Полный текст (705 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
تفسير قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)
قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠].
هذه الآية مما يفتح لكل مسلم باب الترغيب في العمل الصالح؛ لأن الله جل وعلا ذكر فيها المهاجرين، وذكر الأنصار، وذكر جل وعلا التابعين لهم بإحسان، وهذا الوصف يدخل فيه كل مؤمن إلى يوم القيامة.
قال جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقد صح عنه ﷺ في الصحيح قوله: (أمتي كالمطر لا يدرى خيره أوله أم آخره) والله يقول في الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة:٣]، فباب الرحمة مفتوح، واللحاق بهؤلاء أمر مقدور عليه، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يظن أن هذا محال، وكان يقرأ هذه الآية هكذا: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان) فأصبح فيها على قراءة عمر فريقان: الأنصار والمهاجرون، فلما قرأها على زيد -وكان زيد أعلم من عمر بالقرآن- قال: يا أمير المؤمنين! فيها واو.
فقال: ليس فيها واو.
ثم قال عمر: ادع لي أبياً.
يعني: أبي بن كعب، فصدق أبي قول زيد، وقرأها: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فقال عمر ﵁: ما كنت أدري أن أحداً سيبلغ مبلغنا، يعني: ما كنت أظن أن الباب مفتوح.
ولكن رحمة الله واسعة، وقد قال النبي ﵊: (وددت لو أني رأيت إخواني، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم يأتوا بعد)، وهذا داخل فيه كل من اتبع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان.
стр. 492
بيان المراد بالمهاجرين
والمهاجرون: كلمة أطلقت على من هاجر إلى مكة؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا هجرة بعد الفتح) يقصد: لا هجرة من مكة، وإلا فالهجرة قائمة إلى الآن، فيترك الإنسان ديار الكفر ويأتي ديار الإسلام.
والذي يعنينا أن هؤلاء المهاجرين هم أعلى الأمة مقاماً؛ لأن الله بدأ بهم، واختلف في معنى (السابقين)، فمنهم من قال: هم من صلوا إلى القبلتين، وفرض تحويل القبلة بعد ستة أو سبعة عشر شهراً من الهجرة إلى المدينة، فمن آمن قبل هذا يكون من السابقين على هذا القول.
وقال آخرون: من شهد بدراً، وهذا أوسع زمناً.
ومنهم من قال: من شهد بيعة الرضوان، وأظنه أرجح وأرحم، فمن شهد بيعة الرضوان في السنة السادسة وكان قد هاجر إلى المدينة قبل هذا الوقت يدخل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة:١٠٠].
والمهاجرون ﵃ وأرضاهم كثر، ومن أشهرهم الخلفاء الأربعة الراشدون.
ثم قال جل وعلا: ﴿وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١١٧] والأنصار تسمية شرعية وليست تسمية نسبية، وإنما سمو أنصاراً لأنهم نصروا رسول الله ﷺ ، وإذا أطلقت فإنه يراد بها الأوس والخزرج، والأوس والخزرج رجلان أخوان اسم أحدهما: الأوس بن حارثة واسم الآخر الخزرج بن حارثة، وحارثة ممن هاجروا من اليمن بعد وقوع السد وسكنوا المدينة، وكانت قبائل اليمن قد تفرقت في مواطن شتى، وسكن منهم الأوس والخزرج المدينة، فإذا قيل: (الأنصار) فإنه ينطلق في أول المقام إلى الأوس والخزرج.
وكان بينهما من النزاع والنفرة قبل مبعث النبي ﷺ ما الله به عليم، فلما بعث صلوات الله وسلامه عليه آخى بينهم وسماهم الأنصار، وقد جاء في الأحاديث الصحاح الكثير من مناقبهم، قال ﵊: (لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)، وقال: (اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) وقال: (إن الناس يكثرون والأنصار يقلون) وأوصاهم بالصبر، وقال لهم: (إنكم ستجدون أثرة بعدي، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) ﵃ وأرضاهم، وقد قدموا أنفسهم ودورهم ومهجهم وأموالهم من أجل نصرة الله ورسوله.
ومن أشهر الأنصار من الأوس سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومن أشهر الأنصار من الخزرج سعد بن عبادة وحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنهما، وبنو عمر بن عوف الذين نزل النبي ﷺ في دارهم في أول مقدمه المدينة بعد هجرته.
стр. 493
بيان سعة رحمة الله وفضله على عباده اللاحقين
ثم قال الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذا القيد لابد منه؛ لأن الله لما قال: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) أطلق ولم يذكر قيداً، ولكن حين قال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) جاء جل وعلا بقيد، وهو (بِإِحْسَانٍ)، والإحسان: الإتقان، والمعنى: أن ينظر في صنيعهم، فالمقصود أن هؤلاء المهاجرين والأنصار وقع منهم هفوات وزلات وأخطاء، فلا يجوز أن نتبعهم فيها، وإنما المقصود اتباعهم فيما أصابوا فيه من الاعتقادات والأقوال والأعمال.
стр. 494
بيان عظم جزاء الصالحين من السابقين واللاحقين
قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، ولا يوجد نعمة أعظم من رضوان الله، قال الله في كتابه: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، والمعنى: ورضوان من الله أكبر من كل نعمة، أي: لا يعدل رضوان الله جل وعلا شيء، ودليل ذلك أن الله جل وعلا يخاطب أهل الجنة آخر الأمر فيقول: (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)، فلا يعدل رضوان الله شيء، بلغنا الله وإياكم رضوانه.
قال الله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا﴾ [التوبة:١٠٠] هذه هي قراءة الأكثرين، وقراءة أهل المدينة على قراءة ابن كثير: (تجري من تحتها الأنهار) بزيادة (من)، والذي عليه الأكثرون بغير حرف الجر، ولا تختلف القراءات في المعنى كثيراً.
قال تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠].
والمقصود من هذه الآية هو أنه كان الكلام عن أهل النفاق ثم أردف بالكلام عن أهل الفضل، فكما أمرنا الله بأن نجتنب أحوال أهل النفاق أمرنا الله بأن نتبع أحوال أهل السبق من المهاجرين والأنصار ﵃ وأرضاهم، وأن نقتفي سيرهم ونلتمس هديهم، ونتتبع آثارهم ونكون كما كانوا.
стр. 495
تفسير قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً)
يقول الرب ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٧ - ١٠٨]، لقد نزل النبي ﵊ أول ما نزل المدينة في قباء عند المسجد المؤسس اليوم، وكانت هناك دار لرجل يقال له: كلثوم بن الهدم أحد الخزرج من بني عمرو بن عوف، فنزلها حين دخل المدينة يوم الإثنين، فمكث فيها الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفي يوم الجمعة قبل الزوال خرج من دار كلثوم بن الهدم حتى وصل إلى مكان المسجد المسمى الآن مسجد الجمعة وصلى فيه، ثم أتى مسجده الموجود الآن فأناخ الراحلة، وكان قد أسس ﷺ مسجد قباء، ولكنه لم يبنه، وإنما بناه بنو عمرو بن عوف بعد ذلك، وكان لبني عمرو بن عوف جيران من الخزرج نشأوا على الشرك والضلالة، وأكثرهم منافقون، فبنوا مسجداً ضراراً ينازع هذا المسجد؛ لأن هذا المسجد كان يغص بالمصلين، فتجتمع الكلمة وتتآلف القلوب ويتوحد الصف، فبنوا ذلك المسجد وزعموا أنهم بنوه لذي العلة ولليلة المطيرة ولليلة الشاتية، وللحاجة، وقالوا للنبي ﷺ : إننا بنينا مسجداً ونريد أن تأتي وتصلي فيه كما صليت في مسجد قباء لإخواننا من بني عمرو بن عوف، فاعتذر النبي ﷺ لأنه كان على شغل، حيث كان على جناحي سفر ذاهباً إلى تبوك، فلما قدم من تبوك أوحى الله جل وعلا إليه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة:١٠٧]، فانتدب ﷺ نفراً من الصحابة منهم رجل يقال له: مالك، ومنهم وحشي قاتل حمزة في أربعة ليحرقوا ذلك المسجد ويهدموه، فأتوا المسجد وأخرج مالك من بيته شعلة نار وأحرق المسجد وهدمه، ثم أمر النبي ﷺ بأن يكون مكان المسجد مكاناً كناسة، أي: توضع فيه القمامات وفضلات الناس نكالاً بهم.
هذا هو مسجد الضرار الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة:١٠٧]، والضرار: المنازعة، والذي يدفع إليه هو الحسد، ﴿وَكُفْرًا﴾ [التوبة:١٠٧] لأنهم أرادوا بذلك زيادة النفاق الذي في قلوبهم ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٠٧] تدل الآية على أن كل عمل يراد به تفريق الناس أمر محرم شرعاً يؤدي إلى الكفر ولو كان في المسجد، فلا يوجد مصلحة في الدين أعظم من اجتماع كلمة الناس، وكل من حمل لواءً يريد فيه أن يفرق بين المسلمين فإنه يجب نبذه وتركه ولو تستر بألف ستار، فهذا مسجد كان بالإمكان أن يأمر النبي ﷺ الصحابة أن يأتوه ويغيروه ويحولوه، ولكنه أسس على باطل، فأمر النبي ﷺ بهدمه وإحراقه.
стр. 496
بيان حكم الظهور في القنوات التلفزيونية
ومن هنا نقول والله أعلم: إن القنوات المعاصرة اليوم إن أسست على باطل لا نرى جواز الظهور فيها، ولو ظن من يظهر فيها أن هناك مصلحة، أما إذا أسست على حق فإنه يجوز الظهور فيها وإن خالطها شيء من الحرمة.
فإذا جاء إنسان قد أسس قناة تبث أفلاماً، ثم قال للشيخ والشيخ والشيخ نحن نريد منكم دروساً في هذه القناة، فإنا نقول -والله تعالى أعلم-: إنه لا يجوز شرعاً الظهور في مثل هذه القناة؛ لأن هذا تقرير لصحة ما بنت عليه القناة أمرها.
أما إذا وجدت قناة إسلامية فإنه يجوز الظهور فيها، كالمجد مثلاً، ونحن لا نمدح المجد لمصلحة، وإنما نمدح قناة المجد لأنها المنارة الوحيدة الموجودة الآن التي تبث الإسلام كما يريد فيما نعلم، ويضاف إليها قناة الفجر، وهناك قنوات رسمية لبعض الدول لم تؤسس على حق ولا على باطل، بل لمصلحة، فهذه يجوز الظهور فيها لتوسطها.
ولا يعقل أن تأتي قناة تبث فلماً إباحياً أو فلماً يكاد يقرب من دوافع الفحشاء ثم يؤتى فيها برجل يحدث، ثم ينتهي هذا الرجل ويؤتى بفلم آخر على نفس المنوال، فهذا عبث، ومثاله في الواقع كرجل أراد أن يعمل حفلة فرح، فجاء براقصات ومغنين عراة، فجاء ناس ينكرون عليه فقالوا: هذا حرام لا يجوز، فقال: ليست هناك مشكلة، فهذا الفرح من الساعة التاسعة العاشرة، ومن إحدى عشرة إلى الواحدة أسمح لكم بأن تأتوا على نفس المسرح لتلقوا أي حديث فهل يجوز لرجل أن يأتي هذا المكان ويلقي هذا الحديث ويخرج وهو يعلم يقيناً أن قبله محرم وبعده محرم؟!
و
الجواب
لا، لا يمكن؛ لأنك أنت إذا فعلت فقد جعلت الناس يكثرون ويأتون.
وهنا مسألة مهمة، وهي أنه لا يعني ذلك أن من ظهر من علمائنا وفضلائنا في مثل هذه القنوات يتهم بشيء، فنحن نقول ما ندين الله به، فما نراه حقاً قد يكون خطأ عند غيرنا، وما نراه خطأ قد يكون صواباً عند غيرنا، فنحن نبين الحكم على ما نرتضيه، ولكن لا يجوز لنا ولا لغيرنا أن نقدح في أحد من علماء المسلمين رأى أنه توجد مصلحة في الخروج في تلك القنوات، فأنا أقول ما أدين الله به في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة:١٠٧]، فهذا مسجد بني وسقف ووجد، وكان له إمام، فلو كان شيء أسس على باطل يمكن قلبه إلى حق لكان هذا المسجد، حيث كان ﷺ سيرسل أبي بن كعب إماماً له وتنتهي القضية.
стр. 497
بيان معنى قوله تعالى (وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله)
ثم قال تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:١٠٧]، الإرصاد: التربص والترقب، وكان هناك رجل يقال له: أبو عامر الفاسق، وكان يقال له في الجاهلية: أبو عامر الراهب، وقد قال للنبي ﷺ بعد أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك، فقاتله حتى مع هوازن يوم حنين، ثم خرج إلى قيصر وقال للمنافقين الذين في المدينة: ابنو المسجد وترقبوا عودتي من قيصر بالجنود حتى نخرج محمداً وأصحابه منها، فهذا معنى قول الله: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:١٠٧]، والمقصود هو أبو عامر الراهب، وهو والد حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة، فسبحان من يخرج الحي من الميت، وليس هناك حياة أعظم من حياة الإيمان، ولا موت أعظم من موت الكفر.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة:١٠٧]، ولا يوجد إنسان يريد أن يضل الناس فيقول لهم: أنا أريد أن أضلكم، فالله يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]، وهنا قال تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:١٠٧]، فقال الله لنبيه: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨] فأحرقه ﷺ .
стр. 498
تفسير قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه)
ثم قال له: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة:١٠٨]، وهو مسجد قباء على الصحيح ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة:١٠٨] أي: من أول يوم حضرت فيه المدينة ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨].
وإذا كان مسجد قباء الذي أسسه النبي ﷺ جاء فيه هذا الفضل مع أنه لم يزد على أن أسسه، فكيف بمسجده الذي أسسه وشارك في بنيانه؟! فإذا ورد ذلك الفضل في حق ما أسسه فمن باب أولى أن يكون المسجد النبوي أعظم؛ لأنه أسسه وشارك ﷺ في بنائه.
وقوله تعالى: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨] المراد بالقيام هنا: الصلاة، ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
стр. 499
تفسير قوله تعالى: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان)
ثم ذكر الله قاعدة: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩]، قال العلامة ابن سعدي ﵀: إن المعصية تؤثر في المكان كما تؤثر فيه الطاعة، فذلك المسجد لما بناه قوم عصاة خرج عن كونه مسجداً، ومسجد قباء لما صلى فيه قوم طائعون مصلحون ازداد نوراً على نور.
هذا ما أردنا بيانه على وجه الإجمال في وقفاتنا مع سورة التوبة، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وألبسنا الله وإياكم لباسي العافية والتقوى، وصلى الله على محمد وعلى آله.
стр. 500
سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة الحجر
يبين الله تعالى في فاتحة سورة الحجر حال الكافرين عند مشاهدتهم الحقيقة، حيث يذكر تعالى عنهم ودهم عند ذاك أن لو كانوا مسلمين، كما يبين تعالى في فاتحتها إعذاره إلى الأمم الهالكة بإرسال النذر، وموقف الكافرين من دعوة رسول الله ﷺ لهم إلى التوحيد.
كما يبين تعالى فيها توليه حفظه كتابه، وهو الأمر المشاهد والخبر المصدق.
стр. 501
ذكر نسبة سورة الحجر وآياتها وسبب تسميتها
الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من أقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن السورة التي سنشرع في تفسيرها -بإذن الله تعالى- هي سورة الحجر، وهي سورة مكية عدد آياتها تسع وتسعون آية، والسور المكية تعنى بجانب العقيدة، كما أنها تكون في غالبها ذات آيات قصيرة؛ وقد سميت سورة الحجر بهذا الاسم لقول الله جل وعلا فيها: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر:٨٠]، وهم قوم صالح ﵇.
стр. 502
بيان معنى الحجر
والحجر في اللغة يطلق على كل ممنوع، ويطلق الحجر أحياناً ويراد به الجزء المتبقي من الكعبة الذي لم يبن بمال قريش، وهو المسمى عند العامة اليوم بحجر إسماعيل، وسمي حجراً لأن الجدار الشامي الذي هو داخله لا يستطيع الطائف أن يلمسه، فالحجر يحول بينه وبين الجدار الشامي.
وهذا الحجر أصله أن العرب في جاهليتها لما هدم الكعبة السيل وأرادت أن تبنيها أرادت أن تبنيها من حر مالها، فضاقت بهم النفقة من طيب مالهم، فبقي هذا الجزء قاصراً على تلك الحال، حتى إن النبي ﵊ قال لـ عائشة: (لولا أن قومك حديثوا عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم وجعلت لها بابين).
ثم لما كانت خلافة عبد الله بن الزبير أعاد بناء الكعبة وأدخل الحجر هذا فيها، فلما تم الأمر للأمويين من بعده على يد الحجاج بن يوسف هدمت الكعبة وأخرج الحجر عن الكعبة على ما كان عليه في عهد النبي ﷺ ، وهي الهيئة التي يراه اليوم كل من يطوف بالبيت، فمن صلى داخل الحجر فكأنما صلى داخل الكعبة، ولا يجوز الطواف بين جدار الحجر وجدار الكعبة.
ويطلق الحجر كذلك على العقل؛ لأنه يحجر على صاحبه، ويمنعه من ارتكاب ما لا يليق، قال الله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٥] أي: هل في ذلك قسم ونفع لذي عقل ولب يمتنع عما لا يليق به؟! فالحجر هنا بمعنى العقل.
ويطلق الحجر على الأمر الممنوع المحرم الذي لا يمكن أن يقع، ومنه قول الله جل وعلا عن الكفار: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢٢] أي: أمراً ممنوعاً محرماً لا يمكن أن يقع.
وهذه الثلاثة المعاني كلها غير داخلة في السورة.
стр. 503
المقصود بالحجر في تسمية السورة
والمقصود بالحجر في تسمية سورة الحجر: الديار التي كانت تسكنها قبيلة ثمود قوم صالح ﵊، فهذه القبيلة كانت تسكن في ديار يقال لها الحجر، وهي المعروفة الآن بجوار محافظة العلا في بلادنا، وقد مر عليها النبي ﷺ في مسيره إلى تبوك، وكان الصحابة قد سبقوه إلى عين تبوك -أي: عين الحجر- وأخذوا من مائها وخلطوا به عجينهم، فأمرهم النبي ﵊ بأن يهرقوا الماء وأن يعلفوا العجين للدواب، وأمرهم أن يشربوا من العين التي كانت تشرب منها الناقة.
فالإنسان إذا مر على ديار قوم معذبين يجب عليه أن يسرع ويخشى من البقاء فيها، فالنبي ﵊ في حجة الوداع لما مر على وادي محسر بين مزدلفة ومنى أسرع ﷺ في مشيته؛ لأن الفيل حبس في ذلك المكان، عياذاً بالله.
فالسبب الذي من أجله سميت سورة هود ورود كلمة الحجر فيها.
стр. 504
تفسير قوله تعالى: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين)
قال الله جل وعلا: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:١ - ٢].
المبحث اللغوي هنا أن هذه الآية تقرأ فيها (ربما) بالتخفيف وبالتشديد، فتقرأ بالتخفيف على (رُبَ) كما هو بين يديك في المصحف، وتقرأ بالتشديد (رُبَمَا) وكلتا القراءتين صحيحة، وكل منهما لها وجه عند العرب في كلامها.
أما المعنى: فإن هذا القول حكاه الله جل وعلا عن أهل الكفر، فالله يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢]
و
السؤال
متى يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين؟ اتفق العلماء على أن هذا لا يقع إلا إذا عاينوا حقيقة الأمر، فيودون لو أنهم كانوا مسلمين.
ثم اختلفوا -أي: العلماء ﵏ في وقت معاينتهم الحقيقة على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا احتضر الكافر، فإنه يود لو كان مسلماً، وهذا محتمل؛ ولكنه أضعف الأقوال، ولا نجزم ببطلانه.
القول الثاني: عندما يرون النار، وهذا يدل عليه قول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧] فآية الأنعام تشهد للقول بأنه يقع هذا القول من أهل الكفر عند رؤية النار.
القول الثالث: أنه عندما يخرج الله جل وعلا عصاة المؤمنين الموحدين من النار يقول الكفار هذه الكلمة، وهذا القول أرجح الأقوال والله أعلم، وله آثار من السنة يعضد بعضها بعضاً.
فالله جل وعلا -كما هو معلوم- حكم ألا يخلد في النار من مات لا يشرك به شيئاً، فعصاة الموحدين آخر أمرهم إلى الجنة، فإذا اجتمع عصاة المؤمنين مع الكفار في النار يقول أهل الكفر لأهل الإيمان: ما الفرق بينا وبينكم؟! أنتم أسلمتم وآمنتم وكفرتم باللات والعزى، ونحن آمنا باللات والعزى، فما نفعكم إيمانكم ولا تصديقكم شيئاً، فنحن وأنتم في النار! فيخرج الله جل وعلا بعدها عصاة الموحدين الذين يقال لهم الجهنميون إلى الجنة، فإذا اخرجوا إلى الجنة يقع قول الله جل وعلا: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢].
стр. 505
جواب الإشكال في تقليل ود الذين كفروا الإسلام
وقد أشكل على العلماء أنها جاءت للتقليل؛ والأصل فيها أنها لا تدخل على الأفعال، والعرب تقول في أمثالها: (رُبَّ أخ لك لم تلده أمك)، ويقولون غير ذلك مما يدل على أن (رُبَّ) تختص بالدخول على الأسماء، ولكن الذي أدخلها على الفعل هنا وجود (ما)، فساغ دخولها على الفعل، ولكن ذلك لا يخرجها عن كونها تفيد التقليل.
وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأن العذاب -عياذاً بالله- يلهيهم عن كثرة القول بودهم لو كانوا مسلمين، أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله.
стр. 506
تفسير قوله تعالى: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] ليس المقصود بالأمل هنا الرجاء أو انتظار الفرج، وإنما المقصود بالأمل هنا الذي يلهي بالإقبال على الدنيا والإعراض عن الآخرة، واختلف العلماء هل هذه الآية منسوخة أو غير منسوخة؟ فإن قيل: إنها منسوخة فهي منسوخة بآية السيف، وإن قيل: إنها غير منسوخة فهذا أسلوب تهكم بكفار قريش وغيره.
стр. 507
تفسير قوله تعالى: (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون)
ثم قال الله جلا وعلا عنهم في بعض آيات هذه السورة: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦] والجزء الأول من الآية يشعر بأنهم آمنوا واعترفوا بالنبوة، ولكن الجزء الثاني: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦] يذهب هذا، والمعنى أنهم يقولون من باب السخرية والاستهزاء والتهكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦] وقد ورد في بعض كتب السير أنهم كانوا من سخريتهم بالنبي ﷺ يأتي أحدهم فيربت على كتف النبي ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر:٦] فيلتفت ﷺ هاشاً باشاً يظن أنه آمن فيقول له: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦]، وهذا منتهى العنت والصدود، ومنتهى الصبر منه صلوات الله وسلامه عليه، وبعض بيان لما كان لقاه ﵊ من ألم ومشقة عظيمة في سبيل الدعوة إلى ربه.
وهذا الأسلوب القرشي لم يكن القرشيون فيه بأول الناس، فهو أسلوب ابتدعته الأمم من قبل، قال الله جل وعلا عن فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٧] ففرعون يعترف في أول الكلام أن موسى رسول، حيث قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٧]، وقبل فرعون قاله قوم شعيب لشعيب، كما قال الله جل وعلا حكاية عنهم: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧] فكلمة (إنك لأنت الحليم الرشيد) قيلت في معرض السخرية والاستهزاء والتنقيص لبنبي الله شعيب.
فالقرشيون ساروا على نهج الأسلاف من أهل الكفر في الأمم السابقة.
стр. 508
تفسير قوله تعالى: (لو ما تأتينا بالملائكة)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر:٦ - ٨].
(لو) إذا جاء بعدها الفعل المضارع فإنه يقصد بها الحث أو الحظ، وهي هنا للحث، وإذا جاء بعدها الفعل الماضي فغالباً يراد بها التوبيخ، كقول الله ﵎: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف:٢٨]، وقول الله جل وعلا: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:١٣] فهذا كله باب توبيخ.
فالمقصود بـ (لو) هنا الحث، فالقرشيون يقولون: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ﴾ [الحجر:٧] وهذا المطلب القرشي من النبي ﷺ أن يأتيهم بالملائكة تكرر كثيراً في القرآن، كقوله تعالى عنهم: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥٣]، فكان القرشيون يطالبون النبي ﷺ دائماً بأن ينزل الملائكة.
والسبب في عدم نزول الملائكة هو أنه لو جاء ملائكة مع النبي ﷺ فما آمن الكفار لحصل العذاب مباشرة، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام:٨] فلو أنزل الله جل وعلا ملائكة فإن الأمر سينقضي تماماً، فقال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام:٨] فالله ﵎ لم ينزل الملائكة رحمة بهم.
قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر:٨] هذا شاهد لما قلنا، و (إذاً) هنا جاءت منونة، والتنوين هنا تنوين عوض عن جملة، ومعنى الآية: ((وَمَا كَانُوا)) إذا نزلت الملائكة فكذبوا بهم ((مُنْظَرِينَ)).
стр. 509
تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
المقصود بالذكر هنا القرآن، ولكن اختلف العلماء في عود الضمير قول الله جل وعلا: ((وَإِنَّا لَهُ))، فقال بعض العلماء: (وإنا له) أي: لنبي الله ﷺ ، فيصبح المعنى: إن الله أنزل القرآن وهو حافظ لنبيه، وقالوا: إن دليل هذا القول قول الله جل وعلا في المائدة: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
ولكن هذا قول مرجوح، والراجح ما عليه جماهير العلماء أن الهاء عائدة على الذكر الذي هو القرآن.
فنأخذ من هذه الآية أمور أعظمها: أن القرآن منزل من عند الله، ولعظمة القرآن جاء الله جل وعلا بـ (نحن) الدالة على التفخيم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ﴾ [الحجر:٩] أي: للقرآن ﴿لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالقرآن أعظم كتاباً أنزل من السماء على أعظم نبي مشى على الأرض صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 510
بيان حفظ الله تعالى لكتابه الكريم
وقول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فيه دلالة على أن الله تكفل بحفظ القرآن، وقد أيد الله هذا المعنى في آيات كثيرة، قال سبحانه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] وهذا أمر متفق عليه، وينبغي أن يقال بعد ذلك الأسباب التي جعلها الله حافظة للقرآن؛ لأن الله جل وعلا إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، فلكي يبقى القرآن محفوظا لا بد من أن يهيأ الله جل وعلا أسباب حفظه، فالقرآن أول ما نزل نزل منجماً مفرقاً على قلب نبينا ﷺ ، والنبي ﷺ لم يكن يكتب، والذي لا يجيد الكتاب يعتمد على حفظه، فلما كان جبريل أول الأمر ينزل بالقرآن كان النبي يخالج جبريل بالقراءة خوفاً أن يتفلت منه ما يملى عليه، فطمأنه الله فقال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩].
فتكفل الله بحفظه في قلب نبيه وإفهام معناه لنبينا ﷺ ، فكان بعد ذلك صلوات الله وسلامه عليه إذا أقرأه جبريل القرآن لا يخالج ولا يخالط ولا يراجع جبريل؛ لأن الله جل وعلا طمأنه بأن يحفظ القرآن، ثم أذن ﵊ بكتابة القرآن.
стр. 511
مراحل جمع القرآن الكريم
لقد مر جمع القرآن بثلاث مراحل، فجمع باعتبار حفظه، وجمع باعتبار كتابته، وجمع باعتبار تسجيل صوت قارئه، وكلها جعلها الله أسباباً لحفظ كتابه.
أما الأول فإن النبي ﷺ كان القرآن في قلبه يحفظه، ويقرأ به آناء الليل وأطراف النهار، ويصلي به الليل، ويقرأه على أصحابه، ويتلوه على المنبر، ويشجع أصحابه على حفظه عبر طرق متعددة، فيعطي الراية لمن هو حافظ للقرآن، وفي القبور كان يقدم من هو أكثر قرآناً، وفي صدور المحاريب يقدم اقرأهم لكتاب الله، ويزوج أحياناً بمهر القرآن، وهذه كلها طرق اتبعها النبي ﵊ ليحفظ الناس كلام ربهم جل وعلا، فاستجاب الصحابة في ذلك للنبي ﵊، فظهر فيهم قراء يتقنون القرآن، كمثل أبي بن كعب وتميم بن أوس الداري وزيد بن ثابت، والخلفاء الأربعة وغيرهم من الأئمة وأفاضل الصحابة.
وهذا التشجيع كان النبي ﷺ يعلنه، فقد قال في حق أبي موسى الأشعري: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) يشجعه على قراءة القرآن، ومر على سالم مولى أبي حذيفة وهو يقرأ القرآن فقال: (الحمد الله الذي جعل في أمتي مثلك) أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح، وأمر ﵊ عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه القرآن فقال: كيف اقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! قال: (إني أحب أن أسمعه من غيري) فقرأ عبد الله بن مسعود بعضاً من سورة النساء على نبينا ﷺ .
وكان ﵇ يقول: (إني لأعرف منازل الأشعرين -أهل اليمن- من قراءتهم للقرآن في الليل، وإن كنت لا أعرف أين نزلوا في النهار)؛ لأنهم كانوا يقرءون القرآن بصوت عال.
فهذا كله جعل الصحابة يحفظون القرآن والحفظ للقرآن جاء في وصف الصحابة في الكتب المتقدمة في التوراة والإنجيل، حيث جاء فيها أن أناجيلهم في صدورهم، وقد قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
وكان القرآن يكتب، ولكن مات النبي ﷺ والقرآن مكتوب مفرقاً، بمعنى أنه لا يوجد لوح مكتوب فيه القرآن كله.
الجمع الثاني: جمعه كتابتة، وهذا تولاه الصديق رضي الله تعالى عنه بمشورة من عمر ﵄، وكلف به زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقال: لو كلفاني أن أنقل جبلاً لكان أهون علي مما حملاني إياه، فأخذ زيد يسأل الناس ويأتي بشهيدين على كل آية حتى جمع القرآن الذي هو بين دفة المصحف اليوم، وسمي مصحفاً في عهد أبي بكر، وكلمة (مصحف) يجوز في ميمها التثليث، فيقال: مُصحف ومِصحف ومَصحف والضم أشهر.
وأما الجمع الثالث فهو الجمع التسجيلي وهو تسجيل الصوت، وهذا الجمع لم يكن في القرون المفضلة ولم يكن فيما بعدها لعدم وجود آله تسجيل، وإنما تبنته جمعية خيرية في مصر عام ١٣٧٩ من الهجرة في القاهرة بمشورة من رجل فوافقه علماء عصره، ولم تكن آلات التسجيل كما هي في عصرنا هذا، وكان أول رجل سجل له القرآن الشيخ محمود خليل الحصري رحمه الله تعالى، فسجل القرآن بصوته.
ثم تبنت بعد ذلك عدة مؤسسات علمية جمع القرآن صوتياً تختلف في قوتها، وآخرها مجمع الملك فهد المعروف في المدينة المنورة، وقد سُجِّل فيه القرآن بصوت الشيخ علي الحذيفي والشيخ إبراهيم الأخضر فأصبح القرآن مجموعاً بثلاث طرق، فجمع في صدور من يحفظونه، وجمع كتابة، وجمع تسجيلاً، وهذا تحقيق لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
ويروى أن رجلاً يهودياً حسن السمت جميل الخط دخل على المأمون الخليفة العباسي، فعرف أنه يهودي، فقال له المأمون: أسلم وسأوليك كذا وكذا؛ لأنه كان معجباً به، فرفض أن يسلم، ثم خرج من عند المأمون فغاب عاماً ثم عاد إلى المأمون وقد أسلم، قال له المأمون: ألست صاحبنا بالأمس؟ فقال: بلى، فقال: لماذا أسلمت؟ قال: يا أمير المؤمنين! إنني وقد أعطيت عقلاً وحسن خط، فعمدت إلى التوراة فكتبتها فزدت فيها ونقصت، ثم أتيت إلى علماء اليهود وعرضت عليهم ما كتبت فاشتروه مني، ثم عمدت إلى الإنجيل فكتبته بخطي، فزدت فيه ونقصت من عندي، فعمدت إلى ديار الرهبان فاشتروه مني، ثم عمدت إلى القرآن فكتبته فزدت فيه ونقصت، فذهبت إلى الوراقين -وليس إلى العلماء- في الدكاكين فأعطيتهم إياه فتصفحوه فوجدوا فيه زيادة ونقصاناً فرموه ولم يشتروه مني، فعلمت أن هذا القرآن محفوظ، فأسلمت بهذا السبب.
فحج يحيى بن أكثم وزير المأمون فالتقى بـ سفيان بن عيينة المحدث الحجازي المعروف، ثم حكى له الخبر، فقال له: إن يهودياً جاء إلى أمير المؤمنين وكان من شأنه كذا وكذا، فقال سفيان -وهو الواثق من علمه-: هذه القصة مصداقها في كلام الله.
فقال له: أين؟ قال: في قول الله جل وعلا: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٤]، فأوكل الله الحفظ إليهم فضيعوه، وقال عن كتابنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فلم نضيعه.
هذه مجمل ما يمكن بيانه حول قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
стр. 512
دلالة الآية على كون العلم في الصدر
وقد دلت الآية كذلك على أن الأصل في العلم أن يكون في الصدر؛ لأن الله قال عن الصحابة وقال عن أهل العلم: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، ولذلك قال العلماء: إن الفهم والحفظ واستظهار الأدلة كل ذلك مطلوب من العالم، ومن أعظم ما يجعل الإنسان حافظاً هو ترك المعاصي، وقد كان وكيع بن الجراح الإمام المعروف من أشهر الناس في الحفظ، فقد كان يسند ظهره أحياناً إلى سارية المسجد فيملي سبعمائة حديث من حفظه دون أن يقطعها، فمر معه رجل ذات يوم فقال له: يا وكيع! إني أسألك عن مسألة.
قال: سلني.
فقال: ما أعظم أدوية الحفظ؟ فقال: أوتفعل إن أمرت -أو إن أرشدتك-؟ قال: نعم.
قال: ترك المعاصي، ما جربت شيئاً غيره.
ولهذا سأل الشافعي رحمه الله تعالى وكيعاً عن نفس السؤال، فـ وكيع شيخ للشافعي، وشيخ لـ أحمد، ويكثر أحمد في المسند من قوله: حدثني وكيع عن سفيان عن عبد الله بن دينار وذكر السند، فـ وكيع شيخ لهما.
قال الشافعي ﵀: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي وليس المقصود بالعلم هنا مجرد حفظه وإدراكه، وإنما المقصود به على وجه التفصيل العلم والعمل به، وهذا معنى قول وكيع: إن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
стр. 513
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم)
يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٧٨ - ٨٨].
هذه الآيات ذكر الله جل وعلا فيها منَّته على رسوله ﷺ بأن الله جل وعلا أعطاه القرآن وأعطاه السبع المثاني، وقد اختلف العلماء في الواو في قوله تعالى: (سبعاً من المثاني والقرآن العظيم)، والصواب أن يقال: إنها واو عطف، ويصبح ذلك من باب عطف العام على الخاص، فالسبع المثاني المقصود بها الفاتحة في قول جمهور العلماء، وقال بعض العلماء: إن المراد بها السبع الطوال، والأظهر -والله أعلم- أن المقصود بها فاتحة الكتاب، وهي أعظم سورة في كلام الله، ولذلك أمرنا الله جل وعلا بأن نتلوها في اليوم في كل ركعة، سواء أكانت الصلاة فرضاً أم نفلاً.
стр. 514
الاعتياض بقراءة القرآن وتلاوته عن زينة الحياة الدنيا
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]، فالله يمن على نبيه بهذا القرآن، وهذه المنة بالقرآن تجعل النبي ﷺ ومن تبعه لا ينظر إلى زينة الحياة الدنيا، حيث يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧] أي: وبما أننا آتيناك هذه السبع المثاني والقرآن العظيم: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، وجاء في سورة طه: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [طه:١٣١].
إذاً: من أعظم ما يعين الإنسان على ترك التعلق بالدنيا قراءة وتلاوة القرآن، على أنه ينبغي أن يفهم أن قول الله جل وعلا لنبيه: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر:٨٨] لا يعني تحريم طيبات الحياة الدنيا؛ لأن النبي ﵊ قال: (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب)، ولكنه قال بعدها (وجعلت قرة عيني في الصلاة) فالإنسان قد جبل على أن يحب شيئاً من الدنيا، فهذا يحب التجارة، وهذا يحب السيارات، وهذا يحب العقار، وهذا يحب الجلسات البرية، وهذا يحب الصيد، والناس في ذلك يختلفون، وهذا لا ينافي الشرع إذا كان الإنسان يأخذ منه بقدر؛ لأن النبي ﵊ كان يحب النساء، ويحب أن يتجمل بالطيب، ولكن المؤمن يجد مكمن الحلاوة وجليل اللذة في صلاته؛ لأنها تقف به بين يدي رب العالمين جل ذكره، فالنبي ﵊ يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).
стр. 515
بيان معنى قوله تعالى (ولا تحزن عليهم)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر:٨٨]، وهذه الجملة تحتمل ثلاثة معان: المعنى الأول: لا تحزن عليهم لكونهم لم يؤمنوا.
المعنى الثاني: لا تحزن عليهم لما متعناهم به من الحياة الدنيا؛ فإن لهم الدنيا ولك الآخرة.
المعنى الثالث: لا تحزن عليهم أنهم صائرون إلى العذاب؛ لأنهم أهل للعذاب.
ثم ختم الله جل وعلا الآية بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨] وخفض الجناح للمؤمنين معاملتهم بلين، والنبي ﷺ يقول: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) والإنسان إذا أعطي خفض الجناح والكلام اللين والوجه الذي يبش به في وجوه إخوانه، وإقالة العثرة، والعفو عن الناس، وحسن معاشرتهم؛ فقد رزق العمل بهذه الآية التي أمر الله بها نبيه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، وأولى بخلق المسلم وكريم صفاته وجميل نعوته من حوله من إخوانه المؤمنين.
رزقنا الله وإياكم الفقه في الدين والعمل به.
стр. 516
الأسئلة
стр. 517
حكم التأمين
السؤال
ما حكم التأمين؟
الجواب
التأمين مسألة خلافية، فجمهور أهل العلم المعاصرين على أنه حرام، وذهب بعض العلماء المعتبرين إلى أنه لا حرج فيه.
стр. 518
حكم الصلاة خلف المتعصب لمذهب
السؤال
هل تجوز الصلاة خلف شخص متعصب لمذهب من المذاهب الأربعة ولا يأخذ بأي قول من المذاهب الأخرى؟
الجواب
الصلاة خلفه صحيحة، فمن صحت صلاته لنفسه صحت صلاته بغيره.
стр. 519
حكم الصلاة خلف الصوفية
السؤال
هل تجوز الصلاة خلف شخص صوفي من أهل البدع والأهواء الذين من يقيمون الموالد؟
الجواب
إذا ثبت أنه مشرك فلا تجوز الصلاة خلفه، أما كونه يقيم المولد فالمولد بدعة بلا شك، ولكنه لا يصل إلى حد الشرك؛ لأن الموالد تختلف من مولد إلى مولد، ولا يحكم على الإنسان بغلبة الظن والأصل في المسلم السلامة.
стр. 520
حكم التهنئة بحلول السنة الهجرية الجديدة
السؤال
ما حكم التهنئة والمباركة بحلول السنة الهجرية؟
الجواب
هي عادة لا حرج فيها إن شاء الله.
стр. 521
نصائح للراغب في التضلع من علم التفسير
السؤال
عندي ميل إلى علم التفسير، فكيف السبيل إلى التبحر في هذا العلم؟
الجواب
التفسير أشرف العلوم بلا شك، والسنة كلها في آية واحدة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وأول خطوة لكي تصبح مفسراً أن يكون بينك وبين علم التفسير امتزج، حيث يصبح علم التفسير في دمك، وهذا لا يكون إلا بأن تقرأ كثيراً للمفسرين دون أن تتصدر للناس وتستعجل، فتقرأ كثيراً في كتب التفسير، فإذا وجدت التفسير يجري في دمك وكنت تحبه وتقرأ فيه الحين والحين الآخر، وأصبحت منشغلاً به ليلاً ونهارا كانت هذه هي الخطوة الأولى، مثل الشعر، فلا يمكن أن تصبح شاعراً حتى تتعلم وتقرأ في كتب الشعر ويصبح الشعر جارياً في دمك ليل نهار، فعندئذٍ تصبح شاعراً.
وأقول: من قرأ كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبي رحمه الله تعالى مرة ومرتين وثلاثاً ورأى بعد ذلك اندماجاً فيه فليتبحر في الكتب وليبدأ في غيره بحسب قدراته العلمية.
ولو كنت من أعلم الناس فاعلم أن العلم بالمراجعة والمدارسة ليلاً ونهارا، ويعلم الله أننا نقرأ فيه ليلاً ونهاراً ولم نبلغ شيئاً فيه.
стр. 522
حكم قتل النمل
السؤال
ما حكم قتل النمل في المنازل إذا خشي على الأسرة منه؟
الجواب
نهى النبي ﷺ عن قتل النمل، وبعض العلماء يرخص في قتله إذا آذى كثيراً، أما أنا فأتوقف في الترخيص في قتله.
стр. 523
حكم لعن الشيعي المعلم لطلابه ما يخالف الدين
السؤال
يقول: هل يجوز لعن الشيعي الذي يعلم طلابه بعض الأمور التي ليست من ديننا؟
الجواب
ينبه على خطئه بالطريقة التي تكشف أمره.
стр. 524
الموقف من تزوج طالب العلم بالثانية
السؤال
ما رأيك في تزوج طالب العلم بالثانية؟
الجواب
هو بذلك يستر مؤمنة، ويفعل خيراً عظيماً، فإذا استطاع مالياً وبدنياً فإنه لا يحتاج إلى مشورة.
стр. 525
أفضلية مسح الجوربين في وقت واحد
السؤال
هل الأفضل في المسح على الجوارب أن يمسح الجوربان في وقت أم يمسح أحدهما قبل الآخر؟
الجواب
كلاهما صحيح، ولكن أحب إلينا أن يمسحا في وقت واحد، فيمسح اليمين على اليمين وباليسار على اليسار من الأدنى إلى الأعلى في وقت واحد؛ كما أن الأذنين تمسحان في وقت واحد، والشعر يمسح في وقت واحد، فيقاس عليها مسح الجوارب.
стр. 526
حكم الصلاة في المصلى القريب دون المسجد البعيد
السؤال
عندنا في الحي مسجد بعيد ومصلى قريب، ففي أيهما أصلي، وإذا صليت في المصلى هل لي نفس الأجر الكائن في المسجد؟
الجواب
لم أفهم معنى كلمة (مصلى)، ولكن الذهاب إلى المسجد أولى.
стр. 527
حكم ترك جزء من المال لدى البائع
السؤال
اشتريت من صاحب بقالة بعشرة ريالات وأعطيته خمسين ريالاً، فرد لي ثلاثين ريالاً وقال سأعطيك الباقي غداً، فهل يعتبر هذا ربا؟
الجواب
ليس هذا بربا، والذي أخرجه من الربا وجود العين، ولكن لو جاء الرجل وقال هذه خمسين ريالاً أريدك أن تصرفها لي، فقال له: ما عندي إلا ثلاثون، فأخرجها وأعطاه إياها وقال: سأعطيك عشرين غداً، فهذا ربا.
ولكن لو اشترى أغراضاً وليس عند البائع الباقي من المال يكون ذلك ديناً.
стр. 528
الفرق بين المذي والمني
السؤال
ما الفرق بين المذي والمني؟
الجواب
المني: يخرج متدفقاً، والمذي يخرج غير متدفق، والمذي يجب منه غسل الذكر وما حوله، والمني يوجب الغسل الكامل.
كما أن المني يوجب الإفطار إجماعاً، فينجم عنه فساد الصوم إجماعاً، أما المذي فاختلف العلماء فيه هل يفطر به المرء أم لا.
стр. 529
أثر المذي على الصيام
السؤال
لو إنساناً لاعب زوجته وهو صائم فأمذى دون أن يمني، فهل يفطر أو لا يفطر؟
الجواب
للعلماء في ذلك قولان: فمنهم من ذهب إلى أنه يفطر لأنه والمني من مخرج واحد.
ومنهم من قال: إن المذي لا يفطر، وإنما يوجب غسل الذكر وما حوله مثل الوضوء، فألحقه بالبول أكرمكم الله، ونحن نرى -والله أعلم- أنه لا يفسد الصيام.
стр. 530
حكم الغسل ليوم الجمعة
السؤال
ما حكم غسل يوم الجمعة؟
الجواب
هذه مسألة خلافية، ولا أحب الإلحاح في المسائل المعروفة، فمن استطاع أن يغتسل فقد خرج من الخلاف وأصاب السنة وفعل خيراً كثيراً، ومن لم يستطع أن يغتسل لبرد أو لغيره فصلاة الجمعة بالنسبة له صلاة صحيحة، وأرجو ألا يأثم.
следующие страницы →