← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ذكر خبر عاد ثم ذكر الله جل وعلا بعد ذلك خبر عاد فقال جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر:١٨ - ١٩]، هذا اليوم النحس كان يوم أربعاء بالنسبة لهم، ووصفه الله جل وعلا هنا بأنه مستمر، ولكن لم يذكر مدة استمراره، وقد ذكر تعالى مدة استمراره في الحاقة، قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧]. قال تعالى: ﴿تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠]، قوله تعالى: (تَنزِعُ النَّاسَ) المراد بها الريح. وقوله: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) وقال في سورة الحاقة: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]، ففي الحاقة جاء بالتأنيث، وهنا ذكر النخل بالتذكير، فقال: (مُنْقَعِرٍ) ولم يقل: منقعرة. والنخل جمع يذكر ويؤنث، وهذا تخريج، ولكن التخريج الأصح أن يقال: إن كلمة (نخل) فيها لفظ ومعنى، فلفظها مذكر ومعناها مؤنث، فلما قال الله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠] عمد إلى اللفظ، ولما قال في الحاقة: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧] عمد إلى المعنى.

стр. 352

ذكر خبر ثمود ثم ذكر الله جل وعلا قوم صالح، وقوم صالح وقوم عاد يتفقان في كونهم عرباً، فعاد وثمود كانوا عرباً، وكذلك قوم شعيب وقوم محمد ﷺ ، ولا يوجد نبي عربي غير هؤلاء الأربعة: صالح، وقد أرسل إلى قوم ثمود، وشعيب، وقد أرسل إلى أصحاب الأيكة إلى مدين، وهود، وقد أرسل إلى عاد، ومحمد ﷺ ، وقد أرسل إلى الناس كافة، وهؤلاء الأربعة هم الأنبياء من العرب فقط، أما غيرهم فليسوا من العرب. وقوم صالح كانوا يسكنون الحجر، والله يقول: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر:٧٦]، يعني: في طريق ظاهرة إلى الآن باقية. قال تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر:٢٤]. وقالوا عنه أنه: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:٢٥]. قوله تعالى عنهم: (كذاب أشر)، أي: أن هناك كذاباً يكذب ليفر من معضلة، وهناك كذاباً أشراً، وهو الذي يكذب لينال أمراً عظيماً يترفع به على الناس. ومثال الأول أن تدخل الدار فتجد في الفناء رجلاً غريباً، فتقبض عليه فتسأله: ماذا تريد؟ ويكون قد أراد السرقة، فلما رآك خاف، فيقول لك: أنا صديق لابنك، أو يقول: أنا ممن يوصلون فواتير الكهرباء أتيت لأضع هنا فواتير الكهرباء، أو يقول أي شيء يتخلص به منك، فهذا كذب ليخلص نفسه؛ لأن هناك شيئاً يدعوه للكذب، حتى يخرج من مأزق وقع فيه. فقوم ثمود يقولون عن نبي الله صالح نحن نحترمك ونقدرك، كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:٦٢]، فهم يقولون: نحترمك ونجلك ونقدرك، ولم تكن في معضلة حتى تكذب علينا وتزعم أنك رسول؛ فإنك لا تزعم أنك رسول إلا لأنك تريد أن تتصدر وتعلو علينا، فأنت -بزعمهم- كذاب أشر، قال الله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر:٢٦]، والسين في قوله (سَيَعْلَمُونَ) للمستقبل القريب. قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ [القمر:٢٧]. قوله تعالى: (فِتْنَةً لَهُمْ) أي: اختبار. وقد طلب قوم صالح آية فأعطاهم الله الناقة، وقال لهم صالح: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥]، فكانت هذه الناقة تظهر وتغيب، فإذا ظهرت شربت البئر كله، وإذا غابت أتى قوم ثمود فشربوا الماء، ويذهبون إلى الناقة فيحلبونها، قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر:٢٨]، فقوله: (مُحْتَضَرٌ) بالضاد، بمعنى أن كل قوم يحضرونه. وقوله تعالى: (كُلُّ شِرْبٍ) أي: كل حظ وقسمة من الماء يحضرها صاحبها إن كانت للناقة وإن كانت لهم. قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩]. قوله تعالى: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ) هو قدار بن سالف، وقد قال عنه النبي ﷺ : إنه أشقى الأولين، والحديث صحيح، ولكن هل كان عقره للناقة برضا منهم أو بعدم رضا؟ والجواب أنه كان برضا منهم؛ لقوله تعالى (فنادوا). وفي سورة الشمس: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس:١١ - ١٤]، فأسند الفعل إلى الجماعة ولم يسنده إلى الفرد، وأخبر تعالى في سورة القمر بأن الذي عقرها واحد، فقال: ((فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ))، والجمع بين الآيتين أنه عقرها برضاً منهم، وبهذا تستقيم الأدلة. وأقول: استحضار الآيات عند التفسير مهم، ولذلك يروى أن الحجاج بن يوسف على طغيانه كان يقدر على استحضار القرآن، فقد جاءته امرأة ذات يوم فقالت له: أيها الأمير! اعف عن ولدي؛ فالذي حذف (كلا) من النصف الأول من القرآن إنه لبريء، فمكث دقيقتين يستحضر القرآن، ثم قال: اطلقوا ابنها. فالقرآن ثلاثون جزءاً، وليس في الخمسة عشر جزءاً الأولى كلها حرف (كلا)، والجزء السادس عشر يبدأ بسورة الكهف، وفي قصة الخضر مع موسى في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧] يبدأ الجزء السادس عشر، وبعدها في مريم، يقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم:٧٧ - ٧٩]، ثم تأتي (كلا) كثير في الأجزاء الأخيرة من القرآن. فالحجاج استحضر القرآن كله، وهذا فضل من الله، وهذا من أعظم ما يعينك على تفسير الآيات، فإذا جاء معنى اجمع ما يناسبه من القرآن حتى تستطيع الحكم على الآية. فالله هنا عبر بالمفرد وعبر في الشمس بالجمع، والجمع بينهما أن يكون القوم اختاروا هذا الرجل فقام بما يريدون أن يعملوا به، ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩].

стр. 353

ذكر خبر قوم لوط ثم ذكر الله جل وعلا قوم لوط، والذي يعنينا في قوم لوط أن الله عذبهم بأن جعل قريتهم عاليها سافلها؛ لأن الله يعذب بجنس العمل، ففرعون قال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، فمات غرقاً في الأنهار التي يزعم أنه يملكها. وقوم لوط مع الشرك بالله جاءوا بالفاحشة العظيمة، وهي إتيان الذكران من العالمين، وإتيان الذكران قلب للفطرة، فعاملهم الله في العذاب بجنس المعصية، فقلب عليهم الديار، والأمم التي قبلهم مثل عاد وثمود عذبت بالصيحة، ولم تعذب بالقلب، قال الله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر:٧٤]، فقلب الله عليهم الأرض التي كانوا يسكنونها بجنس المعصية التي كانوا عليها عياذاً بالله، وهي إتيان الذكران من العالمين. وقال الله في قصة لوط: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤]، وقد أخذ العلماء من هذه الآية فضيلة السحر، وهي واردة كثيراً، والسحر من أفضل الأوقات.

стр. 354

ذكر خبر آل فرعون ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٤١ - ٤٢]، والعرب أحياناً تطلق الجمع وتريد المثنى، فـ (النُّذُرُ) وهم موسى وهارون، فلو جاء إنسان وقال إن الله يقول: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، وما جاءهم إلا رسول، فإنه يجاب بأن التكذيب بواحد كالتكذيب بالكل. فإن قال: كيف تقول في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر:٤١]: إن المقصود بـ (النذر) موسى وهارون، فلماذا لا يكون المقصود الرسل كلهم؟ فالجواب أن الله تعالى قال: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) والذين حصل منهم المجيء إليه هما اثنان فقط، ولو قال تعالى: كذبت قوم فرعون النذر، لقلنا: المراد جميع الرسل. ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٤٢] وقوله تعالى: ((كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا)) هذه الآيات هي تسع، والله يقول: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢]. وهي على النحو الآتي: قال الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٠] فهذه واحدة، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠] وهذه الثانية. وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، وهذه خمس، فصارت سبعاً. ويد موسى والآية الكبرى، وهي العصا، فهذه تسع آيات.

стр. 355

تفسير قوله تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم) ثم قال الله عوداً على بدء يخاطب كفار قريش: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٤٣]. قوله تعالى: (أُوْلَئِكُمْ) يعود على جميع الأمم التي ذكرها الله في السورة. فالله الآن يقول للقرشيين: إما أن تقولوا: نحن كفار أفضل من أولئك الأقوام، فلذلك لا يعذبنا الله. وإما أن تقولوا بأن لكم براءة في الزبر، والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب، والمراد اللوح المحفوظ. والمقصود أن عندكم شهادة بأن الله لن يعذبكم، وأنه لكم براءة من الله. والحالة الثانية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر:٤٤]، وهذه هي التي اتكئوا عليها، حيث كانوا يعتزون بقوتهم. فالاثنتين الأوليين باطلتان، ولم يقلهما القرشيون، فلم يقولوا: نحن أفضل، ولم يقولوا: عندنا براءة، ولكن كانوا يعتزون بجمعهم، فقال الله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥]. ولما أنزلت هذه الآية جعل الصحابة يقول بعضهم لبعض: أي جمع وأي دبر؟! حتى جاء يوم بدر، وهذا خطاب لكل من يتعجل من الشباب، فالدين يحتاج إلى صبر، والله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، ولا يوجد بناء يقوم في يوم وليلة، فالصحابة عندما أنزل الله ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥]، جعلوا وهم في مكة يقولون: أي جمع وأي حرب؟! لا يوجد دلالة على أي شيء. ثم هاجر النبي ﷺ ، وكانت بدر، فخرج ﵊ في درع يثب فيها ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥]، فقال سعد بن أبي وقاص وعمر وغيرهما من الصحابة: فعرفنا تأويلها يومئذ. فهزم الجمع وولوا الدبر كما أخبر نبينا ﷺ .

стр. 356

بيان أنواع الغيب الذي أخبر به النبي ﷺ ويتفرع على هذا أن الغيب الذي أخبر عنه النبي ﷺ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: غيب يتعلّق بالأمم السابقة وقع من قبل، وإنما أخبر عنه، كإخباره عن أهل الكهف ويوسف عليه السالم وغيرهم. الثاني: غيب أخبر عنه ووقع في حياته، مثل إخباره بأنه: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥]، فقد وقع في حياته. الثالث: غيب أخبر عنه ووقعَ بعد وفاته، كإخباره عليه الصلاة ولسلام عن فتح بيت المقدس، وهلاك كِسرى وهلاك قيصر وغير ذلك. هذا ما تيسر إيراده حول كتاب ربنا جل وعلا في سورة القمر، أسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق والعون والهداية. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 357

سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الرحمن إن رحمة الله سبحانه بعباده لا منتهى لها، وأعظم رحمة رحمهم بها هي تعليمهم القرآن، وتعليمهم البيان في الكلام. وهناك نعم عديدة وردت في سورة الرحمن كرفع السماء، وبسط الأرض، وإقامة العدل بين الخلق إلى آخر تلك النعم التي يستفيد منه الإنسان في دنياه وأخراه، فلا يشكر هذه النعم إلا من وفقه الله وهداه من الجن والإنس، مع أنه سبحانه لا تنفعه طاعة الطائع، ولا تضره معصية العاصي، فله من المخلوقات العلوية كالملائكة والنجوم، والأرضية كالشجر والدواب ما يسبح بحمده، ويذكره بشكل دائم لا انقطاع فيه.

стр. 358

تفسير قوله تعالى: (الرحمن) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المؤمنون! فإننا نستعين الرب ﵎ في تفسيرنا هذا كما استعناه من قبل في تفسير ووقفات مع بعض كلامه جل وعلا، والسورة التي نحن بصدد تفسيرها هي سورة الرحمن. إن المؤمنين يدركون بلا شك أن لهم رباً لا رب غيره ولا إله سواه، إليه يفزعون في الشدائد، وإياه يشكرون في السراء، فيعبدونه ﵎ ليلاً ونهاراً، يعبدونه بقلوبهم وجوارحهم، ويعلمون أن من أعظم الجور والظلم أن يجعلوا لله ﵎ نداً. ثم إن هؤلاء المؤمنين -سلك الله بنا وبكم سبيلهم، وجعلنا وإياكم منهم- يعلمون يقيناً أن لربهم ﵎ أسماء حسنى وصفات علا، قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، والرب ﵎ كما أن وجهه أكرم الوجوه، فإن أسماءه أعظم الأسماء وأحسنها وأكملها، وتدل على صفات عظيمة وجليلة لا يلحقها نقص له أبداً ﵎. ومن أسمائه الحسنى ﵎ الرحمن، ومن صفاته العليا جل وعلا: الرحمة، وهذه السورة الكريمة التي بين أيديكم صدرها الله جل وعلا بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٩] إلى آخر ما ذكره الله من آيات عظيمة تدل على عظيم قدرته، وكمال رحمته، وجليل فضله ﵎. والرحمن اسم من أسماء الله الحسنى، وبعض أسماء الله الحسنى قد يشترك معه المخلوق في إطلاقها عليه، مع الفارق بين إطلاقها على المخلوق وإطلاقها على الخالق، فيقال: إن الله رحيم، ويقال عن أحد الناس: إنه رحيم، كما قال الله جل وعلا في نعت نبينا ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. ويقال: فلان راحم، ويقال: إن الرب ﵎ راحم لخلقه، لكن الرحمن: اسم مختص بالرب ﵎، فلا يسمى به ولا يطلق على أحد من خلقه أبداً. والرحمن يدل على كمال اتساع رحمته، وجليل فضله، وإحسانه ﵎ على خلقه، فقد أوجدهم من العدم، ورباهم بالنعم، وهداهم النجدين، وأبان الله لهم ﵎ معالم الحق والهدى، وأظهر لهم على الوجه الآخر معالم الضلالة والزيغ والفساد، قال الله جل وعلا: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠].

стр. 359

أنواع الرحمة الإلهية وليس لرحمة الله جل وعلا حد تنتهي إليه، قال الرب ﵎: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وهذه الرحمة العظيمة بها يعيش الخلائق أجمعون. ورحمة الله ﵎ منها ما هو عام ومنها ما هو خاص، فأما رحمته ﵎ العامة فهذه ينالها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، ومن مظاهر هذه الرحمة التي لا تختص بإيمان أو كفر إنزال الغيث، فإن الغيث وإنزاله من أعظم مظاهر رحمة الرب ﵎، ويستفيد منه البر والفاجر، والمؤمن والكافر، والذكر والأنثى، والعربي والأعجمي، وغير ذلك مما هو معروف، قال الله جل وعلا عن الرياح التي تحمله: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف:٥٧]، وقال الله ﵎ عن النبت الذي ينبت والأرض عندما تخضر بعد نزول رحمته: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٠]. ومن مظاهر رحمته ﵎: إطعامه للجائع، وجاء في الحديث القدسي: (إني والجن والإنس في نبأ عظيم؛ خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد، أتقرب إليهم بالنعم ويتقربون إلي بالمعاصي، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري). فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يعبده وحده دون سواه، ويشكره ﵎ آناء الليل وأطراف النهار على فضله وإنعامه. وأما مظاهر رحمته الخاصة جل وعلا فهذه نصيب المؤمنين المتقين الذين يعرفون ربهم ﵎، فتأتيهم رحمة الله الخاصة بهم، وهذه الرحمة واسعة الأرجاء، متعددة المظاهر. فمن مظاهر هذه الرحمة: ستره ﵎ على من يعصيه، وفي الحديث: (إن الله حيي ستير)، كما أن من مظاهر رحمته جل وعلا لعباده قبول التوبة، وقد جاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً؛ فاستغفروني أغفر لكم)، نستغفر الله العظيم ونتوب إليه. كما أن من مظاهر رحمته الخاصة توفيقه ﵎ لعباده للعمل الصالح والعلم النافع، فإن هذا من رحمة الرب جل وعلا لعبده. كما أن من رحمته ومعيته الخاصة لبعض عباده استجابته لدعائهم، وغوثهم عند النوازل، وقد ذكر الله جل وعلا جماً غفيراً ممن عبدوه ولجأوا إليه واستغاثوا به كيف أعطاهم، وأغاثهم وأعانهم، وأكرم سؤلهم جل وعلا، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٨]. فاختلفت حوائجهم ولم يختلف أنهم لا يسألون إلا الله، ثم قال جل وعلا: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠]، وغير ذلك مما قصه الله في كتابه، فإن الناظر بعين البصيرة والإنصاف إلى ما حوله يرى من مظاهر رحمة الله جل وعلا بخلقه ما لا يمكن أن يحصى أو يعد، ورحمة الله جل وعلا أعظم مما تراه بعينك، فإن الله جل وعلا كتب كتاباً عنده فوق العرش: (إن رحمتي غلبت غضبي). وكان رجل من الصالحين يقال له: حاتم يسكن في خراسان، فكلما عزم على الحج خاف على بناته من بعده، فقالت له ابنته الكبرى: يا أبت! إنما الرازق الله فحج، فعزم على الحج، وترك الصغار في عهدة أختهم الكبرى فرعتهم، فلما أمسى الليل إذا بهم يتضاغون عند قدميها ويسألونها الطعام، ولم يكن في البيت شيء، فبينما هم على تلك الحال إذا بأمير يدخل القرية ويطرق الباب ومعه حشمه وخدمه وماله ويسألهم الماء فليس معه ماء، والماء يوجد في بيوت الأغنياء كما يوجد في بيوت الفقراء، فلما سألهم الماء أخرجوا له جرة ماء كانت عندهم، ولما شربها جال بطرفه في البيت فعرف رقة حالهم ومسكنتهم وفقرهم. فلما هم بالخروج أخرج لهم صرة فيها مئات الدنانير، فقالت المرأة العارفة بربها: هذا مخلوق نظر إلينا فاستغنينا، فكيف بنظر أرحم الراحمين إلينا؟ نسأل الله أن يكلنا وإياكم إلى رحمته.

стр. 360

تفسير قوله تعالى: (علم القرآن، خلق الإنسان) إن من أعظم رحمة الله: الهداية، ولما كانت الهداية لا تتم إلا بالوحي؛ لأنها لا بد أن تكون على بينة عن طريق الرسول، والرسول يكون موحى إليه، وأعظم الوحي الكتب السماوية، وأعظم الكتب السماوية القرآن، وقد ذكر الله بعد ذكره اسمه الكريم: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن:١] أعظم رحمة أعطاها الله جل وعلا لخلقه فقال: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:٢]. فالقرآن أعظم رحمة موجودة في الأرض؛ لأن من سلك منهج القرآن قاده القرآن برحمة الله إلى جنات النعيم، ورضوان رب العالمين ﷻ ، وكان القرشيون يزعمون أن ما يقوله النبي ﷺ وما يتلوه عليهم إنما هي أمور اكتتبها، قال الله حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥]، فأجابهم الله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان:٦]، وهذه السورة -أي: سورة الرحمن- هي أحد الأجوبة على كفار قريش بأن القرآن من عند الله. فلذلك قال الله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١ - ٢]، وقد قلنا في درس سابق: إن النعم يمكن تقسيم أعلاها إلى قسمين: نعمة خلق وإيجاد، ونعمة هداية وإرشاد، ونعمة الهداية والإرشاد أعظم من نعمة الخلق والإيجاد؛ لأن نعمة الخلق والإيجاد يشترك فيها بنو آدم مع البهائم، فكلهم مخلوقون موجودون، لكن نعمة الهداية والإرشاد اختص الله بها المؤمنين المتقين الأصفياء الأولياء الصالحين من عباده. فهذه إنما خص الله جل وعلا بها بعضاً من خلقه من بني آدم، ولم تؤت لكل أحد، أسأل الله أن يثبتنا وإياكم على دينه. لذلك قال الرب جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١ - ٢]، واتفق النحاة على أن (علم) تأخذ مفعولين، وقد ذكر الله جل وعلا أحدهما هنا، والصواب: أن المفعول المحذوف هو المفعول الأول، وأما تقديره فاختلف العلماء فيه، لكن أظهر الأقوال أن يقال: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن:١]: علم نبيه القرآن. فيكون في هذا المعنى رد على من قال: إن محمداً جاء بالقرآن من عنده. وقلنا: إن هذا القرآن هو الطريق إلى جنة عدن، قال ﵊: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي)، وقال كما في صحيح مسلم: (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي). فالمقصود من هذا: أن كتاب الله جل وعلا هو الطريق الوحيد إلى رضوان الله، وهو متضمن الأمر باتباع نبينا ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٩]. وهذه السورة تضمنت مواقف إيمانية عظيمة، نبدأ بها على هيئة قضايا كالآتي: القضية الأولى: تكرر في هذه السورة قول الرب جل وعلا: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]، والمخاطب بهذه الآية الثقلان: الجن والأنس. وقد وردت هذه الآية مكررة في السورة نفسها (٣١) مرة، وقد صح عنه ﷺ -كما روى الترمذي من حديث جابر رضي الله تعالى عنه- أنه لما: (خرج على الصحابة قرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فلما قضى سكتوا، فقال النبي ﷺ : لقد قرأتها على إخوانكم من الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟! قال: إنني لما قرأتها على الجن كنت كلما تلوت: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] قال الجن: لا نكذب بأي من نعم ربنا، فلربنا الحمد)، فهذا الحديث حسنه الألباني ﵀ في الصحيح الجامع، وقلت من قبل: رواه الترمذي من حديث جابر. والمقصود: أن فيه دلالة على أدب الجن مع ربهم ﵎. إذاً من السنة أن الإنسان إذا تليت عليه هذه السورة في غير الصلاة أن يقول: ولا نكذب بأي من آلاء ربنا ولربنا الحمد، أو يقول ما يقرب من هذه العبارة. وهذه السورة -كما قلت- تزخر بالكثير من القضايا الإيمانية، أولها: معنى كلمة الرحمن، وقلنا: إنها مختصة بالرب ﵎، ولا يصح إطلاقها على كل أحد.

стр. 361

علة تقديم ذكر تعليم القرآن على الخلق قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٣]. تأمل أن الله قدم نعمة الهداية على نعمة الإيجاد، فلم يقل: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن:١]، خلق الإنسان، علم القرآن؛ لأن نعمة الهداية والإرشاد -كما بينا مراراً- أعظم من نعمة الخلق والإيجاد.

стр. 362

تفسير قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥]، الألف والنون زائدتان، والمعنى: بحساب متقن، وعلى ذلك جريانهما، قال الله جل وعلا: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، وفي ذلك من المصالح الدنيوية والدينية ما الله به عليم، قال الله جل وعلا: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢]. فبعد أن ذكر الله نعمة الإنسان وهدايته ذكر جل وعلا آلاءه وفضله، وما أعطاه للخلق؛ حتى يستدلوا بتلك الآيات على عظمة الرب جل وعلا، قال بعضهم: تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات على ورق هو الذهب السبيك على كثب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك فكل ما هو مخلوق فهو يدل على عظمة الخالق ﷻ ، يراه من يراه ويغيب عمن يغيب عنه. وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل.

стр. 363

تفسير قوله تعالى: (والنجم والشجر يسجدان) قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦]، في هذه الآية مباحث: المبحث الأول: اختلف العلماء في المقصود بالنجم في هذه الآية على قولين: الأول: أن النجم قرين الشجر، فالشجر هو النبات الذي له ساق، والنجم هو النبات الذي لا ساق له، فيصبح المعنى: أن النبات الذي له ساق والنبات الذي ليس له ساق كلاهما يسجدان لله. والحجة لمن قال بهذا: هو أن الله عطف النجم على الشجر، والشجر بالاتفاق: هو النبات الذي له ساق، فكان النجم خلافه. القول الثاني: أن النجم هنا هو النجم المعروف، أي: الذي في السماء، قالوا: ووجه القران ما بين النجم والشجر: أن المزارعين الذين يزرعون الشجر إنما يزرعون توقيتاً على مطالع البروج والنجوم، فشيء يزرع في الخريف، شيء يزرع في الشتاء، وشيء يزرع في الصيف، بحسب أحوال كل زرع، وهذا أمر يعرفه المزارعون بالاتفاق، فقالوا: إن النجم هنا هو النجم الذي في السماء، ولهم حجة في القرآن: وهي أن الله جل وعلا ذكر السجود فقرن ما بين سجود النجم وسجود الشجر، وذلك في قوله جل وعلا في سورة الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨]. فقالوا: إن الله هنا أثبت في هذه الآية سجود النجم الذي في السماء، وسجود الشجر، وقالوا: هذه قرينة على أن المقصود بقول ربنا جل وعلا: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦]: النجم الذي في السماء. والله أعلم بالصواب. وقد سقنا كلا القولين اللذين قالهما العلماء، والذي يهمنا بصورة أكبر هو أن الله جل وعلا فطر الخلق على السجود له، والسجود للرب ﵎ من أعظم القربات، ومن يوم أن تلدك أمك إلى أن تحمل على النعش لن تكون في حال أنت فيها أقرب إلى الله من هيئتك وأنت ساجد، وقال ﵊: (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء)؛ لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، ثم قال ﵊: (فقمن أن يستجاب لكم) أي: جدير أن يستجاب لكم. ومن كرامة السجود على الله أن حرم على النار أن تأكل من ابن آدم أعضاء السجود، وهذا إذا كان مؤمناً، والشفعاء يوم القيامة عندما يأتون ليخرجوا عصاة المؤمنين من النار بإذن الله يجدون أن النار قد أحرقت منهم كل شيء إلا مواضع السجود. وقد قال الله جل وعلا في سورة الرعد: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:١٥]، وقال جل وعلا في سورة النحل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل:٤٨ - ٤٩]. والمقصود من هذا: أن نبين مفهوم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:١٥]، وأن الكافر يسجد، ونحن نرى أنه لا يسجد، فتحمل الآية على أنه وإن لم يسجد بذاته فهو يسجد بظله. فكأن الله جل وعلا يقول للعلماء: إن الله يهب الظل -أي: ظل العبد- إدراكاً يسجد من خلاله، فإذا انتفى سجود الكافر ذاته فإن ظله يسجد لله تحقيقاً للآية. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا﴾ [الرعد:١٥] هذا سجود المؤمنين، ﴿وَكَرْهًا﴾ [الرعد:١٥] وهذا سجود الكافرين، ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:١٥]. والمقصود من هذا كله: عظيم فضيلة السجود في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦].

стр. 364

تفسير قوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان) قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن:٧ - ١٠]. هذه دعوة للعدل بين العباد، والله جل وعلا حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً، ومن أعظم صفات المتقين: العدل، وقد قيل: بالعدل قامت السماوات والأرض، ولا يجوز للحاكم أن يظلم ويجور في رعيته، ولا يجوز للزوج ألا يعدل بين زوجاته، ولا يجوز للمعلم ألا يعدل بين طلابه، ولا يجوز للأب ألا يعدل بين أبنائه، ومن صفات من يخاف الله ويراقبه ويطمئن إلى الوقوف بين يديه أن يعدل فيما ولاه الله ﵎ عليه. ولهذا نهى الله عن الطغيان وعن الخسران، فقال جل وعلا: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن:٨] أي: لا تزد فيه إذا كان الكيل لك. ثم قال: ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٩] أي: لا تنقصوا منه إذا كان الكيل عليكم لغيركم، ولا تطغوا فيه إذا كان الكيل لكم. وكما يزن الإنسان في بيعه وشرائه فيجب أن يعدل في بيعه وشرائه، وأن يعدل حتى في قوله، فلا يقل ما يعلم أنه جور وظلم كغيبة أو نميمة أو قدح في الغير أو ما أشبه ذلك، فهذا كله من عدم إقامة العدل بين الناس، وفي ذات الإنسان نفسه، قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢]، فالمؤمن الحق الذي يرجو ما عند الله يعدل في كل ما ولاه الله ﵎ إياه.

стр. 365

تفسير قوله تعالى: (والأرض وضعها للأنام) قال الله جل وعلا: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ﴾ [الرحمن:١٠ - ١١]. هذا كله ذكر لبعض نعم الله ﵎ على عباده، وقد مر معنا كثير من هذا في سور سابقة. ثم قال جل وعلا: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢٠]. المقصود: الأنهار والبحار، العذب والمالح، فلا يطغى بعضهما على بعض، أي: لا يختلطان، ففرق الله جل وعلا بين مجرى البحار ومجرى الأنهار. وهذا الذي ذكره الله في الرحمن بينه جل وعلا في سورة الفرقان، فقال ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾ [الفرقان:٥٣]، أي: مانعاً، وهذا كله من دلائل كمال قدرته ورحمته ﵎ لعباده.

стр. 366

تفسير قوله تعالى: (كل من عليها فان والإكرام) ثم ذكر الله جل وعلا بعد ذلك القضية التي لا مفر منها وهي قضية الموت، وأن هؤلاء الخلق أجمعين كلهم يموت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وكما قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. والله جل وعلا أذل بالموت القياصرة، والملوك، والأكاسرة، والأمراء، والأغنياء، والجبابرة، والفقراء، فلا يسلم فيما نعلم من الموت أحد؛ فقال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. ولا ريب أن وجه ربنا ﵎ كما قلنا مراراً أعظم الوجوه وأكرمها، وقد نعت الله وجهه هنا جل وعلا بأنه ذو جلال إكرام، أي: هو جل وعلا أجل من أن يعصى وأكرم من أن يخالف، ولا يلجأ إلى ذلك إلا من غلبت عليه الضلالة، وظهرت عليه الشقاوة، وحاد عن صراط الله المستقيم، قال ﷺ -فيما صح عنه-: (ألظوا -أي: الزموا- بيا ذا الجلال والإكرام) أي: في دعائكم، أكثروا من قول: يا ذا الجلال والإكرام. ووجه الله ﵎ يثبته أهل السنة على ما يليق بجلاله وعظمته، دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، وهو مقصد المؤمنين ومبتغى عباد الله الصالحين، قال الله عن الأخيار من عباده: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٨ - ٩]، وقال الله جل وعلا -يحث نبيه ويؤدبه-: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]. ورؤية وجه الله الأكرم متحققة برحمة الله وإذنه للمؤمنين في جنة عدن كما قلنا مراراً، فالدنيا لا تطيب إلا بذكر الله ولا تطيب الآخرة إلا بعفوه، ولا تطيب الجنة إلا برؤية وجهه سبحانه، وقد صح عنه ﷺ كما عند مسلم في الصحيح أنه قال ﵊: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟)، فيكشف الحجاب فيرون وجه ربهم ﵎، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم هو أعظم ولا أجل من رؤية وجه الله، قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، أي: أحاطت بها النضرة من كل مكان، ثم ذكر سبب أنها نضرة فقال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، أي: تنظر بعينيها التي يعطيها الله التمكين آن ذاك أن ترى وجه العلي الأعلى ﷻ ، اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

стр. 367

تفسير قوله تعالى: (يسأله من في السماوات شأن) ثم ذكر الرب جل وعلا بعد هذه القضية قضية أخرى وهي حقيقة العبودية، فقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. فمن كمال ربوبيته، وكمال ألوهيته، وكمال أسمائه وصفاته أنه ما من عبد في السماء والأرض إلا وهو فقير إلى الله جل وعلا كل الفقر، ويسأل الله جل وعلا حوائجه ومقتضيات أمره، سواء كان يسألها بلسان حاله أو بلسان مقاله، فكل الناس فقراء إلى الله ﵎. فترى الشاب لا يعرف المسجد ولا يعرف الصلاة، فإذا أراد أن يدخل قاعة الامتحان يجد نفسه دون أن يشعر مضطراً إلى أن يرفع بصره إلى السماء، ويرفع يديه إليها؛ لأنه يعلم بالفطرة أن هناك رباً، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، وفي قوله: (يسأله) إشارة إلى أهمية الدعاء، فهو من أعظم العبادة، قال ﵊: (الدعاء هو العبادة). فالإنسان الذي يكثر من دعاء الرب جل وعلا وحده، ويلجأ إليه في كل أمر يصير إليه، فهذا من دلائل كمال محبة الله ومعرفته جل وعلا، وكان موسى ﵇ يستحيي أن يسأل الله بعض حاجته، فأوحى الرب جل وعلا إليه: يا موسى! سلني ملح عجينتك، يا موسى! سلني شسع نعلك، يا موسى! سلني وسلني. فإن الله جل وعلى يحب أن يسأله العبد، قال بعضهم: لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تغلق فالله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب فالمقصود: أن سؤال الرب جل وعلا من أعظم ما من الله به عليك، حتى جاء في الحديث: (أن الله يوحي إلى جبريل: يا جبريل! أخر حاجة عبدي؛ فإني أحب أن أسمع صوته) ومن ذلك السعيد الذي يحب الرب جل وعلا أن يسمع دعاءه، وخشوعه وتضرعه ومسكنته بين يدي ربه جل وعلا؟ فهذه من أعظم النعم وأجل العطايا، ولكن بني آدم طبعوا على العجل، وعلى حب الأشياء العاجلة، كما قال ربنا: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧]. ثم قال الله جل وعلا: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] أي: يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويفك أسيراً، ويغني فقيراً، ويشفي مريضاً، ويطعم جائعاً، إلى غير ذلك مما لا يحصى، فيقيم دولاً ويذهب أخرى، ويقيم ملكاً وينزع آخر، ويفعل ﵎ ما يشاء، لكن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] الأحسن أن تفهمه بالإيمان وبالقضاء والقدر، فإن الرب جل وعلا في أمور يبديها لا في أمور يبتدئها. جاء الوليد بن عبادة إلى أبيه عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وعبادة في مرض الموت، فقال الابن لأبيه: يا أبت! أوصني واجتهد لي، أي: ابحث لي عن وصية عظيمة، فقال: يا بني! إنك لن تبلغ العلم، ولن تجد طعم الإيمان، ولن تعرف حقيقة العلم حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: يا أبت! وكيف أدري خيره من شره؟ قال: يا بني! أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ثم قال: يا بني! إنني سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الله أول ما خلق القلم قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة)، ثم قال له: يا بني! إنك إن مت على غير ذلك دخلت النار، أي: إن مت على غير الإيمان بالقدر خيره وشره. والرضا بقضاء الله خيره وشره من أعظم مناقب الصالحين، قال الله عنهم: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، فالحياة الطيبة مدارها على الرضا بقضاء الله ﵎ وقدره.

стр. 368

تفسير قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس) قال ﵎: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]. هذه الآية ربما توسع العلماء فيها كثيراً، والصواب إن شاء الله في تفسيرها أن يقال: إن هذه الآية تتكلم عن أهوال يوم القيامة، وعن أهوال يوم الآخرة. وحتى تفقه معناها نقول: اعلم أن الناس يحشرون من القبور على أرض بيضاء نقية، فإذا كان ذلك تشققت السموات، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥]، فإذا رأى الكفار تشقق السماء وتنزل الملائكة أحاط بهم الخوف، فإذا أحاط بهم الخوف فروا، فإذا فروا ورأوا الملائكة على الجانبين رجعوا على ما هم عليه. فالله يقول هنا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا﴾ [الرحمن:٣٣] أي: أن تخترقوا، ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن:٣٣] أي: الأمر متروك لكم إن كانت لديكم قدرة على ذلك. ثم قال جل وعلا: ﴿لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] أي: بقوة وقدرة تغلبون بها قهرنا وقدرتنا، ومعلوم أن هذا من تعليق الأمر بالمحال؛ لأنه لا أحد له قدرة على الله، ودليل هذا التفسير قول الله جل وعلا على لسان العبد الصالح مؤمن آل فرعون: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر:٣٢ - ٣٣]، متى يولون مدبرين؟ في يوم التناد، ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٣]، فهذا من شواهد تفسير الآية كما قلناه. إذاً: فهذا من تعليق الأمر بالمحال.

стр. 369

تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) قال الله جل وعلا: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩]. وهنا يرد إشكال لطالب العلم ولمن يقرأ القرآن وهو أن الله قال في هذه السورة: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩]، وقال ﵎ في سورة أخرى: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]، فنفى ﵎ هنا السؤال، وأثبته في مواطن أخرى، فقال الله جل وعلا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]. وهذا وارد كثيراً في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:٨]، والجواب عن هذا علمياً أن يقال: قال بعض العلماء: إن القيامة مواطن ومواقف متعددة، فموطن يسأل فيه وآخر لا يسأل، وهذا وإن قال به بعض العلماء الأجلاء إلا أنه في ظننا بعيد. والصواب -إن شاء الله- أن يقال: إن السؤال قسمان: قسم أثبته الله، وقسم نفاه الله. فالقسم الذي أثبته الله هو سؤال التقريع والتوبيخ، أي: أن يسألوا لم فعلتم هذا؟ وأما السؤال المنفي في قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩] فهو سؤال الاستعلام والاستفهام، أي: لا يسأل الناس: هل فعلتم أم لم تفعلوا؛ لأن الله أعلم بما فعل الناس من أنفسهم، قال الله : ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]. إذاً: تحرر من هذا أن هناك سؤالاً منفياً وسؤالاً مثبتاً، وقد يأتي على هذا الإشكال إشكال آخر، وهو أن يقال: إذا كان السؤال المثبت هو سؤال التقريع والتوبيخ، فكيف يسأل المرسلون؟ وكيف تسأل الموءودة؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن سؤال الموءودة تقريع وتوبيخ لقاتلها، وسؤال الرسل تقريع وتوبيخ لأممهم الذين كذبوا بهم، وبهذا يجتمع ما جاء في القرآن من نفي السؤال وما جاء في القرآن من إثباته.

стр. 370

تفسير قوله تعالى: (يعرف المجرمون بسيماهم) قال الله جل وعلا بعد ذلك عن المجرمين: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١]. أي: يعرفون بعلامات المجرمين ومنها زرقة العيون، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢]، وهذا عند البلاغيين إيجاز حذف، ومعنى الآية: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ [طه:١٠٢] أي: أعينهم زرق، وهو كقول الله جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:٥٩]، فليس المقصود: أن الناقة ترى وتبصر، لكن المقصود والمعنى: وآتينا ثمود الناقة آية مبصرة، أي: آية واضحة، وهذا بعض ما يعرف به المجرمون. وأما المؤمنون فيعرفون بأثر الوضوء، أي: بالغر والتحجيل الناجم عن أثر الوضوء، وأنا أقول: بعض ما يعرف به الكفار وبعض ما يعرف به المؤمنون؛ لأن الآيات لم تأت على سبيل الحصر.

стр. 371

تفسير قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) قال الله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]، وهذه الآية مر معنا بعض تفسيرها لكن نفسرها إجمالاً: ذكر الله هنا أربع جنان وجعلهما قسمين، فقال في الأولى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، ثم قال بعدها: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢]، وهنا من دونهما يعني: أقل منهما، وليس في الجنة أقل، فيقال: أقل منهما ثم يقال تأدباً: وليس في الجنة أقل. ثم قال عن الأولى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٨]، وقال عن الثانية: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] أي: أنهما خضراوان تميلان إلى السواد، وأما ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٨] فمعناها: أنهما متنوعتا الأفانين، والأفضل هي المتنوعة. ثم قال جل وعلا في الأولى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠]، وقال في الثانية: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦]، وجري الماء أعظم من كونه ينضخ ويفور شيئاً يسيراً. وقال في الأولى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢]، وقال في الثانية جل وعلا: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨]، ففي الأولى أطلق وفي الثانية قيد. وقال جل وعلا في الثانية: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠]، وقال في الأولى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤]، والجنى هو الثمار، وجان بمعنى: قريب، بحيث إن الإنسان لا يتكلف أي كلفة حتى يصل إليها، بل ورد أنه إذا قطفها جاءت أختها بدلاً منها، فلا يدري أهو قطفها أو لا، قال الله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥].

стр. 372

تفسير قوله تعالى: (فيهن قاصرات الطرف) ثم ذكر الله بعض ما من به على أهل الجنة فقال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]. قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن:٥٦]، فأفضل خصلة في المرأة أن يكون طرفها مقصوراً على زوجها، فلا تتشوف إلى غيره من الرجال، وهذه أعظم خصلة في النساء، ولأنها أعظم خصلة في النساء فإنها يحبها الأزواج جميعاً، وجعلها الله جل وعلا أول نعت للحور العين فقال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن:٥٦] أي: تقصر طرفها وعينها ورؤيتها وتشوفها على زوجها فقط، ولا تتعداه إلى غيره. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] فيه إشارة واضحة إلى أن مؤمني الجن يدخلون الجنة. وفي الآية تحذير لما وقع فيه بعض النساء اليوم -عياذاً بالله- من كثرة النظر الناجم عن كثرة الخروج، إما نظر إلى الشاشات إذا كن بالبيوت، أو نظر إلى الرجال إذا كن في الأسواق، أو في دور الملاهي وما شابه ذلك، فهذا إثم ومعصية، وفي نفس الوقت هو منقصة في المرأة في حيائها وفي دينها، ومنقصة في تشوف الرجال إليها. فإن الرجل الحر الأبي عادة لا يمكن أن يتعلق قلبه بامرأة فيها هذا الوصف، ولو وافقها في زمن غفلته فإنه لا يمكن أن يقبلها في زمن أوبته ويقظته وإدراكه، وهذا ظاهر لكل من يعقل العلاقة بين الرجال والنساء. ثم قال جل وعلا في الأولى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]. وهذه من قواعد القرآن، وقد أفرد لها العلامة ابن سعدي قاعدة خاصة في كتابه القواعد الحسان في فهم القرآن، وهو أن القرآن قد دل على أن الجزاء من جنس العمل. وفسر الإحسان هنا بأنه: لا إله إلا الله، وفسر بأنه كل عمل صالح، والأفضل أن يفسر بأن المقصود به الإيمان والعمل الصالح، فجزاؤه الإحسان من الله، وأعظم إحسان من الله هو الجنة، وأعظم ما في الجنة رؤية وجه رب العالمين ﵎. ثم ختم الله جل وعلا هذه السورة الكريمة بقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، وقد مر معنا أن (تبارك) فعل جامد لا يتصرف، فلا يأتي منه مضارع ولا أمر، وأعظم ما فيه أنه لا يقال لغير الله، فلا يقال لأحد غير الله: (تبارك) كائناً من كان، فهو من الأفعال الخاصة بالتعامل بالنعت به للرب العظيم جل جلاه. ثم قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، فبدأها الله باسم عظيم وهو: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن:١]، وختمها بوصف عظيم وهو: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، سائلين الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم العمل بما نقول. والحمد لله رب العالمين.

стр. 373

سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة الجن في سورة الجن تقرير عظيم لحقيقة التوحيد العظيمة، حيث أنطق الله تعالى الجن بعد سماعهم آيات القرآن بتوحيده وإعلانهم تركهم الشرك به تعالى، وبيانهم ما كانوا عليه من الضلال في اتباع سفهائهم فيما يقولونه على الله تعالى، كما قرر الله تعالى ذلك بإعلان رسوله حفظ الله تعالى له وحمايته من السوء والأذى، وبيان حقه تعالى في أن يعظم في المساجد، فلا يدعى معه فيها غيره ولا يشرك به سواه.

стр. 374

تفسير قوله تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن)

стр. 375

ذكر حادثة نزول الآيات الأول من سورة الجن الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيف ما شاء عزة واقتداراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع هداه. أما بعد: فإن الكاتب في مثل هذه الدروس العلمية يتنازعه في الغالب أمران: الأمر الأول: الجنوح إلى الوعظ. الأمر الثاني: الإبقاء على نفعية الدرس العلمي. وتفصيلاً للقول يقال: إنه لا يمكن التفريق التام والانفكاك بين الوعظ والعلم؛ لأنه لا يحسن أن يعظ الناس من ليس بعالم، وإذا كان الدرس العلمي يغلب عليه الوعظ الذي يخاطب به معشر العصاة غالباً فهذا يحرم طالب العلم من النتف العلمية، والفوائد التي جاء من أجلها في المقام الأول. وسنشرع بإذن الله تعالى في تفسير سورة الجن، فنقول مستعينين بالله تعالى: قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن:١ - ٣]. جمهور المفسرين على أن سورة الجن سورة مكية، نزلت بعد سورة الأعراف. ومما يذكر في نزولها أن نبينا ﷺ خرج إلى الطائف، فنزلت في منقلبه ﵊ من الطائف، وهذا هو الأظهر. وقيل إنه ﷺ خارج عامداً مع نفر من أصحابه إلى سوق عكاظ، فصلى ﷺ الفجر أو قام الليل، وأياً كان الأمر فإنه كان يقرأ القرآن، وكانت الجن من قبل لها مقاعد في السماء، من خلال هذه المقاعد تسترق السمع، فتسمع الكلمة من الحق فتزيدها من الباطل أضعافاً مضاعفة، ثم تلقيها إلى الكهنة من الأنس، فهذا نوع من التعامل بين الجن وكهنة الأنس. فتعود الجن على هذا، وكانوا يرجمون رجماً يسيراً، كما قال الله جل وعلا في سورة تبارك عن النجوم: ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥]، فكانوا يسترقون السمع فينالون حظاً فيعطونه الكهنة، فبينما هم في أيام بعثته الأولى ﷺ يسترقون السمع وجدوا أنه قد حيل بينهم وبين خبر السماء، فعلموا فطنةً أن هناك شيئاً وقع أو سيقع، فأخذوا يتساءلون، ثم انقسموا إلى فرق، فذهبت كل فرقة تبحث عن السبب الذي من أجله حيل بينهم وبين خبر السماء. فذهبت فرقة منهم إلى وادي نخلة فسمعت النبي ﷺ يقرأ القرآن، فاستمعوا إليه ﷺ ، فلما استمعوا إليه كتب الله لهم الإيمان باستماعهم لقراءة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، حيث وقع القرآن في قلوبهم موقعاً عظيماً، وهذا يدل على عظمة القرآن؛ إذ الجن الذين خلقوا من نار السموم تفطرت قلوبهم لما سمعوا كلام رب العزة ﷻ . وأجمل شيء أنهم سمعوه من في رسول الله ﷺ ، فاجتمعت حلاوة التلاوة مع عظمة التنزيل، فلما قدموا إليه اجتمعوا ينادي بعضاهم بعضاً -في أظهر الأقوال- ليستمعوا القرآن من النبي ﷺ .

стр. 376

دعوة الجن قومهم إلى التوحيد والإسلام فلما فرغ ﵊ من القراءة انصرفوا يدعون قومهم إلى دعوة نبينا ﵊، وهذا ما قاله الله في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١]. فهؤلاء مؤمنوا الجن الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ ، وقد حدث هذا كله والنبي ﷺ -على ما تدل عليه ظاهر الآية- لم يرهم، وهو ﵊ بشر لا يعلم الغيب، فأوحى الله إليه بعد انصرافهم أن الجن استمعت إليه، وهذا الوحي من الله جاء مرتين: المرة الأولى في قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف:٢٩]. والمرة الثانية في قوله ﵎: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، فهذا مدخل لمفهوم سورة الجن، وهذا هو أصل القصة ومبناها، ومعنى قول ربنا ﵎: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩].

стр. 377

فوائد من نزول سورة الجن وفي ذلك جملة من الفوائد: الفائدة الأولى: أن الجن موجودون، وهذا رد على كل من أنكر وجود الجن من الملاحدة أو بعض الفلاسفة، والدليل على وجودهم ظاهر بين، فقد حكى الله جل وعلا عنهم أنهم يستمعون القرآن، وأن الله تعالى صرفهم لاستماع القرآن إلى نبينا ﷺ ، وأن الله خاطبهم بالقرآن في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]. الفائدة الثانية: حفظ الله لوحي نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فإن هذا الوحي الذي أنزل على خير نبي صلوات الله وسلامه عليه كان من إرهاصاته العظمى أن مقاعد الجن التي كانت لهم في السماء قد حبسوا عنها وحيل بينهم وبينها، حيث قالت الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩]. فقولهم: ﴿يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ [الجن:٩] يدل على أن الوقتين متغايران، ففي الوقت الأول كان بإمكانهم أن يسمعوا، أما بعد بعثته ﷺ فقد حيل بينهم وبين السماء، كما قال تعالى عنهم: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩]، وهذا من عناية الله ﵎ برسولنا صلوات الله وسلامه عليه. الفائدة الثالثة: دلت السورة جملة على أن الجن منهم مؤمنون ومنهم كفار، ودليلها من السورة نفسها، وهو أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١١]. وكلمة (طريق) إذا جمعتها وأنت تقصد الطريق المعبد الذي تمشي عليه فإنك تجمعها على (طرق)، وإن جمعتها وأنت تقصد الطريق المعنوي، كطريق الخير وطريق الشر، وطريق الهدى وطريق الضلالة -فإنك تجمعها على (طرائق). وهنا قالت الجن: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١١] أي: كنا جماعات وأهواء وأحزاباً وفرقاً ومللاً ونحلاً متفرقة، ولا يسلم منها إلا فرقة واحدة، وهي التي أرادت الحق، كما قال تعالى عنهم: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ). وكل أمة فيها الصالحون وفيها غير صالحين، فتتفاوت أحوالهم ودرجاتهم ومكانهم عند الرب ﵎. الفائدة الرابعة: أن الجن يسمون جناً لاستتارهم، بمعنى أنهم لا يرون بالعين، والجذر اللغوي لكلمة (جن) يدل على الاستتار، ولذلك يسمى الطفل في بطن أمه جنيناً، وسميت جنة عدن -أدخلنا الله وإياكم إياها- بذلك لأنا لم نرها، قال الله عن خليله إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام:٧٦] يعني: أظلم عليه الليل ولم يعد يرى. فالجن مأخوذ اسمهم من هذه المادة؛ لأنهم لا يرون بالعين بقدرة الله، كما قال تعالى عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].

стр. 378

تسمية الجن عند العرب وبيان وجودهم قبل الآدميين وقد اتفق على أن الجن مخلوقون من نار، واختلف في أيهما أقدم خلقاً الجن أم الإنس؟ والصحيح أنهم الجن بنص القرآن، حيث قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧] أي: من قبل خلقكم. فلما قطعت الإضافة بنيت (قبلُ) على الضم. والعرب في لسانها تسمي الجني بخمسة أسماء، فإذا كانوا يقصدون أصل الخلقة يقولون: جني، فإذا كان مما يسكن البيوت فإنهم يسمونه عامراً، ويجمع على (عمار)، وإذا كان مما يتعرض للصبيان ويفزعهم فإنهم يسمونه أرواحاً، وإذا كان ذا قوة وخبث وتمرد فإنهم يسمونه شيطاناً، فإذا زادت قوته وتمرده فإنهم يسمونه عفريتاً، قال ذلك الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى. وابن عبد البر إمام مالكي شهير، وهو من أكثر علماء الأمة قدراً، وله كتابان في العلم شهيران جداً: الأول: التمهيد، والثاني: الاستيعاب، وله الاستذكار، فرحمه الله تعالى. فالعماد منهم يسكنون البيوت، وقد جاء في موطأ مالك بسند صحيح أن رجلاً من الصحابة كان حديث عهد بعرس، فخرج مع النبي ﷺ في الخندق، فكان يستأذن النبي ﵊ ليرجع إلى بيته، ولا يرابط في الخندق؛ لأنه حديث عهد بعرس. وفي ذات مرة استأذن فرجع، فوجد زوجته خارج البيت، فأصابته الغيرة فسل السيف، فأشارت إليه أن: ادخل الدار. فلما دخل الدار وجد حية عظيمة قد التفت على فراشه، فأخرج رمحاً أو سيفاً فضربها به، قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه راوي الحديث، فلا يدرى أيهما أسبق موتاً؟ أي: ماتت الحية التي قتلها ومات الشاب في نفس الوقت، فلما علم ﷺ قال: (إن في المدينة عماراً)، أي: إخواناً لكم من الجن يعمرونها، وشرع لهم ﷺ التحريج، أي: أن يحرج على الجني إذا وجده في البيت أو غلب على الظن وجوده، فيحرج عليه أن يخرج ثلاثاً، ثم بعد ذلك إن لم يخرج فإن له قتله.

стр. 379

أصل الجن وأصل إبليس واختلف العلماء في أصل الجن، فالأكثرون -واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن الجن من نسل إبليس. وإبليس نفسه اختلف فيه هل هو من الملائكة أم هو من الجن؟ والقرآن يدل صراحة على أنه من الجن، قال الله تعالى في سورة الكهف: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]. والذين قالوا: إنه من الملائكة يخرجون قول الله جل وعلا: ((إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)) على أن المراد بالجن هنا الملائكة. ولهم دليل على أن الجن يراد بهم الملائكة، وهذا هو العلم؛ إذ المعلوم ثلاثة أقسام: محكم، ومنزل، ومؤول، ومضمار العلماء الذين يجرون فيه هو المؤول. فقوله تعالى: ((إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ))، قلنا فيه: إن الجن بمعنى الاستتار، وهؤلاء قالوا: إن الجن هنا المقصود بهم الملائكة، أي: كان من الملائكة. والدليل على أن كلمة الجن تطلق على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨] والجنة هنا هم الملائكة؛ لأن الكفار ما قالوا: إن بين الله وبين الجن الأرضيين نسبة، وإنما ادعوا النسبة للملائكة، فنسبوا لله البنات، فقالوا: إن الملائكة بنات الله. فالنسبة التي ادعاها الكفار هي أنهم نسبوا الملائكة بأنهم بنات الله، كما قال تعالى: ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ [النجم:٢٧].

стр. 380

إرشاد لطالب العلم في التأني في الحكم على الأقوال وإنما أوردت هذا لتتأنى، حتى إذا سمعت قولاً لأحد العلماء لم تسارع في ذمه حتى تعلم دليله، ولا تستعجل في الحكم؛ إذ يظهر لك العلم من وجه، ويظهر للعالم من وجه آخر، وهذا الذي ينبغي لطالب العلم أن يعرفه. وفي ذلك يروى أن أبا حنيفة ﵀ كان له تلاميذ، فكان في كل فترة يعطي أحد التلاميذ إذناً بأن يدرس، فيقول: قم يا فلان فدرس. وكان له تلميذ من أنجب طلابه، وهو أبو يوسف قاضي القضاة ﵀، يوسف فكان أبو يوسف يجلس في الحلقة وهو أفضل ممن يأذن لهم أبو حنيفة، فكان يتعجب من الإمام حين يأذن لغيره أن يدرس ولا يأذن له. وفي ذات مرة مرض أبو يوسف، فزاره أبو حنيفة في بيته، فوافقت زيارة أبي حنيفة شدة مرض أبي يوسف، فظن أبو حنيفة أن أبا يوسف سيموت، فلما خرج قال للطلاب: لئن مات أبو يوسف ليفقدن العلم أحد رجالاته، والله لقد كنت أعده للناس من بعدي. فرجع الطلاب يجرون جبلة إلى أبي يوسف فقالوا: الإمام قال وقال وقال، فطاب بذلك أبو يوسف، فجلس أبو حنيفة في الحلقة يوماً فقال: ما فعل الله بـ أبي يوسف؟ فقالوا: لقد برئ. فقال: أين هو؟ فقالوا: أقام حلقة للعلم. وذلك لأن الإمام قال: إنني أعده للناس من بعدي. وجلس يدرس. وهنا أراد أبو حنيفة أن يؤدبه، ويبين له العلم، فقال أبو حنيفة لأحد الطلاب اذهب إلى أبي يوسف وقل له: إن رجلاً أخذ ثوبه وأعطاه الغسال ليغسله له، فلما رجع ليأخذ الثوب أنكر الغسال أنه أخذ ثوباً، ولم يكن عند صاحب الثوب دليل، فذهب ثم إن الغسال بعد فترة تاب، فأراد أن يرد الثوب لصاحبه، وقد غسّله، فهل له أجرة أم ليس له أجرة؟ وقال للطالب الذي بعثه: إن قال لك: له أجرة فقل له: أخطأت، وإن قال: ليس له أجرة فقل له: أخطأت. فخرج الرجل وذهب إلى أبي يوسف فجلس في الحلقة، فلما انتهى الدرس بدأ بالأسئلة، فقام الطالب ورفع يده وقال السؤال، فتفكر أبو يوسف ﵀ قليلاً ثم قال: ليس له أجرة فقال: أخطأت، فتفكر مرة أخرى ثم قال: نعم له أجرة، فقال الطالب: أخطأت، ورجع، فلما خرج فطن أبو يوسف أن الذي بعثه أبو حنيفة، فرجع وجلس في الحلقة مرة ثانية، فبدأ أبو حنيفة بالدرس ثم نظر إليه وقال: يا أبا يوسف! أعادتك إلينا مسألة الغسال؟! ثم قال له: كان ينبغي لك أن تسأل من سألك، فإن كان الغسال سرق الثوب قبل أن يغسله فليس له أجرة؛ لأنه عندما غسله غسله لنفسه، وإن كان غسل الثوب، ثم بعد أن غسله نظر إليه فأعجبه فنوى سرقته فله أجرة؛ لأنه غسله لصاحب الثوب. ثم قال ﵀: شاب لا يحسن مسألة في الإجارة يريد أن يجلس ليعلم المسلمين! والمقصود من هذا أنك لا تدري حجة من قال، ولذلك قال العلماء: كلما كان الإنسان أكثر علماً كان أقل إنكاراً؛ لأنه يعرف أن للمسألة عدة أوجه، فيقل إنكاره على الناس، أما الذي لا يعرف إلا شيئاً واحداً فإنه ينكر كل شيء يراه، وأنا لا أتكلم فيما اتفق العلماء على أنه منكر، بل أتكلم في المسائل التي يخوض فيها الناس.

стр. 381

بيان معنى قوله تعالى (وأنه تعالى جد ربنا) قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن:٣] الجد هنا بمعنى الجلال والعظمة، وهو أحد معانيها، ومن معاني الجد الحظ والغنى، ومنه قوله ﷺ : (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، يعني: ولا ينفع ذا الحظ العظيم منك الحظ؛ لأن الأمور بين الله وبين عباده بحسب الأعمال الصالحة.

стр. 382

بيان قول السفهاء من الجن على الله تصديق الآخرين لهم وقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن:٤] أي: أن الجن تقول: إن السفهاء منا كانوا يقولون جوراً على الله. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن:٥] معناه أن هؤلاء المؤمنين من الجن يقولون: كنا نصدق من يقول: إن لله صاحبه وولداً، فلما سمعنا القرآن من محمد ﷺ تبين لنا ضلال قومنا، ولكن الذي جعلنا نتبعهم هو أننا لم نكن نتوقع أن يتجرأ أحد على الله، وهذا معنى قولهم: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ [الجن:٥] والظن بمعنى العلم. ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن:٥].

стр. 383

بيان معنى قوله تعالى (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن) وقولهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] أي: اجتراء وطغياناً؛ لأن بعض الإنس من العرب كانوا يستغيثون بزعماء الجن، فأكبر ذلك في أنفس الجن وتعاظموا، وزادوا طغياناً على ما هم فيه، وهو أظهر الأقوال في الآية.

стр. 384

تفسير قوله تعالى: (وأن المساجد لله)

стр. 385

بيان المراد بإضافة المساجد إلى الله وإضافتها إلى غيره وقد دلت السورة كذلك على أن المساجد لله، حيث قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، ومن اليقين أن هذه الآية من كلام الله، وليست من كلام الجن. وهنا مسألة، وهي أنه لو قال لك قائل: ما اسم هذا المسجد، فقلت له: اسمه مسجد فلان، فقال لك: كيف والله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ [الجن:١٨] وأنت تقول: مسجد فلان؟ والجواب أن يقال: إن المساجد تضاف إلى لله تشريفاً، وتضاف إلى غيره تعريفاً، والدليل من السنة على أن المساجد تضاف إلى غير الله قوله ﷺ : (وصلاة في مسجدي هذا)، وقوله: (من أتى مسجد قباء)، وفي الصحيح أنه أجرى الخيل من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق. فهذا كله أدلة على أن المساجد تضاف إلى غير الله، ولكن تضاف إلى الله تشريفاً، وتضاف إلى غير الله تعريفاً. وقد ذكروا أن هارون الرشيد الخليفة العباسي المعروف غضب يوماً على أحد حرسه أو أحد خدمه، فأقسم بالله على أن امرأته طالق إن بات هذا الرجل في ملكه، وخلافة هارون الرشيد كانت خلافة عامرة، فكل البلاد الإسلامية تبع لـ هارون الرشيد، فسأل أحد العلماء: أين يبيت هذا وأنا قد حلفت على أنه لا يبيت الليلة في ملكي، وأنا أملك من المشرق إلى المغرب، فأشار إليه بأن يبيت الرجل في المسجد؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].

стр. 386

حكم القبر الكائن في المسجد وهنا مسألة، وهي وجود القبور داخل المساجد، فقد قال ﵊: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والواقع أنه إما أن يبنى القبر أولاً ثم يبنى عليه المسجد، وإما أن يبنى المسجد ثم يُدخل فيه القبر، وإما أن يبنى المسجد دون أن يوجد فيه قبر، ولكن يصل بتوسعته إلى القبر. فإذا بني القبر أولاً فلا يجوز بأي حال من الأحوال بناء مسجد عليه، فإن بني مسجد عليه فإنه لا تجوز الصلاة فيه؛ لأن الأصل أنه قبر. وإن بني المسجد ثم وضع فيه القبر فهذا يختلف بحسب القدرة، فإن كنت تقدر على إزالة القبر بحسب جاهك فإنه يجب أن يزال القبر، وإن كنت لا تقدر فإن الصلاة تجوز، وتركها أولى. وإذا كان هناك مسجد وسع حتى وصل إلى قبر، فلاُ يدخل في المسجد دخولاً كلياً، ولكن يبقى محجوزاً، كحال قبر نبينا ﷺ في مسجده، ولا شك في أن الصلاة في مسجده لا يقول عنها مؤمن: إنها لا تجوز، وقد أدخلت حجرات أمهات المؤمنين في عهد الوليد بن عبد الملك حين كان عامله على المدينة عمر بن عبد العزيز.

стр. 387

تعظيم المساجد بالتوحيد والمساجد مكان تعظيم، ولا يعظم فيها إلا الله، فلا يجوز لأحد أن يجعل من المساجد طريقاً لتعظيم أحد كائناً من كان، ومن تعظيم الله فيها أن يقرأ القرآن ويقال الدعاء وذكر الله والصلاة في المقام الأول، وحضور الجمعة، وحضور الجماعات، فهذا هو المعنى الحرفي لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]. وقال ﵊: (لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وقد شاع في الأمة -عياذاً بالله- اتخاذ بعض القبور مساجد، فتؤم وتقصد كما تؤم المساجد. فنحن نسمع في هذه الأيام بما يسمى بالنجف الأشرف، والنجف أرض خارجة عن الكوفة، الكوفة، وكانت الكوفة معقلاً لـ علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حين ترك المدينة إلى الكوفة، وقتل علي ﵁ شهيداً على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي في الكوفة. لا يوجد ثبت تاريخي يؤكد مكان دفن علي، ولكن من الروايات التي نُقلت أنه دفن بظاهر الكوفة، وهذا منقول عند أهل السنة، ولم يكن يعلم قبره ﵁ وأرضاه مدة من الزمن. ثم: إن هارون الرشيد الخليفة العباسي -كما قيل- خرج للصيد، وكانت عاصمة هارون بغداد، وبغداد في العراق فك الله أسرها، فخرج هذا الخليفة -فيما يزعمون- حتى وصل إلى ظاهر الكوفة، وهناك اكتشف قبر علي بظاهر الكوفة في المنطقة التي تسمى النجف، فأخذ يتردد عليه ويزوره، ثم كان أحفاد علي ﵁ من الأئمة عند الشيعة - مثل موسى الكاظم وجعفر الصادق - يدفنون غير بعيدين عنه، أي: في العراق. ثم مع الأيام جاءت دول فيها وزراء يتبنون المذهب الشيعي، فبني على القبر قبة، ثم بعد ذلك بني مسجد، ثم ما زال الأمر يتطور تاريخياً بحسب قوة نفوذ الشيعة، ثم بني بناء يحيط بالقبر أشبه بالبناء الذي بنته الدولة على الحرم المكي، فما بين الكعبة وبين المسجد يسمى صحن الكعبة، فأنت حين تذهب إلى مكة تقول: أريد أن أصلي في السطح، أو: أريد أن أصلي في الصحن. ويقصد بالصحن المسافة التي بين الكعبة وبين البناء. وهذا البناء لم يكن موجوداً في أيام النبي ﷺ ، ولا في عهد أبي بكر، وإنما بني في عهد عمر، وأول من أحاط المسجد بالبناء هو عمر ﵁. فالشيعة بنو على قبر علي مثل الحائط، وجعلوه على دورين، فجعلوا الدور الأعلى حوزة علمية يدرسون فيها، فأصبحت المساحة التي بين القبر نفسه وبين البناء أرضية صحن، فسموها بالصحن، ثم سميت بالصحن الحيدري نسبة إلى علي ﵁؛ لأن علياً من أسمائه حيدر، وهو القائل يوم خيبر: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ليث غابات كريه المنظرة ثم جاءت كلمة الأشرف اعتقاداً منهم أن هذا المكان يشرف بوجود علي رضي الله تعالى عنه، فمع الأيام أصبح يسمى بالنجف الأشرف، وأقول هذا حتى تفقه الحال حين تسمع أخبارهم، بصرف النظر عما يكون، فالأمريكيون عدو ظاهر لا جدال فيه، فلا يفرقون بين سنة وشيعة، وليس هذا مجال الكلام، ولكن الذي أريد أن أقوله هو أن الأمة ينبغي عليها أن توحد ربها، ولا تعظم إلا خالقها، ولو قدر أن علياً ﵁ وأرضاه وحشرنا وإياه مع نبينا ﷺ قام من قبره؛ لكان أول من ينكر هذا الصنيع على قبره. وهذا مقصودنا من قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].

стр. 388

تفسير قوله تعالى: (قل إني لن يجيرني من الله أحد) ثم قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن:٢٢]. اختلف في سبب النزول، فقيل: إن جمعاً من الجن أو من أهل الإشراك قالوا لنبينا ﷺ : اترك الدعوة ونحن نجيرك. فقال ﵊: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢٢ - ٢٣]. ومعنى الآية: إنني إذا بلغت رسالة الله يجيرني الله، وقد بلغ النبي ﷺ الأمانة وأداها على أكمل وجه، واستشهد أصحابه على هذا، فقال ﵊: (أما وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ فقالوا: نشد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة).

стр. 389

نصائح وإرشادات للمرء المسلم إنه لا نعمة أعظم من الهداية، ولا موقف أخوف من الوقوف بين يدي الرب ﵎، ولا منصرف أعظم من الانصراف بين يدي الله فريق في الجنة وفريق في السعير، ولا زحام أمتع من الزحام على أبواب الجنة، ولا نعيم تقر به العين أعظم من نعيم الجنة، ولا عطاء أعظم من رؤية وجه الله ﵎، وهذه كلها تتحقق إذا رحمك الله جل وعلا ويسر لك الأمر. وتحقيق هذه الرحمة بقول ربنا: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، وأعظم درجات الإحسان أن تعظم الله جل وعلا في قلبك تعظيماً جليلاً، ولا تجعل لله نداً كائناً من كان.

стр. 390

حفظ القلب من التعلق بغير الله ومعلوم أن مثلك لن يدعو غير الله فيما نحسب، ولكن قد يتعلق القلب بأحد تعلقاً يوازي تعلقه بالله، والعلماء يقولون: إن قلب المؤمن ينبغي أن يكون كالكعبة، فالكعبة لا تعلق فيها صور ولا أزلام، فكذلك قلب المؤمن ينبغي ألا يكون فيه إلا الله، أو ما كان داخلاً في محبة الرب ﵎. وإن حفظ البصر من النظر إلى المحرمات من أعظم ما يمكن أن تصرف به القلوب إلى طاعة الله؛ لأن البصر إذا أدمن النظر -عياذاً بالله- تعلق بالصور والوجوه التي يراها، وقد يفتن بها إن كانت وجوه رجال أو كانت وجوه نساء. ومن التعلق بغير الله حب الإنسان للشهرة والظهور، ومنه حب الإنسان للمال، ومنه حب الإنسان للانتقام، ومنه حب الإنسان للشهوات وما أشبه ذلك. فهذه كلها صوارف تصرف القلب عن الرب ﵎.
следующие страницы →