Полный текст (705 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
حكم القبر الكائن في المسجد
وهنا مسألة، وهي وجود القبور داخل المساجد، فقد قال ﵊: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والواقع أنه إما أن يبنى القبر أولاً ثم يبنى عليه المسجد، وإما أن يبنى المسجد ثم يُدخل فيه القبر، وإما أن يبنى المسجد دون أن يوجد فيه قبر، ولكن يصل بتوسعته إلى القبر.
فإذا بني القبر أولاً فلا يجوز بأي حال من الأحوال بناء مسجد عليه، فإن بني مسجد عليه فإنه لا تجوز الصلاة فيه؛ لأن الأصل أنه قبر.
وإن بني المسجد ثم وضع فيه القبر فهذا يختلف بحسب القدرة، فإن كنت تقدر على إزالة القبر بحسب جاهك فإنه يجب أن يزال القبر، وإن كنت لا تقدر فإن الصلاة تجوز، وتركها أولى.
وإذا كان هناك مسجد وسع حتى وصل إلى قبر، فلاُ يدخل في المسجد دخولاً كلياً، ولكن يبقى محجوزاً، كحال قبر نبينا ﷺ في مسجده، ولا شك في أن الصلاة في مسجده لا يقول عنها مؤمن: إنها لا تجوز، وقد أدخلت حجرات أمهات المؤمنين في عهد الوليد بن عبد الملك حين كان عامله على المدينة عمر بن عبد العزيز.
стр. 387
تعظيم المساجد بالتوحيد
والمساجد مكان تعظيم، ولا يعظم فيها إلا الله، فلا يجوز لأحد أن يجعل من المساجد طريقاً لتعظيم أحد كائناً من كان، ومن تعظيم الله فيها أن يقرأ القرآن ويقال الدعاء وذكر الله والصلاة في المقام الأول، وحضور الجمعة، وحضور الجماعات، فهذا هو المعنى الحرفي لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
وقال ﵊: (لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وقد شاع في الأمة -عياذاً بالله- اتخاذ بعض القبور مساجد، فتؤم وتقصد كما تؤم المساجد.
فنحن نسمع في هذه الأيام بما يسمى بالنجف الأشرف، والنجف أرض خارجة عن الكوفة، الكوفة، وكانت الكوفة معقلاً لـ علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حين ترك المدينة إلى الكوفة، وقتل علي ﵁ شهيداً على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي في الكوفة.
لا يوجد ثبت تاريخي يؤكد مكان دفن علي، ولكن من الروايات التي نُقلت أنه دفن بظاهر الكوفة، وهذا منقول عند أهل السنة، ولم يكن يعلم قبره ﵁ وأرضاه مدة من الزمن.
ثم: إن هارون الرشيد الخليفة العباسي -كما قيل- خرج للصيد، وكانت عاصمة هارون بغداد، وبغداد في العراق فك الله أسرها، فخرج هذا الخليفة -فيما يزعمون- حتى وصل إلى ظاهر الكوفة، وهناك اكتشف قبر علي بظاهر الكوفة في المنطقة التي تسمى النجف، فأخذ يتردد عليه ويزوره، ثم كان أحفاد علي ﵁ من الأئمة عند الشيعة - مثل موسى الكاظم وجعفر الصادق - يدفنون غير بعيدين عنه، أي: في العراق.
ثم مع الأيام جاءت دول فيها وزراء يتبنون المذهب الشيعي، فبني على القبر قبة، ثم بعد ذلك بني مسجد، ثم ما زال الأمر يتطور تاريخياً بحسب قوة نفوذ الشيعة، ثم بني بناء يحيط بالقبر أشبه بالبناء الذي بنته الدولة على الحرم المكي، فما بين الكعبة وبين المسجد يسمى صحن الكعبة، فأنت حين تذهب إلى مكة تقول: أريد أن أصلي في السطح، أو: أريد أن أصلي في الصحن.
ويقصد بالصحن المسافة التي بين الكعبة وبين البناء.
وهذا البناء لم يكن موجوداً في أيام النبي ﷺ ، ولا في عهد أبي بكر، وإنما بني في عهد عمر، وأول من أحاط المسجد بالبناء هو عمر ﵁.
فالشيعة بنو على قبر علي مثل الحائط، وجعلوه على دورين، فجعلوا الدور الأعلى حوزة علمية يدرسون فيها، فأصبحت المساحة التي بين القبر نفسه وبين البناء أرضية صحن، فسموها بالصحن، ثم سميت بالصحن الحيدري نسبة إلى علي ﵁؛ لأن علياً من أسمائه حيدر، وهو القائل يوم خيبر: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ليث غابات كريه المنظرة ثم جاءت كلمة الأشرف اعتقاداً منهم أن هذا المكان يشرف بوجود علي رضي الله تعالى عنه، فمع الأيام أصبح يسمى بالنجف الأشرف، وأقول هذا حتى تفقه الحال حين تسمع أخبارهم، بصرف النظر عما يكون، فالأمريكيون عدو ظاهر لا جدال فيه، فلا يفرقون بين سنة وشيعة، وليس هذا مجال الكلام، ولكن الذي أريد أن أقوله هو أن الأمة ينبغي عليها أن توحد ربها، ولا تعظم إلا خالقها، ولو قدر أن علياً ﵁ وأرضاه وحشرنا وإياه مع نبينا ﷺ قام من قبره؛ لكان أول من ينكر هذا الصنيع على قبره.
وهذا مقصودنا من قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
стр. 388
تفسير قوله تعالى: (قل إني لن يجيرني من الله أحد)
ثم قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن:٢٢].
اختلف في سبب النزول، فقيل: إن جمعاً من الجن أو من أهل الإشراك قالوا لنبينا ﷺ : اترك الدعوة ونحن نجيرك.
فقال ﵊: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢٢ - ٢٣].
ومعنى الآية: إنني إذا بلغت رسالة الله يجيرني الله، وقد بلغ النبي ﷺ الأمانة وأداها على أكمل وجه، واستشهد أصحابه على هذا، فقال ﵊: (أما وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ فقالوا: نشد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة).
стр. 389
نصائح وإرشادات للمرء المسلم
إنه لا نعمة أعظم من الهداية، ولا موقف أخوف من الوقوف بين يدي الرب ﵎، ولا منصرف أعظم من الانصراف بين يدي الله فريق في الجنة وفريق في السعير، ولا زحام أمتع من الزحام على أبواب الجنة، ولا نعيم تقر به العين أعظم من نعيم الجنة، ولا عطاء أعظم من رؤية وجه الله ﵎، وهذه كلها تتحقق إذا رحمك الله جل وعلا ويسر لك الأمر.
وتحقيق هذه الرحمة بقول ربنا: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، وأعظم درجات الإحسان أن تعظم الله جل وعلا في قلبك تعظيماً جليلاً، ولا تجعل لله نداً كائناً من كان.
стр. 390
حفظ القلب من التعلق بغير الله
ومعلوم أن مثلك لن يدعو غير الله فيما نحسب، ولكن قد يتعلق القلب بأحد تعلقاً يوازي تعلقه بالله، والعلماء يقولون: إن قلب المؤمن ينبغي أن يكون كالكعبة، فالكعبة لا تعلق فيها صور ولا أزلام، فكذلك قلب المؤمن ينبغي ألا يكون فيه إلا الله، أو ما كان داخلاً في محبة الرب ﵎.
وإن حفظ البصر من النظر إلى المحرمات من أعظم ما يمكن أن تصرف به القلوب إلى طاعة الله؛ لأن البصر إذا أدمن النظر -عياذاً بالله- تعلق بالصور والوجوه التي يراها، وقد يفتن بها إن كانت وجوه رجال أو كانت وجوه نساء.
ومن التعلق بغير الله حب الإنسان للشهرة والظهور، ومنه حب الإنسان للمال، ومنه حب الإنسان للانتقام، ومنه حب الإنسان للشهوات وما أشبه ذلك.
فهذه كلها صوارف تصرف القلب عن الرب ﵎.
стр. 391
سلامة الصدر
ومما يثبت به قلبك على طريق الله ألا يكون في قلبك غل ولا حقد على مؤمن كائناً من كان ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
ومن أخطأ من علماء الأمة -غفر الله لنا ولهم- فالتمس العذر، ولست ملزماً بأخذ قوله، فيرد عليه القول، ويبقى له إيمانه بربه ﵎.
وفي طلبك العلم لا تشتغل بالناس، ولا تشتغل بفلان ولا جماعة فلان ولا حزب فلان، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، فنحن مسلمون، ولا نريد اسماً زائداً على هذا الاسم بعد أن سمانا الله جل وعلا به، وكفى به فخراً.
وقد أنكر النبي ﷺ على المهاجرين والأنصار لما قال أحدهم: يا للمهاجرين، وقال الآخر: يا للأنصار، فقال ﵊: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟) مع أن (المهاجرين) و (الأنصار) اسمان قرآنيان، قال الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠].
стр. 392
لزوم جماعة المسلمين
كما أن من سلامة الصدر ما ذكر ﵊ في قوله: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم) وذكر منهن لزوم جماعة المسلمين والنصح لهم، فنحن -ولله الحمد- في بلاد آمنة مستقرة مطمئنة مباركة، والمنصف يعلم، ووالله الذي لا إله إلا هو لا نعلم بلاداً أكثر منها إيماناً، وأنا أتكلم من حيث الجملة لا من حيث الأفراد.
ففيها -ولله الحمد- يحكم الشرع، وتقام الحدود، وفيها الحَرَمان، ويأتيها المسلمون من كل مكان، وبقاؤها مجتمعة الكلمة موحدة آمنة مطمئنة فيه خير لكل مسلم، ولا يريد هدم هذا الكيان وتوزيعه وتشتيته إلا شخص جاهل لا يعرف مصلحة المسلمين، أو حاقد لا يريد للمسلمين مصلحة.
وليكن في قلبك الحب للحكام والعلماء والدعاة والأمراء والجيران والأهل والوالدين، كما كان نبينا ﷺ في حياته مع أصحابه ﵃، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، والكمال عزيز.
стр. 393
السعي في تزكية النفس
كما أنه ينبغي عليك أن تسعى -أيها الأخ المبارك- في تزكية نفسك، فاجعل لنفسك حظاً من الليل تقوم فيه بين يدي ربك جل وعلا تتلو القرآن وتسمعه وتقرؤه، وتسجد لله، وتتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وليكن بينك وبين الله أعمال في السرائر لا يعلمها أحد كائناً من كان، تجعلها ذخراً لك بين يدي رب العالمين ﷻ .
فما أنت فيه طلبه النبي ﷺ لعمه أبي طالب فلم ينله، وتمناه إبراهيم لأبيه فلم ينله، وتمناه نوح لأحد أبنائه فلم ينله، وكتبه الله جل وعلا لك، فقدم بك إلى بيت من بيوت الله تطلب فيه العلم، فلا تنشغل عن العلم بشيء آخر، فاسهر ليلك لتدوين المسائل، وقراءة القرآن، وحفظ المتون، ولا تنشغل بزيد وزيد أقل، وفلان أحبه وفلان أبغضه، بل اشغل نفسك بطاعة الله، وأكثر من الاستغفار، قال الله جل وعلا: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]، فأعظم ما يجلب الرحمة كثرة استغفار الله.
ومن الرحمة أن توفق لطلب العلم والبلوغ فيه، ونفع الناس بعد ذلك إذا مكنت منه.
стр. 394
البر بالوالدين
وكن حريصاً على بر والديك، فلا ينال خير عند الله بشيء بعد الصلاة والشهادتين أعظم من بر الوالدين، ولن يدرك عاق من الله جل وعلا خيراً؛ فمن وصاك الله به فجعلته وراء ظهرك فلن يعطيك الله به خيراً أمامك، والله جل وعلا يقول: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، وقال: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣].
وإن برك بأمك أو بأبيك خير لك من ألف محاضرة تحضرها؛ لأن ذلك أمر أوجبه الله، والمهم أن تحتسب العمل عند الرب ﵎، وأن تحتسب الصنيع عند الله جل وعلا.
стр. 395
كثرة ذكر الله تعالى
ومما يقربك إلى الله ﵎ زلفى كثرة ذكره جل وعلا، ففي الحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم).
ولا تشمت بأحد كائناً من كان، فإن القلوب بين يدي الله يقلبها كيف يشاء، واسأل الله الثبات على الهداية، وقل: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك.
стр. 396
النظر في أحوال المخذولين بالمعاصي
وانظر إلى رحمة الله بك، فكم في هذه الساعة من هو واقف على شواطئ العراة ينظر ميمنة وميسرة يملأ قلبه بسخط الله جل وعلا وغضبه.
وكم في هذه اللحظة من هو عاكف في زاوية يتناول مخدراً أو يشم مسكراً أو يشرب ما حرم الله جل وعلا.
وكم في هذه اللحظة من هو في بارات الشرق وحانات الغرب يزني.
وكم في هذه اللحظة من هو واقف أمام الشاشات أو مع ساحات الانترنت يفعل من المعاصي ما الله به عليم.
فهل تعتقد أن الله الحكم العدل يساوي بينهم وبين من ترك كل شيء وقدم إلى بيت من بيوته يلتمس علماً وأجراً من الله؟!
стр. 397
حاجة طريق الجنة إلى الصبر
فالصبر الصبر حتى تبلغ الجنة، وطريق الجنة عال صاعد يحتاج إلى جهد، ويحتاج إلى تواص بالحق، ويحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى سلامة صدر، فلا تتكلم في أحد، وأحسن الظن بالمسلمين، وانشغل بذنوبك عن ذنوب الناس حتى تلقى الله جل وعلا وقد غفر ذنبك، وقبل توبتك، ورد عليك أمرك، وأعانك وأدخلك جنته.
يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٥].
اللهم إنا نسألك رضوانك والجنة، ونعوذ بك -ربنا- من سخطك والنار.
اللهم اختم لنا بخير، واجعل مآلنا إلى خير، وعافنا -اللهم- من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 398
سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة إبراهيم
مما يستوقف الإنسان عند قراءته لسورة إبراهيم عدة أمور: أولاً: الصراع بين الحق والباطل متمثلاً فيما حدث بين الرسل والأمم المكذبة، ثم عاقبة هذه الأمم في الدنيا والآخرة.
ثانياً: أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وجعله إماماً للناس وأعطاه رشده من قبل، وجعل من مقامه مصلى، ومع ذلك فإبراهيم الخليل يخشى على نفسه وذريته من الشرك وعبادة الأصنام، فيدعو ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأوثان والأنداد.
стр. 399
وقفة نحوية في أوائل سورة إبراهيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ الله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فالسورة التي سنشرع إن شاء الله في التعليق على بعض آياتها هي سورة إبراهيم، وهي السورة التي تلي سورة الرعد.
وقد مضى في تعليقنا على سورة الرعد بعض من الفوائد نذكر ببعض منها: قلنا: إن الله جل وعلا قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٢ - ١٣].
وقلنا إن السحاب يحمل النقيضين: الماء والنار، وقلنا: إن في الماء الإحياء، وفي النار الإفناء، فالماء فيه غوث الناس إذا أجدبت الأرض، والصواعق -عياذاً بالله- فيها إفناؤهم.
كما ذكرنا أنه لا نعلم عن النبي ﷺ حديث صحيح ينقل عنه فيما يقول الإنسان إذا رأى الرعد، أو سمع الرعد.
والرعد لا يرى بخلاف البرق، والبرق لا يسمع بخلاف الرعد.
لكن قلنا: إن هناك حديث موقوف على عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول إذا سمع صوت الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده.
وقلنا: إن الأثر الموقوف على الصحابي أفضل من رأينا.
إن سورة إبراهيم سميت باسم نبي من الأنبياء، بل سميت باسم شيخ الأنبياء وإمام الحنفاء كما سيأتي: وهذه السورة سورة مكية، وسنشرع فيها في بعض الوقفات إلا إن هناك وقفة نقولها من باب الاضطرار، ولا يمكن أن نتجاوزها، وهي في أول السورة، وتتعلق بالنحو.
يقول الله جل وعلا: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١]، وتنتهي الآية ثم يقول الله جل وعلا: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٢].
فجاءت لفظ الجلالة مجرورة بالكسر، والناس جبلوا في الحديث أنهم يرفعون أول الكلام على أنه مبتدأ، لكن هذه الآية لفظ الجلالة فيها لا يعد على أنه أول الكلام، وإنما هو متعلق عموماً بما قبله، فيصبح الإعراب النحوي لقوله تعالى: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٢].
أن لفظ الجلالة بدلاً من قوله جل وعلا: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١].
والبدل عند النحاة ينقسم إلى أقسام، منها بدل كل وهو هنا بدل كل، مثلاً تقول: قرأت عن سيرة أمير المؤمنين عمر، فـ عمر بدلاً من قولك أمير المؤمنين، فأمير المؤمنين هو عمر في هذا السياق، وعمر هو أمير المؤمنين، بدليل أنك لو حذفت أحدهما لم يتغير المعني، تقول قرأت عن سيرة أمير المؤمنين، أو تقول قرأت عن سيرة عمر.
مثلها هنا تماماً قوله جل شأنه: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١ - ٢].
فلو قلت في غير القرآن إلى صراط الله، صح المعنى، ولو قلت إلى صراط العزيز الحميد الذي له ما في السموات وما في الأرض صح المعنى، فالله هو العزيز الحميد، والعزيز الحميد هما إسمان من أسماء الله.
وهناك نوع آخر يسمى بدل بعض، تقول مثلاً: أكلت الرغيف بعضه، فقولك بعضه تعرب بدلاً عن الرغيف، فالرغيف مفعول به منصوب، وبعضه كذلك بدل منصوب، يأخذ حكم المبدل منه، وإنما قصدت أنك لم تأكل الرغيف كله.
وهناك نوع آخر يسمى بدل اشتمال، والفرق بينهما: أن بدل البعض شيء محسوس يمكن تجزئته، كما قلنا: أكلت الرغيف بعضه، قرأت الكتاب ثلثه، فثلث الكتاب يمكن تحديده.
وبدل الاشتمال غالباً لا يمكن تحديده، ونظيره في القرآن قول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧].
هم يسألون عن القتال في الشهر الحرام، فأصل الآية في غير القرآن: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، لأن القرشيين والمؤمنين يعرفون الشهر الحرام وأحكامه.
وهذا يسمى بدل اشتمال، فأضحى البدل ثلاثة: بدل كل، وبدل بعض، وبدل اشتمال.
стр. 400
الصراع بين الرسل وأممهم
السورة عموماً تتحدث عن التوحيد، كما هو الشأن في السور المكية، كما تتحدث عن الصراع بين الرسل وأممهم، وذكر الله في مقدمتها خبر نبيه موسى، وبعد أن ذكر الله ما دار بين الرسل والأمم جملة دون تفصيل.
قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٧].
هذه الآيات تبين أن التهديد الواقع من الأمم لرسلهم كان يأخذ عدة سياقات، من أشهرها: أن الأمم كانت تهدد الرسل بالإخراج من الأرض، والحر الأبي لا يقبل أن يخرج من أرضه، ومن أصعب الأشياء على المرء أن يخرج اضطراراً من أرضه ووطنه، فهذا أمر لا تطيقه النفوس، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦].
فذكر مصيبتين، الخروج من الديار، وترك الأبناء، وقدم مصيبة الخروج من الديار على مصيبة فقد الأبناء، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ﴾ [النساء:٦٦].
فجعل جل وعلا أمر الإنسان لغيره بأن يقتل نفسه كمثل أمره بأن يخرج من دياره، فالأمم تتوعد رسلها بأن تخرج من الديار كما قال الله عن قوم لوط أنهم قالوا للوط وآله: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [الأعراف:٨٢].
فالنفي والنبذ أمر قاس على الإنسان الحر: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم:١٣].
стр. 401
عاقبة الأمم المكذبة
هذا التهديد من الأمم كان لا بد أن يقابله ثبات من الرسل، والثبات من الرسل لا يمكن أن يأتي إلا بتثبيت من الله، فالصلة بينه وبين رسله الوحي، قال الله جل وعلا: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم:١٣]، وكلمة ربهم تشعر بالعطف والحنان، وأنه ﵎ معين لهؤلاء الرسل، وأنه ﵎ يرعاهم ويتعهدهم، وهم صادقون بالتوكل عليه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:١٣].
وهذا الوعد العام هنا: جاء مفصلاً في سور كثيرة، فقد ذكر الله قوم صالح، وقوم نوح، وقوم هود، وغيرهم من الأقوام، كيف أن الله جل وعلا نجاهم وأهلك القوم الضالمين: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:١٣].
وهذا وقع، وقع على وجه الإجمال، ووقع على وجه التفصيل: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤].
ثم بين جل وعلا أن هذا الوعد إنما هو خاص بقوم معينين فقال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤].
فأعظم ما يتم به النصر في الدنيا والآخرة الخوف من مقام الله، وما فاز من فاز من العباد الصالحين بسعادة الدنيا والآخرة إلا بالخوف من الله، والسعادة التي لا تظهر في مال أو في جاه أو في غير ذلك من متاع الدنيا إنما يشعرون بها في قلوبهم إذا وقفوا بين يدي الله في الصلوات وفي السجود وفي التسبيح وفي الذكر، وفي أي مكان وجدوا يشعرون بلذة الإيمان في قلوبهم.
هذا الأمر إنما وجدوه لما وقر في قلبهم الخوف من مقام الله ﵎.
ورتب الله جلا وعلا على الخوف من مقامه أعظم الهبات، قال الله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
وتزكية الإنسان لنفسه ليست التزكية اللفظية التي معناها أن يمدح نفسه، بل معناها أن يعمل من الصالحات التي يشعر بها نفسه أنه يخاف من مقام الله جل وعلا، فإذا ذكر بالله تذكر، وإذا قيل له اتق الله تراجع، وإذا خوف بالله خاف.
هذا هو الخوف من مقام الرب ﵎، أما أن يقولها الإنسان بلسانه ثم يذكر بالله ويخوف به ويقال له: اتق الله فيصر على معصيته، ويمضي في سلوكه، ولا يعبأ ولا يبالي بشيء من الأمر، هذا لم يهب ولم يخف من مقام الله جل وعلا حق الخوف وحق الخشية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤].
ثم قال جل وعلا: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ [إبراهيم:١٥].
الألف والسين والتاء للطلب، تقول: استطعمتك فأطعمني، أي طلبت منك الطعام فأطعمني.
فقوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ [إبراهيم:١٥].
هذا يحتمل أمرين: إما أن يكون أن الرسل هم الذين استفتحوا، وهذا أقرب لسياق الآية.
وإما أن تكون الأمم.
فالرسل يكون استفتاحهم بأن يطلبوا النصر من الله، كقول نوح عليه الصلاة السلام: ﴿رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] فهذا طلب النصرة من الله، والحالة الثانية -وقد وقعت كثيراً-: أن الأمم أنفسها تضجر بالأنبياء، وتمل وتستخف بمقام الله، فتطلب من الله جل وعلا الفصل، كما قال الله جل وعلا عن قريش: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢].
فالمشهور أن الذي قالها هو أبو جهل قبل معركة بدر، حيث قال: اللهم أينا أقطع للرحم فأحنه الغداة، يستفتح بذلك عذاب الله، ولا يدري أن العذاب سيأتي إليه، وكقول ثمود لصالح: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٧٧] إلى غير ذلك.
فالأمم تتعجل العذاب، وهذا استفتاحها، واستفتاح الرسل طلب النصرة من الله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ [إبراهيم:١٥].
قال الله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥] سواء طلب الكفار العذاب، أو طلب الرسل النصرة سيقع أمر الله، فإذا وقع أمر الله، فإنما يخسر أهل الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥].
جبار عنيد: كل ظالم جائر مكابر، غير متذكر من تذكير الله ﵎ له، ليس له إلا الخيبة في الدنيا والآخرة، وهذا قد يحصل حتى لأحد أهل المعاصي من الناس إذا أصر على معصيته.
قال الماوردي في أدب الدنيا والدين، وحكاه عنه القرطبي في الجامع، ونسب بعض المفسرين إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو خليفة أموي أنه استفتح القرآن، وهذه عادة إلى اليوم موجودة في بعض البلدان العربية، فإذا أرادوا أن يسموا الولد يأخذ أحدهم المصحف، ويفتحه على غير شيء بين، فتظهر كلمة فيسمون بها الولد، فبعض الناس خاصة في تركيا يسمون بالطريقة هذه، وهذا يسمى نوع من الاستفتاح العملي.
يقولون: إن الوليد لما آلت إليه الخلافة أراد أن يرى حضه، فأخذ المصحف واستفتح، ليرى أين حضه من الخلافة، فلما فتح المصحف جاءته هذه الآية: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥].
فيقال -والعهدة على من روى- إنه مزق المصحف، وقال: أتوعد كل جبار عنيد فها أنذا جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد هذه القصة وإن اشتهرت، وإن كان في بعض خلفاء بني أمية من الفجور والفسق ما هو معروف لكن نقول يبعد عندنا جداً أن يفعلها مسلم، لكنني ذكرتها هنا عمداً حتى أبين الخطأ، وهذا خير من أن نسكت عنه فتأخذه من غيرنا دون أن تعرف أنه خطأ واضح.
فنحن نستبعد أن يفعلها الوليد، أو يفعلها أي مسلم؛ لأن تمزيق المصحف كفر لا محالة، وأمة محمد أكرم على الله من أن يولي عليها كافر.
وأن يكون الإمام المسئول عن بيضة المسلمين كافراً هذا لا يمكن أن يقع؛ لأن هذه الأمة كريمة على الله، وقد كانت بنو أمية هم بيضة الإسلام.
قال: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٦].
من ورائه جهنم يعني: أمامه جهنم، وهذا أمر يقوله العامة اليوم، وهي لغة صحيحة، فمثلاً يأتيك شخص يتسحر عندك في رمضان، وأنت حريص بكرمك على أن تطعمه، فرأيت هذا الضيف لا يأكل كثيراً، فأنت حتى ترغبه في الطعام، تقول له كل فإن وراءك ستة عشر ساعة صيام.
ومعنى وراءك: أمامك.
حتى اللغة دلت عليها، يقول لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع إن تراخت منيتي يعني: لم تأتني المنية ورائي.
وقوله: تحنى عليه الأصابع يعني: يحدودب ظهري، وسأستخدم عصى، وأحني عليها أصابعي.
فقصد بقوله: أليس ورائي.
أن ليس أمامي، وقد جاء في القرآن وراء بمعنى أمام، وذلك في سورة الكهف، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩].
أي أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، فالخضر كان يعلم أن في الطريق سيجدون ملك يأخذ كل سفينة غصباً، المقصود أن وراء تأتي بمعنى أمام، وهذا قول الجمهور.
وقال بعض العلماء: إن وراء هنا بمعنى بعد، وهذا قريب جداً، وقد يكون الاختلاف لفظي.
قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم:١٦].
وجهنم هي النار المعروفة، وهي التي أعدها الله جل وعلا لأهل معصيته، وقد نعتها الله بأن لها سبعة أبواب، وبعضها فوق بعض.
وأما الجنة فإن أبوابها أفقية، بجوار بعضها البعض، والله أعلم.
لكن نص القرآن على أن لجهنم سبعة أبواب في سورة الحجر، فالله يقول: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦].
قال تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:١٧].
الإنسان إذا أكره على طعام أو شراب يشربه لا يخلو من أحد حالين: إما أن يرده قبل أن يشربه، يعني يمتنع أن يصل إلى جوفه، فيكون قد استراح منه.
الحالة الثانية: أن ينتصر عليه، ويغمض عينيه -كما يقول العامة- ويشربه.
ففي كلا الحالتين عذاب.
فلا هو بالذي رده فاستراح منه، ولا هو بالذي شربه بقدرته فلم يؤثر فيه، وإنما كان كما قال الله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧].
لما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] فهمنا أن قوله جل وعلا ويأتيه الموت معناه أسباب الموت، فكل ما جرت العادة عقلاً ونقلاً أنه يقتل، ويهلك ويميت لا يكون مميتاً يوم القيامة، لأنهم لو ماتوا لاستراحوا: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧].
لكن ليس لأهل جهنم راحة، فالله يقول: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم:١٧].
كل أسباب الموت العقلية والنقلية حاضرة ولا يحضر الموت، ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧].
زيادة على هذا أعاذنا الله منها.
هذا المقطع الأول الذي أردنا أن نتكلم عنه.
стр. 402
وقفات مع نبي الله إبراهيم الخليل
المقطع الثاني: قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦] إلى آخر الآيات.
هذه السورة سميت باسم خليل الله إبراهيم، وهنا يذكر الله جل وعلا عن هذا النبي الصالح أنه قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم:٣٥].
أي بلد مكة، فالألف واللام هنا والعهد هنا ذهني؛ لأنه ليس قبله شيء، فتصبح في المعهود الذهني أن إبراهيم سكن مكة، فالمعهود بالبلد هنا مكة.
قال بعض العلماء: إن إبراهيم يعتبر الأب الثالث للبشرية، وفي هذا القول نوع من التجاوز.
هم يقولون: آدم ثم نوح ثم إبراهيم، لو قيل: إنه الأب الثالث للأنبياء لصح، لكنه الأب الثالث للبشرية وهذا لا يصح.
هذا العبد الصالح أعطاه الله عظيم الهبات من أشهرها منزلة الخلة، قال الله جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥].
وهذه أرفع منزلة، ولا نعلم أن أحد معه فيها إلا نبينا ﷺ .
فخليل الله إذا أطلق يراد به إبراهيم، هذا أعظم ما وهبه الله جل وعلا خليله إبراهيم.
стр. 403
إبراهيم الخليل إمام الناس
الأمر الثاني: أن الله أعطاه الإمامة في الدين: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤].
ولهذا نسبت الملة إليه، قال الله جل وعلا: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨].
أعطاه الله جل وعلا الإمامة بعد أن ابتلاه.
стр. 404
أعطاه الله رشده من قبل
الأمر الثالث: أن الله جل وعلا أعطاه رشده وفطرته وكمال عقله من صغره، قال الله جلا وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١].
стр. 405
مقام إبراهيم مصلى
الأمر الرابع: وهذا خاص بعلاقته بهذه الأمة، أن الله جل وعلا جعل من مقامه مكاناً لماذا؟ للصلاة، فقال سبحانه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].
والمشهور عند المفسرين وغيرهم أن هذا الحجر، كان إبراهيم يرقى عليه، حتى يبني البيت، وكان ملتصقاً بالكعبة، ثم أخر في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
النبي عليه الصلاة السلام طاف بالبيت سبعاً رمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم لما جاء عند المقام: تلا الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].
وصلى صلوات الله وسلامه عليه عند المقام ركعتين، المسماة بركعتي الطواف.
المقصود من هذا أن مما وهبه الله جل وعلا إبراهيم أن الله جل وعلا جعل من مقامه مكاناً للصلاة.
стр. 406
إبراهيم الخليل أول من يكسى يوم القيامة
ومما سيهبه الله في الآخرة أن الله جل وعلا يجعل إبراهيم أول من يكسى يوم القيامة: قال عليه الصلاة السلام: (إنكم ستحشرون حفاة عراة غرلاً، ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
ثم قال: وإن أول من يكسى من الخلائق إبراهيم).
وجاء أثر عن مجاهد عن ابن عباس: (أن إبراهيم يؤتى له بكرسي على يمين العرش، فيكسى حلة تشرئب إليه أعناق البش).
فالنبي ﷺ هو الصادق المصدق أخبرنا أن إبراهيم أول من يكسى يوم القيامة، لكنه عليه الصلاة السلام لم يخبرنا لماذا يكسى إبراهيم أول الناس يوم القيامة؟ فاجتهد العلماء في معرفة: لماذا يكون إبراهيم أول من يكسى؟ وأشهر ما قيل في ذلك أنه يوم ألقي في النار ألقي عرياناً أمام الناس من أجل الله، فعوضه الله بأن كساه أول الخلائق أجمعين يوم القيامة، وهذا تأويل جيد.
وقيل: إنه كان من أعظم الناس خوفاً وفرقاً من الله، والله أعلم بالصواب، وقد يكون كلا الأمرين غير صحيح، لكن الصحيح أنه أول من يكسى يوم القيامة.
стр. 407
لين القلب
كما خص الله جل وعلا إبراهيم باللين، فقد كان ﵇ لين القلب مع الناس، كما قال الله جل وعلا: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦].
وهذا دلالة على لينه، والنبي عليه الصلاة السلام كما في الصحيح وغيره (لما أسر أسارى بدر استشار أبا بكر وعمر فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله أهلك وقومك، فاستأن بهم وأرفق، واستبقهم على الله أن يهديهم، ثم استشار عمر فقال ﵁: يا نبي الله كذبوك وأخرجوك فقربهم واضرب أعناقهم، فدخل ﷺ خيمته ولم يقل شيئاً ثم خرج، ثم قال عليه الصلاة السلام: إن الله ليلين قلوب عباد فيه، حتى تكون ألين من اللبن، وليشدد على قلوب عباد فيه -يعني من أجل الله- حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦].
وكمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].
ثم قال: وأنت يا عمر مثلك كمثل نوح إذ قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦].
وكمثل موسى إذ قال: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨]).
فمنهج نوح موافق لمنهج موسى، ومنهج إبراهيم موافق لمنهج عيسى، والصديق ﵁ كان له سلف، وهما إبراهيم وعيسى، وعمر رضي الله تعالى عنه كان له سلف، وهما نوح وموسى.
стр. 408
إبراهيم الخليل يخشى على نفسه وذريته من عبادة الأصنام
فنقول: إن إبراهيم كان لين القلب عليه الصلاة السلام، هذه بعض صفات خليل الله إبراهيم.
قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥].
هذه الآية لو تكلم الناس فيها إلى يوم القيامة لن يوفوها حقها، لأن هذا الرجل الذي ذكر الله جل وعلا عنه أنه خليل وأنه إمام وأنه بنى البيت يخاف على نفسه أن ينتكس، فيقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥].
قال السلف: من يأمن الفتنة بعد قول إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥].
نقول: فلا يأمن أحد يعرف أن القلوب والهداية ليس مردها إلى علم ولا إلى تلاوة، ولا إلى فصاحة ولا إلى بيان، ولا إلى مدح الناس، ولا إلى ذمهم، ولا إلى قبور يراها، ولا إلى أي شيء، إنما مردها إلى الله، فمن يعلم أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يخشى على نفسه، ومن يعلم أنه وصل إلى ما وصل إليه بسلطته وقدرته، وما إلى ذلك فهذا أقرب إلى أن ينتكس.
فهذا خليل الله وأبو الأنبياء، وما من نبي بعده إلا من ذريته ويقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥].
الآن من الناس من لو قلت له: الصورة لا تعلقها لأنها حرام، قال: لا يوجد عاقل يعبد صورة في هذا الزمان.
فهذا لا يعرف أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن.
لكن خليل الله لما كان يعرف الله ويخشى على نفسه قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥].
فإذا خاف إبراهيم على نفسه والله جل وعلا قد أعطاه الرشد فكيف لا يخاف أحدنا على نفسه.
لكن نقول كما علمنا نبينا ﷺ : (اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك) والإنسان كلما أكثر من الاستغفار واحتقر نفسه، ولم ينظر إلى من حوله على أنه أعظم هداية منهم كان أقرب إلى أن يثبت على الدين، أما إن ظن الإنسان في نفسه أنه بلغ المنازل العالية، وأن الناس فساق، وهو على خير فهذا والعياذ بالله يخشى عليه، فـ محمد بن المنكدر أحد التابعين تبع جنازة رجل خمار، فقيل: يا إمام أتتبع جنازة هذا؟ قال: إني لأستحيي من الله أن يراني أظن أن رحمته تعجز عن أحد من خلقه، فالله جل وعلا كما بيده الرحمة بيده العذاب.
فهو قادر على أن يضل، وقادر على أن يهدي، يقول ﵎: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٧ - ٢٨].
قال إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦].
وهذا فيه دلالة على لين إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦].
стр. 409
إبراهيم الخليل يدعو لأهله في واد غير ذي زرع
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧].
أي: واد في مكة، والوادي الذي لا خلاف عليه بين أهل العقل والنقل هو الذي فيه الكعبة.
وقوله تعالى: ﴿أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٣٧] (من) هنا بعضيه، لأن إبراهيم لم يسكن ذريته كلهم، وإنما أسكن هاجر وإسماعيل، وأبقى سارة وإسحاق في مكان آخر.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧].
وعندما قال إبراهيم هذا لم يكن قد بنى البيت، فدل على أن الكعبة موجودة قبل إبراهيم، أو أن مكانها كان موجوداً قبل إبراهيم.
وهذا فيه دلالة على أن مكان البيت قد حدد من قبل، ولا نجزم على أن البيت قد بني قبل.
وبعض العلماء يقول: أذهبه الطوفان.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم:٣٧].
فدل على أنه ما من عمل صالح بعد التوحيد أحب إلى الله من الصلاة، ولذلك قدمها إبراهيم.
قال تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم:٣٧].
أفئدة أي: جماعات، و (من) هنا بعضية، ولو قال: فاجعل الناس لاستجاب الله دعوته، ولسكن أهل الأرض كلهم في ذلك الوادي.
لكن ما لا يريده الله قدراً، لا يجريه شرعاً على لسان أنبيائه، فالله عصم إبراهيم من أن يقول: فاجعل الناس؛ لعلم الله أزلاً أن هذا لن يقع، لأن كرامة إبراهيم عند ربه عظيمة، فقال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم:٣٧].
ويشهد كل عاقل ما تساق إلى مكة من الثمرات عبر العصور، رغم أنها ليست للزرع كما قال الله جل وعلا: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧].
стр. 410
توسل إبراهيم الخليل
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٨].
هذا من توسل الخليل، وغلاة الصوفية يقولون: إنه يجوز أن يلقي الإنسان نفسه في المهالك توكلاً على الله، ويحتجون بهذه الآية، وأن إبراهيم وضع زوجته وابنه في واد غير ذي زرع، ومضى عنهما.
والجواب عن ذلك أن هذا بأمر الله وليس بعقله، وإلا لو فعلها إنسان اليوم، وأخذ زوجته وابنه ووضعهما في واد وتركهما، وقال أصنع كما صنع إبراهيم، فلو ماتوا يعتبر كالقاتل لهما، لأن هاجر تبعت إبراهيم، وقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت: إن الله لا يضيع أهله.
فهذا كان فيه أمر صريح وليس فيه شيء من القدوة.
إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم:٣٨ - ٣٩].
ورزق إبراهيم إسماعيل وإسحاق ﵉ على كبر، وقد بلغ من السن خمساً وتسعين سنة عند بعض العلماء، وبعضهم يقول: إنه قد شارف على المائة عليه الصلاة السلام.
وكان يضع أي يده عليهما ويقول (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة).
فلما جاء الحسن والحسين لنبينا ﷺ كان يضع يده الطاهرة الشريفة عليهما ويقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، فإن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق) يعني: إبراهيم.
стр. 411
إبراهيم يدعو الله له ولوالديه
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١].
الأنبياء عليهم الصلاة السلام حتى في دعائهم يفقهون شيئاً يسمى فقه الأولويات، فنوح يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [نوح:٢٨].
ولا يقدم أحداً على نفسه: ﴿وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح:٢٨].
فمن يعرفني ليس مثل الذي لا يعرفني: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨].
وهذا خليل الله يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١].
لكن قوله: ﵇، ولوالدي، هذا قبل أن يعلم أن أباه سيموت على الكفر.
لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤].
ويفهم من هذا أن أم إبراهيم كانت مسلمة، لأن الله ذكر دعاء إبراهيم للوالدين، لأبيه وأمه، ثم استثنى أباه فبقيت الوالدة، فالأظهر والله أعلم أن أم إبراهيم كانت مسلمة.
اللهم أغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.
стр. 412
الأسئلة
стр. 413
دخول الجن في دعاء إبراهيم
السؤال
يقول: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٧] هل يدخل فيها الجن؟
الجواب
في نفس السياق لا يدخلون، لكن قد يدخلون من دعوة أخرى.
стр. 414
الأصنام سبب من أسباب الضلال
السؤال
يقول كيف أضلت الأصنام وهي جمادات؟
الجواب
المراد أنه بسببها وقع الضلال.
стр. 415
المراد بكلمة الأعراف
السؤال
ما المراد بكلمة الأعراف؟
الجواب
هي جبال أو هضاب أو تلال مطلة على الجنة وعلى النار.
стр. 416
حكم من حج وعليه دين
السؤال
أريد أن أحج وعلي دين لشركة الاتصالات، هل أسدده أو أجله؟
الجواب
الدين يختلف، فإن كان يسيراً مثل فواتير الهاتف فسددها، أما الدين بمئات الألوف وما أشبه ذلك فسواء حججت أو لم تحج لا يغير في الأمر شيئاً.
فمن الممكن تأخير الدين، والإشكالية ليست في قضية الدين، الإشكالية أن بعض الشباب عفا الله عنا وعنهم يرون أن بعض الجهات لا يضر الدين منها، كشركة الاتصالات مثلاً.
ويأتي بتأويلات من عنده على عدم وجوب سداد الدين، والحق أنه يجب سداد الدين حتى لو من يهودي، فإذا أخذت مالاً يجب رده سواء من شركة الاتصالات أو غيرها.
стр. 417
حكم السكتة بعد الفاتحة ومتى تكون السكتات في الصلاة
السؤال
ما حكم السكتة بين الفاتحة وما تيسر من القرآن، ومتى تكون السكتات في الصلاة؟
الجواب
هذه السكتة التي يصنعها الأئمة بعد الفاتحة لا أعلم لها دليلاً من السنة، اللهم إلا أن تكون في بعض المذاهب، أما النبي ﷺ فكان يسكت في أول الصلاة قبل أن يقرأ دعاء الاستفتاح، ويسكت حين ينتهي من القراءة كلها حتى يرتد إليه نفسه، أما أنه يسكت ما بين الفاتحة وقراءة ما تيسر حتى يقرأ الناس الفاتحة، فهذه لا أعلم لها دليلاً.
стр. 418
حكم من يذهب للدعوة ويترك أهله
السؤال
ما رأيكم فيمن يتركون أهليهم ويذهبون للدعوة، يقصد جماعة التبليغ وما إلى ذلك؟
الجواب
نحن نقول: إن كل من يدعو إلى الله موفق، لكن الإنسان على نفسه بصيرة، والناس يختلفون في قدراتهم المالية وفي قدراتهم المعيشية، فإذا كان الإنسان عنده من يخلفه في أهله فلا بأس في ذلك، أما إذا لم يوجد من يخلفه في أهله فينظر بحسب الحال، والنبي عليه الصلاة السلام يقول: (كفي بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).
стр. 419
موت إبراهيم الخليل
السؤال
يقول ما هي قصة موت الخليل ﵇؟
الجواب
ذكر ابن كثير رواية لا تصح.
لكنه مات كما يقبض الأنبياء من قبله، وهو مدفون في المدينة المشهورة اليوم باسمه، وهي مدينة الخليل، وقديماً كان اسمها حبرون، وفيها قبر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.
وسلمنا الله وإياكم من كل سوء، وغفر الله لنا وإياكم كل زلل، وصل الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.
стр. 420
سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة الإسراء [١]
مما تحدث الله عنه في سورة الإسراء: ما سيئول إليه أمر بني إسرائيل وهو أنهم إن عادوا إلى الإفساد والطغيان فإن الله سيهلكهم وينكل بهم.
كما تحدث سبحانه في هذه السورة عن حرمة قتل الأولاد خشية الفقر، وأخبر أن قتل النفس التي حرم الله من كبائر الذنوب، كما تحدث سبحانه عن حرمة القول على الله بغير علم، وأنه لا يجوز للإنسان أن يخوض فيما لا يعلم.
стр. 421
تأملات قرآنية في قول الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: هذه تأملات في سورة الإسراء، وهي سورة مكية إلا ثلاث أو أربع آيات سيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى في موضعه، وهذه السورة صدّرها الله جل وعلا واستهلها بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١].
وسنقف في هذه السورة مع بعض آياتها تفصيلاً، ونعرِّج على بعض الآيات إجمالاً كفرائد علمية ومعرفية ما بين الآية والآية كما هو المنهج في العادة.
فنقول حول الآية الأولى من هذه السورة ما يلي:
стр. 422
التأملات اللغوية
أولاً: الوقفات أو التأملات اللغوية في قول الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١].
كلمة سبحان تعرب عند النحويين على الأظهر عند جمهورهم على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف، وهي في حق الله جل وعلا ملازمة للإضافة؛ فإما أن تضاف إلى الاسم الظاهر فتقول سبحان الله سبحان ربي، أو تضاف إلى الضمير فتقول: سبحانه أو سبحانك، على أن هذا اللفظ -أي كلمة سبحانك- معناه تنزيه الرب جل وعلا عن ما لا يليق به؛ وعلى هذا فلا تقال هذه الكلمة إلا مع الرب جل وعلا، أي لا يقال لأحد من الخلق كائناً من كان سبحانك، فلا يقال: سبحان إلا مضافة إلى رب العزة ﷻ ، ولا يقال لأحد من الخلق كائناً من كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً، حتى للنبي ﷺ لا يقال: سبحان الرسول! وإنما تضاف فقط للرب جل وعلا، تقول: سبحان الله سبحان ربي، أو أن تتكلم عن الله فتقول: سبحانه، أو أن تناجي ربك فتقول: سبحانك.
الأمر الأول لغوياً.
الأمر الثاني: قال الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١].
جاءت هنا كلمة ليلاً كما هو ظاهر منكَّرة، واختلف العلماء في الغرض البلاغي من كونها منكَّرة، قال بعضهم: المراد بها هنا التقليل، ووجه البلاغة أنهم كانوا يسيرون من مكة إلى بيت المقدس في أربعين ليلة، والتقليل هنا أن الله جل وعلا أسرى بنبيه بجزء قليل من الليل من مكة إلى بيت المقدس، ثم إلى سدرة المنتهى ثم إلى بيت المقدس، ثم إلى مكة في جزء قليل من الليل على هذا قال بعضهم: هذا المراد من تنكير كلمة ليل.
وقال آخرون: إن المراد من التنكير التعظيم، ويصبح المعنى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] أي في ليل وأي ليل دنى فيه نبينا ﷺ من ربه وناجاه فيه، وكلمه ربه وقرّبه وأدناه صلوات الله وسلامه عليه.
ونقول والله أعلم: لا مانع من الأخذ بكلا الأمرين، ومن قواعد التفسير: إذا كان للآية معنيان لا تعارض بينهما يجوز حمل الآية على المعنيين، إذا الآية هنا احتملت معنيين لا تعارض بينهما كما هو ظاهر.
стр. 423
تأملات في معنى قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده)
إن الله ﵎ اعتنى بنبيه ﷺ أعظم عناية، يقول ﵊: (إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمجندل في طينته) ومن عناية الله بنبيه أن الله جل وعلا ما زال ينقله في أصلاب الرجال وأرحام النساء في نكاح غير سفاح حتى اختاره من خير الناس فبُعث ﷺ من أعزِّ قبيل: وهم بنو هاشم آله صلوات الله وسلامه عليه، واصطفاه على بني هاشم، ثم ما زال الله يعتني به قبل أن ينبأ كما هو معلوم في السيرة، ثم نبئ صلوات الله وسلامه عليه بإقرأ وأرسل بالمدثر، فما زال الله يحيطه بعنايته وكمال حفظه حتى فقد ﵊ النصير الداخلي والخارجي: فقد النصير الداخلي من الخلق وهي زوجته خديجة، والنصير الخارجي وهو عمه أبو طالب، ثم توجه ﷺ إلى الطائف يدعو أهلها فرده أهل الطائف، ثم رجع ﷺ إلى مكة.
والمقصود أنه لما نزل ﷺ مكة وهو في هذا الوضع من صدود أكثر الناس عنه إلا قلة من أصحابه تولاه الله جل وعلا فكانت رحلة الإسراء والمعراج.
فمن جملة عناية الله جل وعلا به أن أسرى الله جل وعلا به في برهة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذه الرحلة في الملكوتين العلوي والسفلي كانت رحلة عظيمة له ﷺ ، ومن خصائصه التي منّ الله جل وعلا بها عليه أن هذه الرحلة وقعت ليلاً، وفي هذا دلالة على شرف الليل، فالليل أفضل من النهار من حيث الإجمال؛ لأن الله أسرى بنبيه ليلاً، ونجَّى لوطاً وبنتيه ليلاً، قال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤]، وأسرى بموسى وقومه من الصالحين ليلاً، قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:٢٣]، والنبي ﷺ ذكر الصلوات أي النوافل فقال: (وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر) ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] الشاهد من هذا أن الليل أفضل وأشرف من النهار، على أن لله أعمالاً في الليل لا يقبلها في النهار، وأعمالاً في النهار لا يقبلها جل وعلا في الليل.
الفائدة الثانية: أن الله ﵎ أمر جبريل ﵇ بغسل قلب النبي ﷺ بماء زمزم قبل رحلة الإسراء المعراج، وهذا الغسل ليس غسلاً معنوياً فقط وإنما غسل حسي، فقد شق صدره ﷺ وأخرج قلبه ووضع في طست (في إناء) وهذا الإناء فيه ماء زمزم فغسل قلبه ﷺ بماء زمزم ثم أعيد إلى مكانه، ولا ريب أن هذا ثابت عنه ﷺ وإن رده العقل، لكن يثبته النقل، والنقل الصحيح مقدم على العقل فالعقل تبع للنقل وليس حاكماً عليه، فنقول: آمنا بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله، وآمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله؛ والمقصود أننا نثبت أن النبي ﷺ غسل قلبه بماء زمزم غسلاً حسياً، وهذا يدلنا على فائدة أخرى وهي قضية فضل ماء زمزم، فنقول: إن هذا الماء ماء مبارك، والنبي ﷺ نقل عنه أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له) وقد صحح فريق من المحدثين هذا الحديث أو حسنوه، وعمل الفضلاء من العلماء يدل على صحته وعلى الأخذ به، وقد روي أن الإمام العالم المجاهد عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى لما حج وأتى البيت ذكر الحديث المنقول عن النبي ﷺ في ماء زمزم فقال: اللهم إن فلان حدثني وساق السند أن نبيك ﷺ يقول: (ماء زمزم لما شرب له) وأنا أشربه لعطش يوم القيامة.
وبعض الفضلاء من العلماء يقول: إن السنة في شرب ماء زمزم أن يشرب وهو واقف؛ لأن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم في حجة الوداع وهو واقف، كما في حديث علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وبعضهم يقول: إنه شرب واقفاً للضرورة حتى لا يزدحم عليه الناس، وهذه مسألة خلافية.
الذي يعنينا أن ماء زمزم لما شرب له، والشافعي ﵀ -الإمام المعروف الفقيه- كان في أول حياته يحب الرمي بالسهام، فجاء إلى زمزم وهو شاب فقال: اللهم إني أشرب ماء زمزم للرمي، فهو يحدث رحمه يقول: كنت أرمي العشرة أسهم فإما أن أصيب تسعة من عشرة أو أصيب عشرة من عشرة، يعني إذا رميت العشرة أسهم تصيب كلها أو يصيب تسع منها؛ وهذا كله ببركة ماء زمزم.
والإمام الخطيب البغدادي رحمة الله تعالى عليه صاحب كتاب تاريخ بغداد المحدث المعروف شرب من ماء زمزم وقال: اللهم إنني أشربه لثلاث: أشربه لأن أملي تاريخ بغداد بها، وأشربه أن أحدث يعني يكتب لي درس في جامع المنصور، وأشربه لأن أقبر بجوار بشر الحافي.
قال العلماء: فحقق الله جل وعلا له أي للخطيب هذه الثلاث كلها، فأملى كتابه تاريخ بغداد في بغداد، وأصبح يحدث في جامع المنصور، ثم إنه مات وقبر بجوار بشر الحافي رحمة الله تعالى عليهما جميعاً.
والمقصود من هذا كله بيان فضل ماء زمزم، وقد دلت عليه الكتاب والسنة كما هو معلوم من عموم القرآن في قوله جل وعلا: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران:٩٧].
ومما يتعلق بالإسراء والمعراج أن قُدِّم له ﷺ دابة وهي البراق، ينتهي حافره حيث ينتهي بصره، فركبه ﷺ وأسري به إلى المسجد الأقصى، وفي المسجد الأقصى صلى ﷺ بالنبيين إماماً، وهذا من أعظم الأدلة على علو شرفه وكبير مقامه وفضله وتقدمه صلوات الله وسلامه عليه، ووجه الدلالة هنا أن بيت المقدس وأرض الشام هي أرض الأنبياء من بعد إبراهيم إلى نبينا ﵊، فأكثر الأنبياء كانوا في أرض الشام ﵈ جميعاً، ومع ذلك هي أرضهم وديارهم ومنازلهم التي ولدوا فيها وهذا مسجدهم ومع ذلك صلى بهم ﷺ إماماً في موطنهم، فجاءهم في مكانهم وأمرهم الله أن يقتدوا به صلوات الله وسلامه عليه؛ وهذا يدل على رفيع مقامه، وبالتالي على رفيع مقام أمته؛ لأنه وإن كانت أمته آخر الأمم عصراً إلا أنها أفضل الأمم؛ لأنها أمته صلوات الله وسلامه عليه، فهو حضنا من النبيين ونحن حضه من الأمم، ورحم الله من قال: ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبياً ربط ﷺ البراق في مربط موجود في المسجد الأقصى يربط فيه الأنبياء دوابهم، ودخل يصلي بالأنبياء، وهذا من أعظم الأدلة على أن الإنسان يأخذ بالأسباب؛ فهذا نبي الله محفوظ بحفظ الله له، ومعه أعظم الملائكة جبريل، ومعه دابة تأتمر بأمره ومع ذلك ربطها خوفاً من أن تنطلق، وهي لن تنطلق لكن حتى يأخذ الإنسان بالأسباب، ومع ذلك يتوكل على الملك الغلاب، وقد جاء في الآثار أن أبا سفيان بن حرب الزعيم القرشي الذي أسلم بعد ذلك كان بتجارة له في الشام فسأله هرقل عظيم الروم عن النبي ﷺ ، وأبو سفيان يتحاشى في جوابه خوفاً أن يجرّب عليه الكذب، وهو في نفس الوقت يريد أن ينقص من قدر النبي ﷺ عند هرقل، فبينما هما يتبادلان الحديث وهرقل يسأله فقال أبو سفيان لـ هرقل: إنه مما يدل على كذبه أنه حدثنا -أي النبي- أنه رحل من مكة إلى مسجد إيليا -أي المسجد الأقصى- إلى مسجدكم -يخاطب هرقل - في برهة من الليل وعاد في نفس اليوم، هو قالها يريد من هرقل أن يكذّبه فكان بطريق هرقل -رجل الدين عنده- واقفاً عند رأسه، فقال البطريق: والله إني لأعلم أي ليلة تلك الليلة فالتفت له هرقل وقال له: وما يدريك؟ فقال البطريق: إنني كنت كل ليلة أقفل أبواب المسجد حتى كانت تلك الليلة فلما أقفلت الأبواب بقي عليَّ باب، كلما حاولت أن أقفله لا يقفل فاستعنت بعُّمالي فلم يستطيعوا، فأرسلت إلى أهل الصناعة، أي إلى النجارين فقالوا لي: إن هذا الباب سقط عليه شيء فاترك الأمر إلى الصباح فإذا جاء الصباح أصلحناه، فوافقت يقول: فلما جئت في الصباح وجدت أثر مربط الدابة في المربط الذي يربط فيه الأنبياء دوابهم.
موضع الشاهد: انظر إلى عناية الله جل وعلا بنبيه ﷺ ، إن الله قادر على أن يقفل هذه الأبواب وجبريل يفتحها فيدخل ﷺ ، لكن الله جل وعلا يجري الكرامة لنبيه على سنن الخلق المعروفة؛ لأنه لو أقفلت الأبواب ودخل ﷺ وصلى ورجع وأقفل الأبواب لما درى أحد، لكن الله جل وعلا يعتني بنيه حتى في أواسط ما يتناقله الناس عن سيرته ﷺ ، ومن هنا ينبغي أن يعلم أن الذي يريد أن يحقق غاية أياً كانت عظمت أو قلت لن يحققها إلا بالله جل وعلا فعلى هذا من أعظم أسباب تحقيق الأمان والغايات: التوكل الصادق على ربنا ﷻ ، والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ﴾ [القصص:٦١] والله ﵎ منجز وعده لا محالة لمن وعدهم من عباده، وأعظم ما وعد الله به عباده الجنة، لكن المقصود أن الغايات والأماني والمطالب تتحقق إذا صدق العبد في توكله على ربه جل وعلا.
والشافعي ﵀ يقول: أهمني أمر ذات يوم فنمت فسمعت مناد في المنام يناديني: أن ادع الله بهذه الكلمات: اللهم إني لا أملك لنفسي حولاً ولا طولاً، اللهم إني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا موتاً ولا نشوراً، وإنني لن أستطيع أن أأخذ إلا ما أعطيتني، ولن أتقي إلا ما وقيت
стр. 424
تأملات قرآنية في قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب)
الموقف الثاني مع قول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء:٤ - ٨].
هذه الآيات مما اضطرب فيها كلام المفسرين اضطراباً عظيماً، ولن تجد كتاب تفسير بين يديك يغنيك فيها غناء تاماً؛ ولذلك فإن ما أقوله لا يمثل وجهة نظري، فأنا سأنقل آراء الناس في هذه الآية، وكلمة الناس تعني العلماء والمؤرخين والفضلاء وأهل النظر، ولا تعني المفسرين فقط.
أقول: إن العلماء اضطربوا فيها؛ لأن الأقدمين من السلف لم يروا الواقع المعاصر.
والناس لا تريد تفسير آيات في القرآن مثل هذه الآيات للواقع المعاصر الذي هو اليوم.
ومعنى هذه الآية عموماً أن الله أخبر أن لبني إسرائيل علوين: علو أول، ثم يُغلبون ويُهلكون، ثم تعود لهم الكرة ثم يُغلبون، ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] هذه واضحة المعنى من القرآن.
قوله: ((وَقَضَيْنَا)) أي أعلمنا وأخبرنا ﴿إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ [الإسراء:٤ - ٥] أي الأولى منهما ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء:٥] هذا العلو الأول والهلاك الأول، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ تصبح الدائرة لبني إسرائيل ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء:٦ - ٧] أي المرة الثانية ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧] أي يهلكونكم، ثم قال ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨] وعسى من الله وعد، وقال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] فوقع الإشكال في قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] هذا المفهوم العام.
ووجه الإشكال هو من هم المخاطبون في هذه الآية؟ نقول: أكثر علماء السلف على أن هاتين الواقعتين وقعتا قبل النبي ﷺ ، وأن الهلاك الأول كان على يد بختنصر ملك بابل، ثم انتصروا على يد داود، ثم أهلكوا، ثم عادوا.
ويفسرون قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] على أنهم عادوا للإفساد في عهد النبي ﷺ ، والله جل وعلا عاد عليهم بأن سلط عليهم رسوله وأصحابه من بعده فأجلوهم من جزيرة العرب.
ويصبح معنى قول الله ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨]: أن الله رحمهم وجعل منهم ملوكاً وأنبياء كما نص عليه في سورة المائدة، هذا القول ورد في أكثر الكتب القديمة من كتب السلف.
قال فريق آخر: إن الأولى حصلت على يد بختنصر لكن الثانية لم تحصل بعد، وهي المتوقع حدوثها في عصرنا هذا.
اليهود في إسرائيل الآن كما قال الله: ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء:٦] والنفير غالباً يطلق على الإعلام، وهم اليوم أكثر إعلاماً ومعرفة في العالم؛ لسيطرتهم على كثير من الأجهزة والقوة الإعلامية في العالم، وأنه بقيت الثانية وستكون على أيدي المسلمين، هذان تأويلان.
وآخرون يقولون: إن الواقعتين كلاهما لم تحصل إلى الآن، ويقولون: إن جمعهم الآن في فلسطين هو الهلاك الأول؛ لأن الله قال: ﴿عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥] وهذا لا يكون إلا للمسلمين؛ لأن بختنصر غير مسلم، فيغلبهم المسلمين ويجلوهم عن القدس لا عن فلسطين كلها، وإنما يضيّق عليهم في تل أبيب وما حولها، ثم إنهم ينصرهم العالم والقوى الدولية سواء قلنا أمريكا وبريطانيا وقد يغير الله أمريكا وبريطانيا ويناصرهم آخرون، المهم أنهم سينصرون فيغلبون المؤمنين مرة ثانية ويجلونهم عن القدس، ثم يعود المسلمون فيجلونهم كرة أخرى عن نفس المسجد ليتحقق قول الله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧]، لكن الذي يشكل عليه قول الله ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] وقول الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨] وعسى في القرآن في حق الله واجبة، يعني أن الله راحم لا محالة إذا قال عسى أن يرحم، أو قال: عسى أن يعفو.
وبهذا لم يتحقق قول الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨].
والأولون يقولون: إن كلا الأمرين قد وقعا في الزمن الغابر، وقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] تحقق في العصر القديم والعصر الحاضر تحقق قديماً على يد النبي ﷺ وأصحابه، وأنهم عادوا للإفساد مرة أخرى على قول الله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] وأهلكوا على يد هتلر، أما صلاح الدين فقد حارب النصارى والصليبيين، وليس له علاقة بالقضية لا من قريب ولا من بعيد؛ لأن الصليبيين الذين غزوا عام ٤٩٢ تقريباً وسط القرن الخامس أهلكوا اليهود والمسلمين في القدس، ونحن نتكلم هنا عن اليهود، وصلاح الدين لم يجل اليهود.
نحن نقول إن الله يقول: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] أي إن عدتم للإفساد أعدنا عليكم التسليط، ولا يلزم من التسليط أن يكون هتلر مؤمناً؛ فإن هتلر أهلك اليهود هلاكاً عظيماً أهلكهم في ألمانيا، وطاردهم في فلسطين، وأرسل لـ أمين الحسيني -وكان زعيماً مسلماً في أرض القدس- عن طريق ليبيا ٣٠.
٠٠٠ قطعة سلاح، وجمّع العرب والمسلمين الذين كانوا في أوروبا، وأمر القواد الألمان أن يدربوهم على القتال، وكان يبعث بهم في السفن إلى فلسطين حتى يقاتلوا اليهود، وقد حرقهم وأهلكهم كما هو معروف.
لكن هتلر انكسرت شوكته في الحرب العالمية الثانية، فلما انكسرت شوكة هتلر بانتصار الحلفاء -بريطانيا وأمريكا- غزا اليهود أمريكا وبريطانيا إعلامياً، فعادت النصرة لليهود؛ لأن خصمهم هتلر غلبه الحلفاء وهزم كما هو معلوم في الحرب العالمية الثانية، وأصبح النفوذ عالمياً لأمريكا والحلفاء الذين خرجوا منتصرين، وهؤلاء كلهم عن بكرة أبيهم أيدوا وجود اليهود في أرض فلسطين، وإلا فاليهود لم يكونوا موجودين في أرض فلسطين، ودولة إسرائيل المعاصرة أعلن عن قيامها رسمياً عام ١٩٤٨م، وبعد سنتين من إعلانها عام ١٩٥٠م أعلن بنقريون وكان رئيس إسرائيل آن ذاك أن أي شخص يهودي يدخل فلسطين يُعطى الجنسية الإسرائيلية -لأن كلمة يهودي غير كلمة إسرائيلي- حتى يشجع الهجرة فقدم اليهود من كل أنحاء العالم حتى اليمن خرج منها أربعون ألف يهودي ودخلوا أرض فلسطين، وهذا مصداق لقول الله جل وعلا في الإسراء في آخر الآيات: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤] والله جل وعلا جاء بهم من كل جانب، فنحن نقول - والله تعالى أعلم-: إن الهلاك الأول كان على يد بختنصر، والهلاك الثاني هو الذي سيحصل في هذا العصر، وهذا أقرب القولين والله أعلم، وإن كنت لا أجزم به لعدم الأدلة التي تؤيد ذلك، لكن هذا مختصر حالة اليهود في أرض فلسطين، وهم لم يكونوا محتلين لبيت المقدس (للمسجد الأقصى) وإنما احتلوه في حرب ١٩٦٧م، ولم تكن مدينة القدس داخلة ضمن حدود تلك الدولة.
الذي يعنينا هنا أن هذا مجمل ما قاله العلماء في الآية، والحق لا يعلمه إلا الله، والأيام حبلى بكثير من الأحداث؛ وستقع أحداث كثيرة الله أعلم بها، لكن اليهود عموماً في غالب الظن عندهم علم بما سيكون بما أطلعهم الله جل وعلا عليه، واطلاعهم على الكتب القديمة يساعدهم على معرفة أشياء كثيرة.
فـ كعب الأحبار كان يهودياً أسلم في عهد عمر، ومشهور ذكره في التفسير.
وقد لازم عبد الله بن الزبير فكان يخبره بكل شيء مما سيحدث.
كما أخبره أنه سيصبح أمير المؤمنين! وسيملك الحجاز، إلى أن جيء يوماً بـ المختار الثقفي من أهل الطائف، وكان قد ادعى النبوة، وهو كذاب معروف، فقتله أحد جند عبد الله بن الزبير، لعله مصعب بن الزبير أخو عبد الله ثم حُمل رأس المختار الثقفي إلى عبد الله بن الزبير فجيء به وهو يتغدى، ووضع رأس المختار بين يديه وهو خصمه، فقال عبد الله بن الزبير -وهذا يدل على علم اليهود-: كل م
стр. 425
وقفة مع قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم)
قال الله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١].
هذه الآية من بلاغة القرآن اللفظية؛ لأن الله جل وعلا نهى فيها الوالد أن يقتل ولده، وقال: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] والإملاق هو الفقر، أي: خوفاً من الفقر؛ فالإنسان الذي يخاف الفقر غير فقير لأنه يخاف من شيء غير موجود عنده، فلذلك قال الله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] فقدم الولد على الوالد، لكنه قال في سورة أخرى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] أي: من فقر موجود، فلذلك قال بعدها: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] فقدم رزق الوالد على رزق الولد؛ لأنه ذكر حالة الرجل الفقير، أما هنا فقد ذكر من يخاف الفقر، فقال جل شأنه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١] وقتل الوالد لولده من كبائر الذنوب، قال ﷺ وقد سئل أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وقد خلقك) قيل: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قيل: ثم أي؟ قال: (أن تزني بحليلة جارك) فهذه أعظم ثلاثة ذنوب يُعصى الله جل وعلا بها.
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١].
следующие страницы →