← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بيان أثر الإيمان وأثر الشرك في عقد الولاية قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٣]، والغاية المجملة من الآية براءة الرب جل وعلا ورسوله ﷺ من أهل الإشراك، وهذا يدل على أنه ليس بين المؤمن والمشرك أي عقد من الولاية، وبين كل مؤمن ومؤمن عقد من الولاية بأصل الإيمان فمع اختلاف اللغات والجنسيات وتباعد الديار، وما أحدثه الاستعمار من فرقة يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فأنت ومن في أقصى الشرق أو في أقصى الغرب أخوان في الملة والدين، ولو أن أخاك لأمك وأبيك كان كافراً فليس بينك وبينه أي ولاية، فلا ترثه ولا يرثك، والله يقول عن إمام الحنفاء إبراهيم: ((فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ)) أي: من حال أبيه ﴿أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، والمقصود من هذا أن الله جمع المؤمنين بتوحيده وخالف بينهم وبين أهل الإشراك لأنهم أشركوا، فقال الله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٣].

стр. 457

ذكر ما بعث به رسول الله به علياً لينادي به في الناس وهذه البراءة لم تكن وحدها الأمر الذي ذهب به علي، وإنما أمر علي بأن ينادي في الناس بأربعة أمور. أولها: أن لا يطوف بالبيت عريان، حيث كانت قريش تسمي نفسها: الحمس، ويقولون لمن يقدم عليهم من خارج مكة: لا يجوز لك أن تطوف في ثياب، فإما أن تشتري ثوباً من قرشي، وإما أن تأخذ ثوباً من أحد من قريش، وإما أن تطوف عرياناً، فكان الناس بعضهم يطوف عراة على فقه قريش، فأمر النبي ﷺ علياً بأن ينادي بأن لا يطوف بالبيت عريان. الثاني: أن لا يدخل مكة بعد هذا العام مشرك، وهذه قالها الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، فلا يقرب المسجد الحرام مشرك. الثالث: أن من كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته. الرابع: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ختم الله لنا ولكم بالإيمان، وأدخلنا الله وإياكم الجنة. فهذه الأمور التي أذن بها علي رضي الله تعالى عنه في الحج كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٣].

стр. 458

بيان عامل الواو النحوية وتوجيه المعنى عليها وقوله تعالى: (وَرَسُولِهِ) الواو هنا تحتمل احتمالين: الاحتمال الأول: أن تكون عاطفة، والاحتمال الذي عليه القراءة اليوم أن تكون استئنافية. فإن كانت عاطفة فلها من حيث التصور احتمالان. الاحتمال الأول -والاعتقاد به كفر- أن يقرأها القارئ: (وأذان من الله ورسوله يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله)، فتعطف الرسول على المشركين، فيصبح معنى الآية في غير القرآن أن الله متبرئ من المشركين ومتبرئ من رسوله، وقد سمع أعرابي رجلاً يلحن ولا يعرف قواعد اللغة، وعنده أعرابي قليل الفقه، فقرأ الرجل العامي: (أن اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولِه)، فقال الأعرابي: برئت من رسول الله، برئت ممن برئ الله منه. وهذا الأمر كان أحد أسباب قيام علم النحو؛ فإن أبا الأسود الدؤلي يقولون عنه: إنه لما سمع هذا الأعرابي ذهب إلى علي ﵁ وأخبره الخبر، فقال له: انح للناس نحواً. صنع علم النحو، وهذه لا يقولها مسلم إلا جهلاً، ولا يوجد مسلم يعتقدها أو يقولها. الأمر الثاني: أن تكون (رسوله) معطوفة على لفظ الجلالة، فتقرأ بالنصب، فيصبح المعنى: أن الله ورسوله بريئان من المشركين. والمعنى هنا يستقيم. الحالة الثالثة: أن تقول: (أن الله بريء من المشركين) وتقف، وتأتي بالواو استئنافية لكلام جديد، والمعنى: ورسوله كذلك بريء من المشركين. وهنا الواو تسمى واواً استئنافية، وحق الاسم هنا أن يرفع؛ لأن ما بعد الواو الاستنافية يعرب مبتدءاً. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة:٣] والخطاب للمشركين، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣].

стр. 459

تفسير قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]. هذه الآية تسمى آية السيف، وقد عرفنا أن هناك سوراً من القرآن لها أسماء، ولكن ينبغي أن تعلم أن هناك آيات من القرآن لها أسماء، فأشهر آية في القرآن مسماة بآية الكرسي، وهي قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. ثم بعدها آية الدين، أو آية المداينة، وهي الآية الثانية والثمانون بعد المائتين من سورة البقرة، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، والآية الثالثة منها آية المباهلة في سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]. الآية الرابعة منها هي آية السيف، وهي الآية الخامسة من سورة براءة، وسميت آية السيف لأن الله أمر فيها بالقتال، وقال بعض العلماء: إن هذه الآية ناسخة لكل ما في القرآن من أمور الكف والإعراض، فالله تعالى يقول: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف:٨٩]، ويقول: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم:٢٩]، وأمر نبيه بالصبر، فقالوا: هذه الآية ناسخة لكل ذلك. وقال بعضهم: إن آية سورة محمد: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] ناسخة لآية السيف، وقال آخرون: إن آية السيف ناسخة لآية سورة محمد، والحق أنه لا تنسخ إحداهما الأخرى، وإنما العمل بها جميعاً، وكل منهما توضع في موضعها الذي سيظهر من سياق الكلام. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة:٥]، يعني: مرت وانتهت، والأشهر الحرم تحتمل معنيين: الأول: الأشهر الحرم التي في الذهن، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، فثلاثة سرد هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد فرد، وهو رجب، وسميت بالأشهر الحرم لأن الله حرم فيها على المسلمين قتال المشركين، فمن هذا المعنى أخذت كلمة الحرم. يقول تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، ومن هنا أخذ العلماء أن هذه الآية اسمها آية السيف.

стр. 460

بيان أنواع تخصيص العموم وفي القرآن عام وخاص، وفي القرآن ناسخ ومنسوخ، وبينهما فرق دقيق، فانسخ لا يقع في الأخبار، والتخصيص يقع في الأخبار، والنسخ يقع في الشرائع، ولكن التخصيص لا يقع بين شريعة وأخرى، فهذا من حيث الإجمال. وأما من حيث التفصيل فإن العام له ألفاظ، ومن أشهر ألفاظه أم الباب، وهي كلمة (كل)، وهي من أعظم ألفاظ العموم في القرآن، وهي أم الباب، ويتبعها أدوات الاستفهام، وأدوات الشرط؛ ويتبعها بعد ذلك الأسماء الموصولة، ثم المضاف إلى معرفة.

стр. 461

التخصيص المتصل والعموم إذا خصص فإن مخصصه يقع متصلاً ويقع منفصلاً، ومثال المخصص المتصل قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص:٨٨] فقوله تعالى: (كل شيء) من ألفاظ العموم، ولكن هذا العموم خصص بقول الله ﵎: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فوجه الله -تعالى الله عما يقول الظالمون- ليس بهالك؛ لأن الآية خصصته من كلمة (كل)، فخرج منها بحرف الاستثناء، أي: استثني وجه الله ﵎، فالاستثناء طريقة من طرائق التخصيص، فـ (كل) من ألفاظ العموم، وخُصِص وجه الله جل وعلا من هذا العموم. فهذا التخصيص وقع كله في آية واحدة، ولذلك أسماه العلماء تخصيصاً متصلاً.

стр. 462

التخصيص المنفصل والتخصيص الثاني تخصيص منفصل، وهو الذي بين أيدينا، حيث يقول الرب جل وعلا: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، فقوله تعالى: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] يدل عمومه على أن المشرك يقتل في أي مكان؛ لأن ربنا يقول: (حيث وجتموهم)، ولكن هذا الكلام لا يصح على عمومه؛ لأن هذه الآية مخصص بآية أخرى تدل على أنه توجد أمكنة لا يجوز قتل المشرك فيها، وهي أمكنة الحرم المكي، فالله يقول: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة:١٩١]، فيجمع بين الآيتين بأن يقال: إن آية التوبة عامة، وآية البقرة مخصصة لعموم آية التوبة، فالمشرك يجوز قتله حيث وجدناه إن لم يكن له عهد ولا ذمة ولا ميثاق، إلا في المسجد الحرام. فلو جاء إنسان وقتل أحداً في المسجد الحرام وقال: إن الله يقول: (حيث وجتموهم) قلنا له: إن هذه الآية العامة خصصت بقول الرب جل وعلا: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة:١٩١]، وهذا تخصيص مكان. ثم إن الله تعالى يقول: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] والآية تعم كل مشرك، ولكن لا يجوز قتل كل مشرك، فالآية هنا مخصصة بالسنة، فلا يجوز قتل النساء، ولا يجوز قتل الرهبان، ولا يجوز قتل الأطفال، فقد دلت السنة بآثار عدة متعاضدة على أنه لا يجوز قتل النساء، ولا قتل الصبيان، ولا قتل الرهبان. فالعموم الذي في قوله جل وعلا: (المشركين) خصصته السنة، وأخرجت السنة النساء، وأخرجت الأطفال، وأخرجت الرهبان، وأخرجت الشيخ الكبير الهرم إن لم يكن له دور في المعركة، أما إذا كان له دور -بحيث يدبر أو يفكر أو يخطط للمعركة- فإنه يجوز قتله ولو كان شيخاً فانياً، مثل دريد بن الصمة، فـ دريد بن الصمة كان شيخاً كبيراً فانياً، وكان ذا عقل وتدبير، وهو أحد فرسان العرب، أدرك يوم حنين وهو كبير، وكان العرب من هوازن قد قدموا رجلاً يقال له: عوف بن مالك، وكان دريد أكثر خبرة منه، فأتي به إلى المعركة وهو أعمى، فكان يتحسس الأرض ويسأل: أين نحن؟ فيقولون: أنت في ديار كذا، فيقول: ليست ديار حرب، اخرجوا خذوا اتركوا، فخاف الزعيم من نفس القبيلة أن يأخذ دريد الأمر منه، فما أراد أن يكون لـ دريد فيها نصيب، فأتى بالسيف وجعل نصله قائماً، وثنى بطنه على السيف وقال: إن لم تطعني هوازن قتلت نفسي. يريد أن يخرج دريداً منها بالكلية. فهوازن كانت متعاطفة معه، فقالوا له: أنت الزعيم، والذي تقوله هو الذي يمضي، فلن نأخذ برأي دريد، فرفع نفسه عن السيف، ووقعت الهزيمة عليه، وكان رأي دريد أشد صواباً، ولكن لم تأخذ به العرب، وهو قائل المثل المشهور: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد وقد قتل دريد بن الصمة المسلمون وهو شيخ كبير؛ لأنه كان يخطط، وله دور في المعركة، أما الشيخ الكبير الذي ليس له يد في المعارك فإنه يترك. يقول تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥] وهذا كله أمر بتضييق الخناق عليهم.

стр. 463

تفسير قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة) ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥]. هذه الآية استدل بها بعض العلماء على أن تارك الصلاة كافر، وحجة من قال هذا قولهم: إن الله ذكر ثلاثة أسباب: ترك الشرك، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقالوا: إن تارك الزكاة خرج بقوله ﷺ في الحديث: (ثم ينظر في سبيله إلى الجنة أو إلى النار)، ويبقى تارك الصلاة والمشرك على حالهما، وهذا رأي جيد، وإن كان هذا ليس محل تفصيله، لكن أنا أذكره لمناسبة الآية ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥].

стр. 464

تفسير قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) ثم قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]. بعد أن ذكر الله جل وعلا لنبيه كيفية التعامل مع أهل الإشراك قال له: إن أحد من المشركين طلب منك أن تجيره وأن يلجأ إليك، فاقبل تلك الإجارة، وذلك لسبب عظيم، وهو أن يسمع كلام الله، فإذا سمع كلام الله وما في كلام الله من وعد ووعيد وثواب وعقاب، فربما كان ذلك سبباً في إسلامه، بدليل أن الله قال بعدها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٦]. والذي ينبغي أن تفهمه من الآية أن تفهم أن أهل الكفر -وإن كان الكفر ملة واحدة- تختلف أسباب كفرهم، فمنهم الكافر عناداً، ومنهم من هو كافر جهلاً، فلو قدر له أن يسمع كلام الله لكان ذلك سبباً في إيمانه، فالله يقول لنبيه: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وهذا دلالة على أن المؤمن واثق بالدين الذي يدعو إليه، فينبغي علينا أن نحرص على أن نسمع من كانت علته الجهل كلام الله، وهذا في بلادنا ما يسمى بتوعية الجاليات، وهو أمر محمود؛ لأن كثيراً من الناس ممن يأتون إلى هذه البلاد يأتون بغير قصد الإسلام، فإذا اختلطوا بالناس ورأوا الإسلام كان ذلك سبباً في إسلامهم، وقد يأتي إنسان يريد أن يكون لاعب كرة، فيختلط بالمسلمين هنا، ثم يرى عظمة الإسلام، فإذا تلي عليه القرآن صار ذلك سبباً في إسلامه. وما يقال في الأفراد يقال في الأمم والدول، فليس السبب في كفر كل دول الكفر واحدً، وإنما تختلف دول الكفر في ذلك اختلافاً واضحاً، فمنها ما هو محارب للإسلام عقيدة، ومنها ما هو محارب للإسلام عملاً، ومنهم من يحارب الإسلام لمصلحة، ومنهم من لا مصلحة له في حرب الإسلام، فلا يحارب الإسلام، فيجب أن نتعامل مع أهل الكفر بحسب سبب كفرهم. ومن ذلك أن وزيرة التربية والتعليم في الدنمارك أعلنت أنها قررت تطبيق تدريس القرآن الكريم في مراحل التعليم العام في الدنمارك، من دون أي ضغط دولي إسلامي، وهذا من أعظم الفتوح في عالم الإسلام اليوم، ولما جاءت المعارضة واحتجت عليها في بلادها لأنها قررت تدريس القرآن قالت: إن الكثير من الدنماركيين مسلمون. وكلمة كثير لا تعني الأكثر، ولا تعني الغلبة، بل يوجد مسلمون دنماركيون ولهم أصحاب من الدنماركيين من غير المسلمين، فنريد منهم أن يتعرفوا على الإسلام. فهذا الفكر العلماني هنا خدم الإسلام بما يسمى سياسياً: تقاطع المصالح، ويجب على من يدعو إلى الله أن ينظر إلى حال أهل الكفر، فليس أهل الكفر -وإن كان الكفر ملة واحدة- في معاداة الإسلام على حال واحدة، بل يوجد بينهم أمور عظيمة من الخلافات، فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه في دعوته إلى الله مستشهداً بالآية: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٦]. قال العلماء: ربما كان سبب كفره الجهل، فإذا رفع عنه الجهل دخل في دين الله ﵎. المقصود من هذا أن الإنسان يفرق بين من يدعوهم في تعامله مع الأفراد وتعامله مع الأمم، وتعامله مع الدول بنص القرآن.

стр. 465

دلالة الآية على إثبات صفة الكلام لله تعالى والآية فيها دليل واضح على أن القرآن كلام الله، وفيها رد عقدي على المعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق وغير منزل، والله جل وعلا قال: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فأضاف كلمة (كلام) إلى لفظ الجلالة، وهو ما يسمى بإضافة صفة إلى موصوف، فالله جل وعلا من صفاته ﵎ أنه يتكلم بما شاء متى ما شاء، وله جل وعلا الأمر كله، وهذا من أدلة أهل السنة، وأدلتهم كثيرة على أن القرآن منزل غير مخلوق. وأما من حيث قواعد اللغة فإن (إن) شرطية، و (أحد) مبتدأ، وقوله: (فأجره) الفاء واقعة في جواب الشرط، وسبب وقوعها كذلك أن الجملة مبدوءة بفعل أمر

стр. 466

سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة التوبة [٢] ذكر الله تعالى في سورة التوبة بياناً لأوصاف أهل النفاق بشكل بين واضح، ومن جملة تلك الأوصاف لمزهم رسول الله في الصدقات ورغبتهم في النيل منها بشكل يدفعهم إلى السخط حال منعهم، وإيذاؤهم رسول الله ﷺ بقولهم هو أذن، وغير ذلك، كما ذكر تعالى في السورة مصارف الزكاة لعلمه بما يصلح في قسمتها، وبين تعالى فيها فضل السابقين من المهاجرين والأنصار ذاكراً سبحانه أن باب رحمته مفتوح للاحقين.

стр. 467

إيجاز لما سبق تفسيره من آي سورة التوبة بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فما زلنا نتفيأ دوحة سورة التوبة في التعليق عليها، وقد سبق الحديث عنها أولاً حول مجمل عدد آيها، وأسمائها، وما تعلق بها من موضوعين رئيسيين. وقلنا: إن هذه السورة هي السورة الوحيدة في القرآن التي لم تصدر بقوله جل وعلا: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وذكرنا أن للعلماء في هذه أقوالاً عدة خلصنا منها إلى ثلاثة أقوال، ثم قلنا: إن من أرجح الأقوال فيها أنها نزلت بالسيف، وأن (بسم الله الرحمن الرحيم) تتضمن الرحمة والأمان، وهذان لا يتفقان، وقلنا: إن هذا القول منسوب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وإلى سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى. كما قلنا: إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب ﵁ ليلحق بـ أبي بكر الصديق ﵁ في مسيره ﵁ حين جعله أميراً للحج في السنة التاسعة من الهجرة، وقلنا: إن النبي ﵊ لم يشأ أن يحج في ذلك العام؛ لأن العرب كان بعضهم يطوف عراة، فأمر النبي ﷺ علياً بأربعة أمور: أمره بأن ينادي بأن من كان له مع النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدته، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وأن لا يطوف بالبيت عريان، وأن لا يحج بعد هذا العام مشرك، وأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]. ثم شرعنا في بيان الآية الخامسة منها، وهي آية السيف، وتكلمنا عنها، وشرحنا ما تعلق بها من عام وخاص وفق ما سلف قوله.

стр. 468

تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات)

стр. 469

تعرية المنافقين بذكر أوصافهم وفي هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- نختار -كالعادة- بعضاً من آيات هذه السورة، وسنقف عند قول الرب ﵎: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٥٨ - ٦١] إلخ هذه الآية. ثم سنقف إن شاء الله تعالى عند قوله ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة:١٠٠]، وسنقف عند قول الرب ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٠٧]. هذه هي مواضيع هذا الدرس، نسأل الله جلت قدرته أن ييسر النفع بها للجميع. فنقول: إن الله جل وعلا ذكر في هذه السورة المجتمع المدني الذي كان يعم بالأخيار، ولكن لم يكن يخلو من المنافقين، وكان المنافقون مجاورين للنبي ﷺ في المدينة ممن مردوا على النفاق كما أخبر الله جل وعلا في القرآن، وهذه السورة سميت بسورة الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما زال ينزل من هذه السورة: (ومنهم ومنهم ومنهم) حتى خشي المنافقون أن يسموا بأسمائهم، نسأل الله العافية. وقوله: (منهم) (من) فيه بعضية، وليست بيانية، وستأتي: (من) البيانية، فقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨] معناه: وبعض من المنافقين يلمزك في الصدقات.

стр. 470

خبر ذي الخويصرة في قسمة غنائم حنين وأصل الأمر أن النبي ﷺ في منصرفه من حنين قسم الغنائم، فأعطى أقواماً حديثي عهد بإسلام، وكان بعضهم مشركين، فأعطاهم من الغنائم يتألفهم بها صلوات الله وسلامه عليه، فجاءه رجل يقال له: ذو الخويصرة التميمي، فقال له: يا رسول الله! اعدل، فقال ﵊: (ويحك! من يعدل إن لم أعدل؟!)، فقام إليه عمر فقال: يا رسول الله! ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال ﵊: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، وهذا أخذ بما يسمى في السياسة المعاصرة، باعتبار الرأي العام. ثم لما ولى قال ﵊: (سيخرج من ضئضئ هذا أقوام يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) فكان هذه أول نبتة تاريخية لمن سمو بعد ذلك بالخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وقد اختلف العلماء في أول فرق الإسلام ظهوراً من أهل البدع، فقال بعضهم: الخوارج، وقال بعضهم: الشيعة، والصواب أنهما متلازمتان في الظهور، وإذا اعتبرنا ذا الخويصرة أصل الخوارج فلا شك في أنهم أقدم تاريخاً؛ لأنهم ظهروا في عهد النبي ﷺ .

стр. 471

بيان كشف سرائر المنافقين قال الله: (وَمِنْهُمْ) أي: من المنافقين، (مَنْ يَلْمِزُكَ) أي: يعيبك وينتقصك، فحين فسد القلب فسد اللسان، وفسد التعبير، قال عثمان رضي الله تعالى عنه: ما أسر أحد سريرة إلا وأظهرها الله على قسمات وجهه أو فلتات لسانه. جعلنا الله وإياكم ممن يسر خيراً. فهذا الرجل شهد مع النبي ﷺ معركة حنين، ولكنه كان يسر الشر في قلبه، فلما جاء النبي ﷺ وهو أمين في السماء، واستأمنه الله جل وعلا على أعظم منزل وهو القرآن، وأخذ ﵊ يقسم الغنائم بحسب المصلحة العليا للإسلام؛ أتى هذا من بين الناس ليقول له: يا محمد! اعدل. فقال ﵊: (ويحك! من يعدل؟! إن لم أعدل). فهذا الرجل أسر السريرة المريرة في قلبه، وهي سريرة النفاق، وأظهر ما يخفيه، وكان يظهر خلاف ما يبطنه، فلما جاء هذا الموقف لم يصبر، فأظهر السريرة التي في قلبه، وأخذ يعترض على حكم وقسمة نبينا ﷺ الذي ائتمنه الرب ﵎ من فوق سبع سماوات، والله جل وعلا يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]. فالله ﵎ في هذه الآية يقول لنبيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨] أي: يعيبك ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨]. ومن دلالة قبول الإنسان للحق، أو إرادته للهوى أن ينظر في تصرفه حال المنع والعطاء، فمن الناس من يأتي ليسألك وقد بيت الإجابة من قبل، فإن وافقت إجابتك له الإجابة التي يريدها خرج يمدحك بين الناس ويرفعك على أقوام تعلم أنت أنك لا تصل إلى علمهم، وإن قلت له إجابة تخالف هواه وتخالف مراده خرج يقدح فيك ويقول فيك المعايب، ويظهر ما فيك من النقائص؛ لأن إجابتك لم توافق هواه، فهو لا يريد الحق، بل يريد أن يجبرك على أن يوافق هواك أنت هواه هو. فالله تعالى يقول عن أمثال هؤلاء: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨]، فهم لا يريدون نصرة دين، ولا إعلاء كلمة الإسلام، ولا إقامة حق، وإنما يريدون أن يتبعوا أهواءهم، فإن أعطيتهم أثنوا عليك، وقالوا: محمد كذا ومحمد كذا يمدحونه، وإن لم تعطهم أطلقوا لألسنتهم العنان في أن ينتقصوك؛ لأنهم لا يريدون ميزان الحق، وإنما يريدون ما يوافق أهواءهم، وهذه إحدى خصال النفاق أعاذنا الله وإياكم منها. ونحن هنا نتكلم عن قوم منافقين حقاً، وليس ذلك أمراً نطبقه على غيرهم من المسلمين، فمعاذ الله، بل نتكلم عن قوم وجدوا بأسمائهم وأعيانهم تكلم الله جل وعلا عنهم، فهؤلاء ليسوا مثلاً يضربه الله للناس، وإنما هم قوم حصل منهم هذا الأمر، ووقعت منهم تلك الأفعال، قال تعالى عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨].

стр. 472

ذكر بعض الفروق بين الشيعة والخوارج وقلنا: إن من ذرية هذا الرجل كانت فرق الخوارج بعد ذلك، والخوارج والشيعة -كما قلنا- فرقتان متلازمتان من حيث الظهور، وعلى وجه الإجمال نذكر بعض المقارنة العلمية المحضة بين الفرقتين فنقول: فكلتاهما فيهما الغلو، ولكن الخوارج يغالون في الأحكام، والشيعة يغالون في الأشخاص، فالشيعة غلوا في علي وآل البيت حتى أوصلوهم إلى منازل ليست لهم، حتى قال الخميني في كتاب له اسمه (الحكومة الإسلامية): وإن من أصول مذهبنا أن لأئمتنا منزلة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل. يقصد بأئمتهم الأئمة الإثني عشر من آل البيت، وهؤلاء قوم مرضي عنهم صالحون، ولكن هؤلاء غلوا فيهم مغالاة فاحشة. والخوارج يغالون في الأحكام، فيأتون إلى الحكم فيتشددون فيه على غير فهم وعلى غير علم، وينزلونه جبراً على الناس، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن الخوارج يعتمدون على الصدق والمكاشفة، ولا يضمرون شيئاً، والشيعة يعتمدون على التقية والمواراة والالتفات، والخوارج قوم يظهرون ما عندهم، ولذلك جابهوا الحكام عبر الدهور، فجابهوا علياً، وجابهوا الأمويين، وجابهوا عبد الملك، ولا يستترون بشيء، ولكن الشيعة قوم يتحايلون؛ لأنهم قوم يؤمنون بالتقية إلى وقت خروج المهدي الذي يزعمون ويرتقبون خروجه. فالخوارج يعتمدون على الصدق؛ لأنهم يرون أن مرتكب الكبيرة كافر، فلا يكذبون، في حين أن الشيعة يعتمدون على الكذب؛ لأنهم يعتقدون جواز التقية، فيعتمدون على الكذب، والخوارج لا يرون الكذب أصلاً؛ لأنهم يرون أن مرتكب الكبيرة كافر، فيعتمدون على الصدق، ولذلك كان عمران بن حطان أحد زعماء الخوارج وشعرائهم وأخرج له البخاري في الصحيح، اعماداً على أنه لا يكذب أبداً في كلامه؛ لأنهم يرون أن مرتكب الكبيرة كافر. والخوارج أشد شجاعة، فهم لا يخافون الموت لا يهابونه عبر التاريخ كله، يقول قطري بن الفجاءة: أقول لها وقد طارت شعاعا من الأعماق ويحك لن تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم عن الأجل الذي لك لم تطاعي فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيل الخلود بمستطاع فهذه الأبيات كلها لرجل من أكبر زعماء الخوارج اسمه: قطري بن الفجاءة. في حين أن الشيعة يرغبون بقاء أنفسهم عبر التاريخ، ويحافظون على سلامة أنفسهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

стр. 473

تفسير قوله تعالى: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم ورسوله من فضله) ثم قال الله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]. يبين الله جل وعلا هنا المنهج الحق في العطاء والمنع، فالإنسان عبد لله، والمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، كما قال ﷺ ، فالله جل وعلا يقول: كان الموقف الشرعي لهؤلاء أن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩] فلو قالوا: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله، وعلقوا أنفسهم بالله لكان ذلك خيراً لهم وأهدى سبيلاً. وذكر الرسول هنا لأنه كان حياً، ولا يقال هذا اليوم. وقوله: (إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُون) أي: ينقطعون إلى الله، فلو أنهم انقطعوا إلى الله وسلموا بأمره ورضوا بحكمه جل وعلا وقالوا: (حسبنا الله) لكان خيراً لهم وأعظم وأهدى سبيلاً، وهذا هو الموقف الذي ينبغي على المسلم أن يتبعه في حال الفقر وحال العطاء وحال المنع وحال الأخذ، وحال السراء وحال الضراء، وفي كل حال.

стр. 474

تفسير قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) ثم قال الله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠] هذه آية عارضة داخلة في مجمل بيان الله لأحوال الناس، وإنما كان القول بها قطعاً لأطماع المنافقين في أن يكون لهم حظ من المال. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]. (إنما) لغوياً تفيد الحصر، وهي أحد أساليب الحصر في لغة العرب، وأحد أساليب الحصر في القرآن، وقول الرب ﵎: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) مع ذكر باقي الثمانية دليل على أنه لا يجوز أن تعطى الصدقات لغير هؤلاء الثمانية. والصدقات هنا المقصود بها الزكاة الشرعية، وليس المقصود بها صدقة التطوع، فالمراد الزكاة التي هي قرينة الصلاة، والتي هي الركن الثالث من أركان الإسلام.

стр. 475

بيان جملة مما دلت عليه الآية وقد دلت الآية على أمور: أولاً: حصر أصحاب الزكاة الثمانية. الأمر الثاني: أن الله جل وعلا تولى تقسيم الزكاة، والله قد خلق النفوس، وهو جل وعلا أعلم بحبها للمال، قال ﵎: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] والخير هنا بمعنى المال، فالمواريث والزكاة حقوق مالية تتعلق بها أنفس الناس، فلم يكل الله تقسيمها إلى أحد، وإنما تولى الرب جل وعلا مصارفها وتقسيمها، قال الله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢]، فقسم ﵎ المواريث، وحدد أصناف الزكاة، وجاءت السنة ففصلت ما أجمله القرآن، كل ذلك حتى لا يبقى لأحد مشاحة في حق أحد، ولا يبقى تطلع إلى شيء أكثر مما هو مذكور في القرآن، فعلم الله جل وعلا -وهو أعلم بخلقه- تطلع النفوس إلى الأموال، فحسم الرب ﵎ تعلق العباد بها فقال جل وعلا: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ)) والمذكورون هنا هم الأصناف الثمانية كما هو ظاهر الآية، وقرن الله جل وعلا بين كل صنف وصنف بواو العطف. وذكر الله جل وعلا أربعة منها باللام، وأربعة بحرف الجر (في)، فقال: (لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) فهؤلاء مذكورون باللام، وقال: (وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ) ثم أعاد العطف فقال تعالى: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ). ومجمل ما يراد قوله هنا أن اللام تعني التمليك، فيملك الفقير ويملك المسكين ويملك العامل ويملك المؤلف المال، ولا يقال للواحد منهم: نشترط عليك أن تضعه في كذا أو تضعه في كذا، وإنما تعطي الفقير أو المسكين أو العامل أو المؤلف في يده فيقبضه فيدخل في ملكه، وهو حر في أن يفعل به ما يشاء. أما قول ربنا: (في الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) فمعناه أنه لا يشترط أن تعطي المال لهم، فمن كان غارماً فإنه يعطي المال للدائن. ومعنى (وفي الرقاب) أي: العتق كما سيأتي، فيعطى لصاحب الرقبة حتى يعتقها، أو للمكاتب حتى يسدد دين الكتابة كما سيأتي. فالفرق بين اللام و (في) يختلف اختلافاً جذرياً كما بينا. وقد ذكر الله الأهم فالأهم؛ والواو لا تفيد الترتيب، ولكن دلت السنة عموماً على أن هناك خصائص في التقديم، فالنبي ﵊ صعد الصفا وقال: (أبدأ بما بدأ الله به: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨])، فقدم الصفا لأن الله قدمها في كتابه، وإلا فالأصل أن الواو في لغة العرب لا تعني الترتيب، ولكن تقديم الله جل وعلا يدل في الغالب على تقديم الأهم فالأهم.

стр. 476

ذكر استحقاق الفقير والمسكين من مال الزكاة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]. اختلف العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين، ولكن الآية تدل على أن الفقير أشد حاجة من المسكين، وهذا الذي نرتضيه، وإن كان في المسألة أكثر من عشرة أقوال. فالفقير والمسكين شخصان غلبت عليهما المسكنة والحاجة إلى المال، إلا أن أحدهما أشد من الآخر.

стр. 477

ذكر استحقاق العاملين على الزكاة من أموالها ثم قال جل وعلا: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠]، والعاملون هم القائمون على الزكاة من السعاة والجباة والمسئولين الإداريين عن جمع الزكاة، فهؤلاء هم العاملون.

стр. 478

بيان المراد بالمؤلفة قلوبهم ثم قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠]. المؤلفة قلوبهم لم يرد في القرآن كله ذكر لهم إلا في آية تقسيم الزكاة، ففي القرآن يذكر مشركون وكفار ومنافقون ومؤمنون ومجاهدون، وأصناف كثيرة تتكرر، ولكن المؤلفة قلوبهم لم يرد في القرآن ذكرهم إلا في آية مصارف الزكاة. والمؤلفة قلوبهم قد يكونون أهل إيمان وقد يكونون أهل كفر، والجامع بينهما أن في إعطائهم مصلحة الإسلام، فقد يكون المؤلف كافراً فيعطى دفعاً لشره، أو يعطى تأليفاً لقلبه على أن يسلم، أو مسلماً ضعيف الإيمان وله شوكة فيعطى زيادة في إيمانه، أو مسلماً دخل في الإسلام لتوه وله نظراء من الكفار، فإذا أعطيناه طمع نظراؤه من الكفار في الدخول في الإسلام. واختلف العلماء في سهم المؤلفة قلوبهم هل هو باق أو منسوخ، فقال بعضهم: هو منسوخ؛ لأن الله أعز دينه، وهذا كان في أول الإسلام. والحق الذي عليه الجمهور والمحققون من العلماء أنه غير منسوخ؛ لأن الأحوال تختلف، والعصور تتباين، فيطبق في كل عصر ما فيه مصلحة المسلمين العليا، وإن أسقطه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.

стр. 479

بيان معنى ما تصرف فيه الزكاة من الرقاب ثم قال جل وعلا: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]. الرقاب تحتمل أمرين: الأمر الأول أن يشتري صاحب الزكاة من زكاة ماله أمة أو عبداً مملوكاً لغيره، ثم يعتقه، كأن يكون عليه زكاة عشرة آلاف ريال، فيذهب إلى بلد فيه رق كموريتانيا فيشتري بعشرة آلاف ريال عبداً أو جارية مملوكة لغيره، ثم يعتقه، فهذا أحد معاني قول ربنا: (وفي الرقاب)، وهو الأظهر. الأمر الثاني: المكاتب، والمكاتبة غير موجودة في عصرنا، فالمكاتب هو عبد مملوك، فيقول لسيده: سأدفع لك مالاً معيناً أسعى في تحصيله على أن تعتقني، فيوافق السيد، فيأخذ هذا العبد في جمع المال من الناس أو بجهده حتى يحصل ذلك المبلغ الذي يخرج به من ملك سيده، فيصبح حراً. فإعانة هذا المكاتب تجوز شرعاً، وهي داخلة في قول الله ﵎: (وفي الرقاب) عند أكثر العلماء لا كلهم. وفي عصرنا هذا نسمع كثيراً أن من فك الرقاب أن يذهب إنسان إلى السجن فيجد شخصاً محكوماً عليه بالقصاص، فيعطي ورثة القتيل المطالبين بالمال أكثر من الدية، كأن تكون الدية مائة ألف، فيقول: أنا سأعطيكم مليوناً، ولكن اتركوا هذا. فهذا النوع من فك الرقاب لا يدخل في الزكاة، فهو عمل خير وفضل وصدقة، ولكنه لا يدخل في مصارف الزكاة، إذ إن عبادة الله تكون بدلالة القرآن لا باللهجة السائرة بين الناس. فالقرآن أنزل عربياً، ومن يعرف لغة العرب يستطيع أن يتعامل مع القرآن، أما اللهجات الدارجة التي تتغير فلا تحكم بها.

стр. 480

بيان معنى الغرم المستحق به من مال الزكاة قال الله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠]. وأصل الغرم في اللغة: اللزوم، كما قال الله تعالى عن جهنم أعاذنا الله وإياكم منها: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] يعني: لازماً لأصحابه. والغارم هو من عليه الدين، والغريم هو الذي له الدين، ويسمى غريماً لأنه ملازم للمدين، والدين عند العرب وأهل العقل والفضل هم بالليل وذل بالنهار، وقالوا: إن أمير المؤمنين عمر ﵁ رأى رجلاً متقنعاً -أي: متلثماً- فقال له: أما بلغك أن لقمان الحكيم يقول: إن التقنع تهمة بالليل أو ريبة بالنهار؟! أو قال كلمة نحوها تذم التقنع، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! إن لقمان لم يكن عليه دين. فهذا كان يتقنع حتى لا يراه أصحاب الدين، ولذلك قال الفقهاء: إن من كان عليه دين وكان يخشى من غرمائه في المسجد تسقط عنه صلاة الجماعة. والغارم في الشرع قسمان: غارم لنفسه وغارم لغيره، فالغارم لنفسه هو من يستدين لمصلحة نفسه، كمن يريد أن يتزوج، ومن يريد أن يطلب علماً، ومن يريد أن يبني بيتاً، ومن يريد أن يؤثث بيته، فهذا غارم لنفسه. وأما الغارم لغيره فهو رجل جاء إلى قوم قد صار بينهم شجار واقتتال وفساد في أموال، فأصلح بينهم وتكفل بإصلاح ما أفسدته الخصومة بين الفريقين، فغرم أموالاً، فأخذ يطلبها من الناس، فهذا غارم لغيره وليس غارماً لنفسه. وكلا الصنفين يعطى من الزكاة، بالقدر الذي يحتاج إليه، وقد قال العلماء: إن الإسلام حث على اجتناب الدين، ومن الدلائل على ذلك أن النبي ﷺ لم يكن يصلي على من عليه دين، حتى فتح الله جل وعلا الفتوح، وأخبر بأن الشهادة -وهي من أعظم القربات-: تكفر الذنوب إلا الدين، وقال: (أخبرني به جبريل آنفاً). والعلماء يقولون: إن الإنسان إذا كان يستدين ترفاً فلا يعطى من الزكاة، كإنسان راتبه أربعة آلاف ريال، فكونه تكون له سيارة حق من حقوقه، ولا يخرج عن كونه فقيراً، فلو استدان ليشتري سيارة فارهة جداً لا يركبها أمثاله فهذا دين للترف، فمثل هذا لا يعطى من الزكاة.

стр. 481

بيان المراد بصرف الزكاة في سبيل الله ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠]، و (سبيل الله) كبير كما قال مالك، واختلف العلماء في كلمة (سبيل الله) على أقوال عدة، والرأي الراجح -فيما أراه- أن المراد بمن في سبيل الله الغزاة المتطوعون المجاهدون في سبيل الله، فهم المقصودون بقول الرب ﵎: (وفي سبيل الله). وقال بعض العلماء: هم طلبة العلم، وقال بعضهم: أهل الحج، وقال بعضهم غير ذلك، ولكن ذلك الذي نرتضيه، والله تعالى أعلم.

стр. 482

بيان المراد بابن السبيل ثم قال تعالى: ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]، وهذا أسلوب عربي، والعرب تنسب الشيء إلى من يلازمه، فيقولون: (ابن السبيل) للمسافر، لأن السبيل هو الطريق، فالله تعالى يقول في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر:٧٦]، أي: هذه الديار كائنة على طريق مقيم ثابت، أي: ديار ثمود. وتقول العرب: بنات الدهر، والمراد: المصائب، كما قال عبد الله بن الزبير ﵁: (وبنات الدهر يلعبن بكم) يعني أن المصائب تأتي على الفريقين. ويقولون: بنات أفكاره، أي: آراؤه وشعره ونحو ذلك. والذي يعنينا أن ابن السبيل هو الرجل الذي انقطعت به السبل -وإن كان غنياً في دياره- حتى أصبح محتاجاً إلى المال، فيعطى بمقدار ما يوصله إلى أهله.

стр. 483

ذكر من تحرم عليهم الزكاة

стр. 484

الكفار والملاحدة وإذا ذكرنا من يستحق الزكاة فإنه يلزمنا أن نذكر من لا يجوز أبداً أن يعطوا من الزكاة: فأولهم الكفار والملاحدة وسائر أهل الكفر، فلا يعطون من الزكاة إلا المؤلفة منهم، وهذا ظاهر، إذ كيف تعطي كافراً من زكاة مالك؟! ولكن يجوز إعطاءه من زكاة التطوع؛ لقول الله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] والأسير لا يكون إلا كافراً.

стр. 485

آل النبي من بني هاشم وبني المطلب وممن لا يعطون من الزكاة: بنو هاشم آل النبي ﷺ ، وقد اختلف العلماء في آل البيت على أقوال، فمنهم من قال: إن آل النبي ﷺ هم قريش كلها. وهذا بعيد. وقيل: هم بنو هاشم، وهذا أقوى من الأول. والراجح أن المقصود بمن لا يعطون الزكاة بنو هاشم بالإضافة إلى بني المطلب. وهاشم هو ابن عبد مناف، وعبد مناف قد ترك أربعة من الولد: نوفلاً وعبد شمس وهاشماً والمطلب، وهاشم كان منه النبي ﷺ . ولما حاصرت قريش النبي ﷺ وبني هاشم في الشعب جاء أبناء المطلب فدخلوا مع النبي ﷺ ، وبقي بنو نوفل وبنو عبد شمس مظاهرين عليهم. فقال ﵊ -كما في البخاري -: (إن بني المطلب لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام، وإنما نحن وهم شيء واحد، وشبك ﷺ بين أصابعه) وهذا مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو الحق إن شاء الله، فهؤلاء لا يعطون من الزكاة؛ لأنها أوساخ الناس. واختلف العلماء فيما لو كان موالي بني هاشم من العاملين عليها، فهل يعطون أو لا يعطون. فقال فريق: يعطون، والأظهر أنهم لا يعطون؛ لحديث أبي رافع -وهو مولى للنبي ﷺ أنه جاءه رجل من بني مخزوم، فقال: اذهب معي نسعى في الزكاة حتى نكسب؛ لأن العاملين عليها يأخذون منها، فقال: دعني أستشير النبي ﷺ ، فلما سأله قال ﵊: (مولى القوم منهم) فموالي بني هاشم كذلك لا يعطون من الزكاة، وأما صدقة التطوع فمسألة فيها خلاف كثير بين العلماء، والذي يظهر أنهم لا يعطون منها.

стр. 486

أصول المزكي وفروعه والصنف الثالث ممن لا يعطون من الزكاة: أصول الرجل، وهم آباؤه وإن علو، وأمه فمن فوقها من أمهاتها، فلا يعطي الرجل من الزكاة أباه ولا أمه، وإن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنهم يعطون، ولكن القول الذي عليه أكثر العلماء أنهم لا يعطون؛ لأنه يجب عليه نفقتهم. وبعد الأصول الفروع، فلا يجوز للرجل أن يعطي ابنه ولا ابن ابنه، ولا ابن ابنته ولا ابنته، وقد ذكر الله في القرآن الفروع والأصول في آية غير الزكاة، وذكر الحواشي، وهم الإخوان والأخوات، وفيهم نظر، والأرجح -إن شاء الله- أنه يجوز إعطاؤهم من الزكاة؛ لأنه لا تجب نفقتهم في الأصل.

стр. 487

جهات الخير العامة ومما لا تصرف فيه الزكاة: أعمال الخير المطلقة، فلا يجوز أن يبنى منها مسجد، أو تقام جمعية خيرية وتعنى بتكفين الموتى، وإن كان هذا خيراً، أو تبنى قناطير خيرية، أو تبنى مطاعم أو ما أشبه ذلك من الصدقات العامة، كصدقة إفطار الصائم. فهذه الجهات لا تصرف فيها الزكاة؛ لأنها ليست المصارف الثمانية، و (إنما) تفيد الحصر. وأقول: إذا كنت تريد أن تخرج الزكاة الشرعية فأعطها شخصاً بعينه لترتاح، وأما الصدقات العامة فإنها ترجع إليك، فتعطيها أي مؤسسة تطمئن إليها، أما صدقة الفرض فأعطها أخاً لك أو قريباً أو طالباً يدرس في حيك، أو فقيراً في الحي تعرفه، أو أحد جيرانك، فتبرأ ذمتك حين تتأكد من أنها وصلت إليه. أما صدقة التطوع فتحتاج إلى جهد، كالطعام والكسوة، فصعب أن تقوم بها بمفردك، والجمعيات والمؤسسات الخيرية أقدر منك على إيصالها، ففرق بين الأمرين.

стр. 488

تفسير قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي) قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٦١]. هذه الآية سبب نزولها أن قوماً من أهل النفاق كانوا يتحدثون في مجالسهم الخاصة فيعيبون النبي ﷺ ، فيقول بعضهم لبعض: نخشى أن يصله كلامنا. فيقولون: إن النبي ﷺ أذن، أي: يصدق كل شيء، فإذا بلغه أننا تكلمنا فإننا سنذهب إليه فنعتذر فسيصدقنا، فكانوا يصفون النبي ﷺ بالبلاهة، يريدون أن ينتقصوه. فالله تعالى هنا يدافع عن نبيه ويناصره ويتولاه، ويقول: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١]، والأذن: الجارحة المعروفة، والمقصود أن النبي يسمع ويصدق كل ما يقال له حسب زعمهم فقال الله: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) والنبي ﷺ أرفع مقاماً، وأكمل خلقاً، وأجل سيرة مما افتراه هؤلاء عليه، بل كان ﵊ يتغافل عما لا يشتهي، ولم يكن فيه إلا الرحمة والخير للناس، كما قال الله عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. فقال الله هنا: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١] فجاء بالفعل (يؤمن) معدًّى في الأولى بحرف الجر الباء، ومعدًّى في الثانية بحرف الجر اللام، والمقصود هو الفرق في التعدية هنا؛ فقوله جل وعلا: (يؤمن بالله) لبيان أن إيمانه ﷺ بوجود ربه أمر لا يخالطه فيه شك أي: في وحدانية ربه وإلهيته ووجوده، وأما قوله تعالى: (ويؤمن للمؤمنين) فلبيان أن النبي ليس مسئولاً عن سرائرهم، وإنما يسلم أمرهم لله، فيؤمن بما ظهر منهم ويكل سرائر الناس إلى خالقهم. ثم قال جل وعلا: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٦١]، ولا شك في أن النبي ﷺ في بعثته رحمة، وفي هديه رحمة، وفي سيرته رحمة لكل من يقتفي أثره ويتبع سنته.

стр. 489

بيان عظم خطر أذية رسول الله ﷺ ثم قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٦١]. إنه إذا كان المسلم مطالباً بأن يؤمن ويحب ويوالي ويناصر رسول الله ﷺ ؛ فما بالك بمن يؤذيه ﵊؟! فأذيته ﵊ وانتقاصه حياً أو ميتاً ولو بمقدار شعرة مع اعتقاد ذلك كفر مخرج من الملة يقتل صاحبه ولو تاب، ويهرق دمه، ولكن يقيمه ولي أمر المسلمين، وأمره إلى الله ﵎ إن صدق في توبته أو لم يصدق، ولكن لو أظهر صدق التوبة فإنه يقام عليه الحد ويقتل إذا انتقص من نبينا ﷺ . وسند العلماء في هذا أنه أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث ابن عباس أن رجلاً أعمى كانت له أم ولد تقوم برعايته، وأنجب منها طفلين، وكانت هذه المرأة تحبه رغم أنه أعمى، وكانت شفيقة به رفيقه تقدم له كل شيء، إلا أنها كانت تقع في رسول الله ﷺ ، فكان هذا الأعمى ينهاها فلا تنتهي، فوجدت هذه المرأة ذات مرة مقتولة قد بقر بطنها ولطخ دمها الجدار، فقام ﷺ خطيباً في الناس، فقال: (أنشد الله رجلاً لي عليه حق ويعلم عن هذا الأمر شيئاً إلا أخبرنا به)، فقام هذا الأعمى من آخر المسجد يقطع الصفوف ويضطرب في مشيته حتى وصل إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، أنا قتلتها، فتعجب منه ﷺ وقال: ولم؟ قال: إنها كانت تقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، فوقعت فيك البارحة فنهيتها فلم تنته، وزجرتها فلم تنزجر، ثم ذكر قصته أنه قام إلى المعول -والمعول: السيف القصير- فأخذه وأتاها وهو أعمى لا يراها، حتى علم أنه أصاب بطنها، فاتكأ على المعول حتى بقر بطنها وقتلها، فلما أتم حديثه قال ﷺ : (اشهدوا أن دمها هدر). فمن هذا الحديث وغيره من الأحاديث أخذ العلماء أنه لا تجوز أبداً أذيته صلوات الله وسلامه عليه. والذي يعنينا هو أن الله توعد بالعذاب الأليم من يؤذي رسول الله ﷺ .

стр. 490

بيان عظم خطر الغلو في رسول الله ﷺ وعلى الناحية الأخرى لا يجوز للمؤمن أن يغلو في تعظيمه ﷺ ، فهو ﵊ بشر، وليس له من خصائص الإلهية ولا الربوبية شيء، وإن كان أفضل الخلق مقاماً، وأعلاهم منزلة بأبي هو وأمي ﷺ . وقد نشأت مظاهر هذا الغلو بعد سقوط بغداد على يد هولاكو حيث أصاب الأمة مرحلة من الضعف السياسي والاقتصادي والعلمي والعقدي، حتى ظهر ما يسمى بأدب التصوف أو بأدب المدائح النبوية، فجاء أقوام يبالغون فيه ﷺ لقلة العلم العقدي، فأنشئت قصائد لا تجوز شرعاً في حقه ﷺ ، منها قصيدة البوصيري المشهورة: أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق بالظلماء من إضم وقد سماها: الدرر البهية في مدح خير البرية أو كلمة نحوها، وقد مات في آخر القرن السابع، وأمره إلى الله. وقال في القصيدة عفا الله عنا وعنه: يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم ولا ريب في أن هذا عين الشرك وعين الكفر الذي بعث النبي ﷺ لهدمه ونقضه، حتى قال الإمام الشوكاني ﵀ معلقاً على هذا البيت: إنا لله وإنا إليه راجعون، انظر كيف غفل عن الله ولاذ بالنبي ﷺ ، والنبي عبد لله ورسول من رسل الله ﷺ ؟! فمثل هذا لا يمكن أن يقبل، ولا يجوز ما قاله البوصيري ولا ما قاله أترابه وأقرانه ممن غالوا فيه صلوات الله وسلامه عليه، وهو ﵊ بما أعطاه الله من المناقب في غنى عما قاله هؤلاء الضعفاء في الإيمان، والجاهلون، فله ﷺ المقام الرفيع، ولكن لا يجوز لأحد أن يغلو فيه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 491

تفسير قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. هذه الآية مما يفتح لكل مسلم باب الترغيب في العمل الصالح؛ لأن الله جل وعلا ذكر فيها المهاجرين، وذكر الأنصار، وذكر جل وعلا التابعين لهم بإحسان، وهذا الوصف يدخل فيه كل مؤمن إلى يوم القيامة. قال جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقد صح عنه ﷺ في الصحيح قوله: (أمتي كالمطر لا يدرى خيره أوله أم آخره) والله يقول في الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة:٣]، فباب الرحمة مفتوح، واللحاق بهؤلاء أمر مقدور عليه، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يظن أن هذا محال، وكان يقرأ هذه الآية هكذا: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان) فأصبح فيها على قراءة عمر فريقان: الأنصار والمهاجرون، فلما قرأها على زيد -وكان زيد أعلم من عمر بالقرآن- قال: يا أمير المؤمنين! فيها واو. فقال: ليس فيها واو. ثم قال عمر: ادع لي أبياً. يعني: أبي بن كعب، فصدق أبي قول زيد، وقرأها: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فقال عمر ﵁: ما كنت أدري أن أحداً سيبلغ مبلغنا، يعني: ما كنت أظن أن الباب مفتوح. ولكن رحمة الله واسعة، وقد قال النبي ﵊: (وددت لو أني رأيت إخواني، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم يأتوا بعد)، وهذا داخل فيه كل من اتبع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان.

стр. 492

بيان المراد بالمهاجرين والمهاجرون: كلمة أطلقت على من هاجر إلى مكة؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا هجرة بعد الفتح) يقصد: لا هجرة من مكة، وإلا فالهجرة قائمة إلى الآن، فيترك الإنسان ديار الكفر ويأتي ديار الإسلام. والذي يعنينا أن هؤلاء المهاجرين هم أعلى الأمة مقاماً؛ لأن الله بدأ بهم، واختلف في معنى (السابقين)، فمنهم من قال: هم من صلوا إلى القبلتين، وفرض تحويل القبلة بعد ستة أو سبعة عشر شهراً من الهجرة إلى المدينة، فمن آمن قبل هذا يكون من السابقين على هذا القول. وقال آخرون: من شهد بدراً، وهذا أوسع زمناً. ومنهم من قال: من شهد بيعة الرضوان، وأظنه أرجح وأرحم، فمن شهد بيعة الرضوان في السنة السادسة وكان قد هاجر إلى المدينة قبل هذا الوقت يدخل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة:١٠٠]. والمهاجرون ﵃ وأرضاهم كثر، ومن أشهرهم الخلفاء الأربعة الراشدون. ثم قال جل وعلا: ﴿وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١١٧] والأنصار تسمية شرعية وليست تسمية نسبية، وإنما سمو أنصاراً لأنهم نصروا رسول الله ﷺ ، وإذا أطلقت فإنه يراد بها الأوس والخزرج، والأوس والخزرج رجلان أخوان اسم أحدهما: الأوس بن حارثة واسم الآخر الخزرج بن حارثة، وحارثة ممن هاجروا من اليمن بعد وقوع السد وسكنوا المدينة، وكانت قبائل اليمن قد تفرقت في مواطن شتى، وسكن منهم الأوس والخزرج المدينة، فإذا قيل: (الأنصار) فإنه ينطلق في أول المقام إلى الأوس والخزرج. وكان بينهما من النزاع والنفرة قبل مبعث النبي ﷺ ما الله به عليم، فلما بعث صلوات الله وسلامه عليه آخى بينهم وسماهم الأنصار، وقد جاء في الأحاديث الصحاح الكثير من مناقبهم، قال ﵊: (لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)، وقال: (اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) وقال: (إن الناس يكثرون والأنصار يقلون) وأوصاهم بالصبر، وقال لهم: (إنكم ستجدون أثرة بعدي، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) ﵃ وأرضاهم، وقد قدموا أنفسهم ودورهم ومهجهم وأموالهم من أجل نصرة الله ورسوله. ومن أشهر الأنصار من الأوس سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومن أشهر الأنصار من الخزرج سعد بن عبادة وحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنهما، وبنو عمر بن عوف الذين نزل النبي ﷺ في دارهم في أول مقدمه المدينة بعد هجرته.

стр. 493

بيان سعة رحمة الله وفضله على عباده اللاحقين ثم قال الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذا القيد لابد منه؛ لأن الله لما قال: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) أطلق ولم يذكر قيداً، ولكن حين قال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) جاء جل وعلا بقيد، وهو (بِإِحْسَانٍ)، والإحسان: الإتقان، والمعنى: أن ينظر في صنيعهم، فالمقصود أن هؤلاء المهاجرين والأنصار وقع منهم هفوات وزلات وأخطاء، فلا يجوز أن نتبعهم فيها، وإنما المقصود اتباعهم فيما أصابوا فيه من الاعتقادات والأقوال والأعمال.

стр. 494

بيان عظم جزاء الصالحين من السابقين واللاحقين قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، ولا يوجد نعمة أعظم من رضوان الله، قال الله في كتابه: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، والمعنى: ورضوان من الله أكبر من كل نعمة، أي: لا يعدل رضوان الله جل وعلا شيء، ودليل ذلك أن الله جل وعلا يخاطب أهل الجنة آخر الأمر فيقول: (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)، فلا يعدل رضوان الله شيء، بلغنا الله وإياكم رضوانه. قال الله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا﴾ [التوبة:١٠٠] هذه هي قراءة الأكثرين، وقراءة أهل المدينة على قراءة ابن كثير: (تجري من تحتها الأنهار) بزيادة (من)، والذي عليه الأكثرون بغير حرف الجر، ولا تختلف القراءات في المعنى كثيراً. قال تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. والمقصود من هذه الآية هو أنه كان الكلام عن أهل النفاق ثم أردف بالكلام عن أهل الفضل، فكما أمرنا الله بأن نجتنب أحوال أهل النفاق أمرنا الله بأن نتبع أحوال أهل السبق من المهاجرين والأنصار ﵃ وأرضاهم، وأن نقتفي سيرهم ونلتمس هديهم، ونتتبع آثارهم ونكون كما كانوا.

стр. 495

تفسير قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً) يقول الرب ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٧ - ١٠٨]، لقد نزل النبي ﵊ أول ما نزل المدينة في قباء عند المسجد المؤسس اليوم، وكانت هناك دار لرجل يقال له: كلثوم بن الهدم أحد الخزرج من بني عمرو بن عوف، فنزلها حين دخل المدينة يوم الإثنين، فمكث فيها الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفي يوم الجمعة قبل الزوال خرج من دار كلثوم بن الهدم حتى وصل إلى مكان المسجد المسمى الآن مسجد الجمعة وصلى فيه، ثم أتى مسجده الموجود الآن فأناخ الراحلة، وكان قد أسس ﷺ مسجد قباء، ولكنه لم يبنه، وإنما بناه بنو عمرو بن عوف بعد ذلك، وكان لبني عمرو بن عوف جيران من الخزرج نشأوا على الشرك والضلالة، وأكثرهم منافقون، فبنوا مسجداً ضراراً ينازع هذا المسجد؛ لأن هذا المسجد كان يغص بالمصلين، فتجتمع الكلمة وتتآلف القلوب ويتوحد الصف، فبنوا ذلك المسجد وزعموا أنهم بنوه لذي العلة ولليلة المطيرة ولليلة الشاتية، وللحاجة، وقالوا للنبي ﷺ : إننا بنينا مسجداً ونريد أن تأتي وتصلي فيه كما صليت في مسجد قباء لإخواننا من بني عمرو بن عوف، فاعتذر النبي ﷺ لأنه كان على شغل، حيث كان على جناحي سفر ذاهباً إلى تبوك، فلما قدم من تبوك أوحى الله جل وعلا إليه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة:١٠٧]، فانتدب ﷺ نفراً من الصحابة منهم رجل يقال له: مالك، ومنهم وحشي قاتل حمزة في أربعة ليحرقوا ذلك المسجد ويهدموه، فأتوا المسجد وأخرج مالك من بيته شعلة نار وأحرق المسجد وهدمه، ثم أمر النبي ﷺ بأن يكون مكان المسجد مكاناً كناسة، أي: توضع فيه القمامات وفضلات الناس نكالاً بهم. هذا هو مسجد الضرار الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة:١٠٧]، والضرار: المنازعة، والذي يدفع إليه هو الحسد، ﴿وَكُفْرًا﴾ [التوبة:١٠٧] لأنهم أرادوا بذلك زيادة النفاق الذي في قلوبهم ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٠٧] تدل الآية على أن كل عمل يراد به تفريق الناس أمر محرم شرعاً يؤدي إلى الكفر ولو كان في المسجد، فلا يوجد مصلحة في الدين أعظم من اجتماع كلمة الناس، وكل من حمل لواءً يريد فيه أن يفرق بين المسلمين فإنه يجب نبذه وتركه ولو تستر بألف ستار، فهذا مسجد كان بالإمكان أن يأمر النبي ﷺ الصحابة أن يأتوه ويغيروه ويحولوه، ولكنه أسس على باطل، فأمر النبي ﷺ بهدمه وإحراقه.
следующие страницы →