآن أن تفسر القرآن بالقرآن، فلما قال الله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥] عرفنا أن ذات الألواح والدسر هي السفينة.
قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤].
قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) أي: على مرأى منا ومنظر ورعاية.
وقوله: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) ببناء لما لم يسم فاعله، والذي (كُفِرَ) هو نوح، والذين كفروا هم قومه، والذي كذب هو نوح، والذين كذبوا هم قوم نوح، فالله قال: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) أي: جزاء للمكذوب وللمغلوب وللذي دعا، وهو نوح ﵊.
ثم يقول بعض المؤرخين: إنه لما هبطت به السفينة أراد أن يتأكد، فأرسل حمامة تخبره عن الحياة في الأرض، فذهبت الحمامة ورجعت ومعها غصن زيتون؛ لتثبت له أن الحياة كائنة في الأرض، فلذلك جعلت جميع الأمم اليوم من الحمامة وغصن الزيتون رمزاً للسلام، فهذا هو المعنى السياسي لما تراه اليوم من الغصن والزيتون، وسواء صح الخبر أو لم يصح فهذا أمر لا يتعلق به كفر ولا إيمان ولا جنة ولا نار.
стр. 351
ذكر خبر عاد
ثم ذكر الله جل وعلا بعد ذلك خبر عاد فقال جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر:١٨ - ١٩]، هذا اليوم النحس كان يوم أربعاء بالنسبة لهم، ووصفه الله جل وعلا هنا بأنه مستمر، ولكن لم يذكر مدة استمراره، وقد ذكر تعالى مدة استمراره في الحاقة، قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧].
قال تعالى: ﴿تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠]، قوله تعالى: (تَنزِعُ النَّاسَ) المراد بها الريح.
وقوله: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) وقال في سورة الحاقة: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]، ففي الحاقة جاء بالتأنيث، وهنا ذكر النخل بالتذكير، فقال: (مُنْقَعِرٍ) ولم يقل: منقعرة.
والنخل جمع يذكر ويؤنث، وهذا تخريج، ولكن التخريج الأصح أن يقال: إن كلمة (نخل) فيها لفظ ومعنى، فلفظها مذكر ومعناها مؤنث، فلما قال الله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠] عمد إلى اللفظ، ولما قال في الحاقة: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧] عمد إلى المعنى.
стр. 352
ذكر خبر ثمود
ثم ذكر الله جل وعلا قوم صالح، وقوم صالح وقوم عاد يتفقان في كونهم عرباً، فعاد وثمود كانوا عرباً، وكذلك قوم شعيب وقوم محمد ﷺ ، ولا يوجد نبي عربي غير هؤلاء الأربعة: صالح، وقد أرسل إلى قوم ثمود، وشعيب، وقد أرسل إلى أصحاب الأيكة إلى مدين، وهود، وقد أرسل إلى عاد، ومحمد ﷺ ، وقد أرسل إلى الناس كافة، وهؤلاء الأربعة هم الأنبياء من العرب فقط، أما غيرهم فليسوا من العرب.
وقوم صالح كانوا يسكنون الحجر، والله يقول: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر:٧٦]، يعني: في طريق ظاهرة إلى الآن باقية.
قال تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر:٢٤].
وقالوا عنه أنه: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:٢٥].
قوله تعالى عنهم: (كذاب أشر)، أي: أن هناك كذاباً يكذب ليفر من معضلة، وهناك كذاباً أشراً، وهو الذي يكذب لينال أمراً عظيماً يترفع به على الناس.
ومثال الأول أن تدخل الدار فتجد في الفناء رجلاً غريباً، فتقبض عليه فتسأله: ماذا تريد؟ ويكون قد أراد السرقة، فلما رآك خاف، فيقول لك: أنا صديق لابنك، أو يقول: أنا ممن يوصلون فواتير الكهرباء أتيت لأضع هنا فواتير الكهرباء، أو يقول أي شيء يتخلص به منك، فهذا كذب ليخلص نفسه؛ لأن هناك شيئاً يدعوه للكذب، حتى يخرج من مأزق وقع فيه.
فقوم ثمود يقولون عن نبي الله صالح نحن نحترمك ونقدرك، كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:٦٢]، فهم يقولون: نحترمك ونجلك ونقدرك، ولم تكن في معضلة حتى تكذب علينا وتزعم أنك رسول؛ فإنك لا تزعم أنك رسول إلا لأنك تريد أن تتصدر وتعلو علينا، فأنت -بزعمهم- كذاب أشر، قال الله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر:٢٦]، والسين في قوله (سَيَعْلَمُونَ) للمستقبل القريب.
قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ [القمر:٢٧].
قوله تعالى: (فِتْنَةً لَهُمْ) أي: اختبار.
وقد طلب قوم صالح آية فأعطاهم الله الناقة، وقال لهم صالح: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥]، فكانت هذه الناقة تظهر وتغيب، فإذا ظهرت شربت البئر كله، وإذا غابت أتى قوم ثمود فشربوا الماء، ويذهبون إلى الناقة فيحلبونها، قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر:٢٨]، فقوله: (مُحْتَضَرٌ) بالضاد، بمعنى أن كل قوم يحضرونه.
وقوله تعالى: (كُلُّ شِرْبٍ) أي: كل حظ وقسمة من الماء يحضرها صاحبها إن كانت للناقة وإن كانت لهم.
قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩].
قوله تعالى: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ) هو قدار بن سالف، وقد قال عنه النبي ﷺ : إنه أشقى الأولين، والحديث صحيح، ولكن هل كان عقره للناقة برضا منهم أو بعدم رضا؟ والجواب أنه كان برضا منهم؛ لقوله تعالى (فنادوا).
وفي سورة الشمس: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس:١١ - ١٤]، فأسند الفعل إلى الجماعة ولم يسنده إلى الفرد، وأخبر تعالى في سورة القمر بأن الذي عقرها واحد، فقال: ((فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ))، والجمع بين الآيتين أنه عقرها برضاً منهم، وبهذا تستقيم الأدلة.
وأقول: استحضار الآيات عند التفسير مهم، ولذلك يروى أن الحجاج بن يوسف على طغيانه كان يقدر على استحضار القرآن، فقد جاءته امرأة ذات يوم فقالت له: أيها الأمير! اعف عن ولدي؛ فالذي حذف (كلا) من النصف الأول من القرآن إنه لبريء، فمكث دقيقتين يستحضر القرآن، ثم قال: اطلقوا ابنها.
فالقرآن ثلاثون جزءاً، وليس في الخمسة عشر جزءاً الأولى كلها حرف (كلا)، والجزء السادس عشر يبدأ بسورة الكهف، وفي قصة الخضر مع موسى في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧] يبدأ الجزء السادس عشر، وبعدها في مريم، يقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم:٧٧ - ٧٩]، ثم تأتي (كلا) كثير في الأجزاء الأخيرة من القرآن.
فالحجاج استحضر القرآن كله، وهذا فضل من الله، وهذا من أعظم ما يعينك على تفسير الآيات، فإذا جاء معنى اجمع ما يناسبه من القرآن حتى تستطيع الحكم على الآية.
فالله هنا عبر بالمفرد وعبر في الشمس بالجمع، والجمع بينهما أن يكون القوم اختاروا هذا الرجل فقام بما يريدون أن يعملوا به، ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩].
стр. 353
ذكر خبر قوم لوط
ثم ذكر الله جل وعلا قوم لوط، والذي يعنينا في قوم لوط أن الله عذبهم بأن جعل قريتهم عاليها سافلها؛ لأن الله يعذب بجنس العمل، ففرعون قال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، فمات غرقاً في الأنهار التي يزعم أنه يملكها.
وقوم لوط مع الشرك بالله جاءوا بالفاحشة العظيمة، وهي إتيان الذكران من العالمين، وإتيان الذكران قلب للفطرة، فعاملهم الله في العذاب بجنس المعصية، فقلب عليهم الديار، والأمم التي قبلهم مثل عاد وثمود عذبت بالصيحة، ولم تعذب بالقلب، قال الله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر:٧٤]، فقلب الله عليهم الأرض التي كانوا يسكنونها بجنس المعصية التي كانوا عليها عياذاً بالله، وهي إتيان الذكران من العالمين.
وقال الله في قصة لوط: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤]، وقد أخذ العلماء من هذه الآية فضيلة السحر، وهي واردة كثيراً، والسحر من أفضل الأوقات.
стр. 354
ذكر خبر آل فرعون
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٤١ - ٤٢]، والعرب أحياناً تطلق الجمع وتريد المثنى، فـ (النُّذُرُ) وهم موسى وهارون، فلو جاء إنسان وقال إن الله يقول: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، وما جاءهم إلا رسول، فإنه يجاب بأن التكذيب بواحد كالتكذيب بالكل.
فإن قال: كيف تقول في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر:٤١]: إن المقصود بـ (النذر) موسى وهارون، فلماذا لا يكون المقصود الرسل كلهم؟ فالجواب أن الله تعالى قال: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) والذين حصل منهم المجيء إليه هما اثنان فقط، ولو قال تعالى: كذبت قوم فرعون النذر، لقلنا: المراد جميع الرسل.
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٤٢] وقوله تعالى: ((كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا)) هذه الآيات هي تسع، والله يقول: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢].
وهي على النحو الآتي: قال الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٠] فهذه واحدة، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠] وهذه الثانية.
وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، وهذه خمس، فصارت سبعاً.
ويد موسى والآية الكبرى، وهي العصا، فهذه تسع آيات.
стр. 355
تفسير قوله تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم)
ثم قال الله عوداً على بدء يخاطب كفار قريش: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٤٣].
قوله تعالى: (أُوْلَئِكُمْ) يعود على جميع الأمم التي ذكرها الله في السورة.
فالله الآن يقول للقرشيين: إما أن تقولوا: نحن كفار أفضل من أولئك الأقوام، فلذلك لا يعذبنا الله.
وإما أن تقولوا بأن لكم براءة في الزبر، والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب، والمراد اللوح المحفوظ.
والمقصود أن عندكم شهادة بأن الله لن يعذبكم، وأنه لكم براءة من الله.
والحالة الثانية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر:٤٤]، وهذه هي التي اتكئوا عليها، حيث كانوا يعتزون بقوتهم.
فالاثنتين الأوليين باطلتان، ولم يقلهما القرشيون، فلم يقولوا: نحن أفضل، ولم يقولوا: عندنا براءة، ولكن كانوا يعتزون بجمعهم، فقال الله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥].
ولما أنزلت هذه الآية جعل الصحابة يقول بعضهم لبعض: أي جمع وأي دبر؟! حتى جاء يوم بدر، وهذا خطاب لكل من يتعجل من الشباب، فالدين يحتاج إلى صبر، والله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، ولا يوجد بناء يقوم في يوم وليلة، فالصحابة عندما أنزل الله ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥]، جعلوا وهم في مكة يقولون: أي جمع وأي حرب؟! لا يوجد دلالة على أي شيء.
ثم هاجر النبي ﷺ ، وكانت بدر، فخرج ﵊ في درع يثب فيها ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥]، فقال سعد بن أبي وقاص وعمر وغيرهما من الصحابة: فعرفنا تأويلها يومئذ.
فهزم الجمع وولوا الدبر كما أخبر نبينا ﷺ .
следующие страницы →