← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

تأملات في قوله تعالى: (عند سدرة المنتهى) قال الله جل وعلا: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٤]. السدر: هو شجر النبق، والقرآن فيه إشارة بسيطة يفهم منها أن السدر ليس بشجر عظيم في الدنيا، قال الله جل وعلا عن قوم سبأ: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]، قال بعض العلماء: إن هذا يدل على أن السدر ليس شجراً ذا بال، لكن هذا القول يمكن رده بما روى أبو داود في السنن بسند صحيح، أن النبي ﷺ قال: (من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار يوم القيامة). وهذا الحديث رواه أبو داود في السنن، وصححه الإمام الألباني ﵀ في صحيح الجامع. والذي يعنينا أن هناك سدرة اسمها سدرة المنتهى، واختلف العلماء في سبب تسميتها بسدرة المنتهى مع اتفاقهم على أن اسمها سدرة المنتهى؛ لأن الله أسماها سدرة المنتهى، ولم يخبر لماذا أسماها سدرة المنتهى. فقيل -وهو قول الأكثرين-: إنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض، وقيل: إنه حتى جبريل لا يتعداها، والله أعلم بالصواب، وهذا غيب لا نتكلف فيه، لكن نقول إن سدرة المنتهى سدرة عظيمة بدليل أن الله لما أراد أن يعرف الجنة وصف الجنة بأنها بجوار السدرة، فقال: ﴿عِنْدَهَا﴾ [النجم:١٥] أي: عند السدرة ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٥]، وفي هذا دليل على أن الجنة في السماء السابعة.

стр. 562

تأملات في قوله تعالى: (إذ يغشى السدرة ما يغشى) ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦]، النبي ﵊ لما عرج به ورأى السدرة رأى أنه يغشاها من آلاء الله ما لا يمكن أن يصفه بشر، ولذلك أبهم ذلك الوصف فقال الله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦]، قال الله عندها مدحاً لنبيه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، فالنبي ﵊ في رحلة المعراج لم يحد بصره لا ميمنة ولا ميسرة، وإنما كان يري بصره ما أراه الله، وهذا من كمال أدبه صلوات الله وسلامه عليه. وأنت إذا دخلت بيت أحد كضيف فلا تجلس حيث تريد بل أجلس حيث يريد صاحب البيت، فهذا هو كمال الأدب؛ لأن صاحب البيت أدرى ببيته، وأدرى أين يضعك، فربما تطلب مكاناً تظنه مناسباً وفيه حرج على صاحب البيت، فمن الأدب أنك عندما تأتي عند أحد كضيف أن تنزل حيث أنزلك، وأن تجلس حيث أجلسك فهو أدرى ببيته. نحن نقوله تعلماً والله جل وعلا علمه النبي ﷺ فطرة؛ فلما رقي به ﵊ لم يلتفت ميمنة ولا ميسرة، وأقام بصره حيث أقامه الله، ولذلك أثنى الله عليه بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]. ثم أثنى الله على ما رآه نبينا ﷺ فقال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، وفيه دليل لمن قال: إن النبي ﵊ لم ير ربه؛ لأن الثناء على النبي بأنه رأى الله أعظم من الثناء عليه بأنه رأى بعض الآيات. والإسراء والمعراج لا تفهمه منفكاً وإنما افهمه بالحدث الذي قبله، فقد كانت حاثة الإسراء والمعراج بعد رحلة الطائف، حيث خرج ﷺ إلى الطائف فرده أهل الطائف، فرجع إلى مكة فلما رجع إلى مكة منعته قريش من أن يدخلها، فدخلها بجوار المطعم بن عدي، وكان المطعم كافراً ومات على الكفر، وكان للمطعم أبناء فتقلدوا سيوفهم ودخل النبي ﷺ مكة في جوار المطعم، وطاف بالبيت في حراسة من أبناء المطعم بعد ذلك، وبعد هذه الحادثة أكرمه الله برحلة الإسراء والمعراج. والآن نقارن ما بين رحلة الطائف وتوابعها، ورحلة الإسراء والمعراج وتوابعها: في رحلة الطائف ذهب إلى الطائف مشياً على الأقدام، وفي رحلة الإسراء والمعراج ركب ﷺ البراق يضع حافره حيث ينتهي بصره، وفي رحلة الطائف كان معه زيد بن حارثة أحد مواليه مستضعف ﵁ وأرضاه، وفي رحلة الإسراء والمعراج كان معه جبريل، في رحلة الطائف صده أهل الطائف، وفي رحلة الإسراء استقبله الأنبياء في بيت المقدس، وفي رحلة الطائف وهو راجع رده أهل مكة، وفي رحلة المعراج استقبلته الملائكة في السماء، وفي رحلة الطائف رجع يطوف بالبيت معه حراسة، وفي رحلة المعراج رأى البيت المعمور في أمن وكرامة وعزة من الله، فانظر الفرق بين الحالتين حتى تعلم مكانة نبينا ﷺ عند ربه. فلما صبر على الأولى من أجل الله عوضه ربه بالثانية إكراماً له صلوات الله وسلامه عليه، قيل للشافعي ﵀: أيهما أفضل رجل يمكن أو رجل يبتلى؟ قال: سبحان الله! لن يمكن حتى يبتلى. فهو ﷺ دميت عقباه، وسال الدم على أرض الطائف، ورد وصد، ورضي بذلك كله وقال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، ونزل من الطائف وهو في الطريق لم ينس حظه من صلاة الليل، فقام يصلي ويتلو القرآن قبل أن يصل إلى مكة، فأكرمه الله بأن جناً يأتون إليه فيسمعون قراءته دون أن يدري. ولذلك قال الله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١]، وقال في الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩]. هذا أهم ما يمكن المقارنة به بين رحلة الطائف ورحلة المعراج. أما رحلة المعراج فالذي يعنينا منها أنه ﷺ قدم له لبن وخمر، وجاء في بعض الروايات وعسل، فاختار اللبن، فنودي: هديت، واخترت الفطرة، وهديت أمتك. فاللبن الذي يأخذه الجنين من بطن أمه هو الغذاء الوحيد الذي لا تدخل فيه صنعة يد بني آدم، فليس لبني آدم فضل في اللبن الذي يخرج من ثدي المرأة، ولا الذي يخرج من ضرع الشاه أو ذوات الحليب، فلذلك قيل له ﷺ : اخترت الفطرة. ثم عرج به ﷺ ، وقد مر معنا في أكثر من درس ما حظي به ﷺ من الحفاوة من الأنبياء والمرسلين في أكثر من مناسبة، قال شوقي: يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء والمصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنات عدن آلك السمحاء هذه القضية الأولى التي أردت الوقوف عندها في سورة النجم.

стр. 563

تأملات في قول الله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى) القضية الثانية: قول الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، فالله سبحانه هنا يوبخ المشركين على أنهم يجعلون هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع نداً لله، فالقضية التي تتعلق بهذه الآية من سورة النجم أن آخرها سجدة، فلما وصل إليها ﷺ سجد، وهذا أمر يذكر بمسألة شهيرة عند العلماء تسمى: قصة الغرانيق، والغرانيق: جمع غرنوق وهو طائر أبيض، وقصة الغرانيق قصة يذكرها المفسرون عند هذه الآية، ولأهميتها عقدياً سنتكلم عنها. ينقل المفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه نقلاً غير صحيح أن النبي ﷺ لما قرأ هذه السورة وجاء عند قول الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠] زعموا أن الشيطان ألبس على النبي ﷺ فألقى في قلبه أن يقول بعد أن قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠] أن يقول: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، تلك أي: الأصنام، والغرانيق العلى أي: تطير وتعلو بعبادتهم، وإن شفاعتهن لترتجى: يزعمون أنهم فهموا أن النبي ﷺ اعترف بشفاعة آلهتهم. وتقول القصة: إن النبي ﷺ لما سجد سجد معه كفار قريش، وذكروا أن الوليد بن المغيرة كان شيخاً كبيراً لم يستطع أن يسجد فرفع تراباً وسجد عليه؛ فرحاً منهم أن النبي ﷺ اعترف بآلهتهم. هذا نقل. النقل الثاني يقول: إن النبي ﷺ لم يقلها، وإنما الشيطان قلد النبي ﷺ فقال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فظن المؤمنون والكافرون أن النبي ﷺ هو الذي قالها، فلما سجد سجدوا معه فرحاً، ويزعمون أنه لما جاء المساء جاء جبريل مرة أخرى للنبي ﷺ فقال له: اقرأ علي ما أقرأتك؟ فقرأها النبي ﷺ : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى -وهذه قصة لا يصدقها عاقل-، ثم إنه غضب جبريل وقال: ما هكذا أقرأتك إياها، فأنزل الله جل وعلا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢]، وقوله تعالى: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣] وهذه هي قصة الغرانيق، وهذه القصة فيها كلام من حيث المتن ومن حيث السند. نقول جملة: هذه القصة وردت في أكثر كتب التفسير لكن علماء الأمة من أهل السنة ﵃ ورحمهم وجزاهم عن السنة خيراً ردوا هذه القصة شكلاً وموضوعاً -كما يقول المعاصرون-، وردوها سنداً ومتناً اللهم إلا ما كان من الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فهو يقول: إن سندها من المرسل المقبول، لكنه لا يقول ﵀: إن النبي ﷺ قالها، وقد عاتب العلماء كثيراً الحافظ ابن حجر ﵀ على قوله هذا. وأما علماء الأمة قاطبة فقد ردوها متناً وسنداً، وهي لا يمكن أن تصح شرعاً؛ لأن الله يقول عن إبليس: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩]، فإذا كان إبليس بنص القرآن ليس له سلطان على أهل الإيمان، فأشرف أهل الإيمان هو نبينا ﷺ ، فكيف يتسلط إبليس على سيد الأولين والآخرين ﷺ ويعجز عن التسلط على غيره؟! ثم كيف يصدق الوحي إذا قلنا: إن الشيطان قابل لئن يدخل في سكتات النبي ﷺ فيقلد أمره؟! وممن اجتهد من العلماء فألف فيها رسالة جامعة نافعة: العلامة الألباني رحمه الله تعالى في رسالة أسماها (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) بأسلوب علمي لتطمئن نفسك أن هذا كله قول مزعوم على نبينا ﷺ لا يمكن تصديقه، كما أن العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان ذكرها في سورة الحج وفندها تفنيداً جيداً، وكذلك الشوكاني رحمه الله تعالى، ومن أعظم من فندها أبو بكر بن العربي، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن وغيرهم من أئمة المسلمين ﵏ سلفاً وخلفاً. لكن رسالة الألباني أجمعها، وقد كتبها ﵀ عام (١٣٧٢هـ) أي: قبل (٥٣) سنة، ولعلها الآن تنفعه في قبره رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وهو قال في المقدمة: إنني أسال الله أن يجعلها ذخراً لي؛ لأنني نصرت نبيه، ولعلها تنفعه برحمة الله وفضله الآن في قبره، كما نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما علمنا في الحياة الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة. وأما معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢]، تمنى هنا بمعنى: تلا وقرأ، ولأن أي حكم يحتاج إلى دليل وأي نقل يحتاج إلى إسناد، فدليل ذلك من كلام العرب قول كعب بن مالك في مدح عثمان رضي الله تعالى عنه: تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر فهو يتكلم عن عثمان أنه كان يقرأ القرآن من أول النهار ومات آخر النهار وهو يقرأ القرآن، فجعل تمنى هنا بمعنى: قرأ وتلا، فهذا شاهد من كلام العرب على أنهم يستخدمون تمنى بمعنى: تلا، فقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢] أي: إلا إذا تلا وقرأ ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج:٥٢]، وأما معنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي: أن المؤمن الذي يسمع الكلام من النبي يأتيه الشيطان بوساوس على قلبه تقول له: هذا شعر، وهذه كهانة، وهذا نثر، وهذا كلام مسجوع، وهذا ليس بقرآن، وساوس من الشيطان، قال الله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج:٥٢] أي: لإيمان هذا العبد يذهب الله أثر تلك الوسوسة، ومعنى ينسخ: يزيل، أي: يزل الله أثر تلك الوسوسة، ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢] أي: يطمئن المؤمن بأن هذا قرآن ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢] أي: عليم بما يصنع، حكيم فيما يصنع، وهذا بيان ما يسمى بقصة الغرانيق.

стр. 564

تأملات في قوله تعالى: (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً) الوقفة الأخيرة مع قول الرب ﵎: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]. لما ذكر الله جل وعلا تعلق أهل الإشراك بأصنامهم أخبر الله جل وعلا أن الشفاعة شيء عظيم حتى الملائكة وهم ملائكة لا يشفعون إلا بشروط فكيف بأصنامكم! وهذا درس في العقيدة، والعقيدة تؤخذ أول ما تؤخذ من القرآن، وأنا أكثر من الاستشهاد بالإمام الشنقيطي ﵀؛ لأنه كان عالماً بحق، كان يعلم كثيراً في اللغة والمنطق والبلاغة والفقه، لكن إذا جلس في الحرم لا يدرس إلا التفسير. يقول تلميذه الشيخ عطية ﵀: سألته لماذا لا تدرس إلا التفسير؟ فقال: كل العلوم مردها إلى القرآن. وعلى هذا الأسلوب الذي قاله الشنقيطي ﵀ سنتكلم عن العقيدة في باب الشفاعة عن قول الله جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦]. الشفاعة في المعنى الاصطلاحي: طلب الخير للغير إما بدفع مضرة، أو بجلب منفعة. والشفاعة في الآخرة قسمان: شفاعة باطلة، وشفاعة صحيحة، فأما الشفاعة الباطلة فكما يزعمه من يعبد الأصنام أن أصناهم تنفع، وهذا باطل. والشفاعة الصحيحة: ما اجتمع فيها شرطان: إذن الله للشافع مع الرضا، ورضاه عن المشفوع له، قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، فذكر الله الإذن وذكر الرضا، و (كم) هذه تسمى خبرية، وأختها كم الاستفهامية، وكم الاستفهامية تحتاج إلى جواب، وأما كم الخبرية فلا تحتاج إلى جواب إلا إنك تخبر عن كثرة، قال الفرزدق: كم خالة لك يا جرير وعمة فدعاء قد حلبت علي عشاري وهي في الآية أيضاً كناية عن الكثرة، قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].

стр. 565

الشفاعات الخاصة بالنبي ﷺ قلنا: الشفاعة الباطلة ما زعمه الكفار أن أصنامهم تشفع، وأما الشفاعة الصحيحة قلنا شروطها الإذن والرضى، وهذه الشفاعة تنقسم إلى خمسة أقسام: ثلاثة منها خاصة بالنبي ﷺ ، واثنتان يشترك فيها النبي وغيره، وهي ما سنبينها على وجه التفصيل. الشفاعة الأولى: هي شفاعته ﷺ في أهل الموقف أن يحكم الله جل وعلا بينهم ويفصل، قال ﵊ كما في البخاري وغيره: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، فإن الناس يجتمعون في صعيد واحد فيلجمهم العرق وتدنو منهم الشمس، فيقول بعضهم لبعض: ألا تذهبون إلى آدم حتى يشفع لكم عندك ربكم أن يقضي بينكم؟ فيأتون إلى آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فيقول آدم: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله، وإنني نهيت عن الشجرة فأكلتها، نفسي نفسي نفسي يقولها ثلاثاً، اذهبوا إلى نوح، فيأتون إلى نوح فيقول في الغضب مثلما يقول، ثم يقول ﵇: إنه قد كانت لي دعوة وقد عجلتها، دعوت بها على قومي، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم فيثنون عليه: أنت اتخذك الله خليلاً، فيقول كما قال غيره، ثم يقول: إنني كذبت ثلاث كذبات -قالها تواضعاً-، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى موسى، فيأتون إلى موسى فيقولون له: أنت صفي الله وكليمه، واصطفاك الله على الناس برسالته وبكلامه، اشفع لنا إلى ربك، فيقول: إنني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون إلى عيسى فيقولون: أنت كلمة الله إلى مريم وروح منه، فلا يذكر ذنباً ﵇، وإنما يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد؛ فإنه نبي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون إلى نبينا ﷺ فيقولون له ذلك، فيقول: أنا لها، فيأتي ﵊ فيسجد تحت العرش، ويفتح الله عليه بمحامد يثني بها على الله لم يفتحها على أحد من قبله، ثم ينادى: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع). فهذه الشفاعة هي المقام المحمود الذي خص الله به نبينا ﷺ . الشفاعة الثانية الخاصة به ﷺ : أنه يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، بمعنى: أن أهل الجنة عندما يحبسون على قنطره بين الجنة والنار فينزع ما في صدورهم، قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]، ثم بعد ذلك يجدون أبواب الجنة مغلقة، فيأتون آدم فيردهم إلى محمد، فيأتي ﷺ فيطرق باب الجنة، فيقول له الخازن: من أنت؟ فيقول: أنا محمد، فيقول الخازن: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك فيفتحها، فيدخل الناس الجنة، يدخل كل أحد من الباب الذي فيه أكثر أعماله، أي: من كان أكثر أعماله الصلاة يدخل من باب الصلاة، والذي أكثر أعماله الصيام يدخل من باب الريان، والذي أكثر أعماله الجهاد يدخل من باب الجهاد وهكذا، فهذه الشفاعة الثانية له ﷺ . الشفاعة الثالثة الخاصة به ﷺ : شفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب، فهو في ضحضاح من نار لكن لا يخرج من النار. وأبو طالب أحد أعمام النبي ﷺ ، وأعمام النبي عشرة، أدرك أربعة منهم بعثة النبي ﷺ فأسلم منهم اثنان، وكفر اثنان، فاللذان كفرا أبو طالب وأبو لهب، واختلف حالهما، فـ أبو لهب كان شديد العداوة مع كفره، وأبو طالب كان شديد النصرة مع كفره، لكن كلاهما في النار إلا أن أبا طالب يخفف عنه بشفاعة النبي ﷺ . وأما اللذان أسلما فهما العباس وحمزة، وحمزة أفضل من العباس، وقد سماه النبي ﷺ كما رواه الطبراني بسند صحيح: سيد الشهداء. فهذه الشفاعة الثالثة، وبقيت شفاعتان، وهاتان الشفاعتان له ولغيره من الملائكة والشهداء والصالحين والعلماء، فيشفع الرجل في أهل بيته، ويشفع الرجل في قرابته، وفي جيرانه، وفي معارفه، وهذه شفاعة مشتركة، وتنقسم إلى قسمين: شفاعة في أقوام استحقوا النار ألا يدخلوها، وشفاعة في أقوام دخلوا النار أن يخرجوا منها. وهاتان الشفاعتان أنكرهما فرقتان من فرق المبتدعة هما: المعتزلة والخوارج. فالخوارج يرون أن مرتكب الكبيرة كافر، والمعتزلة يرون أنه تجرى عليه في الدنيا أحكام أهل الإيمان، وتجرى عليه في الآخرة أحكام أهل الكفر إذا لم يتب من الكبائر، ويقولون: هو الدنيا في منزلة بين منزلتين. ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين ﷻ فيقول الله جل وعلا: (شفع النبيون، وشفعت الملائكة، وشفع المؤمنون فبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فيضع قبضته في النار جل وعلا فيخرج منها أقواماً قد حرقوا بالنار حتى عادوا حمماً لم يعملوا خيراً قط، ثم توضع على رقابهم الخواتم ويدخلون الجنة، فيقال: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة من غير عمل عملوه ولا خير قدموه)، رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وإن رباً هذه سعة رحمته أهل لئن ترجى رحمته. اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 566

سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة النحل [١] بين الله تعالى في سورة النحل أموراً عظيمة، منها تحقق مجيء أمره تعالى، وإنزال الملائكة بالوحي على المرسلين المصطفين للدعوة إلى توحيده، كما ذكر تعالى فيها عظيم منته على عباده بتسخيره الأنعام لهم ليبلغوا منها المنافع المتعددة، وليحصل لهم بها الزينة والبهجة، وإخراجه اللبن منها سائغاً للشاربين، وإكرامهم بنعمة العسل المختلفة ألوانه، ذاكراً مع ذلك حال المشركين إزاء هذه النعم العظيمة، وهو حال الجحود والكفران.

стр. 567

ذكر نسبة سورة النحل وسبب تسميتها الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه. أما بعد: فهذا درس من جملة دروسنا في تأملات حول كتاب ربنا ﵎، والسورة التي سنشرع في التأمل فيها -بإذن الله تعالى- هي سورة النحل، وهي سورة مكية إلا بعض آيها، وما كان منها مدنياً سنعرج عليه في درس آخر، وأما في هذا الدرس فإننا سنذكر ما كان في أولها من آيات، وأكثر آياتها الأول آيات مكيات، فنقول والله المستعان: سميت هذه السورة بسورة النحل لأن الله جل وعلا ذكر فيها اسم النحل، فقال الله جل وعلا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨]. وهذا أمر تكرر كثيراً، وهو أن السورة لا تسمى إلا بشيء ذكر فيها، وكذلك سميت سورة البقرة وآل عمران وغيرهما من سور القرآن على هذا المنوال، فلا جديد في هذا.

стр. 568

ذكر بعض ما ورد النهي عن قتله من الدواب والنحلة أحد الدواب الأربع الوارد النهي عن قتلها في حديث ابن عباس فيما صح عن رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد)، والنملة والنحلة والهدهد معروفة، وأما الصرد فطائر أكبر من العصفور قليلاً ضخم الرأس عظيم المنقار، وكانت العرب تتشاءم به خاصة إذا أكل أمامها عصفوراً، فجاء الأمر النبوي من رسولنا ﷺ بالنهي عن قتل هذه الدواب الأربع، كما ورد الشرع بالنهي عن قتل دواب أخر غير هذه، فقد نهى ﷺ عن قتل الضفدع، كما نهى ﷺ عن قتل الجراد، إلا إذا خيف ضرره، أو قتل لأكله، فمنفعة الأكل تغلب على النهي عن قتله كما أخبر نبينا ﷺ جمعاً بين الأحاديث التي وردت في أن النبي وأصحابه ﵃ أكلوا الجراد. ويسمى صوت النحل مجتمعاً دوياً.

стр. 569

تفسير قوله تعالى: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) يقول الله جل وعلا في صدر هذه السورة: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١]، الفعل (أتى) بالإجماع فعل ماض، والشيء إذا مضى وانتهى لا يقال فيه لا تستعجل؛ لأنه قد قضي وانتهى، فقول الله جل وعلا: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) قيد يدل على أنه ليس المقصود أن هذا الأمر قد وقع؛ لأنه لو كان قد وقع فعلاً فلن يقال فيه (لا تستعجلوه) وإنما يقال: (لا تستعجل) في الشيء الذي لم يحصل بعد، لكن الأمر هنا المقصود به على الصحيح -والله أعلم- عذاب الكفار يوم القيامة، وهو الذي كان يرقبه كفار قريش، وقيل: ما قبل ذلك من الهلاك، ولكن الأرجح أن هذا الأمر لم يقع، ولكونه متحقق الوقوع جعله الله جل وعلا بمنزلة الشيء الذي وقع. وهذا النوع من الكلام لا يمكن أن يقدر عليه إلا الله؛ لأن أي أحد يقول عن شيء: إنه سيقع، فإنه قد يقع خلاف الذي قال، فلا يقدر على مثل هذا القول إلا الرب ﵎. والله يقول لنبيه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، إلى آخر آية سورة الكهف. والذي يعنينا هنا أن هذا الأمر يدل على عظمة ربنا ﵎، وأن الله أنزل هنا الأمر المتحقق الوقوع منزلة الشيء الذي وقع. وأمر الله هنا المقصود به عذاب الكفار يوم القيامة.

стр. 570

تفسير قوله تعالى: (ينزل الملائكة بالروح من أمره) ثم قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:٢]. كلمة (الروح) وردت في القرآن كثيراً، ولكن القرائن تدل على المعنى، فقول الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٦ - ١٧] هذه قرينة على أن المقصود بالروح جبريل، وقد يقصد به ملك غير جبريل، ولكن ظاهر السنة على أنه جبريل، فالمقصود به هنا أحد الملائكة، فقول الله: ((فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)) قرينة على أن المقصود بالروح هنا جبريل أو ملك من الملائكة، والله ﵎ يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] فهنا الروح جاءت مبهمة، واختلف العلماء فيها اختلافاً كثيراً، وظاهر الآية أن المقصود بها الروح التي في أجساد بني آدم. وهنا يقول الله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل:٢]، فالملائكة تنزل بهذا الروح، ولا نعرف ما هو الروح، ولكن سنفسره بالقرآن، فالقرآن يتمم بعضه بعضاً ويفسر بعضه بعضاً، فالله يقول لنبيه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]، وقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥]، ففي الآيتين دلالة على أن المقصود الوحي الذي تنزل به الملائكة على النبي المختار من الله. فالمقصود بالروح هنا الوحي، وإنما سمي الوحي روحاً لأنه حياة للأرواح، كما أن الغذاء حياة الأبدان، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]. وقول الله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ [النحل:٢] هذا إجمال، ولكن دلت السنة على أن الموكل بنزول الوحي هو جبريل ﵇.

стр. 571

النبوة اصطفاء لا يُنال بالكسب قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل:٢]، فالنبوة مسألة اصطفاء لا تنال بكثرة صلاة ولا بكثرة صيام؛ فإن الأنبياء لا يعلمون أنهم أنبياء حتى ينزل عليهم الوحي ويأتيهم الملك وينبئهم، ولا توجد كلية تخرج أنبياء ولا حلقة علم تخرج أنبياء، بل توجد كليات وحلقات علم تخرج علماء، وأما النبوة فأمر يصطفي به الله جل وعلا بعض عباده، قال الله جل علا: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، والله ﵎ يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤].

стр. 572

بيان معنى قوله تعالى (أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا) قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:٢] (أن) هنا في أصح أقوال النحويين مفسرة لما قبلها. وقوله تعالى: ((لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا)) هو توحيد الإلهية، وقوله تعالى: ((فَاتَّقُونِ)) دعوة إلى توحيد الإلهية، والفرق بينهما أن الأول به عرف الله ﵎ وكلمة (رب) تفيد توحيد الربوبية، وأما كلمة (إله) فتفيد توحيد الإلهية. وقد قلنا: إن موسى قدم يبحث عن جذوة من النار، والله يربي عباده على التوحيدي، فلما قدم موسى ليلتمس جذوة من النار وهو لا يدري أنه نبي ولا أنه الذي سيصبح كليم الله أو صفيه جاء خائفاً يرقب هذه النار، فالله جل وعلا قبل أن يملي عليه توحيد الإلهية -وهو مطلب الرب جل وعلا من خلقه- قال له: يا موسى ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢]، فأشعره بالطمأنينة قبل أن يطلب منه أي طلب؛ لأن قوله: (أنا ربك)، مثاله كما يقول لك أبوك وأنت تائه: أنا أبوك، أو يقول لك: أنا أخوك الأكبر، أنا رئيسك، أنا مديرك، أنا أميرك، حتى تشعر بالطمأنينة. فقال له ربه جل وعلا: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢]، فشعر موسى بالطمأنينة؛ لأنه لا يوجد تكليف. ولما شعر موسى بالطمأنينة طلب منه الله جل وعلا أن يعبده، فقال الله جل وعلا: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٢ - ١٣] ثم علمه توحيد الإلهية فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] بعد أن مهد بتوحيد الربوبية. فهنا ذكر الله جل وعلا توحيد الإلهية بالطريقين فقال: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [النحل:٢]؛ لأن العرب لم تنكر توحيد الربوبية، فقال الله جل وعلا: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:٢].

стр. 573

براهين توحيد الربوبية ثم ذكر الله جل وعلا بعض البراهين على أنه رب العالمين ﷻ ، وسورة النحل تسمى سورة الامتنان؛ لأن الله جل وعلا ذكر فيها كثيراً من مننه على خلقه ﵎، وصدرها الله جل وعلا في آيات متفرقات ببراهين البعث، وبراهين البعث أكثر من خمسة، والمذكور في سورة النحل ثلاثة: الأول: الاستدلال بالأمر العظيم على الأمر الذي هو أدنى منه، قال الله جل وعلا: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٣]، فلما خلق السموات والأرض دلل جل وعلا به على القدرة على بعث الناس؛ لأن الله يقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]، وهذا أول براهين البعث. الثاني: خلق الإنسان نفسه، ولذلك قال الله جل وعلا بعدها: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤]، وكونه جل وعلا خالقاً للإنسان ابتداء يدل على أنه قادر على أن يعيده، وهو البعث، ولهذا قال الله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]، وقبلها قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧]. الثالث: إحياء الأرض، ولهذا الله جل وعلا قال: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ﴾ [النحل:١١] إلى آخر الآية. فإنبات الأرض بعد مواتها دلالة على القدرة على بعث الناس ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]. فهذه براهين البعث الثلاثة التي ذكرها الرب جل وعلا في سورة النحل.

стр. 574

تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) قال الله جل وعلا: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤]، أي: خلق الله جل وعلا الإنسان ليعبده ويخضع لربه ويطيعه ((فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ)) بمعنى: مخاصم، وهي صيغة مبالغة من (خصم)، أي: يجادل ربه، وإذا أخذنا بهذا المعنى أصبحت الآية في معرض الذم، فالآية هنا ذم لمن يخاصم ربه ويجادله، وهي بمفهوم المخالفة مدح لمن لم يجادل في الله جل وعلا ولم يخاصم فيه.

стр. 575

ذكر منافع الأنعام

стр. 576

حصول الدفء والمنافع والأكل منها ثم ذكر الله جل وعلا قوله: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل:٥]، والأنعام هنا: الإبل والبقر والغنم بقسميها: المعز والضأن، فأصبحت أربعة أنواع كل منها ذكر وأنثى، فهي ثمانية أزواج ذكرها الله جل وعلا في سورة الأنعام. وقوله تعالى: ((لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ)) الدفء: يكون من الأصواف أو الوبر أو الشعر الذي يؤخذ من الأنعام، وهذا ظاهر ((وَمَنَافِعُ)) لكونها تتناسل، ولكونها ذوات منافع متعددة ((وَمِنْهَا)) أي: من الأنعام ((تَأْكُلُونَ))، وهذا فيه دلالة صريحة على جواز أكل الأنعام.

стр. 577

البهجة بها ثم قال الرب ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ [النحل:٦]، أي: في الأنعام ﴿جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل:٦]، والرواح هو عودة الأنعام من المرعى، وأما السروح فهو ذهابها، وإنما قدم الله جل شأنه الإياب هنا؛ لأن الإنسان تقر عينه بعودة دوابه وقد رعت وأصبحت أعظم بطوناً وأحفل ضروعاً مستقرة في حظائرها عنده بجواره. فلذلك قدم الله جل وعلا الرواح على السروح رغم أن السروح مقدم على الرواح، وهذا من أسباب التقديم والتأخير في كلام الله.

стр. 578

حملها الأثقال والأمتعة قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:٧] هذه كلها ظاهرة لا تحتاج إلى تفسير.

стр. 579

تفسير قوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها)

стр. 580

حكم أكل لحم الخيل ثم قال الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]. قوله ﵎: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨]، اختلف العلماء في أكل لحم الخيل، مع اتفاقهم على حل أكل لحم الإبل والبقر والغنم، واتفاقهم على تحريم أكل لحم البغال، واختلفوا في الحمير كذلك، ولكن جمهور العلماء على أنها حرام. وأما الخيل فقد ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى -وهو أحد الأقوال في مذهب مالك ﵀ إلى حرمة أكل لحم الخيل، وحجتهم هذه الآية، قالوا: إننا متفقون على أن الآية في سياق الامتنان من الرب على عباده، وهذا لا خلاف فيه، فقالوا: إن الله لما ذكر الأنعام قال: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل:٥] فصرح بالأكل، فلما جاء ذكر الخيل والبغال والحمير قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، ولم يقل في منته على عباده بأنها تؤكل، فقالوا هذا من أعظم الأدلة على أن لحم الخيل محرم. والأمر الثاني هو ما يعرف عند الأصوليين بدلالة الاقتران، حيث قالوا: إن الله أشرك الخيل مع البغال والحمير، وأنتم متفقون معنا على أن البغال والحمير محرمة الأكل، فقرنت معها الخيل فأصبحت محرمة بدلالة الاقتران. ولكن دلالة الاقتران عند الأصوليين من أضعف أدلة التحريم وإن قال بها جمع من العلماء. والذي يعنينا أنهم قالوا: إشراكها مع البغال والحمير إشراك في الحكم. وقالوا: إننا متفقون على أن اللام في قوله جل وعلا ((لِتَرْكَبُوهَا)) للتعليل، ولذلك جاء الفعل المضارع بعدها منصوباً، فحذفت النون لوجود اللام الناصبة. وقوله تعالى: ((لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً)) الأصح فيها أنها تعرب مفعولاً لأجله، وهو تعليل، فقالوا: إن التعليل عندنا يفيد الحصر، بمعنى أن الخيل والبغال والحمير لا تصلح إلا للركوب أو للزينة، وهذا يدل على أنه لا يجوز أكلها. وذهب جمهور العلماء -كـ الشافعي وأحمد وجماهير العلماء من المحدثين وأصحاب أبي حنيفة - إلى جواز أكل لحم الخيل، وهؤلاء لم ينظروا إلى هذا النص؛ لأن هذا النص يحتمل، وإنما أتوا بأدلة قطعية في الصحيحين، وأولها حديث جابر رضي الله تعالى -وهو في الصحيحين- قال: (إن النبي ﷺ نهانا يوم خيبر عن لحم الحمر الأهلية وأباح لنا أكل الخيل)، فهذا نص صريح في الصحيحين على جواز أكل لحم الخيل، وهو يعارض الاحتمال الذي في الآية. واحتجوا بما في الصحيحين -أيضاً- من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ في المدينة فرساً فأكلناه). وزاد الدارقطني ﵀ زيادة، وهي أنها قالت: (كان لنا فرس خشينا أن يموت، فنحرناه وأكلناه). فقال الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى وجماهير العلماء بجواز أكل لحم الخيل لهذه الأدلة الواردة عن جابر وعن أسماء ﵄، وهي في الصحيحين. ولهذا عارض صاحبا أبي حنيفة أبا حنيفة في تحريم لحم الخيل. وصاحبا أبي حنيفة هما أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف اسمه يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن هو الشيباني، فهذان تلميذا أبي حنيفة رحمهما الله تعالى، ومن أخلص الناس للمذهب، وقد أسهما كثيراً في تحرير مذهب أبي حنيفة، ولكنهما لما نظرا في النصين أبطلا قول أبي حنيفة، فرحمة الله تعالى على الجميع. ويذكر أن محمد بن الحسن كان سميناً بديناً جداً، ولكنه كان مليح الوجه جداً، ففي أول طلبه العلم جلس أمام أبي حنيفة، فلما رآه أبو حنيفة أمره بأن يجلس وراءه، فجلس سنين يأخذ العلم من أبي حنيفة وهو وراءه حتى نبت شاربه وتغير وجهه وذهبت الملاحة التي هي فيه قليلاً، فلم يعرفه أبو حنيفة بعدما كبر، ثم بعد ذلك صار يجلس أمامه. قال الشافعي ﵀: ما رأيت سميناً أخف روحاً منه، وكان ذكياً جداً. وأما الشافعي ﵀ فقد أخذ علم الأثر عن مالك في المدينة، وأخذ علم الرأي عن محمد بن الحسن؛ لأن الشافعي لم يدرك أبا حنيفة، فذهب إلى مصر ومزج بين رأي محمد بن الحسن وبين الأثر الذي أخذه عن مالك، وأخرج مذهبه الجديد رحمه الله تعالى في أرض مصر. فالشاهد أن صاحبي أبي حنيفة محمد بن الحسن ويعقوب بن إبراهيم المعروف بـ أبي يوسف خالفا أبا حنيفة ﵀ في هذه المسألة، ولم يقولا بتحريم أكل الخيل؛ لوجود النصوص الصريحة. وذهب بعض العلماء إلى كراهة أكل لحم الخيل تنزيهاً. وقد أجاب المجيزون عن قول العلماء المحرمين أكلها فقالوا: إن قول الرب ﵎: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل:٥] لا يدل على الحصر، بدليل أن الإبل ذكر الله فيه الدفء والمنافع والأكل، ولم يذكر الركوب، ويجوز ركوبها، فكذلك الخيل ذكر الله جل وعلا أنها زينة وأنها تركب، ولا يعني هذا أنه لا يجوز أكل لحمها. وقد أخبر النبي ﵊ بأن الفخر والخيلاء في أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم، والعرب قديماً ما كانت تفتخر بالغنم، وإنما تفتخر بالإبل والخيل، وكانوا يقولون: إن الغنم ليست موطن فخر، وإنما الفخر في الإبل والخيل إذا عقدت وربطت في حظائرها أمام بيت الرجل أو في فناء داره، ولهذا خاطبهم الله بما اعتادوه فقال جل وعلا: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]. ونخلص من هذا إلى أن لحم الخيل عند جماهير العلماء حلال يجوز أكله، أما البغل فاتفقوا على تحريمه، وكذلك لحم الحمار، إلا ما روي عند المالكية من أنه يجوز أكل لحم الحمر الأهلية، ولا أظن أحد يصنعه اليوم.

стр. 581

بيان معنى قوله تعالى (ويخلق ما لا تعلمون) نعود إلى قول الله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، لقد كان المفسرون الأوائل يتكلفون في تفسير هذه الجملة؛ لأنه لم يخطر في خلدهم يوماً ما نحن فيه من وسائل النقل، ولكن الله جل وعلا يعلم ما هو كائن وما سيكون، وحتى لا يفتن الناس آنذاك بشيء لا يعرفونه لم يقل لهم جل وعلا: إن الحديد ذات يوم سينقل الناس، وإنما قال جل وعلا تمهيداً لمن يأتي بعدهم: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾. وأذكر أنه أول ما ظهرت السيارات قبل توحيد المملكة أو في أول توحيدها سافر اثنان من ديار نجد إلى الهند، فرأيا السيارات لأول مرة قبل أن يعرف الناس السيارات في بلادنا وقبل أن تأتي الصور الفوتوغرافية للسيارات، والناس كانوا هنا بدواً رحلاً، فرأيا السيارات عياناً تمشي فركبا فيها ثم رجعا، فصنعت لهما قبيلتهما طعاماً احتفاء بهما، وكان الناس إذا قدم إنسان من سفر يتحلقون حوله ليخبرهم بما رأى، وكان أحدهما كهلاً والآخر شاباً فقال الشاب: رأينا الحديد يمشي. فنظر الناس بعضهم إلى بعض، فحسب شيوخ القبائل أنه يضحك عليهم، فنظروا إلى الكهل فقالوا: هل صحيح أنكما رأيتما الحديد يمشي؟ فقال: كذب، فما رأينا -والله- حديداً يمشي، وأنكر وقد ركب مع ابن أخيه، فقاموا إلى العقالات والنعال وطردوه قائلين: أتكذب على الرجال وتضحك على لحاهم؟! وعندما خرج توارى ينتظر عمه ليخرج؛ لأنه يعرف أن عمه رأى ذلك، فلما خرج قال له: أسألك بالله أما ركبنا السيارة؟! وجعل يحلفه، فصدقه، فقال: لماذا أنكرت؟ فقال: لو قلت: نعم لضربوني وطردوني كما ضربوك وطردوك. فالناس يخاطبون على قدر عقولهم، فلابد من أرض ممهدة قبل أن تلقي خطابك. فالمطر ينزل فتنبت الزرع أرض وأخرى غير قابلة لأن تنبت زرعاً، والقرآن قال الله جل وعلا عنه: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤] أي: على الكفار، وهو القرآن، لأن قلب الكافر غير قلب المؤمن. وكذلك كلامك لا ينبغي أن تقوله لكل أحد، فلابد من أن تمهد للناس أمراً معظماً قبل أن تلقى إليهم كلامك، والله يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]؛ لأنه إذا كان خائفاً فلن يسمع كلام الله. فالله يقول لنبيه: (فأجره) أي: أعطه أماناً، فإذا أعطيته الأمان فلن يخشى على روحه، فسيقبل عليك بعقله وقلبه، فالله جل وعلا قال لنبيه: ﴿فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة:٦] لسبب عظيم، هو ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]. فالمقصود عموماً من الآية في قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] تربية الله جل وعلا للناس على أن الخطاب لا يكون واحداً لكل أحد، وإنما يتنوع بحسب الجيل أو القلب الذي تخاطبه.

стр. 582

تفسير قوله تعالى: (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر) ثم قال الرب ﵎: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل:٩]، بعد أن ذكر الله الطرائق الحسية التي يحمل الناس عليها أمتعتهم من البغال والخيل، ذكر الطرائق المعنوية، ولا طريق معنوياً أعظم من طريق يؤدي إلى الله. فقال الرب: ((وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)) وقصد السبيل أي: الطريق القويم المستقيم، والمعنى: على الله جل وعلا بيان الطريق المستقيم المؤدي إلى رضوانه، وهذا قد وقع -بلا ريب- بإنزال الكتب وإرسال الرسل، و (من) في قوله تعالى: (منها) بيانية، أي: من هذه الطرق جائر، أي: مائل عن الحق، كاليهودية والنصرانية والمجوسية وغير ذلك.

стр. 583

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:١٤]. الفلك هي السفن، وجاءت في كلام الله مذكرة ومؤنثة، وبالاستقراء علم أنه إذا ذكرها الله مذكرة فإنه يراد بها السفينة الواحدة، وإذا أراد الله بها جمع السفن فإنها تؤنث. فالله تعالى يقول: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤١ - ٤٢]، فقوله تعالى: ((مِنْ مِثْلِهِ)) الضمير فيه عائد على الفلك، والمراد سفينة نوح، فالمقصود السفينة بعينها. وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة:١٦٤]، ((وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ)) فجاء بتاء التأنيث ((تَجْرِي)) الداخلة على الفعل المضارع؛ لأن الفلك هنا جاءت على يراد بها الجمع. أما البحر فهو معروف، ويخرج الله منه اللؤلؤ والمرجان، كما قال جل وعلا: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢].

стр. 584

بيان حل أكل لحم البحر في حال طراوته وغيرها قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤]، كلمة ((طَرِيًّا)) جاءت هنا صفة للحم، والصفة نوع من أنواع القيد، ولكن القيد هنا لا يدل على حل ولا على تحريم؛ لأن السياق سياق امتنان. بمعنى أنه لا يصح أن يأتي إنسان ويقول: إن لحم السمك إن لم يكن طرياً لا يجوز أكله، فإذا قلنا له: لماذا لا يجوز؟ قال: إن الله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤] فنقول: إن الآية واردة مورد الامتنان، فلا يقبل الاستدلال بالقيد هنا؛ لأن المقصود بالامتنان أن أفضل ما يؤكل فيه لحمه عند أن يؤكل طرياً حال خروجه، وفهم قواعد العلم يعين على فهم كلام الرب. ثم إنه ثبت في الصحيح وغيره أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه وأرضاه خرج في سرية مع أصحاب نبينا ﷺ وهو عليهم أمير، فأصابهم جوع شديد فرمى البحر لهم بحوت يقال له العنبر، فأكلوا منه نصف شهر، ولا يعقل أن يبقى الحوت نصف شهر وهو طري، فبقي نصف شهر يأكلون منه، فأخرج أبو عبيدة عظماً من هذا الحوت فدخل من تحت ذلك العظم رجل على فرسه، فحملوا بعضه إلى المدينة فأخبروا النبي ﷺ بما أكلوا، فقال ﷺ : (إنما هو رزق ساقه الله إليكم فكلوه) أي: أن أكلكم له مباح، والنبي أفضل من ربى أصحابه ومن حوله، فقال: (هل عندكم منه شيء؟) وما يريد النبي ﷺ بحوت له نصف شهر، ولكن لما أعطوه إياه أكل منه حتى لا يبقى شيء في قلوب الذين أكلوا من الحوت وقت خروجه.

стр. 585

بيان حل جميع صيد البحر وقد اختلف العلماء في صيد البحر، وأشهر الأقوال -وهو الصحيح إن شاء الله- أن كل ما في البحر يجوز أكله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، فكل ما يعيش في البحر يجوز أكله، والله جل وعلا هنا يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤].

стр. 586

بيان ما يحل لبسه من الحلية ثم قال تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل:١٤]. قضايا اللباس مما اضطربت أقوال العلماء فيها كثيراً، ولكن نقول: إن الذهب والفضة الأصل فيهما الحل، إلا أن الذهب حرمه نبينا ﷺ على على الرجال، وأباح الفضة للرجال والنساء، والاتفاق قائم على للنساء، وفي إباحة الفضة للرجال خلاف، لكن الذي عليه جماهير العلماء أنها جائزة للرجال والنساء. وهذه الحلية التي أطلقها الله هنا في باب الامتنان وجاءت السنة مفسرة لها لابد من أن يراعى فيها حال اللبس، فإذا قلنا بجواز الفضة للرجال والنساء فإنه لا يجوز للرجل أن يتحلى بالفضة على هيئة حلية النساء، فلا يجوز للرجل أن يضع قلادة ولا أن يضع قرطاً في أذنه، ولا سواراً في يده، ولا خلخالاً في رجله ولو كان من فضة، فإن قيل لنا: إن ظاهر الأحاديث على إباحة الفضة أجبنا بأن المنع هنا ليس لكونها فضة، بل للتشبه بالنساء. ومما يجوز للرجال والنساء اتفاقاً عند أكثر العلماء الخاتم، وقد اتخذ النبي ﷺ أول أمره خاتماً من ذهب ثم نزعه، ثم اتخذ خاتماً من فضة نقش عليه (محمد رسول الله) ﷺ . ولا يجوز لأحد أن يجعل نقش خاتمه (محمد رسول الله)، ولورود النهي عنه، وإنما ينقش عليه غير ذلك مما يخصه. وقد قال مالك ﵀: إن الأئمة الثلاثة - أبا بكر وعمر وعثمان - وأكثر الصحابة والعلماء والسلاطين كانوا ينقشون على خواتمهم، وكان بعض العلماء يكتب (حسبي الله ونعم الوكيل) وكان نقش خاتم الإمام الزهري (على الله يتوكل أبو محمد) وغير ذلك، وهذا مذكور في كتب المؤرخين والكتب التي تتكلم عن سير الملوك، حيث كانوا يضعون نقشاً على خواتمهم. ويقولون: إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بلغه أن أحد أبنائه اشترى خاتماً بألف درهم، فبعث إليه يقول: قد بلغني أنك اشتريت خاتماً بألف درهم، فبعه وأطعم به ألف جائع، ثم اتخذ خاتماً من حديد وانقش عليه (رحم الله امرأ عرف قدر نفسه).

стр. 587

بيان طهارة ماء البحر قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:١٤]، والبحر قال عنه ﷺ : (هو الطهور ماؤه والحل ميتته).

стр. 588

تفسير قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة) أما الآيات التي نريد أن نقف بعد ذلك عندها فهي قول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:٦٦ - ٦٧]. الأنعام لفظ جاء على جمع تكسير، وجمع التكسير عند العرب يجوز فيه تأنث فعله وضميره وتذكيرهما، تقول: قالت العرب وقال العرب، وتقول: قامت النساء وقامت النساء، وقامت الرجال وقام الرجال. فالله تعالى هنا يقول: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل:٦٦]، ولم يقل: مما في بطونها لما ذكرنا. قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]. قوله تعالى: (سائغاً) جزم القرطبي ﵀ في تفسيره له بأنه لم يشرق أحد باللبن، رغم أنه يمكن أن يشرق الإنسان بالماء؛ لأن الله جل وعلا يقول وهو أصدق القائلين: ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]، وهذا اللبن يتكون من أخبث شيئين في بطون الأنعام، وهما الفرث بعفونته والدم بلونه، فيخرج الله جل وعلا منهما اللبن بقدرته، ولذلك نسب الفعل إلى ذاته العلية فقال: (نسقيكم) فلا الفرث يؤثر بالعفونة ولا الدم يؤثر باللون، فيخرج اللبن أبيض ليس فيه رائحة العفونة ولا اللون الأحمر، خالصاً سائغاً للشاربين؛ لأن يد ابن آدم لم تدخل فيه.

стр. 589

تفسير قوله تعالى: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً) ثم ذكر تعالى ما دخلت فيه يد ابن آدم من باب الامتنان على عباده، فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:٦٧]. السكر هو الخمر، ومن أكثر ما تتخذ منه الخمر التمر والعنب والزبيب. ولم يرد في الشرع لعن شيء كما ورد في الخمر؛ لأن النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة، فلعن البائع والمبتاع والساقي والعاصر والمعتصر والحامل والمحمولة إليه والوسيط، كلهم لعنهم، ولم يلعن في الربا إلا أربعة أو ستة، وقد سماها الشرع أم الخبائث. وهذه السورة مكية، والله جل وعلا هنا يمهد لأمر قادم، فقال تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل:٦٧]، وما وصف السكر بأنه حسن، وأما الرزق فوصفه بأنه حسن، حيث قال تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل:٦٧] وما قال حسناً، فلما فرق بين الرزق والسكر دل ذلك ابتداءً على أن السكر سيأتي فيه شيء بعد ذلك، والخمر لم تحرم إلا في المدينة.

стр. 590

تفسير قوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل) ثم قال جل وعلا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨]. فبيوت النحل في مواطن ثلاثة رتبها الله جل وعلا بحسب أكثريتها، فأكثر بيوت النحل في الجبال، ثم في الشجر، ثم فيما يبنيه بنو آدم له. ثم قال جل وعلا: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل:٦٩] و (كل) هنا لا تعني العموم؛ لأن النحل لا يأكل من كل الثمر، وإنما يأكل من كل شيء يحسن الأكل منه، ونظيره في القرآن ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]، والريح لم تدمر كل شيء؛ لأن الله قال بعدها ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، فأثبت جل وعلا المساكن مع أنه قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٥]، وقال جل وعلا عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، ومعلوم أن بلقيس لم تعط من كل شيء، وإنما المقصود أنها أعطيت كل شيء يعطاه الملوك عادة، وإلا فما كان عندها من الملك كما عند سليمان. ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:١٢]، إن الغنم والنحل تأتي إلى الثمار فتأكلها فتختلط في بطونها فيخرج من الأنعام لبن ويخرج من النحل عسل، وكل من اللبن والعسل فيه منفعة للناس؛ لأن يد ابن آدم لم تدخل فيه، أما ثمرات النخيل والأعناب التي خالطتها يد ابن آدم فيخرج منها الشيء المحمود كالرزق الحسن، ويخرج منها السكر، وعلى هذا يفهم أن من سكر فهو في الفهم أقل من الأنعام، ولا يقال: (بل أضل) إلا في الكافر. قال تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٦٩]. أعظم ما في العسل أنه شفاء للناس، وهذا أمر مشهور لا يحتاج إلى بيان.

стр. 591

تفسير قوله تعالى: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم)

стр. 592

بيان تنزيه الله تعالى نفسه عن الولد ثم قال الله ﵎: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل:٥٦ - ٥٧]. في كلام العرب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إيجاز ومساواة وإطناب. فالإيجاز هو الاختصار، والمساواة أن يكون الكلام متوازناً لا زيادة فيه ولا نقصان، والإطناب أن يكون هنا كلام زائد، وأحياناً يكون الإيجاز محموداً، وأحياناً تكون المساواة محمودة، وأحياناً يكون الإطناب محموداً. فهذه الآية فيما إطناب محمود، حيث يقول تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل:٥٧]، فكلمة (سبحانه) جاءت اعتراضية زائدة، فالإطناب هنا محمود؛ لأنه ينزه مقام الرب عما نسبه الكفار إليه. والأصل: (يجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون)، ولكن ذكر الله هنا كلمة (سبحانه) تنزيهاً لذاته العلية. وكلمة (ولد) تطلق في اللغة على الابن والبنت، فكفار قريش ارتكبوا حماقتين في حق الله تعالى: الحماقة الأولى: أنهم نسبوا إليه الولد. والحماقة الثانية: أنهم اختاروا له أنقص الولد، وهو البنت، فهم ينزهون أنفسهم عن البنات ومع ذلك ينسبون البنات إلى الرب ﵎.

стр. 593

تفسير قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً) قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٧ - ٥٩]. والعرب من جاهليتها كانت تعلم أنه لابد من الأصهار، والصهر هو من يتزوج ابنتك، ولكن كانوا يرون أن الصهر هو كل من يأخذ بنتك، فكانوا يقولون: أفضل صهر هو القبر، فلا يرتاح المرء منهم إلا إذا دفن ابنته خشية العار. فالله يقول هنا عن بعضهم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل:٥٨] أي: تغير من الهم ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩]، نسأل الله العافية. ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل:٥٩] يعني: على خفية، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩] وهذه التي تسمى الموءودة، قال الله: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٩]. فهذه نظرة بعض العرب القدماء من الجاهليين، وكان جد الفرزدق يفدي الموءودات، فإذا جاء إنسان يريد أن يدفن ابنته حية يعطيه مالاً على أن تبقى البنت حية، فكان الفرزدق يفخر على جرير وعلى غيره من الشعراء؛ لأن جده في الجاهلية كان يحيي الموءودات، ولا شك في أن هذا عمل عظيم، حيث جاء الإسلام يذم هؤلاء، قال الله: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٩]، والنبي ﷺ يقول: (من عال جاريتين حتى تبلغا كانتا له حجاباً من النار)، ووردت أحاديث كثيرة في فضل تربية البنات، والله جل وعلا يبتلي بالبنين ويبتلي بالبنات، ويبتلي بغيرهما، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، ولكن المؤمن الحق يرضى بقضاء الله جل وعلا وقدره كيفما حل وأينما نزل. ويروى في أخبار الناس المتداولة أن رجلاً رزق بست بنات ثم حملت زوجته فهددها -وكأن الأمر بيدها- بأنه إن كان الآتي بنتاً فسيطلقها، ثم رأى في المنام أنه في يوم المحشر يقاد إلى جهنم، فكان كلما جيء به إلى باب وجد ابنة من بناته ترده عن جهنم حتى انتهي به من ستة أبواب، ثم جيء به إلى الباب السابع فلم ير بنتاً، فأصبح ينادي: اللهم اجعلها بنتاً. وهذه القصة قد تصح وقد لا تصح، ولا أستدل بالقصص على أنها أصل حتى لا نفهم خطأ، لا يصح أن يربى الناس على القصص، وإنما نستشهد بالقصص. فالنبي ﷺ يقول: (من عال جاريتين حتى تبلغا كانتا له حجاباً من النار)، وقال لـ عائشة لما أخبرته بأن امرأة قسمت التمرة بين ابنتيها: (إن الله قد أوجب لها بهما الجنة)، وغير ذلك من الأحاديث، وهذا الخبر الذي سقناه يدل عليه كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . والإنسان لا يدري أين مكامن الخير فيما يعطاه أو فيما يمنع منه. وما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني هذا ما أردنا بيانه حول هذه السورة الكريمة.

стр. 594

سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة النحل [٢] تعرضت سورة النحل لبيان مجامع الخير كلها في آية من آياتها، كما تعرضت لذكر موقف الكفار من النسخ القرآني الذي هو أمر تقتضيه المشيئة الإلهية، كما ذكرت المؤمنين بموقف الناس يوم القيامة ومجادلة كل امرئ عن نفسه عله يجد سبيلاً إلى الخلاص من العذاب، وقد ختمت آياتها بأمر النبي ﷺ بالصبر على ما أصابه، وبيان معية الله لعباده المتقين.

стр. 595

تفسير قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا نستعين الله جل وعلا في هذا الدرس على تفسير ما تبقى من سورة النحل، وكنا قد تكلمنا عن هذه السورة المباركة، وذكرنا أنها سورة مكية إلا بعض آيات منها قلنا: إننا سنعرج عليها في الدرس الثاني، أي: في هذا الدرس إن شاء الله تعالى، وهي آخر ثلاث آيات منها، وذكرنا كذلك فيها بعضاً من الأحكام والأمور، فذكرنا تحريم الله جل وعلا لبعض اللحوم وإباحته لبعضها واختلاف العلماء فيها، وذكرنا قول الله جل وعلا: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦] وغير ذلك من التأملات التي عرجنا عليها فيما سلف. وأما الآيات التي سنعرج عليها في هذا الدرس فسنبدؤها بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إن هذه الآية أجمع آية في كتاب الله لخير يمتثل ولشر يجتنب. وقد ذكر بعض الفضلاء من المؤرخين أن عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي المعروف كان يأمر خطباء المساجد أن يضعوا هذه الآية مكان ما كانوا يقومون به من قبل من لعنهم وشتمهم لـ علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقد كان علي يلعن حيناً من الدهر على المنابر، فلما ولي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أمر بإلغاء شتم علي ولعنه، وجعل مكانه هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. ولذلك يعظم شيعة علي عمر بن عبد العزيز ﵀، قال كثير، وهو شيعي: وليت فلم تشتم علياً ولم تخف برياً ولم تسمع مقالة مجرمِ فما بين شرق الأرض والغرب كلها مناد ينادي من فصيح وأعجم يقول أمير المؤمنين ظلمتني لأخذ دينار ولا أخذ درهم فلو يستطيع المسلمون لقسموا لك الشطر من أعمالهم غير نُدَّم فكان عمر ﵁ ممن اتفقت كلمة المسلمين على فضله وعدله وإحسانه، وقد أخذ هذه الآية وجعلها مكان ما بيناه.

стр. 596

بيان المراد بالعدل والإحسان وقد اختلف العلماء ﵏ في المراد بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، فالمشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن العدل: (لا إله إلا الله)، والإحسان: بقية الفرائض، وهذا مرجوح عند كثير من العلماء. وذهب البعض إلى أن العدل هو الفرائض، والإحسان هو النوافل، وقال سفيان بن عيينة أحد مشاهير المحدثين الكبار: العدل استواء السريرة والعلانية، والإحسان: أن تكون سريرة المرء خير من علانيته، وهذا أمر -بصرف النظر عن كونه يطابق معنى الآية أو لا يطابقها- دونه خرط القتاد، فهو أمر صعب، قلما يرقى إليه أحد. ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أن العدل هو الإنصاف، والإحسان هو التفضل، وهذا -فيما يبدو والله أعلم- أظهر الأقوال، وجميع الأقوال السابقة يمكن إدخالها في قول علي ﵁ وأرضاه؛ لأننا إذا قلنا: إن العدل هو الإنصاف؛ فلا ريب في أن من أعظم الإنصاف ألا تعبد إلا الله، فدخل فيه قول ابن عباس: إنه (لا إله إلا الله)، كما يدخل في قول علي هذا الإنصاف مع الناس، ويدخل في قوله ﵁ وأرضاه بأن الإحسان هو التفضل من باب خفي التفضل على الناس بالعفو عنهم، وعدم الانتقام منهم.

стр. 597

بيان معنى قوله تعالى (وإيتاء ذي القربى) قال تعالى: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠] ولا ريب في أن المؤمن مطالب بأن يسدي الخير للآخرين، ولكن القرآن جاء بتربية أتباعه من المسلمين على التدرج في الأمور، فلا يمكن أن يكون حق العالم كحق الوالدين؛ لأن حق الوالدين أعظم، فهنا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، فمن كان بينك وبينه رحم من قرابة ليس حقه كحق من ليس بينك وبينه أي صلة من قرابة، فذاك له حق الإسلام، والأول له حق القرابة وحق الإسلام.

стр. 598

بيان معنى قوله تعالى (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) ثم قال جل وعلا: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]، والفحشاء تكون في الأقوال، وتكون في الأفعال، وهي غالباً ما تطلق في القرآن على الأمور الأخلاقية. وأما المنكر فهو أعم، والبغي أخص من المنكر، وعطف البغي على المنكر من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كلمة (المنكر) يدخل فيها البغي، فقول الله جل وعلا: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] يدخل فيه البغي في المنكر، ولكن الله -كما قال أهل العلم- خصص البغي بالذكر لعظيم قبحه. والبغي: هو التجاوز والطغيان، وتجاوز الحد على العباد بسفك دم، أو بأكل مال، أو بانتهاك عرض، أو بتسلط وظيفي كما يحصل في حياة الناس المعاصرة، أو بالتسلط على أرض مجاورة، أو بأمور غير ذلك ينتقم بها الإنسان بغياً، فهذا هو البغي الذي نهى الله جل وعلا عنه، ولا يوجد مصرع أقرب من مصرع من يبغي، نعوذ بالله من ذلك كله، والله جل وعلا قال: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣]، فضرر الباغي دائماً مرده على نفسه، والبغي أحد الذنوب التي يعجل الله جل وعلا بها العقاب على من يصنعها، والإنسان إذا أدرك وقوفه بين يدي الله حرم على نفسه البغي وعرف أن البغي مرتعه وخيم، ولم تدعه قدرته على ظلم الناس إلى أن يظلمهم، ومن تذكر قدرة الله عليه أحجم عن أن يظلم غيره، وقد يكون البغي بكلمة تنقل عنك فتشاع فتثبت على أخ لك في الله، هو بريء كل البراءة مما قلت، وقد يكون البغي بسفك دم، وقد يكون باقتطاع أرض، أو بغير ذلك، فهو -والعياذ بالله- من أعظم ما نهى الله جل وعلا عنه. قال تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، والله جل وعلا يعظ عباده ويؤدب خلقه، ويرشدهم إلى ما فيه الأمثل.

стр. 599

تفسير قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية) الوقفة الثانية: عند قوله ﵎: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١]. القائلون: إنك مفتر هم الكفار، والمخاطب بقول الكفار هو نبينا ﷺ ، والنبي في سائر أمره ممتثل لله، ينزل عليه القرآن فيبلغه ﷺ كما جاء إليه، فعندما يحدث نسخ يظن أولئك الكفار أن محمداً ﷺ يفعل ما يريد، ويقول بعضهم لبعض: ما رأينا أعجب من هذا: يأمرهم الليلة بشيء ثم ينهاهم عنه في الصباح! فالله جل وعلا يخاطب هؤلاء الكفرة ويثبت نبيه قائلاً: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١].

стр. 600

حكم نسخ القرآن بالقرآن ونسخه بالسنة وهذا يسوقنا -من حيث التأصيل العلمي- إلى مسألة النسخ في كلام الرب جل وعلا. فنقول: اتفق العلماء على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وهذا ظاهر لا يمكن رده إلا من متكبر، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] والمراد صيام رمضان، فالله جل وعلا يقول في القرآن: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: الصيام ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني أن الإنسان الذي يقدر على الصيام ولا يريد أن يصوم يطعم مسكيناً، فهل يجوز هذا الآن!! و الجواب لا يجوز، فهذا منسوخ، فالآية منسوخة حكماً غير منسوخة تلاوة، والدليل على نسخها قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] نسخ لقوله ﵎: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وهذا كثير، كآية المصابرة وآية المرأة التي توفى عنها زوجها وغير ذلك. فالاتفاق قائم على نسخ القرآن بالقرآن، وإنما اختلف العلماء ﵏ في نسخ القرآن بالسنة. فبعض العلماء يثبته، وبعض العلماء ينفيه، ولكل حجته، ولكن الذي ندين الله جل وعلا به، والذي عليه أكثر العلماء من المحققين: أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة. ومن أدلة من قال: إن القرآن لا ينسخ بالسنة -حتى تعلم أن العلماء لا يمكن أن يقولوا بقول جزافاً- قول الله جل وعلا: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]. قالوا: فالسنة ليست خيراً من القرآن، وليست مثله، والله يقول: بخير منها أو مثلها. وأجاب القائلون بجواز نسخ القرآن بالسنة بأن الله قال: (نأتِ) والذي يأتي بذلك هو الله، فقالوا: إن النبي ﷺ عندما يأتي بحكم شرعي من السنة ينسخ به حكماً في القرآن لا يأتي به من عند نفسه، وإنما يأتي به من عند الله، فلا تعارض بين قول الله جل وعلا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، وبين نسخ القرآن بالسنة.
следующие страницы →