← Тафсир

Тафсир · id 37455

سلسلة محاسن التأويل - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (789 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

كرامة المؤمن على الله والآية التي نحن بصددها هنا هي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧]. فالياء حرف نداء، والمنادى هم الذين آمنوا، والنداء بـ (الذين آمنوا) يسمى نداء كرامة، في حين أن النداء بقوله: (يا أيها الناس) أو: (يا بني آدم) نداء علامة بحسب ما اتصفوا به، فـ (يا أيها الذين آمنوا) نداء كرامة، والمؤمن كريم على الله. ومن أعظم الدلائل على أن المؤمن كريم على الله ما روي من أن خلف بن عمرو قرأ على أحد الصالحين القرآن، فلما وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] بكى الرجل الذي كان يقرأ عليه القرآن، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: يا خلف! انظر كرامة المؤمن عند الله، نائم على فراشه وتستغفر له حملة العرش!

стр. 632

المراد بإضافة البيوت في قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم) قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧] الملكية هنا ليست مراده، فقوله تعالى: (غير بيوتكم) أي: غير التي تسكنون، وهذا واقع في هذا العصر، فإضافة البيت هنا ليست إضافة تمليك، والمقصود البيت الذي تسكنه، فالبيت الذي تملكه إذا أجرته من غيرك فسكنه فإنه لا يعتبر في عرف الآية ودلالتها بيتاً لك، فالله يخاطبك فينهاك عن البيوت التي لا تسكنها، بصرف النظر عن تملكها، وكونك في بيت ملك أو في بيت مستأجر، فالعبرة هنا بالسكنى.

стр. 633

بيان المراد بالاستئناس وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] (حتى) تأتي لابتداء الغاية، وتأتي لانتهاء الغاية، وقد قال أحد النحاة: أموت وفي نفسي شيء من (حتى)، وأظنه أبا عمرو بن العلاء، فقد درس النحو وتعمق فيه، وكان من الأقدمين من شيعة سيبويه الأولين، يقول: أموت وفي نفسي شيء من (حتى)؛ لأن ما بعدها يصلح له كل شيء، فلم يستبن له الأمر فيها. فـ (حتى) هنا لانتهاء الغاية أو لابتدائها، وهذا كله يظهر حسب سياق القرآن. فقوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] هذا أدب رباني يعلم الله فيه المؤمنين، ولكن الإشكال قائم عند العلماء في معنى الاستئناس، فالسلام معروف، واختلفوا في الاستئناس، فقال قوم: الاستئناس هو الاستئذان نفسه. وقال آخرون: إن الاستئناس أن تحدث صوتاً قبل أن تستأذن، كأن تتنحنح أو ترفع من صوت سيارتك إذا قربت، أو تغلق بابها بقوة لتشعر أن هناك رجلاً قادماً. والعلماء يقولون: إن الاستئذان ثلاث مرات: فالمرة الأولى حتى لينصت أهل الدار، والمرة الثانية ليستصلحوا، ويغيروا في أثاث البيت، والمرة الثالثة ليأذنوا أو ليقولوا لك: ارجع. وبعض العلماء يقول: إن الاستئناس لا هذا ولا ذاك، وإنما هو ضد الاستيحاش، والاستيحاش: الوحشة، والقادم على أي دار يجد في نفسه وحشة وغربة، فهل سيقبله أهلها أم لا، فإذا قبل زالت عنه تلك الوحشة، ولذلك كان حرياً بمن يستقبل أن يقول: مرحباً أهلاً وسهلاً، فغربتك تشفى بكلمة (أهلاً)، أي: وجدت لك أهلاً يذهبون عنك الوحشة، فهذا هو الذي دفع أقواماً إلى أن يقولوا: إن الاستئناس هو من الأنس وإبعاد الوحشة. يعني: لابد أن يتبين لك أن أهل الدار راغبون في استقبالك أو غير راغبين، فإن فهمت منهم -ولو أذنوا- أنهم غير راغبين؛ فالأولى والأحرى أن تنصرف. وهذه المعاني لم تتعرض لها الآية، ولكنها استنباطات العلماء، وفرق بين النص وبين تعليق العلماء على النص، فالتقديس يذهب إلى النص، وعدم التقديس يذهب إلى غير النص. نقول: ويدل على أن معنى الاستئناس ما ذكره قول الله جل وعلا: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص:٢٩]؛ فإن موسى ﵇ كان في حالة وحشة، فلما رأى النار ورأى النور زالت تلك الوحشة، كإنسان غريب ضائع تائه في صحراء مظلمة يخشى ويستوحش، فحين يرى عن بعد شيئاً ما تزول عنه تلك الوحشة تدريجياً. قال تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] أي: أهل الدار، وقد قلنا: إن الاستئذان قد دلت السنة على أنه ثلاث، كما في حديث عمر لما استأذن على النبي ﷺ وقد اعتزل النبي ﷺ نساءه في تلك المشربة، فإنه بعث عبداً يستأذن النبي ﵊، فرده مرتين فلم يجب وفي الثالثة قبله. قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧]. أي: هذا التشريع الرباني والنص الإلهي والأدب القرآني خير لكم، ولابد من أن يكون فيه خير؛ لأنه من عند الله، والتذكر والتبصر لا يكون إلا بتعاليم الكتاب وتعاليم السنة.

стр. 634

ذكر قصة عمر في الاستئناس وتذكر في هذا الباب قصة عمر رضي الله تعالى عنه في قضية الاستئناس والاستئذان، وذلك عمر رضي الله تعالى عنه مر على حائط فيه فتية من الأنصار يشربون الخمر، فتسور الحائط بعد أن تبين له أن هناك سكارى خلفه، فداهمهم وأنكر عليهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين! قد جئنا بواحدة -وهي شرب الخمر- وجئتنا بثلاث: وهي أنك تجسست، والله قد نهى عنه، وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] ولم تستأنس، وقال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩] وأنت تسورت علينا الحائط، فرجع عنهم وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عمر. وقد قيل: إن عمر رضي الله تعالى عنه قبل قولهم من باب أنهم استندوا إلى القرآن، ومن علامة التقوى أن يقبل الإنسان الأمر الرباني ولو جاء من أقل منه، وقد قال حافظ رحمه الله تعالى يصور هذا الموقف: وفتية أولعوا بالراح فانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها ظهرت حائطهم لما عَلِمَت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها فأتِ البيوت من الأبواب يا عمر فقد يُزَّنُّ من الحيطان آتيها ولا تجسس فهذي الآيُ قد نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها فما دام أن من يخاطبك ويجادلك يخاطبك بهذا النور المبين فإنه يجب عليه أن تقبله، ولو كان هو لا يعمل به؛ لأنه قد أقام الحجة إليك ودعاك بهذا القرآن. وهذه القصيدة تسمى بالعمرية، وهي موجودة في ديوان حافظ في أكثر من مائتي بيت، كنا نحفظها في زمن الصبا وقد قسمها حافظ باعتبارات جملة أحداث، فقد قال في قصة نصر بن حجاج، الذي كان وسيماً فنفاه عمر إلى الكوفة أو إلى البصرة: جنا الجمال على نصر فغربه عن المدينة تبكيه ويبكيها ثم ذكر الأبيات. وذكر قضية رسول كسرى حين قدم على عمر فقال في أولها: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها ثم لما قال صاحب كسرى: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر، قال حافظ: أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها وفي تاريخ عمر عزله لـ خالد، فقال: سل قاهر الفرس والرومان هل شفعت له الفتوح وهل أغنت تواليها وذكر عمر وجوعه في عام الرمادة، فقال: يا من صدفت عن الدنيا وزينتها فلم يغررك من دنياك مغريها وقد استطردنا في هذا وإن كنا في كتاب التفسير، ولكن المنهج في تعليمنا للناس هو أننا نفرع كثيراً؛ حتى نبين أن جماع التفسير هو العلم بشتى الفنون، فذلك يقودك إلى أن تكون إماماً في التفسير، وأما من كان معتمداً على فن واحد دون سواه فقل ما يستطيع أن يجري في مضمار علم التفسير؛ لأنه إذا كان القرآن أم العلوم كلها فلابد من أن يكون القائم به مطلعاً على شتى الفنون، قال الشيخ الشنقيطي ﵀: بل السنة كلها في آية واحدة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].

стр. 635

بيان معنى قوله تعالى (فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها) قال ربنا جل وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] يعني: البيوت، ولم يقل الله: (فإن لم يكن) بل قال: (فإن لم تجدوا)، فبين الجملتين فرق، فلو قال جل وعلا لو قال جل وعلا: (فإن لم يكن) فمعنى ذلك: أن البيت لا يوجد أحد فيه، ولكن لما قال: (فإن لم تجدوا) فمعنى ذلك أنه قد يكون فيه أحد، ولكنه لم يتبين لك هل فيه أحد أو لا، فإذا أتيت إلى بيت أحد أصدقائك فطرقت الباب وهم موجودون، فهم إما نائمون وإما منشغلون، وإما سمعوا الطرق ولا يريدوا أن يجيبوا، فلا تدري هل هم موجودون أو لا، فبعد طرقة أو طرقتين أو ثلاث تكاد تقتنع بأنهم غير موجودين. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا﴾ [النور:٢٨]، فلو قدر أن رأيناها مفتوحة فإننا لا ندخل؛ لأنها مغلقة بأمر الشرع لا بالمفتاح، وهو قول الله جل وعلا: ﴿فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]، فالبيوت عورات، فلا يجوز لأحد أن يقتحمها، وإذا استضافك أحد في قعر البيت فلا تلتفت ميمنة ولا ميسرة ولا تنظر فيما لا يعنيك، بل ادخل مطأطئاً رأسك غاضاً بصرك حتى تصل إلى المكان الذي أدخلك فيه. والإنسان إذا كان في سلطان أحد فإن من الأدب الإلهي والنبوي أن يأتمر بأمر ذلك الذي بيده السلطان، بمعنى أن صاحب البيت أدرى أين يضعك، فلو وضعك في صدر المجلس فاجلس فيه، ولو وضعك في ميمنة أو ميسرة فاجلس حيث وضعك؛ لأنه أدرى بالمكان.

стр. 636

ذكر أحوال الاستئذان ورده قال ربنا جل وجلاله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]. قال أحد الصالحين -كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير -: قضيت عمري كله أطرق أبواب الناس، أريد أن يقول لي أحد من أصحابي: ارجع حتى أظفر بقول الله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]. وبعض الناس اليوم لا يفقه هذه المعاني العظيمة في القرآن، فلو قيل له: ارجع لأخرج جواله مباشرة فبعث عشرات الرسائل لأصدقائه يخبرهم أن فلان بن فلان طرقت بابه فقال لي: ارجع، مع أن رب العزة يقول: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] فلأن ترجع خير من أن تقف بباب أحد لا يريد منك أن تدخل. فالكريم لا يدخل إلا في مجالس له فيها مقام، وأما الأماكن التي لا تليق به أو لا يريد أصحابها أن يدخلها أو يأتيها أو يزورها فهو ينأى بنفسه عنها، وفي الأرض منأىً للكريم عن الأذى. وفي بيت لأحد علماء شنقيط يقول فيه: وما حر يقيم بأرض هون ولو كانت مقر الوالدين لأن الإنسان المتأدب بأدب القرآن لا يقبل أن يدخل مكاناً ليس له فيه مقام، والعامة يقولون في أمثالهم الدارجة المقبولة: من يأتي بلا عزومة يقعد بلا فراش. والمقصود بيانه أن الإنسان لا يذهب إلا على بينة، وهذا يختلف باختلاف العادات والتقاليد والأعراف وحالة أصحابك وخلانك. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] الأمر بالرجوع له ثلاث حالات: الحالة الأولى: الحالة الصريحة التي نص عليها القرآن، وهي أنه يقول لك: ارجع، بصريح الخطاب. الحالة الثانية: ضمنية، وهي أن تستأذن فلا يؤذن لك، فيأتيك من بعثته ويقول: قلت لهم: فلان عند الباب فما ردوا. الحالة الثالثة: ضمنية، وهي أن يكونوا موجودين فلا يجيبونك. فالحالة الثانية قد يكون فيها غموض، كأن تجد حارساً على باب العمارة، فتبعثه فيعود، ويقول: قلت: فلان عند الباب فما تكلم أحد. وفي الحالة الثالثة تطرق الباب ثلاث مرات، ويكون موجودين، ولكنهم لا يردون، فهذا رد ضمني. أما الرد الصريح فهو أن يقول لك: ارجع، أو: لا أستطيع أن أستقبلك، فهذه هي التي قال الله فيها: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢٨] أي: أن الله جل وعلا مطلع على كل شيء، فهو يعلم لأي شيء رد هذا وقبل ذاك.

стр. 637

تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة) ثم قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩]. قوله تعالى: (ليس عليكم جناح) أي: إثم، (أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم)، ليس المراد بالمتاع المتاع المعروف، المتاع هنا بمعنى: المنفعة، فالمتاع عند الإطلاق يأتي بمعنى المنفعة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء:٧٧] أي: منفعة الدنيا قليلة. فقوله تعالى: (غير مسكونة) أي: غير مسكونة سكناً أهلياً. إذاً فأنت تسافر فتجد دورات مياه وفنادق واستراحات في الطريق، فهذه بيوت غير مسكونة، فلا يلزم فيها الاستئذان. وقد كان المسلمون في العصور الأولى يبنون دوراً يرتاح فيها المسافرون، وتقيهم البرد والحر، وكان يبنيها أرباب الأموال، فهذه ليست ملكاً لأحد، فلا تحتاج فيها إلى استئذان. ومثلها في عصرنا الفنادق ونحوها، ممن مر على فندق أو على استراحة، فإنه لا يحتاج إلى أن يطرق باب الفندق ليستأذن، إذ الفندق ما بني إلا لهذا، أي: أن تدخل من غير إذن؛ لأن هذا هو المقصود من بنائه. ولذلك قلنا: إن المتاع عند الإطلاق يراد به المنفعة، فأي مكان فيه منفعة لك فلا يلزم فيه الاستئذان.

стр. 638

حكمة التذييل بعلم الله ما يُبدى وما يُكتم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور:٢٩]. قال العلماء في التذييل: قوله: (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) هذا وعيد شديد من الرب ﵎ لأصحاب النوايا الخبيثة والسرائر البغيضة، المحبين للتطلع على عورات المسلمين. فقال ربنا مهدداً لهم ولغيرهم: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور:٢٩] يقال: بدا الشيء: بمعنى: ظهر، والكتمان ضد البُدوّ، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠] والمقصود: الأشياء القلبية والأشياء الظاهرة.

стр. 639

تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) ثم قال ربنا ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]. انتقل الخطاب في تأديب العباد إلى مرحلة أعلى، فقد منعنا ربنا من دخول البيوت من غير استئذان، ثم حرم النظرة المحرمة، وقد قيل: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا أنت كله قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر والمقصود أن النظرة سهم من سهام إبليس، فأراد الله أن يؤدب عباده فقال: (قل) أي: يا محمد (للمؤمنين) الممتثلين لأمر ربهم (يغضوا من أبصارهم)، وما قال: (ويحفظوا فروجهم). فما شرعه الله لك وأباحه أن تراه أكثر مما حرم الله عليك أن تراه، فالمحرم العورات، ولكن النظر إلى غير العورات جائز. وأما الفروج فالأصل فيها أنها حرام، فما أباحه الله لنا من الفروج أقل مما حرمه علينا، فلهذا قال: (ويحفظوا فروجهم).

стр. 640

مفاسد النظرة المحرمة وقد أخبر النبي ﷺ أن العين تزني وأن زناها النظر، ولا ريب في أن النظر أولى المهلكات، والإنسان إذا أكثر من النظر أتعب قلبه؛ لأنه لا يملأ فم ابن آدم إلا التراب، فما يزال يتنقل في المناظر ويرى ميمنة وميسرة، ولا ريب في أنه لا توجد امرأة إلا وهناك من هو أجمل منها، وهذا سلسلة لا تنتهي. فالعاكفون في زماننا على القنوات في كل حقبة أو مدة أو يوم أو ليلة يظهر لهم شيء آخر، فيبقى الواحد منهم لاهثاً ولن يرتوي، ولهذا منع الشرع العباد من إطلاق العنان للنظر، بل إن الرجل -عياذاً بالله- إذا أكثر من النظر -كالذين يذهبون للسياحة الآثمة، فيذهبون إلى شواطئ العراة وأمثالها- فرأى منظراً تلو منظر فإن فعله هذا ينجم عنه مفسدتان: المفسدة الأولى: أنه سيزهد في أهله، وهذا خلاف المقصود شرعاً. والأمر الثاني: أنه يجعل في قوته نوعاً من التشتت، فلا يجمع عليه ذهنه؛ لانفكاكه وتفرقه في مجامع ما يراه.

стр. 641

نسبية الجمال وينبغي أن يعلم أنه ينبغي للعقلاء من الرجال أن يعلموا أن القضية الأساسية في جمال المرأة قائمة على حسب ما تكون في عين زوجها، بمعنى أن الإنسان قد لا تكون امرأته ذات جمال يضرب به المثل، ولكن الله جل وعلا يزينها في عينيه، كما أن الله يزينه -ولو لم يكن وسيماً- في عينيها. وقد كنت أوصي الشباب عند زواجهم بأن يقول المرء منهم: اللهم زيني في عينيها وزينها في عيني، فإنها إذا زينت في عينك زينك الله في عينيها أفلحتما، بصرف النظر عن الأشياء الجمالية البدنية الخلقية، فالجمال له علاقة كذلك بالجمال الروحي، فإن هذا مما يزين صاحبه، ونحن نعلم قصة قيس بن الملوح الذين فتن بـ ليلى العامرية وجن بها حتى هام على وجهه في الصحراء، فكل أهل زمانه يقطعون بأن ليلى هذه لن تكون أجمل نساء الدنيا، ولو كانت أجمل نساء الدنيا لما تركها له الأمراء والملوك وأهل الثراء. لكن القضية أن الله جل وعلا زين ليلى في عيني قيس، وقد قال في إحدى قصائده التي تسمى المؤنسة: فيا رب إن صيرت ليلى هي المنى فزيني بعينيها كما زينتها ليا وقد خبروني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الليل ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت فما للنوى ترمي بليلى المراميا وتيماء ديار معروفة، والليل يلقي مراسيه في الشتاء، إذ يطول فيه، فهو يقول: هذه شهور الصيف عنا قد انقضت، فجاء الليل الطويل، ومع ذلك لم تعد ليلى إلى تيماء. والمقصود من هذا أن الإنسان بهذه النظرة يفهم الشرع، فلا يأتيك من يأتيك ليزهدك في أهلك أو في فتاة خطبتها أو في قبيلة بعينها، فالقضية هي ما يورثه الله جل وعلا في قلبك من زينة تلك المرأة. وهنا قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] لأن هذا واد مهلك، وأنت ترى من حولك ممن يتيه -والعياذ بالله- فيه ويضيع، وليته يغنم شيئاً محسوساً يعقد عليه أنامله؛ لأن هذا أمر لا ينتهي، وقد قال ﵊: (ولا يملأ فم ابن آدم إلا التراب)، فهو بطريقته هذه لن ينتهي ولن يبني قلباً خاشعاً ولا لساناً ذاكراً أبداً. وقوله تعالى: (ويحفظوا فروجهم) اختلف العلماء في المعنى، فقال بعضهم: يحفظونها عن النظر إليها، وقال بعضهم: يحفظونها عن الزنا، والصواب أن يقال: يحفظونها عن الأمرين: عن أن ينظروا إليها، وعن الزنا.

стр. 642

الطريق إلى الطهارة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] هذا الطريق الذي رسمه الله جل وعلا لعباده -وهو حفظ الفرج مع غض البصر- هو السبيل إلى نقاء النفس وطهارتها وسموها، بدليل قوله تعالى: (ذلك أزكى لهم) أي: للمؤمنين، (إن الله خبير بما يصنعون).

стр. 643

تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) وكما أمر الله الرجال أمر النساء، وهذا خلاف أسلوب القرآن؛ لأن القرآن يجمع، ففي دخول البيوت ما قال الله: (للمؤمنات) لأنهن دخلن في الذين آمنوا، لكن لما كان أمر النظر أمراً عظيماً تبنى عليه مفاسد خاطب الله الرجال والنساء كلاً لوحده، فقال جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وهذا قد مضى القول فيه كما قيل في الرجال.

стр. 644

بيان المراد بالخمار قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]. هذا فيه تفصيل على ما سيأتي، والخمار: يجمع على خمر، وهي ما تغطي به المرأة رأسها، ككتاب: يجمع على كتب. وأما الجيب فهو الفتحة التي تدخل منها رأسك في الثوب. وليس المراد الجيب الذي نضع فيه دراهمنا، فهذا ليس في كلام العرب، وهو صحيح من حيث المعنى، ولكنه ليس مقصود القرآن، وليس من كلام العرب الذين أخذت عنهم اللغة.

стр. 645

بيان الأمر بضرب الخمار على الجيب والنهي عن إبداء الزينة قال الرب ﵎: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)، فالمرأة كانت تغطي رأسها فأمرها أن يشمل الغطاء الرأس الجيب، فلا تظهر شعرها ولا صدرها ولا نحرها. وقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن)، قال القرطبي رحمة الله تعالى عليه: الزينة قسمان: خلقية ومكتسبة. فيقول ﵀ -وتبعه على ذلك بعض الفقهاء-: إن الخلقية أصلها الوجه، والمكتسبة ما يوضع من زينة خارجة عن أصل الخلقة. ونقول -والعلم عند الله-: إن اللغة لا تساعد على هذا؛ لأن كلام الله دل على أن الزينة إذا أريدت في القرآن يراد بها غير الشيء المزين، بمعنى أنها منفكة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف:٧] وما عليها هو النبات، فالنبات لا يقال له: أرض، فالمزين غير الزينة، ومنفك عن الزينة. فكلام القرطبي له وجه من النظر، ولكن اللغة لا تساعده.

стр. 646

بيان المراد بالظاهر من الزينة وهذه الآية فيها إشكال في قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، فقد اختلف العلماء في هذا اختلافاً كثيراً جداً، وسأحرر هنا ما أدين الله جل وعلا به، فأقول ما قاله ابن عطية رحمة الله تعالى عليه، فمعنى كلامه أن ظاهر الآية يدل على أن الله جل وعلا أمر المرأة بإخفاء نفسها بالكلية إلا ما ظهر منها بسبب حركة ضرورية، فذلك المعفو عنه للنساء.

стр. 647

كشف الوجه وما يرد على المتشبثين بإجازته فنحن نعتقد أن وجه المرأة لا يجوز إظهاره وإن قال فضلاء علماء أجلاء من الأمة لهم باع في العلم من السلف والخلف بأن قول الله: (إلا ما ظهر منها) المراد به الوجه. ونقول استدراكاً: لا يمكن لنا ولا لغيرنا أن يرفع الخلاف في الأمة، ولكن نعقب بأمور لابد منها؛ لأن الأخيار من العلماء من السلف والخلف الذين قالوا: إنه يجوز كشف الوجه لم يقولوا بما يحدث في هذا العصر، أي: لم يقولوا بأن ستره محرم، ولم يقولوا بأن ستره بدعة، ولم يقولوا بأن كشف الوجه سنة. ولم يقولوا: إنه يجوز أن تتزين المرأة في وجهها كما يحصل، بحجة أن وجه المرأة يجوز إظهاره، والأهم من هذا كله -وهذا بيت القصيد- لم أنه يقل أحد ممن يقول بجواز أن تكشف المرأة وجهها: إنه يجوز النظر إليه، وهذا يبطل صنيع كثير مما تراه. كامرأة تقرأ الأخبار ولا يظهر منها إلا وجهها، فإذا سئلت عن ذلك قالت: هذا حجاب شرعي على قول طائفة من العلماء، فنقول: نعم، هو حجاب شرعي على قول طائفة من العلماء، ولكن أولئك الأخيار الذين قالوا بهذا إما أن يؤخذ قولهم جملة أو يترك جملة، فلم يقولوا بجواز أن تظهر المرأة بهذا الوجه على الناس جميعاً فيرونه، فهذا لم يقل به أحد، وإلا فلا معنى لقول الله: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم). هذا الذي يجب أن ينبه عليه، ولكن الإنسان يغلب عليه هواه، فلا يأخذ الشرع بمأخذ حسن عن أهل العلم. وعلى الجانب الآخر نجد أن عدم الفهم الصحيح لشرع الله قد يقابله أحياناً قول أقوام في علماء قالوا بأنه يجوز كشف الوجه، فيقولون فيهم قولاً شنيعاً من غير برهان، وهذا خطأ ليس ببعيد عن خطأ الأولين، فقد قال بالجواز علماء أجلاء لا مطعن في دينهم ولا علمهم ولا عقيدتهم، وإن كنا نرى فقهياً خلاف الذي يقولون، ولكننا لا نتهم مؤمناً في دينه؛ لأنه استبان له من دين الله ومن كتاب الله شيء لم يستبن لنا، على أنه تكاد الكلمة تكون مجتمعة اليوم على أن الفتن التي يعيشها أهل العصر تنبئ أنه من الخطأ العظيم أن يقول أحد اليوم بجواز نقل الأمة من أمر فاضل إلى أمر مفضول. فلا شك في أن تغطية الوجه أمر فاضل بالاتفاق، وأن كشف الوجه أمر مفضول، وليس من النصح لله ولا لرسوله ولا للمسلمين أن يحاول أحد أن ينقل الأمة من أمر فاضل إلى أمر مفضول، على القول بأنه يجوز.

стр. 648

تفاوت المحارم في الزينة المظهرة ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ﴾ [النور:٣١]. هنا مسألة مهمة جداً، وهي فهم القرآن لابد معه من استصحاب أمور عقلية ونقلية، فالتمسك بالأمور الحرفية لا يؤدي إلى علم، بدليل أنه لو جاء إنسان وقال: يجوز للمرأة أن تظهر شبه عارية أمام أبيها، فهل يصح قوله؟! و الجواب لا، وإن كان الله تعالى جعل الأب مذكوراً مع الزوج، ولابد من أن نفرق، فما أذن الله به للبعل غير الذي أذن الله به للأب، وما أذن الله به للأب غير الذي أذن الله به للخال والعم وابن الأخ، وما أذن الله به للخال والعم وابن الأخ غير الذي أذن الله به لغير أولي الإربة والطفل. فكل بحسبه، وإلا تجرأ على كلام الله من لا يفقه فيه، وعلى الإنسان أن يستصحب أشياء عديدة، ولذلك قلنا: إن الشرع يؤخذ بنظرة كلية تعرف بها مداركه وطرائق العلم فيه قبل أن يتكلم الإنسان في دين الله، فليس القرآن معاني كلمات تقرأ وينتهي الأمر، بل القرآن أجل وأعظم من ذلك، وإلا لغاص في هذا العلم كل أحد، فنقول: هذه قضية يجب استصحابها وفهمها. و (البعل) في لغة العرب هو السيد، ويطلق على الزوج، والآباء وغيرهم معروفون، لكن نلحظ أن الله ما ذكر الأعمام والأخوال، وقد قال العلماء: إنهم يجرون مجرى الآباء، وهذا اتفاق الأمة، فقد أجمعت على جواز إبداء الزينة للأعمام والأخوال.

стр. 649

العورات بين العبيد وسادتهم من الأحرار واستثنى الله جل وعلا كذلك فقال: (أو ما ملكت أيمانهن) وأهل العلم يقولون: إنه يجوز للذكر أن يرى أمته، فالأمة أن تبدي زينتها لسيدها، ولكن المرأة الحرة لا تبدي زينتها لعبدها، وإن قال بهذا طائفة، ولكنه بعيد.

стр. 650

المراد بالتابعين غير أولي الإربة وقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١] يظهر من كلمة (التابعين)، أن هؤلاء ناس لا يدرون أين يذهبون، فهم ضعفاء عقلياً أو جسدياً؛ لأن أي تابع فيه ضعف، فإن قال قائل: أنا تابع لله، فهل في ضعف؟ فنقول: فيك ضعف بشري خلقي؛ إذ لولا الله لهلكنا، وتابع النبي ﷺ ضعيف، فلولا سنته ما عرفنا الدين. فهؤلاء يقول الله تعالى عنهم: (أو التابعين غير أولي الإربة)، فهو قوم يتبعونك فيدخلون معك الدار، ضعفاء عقلياً أو جسدياً، ليس لهم رغبة في النساء. والإربة: الحاجة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] أي: حاجات أخر، أي: ليس لهم مطلب في النساء من قريب ولا بعيد، بصرف النظر عن السبب.

стр. 651

بيان المراد بمن يحل له النظر إلى زينة المرأة من الأطفال وقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] الطفل اسم جنس، وقوله: (الذين لم يظهروا على عورات النساء)، قيد لابد منه، فليس المراد أي طفل، فلا يؤتى بصبي قبل بلوغه فتكشف المرأة عنده وتأخذ راحتها في المضي أمامه والغدو، وإذا سألناها قالت: هذا ما بلغ خمسة عشر عاماً. وإنما قال الله: (الذين لم يظهروا على عورات النساء)، وهذا تقديره في السابعة وفي الثامنة وفي التاسعة على الأكثر، أما إذا كان الفتى يميز ويفهم ويصف وينقل فلا يجوز للمرأة أن تبدي زينتها أمامه.

стр. 652

نهي الله عن ضرب النساء بأرجلهن ودلالته على وجوب ستر الوجه قال الله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] هذا كلام رب العزة، وهو دليل عظيم ظاهر لمن قال بأن تغطية الوجه عورة؛ إذ الساق -وهي ساق- أمر الله بإخفائها، ولم يأمر بإخفائها، فحسب، بل أمر بعدم إحداث صوت ما يوضع في القدم، وهو الخلخال، وما يوضع في اليد يسمى سواراً، ما يوضع في الإصبع يسمى خاتماً، ما يوضع في الرقبة يسمى عقداً. فصوت الخلخال لا يجوز أن تظهره المرأة فيكون ذلك سبباً في تحريك شهوة الرجال إليها، والدين لا يفرق بين متماثلين ولا يجمع بين نقيضين، فلا يعقل أن يمنع الله المرأة أن تحدث صوتاً من خلخال قدمها ثم يأذن لها في أن تكشف وجهها.

стр. 653

الأمر بالتوبة قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. الخطاب هنا للمؤمنين والمؤمنات، والانتقال في الخطاب من المفرد إلى الجمع يسمى عند البلاغيين الالتفات. فالله تعالى يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] فالتوبة وظيفة العمر، ولهذا قال الله: (جميعاً) ولم يستثن أحداً، ولما ذكر الله ﵎ هذه الأحكام علم جل وعلا أن عباده -وإن حرصوا على الامتثال بها- لن يخلوا من أن يقع منهم شيء، فدلهم جل وعلا على ما يجبر ذلك الكسر، وهو التوبة إليه، والتوبة إلى الله جل وعلا وظيفة العمر، وأفضل القربات، وهي مشروعة في كل آن وحين، بها يزدلف إلى الله ويتقرب إليه. رزقنا الله وإياكم الاستغفار والتوبة والإنابة إليه أينما كنا وحيث ما ارتحلنا، وأسال الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يلبسنا وإياكم لباسي العافية والتقوى، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 654

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة النور [٥] اشتملت سورة النور على بيان جملة من الأحكام المتعلقة بالأرقاء، ومن ذلك الإرشاد إلى تزويجهم حال علم صلاحهم لإقامة بيوت الزوجية، وإرشاد مواليهم إلى تحريرهم من الرق عن طريق المكاتبة حال علم الخير في العبد أو الأمة وكفايته نفسه بعد تحريره. كما اشتملت هذه السورة المباركة على ذكر عظم نور الله تعالى، وبيان مثل نور المؤمن الذي فطره الله عليه وأمده بنور الوحي والعلم، وذكر فطنة ابتغاء هذا النور المبارك والتماسه، وهي المساجد.

стр. 655

تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فما زلنا -بعون الله تعالى- في تفسير سورة النور، سائلين الله أن يرزقنا وإياكم نوراً نهتدي به. قال الله جل وعلا -وهو أصدق القائلين-: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢]. هذه الآية جاءت تبعاً لما قبلها، وما قبلها ذكر الباري جل وعلا فيه ما يدعو إلى غض البصر وحفظ الفرج وتحصين العورات، وقد جاء القرآن مسلسلاً ذلك الأمر بحسب أحوال الناس، فمنع الله جل وعلا دخول البيوت بلا استئذان، وأمر بغض البصر، ثم أمر بحفظ الفرج. ولكي تكون هناك نواة لمجتمع مسلم كان لا بد من وجود أسرة، وبعض أهل الفضل والعلم يقول: إن هناك أمرين لا بد للإنسان من أن يطلع عليها شرعاً، وهما أحكام النكاح وأحكام البيوع؛ لأن الإنسان بحاجة إلى الغذاء الذي يحصل عليه عن طريق الأخذ والعطاء، وفي حاجة إلى أن تكون له أسرة، ويعبرون عن ذلك بالنكاح أو بالزواج، فيحتاج إلى أن يكون ذا علم بأحكام النكاح، وهذا من باب الجملة. والرب جل وعلا هنا يقول: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور:٣٢] وقوله: (أنكحوا) فعل أمر، ووجود فعل أمر لا بد من أن يكون معه مأمور، والمأمور بهذه الآية قطعاً وفق قواعد اللغة هم الأولياء والسادة، وليس كل أحد مأموراً بنفسه؛ لأنه لو كان كذلك لجاء الفعل: (وانكحوا) من غير همزة قطع، لكنه جاء هنا بهمزة قطع ﴿وَأَنكِحُوا﴾ [النور:٣٢]، فهذا في المقام الأول يخاطب به الولي ويخاطب به السيد. يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] و (الأيامى) يدخل فيه الرجال والنساء، والأصل أن الأيم هي من لا زوج لها، أو فقدت زوجها، ثم استخدمت هذه اللفظة مجازاً أو استعارة، فأطلقت على الرجل والمرأة إذا كان أحدهما لا زوج له، والأصل إطلاقه على النساء، وهو الأكثر. وقد جاء فيه قول الشاعر: وأزواج سعد ليس فيهن أيم وهو بيت قدح فيه في سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فدعا على من قال فيه هذا البيت فداهمه جمل شارد فقتله. والشاهد كلمة (أيم) فالأيامى: جمع أيم، وهذا خطاب للأحرار، والدليل على أنه خطاب للأحرار أن الله قال بعد ذكر ما يتعلق بالأرقاء والمماليك من العبيد والإماء: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] أي: زوجوهم. وقد اتفقت كلمة العقلاء على أن النكاح أفضل وأعظم المباحات ظهوراً، فالمباحات يتردد منها ما اتفق على أنه مباح، ومنها ما اختلف فيه، ومنها ما يدور حول الكراهة، ولكن الإجماع منعقد على أن النكاح من أفضل المباحات ظهوراً من حيث الحكم الشرعي، فقد جعله الله سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، كما قال جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]. وقد قال النبي ﵊ في حق من استحدث هدياً غير هديه: (وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فالنكاح أعظم ما أباحه الله جل وعلا لعباده، ويترتب عليه مصالح عظيمة، وقد قال بعض الفقهاء: إن النكاح تدور عليه الأحكام الفقهية الخمسة، والعلم عند الله.

стр. 656

بيان المراد بالصالحين من العبيد والإماء قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، ونكاح الإماء والعبيد جاء مقروناً مقيداً بقوله جل وعلا: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور:٣٢]، واختلفت كلمة المفسرين في المقصود بمعنى الصالحين هنا على قولين: فقال بعضهم: إن الصلاح المقصود به الصلاح الإيماني، بإتيان الطاعات واجتناب المحرمات، وهذا ظاهر الرأي. وقال آخرون -وهو الذي أرجحه-: إن المقصود أنهم صالحون للنكاح، وصالحون لأن يرعوا أسراً، وصالحون لبيت الزوجية؛ لأن الصلاح الأول عام لا يمكن تخصيص الإماء والعبيد به دون الأحرار، لكن الثاني يحسن التخصيص به؛ لأن الإنسان إذا رأى في عبده قدرة على النكاح وإقامة بيت زوجية رغبه في ذلك الأمر، وإلا فالأصل أن يبقيه على ما هو عليه في نطاق العبودية.

стр. 657

بيان المراد بقوله تعالى (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] هذه الآية توافق ما كان عليه الناس آنذاك، فقد كانت العرب في جاهليتها كانت تخشى الفقر، وكانت تظن أن من أسباب الفقر كثرة العيال، فقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]، وقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١]. والمقصود أنه في ظل هذا الجو الخائف من الفقر عند فتح باب الزوجية إذا كثر العيال وتغير الحال قال الله جل وعلا: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] والمعنى: أيها الولي! إن أتاك فقيراً يطلب نكاحاً وكنت تثق به في دينه وأمانته فلا يجعلنك كونه فقيراً ترده، بل زوجه، قال الله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]. ولا خلاف في أن الجملة شرطية، وأدوات الشرط تنقسم إلى قسمين: الأول: أحرف، وهي (إن)، والثاني: أسماء، مثل (متى) و (أين)، فهذه أدوات شرط لكنها أسماء، وأما (إن) فهي حرف. وهذا الشرط اختلف الناس في فهمه، فهل المعنى أنه وعد من الله جل وعلا بأن المتزوج إذا كان فقيراً سيغنيه الله قطعاً، أم أن المقصود منه أنه لا يمنعنكم كونه فقيراً من أن تزوجوه؟ وهذا الذي تميل إليه النفس، وإن كان الأكثرون من أهل التفسير على الأول، ولهم حجج ظاهرة بينة. أظهرها أن النبي ﷺ ذكر الذين كان حقاً على الله أن يغنيهم ويعينهم، وهم: الناكح الذي يريد العفاف، والمكاتب، والمجاهد، وهذا قول نبينا ﷺ . وقد وجه للقائلين بهذا القول سؤال، وهو أننا نرى واقعاً، وهو أن هناك من ينكح ولا يغنى، والواقع لا يمكن رده؛ لأن الواقع في عرف الفضلاء والعقلاء أعظم الشهود، والدين لا يمكن أن يصادم الواقع أبداً، وقد ألف شيخ الإسلام (درء تعارض العقل والنقل)، والمقصود بالعقل في المقام الأول الشيء المشهود الواقع؛ لأنه لا يمكن أن يطالب الناس بأن يتخلوا عن أعينهم وبصيرتهم ويمتنعوا عن قبول الشواهد التي يرونها عياناً. فأجاب هؤلاء الفضلاء عن القول بأننا نرى من ينكح وهو فقير فقالوا: إن الإطلاق في سورة النور مقيد بنظائره في سور أخرى، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨]، فقالوا: هذا القيد يسري على هذا. ولكن صناعة الأصول تقتضي عدم حمل الإطلاق على هذا التقييد لاختلافهما في السبب، واختلاف السبب يمنع جريان أحكام الإطلاق والتقييد على منحى واحد، وفي المسألة أخذ ورد بين العلماء، ولكننا هنا نثير القضية بمجملها، ولا يلزمنا الفصل، ولكنني قلت: أختار أن المقصود من الآية أن المخاطب الولي، والمراد: لا يمنعنك فقر ذلك الرجل الطالب النكاح أن ترده لفقره؛ لأن الدنيا عرض زائل ولا ينبغي أن يمنعك ذلك. ثم إن فضل الله واسع، ولا يعني ما قلناه أنه لا يعان، ولكن من الصعب أن نقول: إن هذا وعد من الرب ﵎؛ إذ أسلوب المقطع في نفس الآية لا يساعد على القول بأن يكون ذلك وعداً من الله.

стр. 658

تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنهم الله من فضله) ثم قال جل شأنه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]. الألف والسين والتاء في قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ للطلب، أي: يطلبون العفة في حالة عجزهم عن تحقيق أمر النكاح. والعجز هنا المقصود به العجز عن السبب في الوصول إلى فتح باب الزوجية، إما لفقر وهو الأظهر، وإما لحالة اجتماعية يمتنع من خلالها الناس أن ينكحوه، وأمثال ذلك. ولا يمكن لنا أن نقيد ما أطلقه القرآن؛ لأننا إذا قيدنا ما أطلقه القرآن فلن نجعل هذا القرآن حاكماً على كل زمن، والأصل أن القرآن حاكم على كل زمن ومهيمن على كل كتاب. وبيان ذلك أنه قد يخرج إنسان من السجن وهو شاب ثري عنده مال، ومع ذلك لا ينكح من أهله أو من قبيلته أو من أبناء جلدته، فلو جعلنا عدم الوصول للنكاح محصوراً في المال فماذا سنقول في هذه الصورة؟! هل نقول: إنها غير مذكورة في القرآن؟! فقول الله: ﴿يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] جملة واسعة، بمعنى: إن كانوا فقراء فسيغنيهم، وإن كان هناك عارض آخر فسيزيل الله جل وعلا. والمفسر للقرآن يحتاج إلى تأن واطلاع على أحوال الناس قبل أن يخوض في الحكم على آيات الله ويبين مراد الرب ﵎ منها. يقول تعالى: ((وَلْيَسْتَعْفِفِ)) [النور:٣٣] وطريقة الاستعفاف مفتوحة؛ لأن أحوال الناس تختلف، ولكن هناك طريقة منصوصاً عليها، وهي ما أخبر به النبي ﷺ عندما قال: (فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي: مانع. والمقصود أن الإنسان أدرى بنفسه، فكل ما يستطيع أن يعف به نفسه فليفعله.

стр. 659

الحث على مكاتبة الأرقاء ثم قال ربنا: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] هذا استدراج، فلما ذكر الله العبيد والإماء في المقام الأول نبه جل وعلا على إحدى الوسائل التي يكون بها العبيد والإماء أحراراً، فقال ربنا: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ [النور:٣٣] أي: يطلبون ﴿الْكِتَابَ﴾ [النور:٣٣] أي: يطلبون الحرية عن طريق المكاتبة، والأصل أن العبد وما ملك ملكٌ لسيده، فإذا كان هذا العبد صاحب حرفة تجر له مالاً فإن الله جل وعلا يضع له صورة من صور الخلاص من العبودية، ألا وهي أن يطلب العبد من سيده أن يكاتبه، والمكاتبة على وزن المفاعلة، وهي أمر يقع بين اثنين، فيقوم هذا العبد بصنعته تلك فيجمع مالاً في المقام الأول، ويمكن أن يستفيد مالياً من طرائق أخر، ثم يجعل هذه الأموال منجمة على أقساط تقدم لسيده يتفقان عليها وقتاً وزمناً، فإذا أتم العبد ما اشترطه عليه سيده أصبح بعد ذلك حراً. قال ربنا ﷻ يفصل ذلك كله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٣٣] (من) مدغمة في (ما) وأصلهما (من ما)، وملك اليمين يكنى به عن الأرقاء الذين تحت أيدينا. قال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] أي: إن علمتم أن لديهم حرفة يستطيعون بها إذا أصبحوا أحراراً أن ينفقوا على أنفسهم، أما إذا لم تعلموا فيهم الخير فلا تجعلوهم عرضة لأن يكونوا أحراراً فيتكلوا على أوساخ الناس ويأخذوا من الصدقات وأمثالها، ويمتهنوا التوسل، لكن قال أهل العلم - ولا أعلم في هذا خلافاً -: لو فرضنا أنه لم يعلم فيه خيراً فإنه لا يوجد مانع من أن يكاتبه.

стр. 660

بيان المراد بالخطاب في قوله (وآتوهم) ثم قال ربنا: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]. اختلفت كلمة المفسرين في المخاطب بقول الله جل وعلا: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ [النور:٣٣] على ثلاثة أقوال، وأجمعها أن نجمع بين الأقوال الثلاثة؛ لأن الآية تحتمل ذلك كله، فنقول: إن المخاطب به ولي أمر المسلمين والسيد وعامة الأثرياء وأصحاب الزكوات والصدقات من المسلمين. أما ولي الأمر فيعين المكاتب من بيت مال المسلمين، وأما السيد فيعينه بأن يسقط عنه جزءاً مما اتفقا عليه، وأما أصحاب الثراء والمال فإنهم يعطونه من الزكوات أو من الصدقات. وإجراء الكلام على هذا المنوال أفضل من تخصيصه؛ لأن الله أطلق، وقد قلت: من الصعب أن نقيد ما أطلقه الله.

стр. 661

بيان معنى قوله تعالى (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) ثم قال ربنا: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣]. في هذه الآية نقول: لا يردن في ذهنك أن مجتمع المدينة في عهد النبوة كان البغاء فيه ظاهراً، فحري بتلك الحقبة زماناً ومكاناً أن يتحرر في أذهاننا أنها أفضل حقبة، وأن ذلك أمثل جيل وأكمل رعية، ولكن المراد هنا فئة من المنافقين كانت تسكن المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي، وكان لديه جاريتان يكرههما على البغاء، فورد أنهما شكتاه إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية رحمة بالفتاتين وتوبيخاً لـ عبد الله بن أبي. فالله جل وعلا يقول تعريضاً: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣] فالله يقول له: كيف تفعل ذلك وأنت سيد؟! والأصل أن تحافظ على من تحت يديك فلا تكرههن على البغاء وهن لا يردنه وإنما يردن التحصن، وإلا فلو طلبت المرأة البغاء بذاتها فذلك لا يسمى إكراهاً، فالقيد هنا جاء مخاطباً للواقع، والقيد إذا جاء مخاطباً للواقع فلا مفهوم له. ولو اعتبرناه قيداً له مفهوم لأصبح لزاماً أن نقول: يجوز أن يكون هناك بغاء من غير إكراه، لكن هذا القيد لا مفهوم له، كقول الله جل وعلا في حق ذاته العلية: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون:١١٧]، فلا يعني ذلك أنه يجوز أن تدعو إلهاً آخر لك فيه برهان؛ لأنه لا يوجد إله غير الرب ﵎. يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣] المراد بالآية تلك الفتاتان على وجه الخصوص، ومن كان مثلهما ممن لم تأت النبي ﵊ للشكوى، والمخاطب بسبب النزول يدخل دخولاً أولياً عند الجمهور، ومالك يرى أن دخول من نزل بسببهم الآية يدخل دخولاً ظنياً، وهذا لا يتضح هنا، ولكن يتضح في آية الأحزاب في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] فهل تدخل في ذلك أمهات المؤمنين أم لا؟ قال في المراقي: واجزم بإدخال ذوات السبب وانقل عن الإمام ظناً تصب فقوله: (واجزم بإدخال ذوات السبب) هو مذهب الجمهور، (وانقل عن الإمام) يقصد مالكاً؛ لأن القائل مالكي (ظناً تصب) أي أن الإمام يرى أن دخولهم ظني في حين أن الجمهور يرون أن دخولهم قطعي.

стр. 662

تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات) ثم قال ربنا ﵎: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤]. لقد ذكر الله جل وعلا في القرآن الكريم براءتين: براءة مريم وبراءة يوسف، ثم ذكر الله في هذه السورة الكريمة سورة النور براءة عائشة، فهذا معنى قول الله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النور:٣٤] على الأظهر. أما قول ربنا قبلها: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور:٣٤] وقوله جل وعلا: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤] فهو مطرد؛ إذ القرآن موعظة لكل مؤمن في أي زمان وفي أي مكان، وهذا ظاهر.

стр. 663

تفسير قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض)

стр. 664

بيان عظمة نور الله ثم قال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]. هنا نستشهد بقول لـ ابن القيم ﵀، والكلام إذا كان نفيساً حسن أن يستشهد به، بصرف النظر عن قائله، فإذا كان قائله قد عرف فضله وإمامته زاد ذلك الأمر قبولاً عندك وعند الناس. قال ابن القيم ﵀: الله جل وعلا من أسمائه النور، ومن أوصافه النور، وحجابه النور، وكتابه نور، وشرعه نور، ورسوله نور، والجنة التي وعدها عباده نور يتلألأ. وقال العلامة ابن سعدي ﵀ في تفسيره: نور السماوات والأرض حساً ومعنىً، فالذين اهتدوا اهتدوا بنور الله، والأرض والسماوات إنما تشرقان بنور الله، واستنار بنور الله كل شيء حتى العرش وأركان العرش، فالله جل وعلا نور السماوات والأرض حساً ومعنىً. ثم ضرب الله المثل، وقد جرت العرب في كلامها على أن تضرب الأمثال، فأصابت ثلاثة أمور: إصابة المعنى، وإيجاز اللفظ، وحسن التشبيه. وبتعبير أصح: نالت العرب بالأمثال أموراً ثلاثة: على أن من أصل العرب في كلامها أنها إذا قالت المثل لا ترى أن أحداً يملك الحق في تغييره، فالمثل يقال كما قيل أول مرة، كمثل: (الصيف ضيعت اللبن) فهذا المثل يقال بهذه الطريقة خاطبت به ذكراً أو خاطبت به أنثى، خاطبت به فرداً أو خاطبت به مثنى أو خاطبت به جماعة، ويقولون: إن أصله أن امرأة كانت تحت رجل طاعن مسن، ولكنه كان ذا مال، فأصرت عليه أن يطلقها، فطلقها في الصيف، فتزوجها شاب من بني قومها، ولكنه كان فقيراً، فذات يوم أمسيا هي وزوجها فقيرين، فرغبت في اللبن، فبعثت إلى زوجها الأول تطلبه لبناً، فلما وصل المبعوث المرسول إلى الزوج الأول قال له: إن فلانة تطلبك لبناً، فأجابه: (الصيف ضيعت اللبن)؛ لأن الطلاق كان في الصيف. فأياً كان المثل فإنه يقال كما هو، والعرب لها أمثالها، والله جل وعلا ساق الأمثال في القرآن، وقال في خاتمة هذه الآية: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]. وقد ضرب الله أمثلة كثيرة في القرآن، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].

стр. 665

نورانية الرسول ﷺ يقول ربنا ﷻ : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] والنبي ﷺ نور بنص القرآن، وقد جاء في مدحه ﵊ في قصيدة كعب بن زهير بأنه نور عند من يقول بصحة نسبة قصيدة كعب بن زهير إليه، وهي قصيدة لا يملك أحد الجزم بصحة سندها، ولكن ذكرها عند أهل السير والأخبار والآثار وقبولهم لها يدل على أن لها أصلاً عظيماً، وكعب كان من عائلة مشتغلة بالشعر، وكانت بينه وبين النبي ﷺ عداوة، فأهدر النبي ﵇ دمه، فدخل المدينة وأنشد بين يدي رسول الله: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحول تجلو عوارض في ظلم إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً وما مواعيده إلا الأباطيل إلى أن قال: إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول وهذه رواية ابن قتيبة وأمثاله، وفي روايات أخر: إن الرسول لسيف يستضاء به والذي يعنينا الرواية الأولى؛ لأنها هي التي تتفق مع ما نحن فيه، فالنبي ﷺ نور وما جاء به النور، وكان يسأل من ربه النور إذا خرج في ممشاه إلى الصلاة وإذا قام من الليل، كل ذلك ثابت عنه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 666

مثل نور المؤمن قال الله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور:٣٥] هذا تقريب ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥] والمشكاة هي الكوة التي في الجدار ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ [النور:٣٥] وفي زماننا نطلق المصباح على الآلة كلها، وأما في لغة القرآن فالمصباح المراد به الفتيلة، وهذا ظاهر؛ لأن الله قال: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور:٣٥] والفتيلة تقع داخل الزجاجة. قال تعالى: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥] لصفائه ونقائه ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور:٣٥]، فالله يشهد أن هذه الشجرة مباركة، أي: كثيرة النفع ﴿زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥] وهذا بيان لنوع الشجرة؛ لأن الشجر المبارك كثير، فلما قال الله: ﴿زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥] عرفنا أنها شجرة الزيتون، وأهل التاريخ يقولون: إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان، ودعا لها بالبركة سبعون نبياً، وموطنها الأرض المقدسة في الأرض المباركة في موطن الأنبياء، فموطنها الأول في الشام. فالله يقول: هذا الزيت يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، والشجرة الشرقية هي التي لا تتعرض للشمس حالة الغروب، والغربية عكسها. وأما الشجرة التي تتعرض للشمس دائماً فهي التي لا تسمى شرقية ولا غربية، قال الله تعالى: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور:٣٥]. ثم قال الله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] وخلاصة الأمر أن الكوة -المشكاة- هي قلب المؤمن، ويجتمع فيه نوران: نور الفطرة ونور الوحي والعلم من عند الله. ففطرته ظاهرة عليه، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور:٣٥]، وقوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] هو نور العلم والوحي والإيمان، على نور الفطرة. قال تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] وذلك لئلا يقول قائل: إن الأمر واضح، فنحن سنهتدي إليه، فأخبر الله جل وعلا أنه ليس الأمر كذلك، وإن كان واضحاً جلياً، فقال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] والإنسان ينبغي له أن يدرك أن المقصود لا يطلب إلا بالرب ﵎. فهذا مجمل ما دلت عليه الآية.

стр. 667

ذكر تفسير للآية غير مقصود بها وبعض أهل العلم بنحو منحىً آخر في تفسير الآية، فيعدل عن ظاهر القرآن، فيقول: إن المقصود بالنور النبي ﷺ ، وإن المشكاة هو إبراهيم ﵊، وإن قول الله جل وعلا: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] المقصود به اليهود يصلون جهة المغرب، والنصارى يصلون جهة المشرق، فيقولون: قوله: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] أي: لا يهودياً ولا نصرانياً، وإن النبي ﵊ أخذ هذا من الشجرة المباركة التي هي إبراهيم لكونه أباً لأكثر الأنبياء. وهذا القول من حيث معناه صحيح، فالنبي ﵊ ليس يهودياً ولا نصرانياً، وهو وارث إبراهيم ومتبعه، وهذا لا خلاف فيه، ولكن القول بأنه المقصود بالآية بعيد جداً، فلا بد من أن تكون هناك آلة متفق عليها في التعامل مع آيات الكتاب، ولا يحق لنا ولا لغيرنا أن نغير الآلة التي نتعامل بها في آيات الكتاب حتى نصل إلى مقصودنا، على أنه ينبغي أن يعلم أن المعاني أحياناً تكون صحيحة، ولكن الوصول إليها قد يكون بطريقة خاطئة، فلو أصاب إنسان في المعنى فلا يعني ذلك أنه أصاب في الطريقة التي يتوصل بها إلى المعنى.

стр. 668

حصول نور الله في قلب المؤمن قال ربنا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥] وقد بينا قضية المثل في القرآن، وأن الله جل وعلا ذكره في أكثر من آية من كتابه، ولما كانت الحاجة داعية إلى معرفة مظان هذا النور قال الله بعدها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]. وبعض العلماء جعل قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ [النور:٣٦] معلقاً بالمشكاة، وتكلم عن المصابيح، ثم قال: إن هذا الكلام منتقض تاريخياً؛ لأن نسل النبي ﷺ لم يكن فيه مصابيح، وهذا كله نرى أنه لا حاجة لنا إليه، فالآية تتكلم عن نور الهداية، ولهذا قال الله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]. فإذا كان الإنسان بعد ذلك قد رغب فيما عند الله وعلم أن الله هو الهادي حق له أن يبحث عن الأمكنة التي يجد فيها نفحات الله ونوره وهدايته، فقال الله جل وعلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦] وهي المساجد. وبعض العلماء يقولون: إن كلمة (بيوت) محصورة في المساجد الأربعة التي بناها الأنبياء، وهي المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي، ومسجد قباء. فهذه الأربعة بناها الأنبياء، والصواب أن يقال: إن الأمر على إطلاقه، فالمساجد كلها بيوت الله، سواء بناها الأنبياء أو بناها غيرهم.

стр. 669

عمارة المساجد بالبناء قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] نبه الله جل وعلا على أمرين: عمارتها مادياً وعمارتها معنوياً. فعمارتها مادياً بتشييدها وبنائها وحفظها عما يضر بها. وعمارتها معنوياً بإقامة ذكر الله جل وعلا فيها، والثاني هنا أشرف من الأول، وفي كل خير، ففي الحديث: (من بنا لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة). وأول بيت وضع في الأرض المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى، وجدده -أي: المسجد الأقصى- سليمان بن داود ﵇، وتزعم إسرائيل اليوم أن تحته هيكل سليمان. ولما هاجر النبي ﷺ فدخل المدينة من جهة الجنوب بنى مسجد قباء في بني عمرو بن عوف، فكان أول مسجد أسس في الإسلام، ثم أتى بطن المدينة فبنى مسجده ﵊، ولم تكن تقام الجمعة إلا في المسجد النبوي، ثم جاءه ﵊ وفد من الأحساء من هجر ثم ارتحلوا عنه، فصلوا الجمعة في محافظة في الأحساء تسمى جواثا. وكثير من الفقهاء على أن ثاني جمعة أقيمت في الإسلام أقيمت في جواثا، لأنه لم تكن تقام الجمعة إلا في المدينة في مسجده ﷺ ، وأقيمت بعد ذلك في جواثا في الأحساء، وقد مررت بها، ولكن لم يتيسر لي أن أدخلها، وهي ديار علم وفضل، يقول أهلها يفتخرون: والمسجد الثالث الشرقي كان لنا والمنبران وفصل القول في الخطب أيام لا مسجداً لله نعرفه إلا بطيبة والمحجوج بالحجب يقصدون المسجد الحرام. والمقصود من هذا تفصيل تاريخي عام عن المساجد في الأرض، ثم بنيت لله جل وعلا مساجد في كل مكان، قال النبي ﷺ : (من بنى لله مسجداً) وهذا دعوة صريحة صحيحة لأهل الخير والفضل للتسابق في بناء المساجد.

стр. 670

عمارة المساجد بذكر الله وأما عمارتها شرعياً ودينياً، فأعظم ذلك إقامة ذكر الله جل وعلا فيها، وهذا الذي قال الله فيه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ [النور:٣٦] ﷻ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦] أي: ينزهه عما لا يليق به، ويحمده الحمد الذي يستحقه، ويثني عليه أقوام ركع سجد، قال الله عنهم: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. وكلمة (رجال) هنا -وإن جاءت نكرة- مخصوصة بالوصف الذي بعدها، فالجمل بعد المعارف أحوال وبعد النكرات صفات، وكلمة (رجال) نكرة، فجملة: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور:٣٧] وصف لكلمة (رجال) وقد قال بعض السلف -وينسب ذلك إلى ابن مسعود -: إن المقصود بالآية في المقام الأول أصحاب الأسواق. قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور:٣٧] فما الفرق ما بين التجارة والبيع؟ إن التجارة هي العمل برءوس الأموال بحثاً عن ربح، فحين يقال: فلان تاجر عنده رأس مال فمعنى ذلك أن رأس ماله يتضاعف، أما البيع فهو أخص من التجارة، فلا يلزم كل أحد يبيع أن يريد ربحاً، فالإنسان قد تضطره مشاكله أحياناً إلى أن يبيع شيئاً غالياً نفيساً له عنده مقام أو ذكرى حميدة، فيبيعه بأقل من قيمته وهو لا يريد ربحاً، وإنما يريد مالاً. وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم من رب بهن ضنين فهذا هو الفرق بين التجارة والبيع. والمشهد يتحقق إذا رأيت أهل سوق، فإذا سمعوا المؤذن تركوا ما في أيديهم وتسابقوا إلى المسجد، وقد ورد أن ابن مسعود رأى أقواماً بهذه الصنيعة فقال: هؤلاء الذين عنى الله بقوله: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. فالآية -وإن دخل فيها هؤلاء الرجال دخولاً أولياً، وهم أهل الأسواق- لا تمنع دخول غيرهم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وما عمرت المساجد لأكثر من أن يذكر الله جل وعلا فيها. والغدو والآصال وقتان، ولكن يظهر لي أنه ليس المقصود حقيقة الوقتين، وإنما المقصود جملة الآناء من أطراف الليل والنهار.
следующие страницы →