← Тафсир

Тафсир · id 37455

سلسلة محاسن التأويل - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (789 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]. الله عظم العقل، والمشركون تركوا عقولهم فلم يستفيدوا منها، فمن لم يستفد من جارحة أعطاه الله إياها فكأنه لم يعطاها، ولهذا وصفهم الله بأنهم صم رغم أنهم يسمعون، ووصفهم بأنهم بكم رغم أنهم يتكلمون، ووصفهم بأنهم عمي رغم أنهم يبصرون؛ لأن تلك الجوارح لم يستفيدوا منها الاستفادة التي أرادها ربهم ﵎. هنا يقول الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا﴾ [البقرة:١٧٠] أي: النبي ﷺ ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [البقرة:١٧٠] أي: ما وجدنا عليه آباءنا، قال الله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] هذا استفهام تعجب. والمعنى: على أي حال يصلون بها إلى أن يدعوا عقولهم بلا عمل فيعرضوا عن دعوة الإسلام، ويبقوا على عبادة الأصنام، ملتزمين هدي من سبقهم ولو كان من سبقهم على ضلالة وعياً وبعداً عن الله جلا وعلا، وهذا يحمل التوبيخ مع الإنكار. قال الله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]، اختلف العلماء في معنى (لو) هنا اختلافاً واسعاً، فقال بعض العلماء: هي بمعنى إن التي لا تحتمل معنى الشرط، وقال آخرون بغير ذلك، لكن القول بأنها لا تحتمل معنى الشرط هو الأفضل والأولى التي لا تحتاج إلى جواب. وقال البيضاوي قولاً ليس له فيه سلف، محتجاً ببيت لـ رؤبة بن العجاج: قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيراً معدماً قالت وإن لكن القول الأول -وهو أنها بمعنى إن التي لا تحتمل معنى الشرط- هو الذي عليه أكثر أهل العلم، والعلم عند الله جلا وعلا.

стр. 142

تفسير قوله تعالى: (مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق) قال الله جلا وعلا يبين حال أهل الإشراك: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]. هذا تشبيه حالة الكافر بحالة راع الضأن ينادي عليها، فهي من حيث سماعها النداء تسمع، لكن من حيث تدبرها لما يقال لها لا تعي، فالنبي ﷺ كان يدعوهم ويرشدهم فهم حال سماعه كحال الضأن تسمع ما تنادى به، وهم يسمعون القرآن والآيات إلا أنهم لا ينتفعون كما أن الضأن لا تفقه كلام الراعي، هذا تخريج. وبعض العلماء يقول: ليس المقصود هذا، وإنما المقصود حال المشركين مع أصنامهم عندما ينادونها، فإنها لا تسمع منهم شيئاً، ولا تعي ما يقولون ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]، لكن هذا بعيد؛ لأن الله قال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١]، فأثبت السمع، ومعلوم قطعاً أن الأصنام لا يمكن لها أن تسمع، فجعل المثل مثلاً لأهل الإشراك -وهو تشبيه تمثيلي- أفضل من جعله مثالاً للأصنام. يعني: حال كونهم هم يسمون النداء ولا يفقهون شيئاً مما يقال لهم أولى من حمل التشبيه على الأصنام وأنها تنادى ولا تعي ما تنادى به؛ لأن الله أثبت هنا السمع والأصنام قطعاً لا تسمع شيئاً مما تنادى به فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وأعان الله جل وعلا على قوله، والله الموفق لكل خير. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد الله رب العالمين.

стр. 143

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١٣] أمر الله المؤمنين بالأكل من الطيبات وشكره عليها، وتوعد الذين يكتمون ما أنزل الله، وبين أن البر هو بالإيمان والعمل الصالح، وشرع لعباده القصاص في القتلى، وفي ذلك حياة لهم.

стр. 144

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) الحمد لله وحده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد انتهينا في اللقاء الماضي إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]، وذكرنا أقوال العلماء فيها. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٢ - ١٧٣]. مرت معنا آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٨]، وهذا النداء عام، والآن خص الله جل وعلا أهل الإيمان بالنداء فذكر المباح، وذكر المحرم، وبدأ بالحلال المباح؛ لأنه أكثر، وأخر المحرم؛ لأنه محصور، واستخدم في حصره إنما وهي تدل على الحصر. قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ما دمنا معترفين أننا عبيد لله، وأن الله أفاء علينا الخير فإقبالنا على الخير نوع من الاعتراف بعبوديتنا لربنا وعدم إعراضنا عنه. ومن هنا تفقه أن الإنسان كلما كان يظهر فقره لله ومسكنته كان قريباً من الله، جاء في الحديث الصحيح: (أن أيوب ﵊ بعث الله إليه رجل جراد من ذهب)، رجل جراد تعبير مثل سرب طيور، أي: مجموعة من جراد من ذهب، فأخذ وهو نبي الله المذكور في القرآن المقول عنه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]، (فأخذ يحثو الجراد في ثوبه، فأوحى إليه ربه: يا أيوب ألم أكن قد أغنيتك عما ترى؟! قال: يا رب! لا غني لي عن فضلك). فالله جل وعلا هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٤]، يبنى على هذا قواعد فنقول: كل ما أباحه الله وأحله فهو طيب، وكلما حرم الله فهو خبيث، لكن ليس كل خبيث محرماً، قال ﵊: (وكسب الحجام خبيث)، مع أنه أعطى الحجام، وسمى البصل والثوم شجرتين خبيثتين مع أن الناس يأكلون منها، وقال جل وعلا: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، مع أننا نأكله، فالعبارات تختلف، ولذلك يتحرر الإنسان علمياً قبل أن يتفوه بكلمة. قال الله: ﴿إِنَّمَا﴾ [البقرة:١٧٣] أداة حصر، ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٣]، الميتة ما مات حتف أنفه أو ذبح بطريقة غير شرعية، ويسمى: يسمى ميتة، وهو أعظم المحرمات وأولها. والثاني: الدم، وهذا الإطلاق قيدته آية: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥]، وخصصه الحديث كما خصص الميتة: (أحلت لنا ميتتان السمك والجراد، وأحل لنا دمان الكبد والطحال). فالكبد دم والطحال دم لكنه غير مسفوح، والسمك والجراد خصص من الآية بكلام رسول الله ﷺ ، وقد سئل عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). الثالث: لحم الخنزير والمراد به: الخنزير جملة عند جمهور العلماء. واختلفوا لماذا ذكر الله اللحم، وقد ذهب مالك ﵀ إلى أن عين الخنزير ليس نجساً أو قال به بعض العلماء، حتى يصبح لقوله: (أو لحم الخنزير) له معنى، وقال جمهور العلماء: بالإطلاق. الرابع: ((وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ)) الإهلال رفع الصوت، يقال للوليد إذا استهل صارخاً: أهل، ويقال للحاج: مهل؛ لأنه يرفع صوته بالتلبية. كانت لقريش أصنام يأتون بذبائحهم إليها فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، ينحرونها لآلهتهم، فأي شيء أهل به لغير الله لا يقبل حتى لو كانت من صنيع أهل الكتاب، فالأصل في طعام أهل الكتاب أنه حل لنا. لكن لو كان عندهم عيد يهلون به لغير الله وذبحوا فيه لا يجوز لنا أن نأكل منه لآية البقرة، ونبقي آية المائدة على عمومها. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣] الباغي في اللغة هو الطالب للشيء إن كان خيراً أو شراً، لكن المقصود هنا: الطالب للشر. ﴿وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣] أي: ولا متجاوز للحد، واختلف العلماء في معناها: منهم من حصرها بالبغي وهو الخروج على الأئمة، وجعل العاد قطاع الطريق، والحق أن الباغي والعادي ليست مرتبطتين بقطاع الطريق أو بالخارجين على الأئمة، وإنما الباغي هو من يريدها من غير اضطرار، والعادي من يتجاوز الحد في أكلها. ثم قال الله بعدها: ﴿فَلا إِثْمَ﴾ [البقرة:١٧٣] أي: إن كان مضطراً، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣].

стр. 145

تفسير قول الله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤]، هذه عودة لذم أهل الكتاب. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٤]، وهذا زيادة على العذاب السابق وهو اللعنة المذكورة في الآيات السالفة، مما يدل على أن كتمان العلم شيء عظيم ومنكر فضيع. قال الله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥]، ثمت شيء في المنازع البلاغية يسمى: تنزيل المحصول المتحقق منزلة الحاصل، فالله جل وعلا -وهو أصدق القائلين- قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤]، والمؤمن إذا سمع هذا يعلم يقيناً أن هذا سيقع لا محالة؛ لأن المخبر به هو رب العالمين، فنزل هذا منزلة ما وقع فيقول لهؤلاء الكفرة ما أصبركم على النار أي: ما أشد صبركم على النار، وسياقكم إليها رغم علمكم بحرها! هذا لسان المخاطب بالقول، والقائلون هم الناس، وهذا الأمر لم يقع لكن هذا منزع بلاغي، وهو تنزيل المحصول المتحقق منزلة الشيء الحاصل. قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥] هذا قول في تخريج التعجب في ما، ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥]. ويوجد تخريج آخر وهو أن ما هنا ليست تعجبية وإنما استفهامية، ويصبح المعنى: أي شيء أصبرهم على النار؟ أي: ما الذي دفعهم إلى هذا حتى يصار بهم إلى النار؟ ثم قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:١٧٦]، هذا جواب لهذا كله والمعنى: أن الله جل وعلا أنزل الكتاب بالحق لينفع به العباد. فلما جاء هؤلاء العلماء وكتموه كان حقاً عليهم أن ينالوا ما أخبر الله جل وعلا عنه قال الله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦].

стр. 146

تفسير قوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم) قال الرب ﵎: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧]، هذا عود على بدء، كان الله جل وعلا قد تحدث في صدر هذا الجزء عن قضية تحويل القبلة فلما أكثر الناس على أهل الإيمان من أهل النفاق والإشراك واليهود والنصارى، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢]؛ قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧]. والبر قرئت بالنصب والرفع، فعلى النصب تكون خبراً متقدماً لليس، واسم ليس المرفوع هو المصدر ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ [البقرة:١٧٧]. والأصل في المبتدأ والخبر أن يقدم في الترتيب الأقوى، والمصدر أولى من المعرف بأل؛ لأنه إضمار والإضمار من أقوى المعارف، فعلى ذلك جعلت: ﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة:١٧٧] الخبر، لكن الترتيب في التقديم والتأخير هذه مسألة أخرى، وقدم الخبر رداً على أهل الإشراك، وهذا على قراءة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة:١٧٧]، وعلى قراءة: (ليس البر) المسألة واضحة، البر اسم ليس، و ﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة:١٧٧]، مصدر منسبك من أن وما دخلت عليه في محل نصب خبر لليس. نعود إلى الغاية من الآية وهي منزع إيماني قال الله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]، من أراد القرب من الله فليقرأ هذه الآيات. يسأل الناس أين البر؟ أين معالي الأمور؟ أين مدارك الجنة؟ أين النجاة من النار؟ أين طرائق الحق؟ أين معالم الهدى؟ فيجيبهم الرب ﵎: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة:١٧٧]، وهذا استدراك عظيم من رب رحيم، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٧]، آمن بأن الله جل وعلا لا رب غيره، ولا إله سواه، في السماء عرشه، في كل مكان رحمته وسلطانه، يحكم ما يشاء، يفعل ما يريد، يقدم من يشاء بفضله، يؤخر من يشاء بعدله، لا يسأله مخلوقاً عن علة فعله، ولا يعترض عليه ذو عقل بعقله، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، أنزل الكتب، بعث الرسل، هو الرب وحده لا رب غيره، ولا إله سواه، هو الخالق وما سواه مخلوق، وهو الرازق وما سواه مرزوق. ثم جاء بعد ذلك ما يتبع الإيمان بالله ولا يمكن أن ينفك عنه، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٧٧] يحشر الله فيه العباد، ويقوم فيه الأشهاد، ويظهر فيه الشهداء، تنصب فيه الموازين، ويكون فيه الصراط، ويقام فيه الحوض، وفيه من الأهوال ما يشيب له الغلمان، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. والملائكة خلق من خلق الله خلقهم الله جل وعلا من نور، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وفي الحديث: (أطت السماء وحق لها أن تئط، والله ما من موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجئرون إلى الرب ﵎. وقد أثنى الله جل وعلا عليهم ثناء عاطراً، وذكر أنهم ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٦]. ثم قال جل وعلا: (والكتاب) كتب أنزلها الله جل وعلا فيها الهدى والنور، سمى الله منها التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، فيها من المواعظ والرقائق والهداية للخلق ما لا يمكن أن يحيط به أحد. (والنبيين) بشر من الخلق اصطفاهم الله جل وعلا، خصهم بخصائص: تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، ما منهم من أحد إلا ورعى الغنم، يقبرون في المكان الذي يموتون فيه، خصهم الله جل وعلا، بأعظم خصيصه: وهي الوحي ينزل عليهم من السماء، هم دعاة إلى الحق ومعالم على طريق الخير، ورحماء بالخلق، وأكرمهم وأعظمهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه، سمى الله منهم في القرآن ٢٥ نبياً، والإيمان بهم جملة من أعظم أركان الدين. ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة:١٧٧]، وكلمة على حبه أي: أن يكون الإنسان صحيحاً شحيحاً يخشى الفقر، ويرجو الغنى، وهي أعظم مواطن العطاء، ومن أعطى وهذه حاله كيف به إذا اغتنى؟! وهذا أمر تعرفه العرب في سنن كلامها، كما ذكره زهير في مدح هرم بن سنان، والمقصود من هذا أن الإنسان إذا أعطى المال على حبه وقت تعلقه بالمال فكيف به إذا اغتنى؟! يكون عطاؤه أعظم. ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة:١٧٧]، من؟ ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة:١٧٧]، قدم الله ذوي القربى، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ [البقرة:١٧٧] الذين لا كاسب لهم، وهم من مات آباؤهم وهم لم يبلغوا الرشد بعد، ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ [البقرة:١٧٧] الذين يتعرضون للناس أو يكونوا أخفياء، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:١٧٧] المنقطع الذي انقطعت به السبل، ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة:١٧٧] والسائل غالباً لا يسأل إلا عن حاجة، ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة:١٧٧] أي: المكاتبون. ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة:١٧٧] أعظم أركان الدين على الإطلاق، ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، وهي منصوبة على الاختصاص أي: وأخص الصابرين، ﴿فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة:١٧٧]، البأساء: الفقر والعوز، والضراء: الأسقام، والأمراض، والبلايا، وحين البأس: أي: وقت القتال وملاقاة العدو، كل هذه الصفات لا يمكن أن تكون إلا في قوم صدقوا، والصدق مع الله جل وعلا أعظم المطالب وأدل البراهين على الانضمام لجند الله الغالبين، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، وقال الله هنا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة:١٧٧] أي: صدقت أفعالهم أقوالهم، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]، والتقوى لباس عام وجامع لكل خير، وهي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، ترجو عقاب الله، ومثل هذه الآيات لا يمكن أن تشرح لغوياً ولا بلاغياً؛ لأنه خلق يتمثله المسلم ويؤمن به، وعقيدة يسلك بها المؤمن، وطريقة إلى ربه ﵎، وآداب وقيم وصلوات وعبادات ومعالم يرشد الله بها الأخيار من عباده الطالبين معالي الأمور، وحفظها والعمل بها من أعظم الضروريات للوصول إلى أعالي الجنات.

стр. 147

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص) بعد أن بين الله ذلك كله، نشأ مجتمع متدين، فيه هذه المنزلة العالية من الإيمان جاءت الأحكام الشرعية التي لابد من إيضاحها للناس، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]. القصاص: هو المماثلة والإتباع، ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١] اتبعي أثره، كما هو ظاهر الآية، وقد ورد قول الله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤] أي: يتبعون آثار قد سلفت ومضت، فهذا معنى المماثلة والإتباع في أصل اللغة. يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] أي: فرض، ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨]، هل صدر الآية منفك عن عجزها أو أن صدر الآية متصل بعجزها؟ هذا مربط الفرس، ومعقد الأمر في فهم العلماء للآية، فمن فهم أن صدر الآية منفك عن عجزها وما بعدها بمعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] شيء مستقل لم ينظر إلى ما بعدها ولا إلى غيرها؛ جعل القصاص في كل قتيل حتى بين الكافر والمسلم؛ لأنه أخذها بالعموم وجعل ما بعدها إنما هو تأكيد، وأجرى الكلام على مجراه وفق سنن العرب. وجمهور العلماء يجعلون صدر الآية مؤسس لما بعدها، فلا يقنعون بأن نقف عند قول الله جل وعلا وننهي الحكم في قولنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، فلهذا استثنوا من ذلك أمور. والحق -والعلم عند الله- أن الله قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء:٣٣]، ولم يحدد ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، فلا يستثنى إلا من استثنته السنة، ومن استثنته السنة اثنان: الأول: الكافر إذا قتله مؤمن، فلا يقتل مؤمن بكافر، إذا لا يقتل ولي الله بعدوه. الثاني: الوالد مع الولد، وكلمة الوالد تشمل الأجداد وإن علوا، فلا يقتل والد بولده، إلا أن مالكاً ﵀ استثنى من هذه واحدة وهي أن الوالد إذا أخذ ابنه وأضجعه فذبحه بهذه الصورة متعمداً وليس عن حالة غضب ولا عن حالة تأديب وإنما باختياره فإنه يقتل به، وهذا القول تميل إليه النفس؛ لأن الأب في مثل هذه الحالة التي يفعلها جهاراً عامداً تخلى عن أبوته، لكن الجمهور على أنه لا يقتل والد بولده. قول الله جل وعلا: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨] هذا على سنن العرب في كلامهم فلا يعني ذلك أن الأنثى لا تقتل بالذكر أو أن الذكر لا يقتل بالأنثى، كما أنه لا يعني أن الفرد لا يقتل بالجماعة أو أن الجماعة لا تقتل بالفرد؛ لأن هذا فيه استباحة للدماء، وقد رفع لـ عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن غلاماً من أهل صنعاء قتله سبعة فقتلهم به، وقال ﵁ وأرضاه: لو تمالأ عليه أهل صنعاء كلهم لقتلهم به؛ لأنه لو قلنا: إن الجماعة لا يقتلون بالفرد يأتي إنسان له عدو فيذهب إلى رفقاء له ويتفق معهم على قتل غريمه حتى يستحيل شرعاً قتلهم جميعاً بهم، فتهدر الدماء، وتضيع أموال الناس، لكن يقتل الجماعة بالفرد كما يقتل الفرد لو قتل جماعة من باب أولى. قال الله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] هذه الآية العلماء يستدلون بها على أن أخوة الإيمان لا ينزعها شيء. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، والمعنى: أن الإنسان إذا تنازل عن حقه في القصاص فإن له أن يقبل ويعطى الدية، فيكون الأداء من نفس صاحب الجناية بإحسان إليه. والناس في زماننا هذا سلكوا بها مسالك غير محمودة، وأنا وقفت على بعض أمور شرعية أو إدارية لا يحسن نشرها، لكن المبالغة في طلب الفدية أمر غير محمود شرعاً، وصحفنا -للأسف- تعج بأخبار لا تحمد في هذا الشأن، فيقال: مثلاً إن أهل الميت يتنازلون إذا دفع لهم كذا كذا من الأموال، وهذا أمر غير محمود، ولا أؤيد أن يسهم البعض فيه، وقد بينت هذا كثيراً في دروس لنا سلفت؛ لأن هذا فيه نوع من المتاجرة، لا بأس بالشيء المعقول أو أن يطلب الإنسان القصاص الذي هو له، أما أن يأتي أولياء دم ويريدون أن يغتنوا على حساب ميتهم فهذا أمر غير محمود أبداً.

стр. 148

تفسير قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) قال الله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]. شرع الله القصاص حفظاً للدماء، والناس إنما يحتكمون في ثلاثة أمور: في الفروج، والدماء، والأموال، ولا ريب أن المقصود من الآية أن الإنسان إذا علم أنه إذا قتل يقتل خاف على نفسه فامتنع عن القتل فحفظ نفسه ونفس غيره، قال الله جل وعلا: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]، والتاريخ العربي الأدبي والسياسي مليء بقضايا عفو عند القصاص وأخبار من ثبتوا عند الموت، أو قضايا طلب القصاص، منها: أن رجلاً قتل رجلاً وكلاهما من أهل المدينة، فلما كانت ولاية معاوية ﵁ وأرضاه كان ورثة الميت قد بلغوا سن الرشد. فذهبوا إلى معاوية فأقدم القاتل بين يديه فلما سأله معاوية ليعترف قال: يا أمير المؤمنين! تريد أن أعترف شعراً، أم نثراً؟ قال: بل شعراً، فاعترف شعراً، فلما اعترف شعراً سلمه معاوية إلى ورثة القتيل ليقتلوه على ما جرت به عادة الناس يوم ذاك؛ لأن هذا أمر مفوض للسلطان. فأخذه أولياء الدم فلما خرجوا به إلى ساحة القصاص جاءت زوجة القاتل المحكوم عليه بالقتل تودعه وودعته أنها لن تتزوج بعده، وكان فيها لمحة من جمال، فقال: والله ما هذا وجه من تريد أن تحرم من الرجال بعدي، فالمسكينة علبت على أمرها آمنت بقوله فذهبت وجدعت أنفها، فلما رآها قال: نعم، الآن اطمأنت نفسي؛ لأن مثلها لا ينظر إليها، وحضر أمير المدينة آنذاك القصاص، فجيء بالسياف الذي هو من الورثة، وجاء الأمير، فرفع القاتل بصره إلى السماء وقال: أذا العرش إني عائذ بك مؤمن مقر بزلاتي إليك فقير وإني وإن قالوا أمير مسلط وحجاب أبواب لهن صرير لأعلم أن الأمر أمرك أن تدن فرب وإن ترحم فأنت غفور ثم نادى صاحبه وقال: كيف تضربني؟ فأخبره قال: ليس هكذا، فإنني ضربت أباك ضربة لم يتحرك منها، وعلمه كيف يقتله يعني: أين يكون حد السيف، فقال من شهدوه: فضرب وهو ثابت لم يتحرك منه عضو ومات، وهذه يذكرها المؤرخون إما في العقد أو في الكامل أو في غيرهما، هذا من المحفوظ القديم والشاهد منها الثبات عند الموت. وقدم رجل للموت وكان فصيحاً بليغاً فإذا به بين كفن وجلاد وسيف وقبور محفورة فارتج عليه، فقال له الناس: أين فصاحتك؟ قال: من أين الفصاحة؟ قبر محفور، وكفن منشور، وسيف مشهور، من أين تأتي الفصاحة؟! وهو معذور. وقد مر معنا في دروس عدة أن أحد وجهاء العرب وفصحائها كان من الخارجين على المعتصم، فقدمه المعتصم للموت، فأراد المعتصم أن يعلم أين جنانه من لسانه، وإذا بالنطع والجلاد فقال: يا أمير المؤمنين! قبح الذنب، وكبرت الجريرة، والظن بك أن تعفو ثم قال: أرى الموت بين السيف والنطع كامن يلاحظني من حيث ما أتلفت وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي وأي امرئ مما قضى الله يفلت يعز على الأوس بن تغلب موقف يسل علي السيف فيه وأسكت وما جزعي من أن أموت وإنني لأعلم أن الموت شيء مؤقت ولكن خلفي صبية قد تركتهم وأكبادهم من حسرة تتفتت كأني أراهم حين أنعى إليهم وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة أذود الردى عنهم وإن مت موتوا فقال المعتصم: تركتك لله ثم للصبية وعفا عنه. أقول: التاريخ العربي والمعاصر مليء بأحداث مثل هذه تبين أن الرجال يتفاوتون في هذه المواقف، موقف أن يرى الموت عياناً، وقتل الميت عياناً يسمى في اللغة: قتل الصبر، والنبي ﷺ قتل أحد خصومه صبراً في وادي الصفراء وهو عائد من غزوة بدر، كان يغلظ عليه ويسبه أيام دعوته الأولى فقتله، وينسبون أشعاراً إلى أخته تعتذر لرسول الله ﷺ ، لكن في نسبة تلك الأشعار إليها شيء من الضعف في السند. وجريمة القتل يتعلق بها ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للورثة، وحق للميت، وحق الله يسقط بالتوبة أو بمغفرة من الله بمشيئته؛ لأنه مندرج في قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وحق الورثة يخيرون بين القصاص أو الدية أو العفو، وحق الميت لا سبيل لنا إلى معرفته، وهو يكون يوم القيامة، حتى لو قتل القاتل عمداً واقتص منه لا يسقط حق الميت؛ لأن الميت في قبره لم يستفد شيئاً من القصاص، وإنما استفاد الورثة، وكذلك إن أخذوا الدية، فيبقى حق الميت قائماً فإذا كان يوم القيامة يسوقه إلى ربه ويقول: يا رب سل عبدك هذا فيم قتلني؟ فإن كان الله قد تاب على هذا القاتل سيوجد مخرج لهذا القاتل ويرضي الله المقتول، وهذا لا يمكن أن يقع إلا بين يدي الله وحده، وهو المتكفل أن يرضيك ويرضي خصمك، أما عند الناس لا يمكن أن يقع شيء من هذا أبداً. والقتل على وجه الإجمال له ثلاثة أحكام: قتل العمد، وقتل شبه عمد، وقتل خطأ، وقد نص الله في القرآن على اثنين: العمد، والخطأ، أما شبه العمد فلم يتعرض الله له في القرآن، فلذلك أنكره مالك، ولكن جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة على أن القتل ثلاثة: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وقالوا: العمد: قتله بآلة يغلب على الظن أنها تقتل، وشبه العمد: ضربه بآلة يغلب على الظن أنها لا تقتل فقتله، والخطأ: ألا يتعمد قتله أصلاً. ومن شبه العمد الذي لم ينص الله عليه في القرآن لكن ألمح الله إليه قتل موسى للغلام القبطي، قال الله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]، فإن موسى تعمد ضرب القبطي ولم يتعمد قتله، فهذا يسمى قتل شبه عمد، ولا يسمى قتل خطأ. وينجم عن جريمة القتل ثلاثة أمور بالنسبة للقاتل: أولاً: الإثم، وهذا أعظم الأشياء، وقتل النفس المحرمة من أعظم الذنوب. ثانياً: أنه يحرم من الميراث إن كان ممن يرث من مقتوله. ثالثاً: أنه ينفذ فيه القصاص إن طالب به ورثة القتيل أو الدية أو العفو عنه، فهذه الثلاثة تتعلق بالقاتل عمداً، أما قتل شبه العمد فيسقط القصاص لكن يبقى الإثم وتكون الدية مغلظة. أما قتل الخطأ فلا يوجد إثم، لكن توجد دية مخففة يتحملها عصبة القاتل، ولا يوجد إثم لكن على القاتل الكفارة إما عتق رقبة أو صيام شهرين. وبعض العلماء في المدينة جاءه رجل لم يكن مشهوراً بالصلاح وذكر أنه قتل أحداً خطأ بسيارة فقال: ما علي؟ والشيخ تفرس في هذا، وعتق رقبة غير موجود، فقال: صم شهرين متتابعين، قال: فقط؟ فاستغلها الشيخ وقال: لا، بزيادة، قال: ما الزيادة؟ قال: أن تفطر في الحرم، فذهب الحرم وكان يسمع فيه قرآن، ودروس؛ فتغير حاله بالكلية، وهذا جواب يقبل إذا كان الشيخ على يقين أنه ممكن أن يبين بطريقته للرجل تعديل الحال لو تبين له أنه عاجز أو تسبب في أنه أفطر، وهذه أمور تربوية يلجأ إليها أحياناً. والمقصود من هذا أن الله جل وعلا حرم الدماء، وقول الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨]، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩]، كل ذلك حتى يسود في المجتمع الأمن، وتعم فيه الحياة، وأن يأنف الناس من أن يقتل بعضهم بعضاً؛ لأن في إبقاء حياتهم نفع لأنفسهم وطاعة لربهم. هذا ما تيسر إعداده، وأعان الله على قوله. نسأل الله لنا ولكم التوفيق، ونعتذر إليكم عن التقصير، وصل اللهم على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 149

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١٤] الوصية مشروعة للأقربين من غير الورثة، فلا وصية لوارث، وللوصية أحكام بينها العلماء، وهذه وصية مخلوق لمخلوق، ثم أعقبها الله بوصية لعباده. وقد فرض الله الصوم عليهم؛ لتحقيق التقوى، وهو من أركان الإسلام، فيجب عل كل مسلم بالغ عاقل أن يصوم شهر رمضان، وإن عجز عن صيامه لكبر أو مرض مزمن فعليه كفارة طعام مسكين عن كل يوم، والمسافر والمريض يفطران ويقضيان.

стр. 150

تفسير قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد. فهذا لقاء متجدد ضمن تأملاتنا في كلام ربنا جل وعلا، وكنا قد انتهينا في اللقاء السابق إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]. واليوم نزدلف إلى قول الرب جل شأنه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٨٠ - ١٨٢]. هذه الآيات الثلاث تلوناها جميعاً لارتباط أحكامها ببعضها، وهذه الآية صدرها مما أشكل على كثير من المفسرين، واختلفت فيه كلمة الفقهاء، وربما وصل إليك بعض علم عن هذا كله، وسنشرع في بيان الآية فقهياً ولغوياً، واسترشادياً من حيث الجملة. أوجب الله جل وعلا الوصية هنا بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، والوصية: هي القول المبين لما يراد العمل به، وهي هنا مخصوصة بما بعد الموت؛ فمعنى قولنا: أوصى فلان، أي: ذكر قولاً يبين ما يطلب من غيره أن يفعله بعد موته، هذا معنى الوصية. والتعبير القرآني باللفظ (كتب) يدل على الفرض، والذين طلب الله أن نوصي لهم بنص القرآن هنا هما الوالدان والأقربون. والإشكال أن الله جل وعلا ذكر حق الوالدين وحق الأقربين في آيات المواريث، فمن هنا جاء الإشكال عند أهل العلم، وهل هذه الآية محكمة أم منسوخة؟ سلك الشافعي وكثير من العلماء المسلك التالي في فهم الآية: فقالوا: إن الله جل وعلا كتب وفرض الوصية هنا للوالدين والأقربين بآية الوصية، وفرض حقا للوالدين والأقربين في آية المواريث، قالوا: فنحن بين آيتين إما أن نجمع بينهما فنعطي الوالدين ما فرضه الله لهما في آية المواريث، ويحق لنا أن نوصي لهما، بل يجب علينا أن نوصي لهما، أو أن ننسخ المتقدم بالمتأخر، فلما احترنا بينهما عمدنا إلى مرجح خارج عن محل النزاع؛ فوجدنا في السنة حديثاً اتفق الناس على نقله نقلاً متواتراً وإن كان في أصله حديث آحاد، لكنه لا اختلاف حول متنه، فجعلناه هو المرجح، وهو قوله ﷺ : (لا وصية لوارث) فحكمنا به على آية الوصية أنها منسوخة، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، ومن أشهرهم من المفسرين ابن كثير ﵀. وسلك آخرون مسلكاً آخر فقالوا: لا نقول: إن آية الوصية منسوخة، ولكن نقول: إن آية الميراث مخصصة لآية الوصية، فنأتي لمن فرض الله لهم في آية المواريث فنخرجهم من الوصية، ونبقي الوصية للقرابة، ولمن لم تخرجهم الوصية، ولمن لم تخرجهم آية المواريث، وآية المواريث لا يمكن أن تخرج الوالدين إلا في حالة واحدة: إذا كان كلاهما أو أحدهما كافراً، فإذا كان أحدهما كافراً أو كلاهما استطعنا أن نجمع ما بين إعمال آية المواريث وإعمال آية الوصية؛ فجعلوها مخصصة لآية الوصية. والقاسمي ﵀ صاحب كتاب (محاسن التأويل)، نقل ما ذكره العلماء كما صنع غيره من المفسرين، ثم كتب في كتيب عنده خاص أسماه (الموارد والسوانح العلمية)، وهو ما يطرأ عليه بعد التأليف، فكتب رأياً آخر لم يدونه في محاسن التأويل، وقد اطلع عليه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمة الله تعالى عليه وأدخله في متن التفسير عندما أخرج تفسير القاسمي (محاسن التأويل) للناس، وهذا الرأي يقول فيه: إن الوصية هنا للشيء المعهود، ولا تنازع ما بين آية المواريث وآية الوصية، فليست الوصية هنا بمعنى أن الله يلزمنا أن نكتب لفلان كذا، وفلان كذا، وإنما معنى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٨٠] أي: فليتق الله وليعمل بما أوصى الله به في آية المواريث، فيعطي كل ذي حق حقه، ولا يأتي بطرائق أو سبل يحيد بها عن التقسيم الشرعي الذي نص الله عليه في آية المواريث. وقال القاسمي ﵀ -في معرض ما قال-: ولا أدري إن كان أحد قبلي ذكر هذا أم لم يذكره. وأنا على اطلاعي لم أقف على أحد قاله قبل القاسمي، وقد يكون -كما قال القاسمي- قد قاله غيره، والذي يعنينا أن هذه تخريجات العلماء من حيث الجملة. وقال آخرون -وهو في ظني رأي بعيد جداً-: يعمل بكلتا الآيتين، وأن كلتيهما محكمة، فجمعوا ما بين آية المواريث وآية الوصية، وهذا وإن اختاره قلة لكنه موجود، وإن كنت أراه بعيداً في الترجيح.

стр. 151

تفسير قوله تعالى: (فمن بدله بعدما سمعه) قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١]. ينبغي أن تعلم أن المخاطب بهذه الآية ثلاثة، وهم أولاً: الشهود، فيكون الخطاب لهم بألا يكتموا الشهادة، وثانياً: الوصي القائم على تنفيذ الوصية، ويكون الخطاب له بألا يغيرها ويجور فيها، ثالثاً: الورثة، ويكون الخطاب لهم بألا يحولوا بين المال وبين وصوله لمن أوصى له به صاحب المال.

стр. 152

تفسير قوله تعالى: (فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً) أما قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٨٢]. الجنف: هو الميل والعدول عن الاستواء، والفرق بين الجنف والإثم: أن الجنف هو الخطأ من غير عمد، وأما الإثم: فهو الجور بعمد. ومعنى: (خاف) في قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة:١٨٢] أي: توقع وغلب على ظنه وعلمه، فمثلاً: تريد أن تخرج الساعة الثانية ظهراً والسماء ملبدة بالغيوم، فقررت أن تخرج الساعة الواحدة والنصف، فسألك بعض من يعرف موعدك: لم بكرت؟ فتقول: أخاف أن تمطر السماء، والمعنى: أتوقع أن تمطر السماء، أو يغلب على ظني أن تمطر السماء فتعيقني، فهذا معنى قول الله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة:١٨٢] ويصبح المعنى هنا: أن الوصي أو من كان حاضراً إذا غلب على ظنه أو توقع أن الميت -ونسميه ميتاً باعتبار ما سيكون، وإلا فعند ما يوصي الإنسان فإنه يكون في حالة رشد وقدرة- يريد أن يضر بالورثة، فيوصي بأكثر مما ينبغي، أو أن يكون المال قليلاً لا يحتمل أن يوصي منه، فتدخلت بكلام طيب هين لين تخشى فيه من وقوع هذا الميت في الخطأ إما بعمد أو بغير عمد، فهذا ليس كالأولين الذين خوطبوا بقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة:١٨١]، فقد اختلف الوضع، فالأولون يريدون الإفساد؛ فلذلك حذرهم الله وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١]، وأما الآخر في الآية الأخرى فقد أراد الإصلاح والذي أشكل على أهل العلم هو أن المصلح يأتي التذييل على أنه يثاب، فلِمَ قال الرب جل وعلا: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٨٢]؟ ويمكن توجيه الاسمين الكريمين من أسماء الله الحسنى هنا على الأمرين، فيصبح: أن الموصي -وهو الميت- لو أخطأ أو تعمد الخطأ فحذره أو نبهه من هو عنده فرجع عن خطئه، فكأن الله يقول: فإن الله غفور له ما كان منه في الأول؛ لعودته إلى الحق، ورحيم بمن أرشده ودله على أن يعدل عن الخطأ والإثم، فينصرف (غفور) إلى الذي أخطأ ثم آب، و (رحيم) إلى من أرشده ودله على الخير، وبهذا فيما يبدو لنا يستقيم المعنى.

стр. 153

من فوائد آيات الوصية نعود للصناعة اللغوية في الآية، يقول الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٨٠] أي: إن حضرت مقدمات الموت، وإلا فالموت إذا حضر فلا يمكن لأحد وقته أن يتحدث أو يوصي أو يقول شيئاً، والإنسان عند الموت تغلب عليه جبلّته ويفيء إلى أصل نبتته، فالذي هو ذو غرس جيد، ومعدن محكم، وأصل في الناس، حتى ولو صاحب حياته أخطاء على بعض قراباته ومن حوله، فإنه إذا دنا الموت يشعر بالندم، فيحاول أن يعوض ويتراجع، وأما والعياذ بالله من كان سيء السريرة أصلاً وخبيث النفس، واللؤم فيه متحكم، فإنه حتى لو دنى الموت يزيد الأمر وبالاً. والخير في القرآن ورد كثيراً بمعنى: المال، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] لكن هنا ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٨٠] فيها إشعار لغوي أنه ليس كل مال يوصى منه، إلا ما اجتمع فيه أمران: الأول: الكثرة، ومرد القلة والكثرة إلى العرف. والأمر الثاني: أن يكون مكتسباً من وجوه حسنة مباحة، فالمال إذا كان وفيراً مكتسباً من وجوه حسنة فهو الذي يتأتي فيه الأمر القرآني بأن تكون فيه الوصية، وهذا الذي يفهم من السياق اللغوي لقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]. وقد جاء في أثر عند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: (أن أحد الصحابة جمع أكبر بنيه وقال له: ادع إخوتك، فدعاهم، فقال لهم: إنني أريد أن أوصي وأبدأ بيتيم في حجري، ولما قال: يتيم، معناه: أن هذا اليتيم ليس ابناً لهذا الموصي، فأوصى له بمائة من الإبل والنياق، وكانت تسمى المطيبة عند العرب، فقال الأبناء وهم يتهامسون: إننا وإن رضينا بهذا في حياة أبينا فلن نقبل به بعد وفاته، فذهب الأخ الأكبر وأخبر أباه، فقال الأب: -وما أسعدهم من جيل لأنهم يحتكمون إلى رسول الله ﷺ بيني وبينكم رسول الله، فحمل أبناءه ومعه اليتيم إلى رسول الله ﷺ ، فلما أقبل على النبي ﷺ ذكر له القضية، فلما قال: مائة غضب ﷺ وتغير وجهه، وقال: (لا لا لا) ثم قال: (خمسة، عشرة، خمسة عشر) ويرتفع حتى أوصلها ﷺ كحد أقصى إلى أربعين فقال: (فإن أبيت فأربعون) وهو أراد أن يعطيه مائة، وهذا من دلالة كمال عقله ﷺ ؛ لأن هذا يفضي إلى النزاع، ويفضي إلى سوء ظن الأبناء بأبيهم، وقد يفهم منه أنه أراد الفخر والخيلاء؛ إذ حرم من لهم الحق فوزعه في غير مكانه، فقال ﷺ : (فإن أبيت فأربعون)، ثم إن النبي ﷺ كأنه أعجب باليتيم؛ إذ معه هراوة يضرب بها الجمال، فقال: (ما أعظمها من هرواة بيد يتيم!). ثم إن الرجل قبل أن يودع النبي ﵊ قال: (يا نبي الله إن لي أبناء وإن منهم ذوي لحى -أي: كباراً- وإن أصغرهم هذا وكان اسمه حنظلة وهو غير اليتيم -فادع له، فوضع النبي ﷺ يده على جبهته وقال: بارك الله فيك) ثم إن هذا الشاب بعد وفاة النبي ﷺ كان يؤتى له بالرجل الذي فيه ورم، أو بالبهيمة التي في ضرعها ورم ليقرأ عليهما أو على أحدهما فيضع يده، ثم يسمى الله، ثم يتفل فيها، ثم يضع يده على موضع يد رسول الله ﷺ من وجهه، ثم يضع على الورم سواء كان في رجل أو في بهيمة فيزول ذلك الورم.

стр. 154

تفسير قوله تعالى: (يا آيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٤] إلى آخر الآيات. قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٨٣] هذا نداء كرامة مر معنا نظائر له من قبل، ومعنى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: فرض. والصيام في اللغة كما تعلمون: الإمساك، سواء كان عن كلام أو عن غيره، ويقال: صامت الريح إذا ركدت وسكنت، ويقال: صامت الخيل، إذا لم تعلف، ومنه قول رؤبة بن العجاج: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وأما في الشرع: فهو الإمساك عن المفطرات من وقت مخصوص إلى مثله؛ يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: فرض ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]. ما وجه الشبه بين صيامنا وصيام من قبلنا؟ هل ذلك في الكيفية؟ أم في الأيام؟ كل ذلك محتمل، لكن لا نستطيع أن نجزم به، بمعنى أن الصيام فرض على الذين من قبلنا لكن هل فرض عليهم رمضان؟ هذا ظاهر القرآن لكن لا نجزم به، فهل كانوا يصومون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؟ هذا ظاهر القرآن أيضاً لكن لا نستطيع أن نجزم به، وإنما الذي نجزم به أن الصيام عبادة تعبد الله بها من قبلنا. ثم قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] وقال بعدها بآية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وجمهور المفسرين على أن شهر رمضان في الآية المذكورة والمبدوءة بالمبتدأ هو تفصيل وإزالة إبهام من قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وعندي أن هذا خلاف الصحيح. والمعنى أن ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: في أول الأمر، ثم عقب بقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] فقد تكون يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] يقضي فيها صيام الثلاثة أيام، فليست لها علاقة برمضان. ثم قال سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: يطيقون صيام ثلاثة أيام ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] بمعنى: أنه مخير وليس بواجب عليه، لكنه لو أفطر يعجل إلى الفدية، ثم قال سبحانه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] إما أن تكون زيادة في الفدية، أو جمع ما بين الصيام والفدية ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] والمعنى: أنكم إذا كنتم تقدرون على الفدية، وتقدرون على الصيام فالصيام في حقكم أولى، ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]. ثم ارتفع الأمر وارتقى إلى تكليف أكبر، فنسخت الثلاثة الأيام، وحل بدلاً منها شهر رمضان، فليس شهر رمضان هو الأيام المعدودات، ويصعب عندي في لغة العرب أن يقال لشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوماً: إن أيامه أيام معدودات وقول بعض الوعاظ بهذا هو قول جمهور المفسرين، لكنني لا أستحسنه.

стр. 155

تفسير قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي: حضره ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: فليصم الشهر. فهذا النص أوجب صيام رمضان، وليس قوله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤]؛ لأن الأولى تتكلم عن الثلاثة الأيام لا عن شهر رمضان. ثم قال الله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: من حضره الصيام وهو من أهل رمضان وهو في سفر أو كان مريضاً ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وبهذا يفهم أن التكرار هنا يتكلم عن قضيتين، لكننا لو جعلنا شهر رمضان بدلاً من أيام معدودات يصبح التكرار مرتين، وهذا ينزه عنه كلام الله، لكن الأولى في قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] أن تحمل على أن المراد الثلاثة الأيام، وأما قول ربنا في الثانية: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] فهو يتكلم عن شهر رمضان؛ لأن الآية عندنا في الأول منسوخة. وقوله تعالى: ((وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ)) بتقدير فأفطر، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، ويلاحظ هنا أنه لا ذكر لقضية التخيير، ولا ذكر لقوله جل وعلا: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] ولا ذكر كذلك للفدية؛ لأنه لا يوجد إلا صيام وقضاء. ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]، قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة:١٨٥] تعليل لأمره جل وعلا بالقضاء في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقوله ﵎: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] هذا عند إكمال العدة. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: على ما أباحه لكم من الفطر حال السفر، أو حال المرض، وبهذا في ظننا تستقيم الآيات، ويمكن تجنب ظن تكرار ﴿مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وهذا خلاف ما عليه جمهور أهل التفسير، فالجمهور على أن شهر رمضان هو نفسه المقصود بأيام معدودات، ويقولون: إن بعض الآيات منسوخة وبعضها غير منسوخ كما هو محرر في كتب الفقهاء.

стр. 156

المراد بقوله تعالى: (أنزل فيه القرآن) هذا الإطلال العام للآية، وأما الإطلال الخاص فإننا نقول قال الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] اختلف العلماء في المقصود بـ ﴿أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] على قولين: القول الأول: أن القرآن نزل كاملاً من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في شهر رمضان، وهذا قول لـ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. القول الثاني: -وهو الذي أرجحه-: أن المقصود ابتداء نزول القرآن على نبينا ﷺ ، وكان في شهر رمضان، وقد جاءت آثار تدل على أن كتب الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كالتوراة والإنجيل والزبور كلها أنزلت في شهر رمضان. ثم جاء تكرار في الآية وهو أن الله جل وعلا قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ وقال بعدها: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. والجواب عن هذا التكرار أن يقال: إن الهدى الأول هو الهدى الذائع العام الذي يكاد يعرفه كل أحد في القرآن، ولهذا قال: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٥]، وأما الهدى الثاني فهو من غوامض القرآن الذي لا يدرك إلا بالاستنباط، فلا يعرفه إلا العلماء.

стр. 157

قاعدة: المشقة تجلب التيسير أخذ العلماء من قول الله جل وعلا -ونحوه في القرآن-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] القاعدة التي تقول: إن المشقة تجلب التيسير. وقال بعضهم: قد أسس الفقه على رفع الضرر وأن ما يشق يجلب الوطر والوطر: معناه السعة والتخفيف، هذا مما استنبطه العلماء من قول الله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. وكذلك يمكن القول في هذه الآيات المباركات جملة ما قاله الإمام الذهبي ﵀ -ويحسن أن يستشهد بها الخطباء إذا خطبوا عن رمضان-: وعند المؤمنين مقرر أن من أفطر يوماً من رمضان عمداً من غير عذر فهو شر من الزاني ومدمن الخمر، ويظنون به الزندقة والانحلال. وهذه العبارة عندما قرأتها للذهبي عددتها من أفضل ما قرأت للعلماء في الاستنباط من أحكام الشرع، وتقنينه بلغة فقهية وعظية راقية.

стр. 158

تفسير قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) ثم قال العلي الكبير: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. فالله ﵎ قريب في علوه، وعلي في دنوه، وهذه العبارة قالها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي من أجمل ما نقل عنه عند الكلام على باب الأسماء والصفات. فما ذكره جل وعلا من علوه وفوقيته لا يتنافى مع ما ذكره جل وعلا من قربه ومعيته. وقال الصحابة ﵃ -فيما ورد عنهم في سبب نزول هذه الآية-: يا نبي الله! أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ [البقرة:١٨٦] فأضافهم إليه إضافة تشريف، ولم يقل فقل لهم، وإنما اختصرت الطرائق اللفظية؛ لتبين لك اختصار الطرائق المعنوية، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] ولم يأت في القرآن جواباً بالسؤال هكذا إلا في هذا الموضع. ثم قال سبحانه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، وهنا لا بد من تحرير وجه الخلاف في المعنى ما بين الاستجابة والإيمان، فنقول: هما متلازمان، فلا استجابة إلا بإيمان، والإيمان يدل على الاستجابة، لكن من حيث التحرير اللفظي الاستجابة تتعلق بالجوارح، والإيمان يتعلق بالقلوب. ثم قال الله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] ولا ريب أن الاستجابة لأمر الله مع الإيمان به جل وعلا ودعائه هو منتهى الرشد، فلا حصول للرشد الحق إلا بالإيمان به جل وعلا، واستجابة الجوارح لأوامره ونواهيه، مع دعائه ﵎. والآية ظاهرة المعنى في فضل الدعاء والثناء على الرب ﵎، وهذا قد بسطنا القول فيه كثيراً في أكثر من موضع.

стр. 159

تفسير قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) قال الله جل وعلا بعدها في ختام آيات الصيام: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] إلى آخر الآية. قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] فيه إشعار أنه كان محرماً وإن كنا لا نملك دليلاً صريحاً على ذلك، لكن قال جمهور المفسرين: كان المسلم آنذاك في عهد الصحابة يحق له إذا أفطر أن يأكل ويشرب ويجامع إلى أن ينام، فإذا نام ثم استيقظ لا يحق له بعد ذلك أن يأتي أهله، هذا المشهور عندهم، وخالف فيه بعض العلماء، لكن لا شك أن قول الله جل وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] فيه دلالة على أنه كان محرماً. وقوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] الرفث: في الأصل ما قبح من القول وفحش، وهو هنا مقدمات الجماع. وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] يذكر العلماء هنا لطيفة حسية ولغوية، فقالوا: يفهم منه الالتصاق والقرب، والالتصاق والقرب يصعب معه البعد، فمعنى الآية: إذا كان حالكم مع أزواجكم حال مخالطة والتقاء بشرة ببشرة، فمن الصعب أن تصبروا عنهن، فرحمة بكم أحللنا لكم أن تأتوهن ليلاً في رمضان، فتصبح هذه الآية مبينة لقول الله جل وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: يحصل منكم رغبة في الوصول إلى الزوجات، وربما وقع من بعضكم وصول إلى الزوجة؛ فيكون قد خالف الأمر الشرعي. وقوله: (تختانون) مأخوذ من الخيانة، كما أن الاكتساب مأخوذ من الكسب، يقال: خان الرجل الرجل، إذا غدر به، وخان الرجل العهد إذا نقضه، وخانني الدهر إذا تغير حاله من خير إلى شر، وخان السيف إذا نبا، ومعنى: نبا السيف، أي: لم يقطع، ويقولون: لكل صديق جفوة، ولكل عالم هفوة، ولكل سيف نبوة، ويقولون: خانتني رجلاي فلم أمش عليها، إما لخوف أو لفزع، والأصل أنك تمشي عليها. وكان شوقي ﵀ محباً لـ مصطفى كامل، وهو زعيم مصري سياسي، وبينهما علاقة وطيدة، ولكن شوقي كان يمنعه من بره شعراً أن صديقه خارج على حكومته، ومؤسس لحزب معارض للقصر، وشوقي نشأ في قصر، ولقد ولدت بباب إسماعيل. فلما مات مصطفى كامل توقع شوقي أنه سيرثيه بمرثية قل سماعها؛ لما بينهما من صحبة، ولأنه ينتظر هذا اليوم، ولأن أصحاب القصر لن يعنفوا شوقي على رثاء مصطفى كامل؛ لأن مصطفى كامل قد أمن شره بموته، فعندما أراد شوقي أن يرثيه لم يرق بمرثيته إلى ما يريد، والمرثية مطلعها: المشرقان عليك ينتحبان قاصيهما في مأتم والداني إلى أن قال: وأنا الذي أرثي الشموس إذا هوت فتعود سيرتها إلى الدورانِ ماذا دهاني يوم مت فعقني فيك القريض وخانني إمكاني وموضع الشاهد قوله: وخانني إمكاني، فقلنا: إن الخيانة أن تؤمل شيئاً فلا يقع كما كنت تؤمله.

стр. 160

أهمية إلجام النفس بلجام التقوى إذا ضعف إيمان العبد -وهذا إذا تأملته في الناس تجدها ظاهراً- وشعر بالنقص في أي مكان ترقب الناس فيه كمالاً ثم وقع منه نقص أو هفوة أو جموح أو عدم وصول إلى مقصود فإنه تضطرب نفسه، فإذا اضطربت نفسه جمحت إما لسيئ الأفعال أو الأقوال، فإن كان تقياً ألجمته التقوى ألا يخرج منه ما ليس محموداً؛ ولهذا قال النبي ﵊ في المنافق: (إذا خاصم فجر)؛ لأنه يشعر بالغلبة فتؤزه نفسه إلى أن ينتصر، ولا يوجد لجام من التقوى، فيحصل فجور في الخصومة، فـ شوقي ﵀ وعفا عنه- عندما قال هذه القصيدة وخانه إمكانه، وعقه قريضه، ولم يستطع أن يقل شيئاً يرقى إلى ما رأد أن يرثي به مصطفى كامل، جنح إلى الآثام فقال: لو كان في الذكر الحكيم بقية لم تأت بعدُ رُثيت في القرآن مصر الأسيفة ريفها وصعيدها قبر أبر على عظامك حاني أقسمتُ أنك في التراب طهارة ملَك يهاب سؤاله الملكان وهذا فحش من القول وكفر، لكن ما الذي دفع شوقي إليه؟ هو إباء كبره الشعري إلا أن يظهر، وقلت: لا لجام تقوىً حقيقي يمنعه فأطلق لنفسه العناء، وهذا قابل لأن يعترينا جميعاً، ولذلك لا لجام مثل لجام التقوى، ولما مر عمر ﵁ على تلك المرأة فسمعها تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني ألا حبيب ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لحرك من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يكفني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه ففي هذه الأبيات أمور غير مقبولة، لكن لما ذكرت مخافة الله قال عمر رضي الله تعالى عنه: نعم اللجام لجام التقوى. فأنت عندما تريد أن تنشئ أحداً تحت عينيك: ابنك أو طالبك فإنك لن تسقيه شيئاً أعظم من لجام التقوى، وأما المعلومات والمعارف فسيصل إليها ذات يوم، لكن أعطه المنهج العام والطرائق التي يصل بها إلى مقصوده، ثم عظم الله جل وعلا في قلبه، وليكن خطابك الدعوي والعلمي مبني على أن تعظم الله جل وعلا في القلوب، وأما المعلومات والمعارف، أو نثر الأحكام، أو رفع الصوت في الوعظ فهذا كله لا يقدم ولا يؤخر إن كان الذي تخاطبه محروماً من معرفة الله جل وعلا؛ إذ أن القضية عنده ليست قضية علم، وإنما هي قضية ألا لجام من التقوى يمنعه من أن يصل إلى المعاصي.

стр. 161

معنى قوله تعالى: (وابتغوا ما كتب الله لكم) الآية قول الله جل وعلا: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] هذه آية عامة، لكن أول من تنصرف إليه هو الولد. وقوله سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] هذه ظاهرة، وإن كانت أشكلت على بعض الصحابة، لكن المقصود حتى يتبين الفجر الصادق من الفجر الكاذب. ثم قال الله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] فالإسلام يرقى بأتباعه في قاعدة تحتمل الجميع، لكن القواعد -كلما علت المنازل- لا تحتمل إلا القليل، حتى تصبح لا تحتمل واحداً. فالصيام منزلة جبرية، بمعنى: أنه فرض علينا جميعاً في حالة الصيام ألا نأتي أهالينا إلا ليلاً، وأما المعتكف فليس له أن يأتي أهله ليلاً، وهي منزلة أضيق، فقال: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] وقبل قليل قال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، ومعلوم لديكم أنه ليس كل الناس عاكفين في المساجد. وظاهر القرآن أن أي مسجد يعتكف فيه، فالاعتكاف من الناحية الفقهية يقع على ثلاثة أوجه: يقع سنة، ويقع مندوباً، ويقع واجباً. فيقع سنة في العشر الأواخر من رمضان، ويقع مندوباً في كل وقت، إلا العيدين؛ لأنه لا صيام فيهما، ويقع واجباً إذا نذر، فألزم نفسه. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٧] الحمد لله الذي بين لنا آياته، فنسأل الله كما بين لنا آياته أن يرزقنا التقوى والعمل بها، هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، والله المستعان، وعليه البلاغ، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 162

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١٥] لقد حذر الله المؤمنين من أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، أو أن يستميلوا الحكام إليهم بالمال ليأخذوا مال الغير. وكذلك نبههم الله تعالى إلى أن يسألوا الرسول في الأمور الدينية التي تنفعهم وتقيم دينهم، وعدم السؤال في أمور الدنيا التي تعرف بالتجربة والخبرة. وكذلك حذرهم من أن يلقوا يأيدهم إلى التهلكة، فالتهور ليس بمنقبة كما أن الإحجام في غير وقته ليس بمنقبة، فالإقدام يكون في الوقت المناسب، والإحجام يكون كذلك في الوقت المناسب. ثم أمرهم بالإنفاق في سبيل الله تعالى فإن ذلك طريق من طرق الفلاح والنجاح.

стр. 163

تفسير قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: كنا قد انتهينا في اللقاء الماضي إلى آيات الصيام, ونزدلف اليوم إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨]. معلوم أن الإنسان -إذا أجرينا الأمور على حقيقتها- له أن يأكل من مال نفسه, لكن قول ربنا جل وعلا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٨] هذا ما يسمى بإقامة الأخ مقام النفس, فأقام الله هنا الأخ مقام النفس, وفي هذا إشارة إلى أن المجتمع المسلم مجتمع يختلف كثيراً عن غيره من المجتمعات, ذلك أن الإسلام يربي أتباعه على أن يكونوا كالجسد الواحد، وقد تظافرت نصوص القرآن والسنة على هذا. وقوله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] له من الناحية الفقهية صورتان: الصورة الأولى: صورة ناتجة عن الظلم، كالسرقة والنهب والغصب والاختلاس, فهذه صور تحمل معنى القوة, وتحمل معنى الظلم في الوصول إلى أموال الناس. والصورة الأخرى: صورة لا تحمل معنى الظلم ولا التسلط، وإنما يكتسب من خلالها حراماً، مثل صورة بيع الخمر, أو لعب القمار, وأمثال ذلك من المكاسب المحرمة التي لا تحمل معنى القوة والتسلط, لكنها تحمل معنى الطرائق المحرمة التي لو تمت بالاتفاق لكانت من أكل الأموال بالباطل، كأخذ أموال الناس ربا, فلو تم الربا باتفاق وتراض فإنه كون من أكل الأموال بالباطل؛ لأنه طريق محرم في كسب المال. فقول الرب تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة:١٨٨] معناه: أن هذه الأموال التي إذا قدر أن جمعتموها بالباطل تكون أشد إثماً وأعظم جرماً مما إذا كنتم تتوصلون بها إلى ميل الحكام وجورهم لأجلكم, والحكام يدخل فيها الحاكم أولاً, ومن ينيبهم من القضاة, والذين لهم حق الفصل بين الناس, ومن جعل الله بيدهم أمراً أو نهياً أو نواصي الخلق. ثم قال تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:١٨٨] فالمال الذي نتشفع ونتوصل به إلى استهداء الحاكم أن يكون معنا ضد غيرنا ينجم عنه أن الحاكم سيمالئنا ويميل إلينا لو رفعت إليه خصومة نحن أحد طرفيها, وهذا كله بسبب ما قدمناه له من أموال، وتسمى في عرف الشرع: رشوة, وألبسها اليوم الناس لباس الهدايا وغير ذلك من التذكار وأشباهه, فيكون الوصول إلى ما نريد عن طريق إقامة علاقات مالية غير جائزة شرعاً يراد بها أن يغض الطرف عنا. وقد جرت سنة الله في خلقه عموماً إلا من ألجم بالتقوى، أن من أطعمت فمه غضت عنك عينه, ولذلك فالأحرار من الرجال يأنفون أن يكون لأحد عليهم منة؛ حتى لا تدفعهم تلك المنة إلى أن يغضوا طرفاً عما لا يليق, قال البارودي -وهو يعتبر عند أهل الأدب مجدداً للشعر العربي بعد كبوته-: خلقت عيوفاً لا أرى لابن حرة علي يداً أغضي لها حين يغضبُ والمقصود من الآيات: أن الله جل وعلا يريد من المجتمع أن يكون الحق هو السائد فيه, والمهيمن عليه, وأن الناس لا يأكل قويهم ضعيفهم, وطرائق هذا الأمر ألا يكون للحكام ومن ينيبونهم طريق إلى الغير, وهذا الطريق إلى الغير يكون بعدم إعطائهم ما يستدرجون به حتى يكونون في صفنا على غيرنا, هذا مراد الله جل وعلا من الآية, وقد جاءت بعد آيات الصيام التي حذرت من شهوتي الفرج والبطن. ولما كان حب المال متأصلاً في الناس قال الله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]، فحرم الله جل وعلا الباطل في كسبه، واستخدامه فيما هو أشنع منه, كالوصول إلى رضى الحكام الذي ينجم عنه أن تؤكل أموال الناس بالباطل, قال الله: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨].

стр. 164

تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة) قال ربنا -وهو أصدق القائلين-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] وجاء الجواب القرآني: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]. ثمة في أسلوب العرب في كلامها أسلوب يسمى أسلوب الحكيم, وأسلوب الحكيم يمكن إجماله في جملة واحدة وهي: تلقي السائل بخلاف الذي يطلبه, فأنت تجيبه جواباً غير متوقع من لدنه, لكن هذا الجواب أشد فائدة له. ومنه أن جماعة جاءوا إلى النبي ﷺ -قيل: إنهم بعض الصحابة, وقيل: إنهم بعض اليهود, ولا يتعلق بمعرفة القوم كبير علم أو خلاف- فسألوه عن الهلال: لماذا يبدو دقيقاً ثم يكتمل ثم يعود كما كان؟ فالله يجيبهم على ما ينبغي أن يكون عليه السؤال، فليس السؤال عن علة كونه يبدو هكذا بأحق من السؤال عن الغاية من كونه على هذه الحالة، فنقلهم الله من السببية إلى الغائية أو الغاية, فبين الله جواب ذلك بقوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وذكر الحج بعد قوله: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٩] وهو ذكر خاص بعد عام, فالحج يدخل في قول الله جل وعلا: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٩] ومواقيت: جمع ميقات, كما أن مواعيد جمع ميعاد، والميعاد بمعنى الوعد, والمواقيت بمعنى: الوقت, فهي ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٩]، فالزكاة تعرف بالأهلة إذا حال الحول, والعدد للنساء تعرف بالأهلة, وما يكون بين الناس من مواعيد تضبط عن طريق الأهلة, وجميع مصالح الشرع معلقة بالأهلة. وقد مر معنا أن المصالح الدنيوية المحضة معلقة بالشمس, وأما المصالح الشرعية فهي معلقة بالهلال, والشمس والقمر كلاهما آيتان من آيات الله، ويسميان: القمران. ولماذا أفرد الله الحج؟ جرت عادة العرب في الشيء الذي تملكه وتعرفه من قبل أن تقدم وتؤخر فيه, فالزكاة والصلاة لم يكن للعرب عهد بها, فلهذا لا تملك تغييرهما, وأما الحج فكانت العرب تعرفه قبل الإسلام، كما كانت تعرف الأشهر الحرم كذلك قبل الإسلام, وقد أدخلوا التقديم والتأخير والزيادة والنقصان في الأشهر الحرم, ولهذا قال الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] فحتى لا يحصل لأشهر الحج ما حصل للأشهر الحرم قال الله جل وعلا -مفرداً للحج وحده-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وهذا نوع من التوطئة والتمهيد لما يأتي بعدها. ثم قال ربنا: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]. فأي شيء تطلبه على غير وجهه فهو من إتيان البيوت من ظهورها, فإذا طلبته من وجهه كان من إتيان البيوت من أبوابها, فيقول ربنا: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة:١٨٩] والنبي الخاتم ﷺ يسأل عما يتعلق بمصالح الدين والآخرة، وأما ما لا يتعلق بمصالح الدين والآخرة أصلاً فلم يبعث من أجله, فالمسألة إما بر أو شأن دنيوي محض. فكأن الله يقول: الشأن الدنيوي المحض ليس لكم أن تسألوا النبي ﷺ عنه؛ لأنه لم يبعث لهذا, فكون الهلال يبدأ صغيراً ثم يكبر ثم يعود كما كان وهذا شأن دنيوي محض أنتم -أيها الأخيار من أصحاب محمد- منزهون أن تسألوا نبيكم عن مثل هذا, فلم يبق إلا الشأن الديني الذي تجمعه كلمة بر. والبر: اسم جامع لجميع صفات الخير، وهناك طرائق للبر ينبغي أن يسأل عنها النبي ﷺ ، ولهذا نهاهم أن يأتوا البيوت من ظهورها، أي: أن يسألوه من غير الوجه اللائق، وإنما إدراك الأشياء يكون باتخاذ الأسباب الموصلة إليها, فلذا قال الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]. لكن القرآن دائماً يجعل التقوى في طيات الأوامر الشرعية كلها؛ لأنها هي المقصود الأسمى من العباد.

стр. 165

تفسير قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]. معنى: ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] أي: ظفرتم بهم ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة:١٩١] وقد أخرجوا المسلمين من مكة, وقد وقع هذا للمسلمين بأن فتحوا مكة, فحققوا قول الله: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩١] فما وقع منهم من فتنتكم في الدين حتى يردوكم عن دينكم إلى الشرك؛ أعظم من كونكم تقاتلونهم لتسفكوا دماءهم. ثم قال تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة:١٩١] وهذا من إطلاق المسجد الحرام على مكة, وفيه بيان لحرمة مكة عند الله, وفي الحديث: (إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض). وهذا نزدلف به إلى الخلاف القائم بين العلماء: أيهما أفضل مكة أم المدينة؟ جماهير العلماء على أن مكة أفضل من المدينة, ولهم في ذلك دلائل وقرائن من أشهرها: أن الله جل وعلا جعلها موئلاً للخليلين: محمد وإبراهيم ﵉. والنبي ﷺ يقول: (إن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف). ولأن الكعبة في مكة وهي بيت الله. ولأن الله جل وعلا أوجب الحج إلى مكة وإلى بيته العتيق لا إلى غيره, وغيرها من القرائن كثير. وذهب الإمام مالك ﵀ -وهو المشهور عن عمر وابنه عبد الله - وجمهور أتباعه إلى أن المدينة أفضل من مكة؛ لسكنى النبي ﷺ فيها, ولأن النبي ﷺ قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة). وقال في حديث آخر: (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) فقالوا: إذا كان موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها, فكيف ببلدة فيها روضة من رياض الجنة! وبعض العلماء يفصل فيقول: إن مكة أفضل، ولا يمكن لما فقهه مالك أن يصادم تلك النصوص الشرعية, لكن يقولون: إن المجاورة في المدينة أفضل من المجاورة في مكة. والعلم عند الله. يقول الله: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]؛ لأن هذا نوع من القصاص ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩١ - ١٩٢]. وقطعاً أن الشرك لا يدخله الغفران, فما معنى قول الله ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [البقرة:١٩٢]؟ أي: انتهوا عن الشرك لا عن القتل، وهذا قيد لا بد لك أن تفقهه؛ لأنهم إن بقوا على شركهم ولم يقاتلونا فلن يغفر لهم. فقوله: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [البقرة:١٩٢] أي: عن قتالكم وعن الشرك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٢].

стр. 166

تفسير قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩٣]. قوله: ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣] قال العلماء: حتى لا يكون تقول ينجم عنه اضطهاد الناس في دينهم, ولما حصلت ولاية ابن الزبير اقتتل الناس كثيراً مع أتباع يزيد، وجيء لـ عبد الله بن عمر الصحابي المعروف, ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فقيل له: ألا تقاتل والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣]؟ فقال ﵁ وعن أبيه: لقد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وكان الدين لله -يقصد: أيام النبي ﷺ ، وأنتم اليوم تقاتلون حتى تكون فتنة, وشتان ما بين القتالين. قوله: وأنتم -يخاطب الخوارج- تقاتلون اليوم حتى تكون فتنة. ومعلوم أن هذا حصل أيام عبد الله بن الزبير ويزيد بن معاوية، وأيام خروج عبد الله بن الزبير على يزيد، فقد أرسل يزيد مسلم بن عقبة المري , وأراد أن يرسل أولاً عبيد الله بن زياد , لكن عبيد الله بن زياد باء بمقتل الحسين , فأراد أن يبعثه يزيد إلى مكة، لكنه أخذ درساً من الأولى, فقال -أي: عبيد الله بن زياد -: والله لا أبوء بهما جميعاً, أي: قتل الحسين وغزو مكة، اعفني, فسلم القيادة لرجل اسمه مسلم بن عقبة المري، وكان شيخاً كبيراً في السن, فبدأ بقتال أهل المدينة, ثم انتقل إلى ابن الزبير، فقاتل أهل المدينة حتى وقعت موقعة الحرة، فأسماه أهل المدينة مسرفاً بدلاً من مسلم , يقول قائلهم: هم منعوا ذماري يوم جاءت كتائب مسرف وبني اللكيعة وعلى يده استبيحت المدينة، ثم أراد أن يتوجه إلى مكة -وقلنا: إنه خرج وهو شيخ كبير- فمات, فوكلت القيادة إلى غيره, ومات يزيد بعده أو قبله. المهم أنه قبل أن يصل جيش الشام إلى مكة مات يزيد، وأعلن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه الخلافة على الحجاز, وتبوأ الخلافة في الشام معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ولما ولي سب ابن زوجته, وهو شاب نشأ في حجره، فلما سبه وعيره بأمه التي هي زوجته -وهذا الابن من رجل آخر- ذهب الرجل يشتكي مروان بن الحكم عند أمه, فاغتاضت الزوجة وقالت له: إنه لن يسمعك إياها بعد اليوم, يعني: بيتت قتله، فلما قدم إليها قتلته خفية في داره، وذلك أنها اجتمعت عليه هي وخدمها، فلما مات مروان أعلن عبد الملك الخلافة له, فانتقلت الخلافة -كما يقول المؤرخون- من البيت السفياني إلى البيت المرواني نسبة إلى مروان بن الحكم، فصار الأمويون بعدها يقال لهم: بنو مروان، وهذا معنى قول شوقي: مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى أو المحراب مروانُ فيقصد بالمصلى والمسجد مسجد بني أمية. فلما ولي عبد الملك أمر الحجاج فحاصر ابن الزبير في مكة، وضربها بالمنجنيق حتى احترقت أستارها، وهو لا يريد حرق الكعبة فهذا كفر، لكنه أراد قتال ابن الزبير، حتى قتل ابن الزبير ﵁ وآل الأمر إلى الحجاج، وبالتالي إلى عبد الملك بن مروان.

стр. 167

تفسير قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام) قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة:١٩٤]. الحرمات: جمع حرمة، كما تقول: حجرات جمع حجرة، والحرمة: الشيء الذي ينبغي أن يحفظ ويصان ولا ينتهك, فكلما ينبغي أن يحفظ ويصان ولا ينتهك يسمى حرمة. أما تفسير الآية: فأنت تعلم أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر، وكلهن في ذي القعدة, وذو القعدة شهر حرام, والأشهر الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد, فالثلاثة السرد ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، وأما الفرد فهو رجب. فالنبي ﷺ اعتمر في ذي القعدة، وذو القعدة شهر حرام, وفي ابتداء عمرته في يوم الحديبية ردته قريش, فلما ردته انتهكت ثلاث حرمات: حرمة الشهر الحرام الذي هو ذو القعدة، وحرمة البلد الحرام الذي هو مكة, وحرمة العمرة التي أحرم لها. فرجع النبي ﷺ وحل من إحرامه, فقريش بهذا انتهكت ثلاث حرمات, لذا قال الله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة:١٩٤]، ولاحظ كلمة (قصاص) يعني: مساواة, وقلنا آنفاً: إن قريش انتهكت حرمة الشهر، وحرمة البلد, وحرمة الإحرام, ونظيره في السياسة قول عائشة -لما قتل عثمان: لقد انتهك الخوارج ثلاث حرمات: حرمة الشهر الحرام ذي الحجة، وحرمة البلد وهو المدينة، وهي بلد حرام, وحرمة الخلافة. فأمر الخلافة شرعاً أمر معظم, ولهذا الصحابة ﵃ قبل أن يدفنوا نبيهم ﵊ أجمعوا أمرهم على أبي بكر؛ لعلمهم بحرمة الخلافة ومكانتها, فقتلة عثمان انتهكوا ثلاث حرمات، والذين صدوا النبي ﷺ انتهكوا ثلاث حرمات كما قدمنا. لكن النبي ﵊ اعتمر ذلك العام، فعمرة الحديبية كانت عام ستة, وما يسمى بعمرة القضاء كانت عام سبعة، وعمرة الجعرانة كانت عام ثمانية، والرابعة كانت مع حجه ﵊ في السنة العاشرة. والمقصود: أن النبي ﷺ بعد أن أخلت قريش مكة له دخلها ﵊، ونزحوا إلى الجبال, فهذا معنى قول الله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة:١٩٤]، وكأن الله يقول: ردوك يا نبينا عام ستة فأدخلناك إياها عام سبعة, فكل الثلاث عادت، فأحرم ﷺ في ذي القعدة, ودخل البلد الحرام وبقي على إحرامه ﵊. وهذه الآية -وهي: قول الله تعالى-: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] يطنب فيها الفقهاء؛ لأنها تحتمل عدة أشياء, فإنسان أخذ مالك ثم ظفرت بماله أتأخذه أم لا تأخذه؟ فيها أقاويل خلاصتها: لو تسلط أحد ما على مالك ثم وقفت على ماله بقدر الذي أخذ منك جاز لك أن تأخذه, ولا يسمى سرقة ولا نهباً ولا ظلماً؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]. فمثلاً: إذا خدعك شخص ما فأخذ منك عشرين ألفاً, ثم اكتشفت بتعاملك معه أنه أراد خداعك, فقال: أقرضني, ثم أنكر, وأنت وثقت به فأعطيته عشرين ألفاً, فما لبث أن أنكرها وجحدها، ثم لم يلبث أن وقفت على عشرين ألفاً له: إما وجدتها على مكتبة أو في درج سيارته، أو ما أشبه ذلك, واستطعت أن تحصل عليها، فلك أن تأخذها بدلالة الآية. وهناك حالة واحدة لا يجوز أن تأخذ فيها وهي: إذا نسي وأعطاك إياها أمانة, أي: نسي صنيعه الأول وأعطاك إياها أمانة، فليس لك أن تأخذها إذا طلبها؛ لأن النبي قال: (ولا تخن من خانك). إذاً: فإذا كانت على وجه الائتمان فلا ينبغي أن تأخذها وإن قال به بعض العلماء, لكن أحب إلينا ألا تفعل؛ لقوله ﷺ : (ولا تخن من خانك). هذا كما في قول الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] وفي قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] وفي قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال:٥٨] فلم يقل: خنهم, وإنما قال: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨] أي: بين لهم الأمر على جلاء.

стр. 168

تفسير قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) قال الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]. هذه الآية دائماً تصبح محل نزاع، فيأتي الإنسان المحجم يستدل بظاهر قول الله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. ويأتي الباذل المقدام فيفسرها بأثر أبي أيوب عند أن قال: نزلت فينا معشر الأنصار أننا آثرنا الزرع على الجهاد. والحق أن يقال ما يلي: الإنفاق لا يسمى إنفاقاً إلا إذا كان في وجه يسمى إصلاح مال, وأما تضييع المال فلا يسمى إنفاقاً. وينبغي أن تعلم أن الله أمر بالإنفاق وأمر بالجهاد, وبين الإنفاق والجهاد طرفي نقيض, فيقابل الإنفاق إما البخل وإما الإسراف، فقول الله ﵎: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة:١٩٥] تعود على الإنفاق, والمعنى: لا تنفقوا إنفاقاً يصل إلى حد الإسراف، ولا تكونوا بخلاء. وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: لا تقعدوا عن الجهاد، وأيضاً: فلا تلقوا بأنفسكم إلى المهالك على وجه يغلب على الظن أنه الهلاك المحقق, فيصبح الإقدام غير التهور، فتصبح الآية ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة:١٩٥] ضابطاً لقوله ﵎: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. فالقعود عن الجهاد إلقاء للنفس في التهلكة؛ لأنك قصرت في واجب شرعي فتهلك بتركه، والتهور في المعركة بإلقاء النفس في التهلكة المحققة على وجه مذموم، منتقد شرعاً. والإنفاق إذا كان إسرافاً فهو إلقاء للمال في التهلكة على وجه مذموم، كما أن القعود عن الإنفاق بخل يلقي النفس في التهلكة؛ لأن البخل لا يورث إلا ذماً. إذاً: فالمعنى: فيما يغلب على الظن أنه هلاك. والعرب كانت تعيب التهور في المعارك ولا تعده شجاعة, ويقولون: إن الأعشى مدح أحد الملوك في زمانه فقال: وإذا تجيء كتيبة ملمومة خرساء قد كره العدو نزالها كنت المقدم غير لابس لمة بالسيف تضرب معلماً أبطالها يقول: إذا جاءت كتيبة خرساء من الحديد الذي عليهم فكأنها صماء، فيتحاشى أحد أن ينازلها، فأنت أيها الملك كنت المقدم غير لابس لمة، أي: غير لابس درع. فعابت العرب الأعشى على هذا البيت الذي قاله في الملك, وقالوا: ما زدت على أن وصفت الملك بالتهور, وهذه ليست بشجاعة. فالضابط القرآني جاء مبيناً لمسالك الناس في الإنفاق: ألا يكون إسرافاً ولا بخلاً، وفي الحروب ألا يكون قعوداً ولا تهوراً. وهذا هو معنى قول الله: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].

стр. 169

تفسير قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]. اختلف العلماء هنا في معنى الإتمام, فذهب ابن عباس إلى أن المقصود بالإتمام: أن تحج وتعتمر من دويرة أهلك. وأكثر المفسرين على أن المقصود: إذا شرعت في حج وعمرة ولو كانا نفلين فيجب عليك أن تتمهما. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]. مجمل ما دلت عليه الآيات ما يلي: الإحصار، وهو في اللغة: الحبس والمنع, لكن هل يكون الإحصار بغير العدو، أم لا يسمى إحصاراً إلا بالعدو؟ اختلف العلماء في ذلك: فذهبت طائفة إلى أن الإحصار الذي جاءت به الآية لا يكون إلا بالعدو, ودليلهم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]، والأمن لا يكون إلا من خوف عدو. وأجمل الأقوال أن يقال: إن الآية جاءت في حصر العدو, لكن كل ما نجم عنه حرج وضيق وحبس عن البيت فيقاس عليه قياساً جلياً لا شبهة فيه, وهذا حتى نخرج من نزاع العلماء. فإن أحصر الإنسان عن الوصول إلى البيت لأي سبب كان فإن الله يقول: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، والهدي: هو ما يساق ويقرب ويذبح في مكة من بهيمة الأنعام، فأعلاه بدنه وأدناه شاة. قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]. اختلف العلماء في المقصود بمحل الهدي: فقال بعضهم في الإحصار: إن دم الإحصار حيثما أحصرت، وقال آخرون: يبعث بالهدي إلى الحرم، فلا يكون منه حج حتى يصل الهدي إلى محله، وذهبوا إلى أن المقصود بأن الحرم هو محل الهدي؛ لقول الله جل وعلا: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وقول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] والمراد مكة. والأصل أن منى هي الأصل في النحر وإن دخلت في مكة, هذا قول. والذين قالوا: إن دم الإحصار يكون في موطن الإحصار استدلوا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦].

стр. 170

كفارة من فعل محظوراً في الحج قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦] فالأصل أن هناك محظورات في الإحرام، فقال الله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]. فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة نصف الصاع، والنسك أصله العبادة, ولكن لما كان النحر من أعظم القربات أطلق على التقرب إلى الله ببهيمة الأنعام, لكن هذا يكون على التخيير، ومما يقع فيه الخطأ في الفتوى بين بعض طلبة العلم: أنهم لا يفرقون بين ترك الواجب وفعل المحظور. فما الذي يترتب على فعل المحظور؟ وما الذي يترتب على ترك الواجب؟ يكون التخيير في كفارة فعل المحظور, فمن فعل محظوراً من محظورات الإحرام وجاءك يستفتيك فقال: حلقت رأسي، أو تطيبت, أو فعل أي محظور من محظورات الإحرام, فهذا تقول له: أنت مخير بين ثلاثة أمور: بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، فـ (أو) هنا للتخيير. وأما من ترك واجباً فإنه يهرق دماً وليس هناك تخيير، لكنه إن عجز عن الدم ينتقل إلى صيام عشرة أيام, وهذا مما يقع به الخطأ في الفتوى، فلو جاء إنسان وقال: أيها الشيخ المبارك! أو يا طالب العلم! تجاوزت الميقات دون أن أحرم، فنقول له: أنت لم تفعل محظوراً، وإنما تركت واجباً فعليك دم, ولو جاءك من يقول: لم أبت في مزدلفة, فتقول له: تركت واجباً عند جماهير العلماء، فعليك دم. لكن لو قال: حلقت، أو قلمت أظفاري، أو مسست طيباً، أو لبست مخيطاً، فهذا تقول له: أنت مخير بين الثلاثة الأمور في الآية؛ لأنك فعلت محظوراً. قال الله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. وهل هو دم جبران أو غير ذلك؟ هذا فيها خلاف بين العلماء, لكن معلوم أن الأنساك ثلاثة: إفراد وتمتع وقران, فعلى قدر ما تأخذ على قدر ما تعطي, والعكس كذلك. فهذا الذي ذهب يحج وأفرد الحج بسفرة لوحدها، ولم يعط زيادة من طاعة وهي العمرة, فلا يؤخذ منه دم، وأما من قرن ما بين الحج والعمرة في سفرة واحدة فعليه دم؛ عوضاً عن الجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد. ومن تمتع فقد مكث أياماً يلبس ويتطيب ويأتي النساء، فعوضاً عن هذا التمتع يهرق دماً؛ فلذا قال الله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: إلى أهلكم ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]، ومعلوم أن الثلاثة والسبعة: عشرة, فلماذا نص الله على ذلك وقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]؟ اختلف العلماء, والأظهر عندي والعلم عند الله: أن هذه الآمة أمة أمية لا تحسب، وهم المخاطبون الأولون بالقرآن, فبينه الله بياناً جلياً حتى لا يقع منهم خطأ, فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.

стр. 171

القول فيما يعود عليه حرف الإشارة قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦]. ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة:١٩٦] اسم إشارة، فعلى ماذا يعود؟ تأمل الآية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فـ: ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة:١٩٦] يعود إلى أحد اثنين: إما للتمتع، أو لما يترتب على التمتع من هدي وصيام, فإذا قلنا: إنه يعود إلى التمتع فمعنى قول الله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦] أنه ليس لأهل مكة أن يتمتعوا، فيصبحوا مقصورين على نسكين إفراد وقران. وإذا قلنا: إن ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة:١٩٦] عائد على ما يترتب على التمتع من الهدي أو الجزاء الذي هو الصيام بدلاً منه, فيصبح المعنى: أن الجزاء على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، فيكون لهم التمتع وليس عليهم هدي. والمراد بحاضري المسجد الحرام سكان مكة، فإذا كانت هناك عمارة نصفها في الحرم ونصفها خارجه فلا يعقل أن من كانت غرفته في أول الدار ليس عليه هدي، ومن كانت غرفته في آخر الدار عليه هدي، فهذا ينزه عنه كلام الله. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:١٩٦]. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول هذه الآيات المباركات. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى, وأن يلبسنا وإياكم لباس العافية والتقوى, وصلى الله على محمد وعلى آله, والحمد لله رب العالمين.

стр. 172

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١٨] إن القرآن الكريم جاء بلسان عربي فصيح، يصعب على من لم يتمعن في معانيه أن يفهمه، ولهذا اهتم جمع كبير من سلف الأمة وعلمائها بتأويل آيات القرآن، وتفسير كلماته، وتوضيح عباراته

стр. 173

تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا لقاء من لقاءاتنا الموسومة بمحاسن التأويل، وهي تأملات في كلام ربنا رب العزة والجلال ﷻ ، وتذكيراً للإخوة الذين يكتبون معنا نبين ما يلي: كنا في اللقاء الماضي أو الذي قبله نتحدث في سورة الأحزاب، ثم انتقلنا إلى الحديث في سورة البقرة؛ حتى يتيسر لنا الحديث عن آيات الحج التي كنا قد توقفنا عندها في العام الماضي، ومن هذا اللقاء إن شاء الله تعالى إلى أن نختم القرآن سنمضي تدريجياً، أي: أننا وقفنا في اللقاء الماضي عند قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]. وتكلمنا عنها إجمالاً، ولم نفصل بسببين: الأول: ضيق الوقت، والثاني: أنها كانت مرتبطة بآيات الحج فعرجنا عليها بما يتناسب مع ما تبقى. وأما الآن: فنفرد لها الحديث، ونستمر في الشرح إلى ما شاء الله، نسأل الله أن ييسر لنا أن نختم تفسير كتابه. قال ربنا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]. فيما مضى أيها المبارك مر تقسيم الناس إلى قسمين في الحج، فقال الله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠] فهذا قسم، ويقابله قسم آخر، يقول الله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، فهذان القسمان كان الرب جل وعلا يتكلم عنهما حال كونهما في الحج، ثم إن الآيات التي ستأتي تتحدث عن قسمين آخرين عامين في الحج وفي غير الحج، بل إن الأصل أنهما في غير الحج، فقال ربنا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٠٤] (من) هذه تبعيضية والمعنى: بعض الناس، ﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]. أكثر المفسرين على أنها نزلت في الأخنس بن شريق، فقد كان فصيحاً بليغاً يظهر الإيمان ويبطن النفاق، والصواب: أنها -أي: الآية- عامة في كل من هو مبطن كذب أو نفاق أو كفر أو حسد أو غل على أهل الإيمان، هذا الصواب. يقول ربنا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢٠٤] الإعجاب: هو استحسان الشيء والميل إليه مع التعظيم، وإذ لم يكن هناك شيء من التعظيم ولو يسير فلا يسمى هذا إعجاباً، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، وهذا يعجبك قوله بسبب جرأته على الله، ومن جرأته على الله أنه يشهد الله على ما في قلبه وهو يعلم أن الله يطلع على غير الذي يقوله، فالذي يقوله شيء يستخدم فيه فصاحته وبلاغته ورونق كلامه، ومع ذلك حتى يقنعك يشهد الله على ما في قلبه، وهذه جرأة على الله؛ لأنه يعلم أن ما يقوله ليس هو الذي يبطنه، ثم يقول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤] أي: شديد الخصومة، مع هذا الذي يظهره، وإذا قدر فإنه كما قال الله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة:٢٠٥]. وسنقف وقفة مع الفعل (سعى) وقفة لغوية في معانيه، قال ربنا: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٠٥]، فحقيقة السعي المشي الحثيث، ومن هنا: سمي المشي بين الصفا والمروة سعياً؛ لأنه مشي حثيث، ثم إن الفعل (سعى) يستخدم في اللغة بحسب تعبير القرآن وتعبير اللغة في أمور عدة: منها ما يلي: يطلق السعي على كسب الإنسان وعمله، قال ربنا ﷻ : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء:١٩] أي: قام بالعمل والكسب الذي يؤدي إلى الآخرة، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء:١٩]، وهذا دليل على أن السعي يكون بمعنى: الكسب والعمل. كما يأتي السعي بمعنى الإصلاح بين الناس، ورفع الإضرار، قال عمرو بن كلثوم: وأنا منا الساعي كليب ومقصوده بالساعي كليب أن كليباً كان يسعى في الصلح بين الناس، ورفع الإضرار عنهم. كما يأتي السعي بمعنى: العزم على تحصيل الشيء، ومنه قول الله جل وعلا في حق فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات:٢٢] أي: يعزم على تحقيق مراده. وهنا يقول الله تعالى عن هذا وأضرابه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة:٢٠٥] الحرث: هو الزرع، وسمي الحرث زرعاً لأنه بعد أن يحصد يحرث من جديد، والنسل يطلق على كل الأولاد سواء أولاد بني آدم، أو أولاد الحيوانات؛ لأنه ينسل من بطن أمه، والمقصود هنا: أولاد الحيوانات في المقام الأول؛ لارتباط أولاد الحيوانات بالحرث، ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]. والقرآن في المقام الأول كتاب موعظة وهدى، فينبغي على المؤمن أن يتجنب الفساد؛ لأن الله لا يحبه، ومن الفساد في الأرض: سفك الدماء، ورفع السيف على المسلمين، أو إنشاء قنوات تبث الأذى والشرور، أو تبني التجارة بملابس ينجم عنها الخلق إذهاب القويم في الأمة، فهذه وأضرابها كلها تسمى فساداً في الأرض، والفساد لا يحبه الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].

стр. 174

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦] قرنت كلمة العزة هنا بكلمة الإثم، وهذا يسمى في عرف البلاغيين الاحتراس، فليست العزة على إطلاقها مذمومة، فهناك عزة محمودة، قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، فالعزة المحمودة هي العزة التي ينالها المرء بالدين وباعتصامه بربه، والعزة المذمومة التي تكون مصحوبة بالإثم، فلهذا جعلها الله جل وعلا مصحوبة بالإثم هنا حتى يكون هناك احتراس من أنه ليس كل عزة مذمومة، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٠٦] أي: هذا الذي يبطن ما لا يظهر، ويظهر ما لا يبطن، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ [البقرة:٢٠٦] والعزة هنا بمعنى: حمية الجاهلية، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦]. وهنا ينبغي للمرء أن تتواضع نفسه، ويطمئن قلبه، وتستكين جوارحه إذا قيل له: اتق الله، ولهذا قيل: إن من أبغض الخلق إلى الله رجل يقال له: اتق الله، فيقول: عليك نفسك، ولا ينبغي لأحد أن يستكبر عن هذه الكلمة، وقد قيل: إن الخليفة العباسي هارون الرشيد وقف أحد اليهود عند بابه يريد أن يرفع مظلمة إليه عاماً ويرده الحجاب، وهارون لا يدري، فرصد هذا اليهودي لـ هارون في بعض طرقه، فلما قابله على عنفوان هارون المعروف، قال له: يا أمير المؤمنين اتق الله، فنزل هارون من فرسه وأرخى نفسه، أي: تطامن وتواضع وأخذ يسمع لليهودي، فلما فرغ من هذا قيل له: ما هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: إنني خفت أن أدخل فيمن قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦]. (حسبه جهنم) أي: تكفيه جهنم، ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦] هذا عند العرب أسلوب ذم، فبئس للذم، ويقابلها في المدح نعم، ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦]، فهذه طائفة من الناس.

стр. 175

تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) ويقابل هذه الطائفة قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧] ويشري هنا: بمعنى: يبيع، والأظهر: أن الفعل يشري في القرآن لم يرد إلا بمعنى يبيع، قال الله جل وعلا في خبر نبيه يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف:٢٠] أي: وباعوه بثمن بخس، فهنا قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي﴾ [البقرة:٢٠٧] أي: من يبيع نفسه، وهذه الآية اختلف فيمن هو المراد فيها، وأكثر أهل العلم على أنها تنصرف أول ما تنصرف إلى صهيب بن سنان المعروف بـ صهيب الرومي، وكنيته أبو يحيى ﵁ وأرضاه، وقد كان في أول أمره أسيراً، ثم نشأ صعلوكاً في مكة، وصعلوك بمعنى: فقير قليل الحال رث المال، ثم ما لبث أن اغتنى، فلما جاء الإسلام كان صهيب من السابقين الأولين، فلما أراد الهجرة منعته قريش، ومما احتجت به في منعه أن يخرج أنهم قالوا له: إنك أتيتنا صعلوكاً لا مال لك، فوالله لن تخرج وقد جمعت المال، فتنازل عن أمواله مع الاختلاف كيف تنازل عن أمواله: هل دلهم على أماكنها، أو أعطاهم إياها، وهذا كله ليس له علاقة في تحقيق المناط في القضية، لكن المقصود: أنه أراد أن يبيع ذلك كله من أجل أن يفوز برضوان الله، وهذا من أعلا المقامات، وأرفع الدرجات، قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. والرأفة: أرق الرحمة وألطفها، وصهيب ﵁ كان في زمن ما عبداً لقريش، فلما باع نفسه لله رأف به الرءوف الرحيم رب العباد ﷻ ، وقد ذكر الله هنا اسمه رءوف دون أسمائه الحسنى الأخرى، وكل أسماء الله حسنى، ومن مظاهر رأفته جل وعلا بعباده أمور نذكر منها اثنتين، ثم نذكر الثالثة المتعلقة بـ صهيب، فغير المتعلقة بـ صهيب من مظاهر رأفة الله التي هي أرق الرحمة وألطفها: أنه يضاعف الحسنات ولا يضاعف السيئات. ومن مظاهر رأفة الله: أنه لو قدر أن أحداً أذنب وكفر مائة عام أو أقل أو أكثر، ثم تاب وصدق مع ربه أسقط الله عنه كل ما مضى، فهذان اثنان غير مرتبطين ارتباطاً مباشراً بموضوع صهيب، لكن موضوع صهيب يتعلق بالمظهر الثالث، وقد قلنا: إن صهيباً أخبر الله عنه، وهذا قلنا إنه ينطبق على صهيب وعلى غير صهيب، هذا على القول إنها نازلة في صهيب؛ أن أخبر الله عن هذه الطائفة التي يمثلها صهيب هنا بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة:٢٠٧] أي: يبيع نفسه (ابتغاء مرضات الله) فعندما يبيع المرء نفسه فإن المشتري هو الله، والثمن هو الجنة، فهذه النفس وهذا المال الذي ضحى به صاحبه في أصله هو ملك لله، وهذه الجنة التي يدخلها الله من باع نفسه من أجله هي ملك لله، فمن مظاهر رأفة الله: أنه يشتري ملكه بملكه؛ رأفة ورحمة بعباده، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، فالمشتري الله، والمشترى: النفس والمال، والثمن: الجنة، وينطبق هذا على حال صهيب هنا، لكننا نلحظ ونعلم يقيناً أن النفس والمال والجنة كلها خلق لله، وملك لله، فمن مظاهر رأفته ﷻ وعظم خيره: أنه يشتري ملكه بملكه؛ رحمة بعباده، ورأفة بهم، وهذا من أعظم مظاهر رأفة الله، ولهذا فهذه الآية التي صدرت بقول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧] ذيلت بقول الله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧].

стр. 176

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) ثم قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٩]. السلم هنا بمعنى: الإسلام والمسالمة، وأهل العلم رحمة الله تعالى عليهم اختلفوا في المخاطب أصلاً بهذه الآية، فقال بعضهم: إن المخاطب بها المنافقون، فهذه دعوة لهم في أن يدخلوا في جميع شرائع الدين، وهذا عندي أضعف الأقوال؛ لأن الآية صدرت بقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٠٨]. القول الثاني: أن المخاطب بالآية أولاً هم أولئك الذين اسلموا من اليهود كـ عبد الله بن سلام وأضرابه، فنقل بعضهم -ولا أعلم لهذا دليلاً قوياً سنداً-: أن عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم من اليهود شق عليهم في الدين أمران: الرضاء بعدم محبة يوم السبت؛ لأن اليهود تعظم السبت، فشق عليهم ألا يعظموا يوم السبت، وشق عليهم أن يحبوا الإبل، ويأكلوا من لحومها؛ لأن الإبل محرمة في ملة بني إسرائيل، قال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣] وإسرائيل هو يعقوب، والذي حرمه إسرائيل على نفسه هو لحوم الإبل وألبانها، فاليهود لا تأكل لحوم الإبل، ولا تشرب ألبانها، وهذا القول في ظني ضعيف أن يقال: إن عبد الله بن سلام كان يعظم يوم السبت، وكان لا يحب الإبل؛ إبقاءً على شيء من اليهودية، هذا لا يتفق مع ما جاء في سيرته العامة رضوان الله تعالى عليه، خاصة إذا حملنا آية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠] أن المقصود به: عبد الله بن سلام. والصواب والعلم عند الله: أن هذا خطاب لكل مؤمن أن يقبل شرائع الدين كلها، ولا يفرق بين شيء منها، (كافة) أي: في الإسلام جميعاً في الإسلام كله، هذا هو معنى قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨]. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ [البقرة:٢٠٨] (لا) ناهية، والقرينة على أنها ناهية حذف النون، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨]، وهذا يسوقنا إلى مسألة وهي: أن من قواعد الترجيح أنه إذا اختلف النحاة في شيء فينظر إلى رسم القرآن، فيكون رسم القرآن مرجحاً إن وافق قول أحدهما، والمثال على هذا قول الله جل وعلا: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦]، فـ (لا) هنا اختلف فيها هل هي ناهية أو نافية، والفرق بين (لا) الناهية و (لا) النافية من حيث الأثر: أن (لا) الناهية تجزم، و (لا) النافية لا تجزم ولا تنصب فليس لها أثر نحوي على الفعل، في حين أن (لا) الناهية تجزم، قال بعض العلماء: إن (لا) هنا: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦] إنها ناهية، بمعنى: أن الله جل وعلا يقول لنبيه: أنا سأقرئك القرآن ويجب عليك ألا تنسى، فنهاه عن النسيان. وقال آخرون: إن (لا) هنا نافية، والمعنى: أن الله جل وعلا تكفل بإقرائه لك، وتكفل بألا تنساه، إذاً: تنازع النحويون هنا: هل هي (لا) الناهية، أو (لا) النافية، ومن المتفق عليه: أن تنسى جاءت مختومة بالألف المقصورة، فوجود الألف المقصورة يدل على أن (لا) ليست ناهية؛ لأنها لو كانت ناهية لما وجدت هذه الألف، فيصبح مجزوماً بحذف حرف العلة، فبقاء حرف العلة في رسم المصحف دليل على أن (لا) هذه نافية وليست ناهية، وهذا من قواعد الترجيح أن ينظر إلى رسم المصحف إذا اختلف النحاة. والكلام هنا على قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ [البقرة:٢٠٨]، لكنني جعلت منها طريقاً لتبيين مسألة مهمة وهي معرفة بعض قواعد الترجيح، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨]. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، ونكمل في اللقاء القادم بعون الله تعالى الآية هذه والتي تليها: (فإن زللتم من بعدما جاءتكم البينات) وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 177

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١٩٧] قصد بيت الله للتعظيم بشرط وجود الزاد والراحلة المعبر عنه بالاستطاعة: هو الحج، وقد بين الله في سورة البقرة بعضاً من الأحكام المتعلقة بالحج لمن أراد أن يتفقه في دين الله تعالى.

стр. 178

تفسير قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات ولا جدال في الحج) بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]. وقبل أن نشرع في تسير هذه الآية نبين أن الآية التي قبلها تقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] فجاء الجواب القرآني: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، فأشعر قول الله: إن الأهلة مواقيت للناس والحج، على أن أشهر الحج طوال العام؛ لأن كلمة: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] عائدة على الأهلة، والأهلة طوال العام، فأشعرت أن جميع أشهر السنة أشهر حج، وهذا غير صحيح، فهذا الإشعار الذي يظهر لك بادي الرأي أنه عام هذه الآية أشبه بالموضحة له، وبعض أهل العلم يراها مخصصة لذلك التعميم الذي قال الله فيه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، فهنا لم يحدد أن أشهر الحج محددة، لكنه هنا قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ومعنى الآية: وقت الحج أشهر معلومات، ومن المهم: أن تفقه مراد الله: أن الله جل وعلا هنا لم يذكر لنا ما هي أشهر الحج، واكتفى بقوله جل شأنه: (أشهر معلومات) جمع معلومة، أي: معروفة لا يكاد يجهلها أحد، في حين أن الله جل وعلا لما ذكر الصيام قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ثم قال بعدها بآيات: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥] فلماذا عين؟ هنا لم يقل: شهر شوال، شهر ذي القعدة، شهر ذي الحجة؛ لأن رمضان لم يكن معروفاً آنذاك بأنه شهر صيام، فالعرب لا تعرف صيام رمضان في الجاهلية، لكن العرب في الجاهلية تعرف الحج، فقد كانت تحج وتعتمر، لكن كانت لهم شركيات مع أصل حجهم الذي أخذوه إرثاً عن إبراهيم ﵇، فقول الله جل وعلا: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] يحيل إلى شيء معروف في الذهن، والتعبير بقوله جل وعلا: ﴿أَشْهُرٌ﴾ [البقرة:١٩٧] هذا جمع قلة، والعرب إذا جمعت جمع قلة من ثلاث إلى تسع تأتي على وزن أفعل، تقول: نجم، وتجمعها جمع قلة فتقول: أنجم، وشهر جمعها جمع قلة: أشهر، أما نجم فجمعها جمع كثرة: نجوم، قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]. والشهر جمعها جمع كثرة: شهور، قال ربنا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة:٣٦] فلما قال: اثنا عشر شهراً قال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ [التوبة:٣٦] ولم يقل: إن عدة الأشهر، وهذا الكلام يسمى تحت باب الصناعة الصرفية: الصناعة الصرفية؛ لأننا قلنا: إن الكلام في الكلمة نفسها يسمى: صناعة صرفية، أما الكلام في الكلمة وسط الجملة فيسمى: صناعة نحوية، أما الكلام عن أحرف الكلمة وأوزانها في ذاتها فيسمى: صرفية، قال ربنا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ومع ذلك اختلف فقهاء الملة ﵏ في تحديد الأشهر المعلومات على أقوال ثلاثة: القول الأول يقول: إن أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، ومن الأول إلى التاسع من ذي الحجة، وهذا مذهب الشافعي ﵀، وحجة هؤلاء ظاهرة، فهم يقولون: إن الحج يفوت بفوات يوم عرفة بالاتفاق بين المسلمين، فالمسلم إذا فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، قالوا: فلا معنى إذاً أن نقول: إن من يوم عشرة إلى يوم ثلاثين من أشهر الحج، وصاحبها إن لم يقف بعرفة فاته الحج، فجعلوا أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وإلى التاسع من ذي الحجة. القول الثاني: إن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وإلى العاشر من ذي الحجة، وحجة هؤلاء: أن الله سمى العاشر من ذي الحجة بيوم الحج الأكبر؛ لأن فيه من شعائر الحج ما ليس في غيره، ففي العاشر من ذي الحجة: رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة، وهذه الأربع لا تجتمع إلى في عاشر ذي الحجة، فقال أصحاب هذا القول: ليس معقولاً أن نقول: إن عاشر ذي الحجة ليس من أشهر الحج، وهذه الأعمال كلها فيه. القول الثالث والأخير يقول: بل أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بكامله، وحجتهم: أن أقل الحج في كلمة: (أشهر) ثلاثة. ونلحظ من هذه الاختلافات: أنهم متفقون على أن شوال، وذو القعدة من أشهر الحج، فلو أن إنساناً أحرم بالعمرة في رمضان، ولم يرجع إلى بلده، ثم بدا له أن يحج هل نلزمه بالتمتع أم لا؟ لا يلزم؛ لأن عمرته لم تكن في أشهر الحج، لكنه لو اعتمر في يوم العيد وبقي في مكة ثم أهل بالحج فهو متمتع، ما لم يرجع إلى دويرة أهله، أو إلى إحرامه الحقيقي؛ لأن دويرة أهله المقصود بها هنا: إحرامه الحقيقي، وليست على إطلاقها، نأتي بمثال: رجل من أهل مصر يسكن الرياض أو يسكن المدينة، ثم إنه أحرم في شهر شوال بالعمرة، فاعتمر ورجع إلى مقر عمله في الرياض أو في المدينة، فهذا يعتبر قد رجع إلى دويرة أهله؛ لأن عمله وميقاته الأصلي هو الرياض أو المدينة، ولا علاقة لنا ببلده الأصلي وهو مصر مثلاً، على هذا قال الله جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، الحج في اللغة هو: القصد، لكنه هنا: قصد مكان من أجل التعظيم، ولا يسمى حجاً إلا إذا كان قصد ذلك المكان للتعظيم، والمكان هنا: هو بيت الله الكعبة، قال الله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وهذا ظاهر.

стр. 179

ذكر بعض من شروط الحج قال ربنا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] قلنا: التقدير هنا أي: وقت الحج أشهر معلومات، حتى يأتي الذي بعدها، فقال ربنا بعدها: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: في هذا الوقت، ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: ألزم نفسه بالحج، والحج خامس أركان الإسلام كما هو معروف، وهو ثابت ركناً في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ﴾ [آل عمران:٩٧] وفي هذا دلالة إيجاب، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]. فالاستطاعة: شرط في إلزام المرء بالحج، إضافة إلى الشروط التي تكون غالباً في جميع العبادات من الإسلام والعقل والبلوغ، لكن الاستطاعة في الوصول إلى البيت شرط في إلزام العبد بالحج، وهذه الاستطاعة فسرت: بالزاد والراحلة، وفسرت بغيرها، والصواب: أن تفسر بكل ما يمكن أن يبلغ بالمرء بيت الله الحرام على إطلاقه؛ لأن هذه القضايا مثلاً: الزاد في عصرنا قد لا يحتاج إليه المرء كثيراً؛ لأنه يوجد كثير من الصدقات، لكن لا يلزم المرء بالصدقات، وسنأتي بلطيفة هنا في التفسير قبل أن نشرع في معنى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧] في قضية الاستطاعة، فلو أنك سئلت عن إنسان من الناس لا يملك مالاً حتى يحج، والحج الآن يكون عن طريق الشركات، فيأتي إنسان لا يملك مالاً حتى يحج، فالحج ركن لكن هذا الرجل لا نستطيع أن نلزمه بالحج؛ لأنه لا يملك المال، أي: أنه عاجز، عاجز مالياً لا بدنياً، فلو جاء إنسان من الناس وقال له: كم يكلف الحج؟ فقلنا: إن الشركات المتوسطة تأخذ مثلاً أربعة آلاف فقال: هذه سبعة آلاف، وما عليك إلا أن تحج، السؤال هنا: هل يصبح الحج في حقه واجباً؟ الجواب لا، فليس شرطاً أن يقبل إلا في حالة واحدة: إذا كان المعطي هو ابنك، وهذا على قول الشافعي لا على قول الجمهور؛ العطية الأولى فيها شيء من المنة، وأنت حر تقبل أو لا تقبل، أما ابنك إذا أعطاك فليس فيها منة؛ لأن ابنك من كسبك ومالك: قبول ما يهدى إليك سنة والترك أولى إن رأيت المنة أي: إن غلب على ظنك أنها منة فلا تقبلها. وقول الشافعي هنا فيما يغلب على ظني قوي جداً، ولذلك أحد السفيانين -وكلاهما حجة حافظ مجتهد مجمع على جلالته- كان يقول: أقبل هدايا السلطان، ولا أقبل هدايا الإخوان، فقيل له: لماذا؟ قال: لأن الأخ يمن، والسلطان لا يمن. يعني: أخوك إذا أعطاك فإنه كل أسبوع أو أسبوعين يذكرك بها، لكن السلطان يعطيك ويعطي غيرك، بل ولا يدري أنه أعطاك، ولا يمن عليك بها، والناس يختلفون في هذا، فلا توجد قاعدة مطردة، والإنسان بحسب حالته، فلا نقول لمن يقبل: إنه لا يجوز لك أن تقبل، ولا يقول لمن يرفض: إنه لا يجوز لك أن ترفض، فأحوال الناس ووضعهم في المجتمع يختلف، ومن يعطى خفية غير الذي يعطى علناً، ولا يوجد لها ضابط. نعود للآية قال ربنا: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: في هذه الأشهر، ولا هذه عند النحويين: نافية للجنس، تعمل عمل إن وأخواتها، فتنصب الاسم وترفع الخبر، ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]. الرفث: الجماع ومقدماته، ومن الصناعة الفقهية: إنه لا يوجد شيء يفسد الحج إلا الجماع. (ولا فسوق)، الفسوق: العصيان، وأصله: كلمة معناها: الخروج عن طاعة الله: ﴿وَلا جِدَالَ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: لا مماراة ولا نزاع في الحج: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]. ولا ريب أن من أراد أن يقدم على بيت الله ينبغي عليه أن يقدم قدوم الخائف الوجل المشغول بذنبه، الراجي عفو ربه، المؤمن من الله جل وعلا بالقبول، ليس المشغول بمن حوله، ومن يطلق النكات هاهنا وهناك، ومن ينازع الناس في الدينار والدرهم، أو أن يتخذ شركة ينجم من خلالها جمع أموال الناس، وأكلها بالباطل، أو أن يبحث عن صدارة وشهرة، فيتكلم في كل وقت وحين، يرجو أن يشار إليه بالبنان، أمور كثيرة تحدث وأغاليط، لكن الإنسان يتبع هدي النبي ﷺ ، ويخلص لله جل وعلا نيته: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] والرفث إذا وقع -وهو الجماع- يفسد الحج، أما الفسوق أو المعصية ما لم تكن شركاً والجدال فهذا لا يفسد الحج، لكن يقلل من أجره، ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٩٧] وما هنا: شرطية، وفعل الشرط: تفعلوا، وجوابه: يعلمه، ولذلك جاءت (يعلم) مجزومة.

стр. 180

تفسير قوله تعالى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧] أول ما يتبادر إلى الذهن -والإنسان قد فرض على نفسه الحج- الزاد الذي يحتاج، فلما كان الحج سفراً إلى مجمع عظيم هو يوم عرفة، ذكر الله جل وعلا بالسفر الحقيقي إلى يوم لقائه، إلى يوم العرض الأكبر، فنبه إلى الزاد الحقيقي الذي يعين في ذلك اليوم، وهو تقوى الله جل وعلا فقال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧].
следующие страницы →