Полный текст (705 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
بيان المراد بالعدل والإحسان
وقد اختلف العلماء ﵏ في المراد بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، فالمشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن العدل: (لا إله إلا الله)، والإحسان: بقية الفرائض، وهذا مرجوح عند كثير من العلماء.
وذهب البعض إلى أن العدل هو الفرائض، والإحسان هو النوافل، وقال سفيان بن عيينة أحد مشاهير المحدثين الكبار: العدل استواء السريرة والعلانية، والإحسان: أن تكون سريرة المرء خير من علانيته، وهذا أمر -بصرف النظر عن كونه يطابق معنى الآية أو لا يطابقها- دونه خرط القتاد، فهو أمر صعب، قلما يرقى إليه أحد.
ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أن العدل هو الإنصاف، والإحسان هو التفضل، وهذا -فيما يبدو والله أعلم- أظهر الأقوال، وجميع الأقوال السابقة يمكن إدخالها في قول علي ﵁ وأرضاه؛ لأننا إذا قلنا: إن العدل هو الإنصاف؛ فلا ريب في أن من أعظم الإنصاف ألا تعبد إلا الله، فدخل فيه قول ابن عباس: إنه (لا إله إلا الله)، كما يدخل في قول علي هذا الإنصاف مع الناس، ويدخل في قوله ﵁ وأرضاه بأن الإحسان هو التفضل من باب خفي التفضل على الناس بالعفو عنهم، وعدم الانتقام منهم.
стр. 597
بيان معنى قوله تعالى (وإيتاء ذي القربى)
قال تعالى: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠] ولا ريب في أن المؤمن مطالب بأن يسدي الخير للآخرين، ولكن القرآن جاء بتربية أتباعه من المسلمين على التدرج في الأمور، فلا يمكن أن يكون حق العالم كحق الوالدين؛ لأن حق الوالدين أعظم، فهنا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، فمن كان بينك وبينه رحم من قرابة ليس حقه كحق من ليس بينك وبينه أي صلة من قرابة، فذاك له حق الإسلام، والأول له حق القرابة وحق الإسلام.
стр. 598
بيان معنى قوله تعالى (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي)
ثم قال جل وعلا: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]، والفحشاء تكون في الأقوال، وتكون في الأفعال، وهي غالباً ما تطلق في القرآن على الأمور الأخلاقية.
وأما المنكر فهو أعم، والبغي أخص من المنكر، وعطف البغي على المنكر من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كلمة (المنكر) يدخل فيها البغي، فقول الله جل وعلا: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] يدخل فيه البغي في المنكر، ولكن الله -كما قال أهل العلم- خصص البغي بالذكر لعظيم قبحه.
والبغي: هو التجاوز والطغيان، وتجاوز الحد على العباد بسفك دم، أو بأكل مال، أو بانتهاك عرض، أو بتسلط وظيفي كما يحصل في حياة الناس المعاصرة، أو بالتسلط على أرض مجاورة، أو بأمور غير ذلك ينتقم بها الإنسان بغياً، فهذا هو البغي الذي نهى الله جل وعلا عنه، ولا يوجد مصرع أقرب من مصرع من يبغي، نعوذ بالله من ذلك كله، والله جل وعلا قال: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣]، فضرر الباغي دائماً مرده على نفسه، والبغي أحد الذنوب التي يعجل الله جل وعلا بها العقاب على من يصنعها، والإنسان إذا أدرك وقوفه بين يدي الله حرم على نفسه البغي وعرف أن البغي مرتعه وخيم، ولم تدعه قدرته على ظلم الناس إلى أن يظلمهم، ومن تذكر قدرة الله عليه أحجم عن أن يظلم غيره، وقد يكون البغي بكلمة تنقل عنك فتشاع فتثبت على أخ لك في الله، هو بريء كل البراءة مما قلت، وقد يكون البغي بسفك دم، وقد يكون باقتطاع أرض، أو بغير ذلك، فهو -والعياذ بالله- من أعظم ما نهى الله جل وعلا عنه.
قال تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، والله جل وعلا يعظ عباده ويؤدب خلقه، ويرشدهم إلى ما فيه الأمثل.
стр. 599
تفسير قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية)
الوقفة الثانية: عند قوله ﵎: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١].
القائلون: إنك مفتر هم الكفار، والمخاطب بقول الكفار هو نبينا ﷺ ، والنبي في سائر أمره ممتثل لله، ينزل عليه القرآن فيبلغه ﷺ كما جاء إليه، فعندما يحدث نسخ يظن أولئك الكفار أن محمداً ﷺ يفعل ما يريد، ويقول بعضهم لبعض: ما رأينا أعجب من هذا: يأمرهم الليلة بشيء ثم ينهاهم عنه في الصباح! فالله جل وعلا يخاطب هؤلاء الكفرة ويثبت نبيه قائلاً: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١].
стр. 600
حكم نسخ القرآن بالقرآن ونسخه بالسنة
وهذا يسوقنا -من حيث التأصيل العلمي- إلى مسألة النسخ في كلام الرب جل وعلا.
فنقول: اتفق العلماء على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وهذا ظاهر لا يمكن رده إلا من متكبر، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] والمراد صيام رمضان، فالله جل وعلا يقول في القرآن: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: الصيام ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني أن الإنسان الذي يقدر على الصيام ولا يريد أن يصوم يطعم مسكيناً، فهل يجوز هذا الآن!!
و
الجواب
لا يجوز، فهذا منسوخ، فالآية منسوخة حكماً غير منسوخة تلاوة، والدليل على نسخها قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] نسخ لقوله ﵎: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وهذا كثير، كآية المصابرة وآية المرأة التي توفى عنها زوجها وغير ذلك.
فالاتفاق قائم على نسخ القرآن بالقرآن، وإنما اختلف العلماء ﵏ في نسخ القرآن بالسنة.
فبعض العلماء يثبته، وبعض العلماء ينفيه، ولكل حجته، ولكن الذي ندين الله جل وعلا به، والذي عليه أكثر العلماء من المحققين: أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة.
ومن أدلة من قال: إن القرآن لا ينسخ بالسنة -حتى تعلم أن العلماء لا يمكن أن يقولوا بقول جزافاً- قول الله جل وعلا: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦].
قالوا: فالسنة ليست خيراً من القرآن، وليست مثله، والله يقول: بخير منها أو مثلها.
وأجاب القائلون بجواز نسخ القرآن بالسنة بأن الله قال: (نأتِ) والذي يأتي بذلك هو الله، فقالوا: إن النبي ﷺ عندما يأتي بحكم شرعي من السنة ينسخ به حكماً في القرآن لا يأتي به من عند نفسه، وإنما يأتي به من عند الله، فلا تعارض بين قول الله جل وعلا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، وبين نسخ القرآن بالسنة.
стр. 601
بيان ما وقع من نسخ الحكم قبل وقوعه
ومن الفوائد في هذا الباب: أنه قد وقع نسخ الفعل قبل وقوعه، حيث وجد في النقل الصحيح نسخ حكم شرعي قبل أن يعمل به.
فمما وقع من ذلك في السنة: الصلوات الخمس، فإنها فرضت في أول الأمر خمسين صلاة، ثم ما زال رسول الله ﷺ يراجع ربه حتى أصبحت خمساً، فنسخ منها خمس وأربعون صلاة، فهذه نسخت حكماً قبل أن يصليها الناس، أي: قبل الفعل، ومما وقع في القرآن ما جاء في قصة إبراهيم؛ فإن الله جل وعلا فدى إسماعيل، ونسخ الحكم بتكليف إبراهيم بقتل إسماعيل قبل أن يقتل إبراهيم إسماعيل، فقال الله جل وعلا: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٧].
فالذبح العظيم وقع نسخاً لذبح إسماعيل، مع إن إبراهيم لم يذبح ابنه.
إذاً: فما الحكمة من نسخ الحكم قبل وقوعه؟
و
الجواب
لحكمة هي حصول التسليم والامتثال في قلب المؤمن، وقد وقع من خليل الله إبراهيم ﵊ الاستسلام والانقياد والخضوع لكلام الرب جل وعلا وأمره، وهم بأن يذبح ولده، ولم يبقَ له إلا إراقة دمه، ولكن الله جل وعلا نسخ هذا الحكم قبل وقوعه.
ومسائل النسخ من أعظم ما يمكن أن يتعلم به كتاب الله، ويستطيع الإنسان أن يفسر القرآن ويعرفه حين يعرف أحكام الناسخ والمنسوخ في كلام الرب جل وعلا.
ومن القرآن ما ينسخ حكماً ويبقى تلاوة، ومنه ما ينسخ تلاوة ويبقى حكماً، ومنه ما نسخ تلاوة وحكماً.
стр. 602
تفسير قوله تعالى: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها)
الوقفة الثالثة: قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١].
هذه من أعظم آيات العظات في كلام الرب ﵎، وذلك أن الموقف بين يدي الله جل وعلا موقف عظيم إلى أبعد حد، لا يمكن أن يتصور مثله، فالله جل وعلا أعلم بما سيكون في عرصات يوم القيامة، وأعلم بحال خلقه حال وقوفهم بين يديه، وقد أنزل ﵎ هذا القرآن هداية ورحمة منه جل وعلا بخلقه، فكان بدهياً أن يضمن القرآن أعظم ما يعظ الناس، وأخبر الله جل وعلا بأن هذا القرآن تتشقق له الحجارة الصماء، والجبال الصلدة، وأنه لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله.
فهو هنا -جل وعلا- يحذر خلقه ويخوف عباده قائلاً سبحانه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١].
ففي هذا الموقف لا يستطيع الإنسان من عظمته وخوفه على نفسه وإشفاقه مما قدمت يداه أن يصرف جاهه أو ماله أو فضله أو إحسانه أو لسانه أو بيانه إلى أحد من الخلق ممن حوله، لا إلى أمه ولا إلى أبيه ولا إلى إخوته ولا إلى من نصره في الدنيا، حتى قال بعض المفسرين: إن إبراهيم خليل الله الذي نعته الله جل وعلا بأنه كان أمة قانتاً لله حنيفاً يقول يوم القيامة: نفسي نفسي.
فإذا كان مثل هذا في صلاحه وتقواه وإمامته للناس، وفضل الله جل وعلا عليه، وقول الله ﵎ عنه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنِ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٢٧] يقول يوم القيامة: (نفسي نفسي) فما عسى أن يقول غيره؟! والمقصود من هذا أننا جميعاً ما زالت أرواحنا في أجسادنا، وباب التوبة إلى الرب ﵎ مفتوح، ولن يخلو أحد من خطأ أو زلل أو أمر يقوم به بينه وبين الله جل وعلا، ولكن الله ﵎ أرحم من سئل وأكرم من أجاب وأفضل من قبل توبة من يتوب إليه: (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)، يقبل العفو ويعفو عن الجريرة، ويقبل التوبة من عباده، وهو يقول هنا عن ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١] تبحث عما يخلصها، وتبحث عما ينجينها، والله يقول: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].
والإنسان العاقل الفاهم المدرك لخطاب الرب ﵎ يدرك أن هذا سيقع لا محالة، فلابد من أن يقع هذا اليوم، ولا بد من أن يخرج الناس حفاة عراة غرلاً بهما لا يملكون من حطام الدنيا ولا متاعها شيئاً، فيخرجون كما بدأ الله جل وعلا خلقه أول مرة، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، يلجمهم العرق وتدنو منهم الشمس وتنصب الموازين وتنشر الصحائف، ويقف الخلق جميعاً بين يدي الله، فيتذكر المرء آنذاك ماضي أيامه وغابر أزمانه، ثم يعطى صحيفة يرى فيها كل ما قدمت يداه، كما حكى الله جل وعلا عن أهل الظلم قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
وصوره جل وعلا بأعظم الصور فقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١١ - ١١٢].
فمن لجأ إلى الله جل وعلا ما دامت روحه في جسده أكثر من الاستغفار، والله جل وعلا يقول: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]، وأكثر من التوبة والله جل وعلا يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى:٢٥]، وأكثر من الصلاة على النبي ﷺ ، وخفّ ظهره من مظالم الناس، فلم يظلمهم في دينار ولا في درهم ولا في دم ولا في قول ولا في فعل، ولم يكن بينه وبين أحد من الخلق يوم القيامة خصومة، وإنما تخلص من ذلك كله.
فهؤلاء سيكونون أسعد من غيرهم يوم القيامة، وإن كان قول الله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١] واقع لا محالة مهما كان عمل المرء، ومهما كان فضله، ومهما كان إحسانه، فإنه سيجادل عن نفسه وينافح عنها؛ لأن الإنسان لا يملك شيئاً أعظم من نفسه ينافح عنه، وهذا أمر مغروس في الصدور، جبل الله جل وعلا عليه الخلق، فلكرب يوم القيامة -أعاذنا الله وإياكم من الكربات- لا ينظر المرء إلى من حوله، ولما أخبر النبي ﷺ عائشة بأن الناس يحشرون حفاة عراة، قالت يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: (يا عائشة! الأمر أعظم من ذلك)، والله يقول: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
اللهم إنا نسألك بعز جلالك وكمال جمالك أن ترحم وقوفنا بين يديك.
стр. 603
بيان معنى قوله تعالى: (وتوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)
ثم قال جل ذكره: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى﴾ [النحل:١١١] أي: تعطى ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١] أي: لا يمكن أن يظلم الله جل وعلا أحداً من خلقه، والرب ﵎ منزه عن الظلم، فالله لا يظلم الناس مثقال ذرة، بل إن الله جل وعلا لو لم يرحم عباده لدخل الخلق كلهم النار؛ لأننا لو عبدنا الله جل وعلا ليلاً ونهاراً لما أدينا شكر أي نعمة من نعمه ﵎ علينا، فنسأل الله جل وعلا أن يستر الحال، ويصلح المآل، ويغفر لنا ولكم؛ إنه -جل وعلا- الكبير المتعال.
стр. 604
بيان معنى قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)
ثم قال جل شأنه وعظم ذكره: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٦ - ١٢٨].
هذه الثلاث الآيات مدنية، وجمهور العلماء من المفسرين على أن هذه الآيات نزلت في منصرفه ﷺ يوم أحد، وذلك أن الدائرة كانت أول الأمر لأهل الإسلام، ثم كان ما كان من تصرف الرماة ﵃ وأرضاهم، وعصيانهم لأمر النبي ﷺ ، فكان تسلط خالد قبل إسلامه على الجبل، ووقع بالمسلمين من القتل ما وقع.
ففي تلك المعركة شفت قريش غليلها من قتل المسلمين، وكان ممن مثل به في أرض المعركة حمزة بن عبد المطلب عم نبينا ﷺ وأخوه من الرضاعة، حتى وردت أمور لا يحسن قولها في قضية ما فعل به أهل الكفر آنذاك، فقد بقروا بطنه وفعلوا به غير ذلك، فلما انتهت المعركة وانصرف أبو سفيان بالجيش إلى مكة؛ جاء ﷺ يتفقد شهداء المعركة، وكانوا ﵃ وأرضاهم- سبعين، وكانت أشلاؤهم ودماؤهم في أرض المعركة، فوقف ﷺ يستغفر لهم، ويشهد لهم بالجنة، ويقول: إنهم سيبعثون يوم القيامة بلون الدم وريح المسك، وذكر أموراً عظيمة في فضلهم ﵃ وأرضاهم، ثم ما زال يمشي ﷺ في أرض المعركة حتى وقف على حمزة وقد مثل به ﵁ وأرضاه، وكان حبيباً جداً إلى النبي ﵊، فهو عمه وأخوه من الرضاعة في نفس الوقت، فوقف عليه ﷺ وهو مغطى بثوبه الذي مات فيه، ثم وقف ﷺ يبكي حتى نشج بالبكاء وكاد أن يغشى عليه رغم أن الدم كان ينزف منه، وصلى ﷺ بأصحابه بعدما انصرف من أحد وهو قاعد، وصلى الصحابة وراءه قعوداً؛ لأنه إنما جعل الإمام ليؤتم به، ولم يطق ﷺ من الجراح التي به أن يصلي بالناس واقفاً.
وقبل ذلك وقف على حمزة، فقال ﵊: (لولا أن تنهاني صفية، ويكون سنة بعدي لتركته هكذا حتى يحشر في حواصل الطير وبطون السباع) ثم أمر بهم فدفنوا من غير أن يغسلوا.
واختلف العلماء في كون النبي ﷺ صلى عليهم، وكلا الأمرين وارد، فقد نقل أنه لم يصلّ، ونقل أنه صلى على حمزة سبعين صلاة، فصلى عليه مع كل شهيد، فكأن يضع حمزة ويضع معه شخصاً آخر، ثم يدفن الثاني، وهكذا.
ونقل غير ذلك، والمسألة فيها خلاف طويل بين العلماء ليس هذا موضع بسطها، وإن كان استقر الرأي عند أكثر المتأخرين من المعاصرين أنه لا يصلى على شهيد المعركة، مع الاتفاق على أنه لا يغسل.
والمقصود أنه وقف ﷺ ثم قال بعد أن أصابه الحنق لما فعلوا بعمه: (لئن ظفرت بهم -أي: قريش- لأمثلن بثلاثين منهم) وفي رواية: بسبعين.
ولما رأى الصحابة ما أصاب نبيهم ﷺ من الحزن على حمزة والتمثيل به قالوا مثل ما قال نبيهم، فقالوا: لئن أظفرنا الله بهم لنفعلن ولنفعلن، والله جل وعلا يربي العباد، ويدلهم على الأرشد، ولا يوجد في دين الله تنفيذ شيء تريده الجماهير، ولا شيء يثير الحماس أو يثير العاطفة، فلا أجد في الخلق اليوم أشرف من حمزة، وقد مثل به تمثيلاً قبيحاً، ومع ذلك قال الله جل وعلا لنبيه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦].
فاختار ﷺ أن يصبر، وكان ينهى عن المثلة، ونهى أصحابه في سائر حروبه رغم ما ظفر به من أهل الإشراك الذين نكلوا بأصحابه، ونكلوا بـ حمزة أو بغيره، فنهاهم ﷺ عن أن يمثلوا بأحد من أهل الإشراك؛ لأن الإنسان يقدم دين الله بالصورة التي نزل بها الدين، لا بالصورة التي نريدها نحن للدين، فإن هذا تقديم بين يدي الله وبين يدي رسوله ﷺ ، فلننقل دين الله كما أنزله الله للناس، ولا نخلطه بأمزجتنا وأهوائنا وآرائنا ورغباتنا الشخصية.
والمقصود أنه لأجل هذا نزلت الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٦ - ١٢٨].
стр. 605
بيان المشاكلة اللفظية في قوله تعالى (بمثل ما عوقبتم به)
ويتفرع على هذه مسائل عدة: أولها: مسألة لغوية، وهي أن الله يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، ولا ريب في أن ما فعله المشركون بالمسلمين لا يسمى عقوبة، وإنما يسمى إيذاء وبغيا، وإنما أسماه الله عقوبة من باب المشاكلة، فحمل الأول على الثاني والثاني على الأول في المشابهة بالألفاظ يسمى عند البلاغيين بالمشاكلة، ومثله قول الله جل وعلا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فالثانية ليست سيئة، وإنما هي رد، ولكن الله جل وعلا سماها سيئة من باب المشاكلة في الألفاظ، وقال الله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، ولا يسمى الثاني اعتداء؛ لأنه رد، ولكنه سمي اعتداء للمشاكلة في اللفظ فقط.
стр. 606
بيان حكم الظفر
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦].
يفرع العلماء على هذه الآية مسألة الظفر، ومثالها في الصورة الآتية: أخذت من رجل بطاقته العائلية واكتتبت بها في البنك أو في شركة ما، ودفعت الأموال رجاء أن تقتسما الربح بعقد شفهي بينك وبينه، ولا يوجد بينكما شيء محرر، ثم لما علا السهم كان هو الذي يملك البيع؛ لأنه هو الذي بيده البطاقة، فقال: ما لك عندي شيء، لا ربح ولا رأس مال.
وأنت لا تستطيع أن تثبت عليه شيئاً، فأخذ مالك، فلو قدر أن هذا الرجل ذات يوم لأمر ما وقع في يدك ماله، فهل لك أن تأخذه منه أو لا؟ قال بعض العلماء -ومنهم ابن سيرين والنخعي -: إنه يجوز؛ لأن هذا ظاهر النصوص، واحتجوا بهذه الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠].
ومنعه مالك ﵀، وقال: إنه لا يجوز؛ لقوله ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).
ونحن نقول -والله أعلم-: إن هذا فيه تفصيل: فإن كان وصل إليك المال من غير طريقه -أي: ليس هو الذي ائتمنك عليه، وإنما استطعت أن تصل إليه بطريقتك الخاصة- جاز لك أن تأخذ بمقدار حقك، أما إذا نسي هو الموضوع، وائتمنك على المال ونسي الأمر الأول؛ فلا يحسن بك أن تخونه في مثل هذه الحال.
стр. 607
بيان جرم الخيانة
وما يتصل بما سبق ذكره أن الله جل وعلا ذكر الخديعة والمكر والخيانة في كلامه جل وعلا، فنسب الخديعة إلى نفسه، حيث قال جل وعلا: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، فالله يخدع من يَخدَع، وذكر الله جل وعلا المكر في كتابه ونسبه جل وعلا إلى نفسه، فقال سبحانه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠].
ولكنه ذكر الخيانة جل وعلا ولم ينسبها إلى نفسه، حيث قال تعالى: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال:٧١]، ولم يقل جل وعلا: فخانهم.
وذلك لأن الخيانة مسألة عظيمة، ومعنى الخيانة: أن الإنسان يستأمنك على شيء -بصرف النظر عن سبب الاستئمان- فتقلب له ظهر المجن، فهذا لا يمكن أن يقبل شرعاً، ولذلك كان عند المالكية ﵏ أن الشخص إذا قتل أحداً غيلة على وجه الاستئمان؛ لم يجز لأولياء الدم أن يطالبوا بالدية أو يعفوا، بل لابد من القصاص، حتى إن ولي أمر المسلمين الإمام الأعظم لا يجوز له أن يعفو في قضية كهذه.
ومن أظهر أمثلة ذلك: شخص له صديق، وليس بينهما عداوة، بل هو صديق شخصي حبيب إليه، فجاء يبيت عنده، فغدر به في بيته وهو نائم بعد أن أدخله بيته ورحب به فقتله، ففي هذا يذهب مالك ﵀ -وهو الحق إن شاء الله- إلى أنه ليس في ذلك عفو؛ لأن هذا لا تقع من إنسان سوي أبداً، ومثله الزوجة التي تقتل زوجها؛ لأن الله قال: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، وجعلها أماناً وسكناً، والإنسان لا يجد الأمن إلا في بيته.
فلو نام رجل في بيته عند زوجته في مخدعه ومضجعه ومكان طمأنينته، ثم انقلبت عليه زوجته وقتلته فإنه لا ينبغي أن يكون هناك عفو في مثل هذه القضية، وإن كان جمهور العلماء على خلافه.
كما أن الآية مشكلة في مسائل الأخلاق، فرأي ابن سيرين ﵀ وإبراهيم النخعي وغيرهما على إطلاقه أمر نراه صعباً جداً، فلو سافر إنسان، ثم إن جاره وقع على زوجته ظلماً وعدواناً وتبين له هذا بطريقة خاصة أو أخبره به أحد الجيران، فعرف أن هذا الجار بعد سفره قصد زوجته، ثم إن هذا الجار الفاعل سافر، فهل يجوز للرجل أن يغدر بالمرأة باعتبار نفس القضية؟ والجواب أن هذا غير مقبول.
والمقصود أن القرآن لابد من أن يفهم قبل الاستشهاد به.
стр. 608
بيان فضيلة الصبر
يقول تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦].
ولا يوجد شيء يدني المرء من عظيم المنازل ورفيع الدرجات من الصبر، فقد صبر يوسف ﵊ على مكر إخوانه، وعلى ظلم امرأة العزيز، وعلى السجن، فأورثه الله جل وعلا ما أورثه.
وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسف خزائنه بعد الخلاص من السجن والله جل وعلا يبتلي قبل أن يمكن، فإذا صبر العبد وأظهر لله جل وعلا الرضاء بالمقدور، وأذعن لله ولأمره ونهيه؛ بوأه الله جل وعلا منزلة أعلى ودرجة أرفع، ولهذا دعا الله نبيه وندبه إلى الصبر، فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦].
يقول لنبيه: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]، فالصبر يطلب من الله، فالمرء في كل أحواله، في تربيته لأبنائه، في صبره على أذى زوجته وفي غير ذلك يصبر مستعيناً بالله.
يروى أن رجلاً من الصالحين جاءه رجل فطلب منه أن يتزوج ابنته وهو لا يعرفه، فوافق، فلما أدخلت عليه المرأة إذا هي عوراء عرجاء وفيها من كل العاهات، فصبر خمسة عشر عاماً لا يكلم أحداً بأن في زوجته شيئاً، فكانت من شدة ما بها من الأمراض والعاهات تتعلق به، فصارت من حبها له وتعلقها به تمنعه من أن يذهب إلى أصحابه، ثم صارت تمنعه من صلاة الجماعة من فرط شغفها به، فصار يحضر صلاة وأخرى لا يحضرها، فلا يخرج خوفاً من أن يجرح مشاعرها لضعفها وكونها محرومة من كل شيء، فصبر عليها خمسة عشر عاماً، ثم ماتت، فلما ماتت كان أهل حيه يحبونه حباً جماً، وهم لا يدرون هذه القضية كلها، ولكن الله أورث قلوبهم محبته، وفي ذات يوم انفرد به رجل، فقال: يا أبا عثمان! إني سائلك عن مسألة، وأخذ عليه الأيمان المغلظة بأن يجيبه فوافق، فقال: إنني أرى الله أورثك حب الناس، فما السريرة التي بينك وبين الله حتى أورثك الله هذا الحب؟ فاعتذر عن الإجابة، فلما أقسم عليه قال: إنني تزوجت امرأة، فذكره له القصة، فقال: صبرت عليها خمسة عشر عاماً ما كلمت في أمرها أحداً من الخلق، حتى إن أهلي لا يعرفونها، فصبرت عليها خشية من أنني لو طلقتها لم يتزوجها أحد.
وهو غير ملزم شرعاً بالصبر عليها، ولكن بمثل هذا الصبر ونحوه من التجلد على أذى الناس ومكر الحاقدين، وحسد الأعداء وغير ذلك ينال الإنسان رفيع الدرجات.
стр. 609
بيان معية الله تعالى للمتقين والمحسنين
قال الله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧]، ولماذا لا يكون في ضيق؟ لأن الآية التي بعدها تقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وهذه معية خاصة، ومعية الله العامة لكل خلقه في اطلاعه جل وعلا على ما يصنعون، وعلمه ﵎ وقدرته عليهم، وإحاطته بهم، فهذه لكل الخلق، وأما هذه فهي معية خاصة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل:١٢٨] بتأييده ونصره وفضله وإحسانه ﵎ وغير ذلك، وكل عبد في فقر ملح إلى نصرة الرب ﵎.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، والتقوى والإحسان درجتان في العبادة، والتقوى لا تكون إلا من قلب يعرف الله أولاً، ويحب الله ثانياً، ثم يرجو الله ويخافه، فمن عرف الله -ولا بد من معرفة الله- ثم أحب الله ثم رجاه ثم خافه رزق التقوى.
قال العلماء: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله، فإذا رزق الإنسان التقوى أمنه الله جل وعلا مما يخاف، وآتاه الرزق من حيث لا يحتسب، وكفاه الله جل وعلا شر ما يهمه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ قوله حول سورة النحل، نسأل الله جل وعلا لنا ولكم النفع، والله أعلم.
стр. 610
الأسئلة
стр. 611
حكم الاستنجاء باليد اليمنى
السؤال
ما حكم الاستنجاء باليد اليمنى؟
الجواب
ظاهر الأمر أنه محرم، وإذا اضطر فأرجو الله أن لا يكون به بأس.
стр. 612
مصير الذنب الذي قد تاب المرء منه
السؤال
هل يرى الإنسان بعد موته الذنب الذي فعله ثم أتبعه بالحسنة؟
الجواب
هذا لا أستطيع أن أجزم به، ولكن ظاهر الأمر أنه يعرض عليه، ولكن لا يعاتب عليه.
стр. 613
حكم لعن الكافر المعين
السؤال
هل يجوز للإنسان أن يلعن كافراً معيناً؟
الجواب
الأظهر أنه لا يجوز لعن الكافر المعين.
стр. 614
حكم أخذ مال المدين الكاذب في الوعد بالوفاء
السؤال
إن كان لي مال عند شخص يعدني أن يعطيني المال فيكذب، فهل لي أن آخذ مالي إن استطعت أخذه بدون رضاه؟
الجواب
نعم يجوز أخذه بدون رضاه، فما دام أنه لم يستأمنك عليه فالأمر واسع.
стр. 615
حكم الدعاء لمن يظن تركه للصلاة
السؤال
هل يجوز لي الدعاء لرجل مات وأنا لا أعلم أكان يصلي أم لا يصلي؟
الجواب
من مات من أهل القبلة من المسلمين في أي مكان فإنه يصلى عليه ويدعى له.
стр. 616
حكم المسح على الأحذية في الوضوء
السؤال
إذا كان الشخص يلبس ما يسمى بالجزمة فهل الأفضل أن ينزع الجزمة والجوارب إذا أراد الوضوء أم يمسح عليها؟
الجواب
إذا كانت الجزمة مما ينزع عادة، فإنها تنزع ويمسح على الجوارب، أما إذا كانت مثل جزمات العسكر ذات الحبال فإنه يمسح عليها.
стр. 617
حكم تارك صلة بعض أرحامه
السؤال
هل يعتبر من يصل بعض أرحامه ولا يصل بعضهم لنسيان أو لكثرتهم قاطعاً؟
الجواب
يحاول أن يسدد ويقارب ولو بالهاتف.
стр. 618
حكم حلق شعر الصدر
السؤال
هل يجوز حلق شعر الصدر إذا كان كثيفاً؟
الجواب
لا بأس به.
стр. 619
حكم الصلاة عن يسار الإمام لازدحام المكان
السؤال
صليت إماماً بجماعة وامتلأ المسجد، فصلى عن يميني مصلون، ثم جاء آخرون فصلوا عن يساري، فهل تصح صلاة من صلوا عن يساري؟
الجواب
نعم تصح؛ لأنها حالة اضطرار.
стр. 620
دليل جواز نسخ القرآن بالسنة
السؤال
ما هو دليل القائلين بجواز نسخ القرآن بالسنة؟
الجواب
هو قول الله جل وعلا: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، فالقائلون بالجواز يقولون: فاعل (نأت) على الله، والنبي ﵊ لا ينطق عن الهوى، والله جل وعلا هو الذي يوحي إليه.
стр. 621
سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة هود [١]
اشتملت سورة هود على تفصيل جملة من قصص الأنبياء مع أقوامهم لتقرير حقيقة التوحيد العظيمة وبيان عاقبة الموحدين، وعاقبة المشركين والكافرين، كما تضمنت بيان أحوال اليوم الآخر، والدعوة إلى الاستقامة على طاعة الله كما أمر تعالى، الأمر الذي جعل منها موضع خوف وإشفاق من نبينا ﷺ فقال: (شيبتني هود وأخواتها).
стр. 622
بيان نسبة سورة هود
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن السورة التي نحن بصدد تفسيرها، والتعليق على آيها في هذا الدرس هي سورة هود، وهي ثاني سورة في القرآن حسب ترتيب المصحف سميت باسم نبي من الأنبياء.
وهذه السورة سورة مكيه، وعدد آيها مائة وثلاث وعشرون آية، كلها مكية، إلا قول الله جل وعلا فيها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
فهذه الآية في المشهور عند العلماء نزلت بالمدنية، وأما ماسوى ذلك فآيات مكية نزلت قبل هجرته صلوات الله وسلامه عليه إلى المدنية.
стр. 623
اشتمال سورة هود على حقائق التوحيد
وقد مجد الله جل وعلا في أولها كتابه، وأخبر بأنه مفصل ومحكم من لدن حكيم خبير، ثم ذكر الله جل وعلا الأدلة على فوز أهل التوحيد، وعلى أنه جل وعلا لا رب غيره ولا إله سواه، وجاءت السورة بمقارنة بين أهل الإيمان والكفر، حيث قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود:٢٤].
ثم ذكرت السورة جما وعددا من رسل الله جل وعلا وأنبيائه، بدءاً بنوح وانتهاء بموسى، ومرور بهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم جمعياً أفضل الصلاة والسلام.
стр. 624
ذكر ما جاء عن رسول الله من مشيبه بهود وأخواتها
ومما جاء في الآثار عن هذه السورة أن النبي ﵊ قال: (شيبتني هود وأخواتها) وهذا إجمال، وجاء ذلك مفصلاً في رواية أخرى أنه ﷺ قال: (شيبتني هود والمرسلات والواقعة و (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)).
والجامع بين هذه السور هو كونها تتحدث عن اليوم الآخر وأهواله وما يكون فيه، والله جل وعلا ذكر ذلك صراحة في كتابه العظيم، حيث قال الله جل وعلا في سورة المزمل: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل:١٧].
والمقصود أن ما أجمله قوله ﵊: (شيبتني هود وأخواتها) قد جاء مفصلاً عند الطبراني بسند صحيح وفي رواية الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس باللفظ المذكور.
والناس يختلفون في السبب الذي يدفعهم إلى أن يشيبوا باعتبار تعلق قلوبهم، فمن الناس من يشيبه التعليم، ومن الناس من يشيبه العقار، ومن الناس من تشيبه التجارة، ومن الناس من يشيبه تربية الصبيان، ومن الناس من يشيبه الهم، وغير ذلك، وهذا ظاهر في الناس، ولا غرابة فيه، ولا ننكره، ولكن النبي ﵊ لما كان قلبه معلقا بالله، وكان يخشى الله واليوم الآخر ويخاف ربه ويهابه؛ جاء تعلق شيبه صلوات الله وسلامه عليه بهود وأخواتها، أي: باليوم الآخر، ولا يعني هذا أن النبي ﵊ كان كثير الشيب، وإنما مرد ذلك إلى العرف، وقد مات النبي ﵊ ولا يحصى من الشيب فيه أكثر من عشرين شعرة، وأكثر شيبه كان في أسفل شفته السفلى وفي أعلى عارضيه عن اليمين وعن الشمال، أما في لحيته فكان الشيب قليلاً جداً في شعيرات يمكن عدها، وكذلك شعر رأسه صلوات الله وسلامه عليه.
والسنة في الشيب إذا ظهر وكثر وأصبح غالباً على السواد إن يُغَيَّر، إما بالكتم وإما بالحناء، فإن النبي ﵊ لما فتح مكة جاءه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بأبيه أبو قحافة، ومن مناقب أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن أبويه أدركا الإسلام، وهذه مزية لم تكن لأحد من كبار الصحابة الذين دخلوا في الإسلام معمَّّّّّرين، كـ أبي بكر؛ فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسلم وسنه ثمانية وثلاثون عاماً، فأدرك أبواه الإسلام.
فـ أبو قحافة أسلم يوم فتح مكة، فجاء به أبو بكر إلى النبي ﵊، وأبو قحافة يوم ذاك ابن قرابة الثمانين، فجاء به وقد أصبح شعره كالثغامة، والثغامة نوع من النبت أبيض الزهرة وأبيض الثمرة، فجاء به وقد بيض شعر رأسه، وبيض شعر لحيته، فأمر النبي ﷺ بأن يغير شعر رأسه وشعر لحيته، وقال في آخر الحديث: (وجنبوه السواد).
وزيادة: (وجنبوه السواد) اختلف العلماء فيها، هل هي من كلام النبي ﷺ أو هي مدرجه من قول الصحابي؟ ومعلوم أن الإدراج يكون: إدراج إسناد، أو إدراج متن.
والمشهور عن بعض العلماء أنها من إدراج المتن، وقال بعضهم: إنها من كلام النبي ﷺ ، وليس هذا موضع التفصيل فيها، والذي يعنينا أن نغيره بالحناء والكتم خروجاً، من خلاف العلماء، وهو أولى.
فالنبي ﵊ يقول: (شيبتني هود وأخواتها).
стр. 625
ذكر ما شيب رسول الله من سورة هود
ومما شيب النبي ﷺ منها ذكر اليوم الآخر، وإن كان بعض العلماء يقول: إن الذي شيب النبي ﷺ من سوره هود قول الله جل وعلا فيها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢].
قال بعض المفسرين: الذي شيب النبي ﵊ هو قول الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، ولكن قرانه ﵇ سورة هود بسورة المرسلات والواقعة وعمَّ و (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) نفهم منه أن الذي شيبه منها ذكر أهوال اليوم الآخر؛ لأن هذا هو الجامع بين هذه السور.
وهذه السورة ذكر الله جل وعلا أخبار الأنبياء، فذكر الأمم وتكذيبها لأنبيائها ورسلها، وكيف كان ذلك سبباً في فنائها وهلاكها، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ﴾ [هود:١٠٠] أي: شاهد باق ظاهر، كالحجر في أرض ثمود ﴿وَحَصِيدٌ﴾ [هود:١٠٠] أي: منته، كما هو الحال في البحر الميت الذي كان موضع قوم لوط ﵇.
فهذه الأمور كلها مدعاة للشيب.
стр. 626
بيان مجمل قصص سورة هود
وقد ذكر الله جل وعلا فيها قوم نوح كما سيأتي، ثم قال: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٤١].
ثم ذكر قوم هود فقال جل وعلا: ﴿أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود:٦٠].
ثم ذكر ثمود فقال جل وعلا: ﴿أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود:٦٨].
ثم ذكر الله جل وعلا قوم لوط فقال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣].
ثم قال الله جل وعلا في مدين: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود:٩٥].
ثم قال جل وعلا عن فرعون وآله وتكذيبهم لموسى وهارون: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود:٩٩].
فهذا كله دلائل تظهر الشيب في الإنسان إذا قرأها، وأذكر أنه قبل أعوام قُدِّر أن نقرأ هذه السورة في صلاة التراويح، والقرآن تدبره يحتاج إلى فقه، ولا أقصد بالفقه فقه المتون، وفقه الأحكام، وإنما أقصد فقه العقل، وقدر أن قرأ هذه السورة الشيخ: صلاح البدير وفقه الله، فكان يقرؤها مقطعاً مقطعاً، فقرأ قصة نوح، ثم قرأ قصة عاد، ثم قصة ثمود، وهكذا وهو لا يبكي، بل كان يحاول أن يحبس بكاءه، وهذا من تعليم الناس وربطهم بالواقع، فلما وصل إلى قول الله جل وعلا في آخر السورة: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠] بكى الشيخ حفظه الله ونفع المسلمين بعلمه، وهذا هو الفهم؛ لأن هذه الآية هي اللب من الإيراد كله؛ فإن الله ذكر أنبياءه ورسله على التفصيل، ثم لما ختم قال: ﴿وَكُلًّا﴾ [هود:١٢٠] أي: كلاً ممن مضى، والتنوين هنا عوض عن الحذف ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ [هود:١٢٠]، ثم ذكر الغاية ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] والخطاب لنبينا ﷺ ومن يسمع من أمته.
فلما وصل إليها بكى، وهذا من العلم، وتدبر القرآن، وفقه النصوص، ومعرفة موطن مقصود الله ﵎، وهو علم رفيع يمن الله جل وعلا به على من يشاء من عباده جعلنا الله ﵎ وإياكم من العلماء العاملين بعلمهم.
وقد بدأت السورة بالدعوة إلى التوحيد، وانتهت به، حيث قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٣].
стр. 627
تفسير قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)
قال جل وعلا فيها: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [هود:٦ - ٨].
إن من المقطوع به شرعاً ونقلاً وعقلاً وطبعاً، أنه لا ملزم على الله، ولكن الله عندما يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] فهذا إلزام فضل لا إلزام واجب.
وحسب قواعد التفسير فإن الاسم إذا كان نكرة مسبوقاً بحرف الجر (من)، والجملة مسبوقة بـ (ما) النافية، فذلك أبلغ صيغ العموم، كمثل الآية التي بين أيدينا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].
فـ (ما) نافية و (من) للبيان، ودابة اسم جاء نكرة، فهذا من أبلغ صيغ العموم في كتاب الله جل وعلا، ثم يليه كلمة كل، والذي يعنينا من هذا أكبر وأبلغ صيغ العموم في كلام الله جل وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].
والله تعالى يقول في العنكبوت: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٦٠].
стр. 628
نماذج من رزق الله خلقه
ويروى أن رجلاً يقال له: أبو أسيد من السلف كان فقيراً يحتقره الناس، فسأله أحد الناس: من أين تأكل؟ كأنه رآه بغير عمل، فقال: سبحان الله والله أكبر، إن الله يرزق الكلب، أفلا يرزق أبا أسيد؟! وقد جاء في بعض الأحاديث أن الأشعريين وفدوا على النبي ﷺ ، كـ أبي موسي وأبي مالك وأبي عامر، فلما قدموا أناخوا مطاياهم حول المدينة على مقربة من رسول الله ﷺ ، وكان الجوع قد بلغ منهم مبلغه، فقال بعضهم لبعض: أبعثوا رجلاً إلى رسول الله ﷺ تطلبونه طعاما، فاختاروا رجلاً منهم، وقالوا له: اذهب إلى رسول الله وائتنا بطعام، فذهب الرجل، فلما قرب من النبي ﷺ سمع النبي ﵇ يقرأ في بيته هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] فقال: والله ما الأشعريون بأهون الدواب على الله، ثم رجع، ولم يقل للنبي ﷺ شيئاً، فلما أقبل على أصحابه قال: أبشروا بوعد الله، كفيتم، فظن أصحابه أنه بلّغ النبي ﵊ أمرهم، فما هو إلا قليل حتى جاءهم رجلان بقصعة من ثريد مملوءة، فأكلوا فبقي كثير مما لم يأكلوه، فقالوا نحمله إلى رسول الله ينفع به غيرنا، فأخذه من لا يعلم أن هذا الرجل لم يخبر النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! جزيت خيراً، فقال (إنني لم أبعث إليكم بشيء).
فهذا رجل قد لا يكون ملكا، ولكن سخره الله جل وعلا لهؤلاء الناس ليأتيهم بطعام.
ومعلوم أن وعد الله حق، ولكن لا يعني ذلك أن يركن الإنسان فيترك الأخذ بالأسباب، ولكن يأخذ بالأسباب، ويعتمد على الملك الغلاب ﷻ .
стр. 629
بيان معنى قوله تعالى (ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب)
ثم قال سبحانه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦].
اختلف العلماء في المراد بالمستقر والمستودع، والأشهر من أقوالهم أن المراد بالمستقر: المأوى في الدنيا، أي: المكان الذي تأوي إليه الدواب بعد أن تسرح، وأما مستودعها فهو مكان دفنها وموتها قبل اليوم الأخر.
(كُلٌّ) أي: كل ما يجري من أقدار الله من أرزاق وأخذ وعطاء ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].
والله جل وعلا عنده أم الكتاب، وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ، وما في أم الكتاب لا يغير ولا يبدل، ولكن توجد كتب أخرى غير أم الكتاب هي التي يجري فيها التغير والتبديل، قال الله جل وعلا: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩]، ثم قال جل وعلا: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].
فأم الكتاب هو الكتاب الذي لا يجري فيه تغير لا تبديل، وهو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: (جفت الأقلام وطويت الصحف) أما غير ذلك فإن فيه تغييراً، كما جاء في الأحاديث أن صلة الرحم تزيد في العمر، وأن القدر والدعاء يعتلجان في السماء، فكل هذا مما يجري فيه التغيير، أما الكتاب المبين الأصل فلا يكون فيه تغير ولا تبديل.
стр. 630
بيان معنى قوله تعالى (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام)
ثم قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧].
وأول ما يفهم من الآية أن العرش والماء مخلوقان قبل السموات والأرض.
والعرش: سقف المخلوقات، ويمكن أن يقال في تعريفه: إنه سرير ذو قوائم تحمله الملائكة.
والدليل على أنه تحمله الملائكة قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧].
والدليل على أنه ذو قوائم قول النبي ﷺ : (فإذا موسى آخذاً بقوائم العرش) فهذا دليل على أن العرش له قوائم.
والغيب الذي لا يُرى لا يعرف بالتجربة، فلا تتكلم في الغيب إلا بدليل نصي من كتاب أو من سنة، ولا يعتبر فيه التجربة ولا غيرها، ويبقى الغيب غيباً.
стр. 631
بيان معنى قوله تعالى (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧].
والعمل يحسن بأمرين: الإخلاص والمتابعة، فالعمل إذا توافر فيه هذان الشرطان -الإخلاص للرب ﵎، والمتابعة لنبينا ﷺ كان هو العمل الحسن، وهو العمل الصواب، وهو العمل المقبول، فالعمل إن كان غير خالص -ولو كان متقنتاً- لا يقبل، وإن كان مخلصا ولكنه على غير هدي محمد ﷺ فلا يقبل.
قال ابن القيم ﵀ في الإخلاص: هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيد الأديان هو دين آدم والملائك قبله هو دين نوح صاحب الطوفان هو دين إبراهيم وابنيه معاً وبه نجا من لفحة النيران وبه فدى الله الذبيح من البلى لما فداه بأعظم القربان هو دين يحيي مع آبيه وأمه نعم الصبي وحبذا الشيخان ثم قال ﵀: وكمال دين الله شرع محمد صلى عليه منزل القرآن فالإنسان إذا قدر له أن يخلص النية ويتبع هدي محمد ﷺ ، كان هذا هو العمل الذي أراده الله جل وعلا من عباده، وهو المقصود بقول الله هنا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧].
стр. 632
بيان معنى قوله تعالى (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت)
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾ [هود:٧] والمخاطب النبي ﷺ ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ [هود:٧].
والمخاطب بها كفار قريش، ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود:٧]، أي: يردون على القرآن بأنه سحر، كما قال الوليد بن المغيرة: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤].
стр. 633
بيان معنى قوله تعالى (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود:٨].
الأمة هنا الوقت والزمن، وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود:٨].
وكلمة (أمة) في القرآن وردت على عدة معان: فوردت بمعنى الزمن والوقت، كما في هذه الآية، وفي قوله جل وعلا: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥] أي: بعد زمن.
وتأتي بمعنى الرجل المقتدى به، قال الله جل وعلا ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠].
وتأتي بمعنى الجماعة من الناس رجالاً ونساء، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦].
فالأمة هنا الجماعة من الناس من الرجال والنساء.
وتأتي بمعنى الجماعة من الرجال دون النساء، قال الله جل وعلا عن موسى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص:٢٣] أي: رجالاً يسقون ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص:٢٣].
وتأتي بمعنى الملة والدين، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢].
стр. 634
التفريق بين قوله تعالى (ليقولَن) وقوله (ليقولُن)
قال تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [هود:٨].
يلحظ هنا مجيء لام (ليقولن) مضمومة، وقد سبق قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [هود:٧] بفتح اللام في (ليقولن).
فقوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [هود:٧] جاء فيه (الذين كفروا) فاعلاً، فهنا لا يوجد ضمير، فأصل الفعل (يقول) وأسندت إليه نون التوكيد الثقيلة، والقاعدة: إن نون التوكيد إذا أسندت إلى الفعل المضارع يبنى على الفتح، فجاءت مفتوحة وفقاً.
وفي الآية التي بعدها قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود:٨].
وأصلها (ليقولون)، ففيها واو الجماعة، والقاعدة أن الفعل المضارع إذا أسند إلى واو الجماعة يبنى على الضم، فبنيت اللام على الضم لوجود واو الجماعة، ولكن واو الجماعة لا تنطق هنا، بل حذفت لالتقاء الساكنين، والساكنان هنا هما نون التوكيد الأولى وواو الجماعة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت اللام على البناء على الضم.
стр. 635
تفسير قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها)
يقول ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
إن مزية دروس التفسير أنها تدلك على كل العلوم، فالله تعالى يقول هنا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥] أي: يطلب الدنيا وزينتها ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥] أي: في الدنيا ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥] أي: في الدنيا: ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥].
والواقع أن كل من طلب الدنيا لا يُعطاها.
وعليه فإن هذا الإطلاق قيده الله جل وعلا في الإسراء فقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨].
فهذا الإطلاق الوعد المطلق هنا قيد بآية ماذا؟ بآية الإسراء واضح.
ونحو ذلك قول الله في البقرة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، هذا إطلاق، ولكن هل كل من دعا الله يجيب الله دعوته؟ فهذه الآية مقيدة بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام:٤١].
следующие страницы →