Полный текст (705 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
تأملات قرآنية في قول الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: هذه تأملات في سورة الإسراء، وهي سورة مكية إلا ثلاث أو أربع آيات سيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى في موضعه، وهذه السورة صدّرها الله جل وعلا واستهلها بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١].
وسنقف في هذه السورة مع بعض آياتها تفصيلاً، ونعرِّج على بعض الآيات إجمالاً كفرائد علمية ومعرفية ما بين الآية والآية كما هو المنهج في العادة.
فنقول حول الآية الأولى من هذه السورة ما يلي:
стр. 422
التأملات اللغوية
أولاً: الوقفات أو التأملات اللغوية في قول الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١].
كلمة سبحان تعرب عند النحويين على الأظهر عند جمهورهم على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف، وهي في حق الله جل وعلا ملازمة للإضافة؛ فإما أن تضاف إلى الاسم الظاهر فتقول سبحان الله سبحان ربي، أو تضاف إلى الضمير فتقول: سبحانه أو سبحانك، على أن هذا اللفظ -أي كلمة سبحانك- معناه تنزيه الرب جل وعلا عن ما لا يليق به؛ وعلى هذا فلا تقال هذه الكلمة إلا مع الرب جل وعلا، أي لا يقال لأحد من الخلق كائناً من كان سبحانك، فلا يقال: سبحان إلا مضافة إلى رب العزة ﷻ ، ولا يقال لأحد من الخلق كائناً من كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً، حتى للنبي ﷺ لا يقال: سبحان الرسول! وإنما تضاف فقط للرب جل وعلا، تقول: سبحان الله سبحان ربي، أو أن تتكلم عن الله فتقول: سبحانه، أو أن تناجي ربك فتقول: سبحانك.
الأمر الأول لغوياً.
الأمر الثاني: قال الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١].
جاءت هنا كلمة ليلاً كما هو ظاهر منكَّرة، واختلف العلماء في الغرض البلاغي من كونها منكَّرة، قال بعضهم: المراد بها هنا التقليل، ووجه البلاغة أنهم كانوا يسيرون من مكة إلى بيت المقدس في أربعين ليلة، والتقليل هنا أن الله جل وعلا أسرى بنبيه بجزء قليل من الليل من مكة إلى بيت المقدس، ثم إلى سدرة المنتهى ثم إلى بيت المقدس، ثم إلى مكة في جزء قليل من الليل على هذا قال بعضهم: هذا المراد من تنكير كلمة ليل.
وقال آخرون: إن المراد من التنكير التعظيم، ويصبح المعنى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] أي في ليل وأي ليل دنى فيه نبينا ﷺ من ربه وناجاه فيه، وكلمه ربه وقرّبه وأدناه صلوات الله وسلامه عليه.
ونقول والله أعلم: لا مانع من الأخذ بكلا الأمرين، ومن قواعد التفسير: إذا كان للآية معنيان لا تعارض بينهما يجوز حمل الآية على المعنيين، إذا الآية هنا احتملت معنيين لا تعارض بينهما كما هو ظاهر.
стр. 423
تأملات في معنى قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده)
إن الله ﵎ اعتنى بنبيه ﷺ أعظم عناية، يقول ﵊: (إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمجندل في طينته) ومن عناية الله بنبيه أن الله جل وعلا ما زال ينقله في أصلاب الرجال وأرحام النساء في نكاح غير سفاح حتى اختاره من خير الناس فبُعث ﷺ من أعزِّ قبيل: وهم بنو هاشم آله صلوات الله وسلامه عليه، واصطفاه على بني هاشم، ثم ما زال الله يعتني به قبل أن ينبأ كما هو معلوم في السيرة، ثم نبئ صلوات الله وسلامه عليه بإقرأ وأرسل بالمدثر، فما زال الله يحيطه بعنايته وكمال حفظه حتى فقد ﵊ النصير الداخلي والخارجي: فقد النصير الداخلي من الخلق وهي زوجته خديجة، والنصير الخارجي وهو عمه أبو طالب، ثم توجه ﷺ إلى الطائف يدعو أهلها فرده أهل الطائف، ثم رجع ﷺ إلى مكة.
والمقصود أنه لما نزل ﷺ مكة وهو في هذا الوضع من صدود أكثر الناس عنه إلا قلة من أصحابه تولاه الله جل وعلا فكانت رحلة الإسراء والمعراج.
فمن جملة عناية الله جل وعلا به أن أسرى الله جل وعلا به في برهة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذه الرحلة في الملكوتين العلوي والسفلي كانت رحلة عظيمة له ﷺ ، ومن خصائصه التي منّ الله جل وعلا بها عليه أن هذه الرحلة وقعت ليلاً، وفي هذا دلالة على شرف الليل، فالليل أفضل من النهار من حيث الإجمال؛ لأن الله أسرى بنبيه ليلاً، ونجَّى لوطاً وبنتيه ليلاً، قال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤]، وأسرى بموسى وقومه من الصالحين ليلاً، قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:٢٣]، والنبي ﷺ ذكر الصلوات أي النوافل فقال: (وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر) ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] الشاهد من هذا أن الليل أفضل وأشرف من النهار، على أن لله أعمالاً في الليل لا يقبلها في النهار، وأعمالاً في النهار لا يقبلها جل وعلا في الليل.
الفائدة الثانية: أن الله ﵎ أمر جبريل ﵇ بغسل قلب النبي ﷺ بماء زمزم قبل رحلة الإسراء المعراج، وهذا الغسل ليس غسلاً معنوياً فقط وإنما غسل حسي، فقد شق صدره ﷺ وأخرج قلبه ووضع في طست (في إناء) وهذا الإناء فيه ماء زمزم فغسل قلبه ﷺ بماء زمزم ثم أعيد إلى مكانه، ولا ريب أن هذا ثابت عنه ﷺ وإن رده العقل، لكن يثبته النقل، والنقل الصحيح مقدم على العقل فالعقل تبع للنقل وليس حاكماً عليه، فنقول: آمنا بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله، وآمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله؛ والمقصود أننا نثبت أن النبي ﷺ غسل قلبه بماء زمزم غسلاً حسياً، وهذا يدلنا على فائدة أخرى وهي قضية فضل ماء زمزم، فنقول: إن هذا الماء ماء مبارك، والنبي ﷺ نقل عنه أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له) وقد صحح فريق من المحدثين هذا الحديث أو حسنوه، وعمل الفضلاء من العلماء يدل على صحته وعلى الأخذ به، وقد روي أن الإمام العالم المجاهد عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى لما حج وأتى البيت ذكر الحديث المنقول عن النبي ﷺ في ماء زمزم فقال: اللهم إن فلان حدثني وساق السند أن نبيك ﷺ يقول: (ماء زمزم لما شرب له) وأنا أشربه لعطش يوم القيامة.
وبعض الفضلاء من العلماء يقول: إن السنة في شرب ماء زمزم أن يشرب وهو واقف؛ لأن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم في حجة الوداع وهو واقف، كما في حديث علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وبعضهم يقول: إنه شرب واقفاً للضرورة حتى لا يزدحم عليه الناس، وهذه مسألة خلافية.
الذي يعنينا أن ماء زمزم لما شرب له، والشافعي ﵀ -الإمام المعروف الفقيه- كان في أول حياته يحب الرمي بالسهام، فجاء إلى زمزم وهو شاب فقال: اللهم إني أشرب ماء زمزم للرمي، فهو يحدث رحمه يقول: كنت أرمي العشرة أسهم فإما أن أصيب تسعة من عشرة أو أصيب عشرة من عشرة، يعني إذا رميت العشرة أسهم تصيب كلها أو يصيب تسع منها؛ وهذا كله ببركة ماء زمزم.
والإمام الخطيب البغدادي رحمة الله تعالى عليه صاحب كتاب تاريخ بغداد المحدث المعروف شرب من ماء زمزم وقال: اللهم إنني أشربه لثلاث: أشربه لأن أملي تاريخ بغداد بها، وأشربه أن أحدث يعني يكتب لي درس في جامع المنصور، وأشربه لأن أقبر بجوار بشر الحافي.
قال العلماء: فحقق الله جل وعلا له أي للخطيب هذه الثلاث كلها، فأملى كتابه تاريخ بغداد في بغداد، وأصبح يحدث في جامع المنصور، ثم إنه مات وقبر بجوار بشر الحافي رحمة الله تعالى عليهما جميعاً.
والمقصود من هذا كله بيان فضل ماء زمزم، وقد دلت عليه الكتاب والسنة كما هو معلوم من عموم القرآن في قوله جل وعلا: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران:٩٧].
ومما يتعلق بالإسراء والمعراج أن قُدِّم له ﷺ دابة وهي البراق، ينتهي حافره حيث ينتهي بصره، فركبه ﷺ وأسري به إلى المسجد الأقصى، وفي المسجد الأقصى صلى ﷺ بالنبيين إماماً، وهذا من أعظم الأدلة على علو شرفه وكبير مقامه وفضله وتقدمه صلوات الله وسلامه عليه، ووجه الدلالة هنا أن بيت المقدس وأرض الشام هي أرض الأنبياء من بعد إبراهيم إلى نبينا ﵊، فأكثر الأنبياء كانوا في أرض الشام ﵈ جميعاً، ومع ذلك هي أرضهم وديارهم ومنازلهم التي ولدوا فيها وهذا مسجدهم ومع ذلك صلى بهم ﷺ إماماً في موطنهم، فجاءهم في مكانهم وأمرهم الله أن يقتدوا به صلوات الله وسلامه عليه؛ وهذا يدل على رفيع مقامه، وبالتالي على رفيع مقام أمته؛ لأنه وإن كانت أمته آخر الأمم عصراً إلا أنها أفضل الأمم؛ لأنها أمته صلوات الله وسلامه عليه، فهو حضنا من النبيين ونحن حضه من الأمم، ورحم الله من قال: ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبياً ربط ﷺ البراق في مربط موجود في المسجد الأقصى يربط فيه الأنبياء دوابهم، ودخل يصلي بالأنبياء، وهذا من أعظم الأدلة على أن الإنسان يأخذ بالأسباب؛ فهذا نبي الله محفوظ بحفظ الله له، ومعه أعظم الملائكة جبريل، ومعه دابة تأتمر بأمره ومع ذلك ربطها خوفاً من أن تنطلق، وهي لن تنطلق لكن حتى يأخذ الإنسان بالأسباب، ومع ذلك يتوكل على الملك الغلاب، وقد جاء في الآثار أن أبا سفيان بن حرب الزعيم القرشي الذي أسلم بعد ذلك كان بتجارة له في الشام فسأله هرقل عظيم الروم عن النبي ﷺ ، وأبو سفيان يتحاشى في جوابه خوفاً أن يجرّب عليه الكذب، وهو في نفس الوقت يريد أن ينقص من قدر النبي ﷺ عند هرقل، فبينما هما يتبادلان الحديث وهرقل يسأله فقال أبو سفيان لـ هرقل: إنه مما يدل على كذبه أنه حدثنا -أي النبي- أنه رحل من مكة إلى مسجد إيليا -أي المسجد الأقصى- إلى مسجدكم -يخاطب هرقل - في برهة من الليل وعاد في نفس اليوم، هو قالها يريد من هرقل أن يكذّبه فكان بطريق هرقل -رجل الدين عنده- واقفاً عند رأسه، فقال البطريق: والله إني لأعلم أي ليلة تلك الليلة فالتفت له هرقل وقال له: وما يدريك؟ فقال البطريق: إنني كنت كل ليلة أقفل أبواب المسجد حتى كانت تلك الليلة فلما أقفلت الأبواب بقي عليَّ باب، كلما حاولت أن أقفله لا يقفل فاستعنت بعُّمالي فلم يستطيعوا، فأرسلت إلى أهل الصناعة، أي إلى النجارين فقالوا لي: إن هذا الباب سقط عليه شيء فاترك الأمر إلى الصباح فإذا جاء الصباح أصلحناه، فوافقت يقول: فلما جئت في الصباح وجدت أثر مربط الدابة في المربط الذي يربط فيه الأنبياء دوابهم.
موضع الشاهد: انظر إلى عناية الله جل وعلا بنبيه ﷺ ، إن الله قادر على أن يقفل هذه الأبواب وجبريل يفتحها فيدخل ﷺ ، لكن الله جل وعلا يجري الكرامة لنبيه على سنن الخلق المعروفة؛ لأنه لو أقفلت الأبواب ودخل ﷺ وصلى ورجع وأقفل الأبواب لما درى أحد، لكن الله جل وعلا يعتني بنيه حتى في أواسط ما يتناقله الناس عن سيرته ﷺ ، ومن هنا ينبغي أن يعلم أن الذي يريد أن يحقق غاية أياً كانت عظمت أو قلت لن يحققها إلا بالله جل وعلا فعلى هذا من أعظم أسباب تحقيق الأمان والغايات: التوكل الصادق على ربنا ﷻ ، والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ﴾ [القصص:٦١] والله ﵎ منجز وعده لا محالة لمن وعدهم من عباده، وأعظم ما وعد الله به عباده الجنة، لكن المقصود أن الغايات والأماني والمطالب تتحقق إذا صدق العبد في توكله على ربه جل وعلا.
والشافعي ﵀ يقول: أهمني أمر ذات يوم فنمت فسمعت مناد في المنام يناديني: أن ادع الله بهذه الكلمات: اللهم إني لا أملك لنفسي حولاً ولا طولاً، اللهم إني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا موتاً ولا نشوراً، وإنني لن أستطيع أن أأخذ إلا ما أعطيتني، ولن أتقي إلا ما وقيت
стр. 424
تأملات قرآنية في قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب)
الموقف الثاني مع قول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء:٤ - ٨].
هذه الآيات مما اضطرب فيها كلام المفسرين اضطراباً عظيماً، ولن تجد كتاب تفسير بين يديك يغنيك فيها غناء تاماً؛ ولذلك فإن ما أقوله لا يمثل وجهة نظري، فأنا سأنقل آراء الناس في هذه الآية، وكلمة الناس تعني العلماء والمؤرخين والفضلاء وأهل النظر، ولا تعني المفسرين فقط.
أقول: إن العلماء اضطربوا فيها؛ لأن الأقدمين من السلف لم يروا الواقع المعاصر.
والناس لا تريد تفسير آيات في القرآن مثل هذه الآيات للواقع المعاصر الذي هو اليوم.
ومعنى هذه الآية عموماً أن الله أخبر أن لبني إسرائيل علوين: علو أول، ثم يُغلبون ويُهلكون، ثم تعود لهم الكرة ثم يُغلبون، ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] هذه واضحة المعنى من القرآن.
قوله: ((وَقَضَيْنَا)) أي أعلمنا وأخبرنا ﴿إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ [الإسراء:٤ - ٥] أي الأولى منهما ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء:٥] هذا العلو الأول والهلاك الأول، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ تصبح الدائرة لبني إسرائيل ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء:٦ - ٧] أي المرة الثانية ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧] أي يهلكونكم، ثم قال ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨] وعسى من الله وعد، وقال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] فوقع الإشكال في قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] هذا المفهوم العام.
ووجه الإشكال هو من هم المخاطبون في هذه الآية؟ نقول: أكثر علماء السلف على أن هاتين الواقعتين وقعتا قبل النبي ﷺ ، وأن الهلاك الأول كان على يد بختنصر ملك بابل، ثم انتصروا على يد داود، ثم أهلكوا، ثم عادوا.
ويفسرون قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] على أنهم عادوا للإفساد في عهد النبي ﷺ ، والله جل وعلا عاد عليهم بأن سلط عليهم رسوله وأصحابه من بعده فأجلوهم من جزيرة العرب.
ويصبح معنى قول الله ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨]: أن الله رحمهم وجعل منهم ملوكاً وأنبياء كما نص عليه في سورة المائدة، هذا القول ورد في أكثر الكتب القديمة من كتب السلف.
قال فريق آخر: إن الأولى حصلت على يد بختنصر لكن الثانية لم تحصل بعد، وهي المتوقع حدوثها في عصرنا هذا.
اليهود في إسرائيل الآن كما قال الله: ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء:٦] والنفير غالباً يطلق على الإعلام، وهم اليوم أكثر إعلاماً ومعرفة في العالم؛ لسيطرتهم على كثير من الأجهزة والقوة الإعلامية في العالم، وأنه بقيت الثانية وستكون على أيدي المسلمين، هذان تأويلان.
وآخرون يقولون: إن الواقعتين كلاهما لم تحصل إلى الآن، ويقولون: إن جمعهم الآن في فلسطين هو الهلاك الأول؛ لأن الله قال: ﴿عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥] وهذا لا يكون إلا للمسلمين؛ لأن بختنصر غير مسلم، فيغلبهم المسلمين ويجلوهم عن القدس لا عن فلسطين كلها، وإنما يضيّق عليهم في تل أبيب وما حولها، ثم إنهم ينصرهم العالم والقوى الدولية سواء قلنا أمريكا وبريطانيا وقد يغير الله أمريكا وبريطانيا ويناصرهم آخرون، المهم أنهم سينصرون فيغلبون المؤمنين مرة ثانية ويجلونهم عن القدس، ثم يعود المسلمون فيجلونهم كرة أخرى عن نفس المسجد ليتحقق قول الله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧]، لكن الذي يشكل عليه قول الله ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] وقول الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨] وعسى في القرآن في حق الله واجبة، يعني أن الله راحم لا محالة إذا قال عسى أن يرحم، أو قال: عسى أن يعفو.
وبهذا لم يتحقق قول الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨].
والأولون يقولون: إن كلا الأمرين قد وقعا في الزمن الغابر، وقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] تحقق في العصر القديم والعصر الحاضر تحقق قديماً على يد النبي ﷺ وأصحابه، وأنهم عادوا للإفساد مرة أخرى على قول الله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] وأهلكوا على يد هتلر، أما صلاح الدين فقد حارب النصارى والصليبيين، وليس له علاقة بالقضية لا من قريب ولا من بعيد؛ لأن الصليبيين الذين غزوا عام ٤٩٢ تقريباً وسط القرن الخامس أهلكوا اليهود والمسلمين في القدس، ونحن نتكلم هنا عن اليهود، وصلاح الدين لم يجل اليهود.
نحن نقول إن الله يقول: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] أي إن عدتم للإفساد أعدنا عليكم التسليط، ولا يلزم من التسليط أن يكون هتلر مؤمناً؛ فإن هتلر أهلك اليهود هلاكاً عظيماً أهلكهم في ألمانيا، وطاردهم في فلسطين، وأرسل لـ أمين الحسيني -وكان زعيماً مسلماً في أرض القدس- عن طريق ليبيا ٣٠.
٠٠٠ قطعة سلاح، وجمّع العرب والمسلمين الذين كانوا في أوروبا، وأمر القواد الألمان أن يدربوهم على القتال، وكان يبعث بهم في السفن إلى فلسطين حتى يقاتلوا اليهود، وقد حرقهم وأهلكهم كما هو معروف.
لكن هتلر انكسرت شوكته في الحرب العالمية الثانية، فلما انكسرت شوكة هتلر بانتصار الحلفاء -بريطانيا وأمريكا- غزا اليهود أمريكا وبريطانيا إعلامياً، فعادت النصرة لليهود؛ لأن خصمهم هتلر غلبه الحلفاء وهزم كما هو معلوم في الحرب العالمية الثانية، وأصبح النفوذ عالمياً لأمريكا والحلفاء الذين خرجوا منتصرين، وهؤلاء كلهم عن بكرة أبيهم أيدوا وجود اليهود في أرض فلسطين، وإلا فاليهود لم يكونوا موجودين في أرض فلسطين، ودولة إسرائيل المعاصرة أعلن عن قيامها رسمياً عام ١٩٤٨م، وبعد سنتين من إعلانها عام ١٩٥٠م أعلن بنقريون وكان رئيس إسرائيل آن ذاك أن أي شخص يهودي يدخل فلسطين يُعطى الجنسية الإسرائيلية -لأن كلمة يهودي غير كلمة إسرائيلي- حتى يشجع الهجرة فقدم اليهود من كل أنحاء العالم حتى اليمن خرج منها أربعون ألف يهودي ودخلوا أرض فلسطين، وهذا مصداق لقول الله جل وعلا في الإسراء في آخر الآيات: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤] والله جل وعلا جاء بهم من كل جانب، فنحن نقول - والله تعالى أعلم-: إن الهلاك الأول كان على يد بختنصر، والهلاك الثاني هو الذي سيحصل في هذا العصر، وهذا أقرب القولين والله أعلم، وإن كنت لا أجزم به لعدم الأدلة التي تؤيد ذلك، لكن هذا مختصر حالة اليهود في أرض فلسطين، وهم لم يكونوا محتلين لبيت المقدس (للمسجد الأقصى) وإنما احتلوه في حرب ١٩٦٧م، ولم تكن مدينة القدس داخلة ضمن حدود تلك الدولة.
الذي يعنينا هنا أن هذا مجمل ما قاله العلماء في الآية، والحق لا يعلمه إلا الله، والأيام حبلى بكثير من الأحداث؛ وستقع أحداث كثيرة الله أعلم بها، لكن اليهود عموماً في غالب الظن عندهم علم بما سيكون بما أطلعهم الله جل وعلا عليه، واطلاعهم على الكتب القديمة يساعدهم على معرفة أشياء كثيرة.
فـ كعب الأحبار كان يهودياً أسلم في عهد عمر، ومشهور ذكره في التفسير.
وقد لازم عبد الله بن الزبير فكان يخبره بكل شيء مما سيحدث.
كما أخبره أنه سيصبح أمير المؤمنين! وسيملك الحجاز، إلى أن جيء يوماً بـ المختار الثقفي من أهل الطائف، وكان قد ادعى النبوة، وهو كذاب معروف، فقتله أحد جند عبد الله بن الزبير، لعله مصعب بن الزبير أخو عبد الله ثم حُمل رأس المختار الثقفي إلى عبد الله بن الزبير فجيء به وهو يتغدى، ووضع رأس المختار بين يديه وهو خصمه، فقال عبد الله بن الزبير -وهذا يدل على علم اليهود-: كل م
стр. 425
وقفة مع قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم)
قال الله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١].
هذه الآية من بلاغة القرآن اللفظية؛ لأن الله جل وعلا نهى فيها الوالد أن يقتل ولده، وقال: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] والإملاق هو الفقر، أي: خوفاً من الفقر؛ فالإنسان الذي يخاف الفقر غير فقير لأنه يخاف من شيء غير موجود عنده، فلذلك قال الله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] فقدم الولد على الوالد، لكنه قال في سورة أخرى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] أي: من فقر موجود، فلذلك قال بعدها: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] فقدم رزق الوالد على رزق الولد؛ لأنه ذكر حالة الرجل الفقير، أما هنا فقد ذكر من يخاف الفقر، فقال جل شأنه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١] وقتل الوالد لولده من كبائر الذنوب، قال ﷺ وقد سئل أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وقد خلقك) قيل: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قيل: ثم أي؟ قال: (أن تزني بحليلة جارك) فهذه أعظم ثلاثة ذنوب يُعصى الله جل وعلا بها.
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١].
стр. 426
وقفة مع قول الله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣] هذه الآية نظر فيها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فاستنبط منها أن معاوية سيحكم؛ لأنه ﵁ وأرضاه لما قُتل عثمان اتفق المسلمون على أن عثمان قتل ظلماً، فجاء معاوية ﵁ وأرضاه، وكان والياً على الشام يطالب علياً بقتلة عثمان وعلي يقول: القضية الآن ليست قضية قتلة عثمان، القضية أن تُقر لي بالخلافة، وبعد ذلك نتكلم عن قتلة عثمان، ومعاوية يقول: لا أقر لك بالخلافة ولا أدخل في الطاعة حتى تسلمني قتلة عثمان؛ لأن معاوية يجتمع مع عثمان في جده أمية، فجاء ابن عباس ترجمان القرآن لـ علي، وقال له: اخرج من هذه الأمر، يعني: لا توافق على الخلاف واذهب إلى مالك في ينبع، فإنك لو دخلت في جحر ضب لطلبتك العرب؛ فإن العرب ستدور دورتها ثم ترجع إليك وتسلمك الخلافة لكن بقدر الله عصى علي ابن عباس ولم يأخذ برأيه، ليمضي قدر الله، فلما رفض علي قال ابن عباس: إذاً أقسم بالله ليملكن معاوية، قال الله جل وعلا: ((وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً)) ومعاوية ولي لـ عثمان.
فتحقق نفس الذي قاله ابن عباس، وحكم معاوية ﵁ وأرضاه، فكان ابن عباس بعد موت علي واجتماع الكلمة على معاوية يقول للناس: إنني أحدثكم بأمر ليس بأمر سر ولا علانية، فيقول لهم: إنني نصحت عليا ً لكن علياً لم ينتصح ولم يقبل، وأصر على أن يدخل معاوية في الطاعة ومعاوية أصر على أن يُسلم دم عثمان، ووقع ما وقع بينهم ﵃ أجمعين، ثم قال هذه الكلمة المشهورة، وهذه الفريدة في العلم يذكرها المفسرون -أكثرهم إن لم يكن كلهم- كمنقبة لـ ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ وفهم القرآن شيء من الله، ولذلك فإن علياً هو نفسه ﵁ وأرضاه من آل البيت وابن عم رسول الله، وزوج ابنته لم يؤت ما أوتيه ابن عباس.
لكن الشيعة الآن أهل الضلالة يقولون: إن الله استأثر آل البيت ببعض العلم، وهذا باطل، والصحابة سألوا علياً قالوا: هل اختصكم رسول الله ﷺ بشيء من العلم دون الناس؟ فقال ﵁ وأرضاه -وهو صادق-: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء، ثم قال: إلا فهماً يعطيه الله جل وعلا من يشاء في كتابه، وهذه ليس فيها قيد، ولذلك ترى بعض المفسرين يجلس وينطق بتفسير آيات ما لو بحثت عنها في الكتب لن تجدها، وهذا فضل الله يُعطيه من يشاء.
стр. 427
الشعراوي وتأويل القرآن
من أعظم من منَّ الله عليه في تفسير القرآن الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى، وبعض الناس يأخذ عن الشعراوي ملاحظات، والحقيقة أنه لا يوجد أحد ما عليه ملاحظة، وإن أصاب في أشياء أخطأ في أشياء، كل الناس عندهم إصابات وأخطاء، ونحن لا نتكلم في عقيدة إنسان ميت أو في عقيدة إنسان موجود أو غائب إنما أتكلم عن علم، إن الرجل إذا فسّر القرآن يُفسِّره بأشياء عجيبة.
وأنا أذكر موقفاً حصل لي في الحج: كنت في خيمة فيها بعض العلماء الفضلاء فسألني أحدهم عن المفسرين، قال: أنت تفسّر القرآن في مسجدك وفي الحج وفي كل مكان من رأيت من المفسرين؟ قلت، هذا دين أنا لا أجامل أحداً ولا أخشى أحداً؛ قلت: ممن من الله عليهم بتفسير القرآن: الشعراوي، فتغيرت ملامحهم يعني ما هم راضون، فقلت: يقول ﷺ في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم لي إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) ما تفسير هذا الكلام؟ قال: إلا الصوم فهو عبادة ما فيها رياء وإخلاص، قلت: ما فيه عبادة يدخلها الرياء غير الصوم؛ لأن الإنسان إذا صام كل الناس تعرف أنه صام، ثم قلت له: أتدري ما قال الشعراوي فيها؟ قال: ماذا قال؟ قلت قال الشعراوي: إن الله خص الصوم لأنه عبادة لم يُعبد غير الله بها، ومعنى هذا أن الصلاة مثلاً قائمة على السجود والركوع، وكم من ملوك وطواغيت عبر التاريخ سُجد ورُكِع لهم تعظيماً من دون الله.
والزكاة أخذ مال، وكم من ملوك وسلاطين يُجبى لهم المال.
والحج قائم على الطواف، والله يقول: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] وكم من قبور وأضرحة وملوك يُحملون ويُطاف حولهم، لكن يستحيل أن يصوم أحد لأحد، فالمُصام له لا بد أن يراقب الصائم ويمشي خلفه حتى لا يأكل ولا يشرب، ولا يمكن لملك أن يفعل هذا.
فلم يُصم إلا لله، وهذا معنى قوله ﷺ : (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
ومن أدب هذا الرجل الفاضل أن أخرج ورقة وكتبها، وقال: هذه والله فريدة من فرائد العلم.
الحكمة ضالة المؤمن فخذها من أي أحد، فإن قال أحد حقاً فخذه، وإن قال أحد باطلاً حتى لو كنت تحبه ما ترك قوله.
فيجب أن نربي الناس على الحق.
стр. 428
وقفة مع قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)
ينبغي أن يعلم طالب العلم أن الكلام عن الله جل وعلا ليس بالأمر السهل، فـ ابن القيم له كتاب مشهور اسمه إعلام الموقعين عن رب العلمين، فالفتوى الشرعية أمرها عظيم.
وسأذكر قصة حدثت في العصر الجاهلي، علق عليها الإمام الأوزاعي رحمة الله عليه تعليقاً عظيماً، هذه القصة تقول: كان هناك رجل في الجاهلية قبل الإسلام يقال له: عامر بن الظرب العدواني، كان هذا الرجل كامل العقل مسموع الكلمة مطاع حكيم، فالعرب إذا اختلفت يأتون إليه؛ فجاءه مرة ستة أو سبعة رجال وسألوه عن قضية في المواريث، وهي أنهم ابتلوا بشاب خُنثى له آلتان: آلة رجل وآلة امرأة، قالوا: أنت حكيم العرب والناس تأتيك فهل نعامل هذا على أنه رجل فنعطيه الميراث، أو أنثى فلا نعطيه ميراثاً؟ على عادة الجاهليين آن ذاك، فقال: والله! ما مرت بي مسألة مثلها، فأخذ يتفكر، وأدخلهم داره فجلسوا في بيته أربعين يوماً، وكان عنده جارية راعية اسمها سخيلة قد ضاق عامر منها، فقد كانت ترعى الغنم ولا تعود إلا متأخرة وهو يريد أن يحلبها فيتأخر عليه اللبن، فكل يوم يعاقبها ويعاتبها، فجاءته وهو متحير فقالت: ماذا بك؟ فضربها وزجرها وقال: ليس هذا إليك.
فظل أياماً على تلك الحالة، ثم قالت له الجارية: هؤلاء الضيوف أكلوا الغنم وكل يوم وأنت تذبح لهم، فكأنه رق لها وقال: أنا أقول لك القصة، وأخبرها بالقصة، فقالت: أتبع الحكم المبال، يعني: إذا كان يبول من آلة الرجل فعامله على أنه رجل، وإذا كان يبول من آلة الأنثى فعامله على أنه أنثى، فضع حكمك على بوله وتنتهي القضية.
فصار يمشي في الدار ويقول بيتاً من الشعر آخره: فرج الله عنك يا سخيلة! وفي معناه أنه لن يعاتبها بعد اليوم.
ودخل على ضيوفه وأخبرهم الخبر، وهذا الحكم الشرعي أثبته الإسلام اليوم، فالخنثى الذي له آلتان يتبع الحكم فيه على مباله، إن كان يبول من آلة الرجل يُعامل على أنه رجل، وإن كان يبول من آلة الأنثى يحكم له بأنه أنثى في الميراث، والذي قال هذا امرأة يقال لها: سخيلة.
والشاهد في هذه القصة قول الأوزاعي ﵀: فهذا رجل مشرك لا يخاف الله ولا يرجو الجنة ولا يخاف ناراً يتوقف في حكم أربعين صباحاً يخاف أن يقول خطأ، فكيف بمن يتكلم على لسان الله ولسان رسوله ﷺ ؟ ولهذا من أعظم ما يدل على قوة طالب العلم الحقيقي أن يتريث في الفتوى وأن لا يستعجل، وأن لا يتصدر قبل أوانه، وأن لا يحكم حتى يتبين له الأمر.
والله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
قال بعض العلماء تعليقاً على هذه القصة: إن الإنسان قد يكون ذا عقل فيخفى عليه شيء، وقد يأتي إنسان ليس له حظ من عقل ولا داع من تجربة فيوفق في أمر.
والتوفيق والهداية بيد الرب تبارك وتعالى
стр. 429
سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة الإسراء [٢]
القرآن الكريم مليء بالعجائب، ومن تأمل في آياته وجد من العلم ما لا يجده في غيره، وسورة الإسراء من أعظم سور القرآن التي تتضمن آيات عظيمة وتاملات عميقة.
стр. 430
وقفة مع قول الله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً)
الحمد لله خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد مضى القول: أن سورة الإسراء جملة سورة مكية وأن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان يسميها من العتاق الأول، ويقول: إنها من تلادي أي: من القديم الذي أخذته عن رسول الله ﷺ قبل أن يهاجر إلى المدينة، ومعلوم أن ابن مسعود كان ملازماً للنبي ﵊ كثيراً، وأخذ عنه كثيراً من القرآن، وقد عده ﵊ أحد من يؤخذ عنهم القرآن ﵁ وأرضاه.
وقلنا: إن هذه السورة تسمى -كذلك- سورة بني إسرائيل، فلها عند العلماء اسمان شهيران: اسمها المدون في المصحف اليوم: سورة الإسراء، والاسم الآخر: سورة بني إسرائيل، كما بينا أنها سورة مكية، لكن بعض آياتها مدنية.
وسوف نتحدث الآن عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
فنقول: ورد ذكر البصر في كلام الله جل وعلا كثيراً، إلا أنه في آية أو آيتين أو ثلاث على الأكثر قدم البصر على السمع، وفي كثير منها يقدم السمع على البصر.
والبصر جاء في القرآن على صورة الإفراد وجاء على صورة الجمع، أما السمع فلم يرد إلا على صورة الإفراد.
والطب الحديث يشهد أن المولود الجنين الصغير يسمع أولاً ثم بعد ذلك يبصر، فحاسة السمع عندهم مقدمة عملاً على حاسة البصر، والله جل وعلا قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨]، وإنما ذكر البصر مقدماً في عرصات يوم القيامة؛ لأن الإنسان يرى قبل أن يسمع إذا بعثر ما في القبور وحشر الناس، لذلك قدم الله في آية الكهف البصر على السمع، أما قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، فهذا من جنس ما في القرآن من وعيد وتحذير للعباد، وأن الناس مكلفون وأن الله جل علا سائلهم عما استرعاهم عليه.
стр. 431
تأملات في قول الله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحاً)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧].
هذه الآية أصل في ذم الكبر، والكبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كبر على الله، وكبر على الرسل، وكبر على سائر الخلق.
أما الكبر على الله وعلى رسوله فهو مخرج من الملة، بل إن الكبر على الله أعظم الكفر، ومما ورد في القرآن قول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقول النمرود: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، فهذا من الكبر على الله جل وعلا، ولم يعرف عبر التاريخ الإنساني إلا في أفراد معينين تكبروا على الله ووصلوا إلى هذه المرحلة وادعوا الألوهية.
أما الكبر على الرسل فهو عامة ذنوب الأمم، قال الله جل وعلا عن بعض الأمم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن:٦]، وقال عن آل فرعون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون:٤٧]، وقال عن كفار قريش: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فالكبر على الرسل عامة ذنوب الأمم وهو مخرج من الملة.
أما الكبر على الناس فالأصل: أنه غير مخرج من الملة، لكن قد تقع حالات تكون متلبسة بانتقاص الله جل وعلا أو انتقاص رسوله فتكون مخرجة من الملة، وإلا فالأصل أنه غير مخرج من الملة، لكنه من أعظم الذنوب، قال ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، وتخريج الحديث -على معتقد أهل السنة أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار إذا ماتوا على التوحيد- على أنه لا يدخل الجنة ابتداءً.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، (كل) جاءت مضافة إلى اسم الإشارة (ذلك).
و (ذلك) عائد على جملة ما تقدم من قوله سبحانه: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء:٢٢]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [الإسراء:٣١].
وما مضى من كل ذلك فيه السيئ وفيه الحسن، ولهذا قيد الله فقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، ولم يقل كله؛ لأنه يوجد فيه شيء حسن.
وكلمة (مكروهاً) هنا بمعنى: محرم، ليس بمعنى المكروه في اصطلاح الفقهاء، وإنما هو محرم أشد التحريم، ولذلك نهى الله جل وعلا عنه.
стр. 432
تأملات في قول الله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، إلى أن قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٥ - ٤٦].
ذكر الله جل وعلا هنا أن النبي ﷺ إذا قرأ القرآن جعل الله بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً، وهذا الحجاب يحتمل أحد معنيين: المعنى الأول: أن يكون حجاب رؤية، بمعنى: أن النبي ﷺ إذا قرأ القرآن لا يتمكن كفار قريش من رؤيته وإيذائه، وهذا المعنى يدل عليه ما في الأحاديث من أن أم جميل التي جاءت في القرآن بأنها حمالة الحطب حملت فهراً -يعني: حجراً كبيراً- وأرادت أن تؤذي النبي ﷺ ، وكان يجلس بجوار أبي بكر فجاءت وهي تولول وتقول: مذمماً عصينا، ودينه قلينا، وأمره أبينا.
فقال أبو بكر للنبي ﷺ : لو تواريت عنها فإنها امرأة بذيئة اللسان، فقال ﷺ : (إنها لن تراني)، وأخذ يقرأ القرآن، فجاءت أم جميل فكلمت أبا بكر وتخاطبت معه وسألته عن النبي ﷺ ، والنبي بجوار أبي بكر وهي لا تراه.
وقد قال العلماء: إن هذا الأمر مجرب، وقد حكاه بعض الصحابة، ونقل القرطبي ﵀ صاحب التفسير -وكان أندلسياً يسكن في غرناطة- قال: إنه خرج من أحد القصور وتبعه أهل أسبان آنذاك يريدون قتله، حتى جاء في أرض عراء فأخذ يقرأ بعض آيات القرآن، وهي آيات في الجاثية والنحل والكهف ويس كلها فيها كلمة: ﴿أَكِنَّةً﴾ [الإسراء:٤٦]، قال: وهم يعدون أمامي ثم يقول بعضهم لبعض -بلغتهم وهو يعرفها-: إنه شيطان يعني: اختفى.
وهذا انتشر عند العلماء في كثير من الأخبار الثابتة عنهم رحمة الله تعالى عليهم.
هذا المعنى الأول للآية.
والمعنى الثاني: أن يكون المعنى: ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥]، أي: شيئاً على قلوبهم فلا يفقهون القرآن ولا يقبلونه.
والراجح -والله أعلم- هو المعنى الأول؛ لأن الله قال بعدها: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الإسراء:٤٦]، فلا حاجة لإيراد معنيين متتابعين، فيصبح المعنى الأول أرجح، والعلم عند الله جل وعلا.
والمقصود: أن القرآن جملة مما يحفظ الله جل وعلا به عباده.
стр. 433
تأملات في قوله تعالى: (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس)
ثم قال : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠].
تقدم معنا أن النبي ﷺ أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وقلنا: إنه يوجد قول للبعض أن الرؤيا رؤيا منامية، ورددنا على هذا، وهذه الآية إحدى الحجج عند من يقول: إن الإسراء كان رؤيا منامية.
والله جل وعلا يقول هنا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠]، كلمة (الناس) هنا لفظ عام يراد به الخاص، والمقصود به كفار قريش على الأظهر، والمعنى: أن الله يخبر نبيه أنه سبحانه محيط بأمر هؤلاء، وأن أمرهم ومردهم إلى سفال ووبال، كما حصل في بدر.
أما الشق الثاني من الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠]، الذين احتجوا بأن الإسراء كان مجرد رؤيا منامية قالوا: إن (رؤيا) في لغة العرب مصدر من الفعل رأى، وهذا محل اتفاق، فالفعل رأى يأتي المصدر منه بصيغتين، إما أن يقال رأى رؤيا بالألف، وإما أن يقال: رأى رؤية بالتاء المربوطة.
قالوا: إن رؤية بالتاء المربوطة يعنى بها الرؤيا البصرية، ورؤيا بالألف يراد بها الرؤيا المنامية التي يسميها الناس أحلاماً، وقالوا: من الأدلة على ذلك قول الصديق يوسف لما رأى الرؤيا: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، ولم يقل: هذا تأويل رؤية، وهذه حجة من يقول: إن الرؤيا كانت منامية.
ونحن نقول: إن الإسراء كان حقيقة، والرد على هذا من طريقين: الطريق الأول: تفصيل الآية، والطريق الثاني: التقعيد، ونبدأ بالتقعيد العلمي، فنقول: إن العالم يأخذ بأصل، ثم إذا عارض هذا الأصل شيء من الشبهات لا يرد الأصل ويدفعه إلا بأصل مثله، ولا يرده بشبهة، لأنه لا يوجد شيء لا تقع فيه شبهات لكن يبقى على الأصل حتى يأتيه أصل مثله يدفعه، هذا التقعيد العلمي.
أما شرح الآية الذي سيجلو الخطاب، فإن الله يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠]، أي: يا نبينا! ما جعلنا الرؤيا إلا لنختبر الناس ونفتنهم، فلو كانت رؤيا منامية لم يكن فيها فتنة للناس؛ لأنه ليس النبي ﷺ فقط هو الذي يرى في المنام، بل كل الناس ممكن أن يروا هذه الرؤيا، فلا يعقل أن القرشيين يكذبون النبي ﷺ وتصبح منقبة لـ أبي بكر أنه صدق النبي ﷺ في رؤيا منامية، هذا أمر لا يعقل أن يكون اختباراً وفتنة.
ثم إن الأصل الذي نستمسك به جملة الأحاديث المتواترة معنى ورواية ودراية على أن الله جل وعلا أسرى بنبيه، وقول الله جل وعلا لكفار قريش: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢]، وقوله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، فهل يقول الله في رؤيا منامية يراها البر والفاجر والمؤمن والكافر: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، فلا يعقل أن يدفع هذا الأصل بشبهة المصدر في رؤيا.
الثالث: أنه ورد في كلام العرب التعبير برؤيا عن الرؤية البصرية، وإن كان قليلاً.
ثم قال الله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠].
الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم، والآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى أن الآية مقصودها: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، فتكون الفتنة بأمرين: الأول: رحلة الإسراء والمعراج، والثاني: الشجرة الملعونة في القرآن.
أما الفتنة في رحلة الإسراء والمعراج فلا شك أنه اختبار للناس أن يأتي رجل يقول: إنني البارحة ارتحلت من مكة إلى بيت المقدس في بضع من الليل، وهم يضربون إليه المطي في أربعين ليلة.
وهذا من حيث العقل يرد، لكن يقبل بالقلب، ونحن نؤمن بقلوبنا قبل أن نؤمن بعقولنا، ولما قيل لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه أتؤمن بهذا القول؟ قال: إنني أصدقه فيما هو أعظم من ذلك أصدقه في الخبر يأتيه من السماء، فإذا جاز أن أصدقه أن الوحي يأتيه من السماء فمن باب أولى أن أصدقه أنه يغدو في برهة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
هذه الفتنة في الرؤيا التي في رحلة الإسراء والمعراج.
أما الفتنة في شجرة الزقوم فإن الله قال عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤]، أي: في النار، والعقل يرد هذا؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في النار، لكن هذا المنطق تعامل به القرشيون بالعقل ولم يتعاملوا معه بالقلب فكذبوه، حتى قال ابن الزبعرى -ويقال: إن القائل أبو جهل -: لا نعرف الزقوم إلا الزبد مع التمر فقوموا بنا نتزقم أي: نطعم الزبد مع التمر، فقال الله لنبيه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠]، فالأمر يتضح بكل يسر وسهوله إذا نظر إليه الإنسان بقلبه لا بعقله البسيط، حتى لو استخدم العقل فإن الذي منح الشجرة أن تنبت في اليابسة قادر على أن يجعلها تنبت في أصل الجحيم، والمثال ينطبق على نار إبراهيم، فإن الرب جل وعلا هو الذي أعطى النار خصيصة أن تحرق، فلما وضع فيها إبراهيم منع الله ﷻ النار أن تعطى تلك الخصيصة، فهو الذي جعل النار ذات قدرة على الإحراق، وهو ربها وخالقها، فقال لها سبحانه: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ [الأنبياء:٦٩]، فمنعت خصيصتها وتحولت إلى خصيصة أخرى بأمر ربها برداً وسلاماً على إبراهيم، فخرج ﵇ يمشي على قدميه والناس ينظرون، هذا معنى قوله جل وعلا جملة: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠].
стр. 434
وقفة مع قول الله تعالى: (ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً)
قال سبحانه: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠].
الله ﷻ يخوف بكل شيء، والناس يرون الأمور فيختلفون فيها، فقد يخسف القمر فيكون الإنسان في بيته لا يدري أن القمر خسف، وآخر يلعب الورق فينظر إلى القمر وقد خسف فيقول لأصحابه: انظروا إلى القمر قد خسف، ثم يكمل لعبته، وقد يكون الإنسان في غرفته عاكفاً على محرم فيقدر له أن يفتح النافذة فيرى القمر وقد كسف فيتعجب ويغلق النافذة، ويراه إنسان يحب البحث العلمي فيأخذ الآلة ويصور، ويراه إنسان يحب المسائل الحسابية فيدون، ويراه مؤمن -جعلنا الله من أهل الإيمان- فيعلم أنها آية يخوف الله جل وعلا بها عباده، ويفزع إلى المسجد إن كان قريباً منه، أو إلى مصلاه في بيته فيصلي، كما فزع النبي ﷺ إلى مصلاه في مسجده، فلما كسفت الشمس خرج ﷺ يجر رداءه حتى إنه ورد أنه ﷺ من عجلته لبس الإزار مكان الرداء ثم خرج يجر ردائه صلوات الله وسلامه عليه وهو يعلم يقيناً أن الأرض لن تهلك وهو حي؛ لأن الله جل وعلا جعله أمنة للأمة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، ومع ذلك لما رأى تلك الآية صلوات الله وسلامه عليه خرج فزعاً إلى الصلاة.
والمقصود: أن الله يقول هنا عن مشركي قريش: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠]، وجبار القلب -عياذاً بالله- من لم يعرف الله، حيث يسمع المواعظ ويقرأ عليه القرآن ويذكر بالله، ويرى الشمس تكسف، والقمر يخسف، ويرى الزلازل، والبراكين، ويرى الفيضانات ولا يتغير في قلبه شيء، بل يزيده طغياناً يخرج منه إلى معصية أكبر، وهذا هو الفرق بين من وهب قلبه لله ومن وهب قلبه لغير الله، قال الله جل وعلا عن الراسخين في العلم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ * رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٧ - ٨].
стр. 435
تأملات في قول الله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)
قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦١ - ٦٢].
مر معنا كثيراً قضية ما كان من خلق الله لآدم وأمره للملائكة بالسجود له وامتناع إبليس، ونتكلم هنا عما لم نتكلم عنه فيما سبق.
يقول الله: إنه قال للملائكة اسجدوا فامتنع إبليس وقال يخاطب ربه: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء:٦٢]، وهذا استفهام، أي: أخبرني لماذا كرمته علي؟ وكان المفروض أن ينتظر إبليس جواب رب العزة، لكن إبليس استعجل وقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢].
الحنك: أسفل الحلق، والعرب تضع الرسن -الحبل- للفرس مع حنكه حتى يسهل عليها أن تقوده ميمنة وميسرة، ومعنى الآية: إنني سأستولي على من خلقت، وإبليس لم يكتف بعداوته حسداً لآدم بل تجاوزه إلى ذريته.
وقول إبليس: ﴿ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢]، هذا من الظن الذي أصاب فيه، والدليل أن الله جل وعلا أخبر أن إبليس أصاب في هذا الظن فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠]، فإبليس قال: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢]، فعلم إبليس وقال: بظني أن أكثر الذرية سيسيطر عليها إلا قليلاً.
فقال الرب جل شأنه: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء:٦٣]، نقول: (اذهب) هنا ليست الفعل الذي هو ضد المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك، والأمر هنا غرضه البلاغي الإهانة، أي: مهما فعلت فلن تصد أوليائي عن ديني، أي عن دين الله.
стр. 436
تأملات في قول الله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم)
قال الرب جل وعلا: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤].
وهذه الأربع المقصود من الأمر فيها: التهديد، ومعنى (استفزز) أي: استخف، ولا يطيع الشيطان إلا من فيه خفة في العقل؛ لأن الاستفزاز الاستخفاف، والإنسان إذا كان ثقيلاً لا يستفزه شيء فهذا أمر محمود، وأعظم منه ألا يقع في المغريات، كأن يكون تاجراً من التجار يظل وقتاً طويلاً لا يبيع شيئاً فإذا أتاه مشترٍ ليشتري منه يأتيه الشيطان بوسوسته لاستفزازه ويقول له: انتهى الوقت ولم تربح شيئاً فغش هذا الرجل واحصل على ربح كبير، فيغش ويخدع ويظن أن هذا المال رزق حلال.
وهكذا فكل إنسان يتلبس بشيء يمتحنه الله جل وعلا ويختبره فيه إن كان حقاً فحق وإن كان باطلاً فباطل، حتى من يعلن التوبة ما إن يخرج من المسجد، أو من المحاضرة أو من الخطبة إلا ويتصل به رفيق السوء، ويعرض عليه فيلماًً، أو يعرض عليه دخاناً، أو يعرض عليه شيئاً محرماً ليعلم هل قالها عن حقيقة فيثبت، أو قالها عن ضعف وعجز فينجرف، أعاذنا الله من ذلك وثبتنا على هديه؛ هذا المعنى العام لهذه الآية.
стр. 437
تأملات في قول الله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر)
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠].
الأصل أن يقال: إن الله جل وعلا كرم بني آدم بأمور شتى ذكر منها العلماء أشهرها وهي نعمة العقل الذي يميز به المرء النافع من الضار، ومن أوتي نعمة العقل فقد أوتي خيراً عظيماً وفضلاً كبيراً، ولذلك جعل الله جل وعلا العقل مناط التكليف، يقول ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يكبر)؛ لأن عقله لم يتم، (وعن المجنون حتى يعقل)؛ لأن جنونه يمنعه من استخدام عقله، (وعن النائم حتى يستيقظ)؛ لأن النوم سلطان على العقل، والمؤمن مثلاً: قد يكون شديد المرض، لكن ما دام يعي ويعقل يكلف بالصلاة، وقد يكون مرضه في عقله فلو كان صحيح البدن لا يكلف بالصلاة؛ لأن العقل مناط التكليف.
إن الأصل أن الإنسان يميز بعقله كل شيء، وهو من أعظم ما كرم الله به بني آدم.
ومما كرم الله به بني آدم أن جعلهم هامة قائمة ولم يجعلهم كالدواب منتكسين.
ومما كرم الله به بني آدم أنهم يأكلون بأيديهم ولا يتناولون طعامهم بأفواههم كسائر الدواب.
والله جل وعلا يفاضل حتى بين الدواب، فالعلماء يقولون: إن من أعظم الدواب ممن أكرمه الله الكبش والنعجة فإن الله جل وعلا ستر عورتهما عن الخلق أجمعين، مع أن سائر الدواب ظاهرة العورة للعيان.
ومن تكريم الله لبني آدم: أن الله حملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير ممن خلق.
стр. 438
تأملات في قول الله تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم)
قال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، وهناك وقفة علميه ووقفه إيمانية مع هذه الآية.
اختلف العلماء ﵏ في المقصود بقوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، أما اليوم فهو يوم القيامة قطعاً، والداعي هو الله.
﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، قال العلماء: فيها ثلاثة أقوال شهيرة، وقول غير شهير، لكن القائل به عالم كبير، وسنبين هذا تفصيلاً.
قالوا: إن المقصود بكلمة إمام: الكتاب، ثم إن القائلين بأن المقصود بكلمة إمام الكتاب انقسموا إلى قسمين: قسم يقول: إن المقصود الكتاب الذي أنزل على الأمة التي يتبعها ذلك الشخص، والمعنى: ندعو: يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، يا أهل الزبور.
وقال آخرون: إن المقصود كتاب الأعمال، وهؤلاء حجتهم قول الله جل وعلا: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، فسمى الله الكتاب إماماًً وهذا عليه أكثر العلماء؛ هذا القول الأول.
الفريق الثاني قالوا: (بإمامهم) أي: بنبيهم، فيقال: يا أتباع موسى، يا أتباع إبراهيم، يا أتباع محمد، يا أتباع يوسف، يا أتباع يعقوب، ويؤيده قول الله جل وعلا في أهل الإشراك: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١].
القول الثالث: أن الإمام هي الأعمال أنفسها، فينادى كل إنسان بعمله، وأكثر العلماء يدور قولهم في هذا الفلك.
وقال بعض العلماء: إن المقصود بإمامهم أي: بأمهاتهم، والمعنى: أن الإنسان ينسب يوم القيامة إلى أمه ولا ينسب إلى أبيه، ثم قالوا: يكون هذا لحكم: منها: أن فيها تكرمة لعيسى بن مريم.
ومنها: أن فيها ستراً على أولاد الإثم.
وهذا القول منسوب إلى محمد بن كعب القرظي ﵁ ورحمه، وهو أحد سادات التابعين، وأصله يهودي من بني قريظة، ومعلوم أن النبي ﷺ يوم قريظة لم يقتل من لم ينبت من الغلمان، وهذا أبوه كعب كان ممن لم ينبت يوم قريظة فعفا عنه النبي ﷺ ، فكبر وأسلم وتزوج وأنجب محمداً هذا، فأصبح من سادات التابعين ومن أئمة التفسير، وكان جليل القدر عند الناس، وممن يغلب على الظن آنذاك أنه كان مجاب الدعوة، وقد حصل له ذات مرة مال كثير، فقال له أقرانه: ادخره لولدك، قال: إنما أدخره لنفسي عند ربي، وأدخر ربي لولدي، فادخر الله لولده بالعمل الصالح، ولم يدخر المال للولد.
ولا يمكن أن يقدم الأب لأبنائه عطية أعظم من العمل الصالح، قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]، إن الرجل إذا مات على خير فأول من يتعزى بموته أبناؤه، فإذا كان يوم القيامة وأدركه الأبناء على خير جمع الله جل وعلا بين الآباء والأبناء في جنات النعيم.
هذا هو محمد بن كعب القرظي ﵀ صاحب القول، وأنا تعمدت أن أذكر سيرته حتى لا ترد القول وأنت تجهل قائله، صحيح أن هذا القول فيه نظر، حتى قال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان: هذا قول باطل.
والذين قالوا: إنه قول باطل حجتهم أن النبي ﷺ قال كما في الصحيح مرفوعاً عن ابن عمر: (يقال يوم القيامة: هذه غدرة فلان بن فلان)، ونحن نقول والعلم عند الله: إن قول القرطبي أيسر أن يقال فيه نظر، أما قول الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه على جلالة قدرة وفضله وعلمه أنه قول باطل كلمة فيها شيء من الصعوبة، وإن كان الشيخ ﵀ لا يقصد القدح في القائل وإنما يقصد القول، ولذلك قال: هذا قول باطل ولم يتعرض الشنقيطي ﵀ للقائل، لكن نقول: لو قال فيه نظر تكون أرق، والعلم عند الرب ﵎، هذه الوقفة العلمية.
أما الوقفة الإيمانية: فإن يوم القيامة يوم جليل القدر عظيم الخطب تعرض فيه الصحائف على العباد، وقد جاءت به أحاديث كثر يشيب لها الغلمان، والمقصود: أن أي عمل كان منك في ليل أو نهار، في ظلمة أو ضياء، فهو مدون عليك، ويوم القيامة كما أخبر الله -ولا يجهل هذا أحد من المؤمنين- يعطى الإنسان صحيفة عمله فيرى ذنوبه كلها، إلا أن الكافر يراها كلها فيقول: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩].
أما المؤمن فإن الله جل وعلا يستره ثم يعرض عليه كتابه فيريه صغائر الذنوب، ويخفي عنه كبارها حتى يقرره على الصغائر فلا يردها ويعترف بها واحداً واحداً، وهذا حديث صحيح، فيقول في آخر الأمر عندما يرى أن الله لا يعرض عليه الكبار: يا رب قد بقيت ذنوب لا أراها هنا! فيقول الله جل وعلا: إنني قد سترتها عليك في الدنيا وإنني أغفرها لك في الآخرة.
وهذا محمول والعلم عند الله على التائبين، فمن تاب تاب الله جل وعلا عليه، والله جل وعلا أكرم وأرحم وأعظم وأجل وأغنى من أن يتوب على مؤمن في الدنيا من ذنب أياً كان ثم يوبخه عليه يوم القيامة، هذا لا يقع من كرام الملوك والسلاطين والأمراء، فكيف يقع من أرحم الراحمين ﷻ .
стр. 439
تأملات في قول الله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل)
قال الله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].
هذه الآية إلى مسار الفقه أقرب.
أولاً: أجمع المفسرون على أن المقصود بهذه الآية الصلوات الخمس، والصلوات الخمس أربع منهن متعاقبات، بمعنى أنه لا تفصل واحدة عن الأخرى في الوقت.
وتبدأ الصلوات من الظهر، وقد مر معنا أن صلاة الظهر أول صلاة صلاها النبي ﷺ فريضة، حيث نزل جبريل فأمه عند الكعبة بصلاة الظهر، وما إن ينتهي وقت صلاة الظهر حتى يدخل وقت صلاة العصر، وينتهي وقت صلاة العصر بغروب الشمس وهو دخول وقت صلاة المغرب، وينتهي وقت صلاة المغرب بغياب الشفق، وهو غياب الهلال الليلة الثالثة من كل شهر، فيدخل وقت صلاة العشاء فيمتد حتى نصف الليل كوقت اختيار، وإلى ثلث الليل الثاني كوقت اضطرار، ثم ينقطع وقت الصلوات، فيبقى من ثلث الليل الثاني إلى طلوع الفجر الصادق ليس وقت فريضة.
ومع طلوع الفجر الصادق يدخل وقت الفجر إلى طلوع الشمس، ثم من طلوع الشمس إلى زوال الشمس الذي هو دلوك الشمس لا يوجد صلاة فريضة، فأصبحت أربع متعاقبات وواحدة مفصولة، فالله يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨]، أي: زوالها على الأظهر.
﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨]، أي: اجتماع ظلمته واشتدادها.
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، (قرآن) إما أن تكون منصوبة بالفعل المضمر المعطوف أي: وأقم قرآن الفجر، وإما أن تكون منصوبة على الإغراء فيصبح المعنى: عليك بقرآن الفجر، وقد قال العلماء: إن الله قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، مما يدل على أن القراءة في صلاة الفجر ركن مهم جداً، كما دل قوله سبحانه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، على أن الأصل في صلاة الفجر الإطالة.
وقد يعرض عارض ينقلها عن الإطالة كما نقل أن النبي ﷺ قرأ في الفجر بالمعوذتين في سفر، لكن الأصل أنه كان يقرأ فيهما ما بين الستين ومائة وعشرين آية، وقرأ فيهما ذات مرة في الركعة الأولى بـ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، حتى وصل إلى الآية التي فيها ذكر موسى وهارون فأخذته بحة صلوات الله وسلامه عليه فركع.
وكان أبو بكر ﵁ ممن يطيل القراءة في صلاة الفجر، لكن قلنا قد يعرض عارض فيقرأ الإمام تخفيفاً، كقراءة بعض الأئمة أيام الامتحانات وما أشبه ذلك، ويحسن من الإمام أن يخفف إذا كان يعلم أن وراء الناس قضية مهمة.
ورد عن الشيخ عبد العزيز بن صالح في الحرم أنه في صلاة العيد كان يقرأ سورة الرحمن في الفجر، يطيل ويقرؤها ترتيلاً؛ ولكن لا يحسن أن يطيل الأئمة في بعض المساجد كما يطيلون في الحرم؛ لأن الذين في الحرم ليس وراءهم شيء، إنما ينتظرون الصلاة الأخرى، ولن يخرجوا، لكن لو قدر أن أحد الأئمة يوم العيد أطال على الناس في صلاة الفجر وقرأ سورة المؤمنون مثلاً فسوف يغضب الناس لأنه لم يدع لهم وقتاً يخرجون فيه حتى يغتسلوا ويذهبوا إلى صلاة العيد، لكن يكون هذا الأمر محموداً لو كان الناس سيصلون العيد في نفس المصلى، كما في الحرمين.
فعلى الإنسان أن يفقه الدين ويفقه أحكام الفقه قبل أن يتصدر في إمامة الناس، ويعرف متى يطيل ومتى يقصر! نقول: إن الأصل في قرآن الفجر الإطالة، والعلماء يقولون: إن أطول الصلاة التي يقرأ فيها: الفجر، ثم الظهر، ثم العصر والعشاء، ثم المغرب، ويقرنون بالظهر صلاة الجمعة.
فالأصل في صلاة المغرب التخفيف، والأصل في العصر والعشاء التوسط، والأصل في الظهر أن تكون طويلة نسبياً.
وقد دلت السنة على أن أطول الصلوات صلاة الفجر، وقد أخبر ﵊ تفسيراً لقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، أن قرآن الفجر تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وهنا أخذ العلماء فائدة وقالوا: بما أن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل والنهار، فصلاة الفجر لا توصف بأنها من صلاة الليل ولا توصف بأنها من صلاة النهار، والعلم عند الله.
стр. 440
تأملات في قول الله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح)
قال جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
الروح وردت في القرآن بمعنى القوة، ووردت بمعنى الوحي، ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢].
ووردت في القرآن اسماً لجبريل، ووردت صفة لعيسى بن مريم أو اسماً له.
ووردت في هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، واختلف العلماء في معناها، لكن أظهر الأقوال: أنها الروح المتصلة بالبدن، لكن الله لم يذكر في كتابه قضية الروح بمعنى: أنها متصلة بالبدن، إنما يسميها: نفساً، قال تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢]، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣]، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر:٢٧]، فلم يقل في القرآن (روح) للنفس داخل الجسد، ولهذا نقول: إذا خرجت من الجسد تسمى روحاً، والنبي ﷺ كما في الصحيحين: مر على ملأ من يهود فقال بعضهم لبعض: سلوه، قالوا: يا أبا القاسم ما الروح؟ فاتكأ ﷺ على عسيب نخل ومعه عبد الله بن مسعود، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
فالله جل وعلا يقول: إن الروح من أمره، ويقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، بمعنى ليس من السهل أن نتكلم عنها.
لكن نذكر فوائد: العلماء يقولون: إن الروح لها في البدن خمس اتصالات: تعلق حال كونه جنيناً، وتعلق حين خروجه، وتعلق حين منامه، وتعلق في البرزخ، وتعلق بعد البعث والنشور.
فيكون الاتصال اتصالاً كلياً، أما الاتصال الموجود حالياً ففيه شيء من الانفكاك، بدليل أن الإنسان ينام وترتفع روحه؛ هذه فائدة.
الفائدة الثانية: ما يجري من الأحكام على الأجساد لا يجري على الأرواح، فمثلاً: الجسد بطيء الحركة، ومع ذلك فالنبي ﷺ يقول وهو الصادق المصدوق: (إنه صلى بالنبيين إماماً في المسجد الأقصى)، ثم هؤلاء النبيون بعضهم صلى وراءه ثم لقيه في السموات، فقد رأى ﷺ أرواحهم؛ لأن أجسادهم موجودة في الأرض لم تبعث، ومع ذلك فالأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، فروح نبينا ﷺ في أعلى عليين لكن جسده في حجرة عائشة في مدفنه إلى اليوم.
فنقول: إن النبي ﷺ رأى أرواحهم، ولهذا يقول العلماء: إن تنقل الأرواح لا يجري عليه نفس الحكم الذي يجري على تنقل الأجساد.
أما كيف تتنقل فالله أعلم، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]؛ لأن هذا أمر لم نحط به علماً ولم يخبرنا الله جل وعلا به.
إن العلماء يقولون: إن أرواح الموتى تتلاقى، وقد دلت على هذا آثار ورؤىً للصالحين تكاد تكون متواترة لا تكذب.
كما أن أرواح الموتى وأجسادهم تنتفع بدعاء الناس، والمؤمن يعلم أن من أعظم ما يعين في الدنيا والآخرة دعاء الله، فلا يحتقرن أحد أن يدعو الله لنفسه أو لغيره، فإن الإنسان لا يدري أي الدعاء أسمع، فكم من مكروه حميت منه بدعائك أو بدعاء والدتك أو برجل يحبك.
ذكر ابن القيم وغيره: أنه كان رجل صالح بينه وبين المسجد مقبرة في الطريق، فإذا غدا إلى المسجد أو راح يسلم على أهل المقبرة ويقول: اللهم آنس وحشتهم وارحم غربتهم، ويمضي، فذات يوم نسي أن يدعو لهم، فلما رجع إلى بيته ونام رأى في المنام رجالاً في ثياب بيض يسلمون عليه قال: من أنتم يرحمكم الله؟ قالوا: نحن الموتى الذين في المقبرة التي بجوارك كان الله جل وعلا ينفعنا بدعائك ويخفف عنا فلما نسيتنا اليوم لم ننتفع بشيء.
والمقصود: أن الميت لا ينفع غيره وإنما هو الذي ينتفع، فهو ميت انقطع أجله، ولا يملك لنفسه ولا لغيره حولاً ولا طولاً، لكن قد ينتفع الميت وغير الميت بدعاء المؤمنين، ولو لم يكن للدعاء فائدة ونفع لما قال الله عن الصالحين: إنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
هذا بعض ما يتعلق بعالم الأرواح، والعلم عند الرب ﵎.
стр. 441
تأملات في قول الله تعالى: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات)
قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠١ - ١٠٤].
هذه الآية فيها أن الله أعطى موسى التسع الآيات، لكن نريد أن نبين فيها التدرج في الدعوة، فإن الله قال لموسى لما بعثه إلى فرعون مع أخيه: ﴿فَقُوْلَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، لكن موسى هنا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وهذا ليس قولاً ليناً؛ إذ أن معنى الآية: أن موسى بدأ بالقول اللين حتى استفزه فرعون وأراد أن يخرجه من الأرض وآذاه، فغير موسى خطابه وقال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢].
فلما قال فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:١٠١]، قال موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء:١٠٢]، أي: الآيات، ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]، أي: حججاً وبراهين، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء:١٠٢ - ١٠٣]، أي: أخرجناه وأنجينا موسى فالأرض هي أرض مصر؛ لأن القرآن يذكر أنها أرض مصر التي كان يسكنها بنو إسرائيل وأراد فرعون أن يخرج موسى منها.
ثم قال الله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، السابقون من المفسرين يقولون: إن المقصود بالأرض هنا: أرض مصر والشام، وقوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء:١٠٤]، أي: يوم القيامة، على القول بأن: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، أي: مخلوطين ممزوجين مع الناس.
وعلى القول الآخر أي: أنكم مخلوطون قبل يوم القيامة مع الناس.
والظاهر والعلم عند الله: أن الأرض هنا غير الأرض في الآية الأولى، فقوله جل وعلا: ﴿اسْكُنُوا الأَرْضَ﴾ [الإسراء:١٠٤]، لم يحدد لهم فيها موطناً يسكنون فيه، فهذا أمر قدري، والمعنى والعلم عند الله ولا نجزم به: أن الله فرقهم في الأرض، بمعنى اسكنوا الأرض جميعاً، ولذلك انتشر اليهود في أكثر أرجاء العالم.
فقول الله بعدها: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ﴾ [الإسراء:١٠٤]، أي: باليهود: ﴿لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، يعني: مجتمعين من كل مكان، وهذا واقع في عصرنا كما بينا في الدرس الأول: أن اليهود قدموا من جميع أصقاع العالم ونقلوا إلى دولة إسرائيل، فسكنوا الأرض متفرقين، ويدل عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف:١٦٨]، أي: متفرقين، ولذلك يقال: يهود الدونمة، يهود الفلاشى الذين كانوا يسكنون الحبشة، وقلنا: كان في اليمن أربعة ألاف يهودي هاجروا إلى فلسطين، كما هاجر إليها يهود من بولندا، ولذلك فإن زعماء إسرائيل من دول متفرقة.
ولذلك اليهود تاريخياً في سكناهم لدول العالم كانوا يأخذون حارات تسمى: حارات اليهود، واليهود ليسوا قوماً يملكون دعوة، أي فهم لا يدعون أحداً لليهودية، وليسوا كالمسلمين أو كالنصارى الذين يسمون دعوتهم تبشيراً، فديننا ولله الحمد دين هداية، ولذا ندعو غيرنا، أما اليهود فلا يدعون إلى دينهم؛ لأن دينهم بالتوارث عبر الأم، يعني: من خلال الأم لا من خلال الأب، وهو دين عنصري لا يتجاوزهم إلى غيرهم.
فسكنوا الأرض في كل مكان، ثم لما قامت دولة إسرائيل تحقق الوعد القرآني: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، هذا كله خطاب الله عن بني إسرائيل.
стр. 442
تأملات في قول الله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل)
قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الإسراء:١٠٥]، وهذا عائد إلى القرآن.
قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء:١٠٥]، أي: متلبساً به، والمعنى: أنزلناه متضمناً للحق متلبساً به، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء:١٠٥].
قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء:١٠٦]، تقرأ بالتشديد وتقرأ بالتخفيف: ففرقناه، بتخفيف الراء معناه: فصلنا فيه، و (فرّقناه)، بتشديد الراء أي: أنزلناه مفرقاً منجماً.
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء:١٠٧]، هذه آية وعيد، وأمر يراد به التهديد.
قال جل وعلا: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].
قال محمد بن إبراهيم التيمي ﵀: إن من لم يبكه القرآن لخليق ألا يكون قد أوتي علماً، ثم تلا قول الله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].
ختم الله جل وعلا السورة بقوله سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١].
وسأذكر فائدتين حول هذه الآية: فهذه الآية يسميها العلماء: آية العز، وفيها حديث وإن كان في سنده مقال، لكن أكثر أهل العلم يرتضي هذه التسمية، وبعض الآيات لها أسماء، فآية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وآية السيف: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء:٨٩]، وآية المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١]، وآية المباهلة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١]، وآية العز هي التي بين أيدينا الآن: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١]، هذه الفائدة الأولى.
الفائدة الثانية: قيل -والعلم عند الله-: إن هذه الآية ختم الله بها التوراة، والتوراة يقولون: إنها مستفتحة بقول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، فبعض العلماء يقول: إن أول آية في التوراة أول الأنعام، وآخر آية في التوراة آية العز التي هي آخر آية في الإسراء.
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، والعلم عند الله.
وصلى الله على محمد، وعلى آله.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 443
سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة التوبة [١]
تشتمل سورة التوبة على جملة من الأحكام المتعلقة بعلاقة المسلمين بالمشركين وأهل الكتاب، ففيها إعلان البراءة من المشركين، وبيان الموقف الحربي من المشركين غير ذوي العهد، والأمر بإجارة المستجير ودعوته إلى الإسلام، وذلك أمر يتضمن التفريق بين جملة المشركين، والحرص على إيصال الهدى إلى من يطمح في إسلامه.
стр. 444
ذكر نسبة سورة التوبة وعدد آياتها وزمن نزولها
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا درس حول تأملات لنا في كتاب ربنا ﷻ ، وقد كنا قد انتهينا إلى سورة الأنفال، وسنشرع في هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- في تأملات في سورة التوبة، سائلين الله جل وعلا التوفيق لما يحبه ويرضاه، والعون والسداد على التأمل فيه.
وإن المخاطب بمثل هذه التأملات هم طلبة العلم في المقام الأول، ولهذا يهمنا جداً أن نعرج على ما في الآيات من مسائل علمية يحسن تدوينها، والمقصود من هذه الدروس وأضرابها إنشاء جيل قرآني يتدبر القرآن، وهذه مساهمة -لا أكثر ولا أقل- في إحياء جيل ينشأ على تدبر القرآن؛ لأن الله جل وعلا نعى إلى أهل الإشراك غفلتهم عن القرآن بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
فنقول مستعينين بالله جل وعلا: سورة التوبة سورة مدنية، وعدد آياتها مائتان وتسع وعشرون آية، وهذه السورة من آخر ما نزل من القرآن، كما ثبت عند البخاري في صحيحه في كتاب التفسير من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن سورة براءة آخر ما نزل.
وليس المقصود بأنها آخر ما نزل كآية، وإنما هي آخر ما نزل كسورة مجملة، وأما آخر آية نزلت ففيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: هي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] وهو الأظهر، ومنهم من قال: هي آية المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] وقيل غير ذلك، ولكن هذين هما المشهوران.
стр. 445
أهمية فهم التدرج في الأحكام والأمر بالتبليغ
وقبل أن نشرع في تفسير الست الآيات الأول منها نقدم إجمالاً عن هذه السورة، فنقول: النبي ﷺ أنزل الله عليه القرآن، وأول ما أنزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فلم يؤمر ﷺ بأن يبلغه للناس، وكان يقرؤه في نفسه، ومن سنة الله في خلقه التدرج وعدم إعطاء الشيء دفعة واحدة، فمن رام شيئاً دفعة واحدة سيسقط عما قريب، ولكن الله جل وعلا له سنن لا تتبدل ولا تتغير، والله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، وهو القائل لعبده: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢] فلا يعطى الإنسان العطايا مرة واحدة، وإنما يتدرج في ذلك، وعلى هذا بنيت الدنيا، وعلى هذا أجرى الله السنن في الكون.
فهذا النبي الكريم أنزلت عليه سورة العلق ولم يقل له ربه: ادع الناس، ولم يقل له: اتل القرآن على الناس، فلما نزل من ذلك الجبل خائفاً وجلاً، وضمته زوجته خديجة ﵂، وآوته واطمأنت نفسه أنزل الله جل وعلا عليه سورة المدثر وأمره بأن ينذر عشيرته الأقربين الذين حوله، ولم يؤمر بأكثر من هذا، ثم بعد ذلك أمر بالعرب الذين في مكة وحولها، كما قال الله: ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام:٩٢].
والقرآن يجب أن يفهم مقروناً بالسنة؛ لأن من أخطاء من وقع في كتاب ربنا جل وعلا أنهم فهموا القرآن مجزوءاً، ولم ينظروا إلى سيرته ﷺ وسنته ليفهموا القرآن، ومن أراد أن يفهم القرآن من غير السنة، ومن غير سيرة النبي ﷺ فلن يفهم شيئاً، وهذا هو الذي وقع فيه الخوارج الأولون لما حاربوا الصحابة؛ لأنهم لم يفهموا مراد الله على ما أراده الله من رسوله ﷺ ، فالله يقول: ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام:٩٢] ولكن لا يقصد الله من هذا نهاية النذار، وإنما هي التهيئة التدريجية.
ثم أمره الله بأن ينذر العرب قاطبة، ثم لما مكن الله له في الأرض صلوات الله وسلامه عليه، وعقد صلح الحديبية مع أهل مكة واطمأن أخذ ﷺ في عالمية الدعوة، فراسل الملوك والزعماء آنذاك ليحقق قول الله جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وقوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
وفي ظل هذا المفهوم يفهم الإنسان المقصود من سورة التوبة.
стр. 446
بيان طبيعة المرحلة الزمنية التي نزلت فيها السورة
فهذه السورة من آخر ما نزل، حيث نزلت في العام التاسع من الهجرة في شهر رجب، وفي سنة تسع من الهجرة خرج النبي ﷺ بجيش العسرة إلى تبوك، وقد سميت هذه الغزوة في القرآن بغزوة العسرة، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧] وسماها النبي ﷺ في السنة غزوة تبوك، ولذلك لما تكلم الإمام البخاري ﵀ عنها قال: (باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة)؛ ليجمع بين تسمية السنة وتسمية القرآن.
ففي العام التاسع من الهجرة خرج ﷺ بجيش العسرة إلى تبوك، وفي ذلك الوقت كان هناك شح في المال، وضمور في الثمار، وحر في المناخ، فأصاب الناس فتن، فانقلبوا فكانوا أقساماً في اتباعهم للنبي ﷺ ، فمنهم المثبطون المحبطون، ومنهم الناصرون، ومنهم البكاءون، فنزلت هذه السورة تبين حال المجتمع المدني وقت أن دعا النبي ﷺ الصحابة واستنفر الناس لغزوة العسرة، وكشفت الكثير من الأسرار كما سيأتي.
ثم عاد ﷺ من تبوك من تخوم البلقاء، وأذعن له الروم عامة، بمعنى أنه لم تحصل حرب، واطمأن ﷺ بأن الروم لن تغزوه، فرجع من تبوك حين لم يجد قتالاً، ورجع إلى المدينة، فأراد ﷺ أن يحج في العام التاسع، ثم قال: إن العرب يحجون عراة، وأنا لا أريد أن أحج على هذا الحال، فأمر أبا بكر بأن يخرج في الناس أميراً على الحج؛ لأن مكة كانت قد فتحت في العام الثامن، فبعث النبي ﷺ أبا بكر أميراً على الحج، ثم بعد ذلك أتبعه بـ علي بن أبي طالب ليظهر في الناس مقدمة سورة براءة، وهي الآيات الخمس الأول أو الست الأول من سورة براءة، وهي -وإن كانت في مقدمة السورة- من آخر ما نزل في نفس السورة؛ لأن السورة تكلمت عن المنافقين وعن حالهم مع النبي ﷺ بين رجب إلى ذي الحجة، ثم نزلت مقدمة السورة فأمر النبي ﷺ أصحابه بأن يجعلوها في المقدمة.
فالقرآن الذي نقرؤه اليوم ترتيبه ليس على ترتيب نزوله، وهذا من أهم ما يجب أن تعلمه، فالفاتحة -مثلاً- أول القرآن، ولكنها ليست أول سوره، فالآيات الخمس من سورة العلق هي أول ما نزل، فترتيب القرآن ليس ترتيباً بحسب النزول، وإنما لحكمة توقيفية أرادها النبي ﷺ بأمر ربه، فكان يملي على الكتبة ويقول: افعلوا كذا، واتركوا كذا، وضعوا الآية في مكان كذا، والسورة بعد كذا، فترتيب سور القرآن ترتيب توقيقي من النبي ﷺ نفذه الصحابة.
والذي يعنينا أن هذا هو المناخ العام لفهم سورة التوبة.
стр. 447
الموضوعان الرئيسان لسورة براءة
فينجم عما سبق ذكره أن سورة التوبة ذكرت مواضيع عدة، ولكن يمكن أن يقال: إن هناك موضوعين رئيسين تضمنتهما سورة التوبة: الموضوع الأول: علاقة المسلمين بالمشركين وأهل الكتاب.
الموضوع الثاني: كشف أسرار المنافقين، وحال الناس مع النبي ﷺ في المدينة وفي جيش العسرة على وجه الخصوص.
فهذان هما الموضوعان الرئيسان اللذان تعرضت لهما سورة التوبة.
стр. 448
تفسير قوله تعالى: (براءة من الله ورسوله)
قال الله جل وعلا: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:١ - ٦].
стр. 449
ذكر سبب ترك البسملة في أول براءة
إن أول ما يلفت النظر في هذه السورة أنها ليست مصدرة بالآية الشهيرة: (بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ)، ولذلك اختلف العلماء في علة عدم تصدير سورة براءة (بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ) على أقوال عدة، وأشهر هذه الأقوال ثلاثة، وسنبدأ بالأضعف ثم الأقوى، ثم نرجح ما نراه راجحاً على عادتنا في التفسير.
فقد قيل: إن من أسباب عدم ذكر (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول سورة براءة أنه جرت عادة العرب على أنه إذا كان بين قوم وقوم عهد، فأراد طرف أن ينقضه كتبوا إلى الطرف الآخر كتاباً غير مصدر بالبسملة، وهؤلاء يعنون بكلمة: (بسم الله الرحمن الرحيم) (باسمك اللهم)، فهذا قول ذكره العلماء، وهو أضعف الأقوال.
القول الثاني: ما رواه الحاكم في المستدرك وأحمد في المسند من حديث ابن عباس ﵄ أن ابن عباس سأل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقال له: (لم جعلتم سورة الأنفال -وهي من المثاني- قبل سورة التوبة -وهي من المئين- ولم تجعلوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ فقال عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه لـ ابن عباس: إن النبي ﷺ كان إذا نزلت عليه السورة أو الآية يقول: ضعوها في مكان كذا في سورة كذا بعد كذا وكذا، وإن سورة الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وإن سورة التوبة من آخر ما نزل، فمات النبي ﷺ دون أن يبين لنا هل هما سورة واحدة أم لا، فاختلف الصحابة، فمنهم من قال: إنهما سورة واحدة، ومنهم من قال: إنهما سورتان، فلم يفصلوا بينهما، وجعلوا بينهما فرجة، حتى يعرف أنهما سورتان منفصلتان، ولم يكتب بينهما (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى يبقى قول من قال: إنهما سورة واحدة.
يعني أن الصحابة تراضوا على هذا القول، حيث جعلوا بينهما فرجة حتى يرضوا من قال: إنهما سورتان، ولم يكتبوا (باسم الله الرحمن الرحيم) حتى يرضوا من قال: إنهما سورة واحدة.
وهذا القول اختاره العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، وقال كعادته: قال مقيده عفا الله عنك الله عنه: وهو أظهر الأقوال عندي.
أي: عند الشنقيطي ﵀.
وهذا بناء على صحة الحديث، والحديث رواه الحاكم كما قلت، وقال: صحيح على شرطيهما ولم يخرجاه.
أي: على شرطي البخاري ومسلم، ولم يخرجاه في الصحيحين.
قلت: رواه أحمد في المسند، ورواه البيهقي في السنن، ولكن قال الألباني ﵀: إن الحديث ضعيف، وأغرب منه قول العلامة أحمد محمد شاكر محقق كتاب المسند: إن الحديث موضوع لا أصل له.
ولم أطلع إلى الآن على نص كلامه.
والحق أن المتن يؤيد قول أحمد محمد شاكر ﵀؛ لأن الحديث فيه أن النبي ﷺ مات ولم يبين لهم هل هما سورة أو سورتان، وهذا صعب أن يقال، فمتن الحديث يؤيد قول العلامة أحمد محمد شاكر: إن الحديث لا أصل له.
وممن رأى صحة الحديث من العلماء الترمذي، فقد حسنه وأخذ به، والأثر مقدم على العقل ومقدم على الرأي عند كثيرين، فلذلك اختار الشنقيطي ﵀ أن أظهر الأقوال هو هذا القول المحكي عن عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
القول الثالث: مروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وعن سفيان بن عيينة المحدث المشهور، وهذا القول هو الذي عليه أكثر العلماء، وهو الذي نراه ونرجحه ونختاره والله أعلم، وهو أن سورة براءة نزلت بالسيف، و (بسم الله الرحمن الرحيم) فيها أمان ورحمة، والأمان والرحمة لا يتفقان مع السيف، فسورة براءة نزلت بالسيف والبراءة من أهل الإشراك، وإثبات الحجة على المنافقين، وهذا لا يتفق مع قوله جل وعلا: (بسم الله الرحمن الرحيم).
هذا مجمل الأقوال الثلاثة التي ذكرها العلماء ﵏ في علة ترك تصدير سورة براءة بقول الرب جل وعلا: (بسم الله الرحمن الرحيم).
وبقية الأقوال يجب ألا ينظر فيها؛ لأنها بعيدة جداً -فيما نحسبه- عن الصواب، والله تعالى أعلم.
стр. 450
ذكر سبب تسميتها بالفاضحة
هذه السورة من أسمائها الفاضحة، وهذا مروي عن ابن عباس؛ لأنها فضحت أحوال أهل النفاق، وكما رواه سعيد بن جبير.
وسعيد بن جبير تلميذ ابن عباس، وهو أحد مشاهير التابعين، خرج على الخليفة عبد الملك بن مروان فقتله الحجاج بن يوسف بأمر عبد الملك بن مروان في فتنة عبد الرحمن بن الأشعث.
ولما قتل الحجاج سعيد بن جبير قال الإمام أحمد ﵀: قتل الحجاج سعيداً وما من أحد من أهل الأرض إلا وهو مفتقر إلى علم سعيد.
والذي يعنينا أن سعيد بن جبير يقول: سألت ابن عباس عن سورة براءة فقال: هي الفاضحة، ما زال ينزل (ومنهم ومنهم ومنهم)، يعني: يذكر الله فيها المنافقين بصفاتهم، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ [التوبة:٥٨] إلخ الآيات، يقول: فما زال ينزل: (ومنهم ومنهم ومنهم) حتى خفنا ألا تدع أحداً منهم.
فلذلك سميت بالفاضحة؛ لأنها فضحت أحوال أهل النفاق والعياذ بالله.
وقد أوصل الزمخشري ﵀ عدد أسماء السورة إلى أربعة عشر اسماً في كتابه الكشاف، والزمخشري عالم لغوي شهير، ولكن عقيدته هي عقيدة المعتزلة، فـ جار الله الزمخشري ﵀ وعفا عنه- من مشاهير المعتزلة، ودافع عن مذهبهم دفاعاً صلباً، وإن كان من أفذاذ العلماء في اللغة، وقد مات وأفضى إلى ما قدم.
فالذي ذكره أربعة عشر اسماً للسورة، وكلها تدور في فلك واحد حول قول سعيد بن جبير: إنها الفاضحة.
стр. 451
بيان معنى البراءة والجهة الكفرية المقصودة بها
يقول تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١] هنا متبرئ ومتبرأ منه، فالمتبرئ هو الله ورسوله، والبراءة من الذين عاهدتم من المشركين، والبراءة: الانفكاك والتخلص من الشيء، ولا تكون البراءة من شيء إلا إذا كنت لا تريده بالكلية، وهي أعظم صفات الانفكاك من الأشياء، فلو تعاملت مع أحد وأخذت صك براءة فلا يستطيع خصمك أن يطالب بأي شيء؛ لانفكاك تماماً عنه.
و (براءة) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين.
وكان الناس حول النبي ﵊ ثلاثة أقسام: أهل حرب، وأهل ذمة، وأهل عهد، فأهل الحرب الذين يحاربونه وبينه وبينهم حروب، وأهل العهد هم في الأصل محاربون، ولكن يوجد بينه وبينهم عهد لمدة معينة، وأهل الذمة غير مسلمين يعيشون تحت حكم المسلمين، كاليهود الذين كانوا أفراداً في المدينة.
والخطاب هنا ليس موجهاً لأهل الحرب ولا لأهل الذمة، بل موجه لأهل العهد، حيث قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١].
стр. 452
بيان معنى قوله تعالى (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)
وهذه البراءة فيها: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٢].
ومعنى الآية: أن من كان بينه وبين النبي ﷺ عهد، أو لم يكن بينه وبين النبي ﷺ عهد فقد جعل الله لهم أربعة أشهر، وهذه الأربعة الأشهر هي الأشهر الحرم التي حرم الله فيها على المسلمين قتال أهل الإشراك.
ثم قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ والخطاب للمشركين، أي: أقبلوا وأدبروا، واغدوا وروحوا، واذهبوا كيف شئتم، فلن ينالكم أذى من المسلمين، فهذا بأمر من الله، ولكن بعد الأربعة الأشهر ينتهي الأمان.
стр. 453
بيان معنى قوله تعالى (واعلموا أنكم غير معجزي الله)
ثم قال الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة:٢]، أي: وإن أذن الله قدراً وشرعاً أن تبقوا أربعة أشهر تسيحون في الأرض؛ فإن ذلك لا يعني أبداً خروجكم وانفكاككم عن سلطان الله؛ لأن هذا العطاء من الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٢]، أي: الخزي للكافرين واقع لا محالة في الدنيا والآخرة، واقع في الدنيا بالحرب والقتل والأسر، وبما يقع لهم من التعذيب والنكال، ويقع في الآخرة بشيء واحد هو عذاب النار.
وقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] يجب أن تعلم أن المخاطب به المشركون، ولذلك لا يجوز نزع الآية من سياقها والاحتجاج بها، وقد قرأت مرة لأحدهم يكتب عن السياحة على أنه يجوز للمؤمن السياحة مطلقاً في أي ديار، فقال: فإن السياحة مباحة، قال الله جل وعلا: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢].
وهذا إخراج للنص عن سياقه ووضعه في موضع غير موضعه.
فقوله تعالى: (فسيحوا في الأرض) المخاطب به المشركون، والمقصود أن لكم أماناً من الله بأن تبقوا في الأرض أربعة أشهر أعطاكم الله إياها حتى يراجع المرء منكم حسابه، ويتدبر في أمره، فربما يفيء إلى أمر الله، وبعد ذلك ينتهي الأمان الذي أعطاهم الله جل وعلا.
стр. 454
تفسير قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم)
ثم قال الله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣].
الأذان في اللغة: هو الإعلام، وهذا الأذان تولاه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وذلك أن النبي ﷺ بعث أبا بكر أميراً على الحج، فلما وصل أبو بكر إلى ذي الحليفة بعث النبي ﷺ بعده علياً، وقد حج أبو بكر بالناس على ناقة النبي ﷺ العضباء، فبعث النبي ﷺ علياً بمقدمة سورة براءة، فانطلق حتى لحق بـ أبي بكر بذي الحليفة المسماة اليوم بأبيار علي، ولا علاقة لـ علي بها، وإنما جاءت التسمية متأخرة، أما على عهد الصحابة والتابعين فلم تكن تسمى بأبيار علي.
والذي يعنينا أنه وصل علي إلى أبي بكر، فقال أبو بكر لـ علي -وهذا من أدب الصحابة-: أمير أم مأمور؟ فقال علي ﵁: بل مأمور.
ولما أمر الله نبيه ﷺ بأن يتبرأ من أهل الإشراك، وأن يبين حاله مع مشركي العرب، وأن الإسلام دين واضح لا خداع فيه ولا تمويه، لما أمر الله نبيه بأن يفعل ذلك كانت العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لا يبلغها إلا الرجل بنفسه أو رجل من عصبته، ولا شك في أن علياً -من حيث القرابة والعصبة واللصوق بالنبي ﷺ أقرب من أبي بكر، وإن كان أبو بكر أفضل من علي قطعاً، ولكن علياً ألصق بالنبي ﷺ من أبي بكر، بل ألصق بالنبي ﷺ من كل أحد؛ لأنه زوج ابنته، وتربى في حجره، وهو ابن عمه، وقد قال الإمام أحمد ﵀: لم يجمع لأحد من أصحاب النبي ﷺ من الخصائص ما جمع لـ علي.
وهو الذي تولى غسله ﵊، فالصحابة الذين كانوا من آل البيت لم يكونوا كذلك مع النبي ﷺ يوم وفاته، يعني: فـ العباس كان يسند يده لظهر النبي ﷺ ، ولكن الذي كان يباشر الغسل هو علي ﵁، ولما نزلوا في قبره ﵊ كان علي هو الذي باشر دفنه صلوات الله وسلامه عليه، فـ علي من حيث القرابة ألصق بالنبي ﷺ -فيما نعلم- من كل رجل، وإن كان العباس عم النبي ﷺ وله مزية، ولكن تأخر إسلام العباس جعل لـ علي تلك السابقة.
فالرسول ﷺ يعلم حال العرب الذين لهم أعراف وعادات يحكمها النظام القبلي القديم، فبعث علياً بفواتح سورة براءة مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فكان الأمير أبا بكر، وكان تبليغ البراءة مسنداً إلى علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 455
بيان المراد بيوم الحج الأكبر
يقول تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ [التوبة:٣]، ولم يبين الله الأذان والإعلام وذكر الله الزمن تشويقاً فقال: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣]؛ واختلف العلماء ﵏ المقصود بيوم الحج الأكبر على أقوال، ولكن هذه الأقوال تنتهي إلى قولين، ومن قواعد العلم تضييق المسافات حتى تصل إلى قمة الهرم، فمن العلماء من قال: إنه يوم عرفة، وهو منقول عن كثير من الصحابة، والذي عليه أكثر العلماء وأهل التحقيق أنه يوم النحر، وسمي يوم الحج الأكبر لأنه لا تجتمع أعمال الحج في يوم كما تجتمع في يوم النحر، وهذا هو الذي يظهر والله أعلم.
стр. 456
بيان أثر الإيمان وأثر الشرك في عقد الولاية
قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٣]، والغاية المجملة من الآية براءة الرب جل وعلا ورسوله ﷺ من أهل الإشراك، وهذا يدل على أنه ليس بين المؤمن والمشرك أي عقد من الولاية، وبين كل مؤمن ومؤمن عقد من الولاية بأصل الإيمان فمع اختلاف اللغات والجنسيات وتباعد الديار، وما أحدثه الاستعمار من فرقة يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فأنت ومن في أقصى الشرق أو في أقصى الغرب أخوان في الملة والدين، ولو أن أخاك لأمك وأبيك كان كافراً فليس بينك وبينه أي ولاية، فلا ترثه ولا يرثك، والله يقول عن إمام الحنفاء إبراهيم: ((فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ)) أي: من حال أبيه ﴿أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، والمقصود من هذا أن الله جمع المؤمنين بتوحيده وخالف بينهم وبين أهل الإشراك لأنهم أشركوا، فقال الله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٣].
стр. 457
ذكر ما بعث به رسول الله به علياً لينادي به في الناس
وهذه البراءة لم تكن وحدها الأمر الذي ذهب به علي، وإنما أمر علي بأن ينادي في الناس بأربعة أمور.
أولها: أن لا يطوف بالبيت عريان، حيث كانت قريش تسمي نفسها: الحمس، ويقولون لمن يقدم عليهم من خارج مكة: لا يجوز لك أن تطوف في ثياب، فإما أن تشتري ثوباً من قرشي، وإما أن تأخذ ثوباً من أحد من قريش، وإما أن تطوف عرياناً، فكان الناس بعضهم يطوف عراة على فقه قريش، فأمر النبي ﷺ علياً بأن ينادي بأن لا يطوف بالبيت عريان.
الثاني: أن لا يدخل مكة بعد هذا العام مشرك، وهذه قالها الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، فلا يقرب المسجد الحرام مشرك.
الثالث: أن من كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته.
الرابع: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ختم الله لنا ولكم بالإيمان، وأدخلنا الله وإياكم الجنة.
فهذه الأمور التي أذن بها علي رضي الله تعالى عنه في الحج كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٣].
стр. 458
بيان عامل الواو النحوية وتوجيه المعنى عليها
وقوله تعالى: (وَرَسُولِهِ) الواو هنا تحتمل احتمالين: الاحتمال الأول: أن تكون عاطفة، والاحتمال الذي عليه القراءة اليوم أن تكون استئنافية.
فإن كانت عاطفة فلها من حيث التصور احتمالان.
الاحتمال الأول -والاعتقاد به كفر- أن يقرأها القارئ: (وأذان من الله ورسوله يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله)، فتعطف الرسول على المشركين، فيصبح معنى الآية في غير القرآن أن الله متبرئ من المشركين ومتبرئ من رسوله، وقد سمع أعرابي رجلاً يلحن ولا يعرف قواعد اللغة، وعنده أعرابي قليل الفقه، فقرأ الرجل العامي: (أن اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولِه)، فقال الأعرابي: برئت من رسول الله، برئت ممن برئ الله منه.
وهذا الأمر كان أحد أسباب قيام علم النحو؛ فإن أبا الأسود الدؤلي يقولون عنه: إنه لما سمع هذا الأعرابي ذهب إلى علي ﵁ وأخبره الخبر، فقال له: انح للناس نحواً.
صنع علم النحو، وهذه لا يقولها مسلم إلا جهلاً، ولا يوجد مسلم يعتقدها أو يقولها.
الأمر الثاني: أن تكون (رسوله) معطوفة على لفظ الجلالة، فتقرأ بالنصب، فيصبح المعنى: أن الله ورسوله بريئان من المشركين.
والمعنى هنا يستقيم.
الحالة الثالثة: أن تقول: (أن الله بريء من المشركين) وتقف، وتأتي بالواو استئنافية لكلام جديد، والمعنى: ورسوله كذلك بريء من المشركين.
وهنا الواو تسمى واواً استئنافية، وحق الاسم هنا أن يرفع؛ لأن ما بعد الواو الاستنافية يعرب مبتدءاً.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة:٣] والخطاب للمشركين، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣].
стр. 459
تفسير قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥].
هذه الآية تسمى آية السيف، وقد عرفنا أن هناك سوراً من القرآن لها أسماء، ولكن ينبغي أن تعلم أن هناك آيات من القرآن لها أسماء، فأشهر آية في القرآن مسماة بآية الكرسي، وهي قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥].
ثم بعدها آية الدين، أو آية المداينة، وهي الآية الثانية والثمانون بعد المائتين من سورة البقرة، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، والآية الثالثة منها آية المباهلة في سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١].
الآية الرابعة منها هي آية السيف، وهي الآية الخامسة من سورة براءة، وسميت آية السيف لأن الله أمر فيها بالقتال، وقال بعض العلماء: إن هذه الآية ناسخة لكل ما في القرآن من أمور الكف والإعراض، فالله تعالى يقول: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف:٨٩]، ويقول: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم:٢٩]، وأمر نبيه بالصبر، فقالوا: هذه الآية ناسخة لكل ذلك.
وقال بعضهم: إن آية سورة محمد: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] ناسخة لآية السيف، وقال آخرون: إن آية السيف ناسخة لآية سورة محمد، والحق أنه لا تنسخ إحداهما الأخرى، وإنما العمل بها جميعاً، وكل منهما توضع في موضعها الذي سيظهر من سياق الكلام.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة:٥]، يعني: مرت وانتهت، والأشهر الحرم تحتمل معنيين: الأول: الأشهر الحرم التي في الذهن، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، فثلاثة سرد هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد فرد، وهو رجب، وسميت بالأشهر الحرم لأن الله حرم فيها على المسلمين قتال المشركين، فمن هذا المعنى أخذت كلمة الحرم.
يقول تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، ومن هنا أخذ العلماء أن هذه الآية اسمها آية السيف.
стр. 460
بيان أنواع تخصيص العموم
وفي القرآن عام وخاص، وفي القرآن ناسخ ومنسوخ، وبينهما فرق دقيق، فانسخ لا يقع في الأخبار، والتخصيص يقع في الأخبار، والنسخ يقع في الشرائع، ولكن التخصيص لا يقع بين شريعة وأخرى، فهذا من حيث الإجمال.
وأما من حيث التفصيل فإن العام له ألفاظ، ومن أشهر ألفاظه أم الباب، وهي كلمة (كل)، وهي من أعظم ألفاظ العموم في القرآن، وهي أم الباب، ويتبعها أدوات الاستفهام، وأدوات الشرط؛ ويتبعها بعد ذلك الأسماء الموصولة، ثم المضاف إلى معرفة.
следующие страницы →