← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

حكم الصلاة في المصلى القريب دون المسجد البعيد السؤال عندنا في الحي مسجد بعيد ومصلى قريب، ففي أيهما أصلي، وإذا صليت في المصلى هل لي نفس الأجر الكائن في المسجد؟ الجواب لم أفهم معنى كلمة (مصلى)، ولكن الذهاب إلى المسجد أولى.

стр. 527

حكم ترك جزء من المال لدى البائع السؤال اشتريت من صاحب بقالة بعشرة ريالات وأعطيته خمسين ريالاً، فرد لي ثلاثين ريالاً وقال سأعطيك الباقي غداً، فهل يعتبر هذا ربا؟ الجواب ليس هذا بربا، والذي أخرجه من الربا وجود العين، ولكن لو جاء الرجل وقال هذه خمسين ريالاً أريدك أن تصرفها لي، فقال له: ما عندي إلا ثلاثون، فأخرجها وأعطاه إياها وقال: سأعطيك عشرين غداً، فهذا ربا. ولكن لو اشترى أغراضاً وليس عند البائع الباقي من المال يكون ذلك ديناً.

стр. 528

الفرق بين المذي والمني السؤال ما الفرق بين المذي والمني؟ الجواب المني: يخرج متدفقاً، والمذي يخرج غير متدفق، والمذي يجب منه غسل الذكر وما حوله، والمني يوجب الغسل الكامل. كما أن المني يوجب الإفطار إجماعاً، فينجم عنه فساد الصوم إجماعاً، أما المذي فاختلف العلماء فيه هل يفطر به المرء أم لا.

стр. 529

أثر المذي على الصيام السؤال لو إنساناً لاعب زوجته وهو صائم فأمذى دون أن يمني، فهل يفطر أو لا يفطر؟ الجواب للعلماء في ذلك قولان: فمنهم من ذهب إلى أنه يفطر لأنه والمني من مخرج واحد. ومنهم من قال: إن المذي لا يفطر، وإنما يوجب غسل الذكر وما حوله مثل الوضوء، فألحقه بالبول أكرمكم الله، ونحن نرى -والله أعلم- أنه لا يفسد الصيام.

стр. 530

حكم الغسل ليوم الجمعة السؤال ما حكم غسل يوم الجمعة؟ الجواب هذه مسألة خلافية، ولا أحب الإلحاح في المسائل المعروفة، فمن استطاع أن يغتسل فقد خرج من الخلاف وأصاب السنة وفعل خيراً كثيراً، ومن لم يستطع أن يغتسل لبرد أو لغيره فصلاة الجمعة بالنسبة له صلاة صحيحة، وأرجو ألا يأثم.

стр. 531

حكم الزعم بحصول المعجزة لامرئ يجر الطائرة السؤال يحكي بعض الناس عن بعض الأشخاص أنه يقوم بسحب الطائرة بمفرده، ويقول: إن ذلك من المعجزات، فهل هذا صحيح؟ الجواب هذا لا يمكن أن يكون معجزة، بل هو نوع الشعوذة وسحر أعين الناس.

стр. 532

أحقية الأمي في الإمامة على الشاب المستمع للأغاني السؤال هناك شيخ أمي مستقيم يحفظ من القرآن شيئاً بلا تجويد، وهناك شاب مقصر يسمع الأغاني ويشرب الدخان، فأيهما أحق بالإمامة؟ الجواب إذا كان الأمي يحفظ من القرآن شيئاً ولو يسيراً فهو أولى بها.

стр. 533

درجة القول بنزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا السؤال يقول: ما صحة القول بأن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا؟ الجواب لا أعلمه ثابتاً عن النبي ﷺ ، ولكن هو قول كثير من العلماء.

стр. 534

بيان الأفضل من صفات الهوي إلى السجود السؤال هل الأفضل النزول إلى السجود على الركبتين ثم على اليدين، أم على اليدين ثم الركبتين؟ الجواب هذا أمر خلافي، وعلى الركبتين أولى، ولكن لا إنكار في مثل هذه المسائل.

стр. 535

حكم إسبال اليدين بعد الركوع السؤال هل يجوز إسبال اليدين بعد الرفع من الركوع، وهل في ذلك خلاف بين أهل العلم، وما القول الراجح؟ الجواب في ذلك خلاف، وأما مسألة القول الراجح هي خطأ؛ لأنك إذا سألت من يرى الأولى فسيقول لك: الراجح عدم القبض، وإذا سألت من يرى القبض فيقول لك: الراجح القبض، فهذا بحسب من تسأله، ولكلا الفريقين دليل قوي، والمسألة لا تقدم ولا تأخر، فلم يقل أحد: إن صلاة الآخر باطلة.

стр. 536

حكم حمل المصحف في الجيب السؤال ما رأيك في حمل المصحف في الجيب؟ الجواب أمر حسن.

стр. 537

حكم الاكتتاب في الأسهم بدفتر أسماء الآخرين السؤال هل يجوز أن أعطي أخي دفتر العائلة للاشتراك في أسهم بنك البلاد باسمي وأسماء أبنائي؟ الجواب بنك البلاد يجوز الأستهام فيه، بل أولى؛ لأنه بنك ثبت إلى الآن أنه قائم على معاملة إسلامية. أما مسألة أن يعطي الإنسان اسمه لغيره فقد اختلف فيها المعاصرون، وأنا أقول ما أدين الله به، وهو أنه إذا كانت المسألة مسألة شراكة فذلك جائز، أما إذا لم تكن مسألة شراكة فلا نراها جائزة. ومثال مسألة الشراكة الجائزة ألا أكون قد ساهمت في بنك البلاد أو غيره، فلم يسبق لي شغل في الأسهم، فاتفقت مع شخص على أنني أكتتب باسمه وأسماء عائلته، حيث أدفع المال ولا يدفع هو شيئاً، وإنما يدفع كرت العائلة، فإذا دفع كرت العائلة فقد دخل في الشراكة بجاهه وأنا دخلت بمالي، واتفقنا على الربح بالنسبة، وعلى أي نسبة كان الاتفاق فإنه يجوز. أما كونه يعطي لمجرد العطاء فهذا يخالف العقد مع البنك؛ إذ البنك يريد أن يوسع الدائرة، ولا يريد أن يجعلها في شخص واحد، ولذلك اشترطوا أن يكون الدفتر دفتر العائلة التي ينتسب إليها، فحين تأخذ عشرة دفاتر أو ثلاثة عشر دفتراً أو كرتاً من كروت العائلات يصيب البنك الخلل؛ لأنك أصبحت وحدك قد دفعت الفلوس، فلهذا نقول -والله أعلم- بمنعه. ولو جازت هذه المسألة شرعاً لم تحسن عقلاً، فليس هناك عاقل يعطي كرت عائلته لأحد، وأنا أعرف أناساً إلى الآن أدركناهم أعطى بعضهم كرت العائلة لغيره، وحين ابتاعت الأسهم وأربحت فلوساً جاء فرد له الخمسمائة ريال التي هي قيمة الأسهم وقال له: هذا حقك، أما هذه فليس لك فيها شغل. ووضعها في جيبه ثم ذهب، فلو ذهب إلى أي محكمة فلن تنصفك، فلماذا يدخل الناس في متاهات هم في غنى عنها. فإذا أردت فادخل في شراكة مكتوبة، والله تعالى قال لجيل الصحابة: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] وقال: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ [البقرة:٢٨٢] فعلى الإنسان أن يكتب ويحرر؛ لأن الدنيا حياة وموت. هذا ما أردنا بيانه، والله المستعان، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 538

سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة الرعد إن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق، ومن أعظم المخلوقات السماء التي تعد سقف هذا الكون، والتي رفعها الله على عظمتها بغير عمد نراها. والعباد كثير منهم بعد مشاهدتهم لآيات الله الكونية الدالة على عظمته وكبريائه لا يؤمنون ولا يرعوون عن غيهم، مع أنه يعلم سرهم ونجواهم، بل ويعلم ما تحمل كل أنثى قبل أن يعلمه البشر، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها غيره سبحانه. وهو الذي يرسل الصواعق والبروق خوفاً وطمعاً، ومع ذلك نجد من بني الإنسان من يدعو مع الله غيره، ويرجو سواه

стр. 539

تأملات في قوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) الحمد لله وإن كان يقل مع حق جلاله حمد الحامدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين وإله الآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا لقاء مبارك متجدد حول تأملات في كتاب ربنا جل وعلا، وكنا في اللقاء الماضي قد أنهينا بعض التأملات حول سورة يوسف، ومما ذكرناه فيها: أن الله جل وعلا نعت هذا النبي الكريم ببعض الصفات، وقلنا إن ثمة خصائص تميز بها نبي الله يوسف ﵊، وهي على وجه الإجمال كالتالي: أولها: نسبه وشرف معدنه، وقلنا: إن النبي ﷺ قال عنه: (هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم)، وقال: (يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله). والثاني: إن الله آتاه النبوة. والثالث: جمال الخلقة؛ لذا قال الله عن النسوة: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١]. والرابع: حسن الأدب مع الله، وحسن الأدب مع من كرمه وأحسن إليه، وعفوه عمن أساء إليه، وقلنا: إن كرمه مع من أحسن إليه يتمثل في قوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]، وقلنا: إن (ربي) هنا لها معنيان: الأول: أن يكون الرب هو الله ﷻ ، والثاني: العزيز، وبالأول قال جمع من العلماء، لكن رجحنا: أن المقصود بربي هنا: سيدهم، وهو عزيز مصر الذي اشتراه. والدليل على أنه أراد بقوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] العزيز أنه عندما اشتراه قال لزوجته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف:٢١]، فهذه قرينة على أن المراد به سيده، وليس المراد به ربه جل وعلا. فهذا بعض ما تكلمنا عنه في اللقاء الماضي. وسنتكلم -إن شاء الله تعالى- ونتأمل في سورة الرعد وهي سورة مكية، وسميت بسورة الرعد لقول الله جل وعلا فيها: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣]. وهذه السورة تعنى بشئون العقيدة، وتثبيت مكارم الأخلاق، كما هو شأن أكثر السور المكية، وليس فيها من الأحكام الفقهية شيء كثير كنظيراتها من السور المكية الأخرى. يقول ربنا جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢]، هذه الآية فيها إشكال؛ لأن الله لم يفصل بين (عمد) و (ترونها)، وقد كان بعض النساء العالمات يلغزن بها، ولا حاجة للتفصيل لكن نقول معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢]، يحتمل أمرين: الأمر الأول: أن يكون للسماء عمد لكنها لا ترى، فيصبح الإعجاز في عدم قدرتنا على رؤية العمد التي تتكئ عليها السماء، وهذا قول قال به ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال به بعض العلماء. الأمر الثاني: وهو قول جمهور العلماء: أن السماء ليس لها عمد أصلاً، وإنما جيء بجملة (ترونها) المتكونة من فعل وفاعل ومفعول به متصل، لتأكيد النفي، والمنفي هنا أن يكون للسماء عمد، وهذا القول يؤيده قول الله جل وعلا: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]. وما يؤيده القرآن من رأي أولى من رأي لا نرى له دليلاً من القرآن ومؤيداً. فنحن لا نعلم في القرآن دليلاً يؤيد الرأي القائل بأن لها عمداً، لكن نعلم أن في القرآن دليلاً يؤيد القول بأنه ليس لها عمد، وهو قول الله جل وعلا: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]. والقول بأنه ليس لها عمد أليق بالقدرة الإلهية، وهذا ظاهر المعنى، وإن كان لو فرض أنه ثبت بعد ذلك أن لها عمداً فلا يغير من قدرة الله شيئاً، وخلق السماء والأرض أكبر من خلق الناس، قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، فخلق السماوات والأرض يدل على أن السماوات مخلوقات عظيمة. وبينا أن الله جل وعلا خلق الأرض أولاً في يومين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها جل وعلا في يومين، ثم عاد ﵎ إلى الأرض فأكمل خلقها ودحاها، وقدر فيها أقواتها، وقال سبحانه عنها: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت:١٠]، فهذه خاصة بالأرض، وقال عن السماء: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] فأصبحت ستاً، ولذلك قال جل وعلا في النازعات: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٢٩]، ثم قال: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠]. ولم يقل: خلقها؛ لأنه قد ابتدأ خلقها قبل خلق السماء. والذي يعنينا أن السماء لها أبواب، وقلنا: إن هذه الأبواب التي في السماء من خلالها تصعد أرواح المؤمنين، أما الكفار فيقول الله جل وعلا عنهم: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف:٤٠]، فدل على أن أبواب السماء تفتح لأرواح المؤمنين، قال الله جل وعلا عن آل فرعون: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩]. وقيل في تفسيرها: إن العبد الصالح إذا كان حياً يعيش ورفعت له أعمال صالحة، إذا مات تفقده الجهة التي كان يرفع منها عمله، فإذا فقدت السماء عمل المؤمن الصالح الذي يرفع من خلالها تبكي عليه، فلما كان آل فرعون لا يرفع لهم عمل قال الله جل وعلا: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩].

стр. 540

تأملات في قوله تعالى: (ويستعجلونك بالسيئة) قال الله جل وعلا: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد:٦]. الخطاب هنا لكفار مكة، يستعجلون النبي ﷺ بإنزال العذاب، وهذا الاستعجال بإنزال العذاب قد دل عليه القرآن في غير آية، منها: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت:٥٣]، ومنها: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج:٤٧]، ومنها: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]. ومنها: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:٣٢]، إلى غير ذلك من الآيات. إذاً: فكانوا يستعجلون النبي ﷺ بالعذاب، والله يقول: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [الرعد:٦]، إذاً ما السيئة هنا؟ هي العقوبة والعذاب، وليس عمل السيئات. ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾ [الرعد:٦]، أي: مضت وانتهت وغبرت، ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد:٦]. المثلات: جمع مثلة، والمقصود: العقوبة، والمعنى: أن قد مرت عليهم عقوبات أمم سمعوا عنها وأدركوها، كعقوبته جل وعلا وتنكيله بقوم نوح وعاد وثمود ومدين، وسائر الأمم التي سلفت، فهذا يستوجب أن يكون باعثاً لهم على الخير والاتعاض، وعلى عدم استعجال عذاب الله، لكن أصروا على العناد، ودفعهم ذلك إلى أن يطلبوا ما عند الله من العذاب، ولذلك قال الله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦].

стр. 541

تأملات في قوله تعالى: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى) قال الله ﵎ يمتدح ذاته العلية: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٨ - ٩]. قلنا: إن القرآن كله عظيم، ثم بينا أن أعظم ما في القرآن ثناء الله على نفسه. ثم إن كلام الله عن الله ينقسم إلى قسمين: كلام عن صفاته الذاتية جل وعلا، وهذا أرفع المقامات، ثم عن صفاته الفعلية ويأتي بعده مباشرة في المرتبة، وهو كإخباره ﵎ عن علمه هنا. يقول الله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد:٨]، علم ما في الأرحام مما اختص الله جل وعلا بعلمه في الجملة، قال الله جل وعلا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]. وعند الإمام أحمد -رحمة الله تعالى عليه- في المسند من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]). ينجم عن هذا علم أن ما في الأرحام من مفاتيح الغيب، لكن ينبغي أن يؤخذ بشموله، فلا يكون مقتصراً كما يقول الناس اليوم على معرفة كونه ذكراً أو أنثى، فما في الأرحام أكبر من كونه ذكراً أو أنثى، أو يولد سقيماً أو صحيحاً، فكل ذلك أمره مجمل لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد:٨]. تغيض: أي تنقص، وضدها: تزداد، وهي ظاهرة. والمعاصرون من العلماء يقولون: إن تفسير العلم الحديث للقرآن سلك بهذه المسألة مسلكاً آخر، وهي قضية وجود النطفة في الرحم، إلى غير ذلك مما لا نجيده فنتركه، ونكتفي بما هو مدون في كتب العلماء السابقين فنقول: إن الله جل وعلا جعل الرحم مستقراً للنطفة؛ لأن الله لما ذكر النطفة قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣]، وهو الرحم الذي فيه يتكون المخلوق، ويقول الله هنا: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد:٨]. وجل المفسرين يدور تفسيرهم للآية حول مدة الحمل نقصاناً وزيادة، يقولون: إن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأن الله قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وقال جل وعلا عن الرضاعة: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، والحولان الكاملان يكونان أربعة وعشرين شهراً، فأنقصوا الأربعة والعشرين من الثلاثين فبقيت ستة أشهر، وهذا عليه الطب الحديث، فالذي نعلمه إلى الآن من الطب الحديث أنه لا يمكن أن يحيا جنين بأقل من ستة أشهر، ويقولون: إن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي المعروف ولد لستة أشهر. ثم إن العلماء ﵏ اختلفوا في أكثر مدة الحمل، واختلافهم هنا مرده إلى التجربة، فالمسألة لا يمكن أن يكون فيها فصل خطاب؛ لأن هذا أمر لم يرد في كتاب ولا في سنة، فيبقى الأمر على تجارب الناس، وكل إنسان يعتد بالشيء الذي يراه. فقال بعضهم: إن أكثر مدة الحمل سنتان، وهذا منقول عن أم المؤمنين عائشة ﵂، فهي تقول: إنه لا يمكن أن تزيد مدة الحمل عن سنتين، وقد أخبر الوليد بن مسلم -وهو أحد التابعين- مالكاً ﵀ بقول عائشة هذا، فقال مالك ﵀: سبحان الله من يقول بهذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق نعرفها، وزوجها زوج صدق نعرفه، حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، أراد مالك بهذا أن يكون شاهداً على خطأ قول من يقول إن أكثر مدة الحمل سنتان، وهذه إحدى الروايات في مذهب مالك، والرواية الأخرى في مذهبه ﵀ أن أكثر مدة الحمل خمس سنين. وقلنا: إنه لا يوجد دليل لا لهؤلاء ولا لهؤلاء، وكله وارد، فقد يمكث الحمل عشر سنين، وهذا مرده للواقع، ويذكر القرطبي في الجامع، والشنقيطي في أضواء البيان، وابن كثير في تفسيره أن مالك بن دينار كان في مجلسه، فدخل رجل فقال: يا أبا يحيى! ادع الله لزوجتي فإن لها أربع سنين في كرب شديد، فأطبق مالك المصحف غضباً وقال: سبحان الله هل يظن بنا الناس إلا أنبياء، خاف على نفسه الفتنة أن يقال له: ادع الله أمام الناس، ثم كأنه أدركته الشفقة على الرجل، فرفع يديه يدعو وقال: اللهم! إن كان ما في بطن هذه المرأة ريحاً فأخرجه، وإن كان جارية فأبدله غلاماً فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. ومكث مالك يدعو فدخل رجل آخر يعرف زوج المرأة، فقال له: أدرك زوجتك، فخرج الرجل لزوجته ثم عاد بعد قليل ومعه مولود له أربع سنين قد استوت أسنانه ولم يقطع سراره، فحمد الله مالك على استجابته لدعائه. فهذه حادثة جعلت مالك بن أنس وأقرانه وغيرهما من العلماء يقولون: إن مدة الحمل أربع سنين، ولو جاء رجل آخر وأدرك الصبي محمولاً لخمس سنين فسيقول: أكثر مدة الحمل خمس سنين، لكن لا نعلم نصاً صريحاً نحاكم الناس إليه. ثم قال جل وعلا: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]. خلق الله جل وعلا كل شيء بقدر، والله جل وعلا لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، فما كان لك سيأتيك على ضعفك، وما لم يكن لك فلن تناله بقوتك، وإنما شرع الله أسباباً يجب على العاقل أن يأخذ بها، ويعتصم بربه ﵎، فإذا وقع الأمر، وحلت النازلة، فيسلم المؤمن أمره إلى ربه ﵎.

стр. 542

تأملات في قوله تعالى: (سواء منكم من أسر القول) ثم قال جل وعلا: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:١٠]. المقصود من الآية: إحاطة علم الله جل وعلا بكل شيء، فإن الإسرار أو حديث الإنسان إلى نفسه، والجهر أو حديث الإنسان إلى غيره، ومخلوقات منها ما جعلها الله تدب في النهار ومنها ما تدب في الليل، سواء مخلوقات البحر أو البر، فهذا كله بالنسبة للرب ﵎ كأنه شيء واحد؛ لذلك قال سبحانه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:١٠]. فالله جل وعلا لطيف خبير لا يخفى عليه من خلقه شيء، فلا يخفى ما تكنه الصدور وتضمره القلوب، ولا ما تنطوي عليه الأفئدة، ويبيته الإنسان، فكل ذلك لا يخفى على ربنا ﵎، والسعيد من صلحت سريرته، واستقامت نيته، واستغفر الله ﵎ بكرة وأصيلاً، وآب إلى ربه في كل آن وحين.

стр. 543

تأملات في قوله تعالى: (هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً شديد المحال) ثم قال ﵎ في آية نريد أن نتأملها: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٢ - ١٣]. البرق أمره معروف، والسحاب كذلك، والسحاب من أعظم المخلوقات الدالة على عظيم قدرة الله؛ لأنه يجتمع فيه نقيضان: الماء والنار، فمن الماء يكون إحياء الناس، ومن النار يكون فناؤهم، فإذا نزل على هيئة مطر أحيا الأرض فانتفع الناس، وإذا كان السحاب على هيئة صواعق أحرقهم، فمن كمال قدرته جل وعلا أنه جمع بين النقيضين في شيء واحد وهو السحاب، ولذلك قال جل وعلا: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد:١٣]، ويقول هنا جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد:١٢]. فالخوف أن يكون وراء هذا المطر أو السحاب هلاك ودمار وإحراق، والطمع أن يرجى أن يكون وراءه غيث ورحمة وإنبات عشب، ودر وزرع وإنبات، فبين الأمرين يتخوف المؤمن، وكان النبي ﷺ إذا رأى السحاب والريح أقبل وأدبر في بيته، يخشى أن تكون عذاباً حتى تمطر فيتغير وجهه إلى الأحسن صلوات الله وسلامه عليه، لعلمه بعظيم قدرة ربه ﵎. ثم قال تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد:١٢]. كلمة (ينشئ) تدل على أن مرد السحاب وتكوينه إلى الرب ﵎، وهذا ظاهر بين حتى في السنة، فقد ثبت عنه ﷺ أنه كان على المنبر يخطب فدخل من باب المسجد رجل يشكو للنبي ﷺ جدب الديار وقلة الأمطار، فرفع ﷺ يديه يدعو ربه ويستغيث، ويقول: اللهم أغثنا، يقول أنس -راوي الحديث-: لم يكن على المدينة قزعة يعني: قطعة سحاب، فإذا بالسحاب ينشأ ثم يتكون، حتى أصبح مثل الترس -أي: مثل الدرع- ثم طوق المدينة، ثم حجبت الشمس، ثم أمطرت، فقال أنس: فمكثنا أسبوعاً لا نرى الشمس والسماء تمطر. ثم دخل الرجل من نفس الباب فشكا إلى النبي ﷺ صنيع السيول، فقال ﵊ يدعو ربه: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية)، وأخذ يشير بيديه، قال أنس: فما أشار إلى ناحية إلا اتجه السحاب إليها، فانقشع عن المدينة ذلك السحاب. فالذي يعنينا أن السحاب جمع الله جل وعلا فيه نقيضين: الماء والنار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد:١٢]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد:١٣]: معنى الآية: يسبح الرعد بحمد ربه، وتسبح الملائكة خوفاً من الله، وفي هذا إشارة إلى أن التسبيح من أعظم العبادات، فهي عبادة منّ الله جل وعلا بها على خلقه كلهم، وأعظمه أن يقال: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. وذكر الله جل وعلا هنا أن الرعد يسبح بحمده، ونحن نجهل كيف يسبح الرعد؛ لأننا لا ندرك ذلك، فعقولنا قاصرة عنه، لكننا نعلم يقيناً أن الرعد مخلوق من مخلوقات الله يسبح بحمد ربه. أما ماذا يقول الإنسان إذا سمع صوت الرعد؟ فلم يرد عن النبي ﷺ فيما نعلم حديثاً صحيحاً في ذلك؛ لكن روى مالك في الموطأ والبخاري في الأدب المفرد موقوفاً على عبد الله بن الزبير بسند صحيح أنه كان إذا سمع صوت الرعد يقول: سبحان من يسبح الرعد بحمده. ولا ريب أن قول ابن الزبير الثابت عنه هنا أحب إلينا من آرائنا، أي: لا يحتاج الإنسان هنا إلى أن يوجد قول آخر، ما دام أن هناك نقلاً ثابتاً عن صحابي، لأن الصحابي غالباً يكون محاكياً لغيره من الصحابة أو محاكياً لنبينا ﷺ . يقول الله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣]. لا يغلب الله جل وعلا شيء ولا يرد بأسه أحد، والصواعق كغيرها من المخلوقات جند من جند الله، والإنسان يعتصم بربه ﵎ في سائر أمره، وإذا خرج يكثر من الأذكار، ويستعين بالرب ﵎، تقول أم سلمة: ما خرج النبي ﷺ من بيته قط إلا ورفع بصره إلى السماء وقال: (باسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك من أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي). فهذا صنيع نبوي وهدي محمدي عند الخروج من البيت، ولكن مع ذلك يقع ما أراد الله، وأنا أردت أن أبين هذا حتى إذا بلغك أن إنساناً مات بصاعقة فلا تحمل في قلبك عليه، أو تظن به السوء، فأمر الله يقع ولو أخذ الإنسان بالأذكار، والنبي ﷺ قد سحر، رغم أنه ﵊ أكثر المحافظين على الذكر بلا شك.

стр. 544

سبب نزول قوله تعالى (ويرسل الصواعق) يقول الله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد:١٣]، يقول المفسرون: إن من أسباب نزول هذه الآية: أن رجلين عامريين يقال لأحدهما: عامر بن الطفيل ويقال للآخر: أربد بن ربيعة قدما على النبي ﷺ ، وعامر هذا رغم أن في إحدى عينيه داء إلا أنه كان من أجمل العرب، وكان رجلاً مطاعاً مسموع الكلمة، على عادة العرب آنذاك في أنها تمجد بعض رؤسائها فيسمعون له، فكان مسموع الكلمة معظماً في قومه، لا يكاد يعصيه أحد، فدخل المدينة مع أربد هذا وهو ابن عمه، فكلاهما من ربيعة وكلاهما عامريين، وأربد أخو لبيد بن ربيعة الشاعر المعروف، فلما دخل على النبي ﷺ استشرف الناس، فقاموا ينظرون جمال عامر هذا، رغم أنه -كما قلت-: في إحدى عينيه داء، ثم قالوا: يا رسول الله! هذا عامر قال: اتركوه إن كان فيه خيراً يهده الله، فأخذ يجادل النبي ﷺ ويأخذ ويعطي معه، ثم قال: إنني أتبعك على أن تجعل هذا الأمر لي من بعدك، فقال ﷺ : (إن الأمر لله يضعه حيث يشاء)، يتوقاه، فقال: فليكن لي الوبر ولك المدر، يعني: لي البادية ولك الحاضرة، فأبى النبي ﷺ قال: فما لي إذاً؟ قال: (لك أعنة الخيل تجاهد بها في سبيل الله، فقال عامر: وهل أعنة الخيل اليوم إلا لي؟)، يتكلم عن كبره، وسماع الناس وطاعتهم له، ثم قال: والله لأملأنها عليك يعني: المدينة خيلاً جرداً، ومعنى: فتياناً مرداً، أي: شباباً يسمعون كلامي ويتبعوني، ومعنى: خيلاً جرداً، أي: ليس عليها سرج معدة للقتال، فقال ﷺ : (يأبى عليك ذلك الله وأبناء قيلة)، وأبناء قيلة هم الأوس والخزرج، ثم خرج، وكأنه مع صاحبه تآمرا على النبي ﷺ ، فدعا عليهما صلوات الله وسلامه عليه، فأما أربد فأصابته الصاعقة فأحرقته وأهلكته إلى جهنم وبئس المصير، وأما عامر فخرج وهو يتوعد النبي ﷺ ، وكان فيه أنفة، على ما كان في بعض العرب آنذاك، حتى أصابته غدة في رقبته -يعني: ورم- فتأذى منها؛ لأنها أصبحت في نظره غدة كغدة البعير، فدخل على امرأة فإذا هي امرأة من بني سلول، وكانت قبيلة تزدريها العرب، فلما دخل دارها يريد أن تسقيه في سفره شعر بالموت، فقال -وهو الآن في الموت-: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية يعني: ما يكفيني في مرض مثل البعير وأموت عند واحدة سلولية، وهو يعلم أنه سيموت ذلك الوقت، حتى لو جلس عند المرأة تمرضه وتسقيه، فخرج ثم أخذ فرسه ونام على ظهره، حتى إذا مات يموت على الفرس، لا في بيت امرأة من بني سلول، وهذا من الأنفة والحمية التي كانت موجودة، فمات كما أراد الله وأراد، أي: مات على ظهر فرسه وهلك. ثم إن قوله أصبح مثلاً بعد ذلك لمن تكالبت الأمور عليه، فيقال: غدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة سلولية. فالمراد: أنه هلك الاثنان. وموضع الشاهد من إيراد هذه الحادثة: أن العلماء أو بعض المفسرين يقولون: إن قول الله جل وعلا: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد:١٣]، نزلت في هذا الأمر، فإن كان الأمر كما قالوا فتصبح هذه الآية مدنية؛ لأننا قلنا: إنه قال للنبي ﷺ : لأملأنها عليك أي: المدينة، خيلاً جرداً وفتياناً مرداً، وهذا لا يقع في مكة؛ لأن النبي ﷺ لم يكن له عصبة تحميه في مكة كما هو ظاهر، والمقصود هذا ما يقوله بعض العلماء بسب نزول الآية. والذي يعنينا: أن الرب ﵎ أصلاً لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لكن بعض القتلى من الكفار إنما قتلوا وهلكوا بسبب دعوة النبي ﷺ عليهم. إذاً: فمعنى قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ [الرعد:١٣]، أي: مع قدرته هذه التي لا يعجزها شيء فما زال بعض خلقه يجادل في الرب ﵎ ويعاند، إما في توحيده أو في قدرته أو في كمال جبروته أو رحمته، أو في غير ذلك من أسماء الله وصفاته.

стр. 545

تأملات في قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) خاتمة الآيات قول الله جل وعلا: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧]. نقول: ضرب المثل أسلوب قرآني ثابت، وله عدة أغراض: فمنها: الترغيب، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤]. وقد يكون المراد به التنفير، كقول الله جل وعلا بعدها: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم:٢٦]. وقد يكون ضرب المثل للمدح، وهذا كقول الله جل وعلا في النبي ﷺ وأصحابه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩]. فهذا كله ضرب مثل أراد الله به مدح النبي ﷺ وأصحابه، وقد يكون ضرب المثل تبييناً للحق كما في هذه الآية، فالله يخبر هنا بأنه أنزل من السماء ماء المطر فقال سبحانه: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧]، أي: أن الأودية تختلف، وكل واد يحمل من الماء على قدره. وهذا المثل معناه أن السيل عندما يأتي يعلوه ما يحمله من قطع الأخشاب والأشجار، فيبيض كأنه زبد، والماء الحقيقي الذي ينتفع به الناس تحت الزبد، يمشي بسكينة وهدوء، ويغيض في الأرض، وينفع الناس؛ لأنه باق في الأرض، أما هذا العالي المتراكم المرتفع فإنه يذهب ميمنة وميسرة، ويذهب جفاء لا ينتفع به أحد. وكذلك المعادن إذا أخرجت من الأرض تخرج مخلوطة، فيضعها صاحبها على النار، فإذا وضعها على النار يعلو ما كان ملتصقاً بها، ثم لا يلبث أن يتلاشى ويبقى صريح المعدن من ذهب أو فضة أو جوهر أو غيره. فالله جل وعلا يخبر أن غالب الأمور التي تراها مرتفعة عالية ذات لجج وصوت أغلبها باطل لا خير فيه، وإنما الحق يمشي بهدوء وثبات وسكينة ويقين؛ لأنه يعلم أنه سيصل إلى منتهاه، فقال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧]، فضرب الله الأمثال حتى تستبين للناس طرائق الهدى ومعالم الحق بكرة وأصيلاً. هذا ما أردنا بيانه حول سورة الرعد.

стр. 546

الأسئلة

стр. 547

المستثنون من الصعق السؤال يقول الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨]، فمن المراد بهم في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨]؟ الجواب اختلف العلماء فيهم، فقيل: الآية لبيان القدرة، وقيل: المراد الحور العين والولدان المخلدون الذين في الجنة، وقيل: حملة العرش، وقيل: المراد إسرافيل وجبريل، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 548

بيان كيفية معرفة الطب الحديث لما في الأرحام السؤال كيف نرد على من يقول: إن الطب الحديث عرف ما في الأرحام بالتصوير الحي؟ الجواب إذا جاء التصوير وصوروا الجنين في بطن أمه، ثم ظهر أن هناك قضيباً في الجنين دل على أنه ذكر، فهذا لو عرضت الصورة على صبي لم يميز، أي: يعرف أنه ذكر، فليس هنا قضية غيب وشهادة، فهذا صار أمراً مشاهداً لا غيباً، أي: انتقل الأمر من كونه غيباً إلى كونه شهادة، ولو جاء إنسان لبطن امرأة أو بقرة فبقرها بسكين ورأى الجنين وقال: أنا عرفت أنه أنثى أو عرفت أنه ذكر، فهذا عرفه بعد أن رآه، فلا يسمى غيباً، وإنما يسمى شهادة، فالغيب الذي لم يطلع عليه أحد، وحتى النطفة قد توصلوا إلى معرفة شيء منها، لكن الغيب هو الشيء الذي لا يراه أحد.

стр. 549

حكم الدم الخارج قبل الطلق السؤال والدة تشكو من نزيف مستمر، وذلك من أثر الجنين الذي في بطنها، فهل تسقط عنها الصلاة؟ الجواب الصلاة لا تسقط عنها، وإنما تسقط عن المرأة النفساء إذا دخلت في النفاس، فإذا دخلت في الطلق وخرج منها دم تسقط عنها الصلاة، حتى لو طال الطلق إلى يوم، لكن ما يخرج قبل ذلك من دم فهو في الغالب دم جرح لا يفسد شيئاً، فتصلي وتصوم، نسأل الله أن يشفيها.

стр. 550

عدم صحة أن الرعد من أسماء الملائكة السؤال هل صحيح أن الرعد اسم من أسماء الملائكة؟ الجواب لا أعلمه صحيحاً.

стр. 551

ضعف الأخبار في تزوج يوسف من امرأة العزيز السؤال هل تزوج يوسف ﵇ امرأة العزيز أم لا؟ الجواب لا يوجد في ذلك خبر صريح فيما أعلم.

стр. 552

معنى (أن أَضِل أو أُضَل أو أَزِل أو أُزَل) السؤال ما معنى قوله ﷺ : (أن أَضِل أو أُضَل أو أَزِل أو أُزَل)؟ الجواب هذا من دليل تربية الناس على الحياة الاجتماعية، وهو ﷺ يستعيذ بالله أن يضل غيره أو أن يضله أحد، أو أن يزل هو على غيره أو أن يزل عليه أحد، وكذا معنى (أو أظلم أو أظلم).

стр. 553

الفرق بين سكنى حرم المدينة وخارجه السؤال يحرص كثير من سكان المدينة على شراء أرض للسكنى داخل حدود حرم المدينة، معللين ذلك بأن للسكنى داخل حدود الحرم فضائل تختلف عن السكنى خارجه كالعزيزية وغيرها؟ فهل للسكنى داخل حدود الحرم فضيلة عن السكنى خارجه؟ فإن كان كذلك فما هذه الفضائل؟ أم أن الفضائل التي ذكرت عن المدينة المنورة تشمل جميع أحياء المدينة داخل حدود الحرم وخارجه؟ الجواب هذا فيه تفصيل: ما يتعلق بحكمه شرعاً كالصيد والتعزير في السرقة أو في القتل، فهذا لا يقال إلا لما كان داخل حدود الحرم، فالقاضي مثلاً إذا جاء لشخص سرق داخل الحرم النبوي، فليس كمن يسرق في الساحة، والذي يسرق في ساحة الحرم ليس كمن يسرق في الأسواق. أما السكنى عموماً فأرجو الله أن من سكن خارج حدود الحرم ومات هناك كأحياء العزيزية وما شابهها ينطبق عليه قول النبي ﷺ : (من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل؛ فإني أشفع لمن مات بها)، وهذا -أي: الساكن في العزيزية ونحوها- يدخل فيه؛ لأنه يقال عنه: إنه مات في المدينة، والله تعالى وأعلم.

стр. 554

كيفية التوكل على الله حق التوكل السؤال كيف يعرف العبد أنه من المتوكلين على الله حق التوكل؟ الجواب إذا وقع المقدور فينظر في رضاه عنه أو عدم رضاه، فإن كان راضياً عن المقدور أياً كان فهذا من دلالة الصدق بالتوكل. اللهم لك الحمد، أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد، الحي القيوم الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. أنت الله لا إله إلا أنت، السماء عرشك وفي كل مكان رحمتك وسلطانك، مصير كل أحد إليك، ورزق كل شيء عليك. أنت ربنا لا رب لنا غيرك ولا إله سواك، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وقدرتك التي لا تغلب، وسلطانك الذي لا يقهر، ورحمتك التي وسعت كل شيء، أن تظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك. اللهم أظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك. اللهم إنا نسألك الإيمان، والعفو عما مضى وسلف من الذنوب والآثام والعصيان. اللهم تب علينا توبة نصوحاً، نؤوب بها إليك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك غفران الذنوب، وستر العيوب، وحسن المرد إليك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك حسن الوفادة عليك. اللهم إنا نسألك حسن الوفادة عليك. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت القوي العزيز، وإن لنا إخواناً مسلمين في العراق وفلسطين وغيرهما يا رب العالمين! اللهم انصرهم وأعنهم، وارحم شهداءهم واغفر لهم يا رب العالمين! وأيدهم. اللهم بنصر من عندك يا ذا الجلال والإكرام! اللهم ارفع عن إخواننا المسلمين في كل مكان الضر والبأساء، واللأواء، اللهم ورد كيد أعداء المسلمين في نحورهم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم واجعل بلادنا هذه آمنة مستقرة مطمئنة يا رب العالمين! اللهم آلف بين الراعي والرعية يا رب العالمين! اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك يا رب العالمين! اللهم واجمعنا أجمعين على كلمة الحق، واجعلنا ممن يعين على العصمة بك، وائتلاف كلمة المسلمين يا رب العالمين! وأعذنا اللهم من الأهواء والنزغات وشتات الأمر يا ذا الجلال والإكرام! اللهم اشف مرضانا، اللهم اشف مرضانا، اللهم اشف مرضانا. اللهم وخص من سألنا أن ندعو لمريضه يا رب العالمين! اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، واغفر لنا لا إله إلا أنت. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 555

سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة النجم سورة النجم سورة مكية بدأها الله سبحانه بالقسم، فهي سورة لو تأمل فيها الواعي لوجد فيها من البلاغة وقوة الحجة والبيان ما يعجز المشركون عن الإتيان بمثلها، ومثلها بقية السور من كتاب الله، واختتم الله هذه السورة بالعجب من هؤلاء الكفار الذين لا يتأثرون عند سماع الآيات وهي تتلى، مع أن القرآن هو أعظم ما يؤثر في القلوب ويرققها.

стр. 556

تأملات في قول الله تعالى: (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اعترافاً بفضله وإذعاناً لأمره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته. اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن هذا هو اللقاء الثالث من سلسلة تأملات قرآنية، وسنقف فيه بعض الوقفات مع سورة النجم. وهذه السورة في أكثر أقوال علماء الأمة من المفسرين سورة مكية، وقد دل على ذلك حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فسنشرع في بيانها على ما يأتي. صدرها الله جل وعلا بالقسم فقال ﵎: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]، وختمهما الرب ﵎ بأن خاطب أهل الكفر بأن كتابه العظيم وقرآنه المتلو الذي نزل به جبريل على قلب محمد ﷺ أعظم ما يؤثر في القلوب ويرققها ويلينها؛ لما فيه من الوعد والوعيد، وصادق الأخبار، وبلاغة الخطاب، وتعجب الرب ﵎ من نظرة أولئك الكفرة إلى هذا الكتاب جاعلين مبدأهم به الاستهزاء والسخرية والضحك. فقال ﵎: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٩ - ٦٢]. وهذه السورة جرت على سنن ونسق السور المكية في العناية بأمر العقيدة، وإثبات الرسالة، وبيان الإشارة إلى رحلة المعراج. قال الله جل وعلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢]، فأقسم بالنجم، وجوابه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]. وقد اختلف العلماء في المراد بالنجم هنا: فذهب فريق من العلماء إلى أن المقصود بالنجم هنا: نزول القرآن منجماً على قلب محمد ﷺ ، فكلمة النجم هنا تعني: الجملة من القرآن وقت نزولها؛ لأن القرآن -كما هو معلوم- نزل منجماً -أي: مفرقاً- خلال ثلاث وعشرين سنة، نزل به جبريل على قلب رسولنا ﷺ . فعلى هذا يكون معنى قول الرب جل وعلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] قسماً بشيء وجزء وجملة من القرآن حال كونها ينزل بها جبريل على قلب محمد ﷺ ، وهذا القول قال به بعض السلف قديماً، واختاره الإمام الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، وقال عفا الله عنا وعنه: وأصوب الأقوال عندي والذي اختاره أن المراد بالنجم هنا الجملة من القرآن، والمقصود بقول الله: ﴿إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] أي: إذا نزل به جبريل على قلب محمد ﷺ ، بل قال ﵀: وهي نفسها قول الرب ﵎ في سورة الواقعة ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] أي: بنزول القرآن على قلب محمد ﷺ . وحجته في هذا أمور من أشهرها جواب القسم في سورة الواقعة، وقال الله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٥ - ٧٦]، فقال: إن قول الرب ﵎ ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦] أليق بأن يكون المقسم به القرآن، والجمل من القرآن أليق من النجم الذي في السماء، أو النجم الذي في الأرض -على القول بأن النجم هو نوع من الشجر- نظير قول الرب ﵎: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦]. هذا أحد الأقوال في معنى النجم في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]. وأكثر المفسرين على أن المقصود بالنجم هو النجم الذي في السماء، وأن هذا أول ما يتبادر إلى الذهن عند إطلاق النجم. لكن هؤلاء العلماء اختلفوا في النجم المقصود، فذهبت طائفة إلى أن النجم هنا المراد به: كوكب الزهرة، وأكثر العلماء على أن المراد بالنجم هنا السبعة النجوم المسماة عند العرب بالثريا حال سقوطها، أي: حال غروبها، وهذا القول ينسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الإمام ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره. والقول الثالث: أن المقصود بالنجم هنا جنس النجم في السماء ولا يحدد نجماً بعينه، وأن الله يقسم بالنجوم جملة في السماء، وهذا القول اختاره العلامة ابن سعدي ﵀، وهو الذي تميل إليه النفس أكثر، والله تعالى أعلم. فالأصل أن العلماء اختلفوا في المراد بالنجم على قولين: الأول: أن المقصود به الجملة من القرآن، والثاني: النجم الذي في السماء. ﴿إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] أي: إذا سقط، عند طائفة، وعند آخرين إذا تناثر يوم القيامة. وأما جواب القسم فهو قول الرب ﵎: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]، والمخاطب بالآية في المقام الأول هم كفار قريش المكذبون للقرآن وللنبي ﷺ ، والصاحب المقصود به هنا: رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وكاف الخطاب في صاحبكم عائدة على كفار قريش. والضلالة هي عدم العلم بالشيء، أي: الجهل، والغواية ناجمة عن ترك العمل بالعلم، وأما الضلالة فناجمة عن عدم العلم، فالله جل وعلا ينزه نبيه صلى لله عليه وسلم عن الجهالة، فأثبت له العلم بالحق لما نفى عنه الجهل، وأثبت له الهداية والعمل بالحق لما نفى عنه الغواية، فقال الرب ﵎: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]. قال بعض العلماء القائلين بأن المقصود بالنجم هنا هو النجم الذي في السماء: المناسبة من القسم بالنجم على صدق نبوة محمد ﷺ هو أن النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، والوحي يهتدى به في الأرض، بل إن حاجة الناس إلى الوحي أعظم من حاجتهم إلى النجوم، وكما أن النجوم زينة في السماء فإن كلام الله جل وعلا زينة ونور في القلوب وزينة في الأرض. هذا وجه المناسبة عند من قال بأن الله جل وعلا أقسم بالنجم الذي في السماء، وزادوا عليه أيضاً أنهم قالوا: إن الله جل وعلا علم من العرب أنها كانت تستخدم النجم في الهداية فتطمئن إليه في زرعها، وفي أسفارها، قال الله: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، فأقسم الله بالنجم على صدق نبوة محمد ﷺ ، والمعنى: كما أنكم تطمئنون إلى النجوم، وتعرفون أن النجم لا يخرج عن مساره، وأنكم ما أضلكم النجم قط ولا تتغير هدايته، وأنكم تركنون إليه، فإن الله الذي سخر لكم النجم هو الذي بعث لكم محمداً ﷺ ، فلئن كانت النجوم تهدي في ظلمات البر والبحر فإن نبينا ﷺ يهدي إلى الجنة، ويجير الله به العباد من النار. هذا وجه المناسبة ما بين القسم والمقسم به. والعلماء ﵏ قد اختلفوا اختلافاً كثيراً في تفسير الآيات التي ستأتي، وأنا سأتكلم فقط عن الرأي الراجح، ولا يعني ذلك أنه ليس هناك آراء أخر، وإنما سنعرج على ما نعتقد أنه الصواب بيننا وبين الله.

стр. 557

تأملات في قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى) قال الله جل وعلا: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٢ - ٤]. هذه الآية إحدى تزكيات الله لنبينا ﷺ ، وهي تزكية للسانه ولفؤاده، كما قال الله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وزكى الله البصر فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكاه الله جملة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] أي: أن هذا النبي الأمي صلوات الله وسلامه عليه لا يخاطبكم وفق ما تمليه عليه نفسه، ورغباته، وأهواؤه، بل القول الذي يقوله ﷺ وحي من الله. والله جل وعلا قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١]. وقد مر معنا في دروس سابقة أن الوحي أول وأعظم خصائص الأنبياء، وبه يفرق ما بين النبيين وبين المصلحين في الأرض، فلا يمكن أن يرقى المصلحون من الساسة والقادة والاجتماعين وغيرهم إلى مقام النبوة؛ لأن الأنبياء يعتمدون على وحي الرب ﵎، والله يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. وهذا الوحي ينزل به من السماء جبريل ﵇. ثم قال الله بعدها: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥]، فهناك معَلَّم وهناك مُعلِّم، فالمعلم نعته الله بأنه شديد القوى، والمقصود به جبريل، والمعَلَّم في هذا هو نبينا ﷺ . وظاهر القرآن والسنة على أن جبريل أفضل الملائكة، وهو أول من يسمع وحي الرب ﵎، قال ﵊: (إن الله إذا أراد أن يتكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فإذا رفع رأسه أوحى الله جل وعلا إليه بما يشاء، فإذا أوحى الله جل وعلا إليه بما يشاء مر جبريل على كل سماء، فكلما مر على سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق، وهو العلي الكبير)، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]. وهذا الملك الكريم أوكل الله جل وعلا إليه إنزال الوحي على جميع الأنبياء، وقد دلت السنة والقرآن على أن الذي ينزل بالوحي عليهم هو جبريل ﵊، ولذلك لما أخبر النبي ﷺ بنعت من رأى وهو جبريل في أيام الوحي الأولى أخبر بها ورقة بن نوفل فعرف ورقة أنه جبريل، وقال: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، فهذا مما من الله به على هذا الملك الكريم ﵇، وقد وصف الله جبريل هنا بأنه شديد القوى، ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم:٦] أي: ذو خلقة حسنة تامة، وهذا كله نعت لجبريل. وقد جاء نعت آخر لجبريل في سور أخر قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، فهذا كله نعت لجبريل ﵊.

стр. 558

تفسير قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) قال الله جل وعلا: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٥ - ٩] أظهر الأقوال -والله أعلم- أن المقصود بها: رؤية النبي ﷺ لجبريل في أيام الوحي في مكة عند جبل حراء، فيصبح المعنى ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٦ - ٧] أي: استوى جبريل في السماء بالأفق الأعلى فسد ما بين المشرق والمغرب، فرآه النبي ﷺ على هيئته التي خلقه الله تعالى عليها له ستمائة جناح، قد سد ما بين المشرق والمغرب. ثم إن جبريل (دنا فتدلى) وهو أسلوب عربي مقلوب تقوله العرب في كلامها؛ لأن التدلي يكون قبل الدنو، وأصل الكلام على لغة العرب تدلى فدنا، لكن هذا أسلوب تستخدمه العرب في كلامها، يقول الرجل: أحسن إلي فزارني، ويقولون: زارني فأحسن إلي، وكلا المعنيين واحد، وتقول: فلان أساء إلي فشتمني، وتقول: شتمني فأساء إلي، فقول الرب ﵎: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨] معناها الحرفي: تدلى جبريل فدنا من النبي ﷺ . وقلنا: إن من قواعد العلم أن القرآن لا يعرف بالمعاجم، وإنما يعرف أول الأمر بأساليب العرب في كلامها، وقلنا: إن العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى صاحب أضواء البيان لما قدم إلى هذه البلاد من بلاد شنقيط مر على السودان، وكان الإخوة في السودان يسمعون عن علمه، وهو رجل كان يقال له: أمير المؤمنين في المعقول والمنقول، فمر على السودان في طريقه إلى الحجاز للحج قبل أن يمن الله عليه بالإقامة في هذه البلاد، فأقاموا له عشاء ثم سألوه أسئلة متعددة ومنها سألوه: ما آخر كتاب قرأت؟ فقال لهم: آخر كتاب قرأته ديوان عمر بن أبي ربيعة، فتعجب الناس؛ لأن عمر بن أبي ربيعة شاعر غزل فكيف لإمام في تفسير القرآن يسأل عن آخر كتاب قرأ فيقول: كتاب شعر في الغزل، فلما رأى أنه قد أصابهم الحنق قال لهم ﵀: أقرؤه لأعرف به أسلوب العرب فأفهم بأسلوب العرب كلام ربي؛ لأن عمر بن أبي ربيعة شاعر عاش في صدر الإسلام في آخر عهد الخلفاء الراشدين وعصر بني أمية، فهو ممن يستشهد بقوله عندما يفسر القرآن فمن يعرف أساليب العرب في كلامها سيعرف أسلوب القرآن؛ لأن القرآن نزل بأسلوب العرب. هذا ما أردنا التنبيه عليه في قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨]، قلنا: إن الذي دنا وتدلى هو جبريل، فلما دنا وتدلى قرب من النبي ﷺ ليعطيه الوحي، ثم كنى الله عن قرب جبريل من نبينا ﷺ بقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩]، (أو) هذه تحتمل معنيين: تحتمل أن تبقى على أصلها بمعنى أو، وتحتمل أن تكون للضرب -أي: النقل- فيصبح المعنى: بل أدنى، وأياً كان الأمر فإن المقصود: حكاية قرب جبريل من نبينا ﷺ وهو يعلمه الوحي، وكون جبريل يعلم النبي ﷺ الوحي هذا أمر في الأصل تفزع له القلوب؛ لأن جبريل ملك ومحمد ﷺ بشر، لذلك قال الله بعدها: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] أي: أوحى الله إلى نبيه بواسطة جبريل ما أوحى، قال الله بعدها: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] معنى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] على أظهر الأقوال: أن الإنسان إذا رأى شيئاً خارقاً للعادة قد تراه عيناه لكن يكذبه بقلبه، فترى الإنسان جبلة يصيبه اضطراب، ولا يصدق ما يراه، لكن الله أراد لهذا النبي أن يكون آخر الأنبياء وخاتم الرسل، فثبت قلبه ﷺ ولم يتزعزع، فاتفقا وتواطأ البصر والقلب على تلقي الوحي من الله عن طريق جبريل. هذا الذي يظهر لنا -والله أعلم- في تفسير الآيات السابقة. ولبعض العلماء ﵏ تفسيراً آخر قالوا: إن الذي دنا وتدلى هو الجبار ﷻ ، وقالوا: إن هذا حصل في رحلة المعراج، لكن ذكر أن هذا لا يستقيم معنا إذا فسرنا الآيات جملة، والقول الذي اخترناه هو ما اختاره الإمام ابن سعدي رحمة الله تعالى عليه في تفسيره.

стр. 559

تأملات في قوله تعالى: (أفتمارونه على ما يرى) ثم قال الله جل وعلا: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢]، الأصل أن يقال: أفتمارونه فيما يرى، وتمارونه بمعنى: تجادلونه فيما يرى، فالإنسان يقال له: أجادلك في هذا الشيء إذا كان هذا الشيء يصنعه باختياره، وأما تعبير القرآن باستخدام حرف الجر (على) بدلاً من استخدام حرف الجر (في) فيه دلالة على أن هذا الأمر معطى من الله هبة لنبينا ﷺ ، فهذه الأشياء التي يراها كجبريل وكالوحي لا تؤخذ لا بعلم ولا بحلقة، ولا بدراسة، بل هي فضل من الله، والله قد قال لنبيه: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢] قال هذا عتاباً وتوبيخاً لكفار قريش على أنهم يجادلون النبي ﷺ فيما أخبر عنهم؛ لأنه لاقى جبريل، وجبريل أنزل عليه الوحي.

стр. 560

تأملات في قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى) قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، فالرائي هو الرسول ﷺ ، والمرئي جبريل، ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] أي: مرة أخرى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٤ - ١٥]، إذاً: فالرؤية الثانية كانت في السماء ليلة المعراج، وهذا ظاهر في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] وما بعدها، وأما ما قبل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] فيتحدث عن أيام الوحي الأولى التي في مكة، وبهذا يستقيم الخطاب ويتم المعنى. وهذا القول يؤيده ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وعائشة حبيبة رسولنا ﷺ هي من أعلم الناس بالسنة؛ لأنها كانت قريبة من النبي ﷺ ، فتستطيع أن تسأله متى شاءت، وقد جاءها رجل يقال له مسروق وهو أحد التابعين الصالحين، فجلس مسروق يوماً عند كعب الأحبار فقال كعب الأحبار في المجلس: إن الله خص إبراهيم بالخلة، وقسم الرؤية والتكليم ما بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين ورآه محمد ﷺ مرتين، فخرج مسروق من عنده وذهب إلى عائشة وقال لها: يا أم المؤمنين إن كعباً يقول: كذا وكذا، فكانت متكئة فعدلت من جلستها غاضبة، وقالت: لقد قف شعر رأسي مما قلت -أي: وقف-، من حدثك بهذا فقد كذب، فقال: لا تعجلي علي يا أم المؤمنين! ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣]؟ ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]؟ فقالت ﵂ وأرضاها -وهي عندنا صادقة-: أنا أول من سأل النبي ﷺ عن هذه الآية، فقال لي: (إنما هو جبريل رأيته مرتين على هيئته التي خلقه الله تعالى عليها) أي: واحدة في أيام الوحي الأولى، وواحدة في رحلة المعراج. ثم قالت ﵂ وأرضاها: من حدثك أن النبي ﷺ رأى ربه فقد كذب، قال الله جل وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، ومن حدثك أن أحداً يعلم ما في غد فقد كذب، فقد قال الله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]، ومن حدثك أن محمداً كتم شيئاً من الرسالة فقد كذب، ثم تلت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]. لكن نقف هنا وقفة مهمة: هذا القول الذي قالته عائشة ﵂: بأن النبي ﷺ لم ير ربه، قد نقل عن بعض الصحابة ﵃ كـ أبي ذر وغيره أن النبي ﵊ رأى ربه، لكن اختلفوا هل رآه بقلبه أو رآه بعينه على قولين، وهذا مذهب ابن عباس ومن تبعه من الصحابة.

стр. 561

تأملات في قوله تعالى: (عند سدرة المنتهى) قال الله جل وعلا: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٤]. السدر: هو شجر النبق، والقرآن فيه إشارة بسيطة يفهم منها أن السدر ليس بشجر عظيم في الدنيا، قال الله جل وعلا عن قوم سبأ: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]، قال بعض العلماء: إن هذا يدل على أن السدر ليس شجراً ذا بال، لكن هذا القول يمكن رده بما روى أبو داود في السنن بسند صحيح، أن النبي ﷺ قال: (من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار يوم القيامة). وهذا الحديث رواه أبو داود في السنن، وصححه الإمام الألباني ﵀ في صحيح الجامع. والذي يعنينا أن هناك سدرة اسمها سدرة المنتهى، واختلف العلماء في سبب تسميتها بسدرة المنتهى مع اتفاقهم على أن اسمها سدرة المنتهى؛ لأن الله أسماها سدرة المنتهى، ولم يخبر لماذا أسماها سدرة المنتهى. فقيل -وهو قول الأكثرين-: إنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض، وقيل: إنه حتى جبريل لا يتعداها، والله أعلم بالصواب، وهذا غيب لا نتكلف فيه، لكن نقول إن سدرة المنتهى سدرة عظيمة بدليل أن الله لما أراد أن يعرف الجنة وصف الجنة بأنها بجوار السدرة، فقال: ﴿عِنْدَهَا﴾ [النجم:١٥] أي: عند السدرة ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٥]، وفي هذا دليل على أن الجنة في السماء السابعة.

стр. 562

تأملات في قوله تعالى: (إذ يغشى السدرة ما يغشى) ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦]، النبي ﵊ لما عرج به ورأى السدرة رأى أنه يغشاها من آلاء الله ما لا يمكن أن يصفه بشر، ولذلك أبهم ذلك الوصف فقال الله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦]، قال الله عندها مدحاً لنبيه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، فالنبي ﵊ في رحلة المعراج لم يحد بصره لا ميمنة ولا ميسرة، وإنما كان يري بصره ما أراه الله، وهذا من كمال أدبه صلوات الله وسلامه عليه. وأنت إذا دخلت بيت أحد كضيف فلا تجلس حيث تريد بل أجلس حيث يريد صاحب البيت، فهذا هو كمال الأدب؛ لأن صاحب البيت أدرى ببيته، وأدرى أين يضعك، فربما تطلب مكاناً تظنه مناسباً وفيه حرج على صاحب البيت، فمن الأدب أنك عندما تأتي عند أحد كضيف أن تنزل حيث أنزلك، وأن تجلس حيث أجلسك فهو أدرى ببيته. نحن نقوله تعلماً والله جل وعلا علمه النبي ﷺ فطرة؛ فلما رقي به ﵊ لم يلتفت ميمنة ولا ميسرة، وأقام بصره حيث أقامه الله، ولذلك أثنى الله عليه بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]. ثم أثنى الله على ما رآه نبينا ﷺ فقال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، وفيه دليل لمن قال: إن النبي ﵊ لم ير ربه؛ لأن الثناء على النبي بأنه رأى الله أعظم من الثناء عليه بأنه رأى بعض الآيات. والإسراء والمعراج لا تفهمه منفكاً وإنما افهمه بالحدث الذي قبله، فقد كانت حاثة الإسراء والمعراج بعد رحلة الطائف، حيث خرج ﷺ إلى الطائف فرده أهل الطائف، فرجع إلى مكة فلما رجع إلى مكة منعته قريش من أن يدخلها، فدخلها بجوار المطعم بن عدي، وكان المطعم كافراً ومات على الكفر، وكان للمطعم أبناء فتقلدوا سيوفهم ودخل النبي ﷺ مكة في جوار المطعم، وطاف بالبيت في حراسة من أبناء المطعم بعد ذلك، وبعد هذه الحادثة أكرمه الله برحلة الإسراء والمعراج. والآن نقارن ما بين رحلة الطائف وتوابعها، ورحلة الإسراء والمعراج وتوابعها: في رحلة الطائف ذهب إلى الطائف مشياً على الأقدام، وفي رحلة الإسراء والمعراج ركب ﷺ البراق يضع حافره حيث ينتهي بصره، وفي رحلة الطائف كان معه زيد بن حارثة أحد مواليه مستضعف ﵁ وأرضاه، وفي رحلة الإسراء والمعراج كان معه جبريل، في رحلة الطائف صده أهل الطائف، وفي رحلة الإسراء استقبله الأنبياء في بيت المقدس، وفي رحلة الطائف وهو راجع رده أهل مكة، وفي رحلة المعراج استقبلته الملائكة في السماء، وفي رحلة الطائف رجع يطوف بالبيت معه حراسة، وفي رحلة المعراج رأى البيت المعمور في أمن وكرامة وعزة من الله، فانظر الفرق بين الحالتين حتى تعلم مكانة نبينا ﷺ عند ربه. فلما صبر على الأولى من أجل الله عوضه ربه بالثانية إكراماً له صلوات الله وسلامه عليه، قيل للشافعي ﵀: أيهما أفضل رجل يمكن أو رجل يبتلى؟ قال: سبحان الله! لن يمكن حتى يبتلى. فهو ﷺ دميت عقباه، وسال الدم على أرض الطائف، ورد وصد، ورضي بذلك كله وقال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، ونزل من الطائف وهو في الطريق لم ينس حظه من صلاة الليل، فقام يصلي ويتلو القرآن قبل أن يصل إلى مكة، فأكرمه الله بأن جناً يأتون إليه فيسمعون قراءته دون أن يدري. ولذلك قال الله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١]، وقال في الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩]. هذا أهم ما يمكن المقارنة به بين رحلة الطائف ورحلة المعراج. أما رحلة المعراج فالذي يعنينا منها أنه ﷺ قدم له لبن وخمر، وجاء في بعض الروايات وعسل، فاختار اللبن، فنودي: هديت، واخترت الفطرة، وهديت أمتك. فاللبن الذي يأخذه الجنين من بطن أمه هو الغذاء الوحيد الذي لا تدخل فيه صنعة يد بني آدم، فليس لبني آدم فضل في اللبن الذي يخرج من ثدي المرأة، ولا الذي يخرج من ضرع الشاه أو ذوات الحليب، فلذلك قيل له ﷺ : اخترت الفطرة. ثم عرج به ﷺ ، وقد مر معنا في أكثر من درس ما حظي به ﷺ من الحفاوة من الأنبياء والمرسلين في أكثر من مناسبة، قال شوقي: يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء والمصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنات عدن آلك السمحاء هذه القضية الأولى التي أردت الوقوف عندها في سورة النجم.

стр. 563

تأملات في قول الله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى) القضية الثانية: قول الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، فالله سبحانه هنا يوبخ المشركين على أنهم يجعلون هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع نداً لله، فالقضية التي تتعلق بهذه الآية من سورة النجم أن آخرها سجدة، فلما وصل إليها ﷺ سجد، وهذا أمر يذكر بمسألة شهيرة عند العلماء تسمى: قصة الغرانيق، والغرانيق: جمع غرنوق وهو طائر أبيض، وقصة الغرانيق قصة يذكرها المفسرون عند هذه الآية، ولأهميتها عقدياً سنتكلم عنها. ينقل المفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه نقلاً غير صحيح أن النبي ﷺ لما قرأ هذه السورة وجاء عند قول الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠] زعموا أن الشيطان ألبس على النبي ﷺ فألقى في قلبه أن يقول بعد أن قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠] أن يقول: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، تلك أي: الأصنام، والغرانيق العلى أي: تطير وتعلو بعبادتهم، وإن شفاعتهن لترتجى: يزعمون أنهم فهموا أن النبي ﷺ اعترف بشفاعة آلهتهم. وتقول القصة: إن النبي ﷺ لما سجد سجد معه كفار قريش، وذكروا أن الوليد بن المغيرة كان شيخاً كبيراً لم يستطع أن يسجد فرفع تراباً وسجد عليه؛ فرحاً منهم أن النبي ﷺ اعترف بآلهتهم. هذا نقل. النقل الثاني يقول: إن النبي ﷺ لم يقلها، وإنما الشيطان قلد النبي ﷺ فقال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فظن المؤمنون والكافرون أن النبي ﷺ هو الذي قالها، فلما سجد سجدوا معه فرحاً، ويزعمون أنه لما جاء المساء جاء جبريل مرة أخرى للنبي ﷺ فقال له: اقرأ علي ما أقرأتك؟ فقرأها النبي ﷺ : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى -وهذه قصة لا يصدقها عاقل-، ثم إنه غضب جبريل وقال: ما هكذا أقرأتك إياها، فأنزل الله جل وعلا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢]، وقوله تعالى: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣] وهذه هي قصة الغرانيق، وهذه القصة فيها كلام من حيث المتن ومن حيث السند. نقول جملة: هذه القصة وردت في أكثر كتب التفسير لكن علماء الأمة من أهل السنة ﵃ ورحمهم وجزاهم عن السنة خيراً ردوا هذه القصة شكلاً وموضوعاً -كما يقول المعاصرون-، وردوها سنداً ومتناً اللهم إلا ما كان من الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فهو يقول: إن سندها من المرسل المقبول، لكنه لا يقول ﵀: إن النبي ﷺ قالها، وقد عاتب العلماء كثيراً الحافظ ابن حجر ﵀ على قوله هذا. وأما علماء الأمة قاطبة فقد ردوها متناً وسنداً، وهي لا يمكن أن تصح شرعاً؛ لأن الله يقول عن إبليس: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩]، فإذا كان إبليس بنص القرآن ليس له سلطان على أهل الإيمان، فأشرف أهل الإيمان هو نبينا ﷺ ، فكيف يتسلط إبليس على سيد الأولين والآخرين ﷺ ويعجز عن التسلط على غيره؟! ثم كيف يصدق الوحي إذا قلنا: إن الشيطان قابل لئن يدخل في سكتات النبي ﷺ فيقلد أمره؟! وممن اجتهد من العلماء فألف فيها رسالة جامعة نافعة: العلامة الألباني رحمه الله تعالى في رسالة أسماها (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) بأسلوب علمي لتطمئن نفسك أن هذا كله قول مزعوم على نبينا ﷺ لا يمكن تصديقه، كما أن العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان ذكرها في سورة الحج وفندها تفنيداً جيداً، وكذلك الشوكاني رحمه الله تعالى، ومن أعظم من فندها أبو بكر بن العربي، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن وغيرهم من أئمة المسلمين ﵏ سلفاً وخلفاً. لكن رسالة الألباني أجمعها، وقد كتبها ﵀ عام (١٣٧٢هـ) أي: قبل (٥٣) سنة، ولعلها الآن تنفعه في قبره رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وهو قال في المقدمة: إنني أسال الله أن يجعلها ذخراً لي؛ لأنني نصرت نبيه، ولعلها تنفعه برحمة الله وفضله الآن في قبره، كما نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما علمنا في الحياة الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة. وأما معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢]، تمنى هنا بمعنى: تلا وقرأ، ولأن أي حكم يحتاج إلى دليل وأي نقل يحتاج إلى إسناد، فدليل ذلك من كلام العرب قول كعب بن مالك في مدح عثمان رضي الله تعالى عنه: تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر فهو يتكلم عن عثمان أنه كان يقرأ القرآن من أول النهار ومات آخر النهار وهو يقرأ القرآن، فجعل تمنى هنا بمعنى: قرأ وتلا، فهذا شاهد من كلام العرب على أنهم يستخدمون تمنى بمعنى: تلا، فقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢] أي: إلا إذا تلا وقرأ ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج:٥٢]، وأما معنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي: أن المؤمن الذي يسمع الكلام من النبي يأتيه الشيطان بوساوس على قلبه تقول له: هذا شعر، وهذه كهانة، وهذا نثر، وهذا كلام مسجوع، وهذا ليس بقرآن، وساوس من الشيطان، قال الله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج:٥٢] أي: لإيمان هذا العبد يذهب الله أثر تلك الوسوسة، ومعنى ينسخ: يزيل، أي: يزل الله أثر تلك الوسوسة، ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢] أي: يطمئن المؤمن بأن هذا قرآن ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢] أي: عليم بما يصنع، حكيم فيما يصنع، وهذا بيان ما يسمى بقصة الغرانيق.

стр. 564

تأملات في قوله تعالى: (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً) الوقفة الأخيرة مع قول الرب ﵎: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]. لما ذكر الله جل وعلا تعلق أهل الإشراك بأصنامهم أخبر الله جل وعلا أن الشفاعة شيء عظيم حتى الملائكة وهم ملائكة لا يشفعون إلا بشروط فكيف بأصنامكم! وهذا درس في العقيدة، والعقيدة تؤخذ أول ما تؤخذ من القرآن، وأنا أكثر من الاستشهاد بالإمام الشنقيطي ﵀؛ لأنه كان عالماً بحق، كان يعلم كثيراً في اللغة والمنطق والبلاغة والفقه، لكن إذا جلس في الحرم لا يدرس إلا التفسير. يقول تلميذه الشيخ عطية ﵀: سألته لماذا لا تدرس إلا التفسير؟ فقال: كل العلوم مردها إلى القرآن. وعلى هذا الأسلوب الذي قاله الشنقيطي ﵀ سنتكلم عن العقيدة في باب الشفاعة عن قول الله جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦]. الشفاعة في المعنى الاصطلاحي: طلب الخير للغير إما بدفع مضرة، أو بجلب منفعة. والشفاعة في الآخرة قسمان: شفاعة باطلة، وشفاعة صحيحة، فأما الشفاعة الباطلة فكما يزعمه من يعبد الأصنام أن أصناهم تنفع، وهذا باطل. والشفاعة الصحيحة: ما اجتمع فيها شرطان: إذن الله للشافع مع الرضا، ورضاه عن المشفوع له، قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، فذكر الله الإذن وذكر الرضا، و (كم) هذه تسمى خبرية، وأختها كم الاستفهامية، وكم الاستفهامية تحتاج إلى جواب، وأما كم الخبرية فلا تحتاج إلى جواب إلا إنك تخبر عن كثرة، قال الفرزدق: كم خالة لك يا جرير وعمة فدعاء قد حلبت علي عشاري وهي في الآية أيضاً كناية عن الكثرة، قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].

стр. 565

الشفاعات الخاصة بالنبي ﷺ قلنا: الشفاعة الباطلة ما زعمه الكفار أن أصنامهم تشفع، وأما الشفاعة الصحيحة قلنا شروطها الإذن والرضى، وهذه الشفاعة تنقسم إلى خمسة أقسام: ثلاثة منها خاصة بالنبي ﷺ ، واثنتان يشترك فيها النبي وغيره، وهي ما سنبينها على وجه التفصيل. الشفاعة الأولى: هي شفاعته ﷺ في أهل الموقف أن يحكم الله جل وعلا بينهم ويفصل، قال ﵊ كما في البخاري وغيره: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، فإن الناس يجتمعون في صعيد واحد فيلجمهم العرق وتدنو منهم الشمس، فيقول بعضهم لبعض: ألا تذهبون إلى آدم حتى يشفع لكم عندك ربكم أن يقضي بينكم؟ فيأتون إلى آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فيقول آدم: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله، وإنني نهيت عن الشجرة فأكلتها، نفسي نفسي نفسي يقولها ثلاثاً، اذهبوا إلى نوح، فيأتون إلى نوح فيقول في الغضب مثلما يقول، ثم يقول ﵇: إنه قد كانت لي دعوة وقد عجلتها، دعوت بها على قومي، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم فيثنون عليه: أنت اتخذك الله خليلاً، فيقول كما قال غيره، ثم يقول: إنني كذبت ثلاث كذبات -قالها تواضعاً-، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى موسى، فيأتون إلى موسى فيقولون له: أنت صفي الله وكليمه، واصطفاك الله على الناس برسالته وبكلامه، اشفع لنا إلى ربك، فيقول: إنني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون إلى عيسى فيقولون: أنت كلمة الله إلى مريم وروح منه، فلا يذكر ذنباً ﵇، وإنما يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد؛ فإنه نبي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون إلى نبينا ﷺ فيقولون له ذلك، فيقول: أنا لها، فيأتي ﵊ فيسجد تحت العرش، ويفتح الله عليه بمحامد يثني بها على الله لم يفتحها على أحد من قبله، ثم ينادى: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع). فهذه الشفاعة هي المقام المحمود الذي خص الله به نبينا ﷺ . الشفاعة الثانية الخاصة به ﷺ : أنه يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، بمعنى: أن أهل الجنة عندما يحبسون على قنطره بين الجنة والنار فينزع ما في صدورهم، قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]، ثم بعد ذلك يجدون أبواب الجنة مغلقة، فيأتون آدم فيردهم إلى محمد، فيأتي ﷺ فيطرق باب الجنة، فيقول له الخازن: من أنت؟ فيقول: أنا محمد، فيقول الخازن: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك فيفتحها، فيدخل الناس الجنة، يدخل كل أحد من الباب الذي فيه أكثر أعماله، أي: من كان أكثر أعماله الصلاة يدخل من باب الصلاة، والذي أكثر أعماله الصيام يدخل من باب الريان، والذي أكثر أعماله الجهاد يدخل من باب الجهاد وهكذا، فهذه الشفاعة الثانية له ﷺ . الشفاعة الثالثة الخاصة به ﷺ : شفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب، فهو في ضحضاح من نار لكن لا يخرج من النار. وأبو طالب أحد أعمام النبي ﷺ ، وأعمام النبي عشرة، أدرك أربعة منهم بعثة النبي ﷺ فأسلم منهم اثنان، وكفر اثنان، فاللذان كفرا أبو طالب وأبو لهب، واختلف حالهما، فـ أبو لهب كان شديد العداوة مع كفره، وأبو طالب كان شديد النصرة مع كفره، لكن كلاهما في النار إلا أن أبا طالب يخفف عنه بشفاعة النبي ﷺ . وأما اللذان أسلما فهما العباس وحمزة، وحمزة أفضل من العباس، وقد سماه النبي ﷺ كما رواه الطبراني بسند صحيح: سيد الشهداء. فهذه الشفاعة الثالثة، وبقيت شفاعتان، وهاتان الشفاعتان له ولغيره من الملائكة والشهداء والصالحين والعلماء، فيشفع الرجل في أهل بيته، ويشفع الرجل في قرابته، وفي جيرانه، وفي معارفه، وهذه شفاعة مشتركة، وتنقسم إلى قسمين: شفاعة في أقوام استحقوا النار ألا يدخلوها، وشفاعة في أقوام دخلوا النار أن يخرجوا منها. وهاتان الشفاعتان أنكرهما فرقتان من فرق المبتدعة هما: المعتزلة والخوارج. فالخوارج يرون أن مرتكب الكبيرة كافر، والمعتزلة يرون أنه تجرى عليه في الدنيا أحكام أهل الإيمان، وتجرى عليه في الآخرة أحكام أهل الكفر إذا لم يتب من الكبائر، ويقولون: هو الدنيا في منزلة بين منزلتين. ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين ﷻ فيقول الله جل وعلا: (شفع النبيون، وشفعت الملائكة، وشفع المؤمنون فبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فيضع قبضته في النار جل وعلا فيخرج منها أقواماً قد حرقوا بالنار حتى عادوا حمماً لم يعملوا خيراً قط، ثم توضع على رقابهم الخواتم ويدخلون الجنة، فيقال: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة من غير عمل عملوه ولا خير قدموه)، رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وإن رباً هذه سعة رحمته أهل لئن ترجى رحمته. اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →