Полный текст (789 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٩].
السلم هنا بمعنى: الإسلام والمسالمة، وأهل العلم رحمة الله تعالى عليهم اختلفوا في المخاطب أصلاً بهذه الآية، فقال بعضهم: إن المخاطب بها المنافقون، فهذه دعوة لهم في أن يدخلوا في جميع شرائع الدين، وهذا عندي أضعف الأقوال؛ لأن الآية صدرت بقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٠٨].
القول الثاني: أن المخاطب بالآية أولاً هم أولئك الذين اسلموا من اليهود كـ عبد الله بن سلام وأضرابه، فنقل بعضهم -ولا أعلم لهذا دليلاً قوياً سنداً-: أن عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم من اليهود شق عليهم في الدين أمران: الرضاء بعدم محبة يوم السبت؛ لأن اليهود تعظم السبت، فشق عليهم ألا يعظموا يوم السبت، وشق عليهم أن يحبوا الإبل، ويأكلوا من لحومها؛ لأن الإبل محرمة في ملة بني إسرائيل، قال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣] وإسرائيل هو يعقوب، والذي حرمه إسرائيل على نفسه هو لحوم الإبل وألبانها، فاليهود لا تأكل لحوم الإبل، ولا تشرب ألبانها، وهذا القول في ظني ضعيف أن يقال: إن عبد الله بن سلام كان يعظم يوم السبت، وكان لا يحب الإبل؛ إبقاءً على شيء من اليهودية، هذا لا يتفق مع ما جاء في سيرته العامة رضوان الله تعالى عليه، خاصة إذا حملنا آية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠] أن المقصود به: عبد الله بن سلام.
والصواب والعلم عند الله: أن هذا خطاب لكل مؤمن أن يقبل شرائع الدين كلها، ولا يفرق بين شيء منها، (كافة) أي: في الإسلام جميعاً في الإسلام كله، هذا هو معنى قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨].
﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ [البقرة:٢٠٨] (لا) ناهية، والقرينة على أنها ناهية حذف النون، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨]، وهذا يسوقنا إلى مسألة وهي: أن من قواعد الترجيح أنه إذا اختلف النحاة في شيء فينظر إلى رسم القرآن، فيكون رسم القرآن مرجحاً إن وافق قول أحدهما، والمثال على هذا قول الله جل وعلا: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦]، فـ (لا) هنا اختلف فيها هل هي ناهية أو نافية، والفرق بين (لا) الناهية و (لا) النافية من حيث الأثر: أن (لا) الناهية تجزم، و (لا) النافية لا تجزم ولا تنصب فليس لها أثر نحوي على الفعل، في حين أن (لا) الناهية تجزم، قال بعض العلماء: إن (لا) هنا: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦] إنها ناهية، بمعنى: أن الله جل وعلا يقول لنبيه: أنا سأقرئك القرآن ويجب عليك ألا تنسى، فنهاه عن النسيان.
وقال آخرون: إن (لا) هنا نافية، والمعنى: أن الله جل وعلا تكفل بإقرائه لك، وتكفل بألا تنساه، إذاً: تنازع النحويون هنا: هل هي (لا) الناهية، أو (لا) النافية، ومن المتفق عليه: أن تنسى جاءت مختومة بالألف المقصورة، فوجود الألف المقصورة يدل على أن (لا) ليست ناهية؛ لأنها لو كانت ناهية لما وجدت هذه الألف، فيصبح مجزوماً بحذف حرف العلة، فبقاء حرف العلة في رسم المصحف دليل على أن (لا) هذه نافية وليست ناهية، وهذا من قواعد الترجيح أن ينظر إلى رسم المصحف إذا اختلف النحاة.
والكلام هنا على قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ [البقرة:٢٠٨]، لكنني جعلت منها طريقاً لتبيين مسألة مهمة وهي معرفة بعض قواعد الترجيح، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨].
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، ونكمل في اللقاء القادم بعون الله تعالى الآية هذه والتي تليها: (فإن زللتم من بعدما جاءتكم البينات) وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 177
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١٩٧]
قصد بيت الله للتعظيم بشرط وجود الزاد والراحلة المعبر عنه بالاستطاعة: هو الحج، وقد بين الله في سورة البقرة بعضاً من الأحكام المتعلقة بالحج لمن أراد أن يتفقه في دين الله تعالى.
стр. 178
تفسير قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات ولا جدال في الحج)
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].
وقبل أن نشرع في تسير هذه الآية نبين أن الآية التي قبلها تقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] فجاء الجواب القرآني: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، فأشعر قول الله: إن الأهلة مواقيت للناس والحج، على أن أشهر الحج طوال العام؛ لأن كلمة: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] عائدة على الأهلة، والأهلة طوال العام، فأشعرت أن جميع أشهر السنة أشهر حج، وهذا غير صحيح، فهذا الإشعار الذي يظهر لك بادي الرأي أنه عام هذه الآية أشبه بالموضحة له، وبعض أهل العلم يراها مخصصة لذلك التعميم الذي قال الله فيه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، فهنا لم يحدد أن أشهر الحج محددة، لكنه هنا قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ومعنى الآية: وقت الحج أشهر معلومات، ومن المهم: أن تفقه مراد الله: أن الله جل وعلا هنا لم يذكر لنا ما هي أشهر الحج، واكتفى بقوله جل شأنه: (أشهر معلومات) جمع معلومة، أي: معروفة لا يكاد يجهلها أحد، في حين أن الله جل وعلا لما ذكر الصيام قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ثم قال بعدها بآيات: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥] فلماذا عين؟ هنا لم يقل: شهر شوال، شهر ذي القعدة، شهر ذي الحجة؛ لأن رمضان لم يكن معروفاً آنذاك بأنه شهر صيام، فالعرب لا تعرف صيام رمضان في الجاهلية، لكن العرب في الجاهلية تعرف الحج، فقد كانت تحج وتعتمر، لكن كانت لهم شركيات مع أصل حجهم الذي أخذوه إرثاً عن إبراهيم ﵇، فقول الله جل وعلا: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] يحيل إلى شيء معروف في الذهن، والتعبير بقوله جل وعلا: ﴿أَشْهُرٌ﴾ [البقرة:١٩٧] هذا جمع قلة، والعرب إذا جمعت جمع قلة من ثلاث إلى تسع تأتي على وزن أفعل، تقول: نجم، وتجمعها جمع قلة فتقول: أنجم، وشهر جمعها جمع قلة: أشهر، أما نجم فجمعها جمع كثرة: نجوم، قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥].
والشهر جمعها جمع كثرة: شهور، قال ربنا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة:٣٦] فلما قال: اثنا عشر شهراً قال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ [التوبة:٣٦] ولم يقل: إن عدة الأشهر، وهذا الكلام يسمى تحت باب الصناعة الصرفية: الصناعة الصرفية؛ لأننا قلنا: إن الكلام في الكلمة نفسها يسمى: صناعة صرفية، أما الكلام في الكلمة وسط الجملة فيسمى: صناعة نحوية، أما الكلام عن أحرف الكلمة وأوزانها في ذاتها فيسمى: صرفية، قال ربنا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ومع ذلك اختلف فقهاء الملة ﵏ في تحديد الأشهر المعلومات على أقوال ثلاثة: القول الأول يقول: إن أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، ومن الأول إلى التاسع من ذي الحجة، وهذا مذهب الشافعي ﵀، وحجة هؤلاء ظاهرة، فهم يقولون: إن الحج يفوت بفوات يوم عرفة بالاتفاق بين المسلمين، فالمسلم إذا فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، قالوا: فلا معنى إذاً أن نقول: إن من يوم عشرة إلى يوم ثلاثين من أشهر الحج، وصاحبها إن لم يقف بعرفة فاته الحج، فجعلوا أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وإلى التاسع من ذي الحجة.
القول الثاني: إن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وإلى العاشر من ذي الحجة، وحجة هؤلاء: أن الله سمى العاشر من ذي الحجة بيوم الحج الأكبر؛ لأن فيه من شعائر الحج ما ليس في غيره، ففي العاشر من ذي الحجة: رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة، وهذه الأربع لا تجتمع إلى في عاشر ذي الحجة، فقال أصحاب هذا القول: ليس معقولاً أن نقول: إن عاشر ذي الحجة ليس من أشهر الحج، وهذه الأعمال كلها فيه.
القول الثالث والأخير يقول: بل أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بكامله، وحجتهم: أن أقل الحج في كلمة: (أشهر) ثلاثة.
ونلحظ من هذه الاختلافات: أنهم متفقون على أن شوال، وذو القعدة من أشهر الحج، فلو أن إنساناً أحرم بالعمرة في رمضان، ولم يرجع إلى بلده، ثم بدا له أن يحج هل نلزمه بالتمتع أم لا؟ لا يلزم؛ لأن عمرته لم تكن في أشهر الحج، لكنه لو اعتمر في يوم العيد وبقي في مكة ثم أهل بالحج فهو متمتع، ما لم يرجع إلى دويرة أهله، أو إلى إحرامه الحقيقي؛ لأن دويرة أهله المقصود بها هنا: إحرامه الحقيقي، وليست على إطلاقها، نأتي بمثال: رجل من أهل مصر يسكن الرياض أو يسكن المدينة، ثم إنه أحرم في شهر شوال بالعمرة، فاعتمر ورجع إلى مقر عمله في الرياض أو في المدينة، فهذا يعتبر قد رجع إلى دويرة أهله؛ لأن عمله وميقاته الأصلي هو الرياض أو المدينة، ولا علاقة لنا ببلده الأصلي وهو مصر مثلاً، على هذا قال الله جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، الحج في اللغة هو: القصد، لكنه هنا: قصد مكان من أجل التعظيم، ولا يسمى حجاً إلا إذا كان قصد ذلك المكان للتعظيم، والمكان هنا: هو بيت الله الكعبة، قال الله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وهذا ظاهر.
стр. 179
ذكر بعض من شروط الحج
قال ربنا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] قلنا: التقدير هنا أي: وقت الحج أشهر معلومات، حتى يأتي الذي بعدها، فقال ربنا بعدها: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: في هذا الوقت، ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: ألزم نفسه بالحج، والحج خامس أركان الإسلام كما هو معروف، وهو ثابت ركناً في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ﴾ [آل عمران:٩٧] وفي هذا دلالة إيجاب، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧].
فالاستطاعة: شرط في إلزام المرء بالحج، إضافة إلى الشروط التي تكون غالباً في جميع العبادات من الإسلام والعقل والبلوغ، لكن الاستطاعة في الوصول إلى البيت شرط في إلزام العبد بالحج، وهذه الاستطاعة فسرت: بالزاد والراحلة، وفسرت بغيرها، والصواب: أن تفسر بكل ما يمكن أن يبلغ بالمرء بيت الله الحرام على إطلاقه؛ لأن هذه القضايا مثلاً: الزاد في عصرنا قد لا يحتاج إليه المرء كثيراً؛ لأنه يوجد كثير من الصدقات، لكن لا يلزم المرء بالصدقات، وسنأتي بلطيفة هنا في التفسير قبل أن نشرع في معنى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧] في قضية الاستطاعة، فلو أنك سئلت عن إنسان من الناس لا يملك مالاً حتى يحج، والحج الآن يكون عن طريق الشركات، فيأتي إنسان لا يملك مالاً حتى يحج، فالحج ركن لكن هذا الرجل لا نستطيع أن نلزمه بالحج؛ لأنه لا يملك المال، أي: أنه عاجز، عاجز مالياً لا بدنياً، فلو جاء إنسان من الناس وقال له: كم يكلف الحج؟ فقلنا: إن الشركات المتوسطة تأخذ مثلاً أربعة آلاف فقال: هذه سبعة آلاف، وما عليك إلا أن تحج، السؤال هنا: هل يصبح الحج في حقه واجباً؟
الجواب
لا، فليس شرطاً أن يقبل إلا في حالة واحدة: إذا كان المعطي هو ابنك، وهذا على قول الشافعي لا على قول الجمهور؛ العطية الأولى فيها شيء من المنة، وأنت حر تقبل أو لا تقبل، أما ابنك إذا أعطاك فليس فيها منة؛ لأن ابنك من كسبك ومالك: قبول ما يهدى إليك سنة والترك أولى إن رأيت المنة أي: إن غلب على ظنك أنها منة فلا تقبلها.
وقول الشافعي هنا فيما يغلب على ظني قوي جداً، ولذلك أحد السفيانين -وكلاهما حجة حافظ مجتهد مجمع على جلالته- كان يقول: أقبل هدايا السلطان، ولا أقبل هدايا الإخوان، فقيل له: لماذا؟ قال: لأن الأخ يمن، والسلطان لا يمن.
يعني: أخوك إذا أعطاك فإنه كل أسبوع أو أسبوعين يذكرك بها، لكن السلطان يعطيك ويعطي غيرك، بل ولا يدري أنه أعطاك، ولا يمن عليك بها، والناس يختلفون في هذا، فلا توجد قاعدة مطردة، والإنسان بحسب حالته، فلا نقول لمن يقبل: إنه لا يجوز لك أن تقبل، ولا يقول لمن يرفض: إنه لا يجوز لك أن ترفض، فأحوال الناس ووضعهم في المجتمع يختلف، ومن يعطى خفية غير الذي يعطى علناً، ولا يوجد لها ضابط.
نعود للآية قال ربنا: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: في هذه الأشهر، ولا هذه عند النحويين: نافية للجنس، تعمل عمل إن وأخواتها، فتنصب الاسم وترفع الخبر، ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].
الرفث: الجماع ومقدماته، ومن الصناعة الفقهية: إنه لا يوجد شيء يفسد الحج إلا الجماع.
(ولا فسوق)، الفسوق: العصيان، وأصله: كلمة معناها: الخروج عن طاعة الله: ﴿وَلا جِدَالَ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: لا مماراة ولا نزاع في الحج: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].
ولا ريب أن من أراد أن يقدم على بيت الله ينبغي عليه أن يقدم قدوم الخائف الوجل المشغول بذنبه، الراجي عفو ربه، المؤمن من الله جل وعلا بالقبول، ليس المشغول بمن حوله، ومن يطلق النكات هاهنا وهناك، ومن ينازع الناس في الدينار والدرهم، أو أن يتخذ شركة ينجم من خلالها جمع أموال الناس، وأكلها بالباطل، أو أن يبحث عن صدارة وشهرة، فيتكلم في كل وقت وحين، يرجو أن يشار إليه بالبنان، أمور كثيرة تحدث وأغاليط، لكن الإنسان يتبع هدي النبي ﷺ ، ويخلص لله جل وعلا نيته: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] والرفث إذا وقع -وهو الجماع- يفسد الحج، أما الفسوق أو المعصية ما لم تكن شركاً والجدال فهذا لا يفسد الحج، لكن يقلل من أجره، ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٩٧] وما هنا: شرطية، وفعل الشرط: تفعلوا، وجوابه: يعلمه، ولذلك جاءت (يعلم) مجزومة.
стр. 180
تفسير قوله تعالى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧] أول ما يتبادر إلى الذهن -والإنسان قد فرض على نفسه الحج- الزاد الذي يحتاج، فلما كان الحج سفراً إلى مجمع عظيم هو يوم عرفة، ذكر الله جل وعلا بالسفر الحقيقي إلى يوم لقائه، إلى يوم العرض الأكبر، فنبه إلى الزاد الحقيقي الذي يعين في ذلك اليوم، وهو تقوى الله جل وعلا فقال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧].
стр. 181
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا من عرفات)
ثم قال ربنا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة:١٩٨] قلنا: الجناح: الإثم، ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] وسبب النزول: أن العرب كانت تتحرج من التجارة في الحج، فبين الله جل وعلا أن لا حرج في ذلك فقال جل شأنه وهو المشرع: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة:١٩٨] وعرفات: بقعة، وقد اختلف في سبب تسميتها بذلك إلى عدة أقوال من أشهرها: أن آدم التقى بـ حواء فيها فعرفها.
وقال آخرون: إن جبريل ﵇ عرف إبراهيم المناسك في عرفات.
واختار ابن عطية ﵀: أنه اسم وضعي لا سبب له.
والتنوين في عرفات من حيث الصناعة النحوية: تنوين مقابلة، لا تنوين تمكين، ومعنى تنوين مقابلة أي: هذا التنوين يقابل شيئاً آخر، وهو النون في جمع المذكر.
مثاله: مسلمون جمع مذكر سالم، يقابل نونه التنوين الذي في كلمة: عرفات، وقلنا: إنه تنوين مقابلة؛ تنوين التمكين لا يلحق الأسماء غير المنصرفة، وعرفات: اسم غير منصرف في الأصل لسببين: العلمية والتأنيث.
стр. 182
تفسير قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] المشاعر: منى، وقد انتهينا من مكة نفسها، فمنى ومزدلفة مشعر، وفي نفس الوقت حرم، وعرفة مشعر لكنها حل بخلاف منى، وبخلاف مزدلفة، ووادي المحسر حرم لكنه ليس بمشعر، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة:١٩٨] وخير من وقف بعرفة نبينا ﷺ ، وجابر ﵁ وأرضاه في حديث في صحيح مسلم قص علينا حجته ﷺ وهي طويلة ليس هذا موضع سردها، لكن قلت مراراً: هناك ثلاث مواطن: نمرة، وعرنة، وعرفة، والنبي ﷺ نزل في نمرة، وخطب وصلى في عرنة، ووقف في عرفة، ونمرة: قرية شرق عرفات، وعرنة: واد يمر من بطن عرفة، قال جابر: فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ﷺ ، ثم قال جابر: ثم أتى بطن الوادي فخطب الناس وصلى، أي: وادي عرنة، قال: ثم أتى الموقف، أي: عرفة، وقال: وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف، وهنا يقول الله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨].
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 183
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١٩٨ - ٢٠٥]
في هذه الآيات ذكر الله تعالى بعض الآيات التي فيها بعض أحكام الحج كذكر الله عند المشعر الحرام، والإفاضة من حيث أفاض الناس، وذكر الله تعالى في أيام معدودات.
ثم ذكر صنفاً من الناس ممن ينمق كلامه ويحسنه وهو في ذلك كاذب يخالف ظاهره باطنه، فإذا تمكن سعى في الأرض فساداً وإفساداً، وأهلك الحرث والنسل، وإذا نُصح أخذته حمية الجاهلية، ولم يقبل النصح واستمر في طغيانه وإفساده، ثم توعده الله تعالى بجهنم وبئس المهاد.
стр. 184
تفسير قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام)
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقبل أن أشرع في اللقاء أذكر أنني حولت من الحديث في سورة الأحزاب إلى الحديث في سورة البقرة، وأننا منذ اللقاء الماضي تحدثنا بدءاً من قول الله جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] وانتهينا إلى قول ربنا ﷻ : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة:١٩٨]، وحررنا ما يمكن الحديث عنه من عرفات، وقلنا هناك ثلاثة مواطن: نمرة، وعرنة، وعرفة، وبينا أن النبي ﷺ نزل بنمرة، وخطب وصلى بعرنة، ووقف بعرفة، هذا ما انتهينا إليه.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] المشعر الحرام في أصله جبل في مزدلفة، ويطلق أحياناً ويراد به مزدلفة كلها.
стр. 185
حكم من نفر من مزدلفة قبل الغروب
وتصور المسألة على النحو الثاني: الوقوف بعرفة الجمهور يرون أنه يبدأ بعد زوال الشمس، لكن اختلفوا فيمن نفر من عرفة إلى مزدلفة قبل الغروب، ومسألة النفرة من عرفة قبل الزوال فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا حج له، وهذا أضعف الأقوال، وهو قول مالك رحمه الله تعالى: أن من نفر من عرفة قبل مغيب الشمس فلا حج له.
قال ابن عبد البر: ولا أعلم أحداً وافق مالكاً في هذا.
القول الثاني: وهو قول الجمهور: إنه يجب الوقوف بعرفة إلى مغيب الشمس، وحجتهم فعل النبي ﷺ ، فيجمع بين النهار والليل؛ لأنه لو جلس لحظة بعد الغروب فقد جمع بين النهار والليل، فينفر بعد مغيب الشمس تماماً، فإن نفر قبل الغروب -عند الجمهور- فحجه صحيح وعليه دم؛ لأنهم يرون أنه ترك واجباً، وأما لو ترك ركناً بطل الحج، لكنهم يرون أنه ترك واجباً، والواجب عندهم ليس هو الوقوف بعرفة، فالوقوف بعرفة ركن باتفاق، لكن الجمع بين النهار والليل هو الركن عندهم، أو أن لا بد أن يقف فيها ليلاً؛ لأنهم يقولون: لا يحتاج إلى دم لو مكث في الليل فقط.
ثالث الأقوال: أن من نفر قبل الغروب فحجه صحيح ولا شيء عليه، وإنما خالف الأولى، وهذا القول مال إليه الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه في (أضواء البيان)؛ لحديث عروة بن مضرس الطائي الذي رواه أبو داود بسند صحيح.
فـ عروة بن مضرس صحابي جاء من جبلي طي -في حايل- فقابله النبي ﷺ في مزدلفة، فقال: يا رسول الله! إني أكللت راحلتي وأتعبت نفسي فما تركت جبلاً إلا ارتقيت عليه، فهل لي من حج؟ وأنت عندما يأتيك إنسان أوراقه مبعثرة لمها وأعطه المفيد، ولا تخاطبه في كل صفحة، فقال له ﷺ : (من شهد معنا صلاتنا هذه -أي: الفجر في مزدلفة- وكان قد وقف في عرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه)، فقالوا: قوله ﵊: (ساعة من ليل أو من نهار) فيه دلالة على أنه لا يلزم الجمع بين الليل والنهار.
وأجاب الجمهور عن هذا: أن هذا مبين للإجزاء، لكن لا يلزم منه أنه يجب عليه أن يقف، وقالوا: لا نقول إن حجه باطل لحديث عروة، لكن نلزمه بالدم؛ لأن النبي ﷺ وقف إلى أن غابت الشمس، ثم قال في جملة أحاديث: (خذوا عني مناسككم).
قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] فالنبي ﵊ أتى مزدلفة ولم يأت المشعر، وقال: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف)، ثم صلى المغرب والعشاء جمع تأخير، ثم اضطجع، ثم صلى الفجر في أول وقته، أي: بعد دخول الوقت لكن في الأول، ثم أتى المشعر الحرام، وهو الجبل الذي عنده الآن مسجد، وأظنه الآن في طريق ستة وأنت داخل إن كنت لم أنسَ، وفي المشعر الحرام مسجد لا يوجد مسجد وعلم غيره، وهذا المسجد هو المشعر الحرام الذي وقف عنده النبي ﷺ .
وقد كان وقوفه بعد صلاة الفجر، ووقف يدعو كثيراً ويذكر الله مستقبلاً القبلة؛ عملاً بالآية، ((فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ))، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن ذكر الله عند المشعر الحرام ركن من أركان الحج، وبعضهم يقول: لا أقول بالركنية وإنما أقول بالوجوب، وهذه خلافات فقهية ليس لها علاقة بالآية، لكن هذا معنى قول الله تعالى: ((فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)).
ثم قال ربنا: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة:١٩٨] (كما هداكم)، أي: لهدايته لكم.
стр. 186
تفسير قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]، وهذه فيها إشكالات كبرى، لكن جملة ما يقال: ما المقصود بالناس هنا؟ بعض أهل العلم يرى: أن الناس معهود ذهني والمقصود خليل الله إبراهيم وابنه إسماعيل، أي: اصنعوا صنيعهما، قالوا: ويبعد أن يأمر الله المؤمنين بتتبع أحوال قريش في جاهليتها، يعني: لو قلنا: إن الناس المقصود بها العرب غير قريش؛ لأن الناس أصلاً لا يذهبون إلى عرفة، فهذا بعيد، فيحمل الناس على إبراهيم وابنه.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] وفي قوله جل وعلا (واستغفروا الله) دلالة إيمانية على أن الإنسان لا يركن إلى عمله، وأنه يبقى مقصراً على كل حال، قال الله عن قوم سبأ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥]، لكن ليس معنى ذلك أنهم خالين من القصور؛ لذلك قال بعدها: (ورب غفور)؛ ليشعر أن هؤلاء وإن مدحوا بأنهم بلدة طيبة إلا أنه يقع منهم الذنوب والخطايا.
وهنا قال الله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]، وقد جرت سنة الله في شرعه أن كثيراً من عظائم العبادات تتبع بالاستغفار، فكان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته قال: (أستغفر الله ثلاثاً).
стр. 187
تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله)
ثم قال ربنا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠] وهذا سيأتي تكراره في منى، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠] وفيها إشعار إلى أن الأصل أن الإنسان يكثر من ذكر آبائه، والمخاطب الأول بهذه الآيات كفار قريش، أو المخاطب بها المؤمنون الذي كانوا إلى عهد قريب كفاراً من قريش، والمجتمع الجاهلي قديماً كانت فيه هذه المفاخر، فكانت لا تقوم الأسواق ويقول الشعراء أشعارهم إلا ليذكرون مفاخرهم ومفاخر آبائهم.
لنا حاضر بادٍ وماض كأنه شماريخ رضوى عزة وتكرما ولدنا بني العنقاء وابني محرق فأكرم بنا خالاً وأكرم بذا ابنما وعنترة يقول: ألفيت خيراً من معم مخول.
فهذه القضايا كانت مما تتعلق بحياتهم، فقال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠].
стр. 188
أحوال الناس في الدنيا
ثم بين الله جل وعلا أحوال العباد في الدنيا فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢٠٠] فلا همّ له عياذاً بالله إلا البغية الدنيوية المحضة؛ ولهذا رتب الله على ذلك جزاءً عظيماً فقال: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠] أي: لا حظ له ولا نصيب ولا مقامة ولا مكانة، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [هود:١٦]، جعلنا الله وإياكم من أهل الفريق الآخر.
ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، وهذا من أعظم جوامع الدعاء، وكان النبي ﷺ يكثر من أن يقوله ويختم به دعاءه.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
قال الله: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠٢] (أولئك) عائدة على الآخرين.
стр. 189
تفسير قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] والذي مضى هي الأشهر المعلومات، وأما الأيام المعدودات فالراجح أنها أيام التشريق، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ قال: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله)، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] ومن القرائن كذلك ما بعدها، وأيام التشريق تكون في منى بالاتفاق، والمبيت في منى واجب ليومين لمن تعجل، وثلاثة أيام لمن لم يتعجل، ومنى مشعر عظيم من أعظم المشاعر، ولا يمكث الحجاج في مشعر أكثر من مكوثهم في منى.
وقد مر معكم في دروس سبقت أن في منى مسجد الخيف، والخيف في اللغة: ما انحدر من الجبل ولم يلامس الوادي، فإذا جعلت جمرة العقبة خلفك ستصبح مكة خلفك، وسيكون عن يمينك جبل وعن شمالك جبل، فالجبل الذي على يمينك الذي في سفحه مسجد الخيف هو جبل ثبير الأثبرة، وهناك خمسة جبال في مكة اسمها ثبير، فمن أجل هذا قلنا ثبير الأثبرة، فالجبل المقابل لثبير يسمى الصابح، وهو مواجه له، وفي سفح جبل ثبير الأثبرة هذا قبل أن ينحدر إلى الوادي يوجد مسجد الخيف، قال ﷺ : (صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً)، وكفى بك شرفاً ومن الله فضلاً ونعمة عليك أن تصلي في مسجد صلى فيه قبلك سبعون نبياً آخرهم محمد ﷺ ، والنبي صلى جميع صلواته في منى في مسجد الخيف في أيام التشريق، وأيام التشريق التي قال الله فيها: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] ومع الذكر يكون رمي الجمار، وما وجد رمي الجمار إلا ليذكر الله.
ثم قال ربنا: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] إذاً: أين المناط يا ربنا؟ قال الله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] فالعبرة بتقوى القلب، فمن كان تقياً وتعجل خير ممن لم يتعجل ولم يرزق تقوىً؛ ولهذا قال الله: (لمن اتقى)، ومن جمع التقوى مع عدم التعجل فهو أفضل لسببين: السبب الأول: أن النبي ﷺ لم يتعجل.
والسبب الثاني قطعاً: أن زيادة يوم تعني زيادة عمل، وزيادة العمل تعني زيادة الأجر إذا قُرن العمل بالإخلاص، فمن تعجل فلا إثم عليه بنص كلام الله، ونحن لا نتكلم في أن عليه إثم لكن نتكلم في أيهما أرفع درجة، وقطعاً من لم يتعجل أعلى أجراً.
قال ربنا: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] فالعبرة بتقوى القلوب، وقد قال ﷺ : (إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، وقال في حديث آخر: (التقوى ههنا ويشير إلى صدره)، صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة:٢٠٣]؛ لأن ضمة الجمع في أيام الحج تذكر بالحشر الأكبر، فالإنسان إذا لم يلن قلبه في تلك المواطن فربما يلين في غيرها، فلا نحجب التوبة عن أحد، لكن يكون أبعد في أن يلين في موطن آخر؛ لأن هذه المواطن تذكر بجمع الناس؛ ولهذا قرنها الله جل وعلا بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة:٢٠٣]، ومن علم أن إلى الله جل وعلا المحشر، وإلى الله جل وعلا المآب، وإلى الله المرجع خف تعلقه بالدنيا وزهد فيها، اللهم إلا أعمالاً يغلب على ظنه أنها ينفع الله بها البلاد والعباد، فهذه لا حرج أن يسابق فيها؛ لأن إيصال الخير للمسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونفع الناس مادياً ومعنوياً إذا قرن بالإخلاص فهو مما ترفع به الدرجات، ولئن يتمكن أهل الفضل والصلاح خير من أن يتمكن أهل الفساد والشر.
قال الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة:٢٠٣] قلنا: إن النبي ﷺ لم يتعجل، فرمى الجمار فبدأ بالصغرى، ثم بالوسطى، ثم بالكبرى.
стр. 190
هل كان النبي ﷺ يرمي ثم يصلي الظهر أو العكس ؟
و
السؤال
قلنا: إن النبي ﵊ صلى في مسجد الخيف، فهل كان يرمي ثم يصلي، أو يصلي الظهر ثم يرمي؟
و
الجواب
أنه كان ينتظر حتى تزول الشمس فيرمي ثم يعود إلى المسجد فيصلي بالناس، وخيمته بجوار مسجد الخيف، فيخرج ثم يرمى الجمرة الأولى الصغرى التي تلي مسجد الخيف، ثم يأخذ ذات اليمين فيقف يدعو بعد أن يتقدم قليلاً، ثم يأتي الجمرة الوسطى فيرميها، فيأخذ ذات الشمال ويتقدم ويدعو طويلاً، ثم يأتي جمرة العقبة التي هي حد منى من تلك الجهة، ثم لا يدعو ولا يقف صلوات الله وسلامه عليه، ويعود إلى المسجد ليصلي بالناس، فالرمي يقع وقتاً بعد الزوال وقبل صلاة الظهر، هذا إذا أردت أن توافق السنة، لكن لا يعني أنه لا يقبل إلا في هذا الوقت، فمن كان لوحده ليس كمن معه رفقة، ومن كانت رفقته رجالاً ليس كمن رفقته نساء، ومن رفقته نساء ضعيفات ليس كمن رفقته نساء نشيطات، فيختلف الوضع، والإنسان على نفسه بصيرة.
وفي ثالث الأيام انتهى ﷺ من الرمي وذلك يوافق الثالث عشر، فرمى الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى كما بينا، ثم لم يعد إلى مسجد الخيف وإنما مضى لسبيله، وأتى خيف بني كنانة، وخيف بني كنانة مكان اجتمعت فيه قريش لما تآمرت على النبي ﷺ على أن يحبسوه في شعب أبي طالب؛ في الشعب الذي جمع فيه بنو هاشم، وقد قال قبلها: (إنا نازلون غداً في خيف بني كنانة)، واختلف العلماء في نزوله ﷺ هذا، فذهبت عائشة وأظنه قول ابن عباس أنه شيء في طريقه ﷺ ، وذهب بعض العلماء إلى أن النبي ﷺ تعمد هذا، والذي يعنينا أنه لم يقل أحد بوجوبه، لكن قيل بسنيته، وهو الذي يظهر لي، فيأتي الإنسان هناك فيصلي الظهر في وقته ركعتين، والعصر في وقته ركعتين، والمغرب في وقته ثلاثاً، والعشاء في وقته ركعتين، هذا فعل النبي ﷺ ، ثم رقد رقدة خفيفة واستيقظ قبل طلوع الفجر، وذهب إلى المسجد الحرام، وطاف بالبيت صلوات الله وسلامه عليه طواف الوداع قبل أن يصلي الفجر، ثم صلى بالناس الفجر إماماً، ثم رجع إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، ونحن هنا بما أننا نفسر القرآن ولا يفسر القرآن بأعظم من السنة ذكرنا شيئاً من حجته ﷺ ؛ لأنه يتناسب في مقامنا هذا قبل دخول الناس في مناسك الحج، وهذا أفقه للناس وأنصح لهم؛ وحتى يعان المرء علمياً على كيفية الحج إلى بيت الله.
أظن خيف بني كنانة الآن منطقة المعابدة في مكة، وهي أقرب المناطق التي تحويها ما يسمى قديماً بخيف بني كنانة، وكان يسمى بالمحصب، وفي الحديث: (أن النبي ﵊ رقد رقدة بالمحصب)، وبينا خلاف العلماء في هذه الرقدة هل كان طريقاً مر به ﷺ لا أكثر من ذلك ولا أقل، أو أنه تعمد صلى الله على وسلم فيه، ورجحنا أن النبي ﵊ تعمد فيه.
قال ربنا: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، وقد قال ﷺ : (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله جل وعلا).
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة:٢٠٣].
стр. 191
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا)
ثم قال الله تعالى بعدها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥].
(من الناس) من هذه بعضية، (من) موصوله، (يعجبك قوله في الحياة الدنيا) أي: يعطى بلاغة ويؤتى بياناً، ومع جرأته على الله يكذب ويقول: إنني أقصد كذا ويشهد الله على ما في قلبه.
ثم قال الله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤] فالتجاوز دائماً غير محمود في الشرع حتى في الفصاحة، فإذا كان الإنسان يتفيقه في كلامه ويلوي لسانه حتى يظن أنه بليغ وفصيح فهذا أمر مذموم، فالتكلف مذموم شرعاً، و (ألد الخصام) أي: شدة الخصومة، وقد بينا هذا في دروس لغوية مضت وقلنا: إن الحزن هو شدة التضجر، وبينا أن البث هو شدة الحزن، وذكرنا أن ابن خالويه قاله في كتابه (فقه اللغة وسر العربية).
ثم قال الله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة:٢٠٥] أي: لم يَحُل بينه وبين أغراضه ومكامن قلبه شيء.
((وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ))، قال بعدها: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]؛ لأن الذي يصلح الأرض هو الله، فالإفساد في الأرض مصادمة لله الذي أصلح الأرض، فالإفساد في الأرض مصادمة لمراد الله؛ ولهذا قال الله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦]، وأعظم إفساد في الأرض هو الشرك، كما في الحديث: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وقد خلقك).
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 192
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [٢١٠ - ٢١٣]
لقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات مجيئه يوم القيامة والملائكة في ظلل من الغمام، وذلك لفصل القضاء بين الناس في ذلك الموقف بين العباد.
والمجيء من الصفات الثابتة لله تعالى، فيؤمن بها من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه، ثم ذكر الله تعالى أن الكفار زينت لهم الحياة الدنيا، وأنهم اغتروا بها فصاروا يضحكون من المؤمنين، مع أن المؤمنين فوقهم يوم القيامة، وذكر أن الناس كانوا أمة واحدة، وكان ذلك من لدن آدم وإلى عهد نوح، ثم اختلفوا فأرسل الله الرسل والأنبياء وأولهم نوح.
стр. 193
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام)
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد.
فكنا أيها المباركون قد انتهينا إلى قول الله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨]، وبينا ما يتعلق بها، ونبين أمراً قد ذكرناه من قبل في لقاءات مضت ودروس سلفت أن الشيطان أخفى عداوته، لكن الله جل وعلا أظهرها، وهنا كان قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨] وصف ظاهر لا التباس فيه، وإلا فالأصل أن الشيطان أخفى عداوته، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]، وليس هذا صنع من يريد أن يظهر عداوته، لكن الله جل وعلا كشفه وفضحه؛ فلهذا قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨]، ثم قال الله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة:٢٠٩]، والأصل أن الزلل هو في الأقدام، ثم استعير فأصبح يوصف به كل زلل في المعتقدات والآراء وغير ذلك.
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة:٢٠٩] أي: بعد الحجج الظاهرة والبراهين القاهرة.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٩] أي: لا يمنعه شيء من أن يعذبكم، (حكيم) أي: لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وهذه ظاهرة، وقد مرت معنا كثيراً.
стр. 194
منهج السلف الصالح في التعامل مع آيات الصفات
ثم قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]، وهنا ننيخ المطايا؛ لأننا نخاطب طلبة علم في المقام الأول، فهذه الآية هي إحدى الآيات التي تتكلم عن آيات الصفات، وهي آيات كما تعلم زلت فيها أقدام، وحارت فيها أفهام، ولا نجاة في مثل هذا التفسير وهذا المنحى إلا باتباع منهج السلف الصالح ﵏ في التعامل مع آيات الصفات، ومنهج السلف الصالح في التعامل مع آيات الصفات يقوم على أسس ثلاثة: الأساس الأول: تنزيه صفات الله أن يشبه شيء منها صفات المخلوقين، ودليله قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، فهذا أول الأسس في منهج السلف في التعامل مع آيات الصفات.
الأساس الثاني: الإيمان التام بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا أحد أعلم من الله بالله، ودليله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠].
ويتبع هذا الأساس-يعني: ما زلنا في الأساس الثاني- الإيمان بما وصف به رسول الله ﷺ ربه؛ لأنه لا أحد بعد الله أعلم بالله من رسوله ﷺ ، ودليله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
الأساس الثالث -وهذا مهم جداً-: قطع الطمع في إدراك الكيفية، والمعنى: أي: لا سبيل أبداً إلى معرفة كيفية هذه الصفات، ودليله قول الله جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
هذه الأسس الثلاث حررها شيخنا الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه في كتابه القيم (أضواء البيان).
وهنا يأتي إشكال، فلو أخذنا مثال آية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وهي غير موجودة معنا هنا -يعني: ليست في سورة البقرة- لكني أريد أن أخاطب الناس كيف يتعلمون ما ينجم عن هذه القضية من أمور.
فقد ذهب القاضي عبد الجبار أحد رءوس المعتزلة إلى أن (استوى) هنا بمعنى استولى، وقال: كما تقول: استوى الأمير على العراق، وأتى ببيت شعر لو صح فليس له علاقة بالدليل: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق فمفهوم كلامه: أن العرش ما ضرب إلا كمثل، والمقصود: استيلاء الله على كل شيء، فترك النقل وقدم العقل، هذا أمر.
والأمر الثاني: ترك ما وصف الله به نفسه وأتى هو بوصف من عنده، وكأن اللفظ القرآني قاصر عن أن يوصل المعنى إليك، ثم إن هذا -شاء أم أبى- يدل على كيفية ذلك الاستواء؛ لأنه حصره بمعنى الاستيلاء.
стр. 195
النصح لدين الله تعالى
فنحن الآن لسنا بصدد نقض كلامه؛ لأن كلامه منقوض، وليس الإشكال بيني وبينكم في أن كلامه منقوض، لكن جمعاً من المفسرين من علماء الأمة ممن شهد لأكثرهم بالصلاح تبعوه على هذا القول كـ الزمخشري في الكشاف، وابن عطية في (المحرر الوجيز)، والبيضاوي في تفسيره، والثعالبي في تفسيره، وأبي السعود في تفسيره، والألوسي في (روح المعاني)، والمراغي في تفسيره، وسيد قطب رحمة الله عليه في (ظلال القرآن)، فهؤلاء الجمع كثر، وقد قالوا بمثل ما قال به القاضي عبد الجبار -عفا الله عنا وعنهم، وغفر الله لنا ولهم-، لكن ما الذي ينتابك علمياً هنا؟ ينتابك أمران، أو يتنازعك أمران، وهذا كلام مهم جداً علمياً، وأرجو الله أن ينفع به الخلق.
يتنازع في المسألة أمران: الأمر الأول: النصح لدين الله.
والأمر الثاني: معرفة حقوق علماء الإسلام.
أولاً: النصح لدين الله، فالنبي ﷺ يقول: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم)، فهذا يجعلك لا يمكن أن تقبل أو تقر قولاً خطأ في دين الله خاصة في الاعتقاد، فلا يمكن أن تقول للناس: هذه مقبولة، ويسع الناس فيها الخلاف، فهذا محال؛ لأن هذا ليس نصحاً لدين الله، وأنت مأمور بأن تنصح لدين الله، ومن النصح لدين الله: أن تبين القول الخطأ، وتبرئ ساحة الدين من الأفكار الدخيلة.
стр. 196
العدل في رد الأخطاء مع من ظهر صلاحه
والأمر الثاني: معرفة حقوق أهل الإسلام، فلا يمكن أن تأتي لمسلم فسر القرآن، وظهر عليه الصلاح، وصلى وصام وقام وعبد واتقى، وبذل جهده وعمره في تفسير كلام الله، فمن أجل خطأ تشنع عليه شناعة تذهب كل محاسنه، فهذا حتى لا يتفق مع العدل الذي أمر الله به، فماذا نصنع؟ نتكلم عن الخطأ ونحرره، ونبين للناس الصواب، وأن هؤلاء أخطئوا وسلكوا مسلكاً هم في غنىً عنه، وواجهتهم عقبة كئود، فلا هم بالذين استطاعوا أن يرجعوا، ولا هم بالذين استطاعوا أن يتجاوزوها، فلا هم تجاوزوها ووصلوا إلى المقصود، ولا هم الذين رجعوا فسلموا، وإنما أوقعوا أنفسهم بخروجهم عن منهج سلف الأمة في التعامل مع آيات الصفات.
فتحرير هذا يدفعنا إليه النصح لدين الله، ونحن إذ بينا هذا الخطأ ونهينا الناس عن اتباعهم فيه نتوقف على أن نزيد فيه وندخل في أعراضهم ونقول فيهم ما لا يحل، فإن أعراض المسلمين ودماءهم وأموالهم حرام، قال ﷺ : (كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا).
يتفرع على هذا مسألة أخرى، وهي أنك أحياناً -وقد لا يكثر هذا، لكن قد يوجد- قد يأتي أحد من مشايخك فيتحدث عن أحد الناس قدحاً فيه، فمثلاً لو قدر -عافنا الله وإياكم، وعصمنا الله من كل سوء- لو أنني على مقعدي هذا ذممت أحد علماء المسلمين الصالحين، فأنت أيها الطالب! في هذه الحلقة المباركة، أو من يأخذ العلم عنا خلف التلفاز أمام ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يقبل قدحي في غيري موالاة لي، وهذا باطل.
الحالة الثانية: أن يقول لا يؤخذ منه علم؛ لأنه قدح في قرينه -والقدح غالباً يكون في القرين-، فتنفض يدك وتحرم نفسك من العلم الذي آتاه الله إياه، وهذا خطأ آخر.
والصواب: ألا تقبل القول الخطأ في أي أحد، ولا القدح في الناس، ولو كان هذا شيخك أو رجلاً له فضل عليك، فالباطل يرد على كل أحد، لكن كن لبيباً فلا تحرم نفسك من شيء من علمه أن تحصله بسبب هذا.
فالإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه سئل: أين نذهب بعدك؟ فدلهم على رجل، فقيل له: إن يتكلم فيك، فقال: رجل صالح ابتلاه الله بي.
فكونه مبتلىً بي ويحسدني على منزلتي شيء، وكونه عالم شيء آخر، فلا تقبل قدحه فيّ ولا حسده إياي، وخذ من علمه؛ حتى تستفيد.
تطبيق علمي على أصلنا: (الجامع لأحكام القرآن) كتاب تفسير للقرطبي، وقد وقع فيه القرطبي ﵀ في مسائل مشابهة لهذه وهنات كبرى، كقوله عند تفسير الله جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، قال: أمره أو ملائكته أو جنده، فأول الآية، لكن لا يمنع هذا أن تفسير القرطبي من أمتع كتب التفسير، وليس هناك حرج أن تقول بملء فيك -وليس هذا قدحاً في القرطبي -: إن القرطبي في تلك المسائل أخطأ؛ لأن هذا يفرضه النصح لدين الله، فإذا ضبطت -في ظني المسألة- وفق هذا التصور سلم الناس كثيراً من التخبطات، وأما أن يأتي إنسان فيجامل ويترك النصح للدين فهذا لا يجوز، وأن يأتي إنسان فيضع أئمة المسلمين في الحضيض بحجة النصح للدين فهذا لا يجوز.
стр. 197
حكم الاختلاف في المسائل الفقهية الفروعية
ثمت مسائل أيها المبارك لا ترقى إلى هذا وهو الاختلاف في الفروع الفقهية، فإن الاختلاف في الفروع الفقهية عادة يصعب الترجيح فيه؛ لأن السلف أنفسهم اختلفوا فيه، بخلاف الأول وهو المسائل العقيدة فإنه يوجد منهج للسلف قد أجمعوا عليه، فلا يحق لنا وقد جئنا بعدهم ونحن نقتات على بقايا موائدهم في العلم أن ننبذ قولهم، لكن في أفرع الفقه هم أنفسهم قد اختلفوا، فلا نطبق القاعدة الأولى، وإنما نقول: يقبل هذا ويقبل هذا، وهذا هو المعني بقوله: وواجب عند اختلاف الفهم إحساننا الظن بأهل العلم أرجو أن تكون هذه المسألة قد حررت تحريراً جيداً.
يقول ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] فعلينا إمرارها كما جاءت، فتفسيرها إمرارها.
((فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ)) ظلل نكرت للمهابة والتهويل.
﴿وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] أي: انتهى الأمر.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠] فالله قد ملك الناس شيئاً من أمورهم، ثم في الآخرة ينتهي الملك الصوري كما حررناه كثيراً ويبقى الملك الحقيقي.
стр. 198
تفسير قوله تعالى: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة)
قال الله جل وعلا بعدها: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:٢١١] السؤال هنا ليس المقصود منه الاستفهام، وإنما الإقرار، وبنو إسرائيل هم ذرية يعقوب، فإسرائيل هو يعقوب، وهو ابن لإسحاق، وإسحاق ابن لإبراهيم، ويعقوب وأبوه إسحاق وجده إبراهيم دل القرآن على التلازم فيما بينهم قال الله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] ولما سئل ﷺ عن الكريم ابن الكريم قال: (يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)، وهذا نسب تليد في المجد، نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الله، وهذا لم يعطاه أحد فيما نعلم.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ﴾ [البقرة:٢١١] (كم) خبرية وليست استفهامية؛ لأن النبي ﷺ يعلم ما هي الآيات التي جاءت بني إسرائيل، وهو لا يريد منهم أن يجيبوه، بل يريد أن يقررهم على ما وقعوا فيه.
﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة:٢١١] وتنقسم إلى قسمين: آيات قدرية كونية، وآيات شرعية، فالآيات الشرعية في المقام الأول: التوراة، وفي الآيات القدرية الكونية انفلاق البحر؛ لأنه أمر قدري.
والله جل وعلا أخبر أن آتى موسى تسع آيات؛ ليقيم بها الحجة على فرعون وآله، فتكون تأييد له وللمؤمنين الذين معه، وحجة على من معه، وهذه التسع من باب الاستطراد هي حسب ترتيب ظهورها: العصا، واليد، والسني، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، هذه أربع.
ثم قال جل وعلا: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣] وهذه خمس ومضت أربع فأصبحت كلها تسع.
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١١] أظهر ما قيل: المقصود بها الإسلام.
стр. 199
إشكال وجوابه
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ [البقرة:٢١١] وهنا إشكال: فقد يأتي إنسان ويقول: قوله: (من بعد ما جاءته) زائدة، فلو قلنا له: لماذا زائدة؟ لحاجك وقال لك: لا يمكن أن يكون هناك تبديل حتى تأتي أول الآية، فإذ لم تأت الآية فكيف أبدلها؟ إذا لم تأت النعمة فكيف أبدلها؟ فلماذا قال الله: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ [البقرة:٢١١] ولا يمكن تبديلها أصلاً حتى تجيء؟ والسبب أو التعليل لذكر: (من بعد ما جاءته) أمران: الأول: التشنيع والتقريع.
والثاني: حتى لا يتوهم أن تبديله كان عن جهل بها، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:٢١١].
стр. 200
تفسير قوله تعالى: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا)
ثم قال ربنا: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢] من نقمة الله جل وعلا بأهل الكفر أن الدنيا تزين لهم، فيظنون أنهم خالدون، وتكثر سخريتهم بأهل الإيمان، ومن يمشون في تفسيرهم -كما هو صنيع الشنقيطي في (أضواء البيان) - على تفسير القرآن بالقرآن يقولون: إن قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢١٢] لم يحدد الله كيفية السخرية، وحددها في سورة المطففين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠] فقد كانت السخرية بالغمز والضحك على أهل الإيمان.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٢] وعيَّن فقال: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢]؛ لأن الدنيا ليست دار انتصار ولا فوز، وإنما الحياة الأبدية إنما تبدأ يوم القيامة.
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢]، ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢] أي: أن هؤلاء أهل الطاعات أعد الله لهم من الرزق يوم القيامة ما لا يمكن أن يقدر بقدر.
стр. 201
تفسير قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله)
ثم قال ربنا ﵎: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣] إلى آخر الآية.
قوله: (كَانَ النَّاسُ) هذا عام أريد به الخاص؛ لأن كلمة الناس عامة، لكنه يقال: عام أريد به الخاص،
و
السؤال
من الخاص؟ لأنه لو قلنا عام فالناس واضحة، لكن لما خصصناه قلنا: عام أريد به الخاص، فينصرف إلى القرون التي كانت من آدم إلى نوح، فالناس لفظ عام أريد به الخاص هنا، أي أريد به أناس خاصون وهم القرون التي عاشت من لدن آدم إلى نوح، وكانت عشرة قرون، فهؤلاء كانوا على الفطرة لا يشركون مع الله غيره، وهذا معنى قول الله: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)) أي: على دين واحد.
ومن معاني (أمة) الدين والملة، وقد مر معنا كثيراً تحرير كلمة أمة.
((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)) فهناك إيجاز حذف وهو أنهم اختلفوا وحادوا عن الفطرة، وغيروا الدين، قال الله بعدها: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣]، وأولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ .
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 202
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [٢١٣ - ٢١٧]
يخبر الله تعالى أن الناس كانوا أمة واحدة على التوحيد والخير، ثم اختلفوا واجتالتهم الشياطين إلى الشرك والفرقة، فأرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين.
وذكر الله تعالى أيضاً أن دخول الجنة ليس بالأمر الهين، فهو أمر يحتاج إلى عمل وتضحية، وقد تصيب الإنسان في سبيل ذلك الفتن والابتلاءات.
ثم ذكر الله تعالى حرمة الأشهر الحرم، وأنه لا يجوز فيها الاقتتال، وأعظم من ذلك الصد عن دين الله، والكفر به.
стр. 203
تفسير قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها المباركون! كنا قد انتهينا إلى قول ربنا ﷻ وتباركت أسماؤه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣].
وقلنا في صدر هذه الآية: إن (الناس) هنا لفظ عام أريد به الخاص، والخاص المراد به هنا هم تلك القرون التي عاشت من لدن آدم إلى نوح ﵊، فهذه الحقبة من آدم وإن كان آدم نبياً إلا أنها كانت على الفطرة، وكانت على دين واحد على ملة الإسلام، وهذا من أعظم الدلائل وأجل القرائن على أن الإسلام دين الفطرة، ثم لما دب فيهم الاختلاف، وعظموا الصالحين، ونشأ الشرك في الأمم كان من رحمة الله جل وعلا بعباده أن بعث الأنبياء، وأنزل الكتب؛ حتى تقوم الحجة، وتتضح المحجة، ولهذا قال الله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣]، وهذا يسمى عند البلاغيين إيجاز حذف، واختلفوا فبعث الله النبيين، إذ لا مصوغ لبعث النبيين إلا اختلاف الناس، فبعث الله الرسل وأولهم -كما قلنا- نوح وآخرهم وخاتمهم نبينا وسيدنا محمد ﷺ ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وقدمت البشارة على النذارة؛ لأنه أليق وأقرب بالقبول، والتقديم والتأخير في النذارة والبشارة في القرآن يحكمه السياق العام الذي يأتي للآية، والإنذار من باب الزيادة في الفهم والعلم، وهو الإعلام لكنه يكون مصحوباً بوعيد، ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣].
فالإعلام إذا كان مصحوباً بوعيد فهو الإنذار، وأما إن لم يكن مصحوباً بوعيد مثل الإعلام بدخول الوقت في الصلاة فهذا يسمى إذاناً، إذاً يتحرر من هذا أن كل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.
стр. 204
كل أمة كان لها كتاب
وقوله جل وعلا: ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣] قلنا: مأخوذة من النذارة، ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ﴾ [البقرة:٢١٣] عائد على النبيين، (الكتاب بالحق)، فما دام أنه من عند الله فلا بد أن يكون ملتبساً بالحق ومتضمناً له، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء:١٠٥]، والكتب التي أنزلت على الأنبياء والمرسلين الأظهر أن كل أمة كان لها كتاب؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٢١٣]، وقد تكون صحفاً، ولا يمنع هذا من تسميتها كتاباً، لكن تعبدنا الله بالإيمان بها جملة والإيمان ببعضها تفصيلاً، ومما سماه الله جل وعلا صحف إبراهيم، والتوراة، والإنجيل، والزبور، فهذه مما أمرنا أن نؤمن بها تفصيلاً، وقد أخبرنا الله جل وعلا ببعض ما كان فيها، يقول الله جل وعلا: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:٣٦ - ٣٨].
إذاً: فقوله جل وعلا: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:٣٨] كما هو الآن في القرآن كان موجوداً في صحف إبراهيم وصحف موسى، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، والبغي هنا يشمل ثلاثة أضرب: الحسد، والظلم، والتكذيب، وهي متلازمة فيما بينها، وهذا ينشأ غالباً عياذاً بالله بين الأقران، فيبغي بعضهم على بعض.
стр. 205
هداية الله هذه الأمة إلى يوم الجمعة دون اليهود والنصارى
قال الله جل وعلا: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣]، وليعلم الإنسان أنه لا سبيل إلى وصول المقصود ومعرفة الحقائق إلا بالله، فالمؤمن يستعين بالله، ويتضرع إليه، ويسأله أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والنبي ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: (نحن الآخرون) أي: أمماً، (السابقون يوم القيامة).
ثم يتكلم عن يوم الجمعة، وأن الله أضل اليهود والنصارى عنه فقال: (فهو لنا)، ومعلوم أن النصارى تعظم يوم الأحد، واليهود تعظم يوم السبت، فقال ﵊: (والناس لنا في ذلك تبع) أي: بعد، فاليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد.
فكل تلك الأمم كانت تعلم أن هناك يوماً عظمه الله، فلم يهد له اليهود ولم يهد له النصارى، وهديت له هذه الأمة.
стр. 206
تعدّي الفعل (هدى) بحرف وبغير حرف
فقول الله جل وعلا: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣] يشمل كل مؤمنين خاصين بكل أمة، ويشمل أمة محمد ﷺ في سائر الأمم، ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣].
و (يهدي) قد مر معنا ذكرها من قبل، فقلنا: تعدى بحرف الجر (إلى) كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]، وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وتأتي غير متعدية، كما في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، فهي غير متعدي بحرف جر، والفرق بينهما أنه إذا كان الحديث عن نقل الناس من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن حالة سيئة إلى حالة حسنة فإن الفعل (يهدي) يتعدى بحرف الجر (إلى)، وأما إذا كان المقصود من إمرار الفعل وذكره الزيادة في الطاعة والزيادة في الهداية فلا يتعدى بحرف جر إنما يتعدى بنفسه، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، فلا يوجد حرف الجر (إلى)؛ لأن الذي يقرؤها ويتلوها مؤمن، وإنما يريد زيادة الهداية، فقول الله جل وعلا مثلاً في أول فاتحة إبراهيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١] كان يتكلم عن الانتقال من مرحلة الكفر إلى مرحلة الإيمان، لكن في قوله جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، فإنه يتكلم عن فئة تتلو القرآن، وتقيم الصلاة، وتريد الزيادة من الهداية.
стр. 207
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم)
قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١٤]، فـ (أم) هنا بمعنى بل، والمقصود منها الإضراب، أي: الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ [البقرة:٢١٤].
و (لما) أخت للم، إلا أن الفرق بينهما أن (لم) نفي للشيء الذي لا يترقب وقوعه، في حين أن (لما) نفي لحصول الشيء الذي يترقب وقوعه، فكون هذه الأمة ستبتلى بالبأساء والضراء هذا مما يترقب وقوعه، قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١٤].
ما الذي أتاهم؟ قال الله: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة:٢١٤]، والفرق بين البأساء والضراء أن البأساء: هي ما يصيب الإنسان في غير ذاته، مثل: التهديد الأمني، الإخراج من الديار، نهب ماله، فهذا كله يسمى بأساء.
والضراء: هي ما يصيب المرء في نفسه، مثل: الأمراض والجراح والقتل، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة:٢١٤]، وأصل الزلزلة التحريك، والمقصود أنهم ابتلوا بأنواع البلايا، ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، ليس المقصود من (متى) هنا الاستفهام المجرد، وإنما المقصود استجداء نصر الله، ثم قال الله: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، وليس بعد العسر إلا اليسر: وراء مضيق الخوف متسع الأمنِ وأول مفروح به غاية الحزنِ ألم تر أن الله ملّك يوسفَ خزائنه بعد الخلاص من السجنِ
стр. 208
تفسير قوله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٥].
الآن جاء ضرب آخر من الحديث يتعلق بالتشريعات، وسورة البقرة مر معنا في فاتحتها أنها سورة مدنية، وهي من أوائل ما أنزل في المدينة، ولهذا كان أهل المدينة يفتخرون بها افتخاراً عظيماً، وقد ورد أن النبي ﷺ لما ضيق عليه في يوم حنين أمر العباس أن يدعو الناس، فأخذ العباس يقول: يا أصحاب سورة البقرة! يقصد الأنصار، فيذكرهم بالجهاد الذي فرض في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦].
فسورة البقرة سورة مدنية، وهي أطول سورة في القرآن، ومن أوائل ما نزل في المدينة، وكان الأنصار يفتخرون بها افتخاراً عظيماً، وهنا يأتي الحديث عن قضايا تشريعية، فيقول جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢١٥]، يقول المفسرون: إن السائل عمرو بن الجموح ﵁ وأرضاه، وهو الذي مات شهيداً في أحد، وأُحد جبل يقع شمال المدينة، وسمي أحداً لتفرده عن الجبال، وقد جاء في حقه: (أحد جبل يحبنا ونحبه)، وقال ﷺ : (اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، فـ عمرو هذا أحد أعظم الشهداء في أحد، والشهداء في أحد كانوا سبعين شهيداً، والله يقول: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، فالمصيبة التي أصابتهم ما كان من قتلهم يوم أحد، وقد قتل منهم سبعون، وأصابوا مثليها في بدر، فقد قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين، وهذا خروج عن الآية لكن هذا بسبب ذكرنا عمرو بن الجموح، يقولون إنه سأل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢١٥]، والأظهر من أقوال العلماء أن المسئول عنه صدقة التطوع؛ بقرينة أن الله قال: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:٢١٥]، ومعلوم أن الوالدين لا يعطيان من الزكاة الشرعية، ولكن الكلام هنا على صدقة التطوع، فقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة:٢١٥] قلَّ أو كثر، ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:٢١٥]؛ لأنهما أعظم حقاً، ﴿وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:٢١٥]، والأقرب هو الأدنى، أي: الأدنى إلى المنفق، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢١٥]، يتامى جمع لكل يتيم ويتيمة، فإذا قلنا: يتامى فالمراد جمع من الذكور والإناث ممن يتم، وإذا قلنا: أيتام فنتكلم عن ذكور لم يبلغوا الحلم ومات والدهم، والقرآن هنا يتكلم عن كونهم ذكراناً أو إناثا فجعلها يتامى.
قال الله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة:٢١٥] أي: الفقراء، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم، فلا ريب أن قلة المال في الغالب تضفي على صاحبها شيئاً من السكون، والعرب تقول: حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة حنت إليه وحركت أذيالها وإذا رأت يوماً فقيراً معدماً هشت إليه وكشرت أنيابها لكن العبرة بما عند الله، وابن السبيل هو المسافر المنقطع، ولا بد من تقييده بالمنقطع؛ لأنه إذا كان غنياً فليس بحاجة إلى أن يأخذ من أحد.
ثم بعد أن بين الله جل وعلا كيف تنفق الأموال، بين الله ﵎ أن كل خير يصنعه العبد فإن الله مطلع عليه، فقول ربنا: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٥]، فهذا إجمال بعد تفصيل، وعام بعد خاص.
стр. 209
تفسير قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)
قال الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦] أي: فرض، والقتال هنا بمعنى الجهاد، ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] أي: شاق عليكم، وليس المعنى أن الصحابة يكرهون أوامر الله؛ لأن هذا ما ينسب إلى أمثل رعيل وأجل جيل، وإنما فيه من المشاق ما الله به عليم مما لا تطيقه النفوس إلا النفوس الصادقة؛ لما فيه من بذل المهج والأموال والمرابطة، وما لا يخفى عليكم من قضايا الجهاد، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦].
ولم يكن القتال قد فرض عليهم في مكة، وإنما فرض عليهم في المدينة، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] باعتبار المآل؛ لأنه ينجم عن الجهال إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة، ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
ومما ينبغي التنبيه عليه أن الجهاد في سبيل الله من أعظم وأجل القربات، والدليل: أن النبي ﷺ قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر، فقال الصحابة: ولا الجهاد في سبيل الله؟) فلم يذكروا إلا الجهاد؛ لما استقر في أذهانهم وقلوبهم رضوان الله عليهم أن الجهاد من أعظم القربات، فالله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، فالله أعلم بما يصلح العبد وما فيه فلاحه، فيجب الإذعان لأمره، والتوكل عليه.
وأنا عجلت في ذكر التفسير؛ لأن المعاني ظاهرة.
стр. 210
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)
ثم قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧] والمعنى: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، ويسمى عند أهل الصناعة النحوية بدل اشتمال، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧] والمعنى: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وقبل أن نعرج على الآية نقول: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن جحش، وذلك أن النبي ﷺ بعثه في سرية في أخريات جمادى، فأهلّ رجب وهو شهر حرام دون أن يعلموا، فأصابوا طائفة من أهل الإشراك، فقتل من القرشيين رجل يقال له: ابن الحضرمي، فتبين لهم بعد قتله أنهم قتلوه في أول رجب في شهر حرام، وكانت العرب على شركها تعظم الشهر الحرام ولا تتقاتل فيه، والأشهر الحرم واحد فرد وأربعة سرد، فالفرد رجب والثلاثة السرد ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وكانت العرب تعظمه، فلما قتل ابن الحضرمي عيرت قريش المسلمين بأنهم يسفكون الدم في الشهر الحرام، وشق ذلك على عبد الله بن جحش ومن معه في السرية، فأنزل الله جل وعلا وهو أحكم الحاكمين قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧] أي: عن القتال في الشهر الحرام، ﴿قُلْ﴾ [البقرة:٢١٧] أي: يا محمد! ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٧] أي: القتال في الشهر الحرام إثم كبير، ثم قال الله وهذا كلام مستأنف: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧] أي: ولكن الصد عن سبيل الله والكفر به -أي: الكفر بالله-: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧].
جاءت مجرورة؛ لأنها معطوفة على سبيل، فيصبح المعنى الصد عن سبيل الله، والكفر بالله، والصد عن المسجد الحرام، فيصبح المسجد الحرام معطوف على سبيل عند جماهير أهل البصرة من النحاة، وذهب الفراء أحد أئمة أهل الكوفة في النحو إلى أنه معطوف على الضمير في (به)، فيصبح المعنى على قول الفراء: كفر به وكفر بالمسجد الحرام، لكن قواعد البصريين تقول: إن المعطوف على المجرور لا بد أن يعاد العامل معه، أي: يعاد حرف الجر، وهنا لم يعاد حرف الجر، فذهبوا إلى أنه معطوف على كلمة (سبيل)، فيصبح المعنى: وصد عن سبيل الله وصد عن المسجد الحرام، وبينهما: كفر بالله.
﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [البقرة:٢١٧]، وهذه مسألة أخرى لذلك جاءت مرفوعة: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ [البقرة:٢١٧] أي: أهل المسجد الحرام، والمقصود به النبي ﷺ وأصحابه، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [البقرة:٢١٧] أي: من المسجد الحرام من مكة، ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧] أي: أكبر من القتل في الشهر الحرام، وأكبر من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام، أي: ما صنعه عبد الله بن جحش -مع أنهم في غالب الظن لم يكونوا يعتقدون أنهم في شهر حرام- من قتل ابن الحضرمي فأن الصد عن المسجد الحرام أكبر عند الله من هذا القتل القائم على غلبة الظن في الشهر الحرام، ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧].
ثم قال جل وعلا: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧]، الفتنة معناها: اضطهاد الناس في دينهم، وحملهم على ترك الدين وتعذيبهم، وقد وقع هذا من قريش، فهذا أكبر من القتل، أي: الذي وقع من عبد الله بن جحش وأصحابه.
ثم قال الله: ﴿وَلا يَزَالُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] والفعل زال غالباً إذا سبقته (ما) ما زال يتحدث به عن الخير، وإذا سبقته (لا) يكون في الأمور غير المحمودة.
قال الله: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٧] يخبر الله نبيه عن أهل الإشراك: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، لكن
السؤال
هل استطاعوا أو لم يستطيعوا؟ ف
الجواب
لم يستطيعوا، وهل دب إليهم اليأس أو لم يدب؟ إلى وقت هذه السورة لم يدب، لكنه دب بعد ذلك في قوله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٣] أي: يئسوا أن يردوكم عن دينكم، وهؤلاء هم كفار قريش.
стр. 211
من ارتد ثم آمن فما حكم عمله في حال الإسلام الأول ؟
ثم قال جل وعلا: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، والكلام عن الردة قد لا يتسع له الوقت لكن نتكلم عنه إجمالاً؛ حتى يستفيد الناس، فإذا كان هناك مؤمن قد ارتد فإن بقي على ردته حتى لاقى الله فلا خلاف أنه في النار خالد مخلد فيها، لكن الإشكال لو أنه ارتد ثم آمن فهل عمله الأول يحبط أو لا يحبط؟ فمن قال: إنه يحبط استدل بقول الله جل وعلا: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].
ومن قال: إنه لا يحبط احتج بقول الله جل وعلا بالقيد: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة:٢١٧]، قالوا: فهذا عائد للإيمان، وأثر الخلاف في المسألة لو أن رجلاً آمن وحج، ثم ارتد، ثم آمن فهل يطالب بالحج أو لا يطالب؟ فمن قال: إن المطلق يحمل على المقيد قال: إن حجه الأول لا يحبط؛ لأنه لم يمت على الكفر، ومن قال: لم يحمل المطلق على المقيد جعله كأنه لم يحج، وألزمه بالحج بناء على أن الله قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥].
والذي أختاره -والعلم عند الله- أنه لا يطالب بالإعادة، لكن لا أجر له على ما قد مضى؛ جمعاً بين الأدلة؛ لأنه أحبط أجره بالكفر، لكنه لا يطالب بالإعادة؛ لأنه عاد إلى الإيمان ولم يمت على الكفر، لخصتها إجمالاً مراعاة للوقت.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، شكر الله لكم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 212
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [٢١٨ - ٢١٩]
ذكر الله تعالى في هذه الآيات أن القتال في الأشهر الحرم منكر كبير، وأن أكبر من ذلك هو الصد عن سبيل الله تعالى، والكفر به سبحانه.
وذكر أيضاً أن من كان مسلماً ثم ارتد على عقبيه إلى الفكر فإن أعماله تحبط في الدنيا والآخرة.
وذكر سبحانه أن الذين آمنوا وجاهدوا في سبيله وهاجروا يرجون رحمته ورضوانه، وأنهم يتاجرون تجارة لن تبور.
ثم ذكر الله تعالى الخمر والميسر وذكر ما فيهما من الإثم والفساد.
وقد فُسرت الآيات بأسلوب سهل شيق رائع يشد القلوب، ويأسر الألباب.
стр. 213
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا لقاء متجدد من برنامجنا محاسن التأويل، وكنا قد انتهينا في اللقاء الأول إلى قول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، إلى آخر الآيات، فنجمل الآن ما حررناه في ذلك الوقت، ثم نزدلف إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، وهي الآية التي سنبدأ بها تفسير حلقة هذا اليوم، والأشهر الحرم أربعة: ثلاثة سرد وهن: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد فرد وهو رجب، والآية جاءت في أن النبي ﷺ بعث سرية بإمرة عبد الله بن جحش ولم يأمرهم بقتال، ثم تعرض لهذه السرية قوم من قريش فأقدمت السرية على قتلهم دون أن يدروا أو يعلموا أنهم دخلوا في الشهر الحرام، وكان ذلك في آخر جمادى الذي هو قبل رجب، ورجب شهر حرام، فلما تبين بعد ذلك أن القتال كان في الشهر الحرام جعلت قريش ذلك سبة وعاراً على المؤمنين, وقالوا: كيف يدعو محمد إلى مكارم الأخلاق وقد نقض شيئاً العرب كانت متفقة عليه من قبل وهو عدم الاقتتال في الشهر الحرام!! فهذا هو مجمل سبب النزول، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧]، الذي نريد أن نصل إليه هنا هذا كله تم تفسيره، لكن ما سيأتيك بعد ذلك مصدر بقوله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ [البقرة:٢١٧]، أو: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ [البقرة:٢١٩].
فحتى يتمكن طالب العلم من فهم كلام الله لا بد -كما قلت قديماً- من الإجمال، ثم من الإجمال ندرج إلى التفصيل، والسؤال في القرآن يأتي دائماً بحسب سائله، ولما كان السائلون يختلفون كان لا بد أن يكون الغرض من السؤال يختلف، فلما سألت اليهود عن الروح فهذا سؤال للتعنت، وهذا أول مقاصد السؤال، وهناك سؤال للاحتجاج وهو سؤال أهل الإشراك هنا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فإذا انتهينا من أسئلة اليهود وأسئلة أهل الإشراك لم يبق إلا أسئلة أهل الإيمان، وأهل الإيمان يسألون للاسترشاد؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم عندما يأتيهم الجواب الإلهي.
إذا تحرر هذا فقول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧] الأصل أنه جاء على لسان كفار قريش، فهو سؤال للاحتجاج، وقول الله ﵎ في الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥] هذا للتعنت؛ لأن السائلين هنا هم اليهود، وأما قول الله جل وعلا كما سيأتي عن الخمر والمحيض ماذا ينفقون، فهذه أسئلة المؤمنين الذين كانوا يحيطون بالنبي ﷺ في المدينة، فهذه أسئلة للاسترشاد.
стр. 214
حكم عمل الإنسان حال إسلامه إذا ارتد بعد ذلك
انتهينا في اللقاء الماضي إلى قول الرب ﵎ في نفس آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧]، إلى قضية الردة، وقلنا: إن الله جل وعلا قيدها بقوله ﵎: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة:٢١٧]، وقلنا: إن العلماء اتفقوا في أن الإنسان لو ارتد ومات على الردة كافراً فلا ريب أن أعماله جميعاً قد حبطت؛ لأن هذا نص كلام الله، وقد قلنا في تحرير سابق: إن الآيات المحكمة لا يمكن أن يختلف العلماء فيها؛ لأنها ظاهرة، ولهذا لم يأتينا أحد من أهل العلم يقول: إن الإنسان إذا مات كافراً بعد أن كان مؤمناً أن شيئاً من علمه يبقى؛ لأن هذا أمر قد أوضحه القرآن، فالله جل وعلا يقول: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧]، ويقول في آيات أخر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].
стр. 215
من ارتد ثم آمن فما حكم عمله في حال الإسلام الأول
لكن الإشكال في أن إنساناً كان مؤمناً ثم ارتد، ثم تاب عن ردته وعاد إلى الإيمان، فهل العمل الذي كان قبل الردة يبقى أم يحبط؟ هذا هو السؤال، فمن أخذ بالقيد قال: إن العمل يبقى؛ لأن الله قيده بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة:٢١٧].
ومن جعلها مطلقة قال -وهذا الأظهر-: إن الإنسان يكتب له الأجر، لكن لا يسقط ذلك الشيء المفروض عليه، مثال ذلك: لو أن إنساناً حج ثم ارتد ثم تاب وعاد إلى الإسلام فهل حجته الأولى يلزم عليه أن يعيدها أو لا يعيدها؟ هذا التي فيها تنازع بين العلماء.
следующие страницы →