Полный текст (789 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
مثل نور المؤمن
قال الله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور:٣٥] هذا تقريب ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥] والمشكاة هي الكوة التي في الجدار ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ [النور:٣٥] وفي زماننا نطلق المصباح على الآلة كلها، وأما في لغة القرآن فالمصباح المراد به الفتيلة، وهذا ظاهر؛ لأن الله قال: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور:٣٥] والفتيلة تقع داخل الزجاجة.
قال تعالى: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥] لصفائه ونقائه ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور:٣٥]، فالله يشهد أن هذه الشجرة مباركة، أي: كثيرة النفع ﴿زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥] وهذا بيان لنوع الشجرة؛ لأن الشجر المبارك كثير، فلما قال الله: ﴿زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥] عرفنا أنها شجرة الزيتون، وأهل التاريخ يقولون: إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان، ودعا لها بالبركة سبعون نبياً، وموطنها الأرض المقدسة في الأرض المباركة في موطن الأنبياء، فموطنها الأول في الشام.
فالله يقول: هذا الزيت يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، والشجرة الشرقية هي التي لا تتعرض للشمس حالة الغروب، والغربية عكسها.
وأما الشجرة التي تتعرض للشمس دائماً فهي التي لا تسمى شرقية ولا غربية، قال الله تعالى: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور:٣٥].
ثم قال الله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] وخلاصة الأمر أن الكوة -المشكاة- هي قلب المؤمن، ويجتمع فيه نوران: نور الفطرة ونور الوحي والعلم من عند الله.
ففطرته ظاهرة عليه، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور:٣٥]، وقوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] هو نور العلم والوحي والإيمان، على نور الفطرة.
قال تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] وذلك لئلا يقول قائل: إن الأمر واضح، فنحن سنهتدي إليه، فأخبر الله جل وعلا أنه ليس الأمر كذلك، وإن كان واضحاً جلياً، فقال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] والإنسان ينبغي له أن يدرك أن المقصود لا يطلب إلا بالرب ﵎.
فهذا مجمل ما دلت عليه الآية.
стр. 667
ذكر تفسير للآية غير مقصود بها
وبعض أهل العلم بنحو منحىً آخر في تفسير الآية، فيعدل عن ظاهر القرآن، فيقول: إن المقصود بالنور النبي ﷺ ، وإن المشكاة هو إبراهيم ﵊، وإن قول الله جل وعلا: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] المقصود به اليهود يصلون جهة المغرب، والنصارى يصلون جهة المشرق، فيقولون: قوله: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] أي: لا يهودياً ولا نصرانياً، وإن النبي ﵊ أخذ هذا من الشجرة المباركة التي هي إبراهيم لكونه أباً لأكثر الأنبياء.
وهذا القول من حيث معناه صحيح، فالنبي ﵊ ليس يهودياً ولا نصرانياً، وهو وارث إبراهيم ومتبعه، وهذا لا خلاف فيه، ولكن القول بأنه المقصود بالآية بعيد جداً، فلا بد من أن تكون هناك آلة متفق عليها في التعامل مع آيات الكتاب، ولا يحق لنا ولا لغيرنا أن نغير الآلة التي نتعامل بها في آيات الكتاب حتى نصل إلى مقصودنا، على أنه ينبغي أن يعلم أن المعاني أحياناً تكون صحيحة، ولكن الوصول إليها قد يكون بطريقة خاطئة، فلو أصاب إنسان في المعنى فلا يعني ذلك أنه أصاب في الطريقة التي يتوصل بها إلى المعنى.
стр. 668
حصول نور الله في قلب المؤمن
قال ربنا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥] وقد بينا قضية المثل في القرآن، وأن الله جل وعلا ذكره في أكثر من آية من كتابه، ولما كانت الحاجة داعية إلى معرفة مظان هذا النور قال الله بعدها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦].
وبعض العلماء جعل قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ [النور:٣٦] معلقاً بالمشكاة، وتكلم عن المصابيح، ثم قال: إن هذا الكلام منتقض تاريخياً؛ لأن نسل النبي ﷺ لم يكن فيه مصابيح، وهذا كله نرى أنه لا حاجة لنا إليه، فالآية تتكلم عن نور الهداية، ولهذا قال الله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
فإذا كان الإنسان بعد ذلك قد رغب فيما عند الله وعلم أن الله هو الهادي حق له أن يبحث عن الأمكنة التي يجد فيها نفحات الله ونوره وهدايته، فقال الله جل وعلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦] وهي المساجد.
وبعض العلماء يقولون: إن كلمة (بيوت) محصورة في المساجد الأربعة التي بناها الأنبياء، وهي المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي، ومسجد قباء.
فهذه الأربعة بناها الأنبياء، والصواب أن يقال: إن الأمر على إطلاقه، فالمساجد كلها بيوت الله، سواء بناها الأنبياء أو بناها غيرهم.
стр. 669
عمارة المساجد بالبناء
قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] نبه الله جل وعلا على أمرين: عمارتها مادياً وعمارتها معنوياً.
فعمارتها مادياً بتشييدها وبنائها وحفظها عما يضر بها.
وعمارتها معنوياً بإقامة ذكر الله جل وعلا فيها، والثاني هنا أشرف من الأول، وفي كل خير، ففي الحديث: (من بنا لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة).
وأول بيت وضع في الأرض المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى، وجدده -أي: المسجد الأقصى- سليمان بن داود ﵇، وتزعم إسرائيل اليوم أن تحته هيكل سليمان.
ولما هاجر النبي ﷺ فدخل المدينة من جهة الجنوب بنى مسجد قباء في بني عمرو بن عوف، فكان أول مسجد أسس في الإسلام، ثم أتى بطن المدينة فبنى مسجده ﵊، ولم تكن تقام الجمعة إلا في المسجد النبوي، ثم جاءه ﵊ وفد من الأحساء من هجر ثم ارتحلوا عنه، فصلوا الجمعة في محافظة في الأحساء تسمى جواثا.
وكثير من الفقهاء على أن ثاني جمعة أقيمت في الإسلام أقيمت في جواثا، لأنه لم تكن تقام الجمعة إلا في المدينة في مسجده ﷺ ، وأقيمت بعد ذلك في جواثا في الأحساء، وقد مررت بها، ولكن لم يتيسر لي أن أدخلها، وهي ديار علم وفضل، يقول أهلها يفتخرون: والمسجد الثالث الشرقي كان لنا والمنبران وفصل القول في الخطب أيام لا مسجداً لله نعرفه إلا بطيبة والمحجوج بالحجب يقصدون المسجد الحرام.
والمقصود من هذا تفصيل تاريخي عام عن المساجد في الأرض، ثم بنيت لله جل وعلا مساجد في كل مكان، قال النبي ﷺ : (من بنى لله مسجداً) وهذا دعوة صريحة صحيحة لأهل الخير والفضل للتسابق في بناء المساجد.
стр. 670
عمارة المساجد بذكر الله
وأما عمارتها شرعياً ودينياً، فأعظم ذلك إقامة ذكر الله جل وعلا فيها، وهذا الذي قال الله فيه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ [النور:٣٦] ﷻ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦] أي: ينزهه عما لا يليق به، ويحمده الحمد الذي يستحقه، ويثني عليه أقوام ركع سجد، قال الله عنهم: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
وكلمة (رجال) هنا -وإن جاءت نكرة- مخصوصة بالوصف الذي بعدها، فالجمل بعد المعارف أحوال وبعد النكرات صفات، وكلمة (رجال) نكرة، فجملة: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور:٣٧] وصف لكلمة (رجال) وقد قال بعض السلف -وينسب ذلك إلى ابن مسعود -: إن المقصود بالآية في المقام الأول أصحاب الأسواق.
قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور:٣٧] فما الفرق ما بين التجارة والبيع؟ إن التجارة هي العمل برءوس الأموال بحثاً عن ربح، فحين يقال: فلان تاجر عنده رأس مال فمعنى ذلك أن رأس ماله يتضاعف، أما البيع فهو أخص من التجارة، فلا يلزم كل أحد يبيع أن يريد ربحاً، فالإنسان قد تضطره مشاكله أحياناً إلى أن يبيع شيئاً غالياً نفيساً له عنده مقام أو ذكرى حميدة، فيبيعه بأقل من قيمته وهو لا يريد ربحاً، وإنما يريد مالاً.
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم من رب بهن ضنين فهذا هو الفرق بين التجارة والبيع.
والمشهد يتحقق إذا رأيت أهل سوق، فإذا سمعوا المؤذن تركوا ما في أيديهم وتسابقوا إلى المسجد، وقد ورد أن ابن مسعود رأى أقواماً بهذه الصنيعة فقال: هؤلاء الذين عنى الله بقوله: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
فالآية -وإن دخل فيها هؤلاء الرجال دخولاً أولياً، وهم أهل الأسواق- لا تمنع دخول غيرهم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وما عمرت المساجد لأكثر من أن يذكر الله جل وعلا فيها.
والغدو والآصال وقتان، ولكن يظهر لي أنه ليس المقصود حقيقة الوقتين، وإنما المقصود جملة الآناء من أطراف الليل والنهار.
стр. 671
ذكر ما يجازى عليه بالإحسان من الأعمال
قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٧ - ٣٨].
أعمال الناس على ثلاثة أقسام: عمل أذن الله به وأباحه ولم يأمر به، فهذا يسمى حسناً.
وعمل أمر الله به وتعبد خلقه به، فهذا يسمى أحسن.
وعمل نهى الله عنه وحرمه، فهذا يسمى قبيحاً مستهجناً.
فإذا كان يوم القيامة جوزي العباد على الأحسن، وبهذا تفهم معنى قول الله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور:٣٨] ولا يأتين أحد فيقول: إن العبد يعمل عملاً حسناً وعملاً أحسن منه، فيكافئه الله على الأحسن، فهذا من غير أن يشعر نسب إلى الله الظلم، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، ولكن نقول: إن هذا الذي صنفناه على أنه أحسن هو في ذاته مراتب عدة.
ولا يقتصر فضل الله على المجازاة على أعمالنا، بل قال الله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٨] جاءت منصوبة لأنها معطوفة على الفعل (يجزي)، والفعل (يجزي) جاء منصوباً؛ لأنه مسبوق بلام التعليل.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨].
هذا بيان لفضل الله الرب ﵎، وأن الله جل وعلا لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقد تحرر معنا كثيراً أننا نقول: إن الله جل وعلا يقدم من يشاء بفضله ويؤخر من يشاء بعدله، ولا يسأله عن مخلوق عن علة فعله، ولا يعترض عليه ذو عقل بعقله.
стр. 672
خلاصة ما سبق تفسيره
وخلاصة هذا الدرس أنه سلف ذكر آيات أحكام تكلمت عن النكاح وأحكام المكاتبة، ثم بين الله جل وعلا بآية فصلت بين القضايا الفقهية والقضايا الإيمانية بأن الله أنزل الله هذا القرآن موعظة ومثلاً.
ثم تكلم الرب جل وعلا عن نوره الذي ملأ أركان عرشه، ثم قرب هذا المثال للناس بشيء يرونه بين أيديهم وأذكر في هذا أن أبا تمام الشاعر العباسي المسمى حبيب بن أوس الطائي دخل على أحد الخلفاء فمدحه بقوله: إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس وهؤلاء كانوا من المشاهير في العرب فـ أحنف في حلمه، وإياس القاضي في ذكائهـ وعمرو في شجاعته، وحاتم في كرمه، وأي إنسان يظهر في بلاط الأمراء يكون له حساد، فقام أحد الناس يحسد أبا تمام وقد أصبح له مكان عند الخليفة، فقال: إن الأمير أكبر وأشرف ممن ذكرت، تصف أمير المؤمنين بأجلاف العرب! ومن يستطيع أن يقول في مجلس الأمير: إن هؤلاء ليسوا أجلافاً؟! فقال أبو تمام في ساعته يدافع عن نفسه: لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شروداً في الندى والبأس فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس وهذه تدل على ذكائه، ويقولون: إن الطبيب الكندي كان حاضراً، فلما فتشوا في أوراق أبي تمام لم يجدوا فيها هذين البيتين، بمعنى أن أبا تمام ارتجلهما مباشرة ليدافع عن نفسه، فقال: هذا رجل سيأكل الذكاء دماغه.
أو كلمة نحوها، فمات أبو تمام صغيراً في الأربعينات، فقد يكون هذا بسبب ذكائه كما يزعم هذا الطبيب، والأصل أنه بقدر الله، وقد يكون هناك أسباب أخرى لم يطلع عليها الطبيب.
وأياً كان فقد تخلص أبو تمام هنا تخلصاً عظيماً.
وإنك لتعجب ممن يأتيك أحياناً فيحاول أن يكتب شعراً، وهو لم يقرأ قرآناً ولا حديثاً ولا شعر العرب، فمن أين تأتي الدرر والمعلومات والألفاظ حتى تستطيع أن تحررها إلى أبيات؟ فهذا محال.
فعدم الأخذ بأسباب الشيء يحول بينك وبين الوصول، والله يقول عن ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤]، فمن رام مجداً فلا بد له من أن يعلم أن لكل مجد طرائق وسبلاً توصل إليه، فيأخذ بها متوكلاً على الله جل وعلا ويرجو من الله التوفيق والسداد.
وأقول: إن الله جل وعلا ذكر المساجد وحرمتها، وبين أن أعظم ما يمكن أن يقال فيها هو ذكر الله ﵎، فطر الله قلبي وقلوبكم على توحيده، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
فهذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وفي الدرس القادم -بإذن الله تعالى- سنعرج على أعمال الذين كفروا، ثم نذكر ما ذكر الله جل وعلا من دلائل قدرته وجليل صنعته في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور:٤٣].
نسأل الله التوفيق والسداد والعون والقبول، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 673
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة النور [٦]
تضمنت سورة النور بيان مآل أعمال الكافرين، إذ لم يقترن بها إيمان بالله تعالى ينفعهم، وضرب الله تعالى لهم في ذلك مثلاً لكبرائهم وآخر للأتباع والمقلدين.
كما تضمنت السورة بيان عظيم قدرة الله تعالى في سوق السحاب وإنزال المطر، وتقليب الليل والنهار، وخلق أنواع الدواب، مع ذكر إفراد الكائنات له تعالى بالتسبيح والتقديس الذي علمه تعالى وعلم غيره مما يفعلون.
стр. 674
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة)
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده، ونستعنيه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وسع الخلائق خيره، ولم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله شرح الله له صدره، ورفع الله له ذكره، ووضع الله عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فنشرع في تكملة ما كنا قد بدأناه في الدرس الماضي في سورة النور، وكنا قد ذكرنا نعت الله جل وعلا لعباده المؤمنين، ووعده إياهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢].
وفي هذا الدرس سنشرع في تفسير آيات أخرى.
يقول الرب ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩].
هذا مثل ضربه الله جل وعلا لأعمال الكفار لبيان أنهم لا ينتفعون بها.
فهؤلاء المشركون كفرة، ولكن لديهم قدرة في المجادلة، ومن مجادلتهم أنهم يقولون: نحن لم نعكف في بيوتنا، بل لدينا أصنام نعبدها، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فإذا كان يوم القيامة سنجد حصيلة أعمالنا، فنحن نطعم كما تُطعمون، ونسقي كما تُسقون، ونفعل الخيرات، ونقوم بواجبات، فالله جل وعلا يصور حال تلك الأعمال التي اتكلوا عليها، فقال ربنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩].
والقيعة: جمع لقاع، والقاع هو الأرض المنبسطة التي لم تعلها الجبال والآكام، فأصبحت واضحة مرئية، والسراب يسمى سراباً إذا لاح في أول النهار، وفي آخر النهار لا يسمى سراباً، بل يسمى (الآل)، والمعنى واحد، فهذا السراب يلوح لرائيه كأنه ماء، فإذا كان الرائي ظمآن فإنه سيتعطش للوصول إليه، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور:٣٩].
أما غير الظمآن فهو يراه سراباً كما يراه غيره، ولكن لعدم وجود تعلق به لا يلتفت إليه، ولا يعطيه كبير اهتمام، فلهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ [النور:٣٩] أي: جاء إلى ما كان يعتقد أنه ماء (فلم يجده شيئاً) وليته خلص لا له ولا عليه، ولم يتكلف إلا المجيء، ولكن الله قال موبخاً لهم: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩]، فهو يزعم أنه لا رب ولا إله، وأن هذه الأعمال هي التي تنفعه، فيفعل الكافر المشرك تلك الأعمال، حتى إذا كان يوم القيامة لم يجد تلك الأعمال، كمن كان يبحث عن السراب، ولكن من يبحث عن السراب غاية أمره أنه لم يجد شيئاً، وأما هذا فقال الله عنه: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩] أي: يوم القيامة ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩] أي أن الله جل وعلا لا يبطئ في حسابه إذا ظهر مقتضاه، وحسابه قد وقته الله جل وعلا أن يكون في يوم موعود محدود، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٤ - ١٠٥].
стр. 675
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي)
ثم قال ربنا: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠].
(أو) حرف عطف بالاتفاق، ولكن هل هي للتنويع، أو للتخيير؟ والصواب أنها للتنويع، فإذا قلنا: إنها للتنويع فإنه لابد من إيجاد طرف ثان، فنقول: إن المثال الأول للأئمة من أهل الكفر، وأما المثال الثاني فلأتباعهم ومقلديهم.
قال الله جل وعلا: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠] وفي اللغة (لُجة): بضم اللام، وفيها (لَجة) بفتح اللام، واللجة: كثرة الأصوات وارتفاعها، ولا علاقة لها بالآية، وأما اللجة فهي معظم البحر، والبحر اللجي: هو البحر الكثير الماء البعيد القعر.
قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور:٤٠] أي: ظلم وجهل وكفر وعناد، فمثالهم كرجل في قاع البحار ومن فوقه موج والفرق بين الموج واللجة أن اللجة هي البحر نفسه، وأما الموج فما يخرج عن البحر ويرتفع، وهو شهير ظاهر.
قال ربنا: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور:٤٠] وليست الظلمات في الموج والسحاب، وإنما هذا نظير مثال، فالظلمات هي كفره وجهله وعناده.
стр. 676
بيان معنى قوله تعالى (لم يكد يراها)
قال تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠] أي: في هذه الظلمات كلها يحاول أن يخرج يده، فيخرجها؛ لأنها تتعلق بقدرته الذهنية، وبقدرته الحركية، ولا تتعلق بالرؤية، ولكن هل يراها أن لا؟ قال ربنا: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠] وتحرير المسألة أن (كاد) عند النحويين فعل من أفعال المقاربة، وأكثر المفسرين يقول: إن معنى (لم يكد يراها) أي: لم يقرب أن يراها، فكيف يراها؟! ولهم في هذا استدلال بأبيات ل ذي الرمة وغيره.
ولكن الصواب أن يقال: إن (كاد) فعل إذا أثبت دل على النفي، وإذا نفي دل على الإثبات، كما قيل: أنحوي هذا العصر ما هي لفظة جرت على لساني جرهم وثمود إذا استعملت في صورة النفي أثبتت وإن أثبتت قامت مقام جحود أي: مقام النفي والنكرة، وهذه اللفظة هي الفعل (كاد)، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥]، فالفعل مثبت، وقد أخفاها الله جل وعلا عيناً وقتاً، وقال: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، المهدي والدجال وعيسى، طلوع الشمس من مغربها.
فقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠] معناه -بحسب فهمنا اللغة- أنه يرى شيئاً يسيراً منها، وهذه معضلة، إذ كيف يرى شيئاً يسيراً من النور؟! فهذا هو الذي جعلهم يقولون: إنه لم يقرب أن يراها، فكيف يراها؟! وأظن -والعلم عند الله- أن المقصود بالإظهار البين في النور اليسير من باب إقامة الحجة، أما الذي لا يرى بالكلية -كالمجنون والصغير وأمثالهم- فلا حساب عليه؛ لأنه لم تقم عليه حجة، والعلم عند الله.
стр. 677
مغبة فقدان الهداية
قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].
أي: كيف يراها، وكيف يهتدي، وكيف يبلغ مراده والرب جل وعلا لم يجعل له نوراً؟! وإنك لتجد رجلين من أب وأم واحدة يوفق أحدهما لأعظم الطاعات، ويغيب أحدهما عنها بالكلية، وقد اتفقا في منشئهما وتربيتهما وعرقهما، بل وفي الرحم التي خرجا منها، لكن جعل الله لأحدهما نوراً، ولم يجعل الله للآخر نوراً، فمن جعل الله له نوراً اهتدى، ومن لم يجعل له نوراً، ضل وغوى، والعياذ بالله.
стр. 678
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات ومن في الأرض)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١].
هذا شيء مشاهد، و (من) للعاقل، وهنا ذكرت للتغليب، فقوله تعالى: ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [النور:٤١] يشمل الملائكة في المقام الأول، ﴿وَالأَرْضِ﴾ [النور:٤١] يشمل بني آدم، وكل من يدب على الأرض، وبقي الذي بينهما، ولهذا قال الله: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور:٤١] لأنها ليست في السماء، وليست في الأرض، فهذا تخريج.
وقال آخرون: هذا ليس بتخريج، وإنما الطير داخلة في قوله جل وعلا: (من في السموات ومن في الأرض)، وذكرها تعالى لبيان أنها تسبح حال كونها صافات، ولهذا قال: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور:٤١].
قالوا: فلو قال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ) من غير ذكر (صافات) لقلنا بالأول، ولكل من القولين ما يؤيده من حيث النظر.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١].
وهناك خلاف بين العلماء في فاعل (علم) والأكثرون على أن فاعل (علم) عائد على كلمة (كل) أي: كل واحد من هؤلاء علم صلاته وتسبيحه، وأما الرب جل وعلا فقال عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١].
стр. 679
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض)
ثم بين جل وعلا عظيم ملكه فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٩] أي: ليس الأمر مقتصراً على أمة في السماء تسبح، وأمة في الأرض تسبح، فليس ذلك هو حدود ملك الله، بل كل ما في الكون له، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٩].
ويجب أن يستقر في قلب كل أحد أن الله جل وعلا بيده مقاليد كل شيء، ورزق كل أحد عليه، ومصير كل شيء إليه، هذه القناعات اليقينيات المستنبطة من الكتاب والسنة هي التي تورث قلباً حياً ويقيناً راسخاً، فينجم عن ذلك عمل صالح.
стр. 680
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً)
ومازالت الآيات تبين عظيم القدرة الإلهية، حيث يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور:٤٣]، والإزجاء هو الدفع، وقد نسمع أحياناً إنساناً يقدم له فيقول: بضاعتي مزجاه، وهذه كلمة مأخوذة من سورة يوسف، ومعنى مزجاة: مدفوعة، والبضاعة المزجاة هي التي لا يقبلها أحد، فكلما عرضتها على تاجر يعتذر ويمتنع عن القبول، ويقول: اذهب إلى فلان فلعله يقبلها.
فهذا معنى قولهم: بضاعة مزجاة، فالإزجاء هو السوق والدفع.
فالله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور:٤٣] فتسوقه الملائكة بواسطة الرياح، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور:٤٣] وقد كان قطعاً، والقطعة من السحاب تسمى قزعة، ثم يجعله متراكماً بعضه فوق بعض.
قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ [النور:٤٣] أي: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور:٤٣]، ويلحظ هنا تكرار (من) ثلاث مرات، وكلها جارة، ولكلٍ معنى، فـ (من) في قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النور:٤٣] لابتداء الغاية.
و (من) في قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ [النور:٤٣] للتبعيض.
و (من) في قوله: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور:٤٣] لبيان النوع والجنس.
قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٤٣] أي: يصيب بالبرد وبالمطر وبالصواعق.
стр. 681
بيان معنى قوله تعالى (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار)
قال تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣].
السنا -بغير همزة- الرفعة والعلو المعنوي والحسي، والسناء -بالهمزة- اللمعان والضوء والنور، والمقصود به هنا اللمعان والبرق والنور، فأحياناً يجتمع الأمران: السنا المعنوي المقصود به الرفعة، والسناء المقصود به اللمعان.
فأما اجتماعهما فقد ورد في شعر ابن زيدون، وابن زيدون شاعر أندلسي عاصر انتقال الحكم من بني أمية إلى ملوك الطوائف، وبنو أمية أسسوا ملكهم في الأندلس على يد عبد الرحمن الداخل الملقب بصقر قريش، والذي لقبه بصقر قريش هو خصمه أبو جعفر المنصور، وهذا من إنصاف أبي جعفر.
فاستمر الحكم في الأندلس، ثم انتقل من بني أمية إلى ملوك الطوائف، وهم مسلمون من غير ذرية بني أمية، وفي تلك الفترة ظهر ابن زيدون، فأصبح وزيراً وهو في الثلاثين من عمره، ومثل هذا ينجم عنه الحسد، فتعلق بامرأة اسمها ولادة بنت المستكفي، فقال فيها أطيب شعره، والذي يعنينا من شعره هنا ما أردناه في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣]، حيث قال: ودع الصبر محب ودعك ذائع من سره ما استودعك يقرع السن على أن لم يكن زاد في تلك الخطا إذ شيعك يا أخا البدر سناء وسناً رحم الله زماناً أطلعك والبدر هو القمر، وقصد بأخي البدر معشوقته، وقوله: سناءً وسناً، أي: أنت مثل البرق في برقه ونوره ولمعانه، ومثل البدر في علوه وارتفاعه.
فالله تعالى هنا يقول: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور:٤٣].
والعامة تلغز فتقول: ما الشيء الذي يسمع ولا يرى، وما الشيء الذي يرى ولا يسمع؟ ويقصدون بالذي يسمع ولا يرى الرعد، ويقصدون بالذي يرى ولا يسمع البرق، وقد جرت عادة العرب بأنها تشيم، أي: تنظر في البرق، فتقول: أين سينزل، قال الأعشى: فقلت للشرب في درنى وقد ثملوا شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل يقول: أنا مع مجموعة سكارى فرأيت بارقاً.
وهل يا ترى بارقاً عارضاً قد بت أرقبه كأنما البرق في حافاته الشعل فقال لمجموعته: شيموا، أي: انظروا إلى هذا البرق أين سيسقط.
ثم يقول مستنكراً حال نفسه: وكيف يشيم الشارب الثمل، يعني: من كان قد غلبه السكر فأنى له أن يشيم ويعرف مواطن البرق.
قال تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣] واللام في (الأبصار) لام الحقيقة، وضدها لام المجاز، وبيان ذلك أن الله جل وعلا قال في سورة البقرة: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٠] وهناك فرق تام بين الآيتين: فالآية الأولى: أراد الله بها ضرب مثل عن هؤلاء المنافقين الذين يسكنون المدينة ويرون تنزل الآيات فلا ينتفعون بها، ولهذا قال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة:٢٠] فأضاف الأبصار إليهم، وليس المقصود إلا إظهار عدم انتفاعهم بالكتاب والسنة.
أما آية النور فالله يتكلم فيها بذكر لام الحقيقة، والمراد: البصر الحقيقي الذي هو يخاطب به كل أحد، فكل إنسان إذا تأمل البرق ونظر فيه وأمعن فإنه يكاد سنا البرق أن يذهب ببصره، ولو لم يذهب ببصره؛ لأنها جاءت مثبتة، فتعتبر في حكم المنفية.
стр. 682
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤]، وهذا من دلائل قدرته، وكمال صنعته جل وعلا، وهو أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، والله تعالى يقول في سورة آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧].
قال بعض السلف: هاتان الآيتان من آل عمران هما اللتان صدر الله جل وعلا بهما التوراة التي أنزل على موسى ﵇، وقالوا: إن آخر آية في التوراة هي آخر آية في سورة الإسراء: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١] إلى آخر الآية.
يقول الله جل وعلا هنا: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [النور:٤٤] فما الليل والنهار إلا مطيتان مسخرتان بأمر الرب ﵎، فلما ذكر الله جل وعلا قدرته على تقليبهما، وعلى أنه جل وعلا يجعل هذا حيناً أطول من الآخر، والآخر أطول من الأول حيناً آخر، قال سبحانه جل وعلا بعد ذلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [آل عمران:١٣] أي: في هذا الأمر الذي يحصل ويرى ﴿لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣].
والمؤمن حري به أن يتأمل ما خلق الله جل وعلا من حوله حتى يقوده ذلك إلى معرفة ربه.
стр. 683
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
ثم قال ربنا -وهو أصدق القائلين-: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥] فكل ما يميز وما لا يميز مما يمشي على الأرض يسمى دابة.
وأهم ما ينبغي أن يعرف في الآية أن الحجة العظيمة الأولى التي أقامها الله جل وعلا على أهل الإشراك هي كونه جل وعلا خالقاً، وما سواه مخلوقاً، فهذه أهم قضية ناقشها القرآن، قال الله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧]، وقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان:٣]، وقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١].
وأراد الله من هذا كله أن يقول لهم: إن العبادة الحقة لا يستحقها إلا من يخلق، فما دام أنه لا أحد يخلق إلا الله فمن المقطوع به ألا يعبد أحد بحق إلا الله.
هذا الذي أراده الله من إثبات قدرته على الخلق، حتى يقيم الحجة على عباده، فكيف تلتفون إلى من لا يخلق فتعبدونه وتتركون من يخلق؟! وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر:٨٥] قال العلماء: قوله: (إلا بالحق) لإثبات أن الله وحده هو الخالق، فلا يستحق العبادة غيره.
وقال تعالى هنا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥]، وقال في الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠].
فالماء في سورة الأنبياء اسم جنس، أما هنا فليس اسم جنس، ولهذا جاء نكرة، ففي سورة الأنبياء يتكلم عن جنس المخلوقات، أما هنا فلم يتكلم عن جنس المخلوقات، بل يحدد ماهية المخلوقات، بدليل قوله تعالى بعدها: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور:٤٥] و (من) تستخدم للعاقل، وسوغ استخدامها لغير العاقل أن الله جل وعلا تكلم عن الدواب، والدواب يدخل فيها العاقل من بني آدم، فبالتغليب أدخل غير العاقل.
قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور:٤٥] مثل الحيات، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ [النور:٤٥] مثل بني آدم وبعض الحيوانات، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور:٤٥].
стр. 684
بيان قدرة الله تعالى
ويرد على ذهن الإنسان حال العنكبوت والعقرب ونحوهما، فهي لا تمشي على بطنها، ولا على اثنتين، ولا على أربع، فتجيبه الآية: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور:٤٥] وكأن الله يقول: بل هناك غير العنكبوت والعقرب لم تره عيناك، فلا يحتاج إلى أن تستدل علينا بعنكبوت وعقرب، ولذلك فصل الله الخطاب والأمر بقوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور:٤٥]، وهذا التبيين مناسب لقول الله جل وعلا: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور:٤٥]، فقوله: (يخلق الله ما يشاء) درس قائم بذاته؛ إذ الإنسان أحياناً تكون له أمنيات ورغبات، فيمنعه من الدعاء تصور استحالة أن تقع، فمما يحل هذا الإشكال اليقيني قول الله جل وعلا هنا: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور:٤٥] وهذه المسألة حصلت للصديقة مريم، فإن الملائكة بشرتها بعيسى ابن مريم ولم تقل لها: عيسى بن فلان، فعرفت أنه سيأتي من غير زوج؛ لأنها لو قالت عيسى بن فلان لعرفت أن الأمر عادي، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران:٤٥].
فلما أرادت أن تعترض قالت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران:٤٧] فعرفت أنه سيأتي من غير مساس؛ لأنه لو كان سيأتي بمساس لنسب إلى أبيه، فأجابها بقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٧] في حين أن الله جل وعلا أجاب زكريا بغير هذا، حيث قال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠]؛ لأن قصة زكريا وجد فيها السبب، ولكن وجد عارض لحق أحد السببين، وهو كبر الوالد وكون المرأة عاقراً، فكان المطلوب إزالة ذلك العارض، فعبر الله عنه بقوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠].
أما في قصة مريم فليس هناك سبب آخر قائم حتى نقول: هناك عارض يحتاج إلى أن يزال، بل لا يوجد سبب يعين على ولادة؛ لانفصال أحد السببين، فقال الله جل وعلا: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٤٧].
стр. 685
أهمية استحضار قدرة الله تعالى في سؤاله إجابة الدعوات
وأنت -أيها الأخ- قد تقف في عرفات -وهو موطن إجابة- وتصلي في الليل وتسجد، وذلك موطن إجابة، وتدخل أحد الحرمين، وهما مواطنان فاضلان، وتقف عند باب الكعبة، وهو موطن عظيم، وتمر عليك أوقات تقدم فيها طاعات تشعر فيها بقربك من الله، فعليك أن تزدلف إلى الله جل وعلا قبل أن تسأله بكلامه، وتردد ما أخبر الله جل وعلا به أنه قادر على كل شيء، فقل: اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٧]، وقلت: وقولك الحق، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠]، وقلت وقولك الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، وقلت وقولك الحق: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
وأنت الذي أرجعت يوسف إلى أبيه، رددت موسى إلى أمه، جمعت ليعقوب بنيه، وجعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، أنت الله لا إله إلا أنت لا تسأل عما تفعل وهم يسألون، أنت الله لا إله إلا أنت تنزهت عن الصاحبة والولد، وتقدست فلم تلد ولم تولد.
وتذكر هذه المعاني العظيمة التي ذكرها الله في كتابه، وإلا فلا معنى لأن تقرأ القرآن ثم لا تصدقه، تقول عائشة: (كان النبي ﷺ يتأول القرآن يقول في دعائه: يا بر يا رحيم! قني عذاب السموم) وأخذ الاستغفار من سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] فكان يستغفر الله جل وعلا، يتأول القرآن.
فالمقصود أن هذه المعاني العظيمة المقررة في قلبك أولاً وأخراً عليك أن تستحضرها ثم تقولها؛ لأن الإنسان إذا كرر شيئاً يعتقده، فكرره بلسانه وأسمعه نفسه قل ألا يترك هذا أثراً في قلبه، فإذا وصلت إلى مرحلة الاستكانة والافتقار والتذلل بين يدي الله، فعرض على الله جل وعلا حاجتك، وسل الرب ﵎ بغيتك، وألح عليه ﵎ في الطلب، ثم اختم ذلك بعظيم حسن ظنك، وعظيم رغبتك فيما عند الله ﵎، فتذكر من أسمائه الحسنى وصفاته العلى ما يغلب على ظنك أنه مناسب لدعائك حتى يكون ذلك أرفع لدعوتك، وأسمع لصوتك، والله جل وعلا بعد ذلك كله أرحم منك بنفسك، وأقرب إجابة، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
والمقصود من هذا أننا قد نورد أحياناً مسائل علمية، ونعرج على أقوال النحاة، ونذكر ما دونه الشعراء، ولكن هذا إنما يدفع ويطرد به الملل، ويقرب به البعيد، ويوضح به المعنى، ولكن الغاية الأولى من القرآن كله أن تلين قلوب العباد لربهم ﵎، بأن يكون فيه موعظة، ويكون فيه معانٍ تحرك القلب المسلم، وتجعل الإنسان قريباً من ربه وتدفعه إلى الطاعة، وتحجم به عن المعصية، وتبين له عظمة الله ﷻ ، ومن لم يهتد بالقرآن لن يهتدي بغيره قال الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].
اللهم إنا نسألك نوراً نهتدي به، ورزقك حلالاً طيباً مباركاً نكتفي به.
هذا ما تهيأ إيراده وأعان الله جل وعلا على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 686
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة النور [٧]
اشتملت سورة النور على بيان حال ثلاث طوائف من الناس، فالطائفة الأولى هي طائفة المنافقين المعرضين عن حكم الله ورسوله، والمعرضين عن طاعتهما، ومآل هؤلاء هو البوار والخسران.
والطائفة الثانية هي طائفة الكفار المظهرين عداوتهم للمؤمنين، وهؤلاء ليسوا بمعجزين لربهم، ومأواهم النار.
والطائفة الثالثة هي طائفة المؤمنين الذين وعدهم الله ﵎ بنصره لهم في الدنيا ورحمته بهم في الآخرة.
стр. 687
ذكر بعض دلائل قدرة الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أظهر لنا من فضله وكرمه ووهبنا من آلائه ونعمه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فما زلنا نرتع في رياض الجنة وأعظم مقامات الدنيا كما قال أهل العلم وهو مقام التدبر في كتاب الله جل وعلا والسورة التي نحن بصددها هي سورة النور، وكنا قد وقفنا عند قول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور:٤٦].
وأحب قبل أن أشرع وأبدأ بها أن أعود قليلاً إلى الآيات التي سلفت، وكنا قد جعلنا لذلك الدرس حظاً كبيراً من قضية الوعظ، وهذا الأصل في القرآن، فإن الله جل وعلا جعله موعظة كما بينه في كتابه، وقد سبق معنا قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣]، والذي أريد أن أقوله هنا هو أن هذه الآية من أعظم الآيات الدالة على قدرة الله جل وعلا، فالله جل وعلا ذكر فيها مخلوقاً واحداً، هو السحاب، وضمنه أربعة أضداد لا يمكن أن تجتمع في مخلوق واحد، ولا يقدر على ذلك إلا الله، فالسحاب يكون منه الودق، أي: المطر والغيث، وهو ماء، ويكون منه في نفس الوقت الصواعق التي تحرق، وهي في الجملة النار، والماء والنار ضدان لا يجتمعان، فجمعهما الرب في مخلوق واحد، وفي نفس الوقت يقول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور:٤٣]، والسحاب إذا تراكم بعضه على بعض حجب نور القمر وضوء الكواكب وأصبحت الدنيا ظلمة، ومع ذلك قرنه الله جل وعلا بالبرق، فقال سبحانه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣]، والبرق نور وضياء، والنور والظلمة لا يجتمعان، فينجم عن السحاب أربعة أضداد، الماء والنار، وهما ضدان، والنور والظلمة وهما ضدان.
وهذا من دلائل قدرة الله ﵎، والمؤمن -إن كان موفقاً- ينظر إلى القرآن مثل هذه الرؤية، وإن كننا ننهج في التفسير تفسيراً موسوعياً، ونعرج على قضايا نحوية وبلاغية ومعرفية، فذلك من باب أن يستفيد المرء مما نقول، ولتستقيم الطريق العلمية والمعرفية، ولكن قبل أن يؤصل الإنسان نفسه معرفياً ليبز أقرانه ويصل إلى مقصوده، عليه أن يعلم أن المقصود الأسمى أن تثبت القدم يوم العرض على الله، ولن تثبت القدم يوم العرض على الله إلا إذا ملئت بموعظة وضياء القرآن، فينظر إلى القرآن نظر تدبر وإيمان يستدل به من خلال تدبر الآيات على عظمة الواحد القهار ﷻ .
فهذه الآية من أعظم الآيات الدالة على عظيم قدرة الرب جل وعلا.
стр. 688
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا آيات مبينات)
قال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور:٤٦].
ولا يلحظ هنا التتابع في الآيتين، حيث يقول الله: لقد أنزلنا آيات مبينات ظاهرة جلية تخبر عن عظمتنا، وتدل على وحدانيتنا، وترشد إلى عبادتنا.
ولكي لا يتعلق الناس بها قال الرب بعدها: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور:٤٦]، فليس النظر في الآيات المبينات والتدبر فيها كافياً للهداية، بل لا بد مع التدبر والنظر في هذه الآيات التي أنزلت من أن يصاحب ذلك توفيق من الرب جل وعلا ولهذا قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]، وقد مر معنا تحرير ذلك في أكثر من موضع.
стр. 689
تفسير قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
بقدر الله جل وعلا أراد أن تكون المدينة المجتمع الإسلامي الأول، وأراد الله لها أن تجمع أخلاطاً عدة، فلينظر في حكم رسول الله ﷺ وتفاعله مع تلك الأخلاط، حتى لا يكونن مجتمع بعد ذلك بمعزل عن مجتمع المدينة الأول، فيحق لكل أحد أن يتأسى بهديه ﵊.
فالمدينة كانت زاخرة بالمهاجرين والأنصار أعظم الناس إيماناً، وكان هناك من هم دونهم في الإيمان وليسو منافقين، من الأعراب وبعض الصحابة.
وكان هناك منافقون يظهرون ما لا يبطنون، وكان هناك يهود، وكان هناك نصارى يؤوون إليها، كما حصل من نصارى نجران، وكان هناك أعراب جفاة ينظرون إلى مصالحهم، وكان هناك دول تحيط بها، كفارس والروم، وقد حصل لهم بعض المنازعات مع الروم كما هو معلوم.
فقراءة هذا المجتمع قراءة صحيحة من الكتاب والسنة والسيرة الصحيحة تعين الإنسان في أي منصب على أن يصل إلى أن يعرف حكم الله وحكم رسوله ﷺ في الحدث.
وهنا يخبر الله جل وعلا عن طائفة من المنافقين، ولكن الخبر هنا جزئي يتعلق بالحكومات، والناس تحتكم في ثلاثة أمور: في الفروج والدماء والأموال، ولا يوجد حكم في غير هذا، فأي تنازع بين الناس يكون إما في أموالهم وإما في فروجهم، وإما في دمائهم.
يقول بعض أهل التفسير: إن منافقاً يقال له بشر اختصم مع يهودي، فطلب منه اليهودي أن يحتكما إلى رسول الله ﷺ ، فأبى بشر هذا الذي يدعي الإيمان، الاحتكام إلى رسول الله ﷺ ، وأرشد إلى كعب بن الأشرف؛ لعلمه أن النبي ﷺ يقضي بالحق وهو يعلم أنه على الباطل، فقال الله عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٤٧] أي: بألسنتهم، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
قال العلماء: نفي الإيمان عنهم يدل على أن الإيمان لا يقبل من غير عمل؛ لأن الله أثبت لهم أنهم قالوا الإيمان بألسنتهم، ونفى عنهم العمل بقوله جل وعلا: ((ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)) فقال بعد ذلك معقباً ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧]، فالإيمان إيمان بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان.
فهذه الطائفة من المنافقين كانت تسكن المدينة، والله جل وعلا من سننه التمحيص، فتأتي الطوارق والحوادث تتابع، فمرة على هيئة أفراد، كما حصل في قضية بشر، ومرة على مستوى الأمة، كما يحدث التكليف بالجهاد، أو يحدث أمر عام يميز طائفة من الطوائف، وأحياناً تحدث أحداث جزئية تميز أفراداً عن أفراد، ومع ذلك لم يأتِ في القرآن اسم منافق واحد؛ لأن القرآن أكبر من أن يتحدث عن أفراد، وإنما يتحدث عنهم في بعض المواضع لمصلحة أرجح من إخفائهم، فمريم هي المرأة الوحيدة التي ذكرت في القرآن؛ حتى لا يقول قائل: ليس عيسى ابن مريم، وإنما شخص آخر، فذكره الله -أي: عيسى- وذكر اسم أمه حتى لا يبقى تأويل ولا احتمال يفزع إليه من يريد أن ينجو بالآية عما تقصد.
يقول تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧] (ما) هي الحجازية، تعمل عمل (ليس)، (ليس) و (ما) كلتاهما أداة نفي، ولكن الاختلاف في العمل، فالحرف أو الفعل له معنى وله عمل، وكل الحروف لها معنى إلا الحروف الأبجدية الجزئية، فلا تعرف إلا إذا ركبت، والخلاف هنا كائن في (ما) هل هي عاملة أو مهملة لا تعمل؟ فالحجازيون يعملونها عمل ليس، فترفع المبتدأ ويسمى اسمها، وتنصب الخبر ويسمى خبرها، ومن آية عملها أن يكون خبرها مقترناً بالباء، كما هو هنا: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
стр. 690
بيان حال المنافقين عند دعوتهم إلى حكم الله ورسوله
ثم قال ربنا: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨] في هذه الآية ذكرت (إذا) مرتين، فالأولى هي (إذا) الشرطية، والأخرى (إذا) الفجائية، (إذا الفجائية) يأتي ما بعدها فجأة، ولهذا سميت (إذا الفجائية) والمعنى: أن هؤلاء القوم إذا دعوا إلى أن يحكم الله ورسوله بينهم لا يقبلون هذا العرض قبول متريث، بل لما انطوت عليه سرائرهم من بغض الله وبغض رسوله، وعدم قبول قول الله وعدم قبول قول رسوله يفاجئونك مباشرة بالجواب قبل أن تكمل عرضك، فهذا هو المنزع البلاغي المقصود من الإتيان بـ (إذا) الفجائية في هذا الموقف.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [النور:٤٨]، قال بعض العلماء: (ليحكم) جاءت بصيغة الإفراد، وقد دعوا إلى الله ورسوله، ومعلوم أن الدعوة إلى الله دعوة إلى كتابه، والدعوة إلى الرسول دعوة إلى سنته، فقالوا: إن المقصود هنا هو الدعوة إلى حكم رسول الله ﷺ الميداني العملي، وإنما ذكر اسم الله قبل اسم رسوله تشريفاً وتبركاً.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨]، ثم قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩]، والإذعان: الانقياد، فلماذا يأتون عندما يكون لهم الحق؟! إنهم يأتون لعلمهم بأن النبي ﷺ سيقضي بالحق، فإذا علموا أزلاً أنهم على الحق لم يجدوا بداً من أن يذهبوا إلى رسول الله ﷺ ، وهذا اتباع هوى لا اتباع دين، وقد يتلبس به بعض الناس من حيث لا يشعر، فيأتي إلى العالم ليسأله يبتغي جواباً قد بيته قبل أن يعرض سؤاله، فهو يريد أن يسمع جواباً يرتضيه، ولا يريد الحق، وهذا يحدث في مسائل الحكومات كما هو في العادة.
ومن طرائف ما يروى في هذا الباب أن رجلاً اختصم مع زوجه إلى الشعبي، والشعبي هو أحد رجال الصحيح، متفق عند جمهرة الناس على جلالته وتقواه وورعه، وكان يقضي بين الناس.
فلما عرض الرجل وزوجته خبرهما حكم الشعبي للمرأة دون الرجل، فلما وجد الرجل أن الشعبي لم يحكم له جعل ذلك مثلبة في حق الشعبي فقال: فتن الشعبي لما رفع الطرف إليها سحرته ببنان وخضاب في يديها كيف لو أبصر منها نحرها أو ساعديها لا جفا حتى تراه راكعاً بين يديها نشرت هذه العبارات في الناس، والناس يفرحون بمثل هذه الأراجيز؛ لأنها سهلة الحفظ وتغطي فراغاً اجتماعياً لديهم، فانتشرت بين الناس، فلما انتشرت قال الشعبي: والله ما حكمت إلا بالحق، وما رفعت إلي بناناً ولا خضاباً.
والبنان: رءوس الأصابع، والخضاب: كالحناء ونحوه، والرجل لما شعر أنه مغلوب جعلها في القاضي.
فهذه صورة قبيحة في الناس، ولكنها صورة متأصلة في المنافقين، حيث قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] ومهم جداً أن تعرف القيد، وهو أنهم يأتون إليه لعلمهم أنهم على الحق، لا ليقينهم بأن النبي ﷺ يحكم بالحق.
стр. 691
بيان أسباب إعراض المنافقين عن حكم رسول الله
ثم قال الله جل وعلا بعد ذلك من باب التدرج في ذكر أخلاقهم: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠]، فهذه الثلاث مجتمعة فيهم، وليس المقصود التساؤل: هل فيهم مرض؟ هل فيهم ارتياب؟ هل فيهم خوف من الله؟ فهذا غير مقصود وإنما هذه الصفات الثلاث كلها موجودة بينهم، ففي قلوبهم علل وأمراض شك، وأعظم علتهم أنهم غير موقنين بأن رسول الله ﷺ رسول من عند الله، ونجم عن هذا ريب، ونجم عن هذا الريب خوفهم من أن يجور النبي ﷺ عليهم؛ لأنهم إذا كانوا غير مقتنعين بنبوته فبدهي أن يرموه ﵊ بالجور والظلم؛ لأن القول بأنه عدل ﵊ تبع للقول بأنه نبي، وهم لا يقولون بنبوته أصلاً، فلذلك لم يقولوا بعدله ﵊؛ لأنهم إذا كانوا مقتنعين بأنه كذب على الله، فمن باب أولى أن يكذب على الناس.
فالمهم أن الآية ليس المقصود منها إلا التدرج في وصف أخلاقهم، حيث قال تعالى بعد ذلك: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٥٠]، والمعنى: أن هذه الأخلاق كلها فيهم، وبيان ذلك بصورة ميسرة أنه قد يكون إنسان يحسدك، وبينك وبينه عداوة، وهو كاذب، فعندما يحيف عليك في أمر فإنك لا تدري لأي شيء صنع بك ذلك الأمر، هل حسداً، أم للعداوة المتأججة، أم لكذبه الذي اعتاد عليه، ولا يعني هذا نفي إحدى تلك الصفات، ولكن
السؤال
أين الباعث على هذا الأمر، فجاء الجواب القرآني: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٥٠].
و (أم) شبيهة العمل بـ (أو)، ويقول أهل النحو: إن بينهما منزعاً دقيقاً، وبيان ذلك أنه إذا كان بينك وبين أحد فورة، وحصل لك فرج بشيء، فإنك تؤمل أن يبعث لك أحداً من طرفه يشاركك في فرحتك، فإن بعث لك أخاه زيداً أو أخاه عمراً، فإن كل الذي يهمك هو أن يأتي أحدهما، فعندما يتأخر وتغيب أنت عن الحفل لحظات وتعود فإنك تسأل فتقول: أجاء زيد أو عمرو؟ فأنت لا تريد أن تسأل عن الذي جاء، وإنما تريد أن تسأل عن المجيء نفسه، فيكون الجواب هنا بـ (نعم) في حالة الإثبات، وبـ (لا) في حالة النفي.
أما في استخدام (أم) فإنك على يقين من أن أحدهما جاء، ولكنك لا تدري من الذي جاء، فتقول: أجاء زيد أم عمرو؟ فيكون الجواب بحسب من جاء، فيذكر زيد في حالة إتيانه، وعمرو إن كان هو الذي أتى، فهذا هو الفارق بين (أم) و (أو).
ثم جاء بعد (أم) ذكر (بل) في الآية الثانية، و (بل) عند النحويين للإضراب، والإضراب الانتقال، والانتقال أحياناً يكون لاستئناف كلام جديد، وأحياناً تجمع (بل) بين الإضراب والإبطال.
فالإضراب متأصل فيها، أما الإبطال فقد يقع وقد لا يقع، ومعنى الإبطال: أن تأتي فتنقل الجملة على أنها تستوعب إبطال الذي سبق، كما قال تعالى عن كفار قريش: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ * أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص:٦ - ٨]، فكل الذي مضى حكاية كلام صناديد قريش، ثم قال الله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ [ص:٨] فهذا انتقال وإبطال لما قد سلف من قولهم، ولكنها لا تأتي على كل حال للإبطال، بل تأتي على كل حال للانتقال.
стр. 692
تفسير قوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
نلحظ هنا أن كلمة (قول) منصوبة، وقد تستدرك فتقول: كيف ينصب اسم كان؟ والجواب أنها ليست اسم كان، بل هي خبرها، فإذا قررنا أن (قول) هنا خبر كان مقدم، كان لابد من الإجابة عن اسم (كان)، إذ من قواعد العلم أنك إذا دفعت شيئاً أتيت ببدله، وإذا أخرت شيئاً وضعت آخر عوضاً عنه حتى تستقيم الأمور، أما الترك والغفلة فلا يصنعان منك عالماً.
فـ (قول) خبر (كان) مقدم، ولذلك نصبت، وأما اسم (كان) فالمصدر المؤول من (أن) وما دخلت عليه في قول الله جل وعلا: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، فهذا من ناحية الصناعة النحوية.
أما من حيث التفسير فإن الله لما ذكر حال أهل النفاق ذكر حال أهل الإيمان، وهذا من أسلوب القرآن المتكرر في أكثر من موضع، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
والفلاح: تحقق المرغوب ودفع المرهوب، فالإنسان إذا حصل له ما يؤمل وزال عنه الذي يخشاه ويكرهه فقد تحقق له الفلاح، فالله جل وعلا ربط الفلاح وقيده بطاعته وطاعة رسوله ﷺ .
стр. 693
تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه)
ثم قال بعد ذلك تذييلاً: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢].
وهنا نفصل: فهناك حق لله، وهناك حق للرسول، وهناك حق مشترك بين الله ورسوله، فالإيمان والطاعة حق مشترك لله والرسول، والخشية والتقوى حق لله، والتوقير حق للرسول ﷺ ، فالله تعالى لا يقال في حقه: (توقير)، بل يقال أعظم من ذلك، فيقال: عرف فلان قدر ربه، أما كلمة (توقير) فتستخدم في أسلوب التعامل مع المخلوقين، كما قال تعالى عن الرسول ﷺ : ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩].
فالله جل وعلا هنا قال: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النور:٥٢] وهذا حق مشترك، ثم بعد أن ذكر الحق المشترك ذكر الحق الخاص له جل وعلا الذي لا يصرف إلى النبي ﷺ ، فقال: ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور:٥٢]، والتقوى من حيث الجملة: فعل المأمور وترك المحذور، ولكن هذا الإطلاق ليس على حاله دائماً، فالتقوى أحياناً يكون معناها ترك المحذور وتوقي عذاب الله، وذلك إذا جاءت مقرونة بالبر والإحسان والطاعة، فإذا جاءت مقرونة بالبر والإحسان والطاعة تنصرف إلى ترك المحذور، كما في هذه الآية: ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور:٥٢]، وهذا تخريج بعض العلماء.
وبعض العلماء يقول: إن المقصود: بـ (يخش الله ويتقه) أنه يخشى مما سلف، بمعنى الخوف من التقصير فيما مضى، والتقوى: الخوف من التقصير فيما يستقبل.
ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢].
стр. 694
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن)
وبعد أن ذكر الله جل وعلا نماذج إيمانية عظيمة، عاد الحديث إلى المنافقين، فقال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور:٥٣]، فالذي أقسم هم المنافقون، وقوله: (جهد أيمانهم) أي: منتهى ما يبلغونه من الحلف والأيمان (لئن أمرتهم) أيها النبي (ليخرجن) أي: إذا نصصت عليهم وخصصتهم أو دعوتهم إلى قتال عام فإنهم سينفذون، فأجابهم الله بخطاب للنبي، وهذا يسمى تلقيناً، فهو تلقين إلهي للنبي، وهذا أول التلقين في هذا الموقف، وسيأتي تلقين آخر، فقال تعالى: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ [النور:٥٣] ولا خلاف في أن (لا) ناهية، ولكن ما المقصود بقوله جل وعلا: ﴿لا تُقْسِمُوا﴾ [النور:٥٣]؟ لقد قال الله بعد ذلك: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور:٥٣]، فإذا حرر معنى هذه الجملة يتحرر معنى قول الله جل وعلا: ﴿لا تُقْسِمُوا﴾ [النور:٥٣].
قال بعض العلماء -وهذا الذي عليه الجمهور وهو الأظهر-: (طاعة معروفة) أي: نعلم من حالكم ونعرف من أخباركم ومن صنيعكم بنبينا ﷺ ، نعلم من خلال ما سبق منكم على مقتضى علم الله الأزلي أن طاعتكم معروفة، فليس منكم إلا الخذلان والترك، وعدم الاستجابة لأمر الله ورسوله، فيصبح بعد هذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿لا تُقْسِمُوا﴾ [النور:٥٣] أي: لا حرمة لقسمكم، ولا داعي له؛ لأن طاعتكم معروفة من قبل، هذا التحرير الأول للمسألة.
التحرير الثاني: أن قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور:٥٣] مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: طاعة معروفة أولى من الأيمان، أي: لا حاجة لي إلى أن تقسموا يصير اللفظ تهكماً مثل الأول؛ إذ الأول يجري مجرى التهكم، ولا يصح مجرى التهكم إذا قلنا بهذا المعنى الثاني، فيصير المعنى: لا داعي للأيمان، فلا نريد منكم أيماناً مغلظة ولا جهد أيمان، بل نريد منكم أن تظهروا ما يثبت صدق اتباع نبيكم ﷺ .
وهذا المعنى يبنى عليه معنى آخر، وهو اشتقاق كلمة (معروفة) أهي من العلم أم من العرف؟ فإذا قلنا: من العلم، أصبح المعنى: طاعة معلومة ظاهرة بينة تثبت لنا صدق توجهكم.
وأما إذا قلنا: من العرف، فالمعنى: أن الله جل وعلا لا يريد منكم إلا شيئاً معروفاً تعارف الناس عليه، أي: أمراً يسيراً هيناً، ولا يريد منكم أيماناً مغلظة، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢].
ونرجح أن المقصود هو الأول مما ذكرناه.
ثم قال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:٥٤] وهذا هو التلقين الثاني من الله لنبيه، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، وهذه صفة شرط، فربط الله الهداية بالطاعة، وإن السيادة لأهل الملة مرتبطة باتباع النبي ﷺ ، فـ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وصلاح وغيرهم كانوا مجاهيل في الأصل، وإنما سادوا لما منّ الله عليهم باتباع نبيه ﷺ : فمن أبو بكر قبل الوحي من عمر ومن علي ومن عثمان ذو الرحم من خالد من صلاح الدين قبلك من أنت الإمام لأهل الفضل كلهم أي: فالسيادة الدينية مقرونة باتباع هديه ﷺ ، قال ابن القيم ﵀ في نونيته: وكمال شرع الله دين محمد صلى عليه منزل القرآن
стр. 695
على الرسول البلاغ
ثم قال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، وأكبر دليل أنه ليس على الرسول إلا البلاغ المبين أن الله قال له: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:٣٢]، فهو ﵊ مبلغ، ولما كان ﵊ يعلم أنه مبلغ وشعر بدنو الأجل وقرب الرحيل كان لا هم له إلا أن يتأكد من كونه أدى الأمانة وبلغ أو لم يؤدها ولم يبلغ، فاستشهد الناس أيام عرفة قائلاً: (ألا هل بلغت؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة).
стр. 696
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض)
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥] قبل أن أشرع في القضايا التاريخية أحرر بعض المسائل العلمية، فما المقصود بالأرض في قوله تعالى: (ليستخلفنهم في الأرض)؟ قال بعض العلماء: إن المقصود بالأرض هنا: مكة؛ لأن المهاجرين أخرجوا منها، فكانوا يسألون الله إياها، وقد تم فتح مكة، فتحقق الوعد الرباني.
(كما استخلف الذين من قبلهم) أي: بنو إسرائيل، ولا خلاف في أن الذين من قبلهم هم بنو إسرائيل، ولكن الخلاف في المراد بالأرض.
وذهب جمهور العلماء إلى أن المقصود بالأرض هنا عموم الأرض، أرض العرب وأرض العجم، بل قالوا: إنه تبعد إرادة مكة؛ لأن الله منع المهاجرين أن يعودوا إلى مكة، والدليل من السنة أن الله جل وعلا منع المهاجرين أن يعودوا إلى مكة أن سعد بن أبي وقاص لما مرض في عام الفتح زاره النبي ﷺ ، وكان يخشى سعد أن يموت في مكة وقد هاجر منها، فقال ﷺ : (اللهم امض لأصحابي هجرتهم) ثم قال: (لكن البائس سعد بن خولة)، جاء في تعقيب الراوي: (يرثي له رسول الله ﷺ أنه مات بمكة)، وسعد بن خولة غير سعد بن أبي وقاص.
فهذا دليل على أن الأرض ليست مكة، وهذا القول رجحه ابن العربي، ومال إليه القرطبي ﵀ في تفسيره.
стр. 697
الوعد الرباني بنصر المؤمنين
وأما الموعود بالآية فقد ذهب بعض العلماء إلى أنهم هم المهاجرون الأولون، وقالوا: إن الآية أول ما تنطبق على الخلفاء الراشدين: الصديق والفاروق وعثمان وعلي؛ لأن هؤلاء ﵃ وأرضاهم كانوا مغلوبين فأصبحوا غالبين، وكانوا مقهورين فأصبحوا قاهرين، وكانوا مطلوبين فأصبحوا طالبين، وحقق الله لهم الوعد، ويوم نزلت هذه الآية المباركة لم يكن أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي خليفة، وإنما كانوا من المهاجرين الأولين يخافون، فلما منّ الله عليهم بعد ذلك نال هؤلاء الأربعة الراشدون الخلافة، ومكن الله جل وعلا لهم في الأرض، وقد أخبر النبي ﷺ أن الخلافة بعده ثلاثون عاماً، ثم تكون ملكاً عضوضاً، ومعاوية ﵁ وأرضاه أول ملوك المسلمين، أما الأربعة الراشدون فالمتفق عليه هو أنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
ولكننا نقول: إن الآية -وإن دخل فيها هؤلاء الأربعة دخولاً أولياً كما تحرر في التأصيل العلمي في دخول ذوات الأسباب- المخاطب بها كل مؤمن، وإذا نزلنا على أصلها فإنه يجب أن نعلم أن الله ربط العزة والقوة والعلو والظهور بالإيمان وعمل الصالحات، ولم يربطها بزوال الأعداء، فبعض الناس اليوم يتمنى أن يهلك الله أعداءنا، وهذا من حيث الجملة لا حرج فيه، ولكنه ليست رفعة شأننا مردها إلى ضعف عدونا، إذ ليس ضعفنا اليوم مرده إلى قوة عدونا، ولكن لبعدنا عن الإيمان والعمل الصالح.
ومن الطرائف السياسية أن أحد رؤساء أمريكا الجنوبية سئل: لماذا أنتم متخلفون؟ قال: لسببين: لقربنا من أمريكا ولبعدنا عن الله.
أي: وفق المنظور المسيحي.
والذي يعنينا أنه ليس الهم أن يذهب جهدنا في الدعاء على الأعداء بالهلاك، وإنما الهم يجب أن ينصرف إلى أن نبني الأمة بناءً صحيحاً، فإذا بنيت الأمة بناء صحيحاً فإنه مهما بلغت قوة العدو فإن الله وعدنا بالنصر والتمكين والاستخلاف، ولكنه قرنه جل وعلا بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥].
فالصحابة الأولون السابقون المهاجرون لما آمنوا وعملوا الصالحات مكن الله جل وعلا لهم في الأرض.
قال تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥] فإقامة التوحيد أعظم مقاصد الدين، ثم قرنها الله جل وعلا بالآيات الأخرى فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦].
وأعظم أسباب الرحمة دل عليها القرآن، ومنها الاستغفار كما في سورة النمل، ومنها التوحيد، وهو أعظمها، ومنها العمل الصالح، كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
стр. 698
بيان ضعف الكفرة ومآلهم
قال الله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٥٧]، وهذا استدراك رباني عظيم، فإن الإنسان وهو يقرأ الآيات يقلب الطرف فيما يراه من علو بعض الأمم، فالله جل وعلا يطمئنك ويخبرك ويقول لك: لا يصيبنك جزع ولا شك ولا ارتياب في دينه أن ترى علو أهل الكفر، وحصول أيام لهم ودول، فهم -مهما علو وقهروا- ليسو بمعجزين للرب ﵎، ويكفيهم بأساً أن مصيرهم إلى جنهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٥٧].
стр. 699
ذكر المسيرة التاريخية في الولاية الإسلامية
وينبغي للمؤمن -خاصة من يتصدر لطلب العلم- أن يدرك التاريخ العام لأمته، وأن يكون لديه إلمام شامل بهذا الوعد الرباني.
فالناس اليوم بين حاضر مشهود ووعد منشود، وعد منشود يفتقدونه، وهو علو المسلمين، وواقع مشهود، وهو ما في الأمة من ضعف.
وقد مات النبي ﷺ ولم يستخلف، فاتفقت كلمة المهاجرين والأنصار على الصديق ﵁ وأرضاه، فساس الأمة عامين وأشهراً، واستخلف بعده عمر، فساس عمر الأمة، وفي عهده تم الكثير من الفتوحات، ثم مات رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأوصى أن تجعل الخلافة في ستة، وأشرك معهم عبد الله بن عمر على أن لا يكون له في الأمر شيء؛ لأنه كان أكبر أبنائه، فاختير عثمان، ثم قتل عثمان غدراً، فاستخلف أهل الحل والعقد في المدينة علياً، ثم قتل علي رضي الله تعالى عنه على يد الخوارج، وتنازل الحسن بن علي ﵁ بعد ذلك عن الخلافة لـ معاوية، فاجتمعت كلمة المسلمين على إمام واحد هو معاوية ﵁ وأرضاه، وأسس معاوية الملك الأموي، وهو أول ملوك المسلمين في عهده تم كثير من الفتوحات، وجاء بعده يزيد بن معاوية ثم معاوية بن يزيد، ولم تكن له رغبة في الخلافة، ثم استخلف مروان بن الحكم، وقتل بعد ذلك على يد زوجته، فتفرق البيت الأموي بعده وآل الأمر إلى ابنه عبد الملك، والساسة والمؤرخون يعدونه المؤسس الثاني لدولة بني أمية.
وفي ولاية عبد الملك انتقلت الخلافة من الفرع السفياني إلى الفرع المرواني، وذلك لأن يزيد ومعاوية بن يزيد ينتسبان إلى معاوية رضي الله تعالى عنه، ابن أبي سفيان الذي هو من بني أمية، وأما مروان بن الحكم فليس من ذرية أبي سفيان، ولكنه من ذرية أمية بن عبد شمس.
وقد كان عبد الملك رأى أنه يبول في محراب رسول الله ﷺ ، فعرض رؤياه على سعيد بن المسيب، فأولها بأن أربعة من أبنائه يحكمون، فحكمهم بعده الوليد وسليمان، ثم انقطعت خلافتهم بولاية عمر بن عبد العزيز ابن أخيه، ثم عادت الخلافة إلى أبنائه يزيد ثم هشام، ثم تتابعت دولة بني أمية في تلك الفترة، واضطهد الأميون الموالي، واضطهدوا آل البيت كثيراً، فنشأ حنق في الناس عليهم، خاصة الموالي الذين دخلوا في الدين، وكان منهم علماء، وكان أكثرهم يسكن في خراسان.
فقامت الدعوة إلى ما يسمى من غير تحديد بالرضى من آل البيت، فقويت الدولة في خراسان، وخرج أبو مسلم الخراساني داعية لبني العباس في عهد مروان بن محمد الملقب بالحمار لصبره، وكان آخر خلفاء بني أمية، فسقطت دولة بني أمية.
وقامت بعدها دولة بني العباس، وأول خلفائهم أبو العباس السفاح، ثم كانت خلافة أبي جعفر المنصور، والعباسيون يتفاءلون بهذه الكنية، فأكثر خلفاء بني العباس كانوا يسمون الابن الأكبر جعفراً، والمهم أن أبا جعفر كان له صولة وجولة في خلافة بني العباس.
ثم تولى الهادي، وثم المهدي، ثم نشأ هارون، ثم كان من ذرية هارون من الخلفاء: الأمين والمأمون والمعتصم، ثم انحصرت الخلافة في ذرية المعتصم، ثم سقطت دولة بني العباس في أواسط القرن السابع.
ثم بعد ذلك ظهرت دول، فدولة المماليك كانت معاصرة لدولة بني العباس في آخرها في مصر، وكان المماليك أرقاء، ثم أعتقوا ثم سادوا، ولهم قضايا عديدة مع العز بن عبد السلام، ولهذا سمي العز بن عبد السلام بسلطان العلماء، لوقوفه في بعض القضايا الفقهية المتعلقة بحكم المماليك.
ثم كانت دولة آل عثمان التي بقيت قروناً، وفي الجانب الآخر في الأندلس خرج عبد الرحمن بن معاوية المعروف بـ عبد الرحمن الداخل، وهو من بني أمية، فر هارباً من الاضطهاد الذي أصاب بني أمية على يد بني العباس، وهناك أسس دولة إسلامية في الأندلس، ومكثت هذه الدولة قروناً طويلة، ثم انتقلت من حكم الأمويين إلى حكم ملوك الطوائف.
ثم ضعفت دولة بني عثمان وظهر الغرب، حصلت حروب عدة، منها الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، ثم تسلط النصارى على دول الإسلام بعد أن أسقطت الخلافة على يد كمال أتاتورك، الملقب بـ أبي الأتراك، ثم حصلت معاهدة تسمى معاهدة (سايسبيكو) وهي عبارة عن اسمين لوزيرين للدول الكبرى، فتقاسموا العالم الإسلامي، ثم منّ الله جل وعلا على هذه الجزيرة بظهور الملك عبد العزيز رحمة الله تعالى عليه، فعاد ملكاً سابقاً لأجداده دعوة الإمامين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود.
وأما فلسطين فكانت تحت الاحتلال البريطاني، ثم خرجت كلمة من فم وزير الخارجية البريطاني بلفور وعد فيها بأن يمكن لليهود في فلسطين، فحصل ما حصل من قيام دولة إسرائيل، فأقيمت دولة إسرائيل عام (١٩٤٨)، ثم دخلت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس عام (١٩٦٧م) في الاحتلال الإسرائيلي.
والأحوال المعاصرة لا يحتاج الكلام عنها؛ لأنها مشهودة معروفة، فهذا هو تاريخ الإسلام والدولة الإسلامية من حيث الجملة.
стр. 700
أساس الاستخلاف الرباني
والاستخلاف الرباني مربوط بالإيمان والعمل الصالح، وليس مربوطاً بتقوى عامة، وإنما هو مربوط بتقوى الجملة، أن تعود الأمة من حيث الجمة إلى دينها، فهذا هو الأصل والسبب الأول في نصرتها وعزتها.
وقد وعد النبي ﷺ وأخبر بظهور المهدي، فالضعفاء من الناس ركنوا إلى ظهور المهدي وتركوا العمل ينتظرون أن يخرج المهدي، والمهدي لن يكون أقوى شكيمة ولا أشد علماً من رسول الله ﷺ ، وقد بنى الرسول الأمة في ثلاثة وعشرين عاماً، فلا يعقل أن يبنيها المهدي في ليلة.
فالسعي والعمل والحث في سبيل نصرة الأمة أمر دل عليه القرآن ودل عليه السنة، وبين أيدينا آية فيها وعد رباني بالاستخلاف، ولا يدعونا ذلك إلى أن نركن إلى الخمول، بل الوعد يجب أن يحث على العمل، كالحال في الآخرة، فقد وعدنا الله بالجنة، ويحثنا على العمل من أجل أن نصل إلى الجنة.
نسأل الله أن يقر أعيينا وأعينكم بالاثنتين: تحقيق وعد الاستخلاف في الأرض ووعد دخول الجنة، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 701
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة النور [٨]
يختم الله تعالى أحكام سورة النور العظيمة بجملة من الآداب المهمة، ومن تلك الآداب ما يتعلق بأحوال البيوت، إذ شرع الله ﵎ للمكثرين من ولوجها من الأطفال والعبيد أن يستأذنوا في ثلاثة أوقات خاصة، لما فيها من وضع الثياب وإبداء بعض ما يستر، ومن تلك الآداب إرشاد القواعد من النساء إلى ترك التبرج بالزينة حال وضعهن الثياب التي تلحقهن المشقة بلبسها، ومنها: إرشاد العباد إلى اعتبار أنفسهم نفساً واحدة وتمثيل ذلك في جواز الأكل من بيوت الأقارب والأصدقاء، وأعظم تلك الآداب الأدب مع النبي ﷺ في دعوته أصحابه للأمور الجامعة بالبقاء معه دون التسلل من بين يديه لواذاً.
стр. 702
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته، ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وعليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا خاتمة الدروس المتعلقة بسورة النور، وسورة النور سورة جليلة عظيمة كنا قد من الله علينا من قبل بالحديث عما فيها من أحكام وآداب ومواعظ، وسنختم هذا الدرس بالحديث عن خواتم هذه السورة المباركة، قال الله جل وعلا -وهو أصدق القائلين-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨].
هذه الآية آية استئذان جاءت بعد آيات استئذان سبقت، والنداء فيها -كما مر معنا- نداء كرامة، والنداء يكون نداءً عاماً، كقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة:٢١]، وقوله ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:٢٦].
أما إذا قال الرب جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤]، فهذا يسمى نداء كرامة، لا نداء علامة؛ لأن الله جل وعلا كرم عباده الأوفياء المتقين بأنهم آمنوا به.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] والمخاطب هم الذين آمنوا، والمطلوب منهم أن يستأذنهم طائفتان: الأولى: العبيد والجواري، وعبر عنهم بقوله: (بالذين ملكت أيمانكم).
والثانية: الأطفال الأحرار، وعبر عنهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٨] أي: من المؤمنين الأحرار، وخصصناها بالأحرار لأن العبيد والجواري قد مضى الحديث عنهم بقوله: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٥٨].
وقوله: (ليستأذنكم) اللام في الفعل لام الأمر، فهل هذا الأمر للوجوب أو للتعليم والإرشاد والذي عليه الجمهور أن اللام هنا لام أمر، والأصل فيه الوجوب.
стр. 703
مراعاة الأحوال الخاصة
والرب ﵎ في هذه الآية يعلم عباده أن الأشياء على درجات، ولا يمكن أن يعطى أحد كلما شيء بالكلية، والعرب تقول: من الأشياء ما ليس يوهب، فمهما بلغ قرب من حولنا من العبيد والجواري، تبقى مع ذلك حالات خاصة بنا لا يمكن أن نفتحها للآخرين على علو مكانتهم وقربهم منا، وحاجتنا إليهم، وحاجتهم إلينا، فهناك أمور هي خطوط حمراء، والقرآن ما أنزل ليوضع في السيارات تبركاً كما يفعله البعض، وليس المقصود بيان حكم هذا، ولكن المقصود هو بيان أن نفقه أن القرآن أنزل لمعان عظيمة، ومقاصد جليلة، منها: أن نعيش حياتنا وفق آيات القرآن، والتعبير بالآيات هنا أجمل من التعبير بالنظم؛ لأن النظم تنصرف إلى القوانين الوضعية أكثر من انصرافها إلى غيرها.
فالرب جل وعلا هنا ينادي عباده نداء كرامة لبيان أنه لابد من الاستئذان، ولكنه قال: ﴿ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] وهذه الثلاث المرات هي خصوصية من الوقت العام، فهؤلاء -كما سيأتي في آخر الآية- طوافون، بمعنى أنهم يدخلون ويلجون البيوت، والدين جاء لرفع المشقة، فالأحكام -وإن عممت أحياناً- تأتي معها استثناءات، فطالوت يقول لقومه: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، ويعقوب يقول لبنيه: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦]، وسليمان يقول في قضية الهدهد: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]، فلابد من ترك خط رجعة للآخرين.
والأصل أن الناس جميعاً يلزمهم الاستئذان، ولكن الجواري والعبيد الخدم والأطفال مستثنون من هذا الطلب العام، فهؤلاء المقربون تأتي لنا أحوال، تكون فيها في حالة خاصة جداً، وفي هذه الحالة الخاصة يكون لهذه الطائفة نوع من التوقف عن الولوج، والعاقل في تعامله مع الآخرين يضع خطوطاً، فمن حولك كل منهم له خط يقف عليه، والله يقول عن ملائكته: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤].
فهذه خطوط عظيمة يضعها القرآن بين أيدينا في التعامل مع غيرنا.
وليس من الصحيح أن يلتفت فقط إلى القضايا النحوية والبلاغية، وإن كانت مطلوبة، فبذلك نظلم أنفسنا بفهم كلام الله إن جعلناه محصوراً في هذه القضايا، بل القرآن أشمل وأعظم وأجل من ذلك، فهو تشريع، ولهذا قال الله بعدها: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨].
стр. 704
أوقات استئذان الأطفال والعبيد
يقول الله تعالى في بيان الحالات الثلاث: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور:٥٨] والعورة سميت عورة لأن إظهارها يجلب المذمة والعار، وتسمى سوءة؛ لأن إظهارها يسوء الرجل الحر العاقل.
وسماها الله جل وعلا ثلاث عورات لأن غالب حياة الناس أن هذه الثلاث العورات يحصل فيها من التكشف والخلل في الستر ما لا يحصل في غيرها؛ لأنها أوقات راحة ونوم، وقد يكون الرجل فيها مع أهله.
فقول الله جل وعلا: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ [النور:٥٨] هذا وقت نوم، فإن قائل كيف تقول: إن قبل صلاة الفجر وقت نوم؟! فالجواب أن هذا هو الأصل، وإن كان سحراً، إذ السحر قسمان: سحر مرتبط بصلاة الفجر، فالأصل فيه النوم.
تقول عائشة عن هذا الوقت: (ما ألفيته إلا راقداً عندي) تعني النبي ﷺ .
وصلاة داود الليل كان يفصل بينهما وبين صلاة الفجر النوم.
قال تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور:٥٨] ولم يقل ربنا: (وحين تضعون ثيابكم من قبل صلاة الفجر) ولم يقل: (حين تضعون ثيابكم من بعد صلاة العشاء)؛ لأن وضع الثياب في هذين الوقتين أمر معهود معلوم، فذكر وقت الظهيرة جل وعلا، فدل على غيره من باب أولى، فإذا كان التقليد السائد المتفق مع الفطرة البشرية أن الناس تضع ثيابها عند الظهيرة فمن باب أولى أن توضع الثياب من قبل صلاة الفجر، ومن بعد صلاة العشاء.
على والقرآن غالباً لا يقدم ذكر الشيء الظاهر، وإنما يقدم ما هو خفي، فإن قلت: أين الدليل؟ ف
الجواب
الدليل في سورة البقرة، فالله جل وعلا قال في البقرة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] فحدد وقتها.
وقال في البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥] بعد أن قال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فحدد الصيام في رمضان.
وعندما ذكر الحج في نفس السورة قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] وما قال جل وعلا: شوال وذو القعدة وذو الحجة، وهي الأشهر التي قال الفقهاء: إنها أشهر الحج، لأن العرب لم تكن تصلي ولم تكن تصوم، فحدد لهم أزمنة الصلاة وأزمنة الصيام، ولكنهم كانوا يحجون، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩].
فلما كانت أشهر الحج لا يجهلها أحد ممن خوطب بالقرآن أولاً لم يذكر الله أشهر الحج، بل قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] أي أنها مشتهرة معروفة لا تحتاج إلى بيان.
فوضع الثياب من الظهيرة يختلف الناس فيه، فحدده ودل على غيره من باب أولى.
стр. 705
التخفيف في الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة وحكمته
قال تعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ﴾ [النور:٥٨] أي: ليس عليكم -أيها المخاطبون- ﴿وَلا عَلَيْهِمْ﴾ [النور:٥٨] يعني: المطالبين بالاستئذان.
والمراد العبيد والجواري، والأطفال الأحرار.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ [النور:٥٨] أي: إثم ولا حرج ولا ضيق ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ [النور:٥٨] الضمير عائدة على الثلاث المرات.
قال تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور:٥٨].
الأصل أن العبيد والجواري يلجون إلى بيوت ساداتهم وحجراتهم وغرفهم، فإذا احتجت إلى خادمك فإما أن تذهب إليه، وإما أن يأتيك ليؤدي لك خدمة.
والطفل دون البلوغ جرت العادة بأنه يدخل ويخرج على أبويه وأجداده، وسائر أهل البيت، فاشتراط الاستئذان هنا يجلب الحرج، والدين من قواعده نفي الحرج، ومن دلالة العلم ربط بعض الأشياء ببعضها حتى يفقه أن هذا الدين واحد، والله جل وعلا لا يفرق بين مثيلين، ولا يجمع بين نقيضين، وهذا من دلائل حكمة الدين.
فالإنسان يطلب منه إذا دخل المسجد أن يؤدي تحية المسجد، ولكن تحية المسجد في عرف كثير من الفقهاء مرفوعة عمن يكثر دخوله وخروجه من المسجد، كالحارس، ومن وكل إليه إصلاح شيء في المسجد، فهذا لا يطالب في كل دخول وخروج بأن يصلي تحية المسجد إذا كان خروجه متقارباً، ومثاله في واقعنا المعاصر الإخوة القائمون على الإفطار في المساجد، أو في الحرمين، الذين يخرجون من الباب كثيراً ليأتوا بطعام، أو ليقدموا ضيفاً، أو ليأتوا بصائم يريدون منه أن يفطر في سفرتهم، فلو طولبوا بالتحية في كل وقت وكان في ذلك حرج كبير.
قال ربنا ﵎: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨].
следующие страницы →