Полный текст (789 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة النور [٨]
يختم الله تعالى أحكام سورة النور العظيمة بجملة من الآداب المهمة، ومن تلك الآداب ما يتعلق بأحوال البيوت، إذ شرع الله ﵎ للمكثرين من ولوجها من الأطفال والعبيد أن يستأذنوا في ثلاثة أوقات خاصة، لما فيها من وضع الثياب وإبداء بعض ما يستر، ومن تلك الآداب إرشاد القواعد من النساء إلى ترك التبرج بالزينة حال وضعهن الثياب التي تلحقهن المشقة بلبسها، ومنها: إرشاد العباد إلى اعتبار أنفسهم نفساً واحدة وتمثيل ذلك في جواز الأكل من بيوت الأقارب والأصدقاء، وأعظم تلك الآداب الأدب مع النبي ﷺ في دعوته أصحابه للأمور الجامعة بالبقاء معه دون التسلل من بين يديه لواذاً.
стр. 702
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته، ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وعليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا خاتمة الدروس المتعلقة بسورة النور، وسورة النور سورة جليلة عظيمة كنا قد من الله علينا من قبل بالحديث عما فيها من أحكام وآداب ومواعظ، وسنختم هذا الدرس بالحديث عن خواتم هذه السورة المباركة، قال الله جل وعلا -وهو أصدق القائلين-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨].
هذه الآية آية استئذان جاءت بعد آيات استئذان سبقت، والنداء فيها -كما مر معنا- نداء كرامة، والنداء يكون نداءً عاماً، كقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة:٢١]، وقوله ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:٢٦].
أما إذا قال الرب جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤]، فهذا يسمى نداء كرامة، لا نداء علامة؛ لأن الله جل وعلا كرم عباده الأوفياء المتقين بأنهم آمنوا به.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] والمخاطب هم الذين آمنوا، والمطلوب منهم أن يستأذنهم طائفتان: الأولى: العبيد والجواري، وعبر عنهم بقوله: (بالذين ملكت أيمانكم).
والثانية: الأطفال الأحرار، وعبر عنهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٨] أي: من المؤمنين الأحرار، وخصصناها بالأحرار لأن العبيد والجواري قد مضى الحديث عنهم بقوله: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٥٨].
وقوله: (ليستأذنكم) اللام في الفعل لام الأمر، فهل هذا الأمر للوجوب أو للتعليم والإرشاد والذي عليه الجمهور أن اللام هنا لام أمر، والأصل فيه الوجوب.
стр. 703
مراعاة الأحوال الخاصة
والرب ﵎ في هذه الآية يعلم عباده أن الأشياء على درجات، ولا يمكن أن يعطى أحد كلما شيء بالكلية، والعرب تقول: من الأشياء ما ليس يوهب، فمهما بلغ قرب من حولنا من العبيد والجواري، تبقى مع ذلك حالات خاصة بنا لا يمكن أن نفتحها للآخرين على علو مكانتهم وقربهم منا، وحاجتنا إليهم، وحاجتهم إلينا، فهناك أمور هي خطوط حمراء، والقرآن ما أنزل ليوضع في السيارات تبركاً كما يفعله البعض، وليس المقصود بيان حكم هذا، ولكن المقصود هو بيان أن نفقه أن القرآن أنزل لمعان عظيمة، ومقاصد جليلة، منها: أن نعيش حياتنا وفق آيات القرآن، والتعبير بالآيات هنا أجمل من التعبير بالنظم؛ لأن النظم تنصرف إلى القوانين الوضعية أكثر من انصرافها إلى غيرها.
فالرب جل وعلا هنا ينادي عباده نداء كرامة لبيان أنه لابد من الاستئذان، ولكنه قال: ﴿ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] وهذه الثلاث المرات هي خصوصية من الوقت العام، فهؤلاء -كما سيأتي في آخر الآية- طوافون، بمعنى أنهم يدخلون ويلجون البيوت، والدين جاء لرفع المشقة، فالأحكام -وإن عممت أحياناً- تأتي معها استثناءات، فطالوت يقول لقومه: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، ويعقوب يقول لبنيه: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦]، وسليمان يقول في قضية الهدهد: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢١]، فلابد من ترك خط رجعة للآخرين.
والأصل أن الناس جميعاً يلزمهم الاستئذان، ولكن الجواري والعبيد الخدم والأطفال مستثنون من هذا الطلب العام، فهؤلاء المقربون تأتي لنا أحوال، تكون فيها في حالة خاصة جداً، وفي هذه الحالة الخاصة يكون لهذه الطائفة نوع من التوقف عن الولوج، والعاقل في تعامله مع الآخرين يضع خطوطاً، فمن حولك كل منهم له خط يقف عليه، والله يقول عن ملائكته: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤].
فهذه خطوط عظيمة يضعها القرآن بين أيدينا في التعامل مع غيرنا.
وليس من الصحيح أن يلتفت فقط إلى القضايا النحوية والبلاغية، وإن كانت مطلوبة، فبذلك نظلم أنفسنا بفهم كلام الله إن جعلناه محصوراً في هذه القضايا، بل القرآن أشمل وأعظم وأجل من ذلك، فهو تشريع، ولهذا قال الله بعدها: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨].
стр. 704
أوقات استئذان الأطفال والعبيد
يقول الله تعالى في بيان الحالات الثلاث: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور:٥٨] والعورة سميت عورة لأن إظهارها يجلب المذمة والعار، وتسمى سوءة؛ لأن إظهارها يسوء الرجل الحر العاقل.
وسماها الله جل وعلا ثلاث عورات لأن غالب حياة الناس أن هذه الثلاث العورات يحصل فيها من التكشف والخلل في الستر ما لا يحصل في غيرها؛ لأنها أوقات راحة ونوم، وقد يكون الرجل فيها مع أهله.
فقول الله جل وعلا: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ [النور:٥٨] هذا وقت نوم، فإن قائل كيف تقول: إن قبل صلاة الفجر وقت نوم؟! فالجواب أن هذا هو الأصل، وإن كان سحراً، إذ السحر قسمان: سحر مرتبط بصلاة الفجر، فالأصل فيه النوم.
تقول عائشة عن هذا الوقت: (ما ألفيته إلا راقداً عندي) تعني النبي ﷺ .
وصلاة داود الليل كان يفصل بينهما وبين صلاة الفجر النوم.
قال تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور:٥٨] ولم يقل ربنا: (وحين تضعون ثيابكم من قبل صلاة الفجر) ولم يقل: (حين تضعون ثيابكم من بعد صلاة العشاء)؛ لأن وضع الثياب في هذين الوقتين أمر معهود معلوم، فذكر وقت الظهيرة جل وعلا، فدل على غيره من باب أولى، فإذا كان التقليد السائد المتفق مع الفطرة البشرية أن الناس تضع ثيابها عند الظهيرة فمن باب أولى أن توضع الثياب من قبل صلاة الفجر، ومن بعد صلاة العشاء.
على والقرآن غالباً لا يقدم ذكر الشيء الظاهر، وإنما يقدم ما هو خفي، فإن قلت: أين الدليل؟ ف
الجواب
الدليل في سورة البقرة، فالله جل وعلا قال في البقرة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] فحدد وقتها.
وقال في البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥] بعد أن قال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فحدد الصيام في رمضان.
وعندما ذكر الحج في نفس السورة قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] وما قال جل وعلا: شوال وذو القعدة وذو الحجة، وهي الأشهر التي قال الفقهاء: إنها أشهر الحج، لأن العرب لم تكن تصلي ولم تكن تصوم، فحدد لهم أزمنة الصلاة وأزمنة الصيام، ولكنهم كانوا يحجون، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩].
فلما كانت أشهر الحج لا يجهلها أحد ممن خوطب بالقرآن أولاً لم يذكر الله أشهر الحج، بل قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] أي أنها مشتهرة معروفة لا تحتاج إلى بيان.
فوضع الثياب من الظهيرة يختلف الناس فيه، فحدده ودل على غيره من باب أولى.
стр. 705
التخفيف في الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة وحكمته
قال تعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ﴾ [النور:٥٨] أي: ليس عليكم -أيها المخاطبون- ﴿وَلا عَلَيْهِمْ﴾ [النور:٥٨] يعني: المطالبين بالاستئذان.
والمراد العبيد والجواري، والأطفال الأحرار.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ [النور:٥٨] أي: إثم ولا حرج ولا ضيق ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ [النور:٥٨] الضمير عائدة على الثلاث المرات.
قال تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور:٥٨].
الأصل أن العبيد والجواري يلجون إلى بيوت ساداتهم وحجراتهم وغرفهم، فإذا احتجت إلى خادمك فإما أن تذهب إليه، وإما أن يأتيك ليؤدي لك خدمة.
والطفل دون البلوغ جرت العادة بأنه يدخل ويخرج على أبويه وأجداده، وسائر أهل البيت، فاشتراط الاستئذان هنا يجلب الحرج، والدين من قواعده نفي الحرج، ومن دلالة العلم ربط بعض الأشياء ببعضها حتى يفقه أن هذا الدين واحد، والله جل وعلا لا يفرق بين مثيلين، ولا يجمع بين نقيضين، وهذا من دلائل حكمة الدين.
فالإنسان يطلب منه إذا دخل المسجد أن يؤدي تحية المسجد، ولكن تحية المسجد في عرف كثير من الفقهاء مرفوعة عمن يكثر دخوله وخروجه من المسجد، كالحارس، ومن وكل إليه إصلاح شيء في المسجد، فهذا لا يطالب في كل دخول وخروج بأن يصلي تحية المسجد إذا كان خروجه متقارباً، ومثاله في واقعنا المعاصر الإخوة القائمون على الإفطار في المساجد، أو في الحرمين، الذين يخرجون من الباب كثيراً ليأتوا بطعام، أو ليقدموا ضيفاً، أو ليأتوا بصائم يريدون منه أن يفطر في سفرتهم، فلو طولبوا بالتحية في كل وقت وكان في ذلك حرج كبير.
قال ربنا ﵎: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨].
стр. 706
تفسير قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال الحلم فليستأذنوا)
ثم قال جل ذكره: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٩].
هؤلاء الأطفال يكبرون، والعاقل يعلم أن كل صغير يكبر، وكل قليل يكثر، وكل ضعيف يقوى، فيها.
فالاستئذان للأطفال رفع عنهم إلا في تلك الأوقات الثلاثة، وذلك مقيد بكونهم أطفالاً، فإذا ناهزوا البلوغ -وعبر عنه هنا بالحلم- فإنهم يعودون مخاطبين كما خوطب الذين من قبلهم، فقال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩].
стр. 707
تفسير قوله تعالى: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً
ثم قال جل شأنه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠].
القواعد جمع قاعد، من غير تاء؛ لأن القاعدة بالتاء تدخل فيها الكبيرة والصغيرة، فكل من جلست في بيتها لأي شيء، فهي قاعدة، وأما القاعد ففيها خلاف على قولين للعلماء: الأشهر منهما أن القاعد: هي التي قعدت عن الولد والحيض والزواج.
وقال ابن قتيبة -وهو إمام في اللغة يحتج بأقوال مثله-: إنها الكبيرة في السن، وسميت (قاعد) وجمعت على (قواعد)؛ لأنها تكثر من القعود في البيت لكبر سنها وعجزها عن الخروج، وهذا قد يكون منتفياً في زماننا بوسائل النقل والإعانة المعاصرة، هذا الأمر.
والعرب تقول للمرأة هذا حتى وإن كانت شابة، كقول الحطيئة: أطوف ما أطوف ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع فهو يعني زوجته، ولكن الذي يعنينا أن القواعد جمع قاعد، وهي المرأة التي قعدت عن الحيض والولد والزوج.
قال ربنا: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٦٠] معنى: (لا يرجون نكاحاً) أي: الغالب أنه لا يطمع في مثلهن، فليس للرجال في أمثالهن مطمع، وهذا كله يجري مجرى الغالب، وإلا فإن من القواعد المحكمات أن لكل ساقطة لاقطة، والعرب تقول: تعلقتها شمطاء شاب وليدها وللناس فيما يعشقون مذاهب فالقواعد اللاتي غلب على الظن أنهن لا يطمع في مثلهن قال الله عنهن: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ [النور:٦٠] أي: حرج إثم ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] أي: يتخففن من الثياب، الجلباب والرداء، وليس المقصود ترك اللباس بالكلية حتى تظهر العورة، فهذا لم يقل به أحد، ولن يقول به عاقل؛ لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] فهذا قيد، ومعنى هذا القيد، أن يكون سبب وضع الجلباب والرداء التخفيف لا التبرج وإظهار ما يجب ستره، فالمعنى الحقيقي للتبرج: هو إظهار ما يجب إخفاؤه وستره، فالمقصود أن المرأة إذا كانت عجوزاً مقعدة كبيرة طاعنة في السن فلا بأس بأن تضع ما ثقل من الثياب عن نفسها، تريد بذلك التخفيف عن كاهلها ومشقة لبس الجلباب، لا تريد بذلك إظهار ما خفي.
وهذا هو معنى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠].
стр. 708
فضل استعفاف المرأة
ثم قال ربنا: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور:٦٠] وهنا جملة تكتب بماء الذهب، وهي أنه إذا كان الاستعفاف قد ورد في حق القواعد فما عسى أن يقال في حق الكواعب.
قال ربنا ﷻ : ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠] يعلم ما تكنه الصدور، ويسمع خفيات الأصوات ﷻ ، فإن كانت المرأة أرادت بذلك غير ما شرعه الله لها، فلن يخفى ذلك على رب العزة والجلال.
فهذه آيات الاستئذان المتشابهة التي تتابعت في سورة النور، وهي -من حيث الإجمال- تبين حرص الإسلام على الحياة الاجتماعية، وتنظيم سير الحياة فيها، وما جاء في الإسلام من الحرص على حفظ العورات وسترها، وتحديد ذلك، وبيان الطرائق المثلى في الأمور التي يحصل بها الستر والعفاف.
стр. 709
تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج)
ثم قال ربنا -وهو أصدق القائلين-: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور:٦١].
للعلماء في النظر في هذه الآية طريقان: الطريق الأول: اختاره أبو حيان في البحر المحيط، وهو أن الواو في قوله جل وعلا: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] واو استئناف، وإذا قلنا: إن الواو واو استئناف في قوله جل وعلا: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] فإن المعنى الأول يصبح غير مرتبط بالثاني؛ وخرج هؤلاء قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] على أن المعنى: ليس عليهم حرج في القعود عن الجهاد، وإن لم يسبق للجهاد ذكر.
وهذا المنحى في ظننا بعيد، وإنما الواو واو عطف في قوله جل شأنه: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١]، فالذي اختاره أبو حيان نرجح غيره عليه.
فجماهير أهل العلم على أن الواو عاطفة، ولكنهم اختلفوا في العلاقة بينهما في المعنى، فذهب بعضهم إلى أن بعض الناس كان يتحرج من الأكل مع ذوي العاهات، فأنزل الله هذه الآيات.
وقال آخرون بغير هذا، وقبل أن أذكر الرأي الذي أختاره أمهد بتمهيد لابد منه، فأقول: لا يمكن أبداً فهم القرآن منفرداً عن السنة، وفهم السيرة النبوية باب عظيم، ومدخل كبير لفهم القرآن، يمر معك كثيراً في السيرة أن النبي ﷺ كان يضع أحداً أميراً على المدينة حالة خروجه للغزو، ولن يكون هناك أمير إلا إذا وجدت رعية، فيصلي بهم ويقوم بأمرهم، وهؤلاء هم الذين يقعدون عن الجهاد، والذين يقعدون عن الجهاد الأصل فيهم أنهم يقعدون لعذر، ومن الأعذار المرض والعرج والعمى.
فهؤلاء الذين يقعدون عن الجهاد يملكهم الذين ذهبوا للجهاد مفاتيح البيوت، ويجعلونهم أوصياء على أهليهم، وهذا لم يكن يتم في ليلة ونهار، فأحياناً يكون هناك سفر، لشهر أو أقل أو أكثر، وفي هذه الفترة يحتاج الناس إلى الأكل، فهؤلاء القاعدون عن الجهاد يدخلون تلك البيوت التي استؤمنوا عليها، ويخالطون أبناء المجاهدين، فينشأ عن ذلك أكل وإطعام، فربما تحرج أولئك القاعدون من أولي الضرر من ذلك الطعام والأكل، فالله جل وعلا يريد أن يبين هنا أن الأصل في المؤمنين أنهم كالنفس الواحدة، وأن المؤاكلة وطيب النفس في الطعام أمر محمود، فيخبر بأنه لا حرج ولا إثم على الجميع أن يأكل بعضهم من بيوت بعض، ولهذا عدد الأعمام والأخوال وغيرهم من القرابات والأصدقاء بعد ذلك، ولكنه بدأ بالأعمى والأعرج والمريض؛ لأن الأصل أن الخطاب موجه إليهم، وهو يريد جل وعلا أن ينبئ أولئك الأخيار من ذلك الجيل الأمثل والرعيل الأكمل الأول المخاطب بالقرآن أن الأصل فيكم أنكم كالجسد الواحد، ولهذا سيأتي قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] على أنهم كالشخص الواحد، فهذا هو الذي أفهمه من كلام الله، وهذا القول -من حيث الجملة- أشار إليه سعيد بن المسيب رحمة الله تعالى عليه.
ولم يذكر الله بيوت الأبناء، وقد تكلم في ذلك العلماء، إلى مزيد نظر، والعلماء تكلموا فيه من قبل وذهبوا في هذا إلى أن الله لم يذكر بيوت الأبناء لأنها مندرجة في قوله جل وعلا: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٦١]؛ لأن بيت الولد ملك لأبيه؛ وقد قال النبي ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) وهذا بيان عظيم الإنصاف بين الولد ووالده، وأما ما عدا ذلك فهو ظاهر.
قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور:٦١] المفاتح: جمع: (مفتح)، ومفتح ومفتاح بمعنى واحد.
стр. 710
حكمة إفراد الصديق
قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور:٦١].
ذكر الله من سبق بصيغة الجمع، غير الصديق، فالصديق ذكره بصيغة الإفراد، هنا فلماذا ذكر بصيغة الإفراد؟ قال: أهل العلم المعنيون بالبيان: الصديق عزيز، والصداقة فشيء نادر، ولهذا أفردها الله، ألا ترى إلى قول الله على لسان الجهنميين: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠] بالجمع للكثرة ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠١]؛ لأن الصديق يعز في الدنيا، والعرب تقول: لما رأيت بني الزمان وما بهم خل وفي للشدائد أصبغ فعلمت أن المستحيل ثلاثة الغول والعنقاء والخل الوفي فهم يقولون: إن الخل الوفي ليس ممتنعاً، ولكنه نادر، فمن أجل ذلك قالوا: أفرد الله جل وعلا كلمة الصديق.
ثم قال ربنا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور:٦١] هذا دلالة على أن المؤانسة تقع، وأن المؤاكلة أمر حسن، سواء أكلنا متفرقين، -وهو معنى (أشتاتاً) - أو مجتمعين، وهو معنى قوله جل وعلا: (جميعاً).
стр. 711
ذكر قصة قسمة دنانير الأرغفة
إن من وسائل جمع العلم ونفع الناس به أن يكون لديك ذكاء سيال، وذهن وقاد، ما علاقة هذا بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور:٦١].
يقولون: إن رجلين جلسا ليأكلان، فقدم أحدهما خمسة أرغفة، وأخرج الآخر ثلاثة، وقبل أن يطعما جاء رجل ثالث عابر، فطلبا منه أن يجلس معهما فجلس، فصاروا ثلاثة أشخاص يريدون أن يطعموا ثمانية أرغفة، فأكلوا حتى أتموا الأكل جميعاً، ثم إن الرجل كان من ذوي الجاه، فلم يقبل أن يأكل دون أن يكافئ، فأخرج ثمانية دنانير، فوضعهما لهما وانصرف، فقال الذي وضع الخمسة: خمسة لي وثلاثة لك، وفق تقسيم الأرغفة.
وقال الثاني: الأصل أننا اثنان، وهذا دفع ثمانية وأكل معنا، وأربعة لي وأربعة لك، فتشاجرا، فاحتكما إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكان ﵁ يملك ذهناً وقاداً، فذكر له الخبر، فقال ﵁ وعن ابنيه وزوجته: سبعة لصاحب الخمسة ودينار واحد لصاحب الثلاثة، ومضى، فجلسا ملياً يفكران كيف أتى بها علي مع قناعتهما بأن قول علي صواب، ثم تبين لهما صواب صنيع علي ﵁ وأرضاه.
وذلك أن الأرغفة كانت ثمانية، وفي كل رغيف ثلاثة أثلاث، فحصل من ذلك أربعة وعشرون ثلثاً، وهذا هو مجموع ما أكله الثلاثة الأشخاص، والأصل أن كل أحد منهم أكل مثل الآخر، فيكون كل واحد منهم قد أكل؟ ثمانية أثلاث، فالرجل الذي دفع الدنانير أكل ثمانية أثلاث بالاتفاق، ووضع عوضاً عنها ثمانية دنانير، فصاحب الأرغفة الثلاثة قدم تسعة أثلاث، وأكل منها ثمانية، فلم يبق منها شيء زائد قدمه للآخرين إلا ثلثاً واحداً، ولهذا حكم له علي بدينار واحد، وصاحب الأرغفة الخمسة قدمها وفيها خمسة عشر ثلثاً، وأكل ثمانية أثلاث فليس له فيها أجر، فبقيت سبعة أثلاث أكلها الرجل الضيف مع الثلث الذي أخذه من الأول، فاستحق أن يأخذ سبعة دنانير.
فتربية العالم طلابه، وتربية الطالب نفسه على مثل هذه الأمور يجعل منه ذهناً وقاداً وذكاء سيالاً يعينه على جمع العلم؛ لأنه لو كان العلم بنظر في كتاب وحفظه وإملائه لأضحى جل الناس علماء، ولكن العلم ليس محصوراً في هذا.
стр. 712
بيان معنى قوله تعالى (فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم)
ثم قال ربنا: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١].
قوله: (من عند الله)؛ لأن الله هو الذي شرعها، (مباركة) لأنها تجلب الأجر والثواب، (طيبة) لأنها تطيب نفس المحيا.
وقد اختلف الناس في المعنى، فقيل: (بيوتاً) نكرة، والمقصود: إذا دخلتم أي مكان لقوم مسلمين فسلموا، وقالوا: إن قول ربنا: ﴿عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] دلالة على أن المسلم يقام مقام النفس.
وهذا صحيح وجيد، ولكنني أقول: إن الذي أفهمه من الآية أن الإنسان إذا دخل داراً ليس فيها أحد فإنه يسلم على نفسه، ويقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لقول الله جل وعلا: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]، ومن قواعد فهم القرآن: أن يصرف أولاً إلى ظاهره.
قال ربنا بعد ذلك: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور:٦١]، وهذه ظاهرة.
стр. 713
تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله)
ثم قال ربنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور:٦٢].
قلنا: إن القرآن لا يفهم إلا عن طريق السيرة، فالأمر الجامع من حيث الإجمال هو الأمر الجلد، أما المعنى هنا فإن النبي ﷺ كان يبعث منادي ينادي: (الصلاة جامعة) في الخطوب العظيمة.
فالله جل وعلا هنا يقول: إن الأصل أن النبي ﷺ لا يدعوكم لأمر جامع إلا وهو ذو شأن، فهو في حاجة ملحة إلى معرفة رأيكم، وإلى أن تأخذوا عنه، فإذا دعاكم النبي ﷺ فإنه لا يحسن بكم أن تخرجوا دون إذن؛ لأن هذا ينافي السبب الذي من أجله جمعكم، فجعل الله جل وعلا الاستئذان من مجلس النبي ﷺ من دلائل صدق الإيمان، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور:٦٢] وهذا يسمى تفويضاً، وبعض العلماء يقول: هذه الآية تسمى: المفوضة، والمعنى: أنه تقرر في الأصول أن الله جل وعلا فوض بعض الأمور إلى رأي نبيه، كمثل هذه الآية، حيث قال تعالى: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ [النور:٦٢] وجملة: (واستغفر لهم الله) تشعر بأنه حدث منهم ما يوجب الاستغفار، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٦٢].
стр. 714
تفسير قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)
ثم قال جل شأنه: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
إن أكثر الذين يؤلفون في ذكر خصائص النبي ﷺ يحتجون بهذه الآية على أن الرسول لا ينادى كما ينادى غيره، وما ذهبوا إليه صحيح، وأما ما استدلوا به فخطأ، فالآية لا تتكلم عن كيفية مناداة الرسول ﷺ أبداً، وإنما جاء هذا في الحجرات في قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢].
ولكن المقصود هنا: أن الرسول ﷺ لا يدعوكم لأمر جامع إلا وهو أمر عظيم، فلا يقاس بدعوة غيره، فلا تجعلعوا دعاء الرسول ﷺ لكم كدعاء بعضكم بعضاً، والمعنى: أن دعاء بعضكم بعضاً لا حرج معه في أن تخرجوا، أما الدعوة التي تتم عن طريق النبي ﷺ فهي معظمة، فلا يحسن معها منكم الخروج، والدليل على صحة هذا القول القرينة في الآية، فالله تعالى قال بعدها: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور:٦٣] يعني: قليلاً قليلاً، يلوذون خفية، فينسل هذا من هنا، وينسل هذا من هناك، وهكذا.
فالله جل وعلا يؤدب هؤلاء الصحابة على أن الأمر الجامع عند النبي ﷺ ليس كالأمر الجامع عند غيره.
وليس المعنى ما ذهب إليه بعض الفضلاء من أن الدعاء المراد به هنا المناداة، فهذا غير مستقيم؛ لأن القرينة هنا تأباه، والقرينة هي قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور:٦٣] و (لواذاً) هنا حال.
стр. 715
التحذير من مخالفة أمر الرسول ﷺ
ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
قوله: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] أي: عن هديه صلوات الله وسلامه عليه وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] قيل في ذلك ثلاثة معان مع اتفاقهم على أنها تكون في الدنيا: فقيل: الفتنة بمعنى: الكفر.
وقيل: بمعنى العقوبة.
وهذان عندي رأيان مرجوحان، وأما الرأي الراجح فهو أنها تصيبهم بلية تظهر ما في قلوبهم من النفاق.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] قيل: في الآخرة.
والأظهر عندي: أنها تحتمل أن يكون هذا في الحياة الدنيا.
стр. 716
دلالة الآية على اتباع السنة وقياس الأمور بهدي رسول الله
هذه الآية الكريمة تدل على أمرين: الأول: أنها أصل في اتباع السنة، وقد ذكروا أن مالكاً إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله! إنني أريد العمرة فمن أين أحرم؟ قال: من مسجد ذي الحليفة.
قال: إني أريد أن أحرم من المسجد عند القبر.
فقال مالك ﵀: أحرم من ذي الحليفة.
فكأن الرجل قال: وماذا يضيرني، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] فقال الرجل: وما هي إلا أميال زدتها! يعني: الفرق بين ذي الحليفة وبين المسجد أميال.
فقال مالك ﵀: إنني أخشى أن تكون بصنيعك هذا تظن أن هديك أعظم من هدي محمد ﷺ .
فاتباع السنة من أعظم ما يجذب البركة، والصالحون من قبلنا ممن أدركنا ورأينا ومن قرأنا عنهم رأينا منهم حرصاً عظيماً على اتباع السنة والتقيد بها؛ لأن الإنسان إذا تقيد بالسنة فكأنه يظهر عجزه في الوصول إلى العلم إلا عن طريق نبينا ﷺ ، وهذا هو الحق والأصل الذي لا محيد عنه.
الأمر الثاني: أن الأصل في الموازين والحكم على الأشياء هو الميزان الشرعي، فإذا أردنا أن نعرف إطالة فلان في صلاته من تقصيره فإننا، نقيسها على صلاة النبي ﷺ ، وكذلك خطبته نقيسها على خطبة النبي ﷺ ، وهكذا.
стр. 717
تفسير قوله تعالى: (إلا إن لله ما في السموات والأرض)
ثم ختم ربنا جل وعلا هذه السورة المباركة بقوله: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٤].
لقد مر في هذه السورة أحكام ومواعظ، وقصص وتشريع لا يمكن أن يأتي به إلا القادر الرب الواحد، ولهذا قال جل وعلا: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ﴾ [النور:٦٤] و (ألا) استفتاحية ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٦٤] فهو الرب، وهو الخالق، وهو الرازق، وهو المدبر، وهو الحكيم، وهو الأعلم بخلقه، فمن البداهة أن يكون منه فبدهياً جداً أن يكون منه ذلك التشريع.
فالتشريع جاء هنا ممن له حق التشريع، وليس لأحد دون الله حق التشريع وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور:٦٤] (قد) هنا للتحقيق قولاً واحداً، ولا ينبغي الالتفات إلى قول النحاة هنا: إن (قد) تكثر في زمن المضارع، ولو سلمنا بهذا الاستخدام في لغة العرب كثيراً، ولكنها هنا للتحقيق قولاً واحداً.
وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور:٦٤] يعني: يعلم حالكم من الموافقة والمخالفة، ومن النفاق والإخلاص، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، لا رب غيره ولا إله سواه، ولا تخفى عليه خافية.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [النور:٦٤] أي: جميعاً ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور:٦٤] وهذا يوم يقوم فيه الأشهاد، ويحشر فيه العباد.
ثم ختم الله جل وعلا الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٤].
فالله جل وعلا وسع علمه كل شيء، وهو جل وعلا يعلم ما قد كان، وما سيكون، وما هو كائن، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.
وبهذا نختم تأملاتنا في سورة النور، فنسأل الله أن يرزقنا نوراً نهتدي به، ورزقاً حلالاً طيباً نكتفي به.
وقد مر معنا في أول السورة أنها سورة مدنية، وأن فيها من التشريع ما جعل عمر يطلب من الناس أن يعلموها أبناءهم ونساءهم على وجه الخصوص، وتعلقت بها كثير من الأحكام، وانجلت بها الغمة في فصل خطابه عن حديث الإفك، وذكر الله جل وعلا فيها الآداب مع النبي ﷺ في الأمر الجامع، وذكر الله جل وعلا فيها أشياء أخر، ومواعظ كثر، أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، والله المستعان وعليه البلاغ.
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 718
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأحزاب [ ٤]
محمد ﷺ تكتب في مديحه الأشعار، وتسطر في حبه المقامات الكبار، سيد ولد آدم، وأول شفيع، وأول مشفع، وسيد أولي العزم من الرسل، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، ولقد أخذ الله المواثيق والعهود على أولي العزم من الرسل، كما أخذ المواثيق عليهم أن يصدقوا محمد أو ينصروه ﷺ ، ولقد تحدث الله هنا عن تفاصيل أكثر لغزوة الأحزاب، وصور الحالة التي بلغت بالمسلمين، وكيف أن نار النفاق ظهرت بعد أن كانت تحت الرماد، ولقد أخزاهم الله وفضحهم، ونصر حزبه وجنده، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
стр. 719
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم وأعد للكافرين عذاباً أليماً)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه أولى الحلقات التي نسجلها في شهر شوال بعد قضاء شهر رمضان بحمد من الله وفضل، وكنا قد تحدثنا في اللقاءات التي سلفت عن سورة الأحزاب، وانتهينا إلى قول ربنا ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٧ - ٨].
الله جل وعلا في هذه الآية عد خمسة من الرسل، رغم أننا نعلم أن الأنبياء والمرسلين جمع غفير، لكن العلماء فهموا من هذه الآية والآية الأخرى التي في سورة الشورى أن هؤلاء الخمسة من الأنبياء الذين نص الله على ذكرهم دون غيرهم جعلوها قرينة على أنهم أولوا العزم من الرسل، فجمهور أهل العلم على أن أولي العزم من الرسل خمسة: نبينا ﷺ ، ثم حسب ظهورهم الزمني: نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى بن مريم، ثم نبينا ﷺ .
أما ترتيبهم في القرآن فقد جاء على النحو التالي: قال الله جل وعلا في السورة التي بين أيدينا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ -هذا إجمال- ومِنْكَ﴾ [الأحزاب:٧]، فبدأ بالنبي ﷺ ، ثم عددهم فقال: ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب:٧]، حسب ترتيبهم الزمني.
لكنه في آية سورة الشورى قال ﷻ : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣]، فبدأ بنوح، فلماذا قدم نوحاً في آية الشورى، وقدم محمداً ﷺ في آية الأحزاب؟ والعلم أن يوجد إشكال ثم نحاول أن نجيب عن هذا الإشكال، فنقول: قدم نوحاً في آية الشورى؛ لأن الحديث كان عن العقيدة والدين، والعقيدة والدين من حيث الجملة أولى من الأشخاص، فقدم أول من بعث بالدين وأرسل به وهو نوح ﵊، والمعتقد والدين باقيان بخلاف من يحمل الدين من الأنبياء والمرسلين والصالحين فإنهم غير باقين؛ ولهذا قال الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤].
أما آية الأحزاب التي نحن بصدد الحديث عنها فليس فيها حديث عن المعتقد والدين، وإنما فيها ما أخذ الله من ميثاق على النبيين، فبدأ الله جل وعلا بنبينا ﷺ فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧].
كذلك اختلف العلماء في ماهية الميثاق: فبعض أهل الفضل من العلماء يحصره في آية آل عمران، في قول الله ﵎ لما ذكر أنه أخذ على الأنبياء والمرسلين: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران:٨١]، ونحن نعتقد أن هذا الحصر غير صواب؛ لأنه أخرج منه النبي ﷺ ، فالنبي ﵊ لا يخاطب بنصرة نفسه، لكن المقصود بالميثاق فيما نحسب وعليه أكثر أهل العلم: كل الدين، وجميع ما بعث الله جل وعلا به أنبيائه ورسله من صحة المعتقد وكمال الشرائع، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]، ووصف الله جل وعلا هذا الميثاق بأنه غليظ؛ لأنه محتوٍ على أعظم ما يتعبد الله جل وعلا به وهو توحيده ﵎.
ثم قال الله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحزاب:٨]، واللام هنا عند النحاة: لام كي؛ أي: لكي يسأل جل وعلا الصادقين عن صدقهم، والصدق مع الله جل وعلا أعظم طرائق القربى منه، قال الله جل وعلا في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، وقال الله جل وعلا في خاتمة سورة المائدة: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩]، والصدق مع الله جل وعلا أعظم وسائل القربى منه ﵎، ليسأل الصادقين عن صدقهم، ولما كان أهل الكفر ليس لهم مع ربهم إلا التكذيب فليس لهم عنده إلا العذاب الأليم، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٨]، هذا كله يخاطب به النبي ﷺ ، ويبين له المواثيق التي أخذها الله جل وعلا عليه.
стр. 720
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم وتظنون بالله الظنونا)
ثم انتقلت الآيات إلى الحديث عن معركة الأحزاب، وكنا قد بينا في أول دروسنا حول سورة الأحزاب إجمالاً وتاريخياً هذه الغزوة، والآن نذكر التفاصيل: قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩]، مهما بلغ تدبرنا للقرآن ويقيننا به وإيماننا به فلن يبلغ مرحلة ما كان عليه الصحابة من استشعار تلك النعمة؛ لأنهم خاضوها عياناً، ورأوا هول الأمر وشدته وكربته وعظيم الخطب، فعندما ينزل القرآن بعد أن كفى الله المؤمنين القتال، وأجلي الكفار إلى ديارهم، قال الله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب:٢٥] كما سيأتي، يجد المؤمنون الفرحة والغبطة والنعمة، فعندما تأتي الآية تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا -وهذا نداء كرامة- اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:٩]، يكون تذكيرهم بنعمة الله واقعاً في محله؛ لأنهم عاشوا هذا الكرب، وعاشوا كيف أجلاه الله ﵎ عنهم.
قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ﴾ [الأحزاب:٩]، هذه ظرفية لا تحدد بزمن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب:٩]، وهم الأحزاب، قريش ومن وافقها في حرب النبي ﷺ من الأحابيش ومن غطفان ومن بعض أهل نجد وغيرهم من قبائل العرب مع تآمر اليهود، كل أولئك أرادوا محاربة النبي ﷺ واستئصال الإسلام في المدينة، فقال الله للصالحين من عباده، والصحابة في المقام الأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا﴾ [الأحزاب:٩]، والجنود الثانية -أيها المبارك- غير الجنود الأولى، فالجنود الأولى: جنود الأحزاب، أما الجنود التي لم تر فهي منصرفة إلى الملائكة في أكثر أقوال أهل العلم، قال الله ﵎: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب:٩].
وقد ذهب مجاهد وهو أحد المفسرين: إلى أن الريح هنا: ريح الصبا، ويدل عليه قول النبي ﷺ : (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور)، ومن حيث الصناعة اللغوية -أيها المبارك- فالصبا ريح تقابلها الدبور، لكن الصبا بالكسر مرحلة من مراحل وأطوار العمر، أما الصبا فهي ريح نصر بها النبي ﷺ .
وأنت لو تصورت الحال آنذاك لوجدت أن الخندق هو الذي كان يفصل بين النبي ﷺ والأحزاب، ومع ذلك فهذه الريح التي هي الصبا من كونها معجزة له ﷺ كانت تضر خصومه ولا تضر أصحابه، رغم أنه وأصحابه قريبون منها ﵊، فليس بينهم وبين قريش ومن معها إلا عرض الخندق، ومع ذلك كانت تلك الريح فيها من الإفساد لأهل الإشراك وليس فيها من الضرر لأهل الإيمان، فإن قلبت الطرف أو الفكر في سبب هذا فتذكر قول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف:١٧]، فالله جل وعلا على كل شيء قدير.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩] قلنا: أجلاء أهل التفسير على أنهم: الملائكة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]، ثم قال الله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠]، (إن) هذه بدل من إذ الأولى، أو تخصيص لها، ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ -أي من فوق الوادي- وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠] أي: من أسفل الوادي، نجد المدينة من جهة الشرق، ومكة ومن حولها بالنسبة للمدينة يأتونها من الجنوب، لكن يأتونها من جهة الغرب، ففريق الهجرة الآن يتجه غرباً، والذي يعنينا أن قريشاً والأحادبيش ومن معهم كان لهم طريق يأتون منه إلى المدينة، ونجد وعيينة بن حصن وغطفان وغيرهما كان لهم طريق آخر، فاجتمعوا جميعاً في الشمال الغربي للمدينة، لكن قبل ذلك كانت قريش أقرب إلى غرب الوادي، وعيينة بن حصن ومن معه كانوا إلى شمال شرق الوادي أقرب، فلهذا قال الله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠]، وهذا كله حول جبل سلع إن كنت قد قدمت المدينة، فالخندق مكانه إلى الشمال الغربي من جبل سلع، والمدينة غنية بالجبال، فجبل سلع لم يرد فيه أثر يحمد فيه أو يذم.
وأما أحد فجبل ورد المدح فيه، قال ﷺ : (أحد جبل يحبنا ونحبه) وارتقاه ﷺ ، وجبل عير في جنوب المدينة، حد له واشتهر بين العامة أنه جبل من جبال النار، لكن لم يثبت في هذا حديث، والذي يحفظ المدينة بحفظ الله من الشرق والغرب الحرتان المعروفة: باللابتين، وقد ورد معكم في الحديث: (والله ما بين لابتيها) أي: حرتيها، الشرقية والغربية.
والحرة الشرقية إذا استقبلتها وجعلت الغرب وراءك تستقبل طلوع الشمس، هنا أستطرد قليلاً، موقعة الحرة التي وقعت في زمن يزيد بن معاوية كانت المدينة محصنة، وكان سكان آل المدينة آنذاك تحصنوا حتى لا يقتحم جيش مسلم المري عليهم، فبقيت ثغرة جهة الشرق، فجاء رجل مسلط غير موفق فسلط جيش يزيد جيش مسلم بن عقبة المري على هذه الثغرة من جهة الشرق، وقال له: ائت أهل المدينة مع طلوع الشمس، فإذا بالجيش جاء أهل المدينة من جهة الشرق، فسيصبح على أهل المدينة حتى يواجهوه أن يستقبلوا الشمس، فإذا استقبلوا الشمس حال طلوعها أثرت في أعينهم، فلا يستطيعون أن يروا العدو، وإنما يرون الرماح والسيوف تتلألأ في أيديهم، فيزدادون رعباً وخوفاً؛ لأن الشمس تظهر السيف أشد مما هو فيه، وتظهر الرمح أشد حداً مما هو عليه، وفي نفس الوقت لا يبصرون العدو ولا يميزونه؛ لأن الشمس في أعينهم، كحالك الآن لو جلست في مكاني ونظرت في هذا المصباح، ولو تأملت النظر فيه وأدمنت النظر فيه لتعطلت منافعك بعينيك، فكذلك أهل المدينة في موقعة الحرة كانوا يستقبلون الشمس، في حين أن خصومهم كانت الشمس وراء ظهرهم لا تبغيهم؛ لأنهم ما داموا قد أتوا من جهة المشرق فسيستقبلون المغرب، ومعلوم أنه تكون في المغرب شمس؛ لأنها خلف أظهرهم، هذا المقصود من المكر والخديعة في الحروب.
أما هنا في موقعة الأحزاب فلم يكن للقرشيين ولا من معهم أن يأتوا من جهة اللابتين، فقد كانت محصنة، فما بقيت إلا ثغرة في جهة الشمال الغربي وهي التي حفر النبي ﷺ فيها الخندق، قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠]، فالله جل وعلا هنا يصور هول الأمر، في أن الأبصار أصبحت لا ترى إلا العدو، فقد مالت عن كل شيء إلا عدوها، ومعلوم أن القلب لا يمكن أن يتحرك من مكانه ويصل إلى الحلق، فطبياً هو مكانه جسدياً، لكنها كناية عن شدة الهلع والخوف.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠]، ويتساءل المرء ما هي الظنون التي ظنت؟ الناس -يا بني- حسب إيمانهم يكون ظنهم، فأهل النفاق وضعفاء الإيمان كان ظنهم بالله ظن السوء، وأما أهل الإيمان والتقوى فكان ظنهم بالله ظناً حسناً، لكن لا يمنع أن يأتي إنسان من أهل الإيمان فيخاف على نفسه من معصية كانت فيه أن يخذله الله بتلك المعصية؛ لأن الله لا ملزم عليه، يعني: لا يمانع أن يكون هناك مؤمن ويخشى من معصية أن يخذله الله جل وعلا ويحاسبه بتلك المعصية، هذا ظن زيادة على ظن أهل النفاق بالسوء وظن أهل الإيمان القوي بالتقوى، بنصرة الله لهم، وقد يأتي ظن الرابع: وهو أن المؤمنين الذين على يقين وإيمان ربما ظنوا أن الله جل وعلا أجل نصرهم، وابتلاهم بأن يقتلوا، وليس هذا ببعيد، فإنه ليس لزاماً أن ينصر نفس الجيل، فهذه كلها ظنون مجتمعة، أحياناً بحسب التقسيم العام، وأحياناً بحسب تقسيم الأفراد، فكلها كانت موجودة حال غزوة الأحزاب وتآمرهم على مدينة رسول الله ﷺ .
стр. 721
تفسير قوله تعالى: (هنالك ابتلي المؤمنون ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً)
قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]، وحسبك بزلزال يقول عنه رب العالمين أنه ابتلاء وأنه زلزال شديد، حتى تعلم أن الأصحاب ﵃ وأرضاهم وجدوا عظيم المشقة في تبليغ دين الله، وصبروا على ما لم يصبر عليه إلا ما لا يصبر عليه إلا أمثالهم من أقوياء الإيمان، وأنهم نقلوا الدين بعد أن فدوا الإيمان بالمهج وبالمال، ونصروا الله جل وعلا ورسوله ﷺ أيما نصر.
ثم قال الله جل وعلا يبين أحوال الناس في تلك الحالة التي أحاطت بمدينة رسول الله ﷺ ، قال الله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، الواو في قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا﴾ [الأحزاب:١٢]، واو عطف، ومن قواعد اللغة: أن العطف يقتضي المغايرة، بمعنى: أن المعطوف غير المعطوف عليه، فعندما نقول: العطف يقتضي المغايرة بمعنى أن الأصل أن المعطوف غير المعطوف عليه.
الله يقول: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:١٢]، السؤال هنا: هل المغايرة هنا في الذوات أم في الصفة؟ إذا قلنا: إن الواو هنا تقتضي المغايرة في الذوات يصبح معنا فريقان: منافقون وفي قلوبهم مرض، فالمنافقون هم من أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، ومن في قلوبهم مرض: هم من في قلوبهم شك وريب وحسد، وغيرها من أمراض القلوب، لكن لم يصلوا إلى مرحلة النفاق، لكنهم مهيئون لأن يصلوا إليه، هذا التغاير تغاير في في الذوات.
الحالة الثانية: أن يكون التغاير في الصفات، فيصبح الله جل وعلا يتكلم عن طائفة واحدة، في هذه الطائفة اجتمعت صفتان، صفة النفاق، وصفة مرض القلوب، فتصبح الواو واو عطف بالاتفاق، والعطف للمغايرة، لكن المقصود هنا: التغاير بالصفات لا التغاير في الذوات، وبكل قال العلماء، والآيات تحتمل الوجهين.
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ -ماذا قولوا:- مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، يقال: إن الذي قال هذا رجل يقال له: أوس بن قيضي، ومن العجب أن هذا الرجل أنجب ابناً حتى تعلم أن الله يقول: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام:٩٥]، أنجب ابناً بعد ذلك اسمه عرابة، وعرابة هذا بلغ شأواً بعيداً في المجد والكرم والفضل ونفع الناس، بخلاف أبيه، حتى قال فيه الشاعر: رأيت عرابة الأوسي يسعى إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين المقصود: أن هذا الرجل الذي قال: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، أنجب ابناً بلغ في المجد شأواً بعيداً، ومن هنا يعلم أنه أحياناً يجتهد الأب والوالد في تربية ابنه فيكون الابن بخلاف ما يريده أبوه، وقد يكون أب لا يعطي ابنه من الرعاية والعناية والتأديب شيئاً فيأتي الولد بخلاف ما ظن أبوه، فيصبح من المسابقين في الخيرات، المنافسين في الطاعات، وقد -وهو الغالب- يحرص الأب على تربية ابنه وتعهده ورعايته فيقر الله عيني الأب بصلاح الابن، وقد يقع أن أباً يهمل ابنه ولا يرعاه ولا يتعهده فيقع الابن ضائعاً؛ لأنه لم يجد أحداً يتعهده، وقد قيل: وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في ثلاث وهل يرجى لأطفال كمال إذا ارتضعوا ثدي الناقصات الآن النبت الذي في الشوارع، أو في الصحاري الذي لا يتعاهده أحد لا يمكن أن يكون كالنبت الذي يعنى به ويهذب ويشذب ويسقى حيناً بعد حين، هذا معنى قول الشاعر: وليس النبت ينبت في جنان (أي في حدائق) كمثل النبت ينبت في ثلاث وهل يرجى لأطفال كمال إذا ارتضعوا ثدي الناقصات نقول: نعم يرجى؛ لأن الله جل وعلا أخرج من ظهر آزر وهو من أكفر الكفرة إبراهيم، وأخرج من ظهر نوح وهو شيخ المرسلين ابنه كنعان وهو من أكفر الكافرين، لكن التوفيق بيد الله ﵎، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، الغرور: إظهار المكروه بصورة الشيء المحبوب، والذي دفعهم إلى هذه المقولة: أن النبي ﷺ قبل أن يداهم الكفار المدينة أخذ صخرة فكان ﷺ بعد أن يضربها ثلاث ضربات يكبر، ويقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، وأعطيت مفاتيح أبواب صنعاء، وقصور الشام)، فأخبر بها ﷺ كلها.
فهذا الوعد منه ﷺ زرع التفاؤل في قلوب أصحابه، فلما داهمهم الأحزاب وضاق عليهم الأمر، ولم يستطع أحدهم أن يذهب ليقضي حاجته قال المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢].
стр. 722
معجزة شاهدة على صدق نبينا ﷺ تكتشف في عصرنا الحاضر
فإذا ذكرنا استطراداً قضية أن النبي ﷺ قال: (أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر قصور صنعاء من مكاني هذا).
فإن مما أثبته العلم الحديث حالياً: أن النبي ﷺ كما جاء في كثير من الآثار بعث رجلاً إلى اليمن وقال له: (اذهب إلى أصل حديقة غمدان) وأخبره عن القبلة فقال ﷺ : (فاستقبل بها جبل ضين) سمى له جبلاً، وضع كذا عن يسارك صخرة وصخرة كذا عن يمينك، فذهب الرجل -وهذا في زمن النبوة- ووصل إلى صنعاء وأتى إلى الحديقة التي في أصل جبل غمدان، وجاء إلى الجبل الذي قاله النبي ﷺ واستقبله وأتى للصخرات من جهة يمينه وشماله وهو واقف يستقبل القبلة وحددها وبنى المسجد، فإلى الآن والأمر لا جديد فيه، في هذا العصر الحديث، في عصر الإعجاز العلمي ظهر ما يعرف بالأقمار الاصطناعية التي تصور، وظهرت شبكات الإنترنت، وظهرت المواقع التي تصور الحدود والأماكن، ومعلوم أن هذه الآلة ليس لها علاقة بالمعتقد، وإنما مبرمج فيها حسب الأقمار الصناعية، وحسب تحريك الأصابع، فلو حركها مؤمن أو حركها ملحد فالنتيجة واحدة؛ لأنه لا علاقة لها بالمعتقد، وجيء إلى هذا المسجد -وهذا صنعه الشيخ عبد المجيد الزنداني - وأخرج سهماً من قبلته ثم حسب البرمجة العالمية وفق خطوط الطول والعرض، ولم يكن في عهد النبي ﷺ أحد يعرف خطوط الطول والعرض، أخرج هذا السهم ليبرر علمياً أين ينتهي السهم؟ فخرج السهم مستقيماً من ذلك المسجد الذي بني في عهد النبوة حتى اخترق الجبل هذا الذي استقبله الصحابي بأمر الرسول ﷺ ، يعني: مر من بينه حتى وصل إلى مكة، ثم مضى بالسهم والناس تنظر في حفل أقيم في الكويت، والسهم هذا تلقائي، ثم أتى المسجد الحرام فاخترقه، ثم أتى الكعبة وانتهى السهم إلى ما بين الركنين، ما بين الحجر الأسود والركن اليماني، وهذه معجزة نصر الله بها نبيه ﷺ في هذا الزمان، ونحن نعلم يقيناً أن النبي ﷺ صادق، لكن بلا شك أن مثل هذا وظهوره في هذا الزمن يزيدنا إيماناً ويقيناً على الإيمان بنبينا ﷺ ، فنقول: كما قال الله كما سيأتي: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، فنحن لو كنا نتأمل حق اليقين فيما حولنا كل يوم ازددنا إيماناً، وكل ما حولنا يزيدنا قناعة وإيماناً، سواء كانت أحداثاً تجري، أو معالم ورواسي ثابتة أو قرآناً نتلوه، أو سنة نقرؤها، كل ذلك يدل على أن لا رب غير الله، ولا إله سواه، وأن نبينا ﷺ صادق فيما يقول، مصدوق فيما يقال له صلوات الله وسلامه عليه، هؤلاء المنافقون الذين ذكرهم الله جل وعلا هنا وقعوا في أول ابتلاء وامتحان فارتدوا عن دينهم؛ لأن الإيمان أصلاً لم يدخل قلوبهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وقلنا: إن الذي دفعهم إلى هذا القول: أن النبي ﷺ مناهم بفتح فارس أو الشام واليمن، ثم عجز أحدهم أن يذهب ليقضي حاجته؛ لأنهم كانوا ينظرون إلى أن المسألة مسألة وقتية، لكن النبي ﷺ لم يقل لهم: إني في معركتي هذه، أو في أيامي هذه ستفتح لكم الشام وفارس وصنعاء، بل هو أمر تركه النبي ﷺ ولم يحدده، ثم ما لبث الله جل وعلا أن أفاء عليهم في خلافة الصديق وخلافة الفاروق بأن دخلوا أكثر مدن فارس وأكثر مدن الروم، بل صارت اليمن كلها في حوزة المسلمين وفي خلافتهم، كما وعد الله ووعد رسوله ﷺ .
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 723
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأحزاب [٥]
يصف الله في هذه الآيات البينات حال المنافقين ومرضى النفوس حيال حصار المشركين لمدينة رسول الله يوم الأحزاب، وكيف أنهم لم يثقوا بنصر الله لرسوله، بل وصفوا وعد النبي لهم بالفتوحات والنصر بأنه غرور لا طائل تحته، ولهذا فضحهم الله وكشف زيف الإيمان في قلوبهم، وأظهر خوف أنفسهم، وما يبطنونه من الكفر والنفاق، وتوعدهم بعظيم عقابه، وأليم عذابه سبحانه.
стр. 724
تفسير قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب وكان عهد الله مسئولاً)
الحمد لله الذي به تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فكنا قد انتهينا في اللقاء الماضي إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣].
الحديث ما زال موصولاً عن حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض أيام غزوة الأحزاب، وقد مر معنا قولهم الذي حكاه الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢] ثم حكى الله قولاً آخر لهم: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [الأحزاب:١٣] و (منهم) عائدة على قوله: (وإذ قالت طائفة منهم) أي: من أهل النفاق والذين في قلوبهم مرض، (يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) وقد بينا هذا إجمالاً في لقاء ماضٍ، و (يثرب) اسم للمدينة قبل الإسلام، وهو اسم ممنوع من الصرف على لغة النحويين لسببين: اتفقوا على السبب الأول وهو: العلمية، والسبب الثاني: متشعب، فمن الممكن أن تكون (يثرب) ممنوعة من الصرف للعلمية ووزن الفعل.
وممكن أن تكون العلة: العلمية والتأنيث.
ومعنى ممنوع من الصرف، أي: لا ينون ولا يجر بالكسرة، لا ينون مع أن التنوين من خصائص الأسماء، قال ابن مالك: بالجر والتنوين والنداء وأل ومسند للاسم تمييز حصل فالمقصود هنا: أن يثرب هذه كان اسمها على اسم أحد العماليق في أشهر أقوال أهل التاريخ قبل النبي ﷺ ، فالذين يريدون أن يتكلموا بخطاب دنيوي محض لا يقولون المدينة، بل يقولون: يثرب، ومنه قول جرير في قصيدته الشهيرة التي مطلعها: أقل اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا قال يمدح شعره: دخلن-يعني: قصائده- قصور يثرب معلمات ولم يتركن من صنعاء باباً فلما أراد أن يتكلم عن حاجة دنيوية محضة قال: يثرب، ولم يقل: المدينة، وهنا هؤلاء المنافقون يريدون أن يعيدوها جاهلية كما كانت، فيردون قومهم إلى ما كانوا عليه من عدم نصرة النبي ﷺ ، فقال الله عن بعضهم أنهم كانوا يقولون: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب:١٣] ولم يقل: يا أهل المدينة فهو لا يريد أن يوقظ الحس الإسلامي الذي في قلوبهم، أراد أن يعيدها جاهلية كما كانت إسلامية: (يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا).
الآن المسلمون مع النبي ﷺ يحفرون الخندق ويرابطون، وهذه الطائفة تريد من أكثر الناس أن يعودوا، فقوله: (لا مقام لكم فارجعوا) تحتمل وجهين: الأول: لا مقام لكم في دين الإسلام فارجعوا إلى الكفر، وهذا يصح لأنه من مقاصدهم، لكن الآية والجو العام لا يساعد عليه.
الثاني: لا مقام لكم في المرابطة مع النبي ﷺ فارجعوا إلى يثرب، (لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم) قيل: إنهم بنو حارثة، وبنو حارثة هؤلاء سبق لهم أن خذلوا النبي ﷺ في أحد، (ويستأذن فريق منهم النبي يقولون) أي: سبب استئذانهم (إن بيوتنا عورة) معنى إن بيوتنا عورة أي: مكشوفة، معرضة للسرقة، لا يوجد بها رجال، والعورة كل مكان فيه خلل، والعورة تطلق على المكان المتوسط بين الجبال، قال لبيد: وأجن عورات الجبال ظلامها الذي يعنينا هنا قولهم: (إن بيوتنا عورة) فهل صدقهم الله أم كذبهم؟ كذبهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب:١٣] فلما رد الله جل وعلا زعمهم الذي أظهروه، أخبر الله بزعمهم الذي أخفوه، فقال: (إن يريدون إلا فراراً) أي: استئذانهم منك لا يقصدون منه -كما زعموا- أن يحموا بيوتهم، وإنما أرادوا الفرار من ملاقاة العدو، (إن يريدون إلا فراراً) ثم قال الله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٤].
هذه الآية اختلف العلماء فيها اختلافاً كثيراً لكن أحاول أن أجمع لك شتاتها، (دخل) في القرآن تأتي كثيراً في وصف ذلك الغازي والفاتح، قال الله جل وعلا: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ [الإسراء:٧] وقال الله جل وعلا لبني إسرائيل: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١].
وقال الله على لسان الرجلين الموفقين: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة:٢٣] فالكل يتكلم عن غزو وفتح، فالله جل وعلا هنا يقول: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب:١٤] القطر: الناحية، والمقصود: أقطار المدينة أي: نواحي المدينة، ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٤].
وأكثر أهل العلم على أن المراد بالفتنة هنا: الشرك.
فيصبح معنى الآية: أن هؤلاء القوم الذين خذلوك ويريدون الفرار، لو طلب منهم الشرك لوافقوا عليه جبلةً غير متباطئين؛ لأن الإسلام أصلاً لم يدخل إلى قلوبهم، هذا قول، وعليه أكثر العلماء.
وقال الضحاك رحمة الله تعالى عليه من المفسرين: إن المعنى ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٤] أي: أنهم -وهذا قول قوي- ما خذلوك وفروا لأنهم جبناء، وإنما خذلوك وفروا لأنهم لا يريدون أن ينصروك، فالمعنى: لو كانت القضية قضية عصبية لما تلبثوا بها إلا يسيراً أي: لحاربوا ودافعوا، فالمراد بالفتنة في قول الضحاك: القتال من أجل العصبية.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٤] لكن أكثر أهل التفسير على أن المراد بالفتنة هنا: الشرك، ويؤيده قول الله جل وعلا: ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٣٩].
قلنا: إن بني حارثة سبق لهم أن فروا يوم أحد، فذكرهم الله جل وعلا بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم من قبل، فقال الله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب:١٥].
стр. 725
تفسير قوله سبحانه: (قل لن ينفعكم الفرار من دون الله ولياً ولا نصيراً)
وفي هذا تعظيم للعهد الذي بين العبد وبين ربه، وأن الإنسان إذا قطع على نفسه عهداً أو وعداً وجب عليه أن يلتزم به، ثم قال الله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٦].
العقل يقول: إن الإنسان ينجو إذا فر، لكن إذا أراد الله الحياة لهذا فسينفعه الفرار، لكن إذا كان الله جل وعلا لم يرد له حياة فلن ينفعه فراره، كما أن المتقدم في الجيش والقادم في أول الصف إذا أراد الله له أن يقتل فسيقتل، لكن إن لم يكن الله يريد له أن يقتل حتى لو تقدم الصفوف فلن يقتل، إن لم يكن الله جل وعلا قد كتب عليه حياته.
ثم قال الله جل وعلا لهم: هب أنكم فررتم ونجوتم من القتل في الخندق، هل يعني ذلك أنكم ستحيون حياة أبدية؟! محال؛ ولهذا قال الله بعدها: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٦].
يقولون: إن عبد الملك بن مروان المؤسس الثاني لدولة بني أمية، وبخلافته انتقلت الخلافة من الفرع السفياني إلى الفرع المرواني، قال شوقي: مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى والمحراب مروان وبلاد الشام معروفة بمرض الطاعون، وقد مات كثير من الصحابة والتابعين بسبب طاعونها، فحل بها الطاعون أيام عبد الملك بن مروان ففر، فلما فر أخذ معه عبداً من عبيده يخدمه، والمستوى العقلي والفكري بين غلام خادم وما بين أمير المؤمنين مختلف اختلافاً كبيراً، والحديث لا يمكن أن يكون متلائماً للفرق الفكري، لكن عبد الملك لم يكن معه إلا هذا الغلام، ولابد من الحديث خاصة أن الخائف والهارب من الطاعون يريد من أحد أن يسليه، وهما في الطريق لم يبعدوا عن دمشق كثيراً قال عبد الملك لغلامه: قل لي ما تقول أنت وأقرانك؟ قال: يا أمير المؤمنين! بلغني فيما بلغني أن أسداً أجار ثعلباً، فقال له الثعلب: أنا أصطاد لك على أن تجيرني من كل أحد، فوافق الأسد، فأصبح الثعلب يختال في مشيته لأنه في حمى الأسد، فجاء طير كبير الحجم جداً يريد أن يخطف الثعلب ويحمله معه، فخاف الثعلب وارتعد، فارتقى على ظهر الأسد يريد منه أن يحميه، فجاء الطائر وتناول الثعلب وحمله، فقال الثعلب يستنجد بالأسد، لماذا لم تحمن يا أبا الحارث، وأبو الحارث كنية الأسد، فقال الأسد: لقد وعدتك أن أحميك من دواب الأرض أما ما يأتي من السماء فلا طاقة لي به، ففهمها عبد الملك ولوى عنق الدابة وقال: والله لقد وعظتني يا غلام أيما وعظ، ثم تلا: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٦] وعاد إلى دمشق ونجاه الله من الطاعون فلم يهلك.
فثمة أمور يعجز المرء أن يتخذ فيها حيلة، فليس له إلا أن يسلم أمره إلى الله، ثم إنك أحياناً قد يرحمك الله بمشورة أو برأي من هو أقل منك فهماً أو عقلاً أو علماً، وإذا أنت صدقت مع الله في سريرتك، وأحسنت نيتك فإن الله يسخر لك خلقه يدلونك ويهدونك ويحمونك ولو كانوا ضعفاء؛ لأنهم إنما هم سخرهم العلي الكبير لك.
قال الله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٦] معنى الآية: إن نجوتم إذاً لا تمتعون إلا قليلاً، فإذاً لا تمتعون إلا قليلاً جواب لشرط محذوف، وهذا قالوا: إنه موجود في لسان العرب، قال قائلهم: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبان إذاً لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا معنى الكلام أنه يقول: لو كنت من قبيلة بني مازن لما استطاع أحد أن يتجرأ على إبلي، ثم قال: إذاً لرده ذو معشر خشن يقصد: أنه لو سلبت إبلي لردها أولئك الأخيار، وهو لم يذكر كلمة: إن سلبت إبلي، كذلك في الآية لم يذكر النجاح، ولكن قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٦] دل على أنها جواب شرط لفعل شرط محذوف.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:١٧] والآية في معناها العام تهدف إلى بيان أن الله جل وعلا وحده من يحفظ، ووحده من يكلأ عباده، ووحده من ينصر، ووحده من يعصم، لا رب غيره، ولا إله سواه.
стр. 726
تفسير قوله تعالى: (قد يعلم المعوقين وكان ذلك على الله يسيرا)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨].
والبأس: الحرب والقتال، (قد يعلم الله) قد هنا ليست للتقليل وإنما للتحقيق، (قد يعلم الله المعوقين) المعوقين: اسم فاعل من عوق، والتشديد في عوق يراد به التكفير، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ [يوسف:٢٣] أي: أحكمت غلقها.
وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب:١٨] أي: يكثرون من تثبيطكم، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب:١٨] اتفقنا على أن هناك أقواماً يثبطون غيرهم عن الجهاد في سبيل الله كما في معركة الأحزاب على وجه الخصوص، السؤال هنا: من القائل ومن المقول له؟ أكثر أهل العلم على أنهم طائفة من المنافقين تقول لبعض مرضى القلوب، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم.
وقال آخرون: إن القائلين هم اليهود لإخوانهم من أهل النفاق.
لكن نرجح الأول لقرينة هي أن الله قال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨] أي: ممن ينتسبون إلى الإسلام، واليهود لم يكونوا ينتسبون للإسلام.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨] أي: تعالوا إلينا، ثم قال الله: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] لم تكن هناك حرب وقت الخندق، بل كانت المرابطة موجودة على الجهة في الخندق التي تقابل جهة الكفار.
الآن اترك هذا كله جانباً حتى تفهم الآية نفياً وإثباتاً، الله يقول: (لا يأتون البأس) هذا نفي، أي: لا يأتون مواضع القتال، ثم قال: (إلا قليلاً) وهذا إثبات، فاجتمع نفي وإثبات، فلا بد من تخريجها، الله هنا يصف كيف تعامل المنافقون مع المرابطين حتى انطبق عليهم قول الله: (ولا يأتون البأس إلا قليلاً) أنا إذا ضربت الأمثال أحاول أن أخرج بك عن آيات القرآن، فإذا فهمت المثل خارج القرآن فإنك تستطيع أن تفهمه في القرآن، أنتم ثلة أصدقاء، والصداقة فيها حقوق، هب أن أحدكم يريد أن يتزوج، نفرض أن رجلاً يريد أن يتزوج، فلما أراد أن يتزوج وقعت عليكم مسئولية إعانته في الزواج، أي: الحضور والقيام بالواجب، وهناك من لا يريد أن يفزع لكنه في نفس الوقت يخشى من لوم الآخرين، فهو يريد أن يأتي ولا يريد أن يأتي في آن واحد، نفرض أن الحفل ست ساعات، ففي الساعة الأولى عند استقبال الضيوف وتوزيع المهام يحضر فيراه والد الرجل وأخوه وأصدقاؤه ويرون أن فلاناً أتى، فإذا بدأ العمل انصرف، وذهب يقضي مصالحه، فإذا جاء وقت تقديم الضيافة للناس جاء ووقف ليراه كل الحضور، فالناس يمشون ويقولون: ما أعجب صداقة فلان كان واقفاً مع صديقه وقت فرحه، وهو لم يفعل شيئاً، ثم إذا جاء الناس يغادرون جاء، فلو حسبت مدة لبثه لم تتجاوز الدقائق، فهو في الحقيقة لم يأت ولم يقدم أي خدمة، لكنه أقنع الناس بأنه أتى.
تعال لهؤلاء المنافقين، هذا الخندق احتاج النبي ﷺ زمناً حتى يحفره، واحتاج إلى أقوام يرابطون على الثغور ليرون هل هناك أحد من أهل الإشراك تجاوز الخندق ووصل إلى المؤمنين؟ هل هناك فجوة أو حفرة أو ردم انهار أو يحتاج إلى زيادة حفر؟ مسألة تحتاج إلى مرابطة، فإذا علم أن هناك اجتماعاً عقده النبي ﷺ جاءوا، فيراهم الناس، فإذا بدأ العمل تواروا ورجعوا إلى بيوتهم، فإذا علموا أنه بعد يومين أو ثلاثة يقيم النبي ﷺ شيئاً من وليمة أو طعام أو ما أشبه ذلك حتى يخفف عن أصحابه جاءوا، هذا صنيعهم مع رسول الله ﷺ .
ولهذا قال الله: (ولا يأتون البأس إلا قليلاً) قلة حضورهم تعني قطعاً: أنهم لا يريدون أن ينصروا الله ورسوله، لكنهم خافوا من الملامة وأن يورثهم النبي ﷺ عقاباً، فلجئوا إلى التحايل في تعاملهم مع نبي الإسلام ﷺ .
المؤمن إذا فقه كيف يفهم القرآن وطبقه على واقعه وقاس الأشباه والنظائر يكون أقدر من غيره على أن يوصل مقصود مراد الله إلى غيره من الناس، قال الله: (ولا يأتون البأس إلا قليلاً أشحة عليكم) الشح: البخل بما في الوسع مما ينفع الناس، شيء تملكه بوسعك أن تعطيه غيرك فينفعه، فإذا ضننت به على غيرك فهذا هو الشح.
الله جل وعلا يقول: (أشحة عليكم) هؤلاء المنافقون بخلوا بجهدهم وبقوتهم البدنية بمالهم بحضورهم على النبي ﷺ وأصحابه، وهذا قول الجمهور.
وآخرون من العلماء -وهذا قال به الزمخشري - وله في الشعر العربي ما يؤيده، لكن الآية كلها لا تساعده، قال: معنى (أشحة عليكم) أي: أنهم يظهرون أنهم شحيحون عليكم بمعنى: حريصون عليكم، يريدون منكم بقولهم: عودوا إلى المدينة أن يحافظوا على أرواحكم.
فالآية في قوله ﵎: (أشحة عليكم) تحتمل المعنيين، لكن الجمهور على ما حررناه أولاً.
قال الله جل وعلا: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: مظنة الخوف وهو القتال، ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩].
العرب دائماً تقول القول بالدوران في الشيء المخيف، كما عبر عنه عنترة في شعره، فإذا ذهب الخوف (سلقوكم) هنا معنى (سلقوكم) أي: تجرءوا عليكم، وإلا السليقة تطلق على عدة أمور: فتطلق على الأرض المطمئنة، وعلى الفطرة، وهنا على الجرأة في الخطاب، قال: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩]، فأحبط الله أعمالهم؛ لأنهم منافقون، لكن قال الله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩] (ذلك) عائدة على ماذا؟ تحتمل معنيين: قال: (كان ذلك على الله يسيراً) أي: إحباط الله لأعمالهم يسير هين عليه، وهذا أوجه وأرجح، فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك الإحباط على الله يسيراً، هذا الأول.
الأمر الثاني: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩] أي: عدم إيمانهم أمر هين على الله، لا يعبأ الله به؛ لأن الله لا تضره معصية عاص، ولا تنفعه طاعة طائع.
يتحرر من هذا أن الآية والآيات ما زالت تتحدث عن حال المنافقين يوم الأحزاب، وهي حال أنبأت عما يبطنونه من الكفر، وعما جبلوا عليه من الجبن والهلع، وعدم نصرة النبي ﷺ ، بعد ذلك بآية أو آيتين يأتي بيان موقف أهل الإيمان الذي قال الله فيه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
هذا ما تحرر إيراده، وتيسر إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 727
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأحزاب [٦]
لما ذكر الله تعالى حال المنافقين والكفار في غزوة الأحزاب ذكر حال المؤمنين الأخيار، وكيف أنهم رضوا بالله رباً، واكتفوا به نصيراً، وازدادوا مع إيمانهم إيماناً، وصدقوا الله ورسوله يقيناً واعتماداً، وصبروا ورابطوا، فنصروا واستبشروا، ومن النار نجوا، ومن الجنة اقتربوا، وأولئك هم المؤمنون حقاً، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، فالمقصد واحد، والغاية أسمى، والله ولي المؤمنين.
стр. 728
تفسير قوله تعالى: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وذكر الله كثيراً)
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: فما زلنا نتفيأ الآيات المباركات من سورة الأحزاب، وكنا قد انتهينا في الحديث عن حال المنافقين في تلك المعركة التي جعلها الله ﵎ ابتلاءً لعباده المتقين، وانتهينا إلى قول ربنا جل وعلا: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٠].
قوله: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) أي: ما زال أولئك المنافقون على ما في قلوبهم من هلع، وعلى ما في أنفسهم من جزع يظنون أن الأحزاب لم يذهبوا لما رأوه وعاينوه من عظم البلاء وشدة الخطب، ثم قال الله: (وإن يأت الأحزاب) إن هنا: شرطية، (ويأتي) فعل الشرط، وفعل الشرط -أيها المبارك- إذا جاء بعد أداة شرط جازمة يجزم، ثم إن جزمه أو علامة جزمه تكون بحسب حاله، فإذا كان معتل الآخر كما هو الحال هنا، فإن حرف العلة يحذف.
قال الله: (وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب) من يسكن الأعراب أصالةً أو البادية أصالةً يسمى: أعرابياً، ومن يتردد عليها ولا يسكنها بالأصالة يسمى: بادياً.
فهؤلاء لفرط جزعهم يتمنون ويودون وفق تعبير القرآن، لو أنهم بادون في الأعراب، (يسألون عن أنبائكم) أنباء المؤمنين؛ لأنهم يبغضون الدين وأهله فيتساءلون قائلين: أهلك محمد وأصحابه؟ أي: انتصر أبو سفيان وأحزابه، هذا تساؤلهم، ثم قال الله: (ولو كانوا فيكم) لو قدر وفرضنا أنهم كانوا فيكم (ما قاتلوا إلا قليلاً) فعبر الله جل وعلا بنفي القتل وأثبته بعد الاستثناء بقوله: (قليلاً).
حذاق المفسرين وهذا من الفهم -وهو ما قاله القرطبي في الجامع- فهموا أن كلمة قليلاً: على أن قتالهم شيء يسير كالرمي بالحجارة والنبل وهذا واضح، لكن تدل على شيء آخر خفي؛ ولذلك قلت: إنه من حذاق المفسرين، وهو أن صنيعهم هذا يكون رياءً وسمعة، قالوا: لو لم يكن رياءً أو سمعة لما سماه الله قليلاً؛ لأن القليل إذا كان مقروناً بالإخلاص وابتغاء وجه الله فلا يقال له: قليل؛ فإن العمل يعظم بالنية.
ولا ريب أن القرطبي رحمة الله تعالى عليه على بعض أخطاء وقع فيها في تفسيره، ولا يسلم من ذلك أحد: فإنا لم نوق النقص حتى نطالب بالكمال الآخرين لكنه من حذاق المفسرين حقاً، وله باب عظيم أو قدرة كبيرة في الصناعة الفقهية على وجه الأخص، وهو مالكي المذهب، فوبخ الله صنيع أهل النفاق بأن مدح نبيه ﵊، والنبي ﵊ كان أول المرابطين وأول من وقف يحفر الخندق مع أصحابه، فقال الله جل وعلا لأولئك المنافقين -على فرض أن الآية مخاطب بها أهل النفاق- وآخرون يقولون: إن قول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] مخاطب بها المؤمنون، وأياً كان الأمر فإن الآية تحتمل الاثنين، فيكون الخطاب بالآية للمنافقين من باب التوبيخ، وللمؤمنين من باب الحث والثبات على ما هم فيه، أو على ما هم عليه.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، هنا نأتي إلى مسألة علمية يجب أن تحرر، هل كونه ﷺ أسوة حسنة على باب الإيجاب أم الاستحباب؟ للعلماء فيها ثلاثة أقوال: فقال بعضهم: إنها على سبيل الإيجاب ما لم يدل دليل على الاستحباب، فهؤلاء جعلوا الإيجاب أصلاً.
وقال بعضهم -وهو بدهي-: بل الأصل الاستحباب ما لم يدل دليل على الإيجاب.
والقول الثالث -وهو الذي نختاره والعلم عند الله-: أنها للإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا.
هذا من حيث الأصل ثم ينظر في كل مسألة بحسب قرينتها، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] ولا ريب أن النبي ﷺ أسوة وأي أسوة، وقدوة وأي قدوة، بل لا أسوة بحق غيره ﷺ ؛ لأن العصمة لم تكن إلا له ولإخوانه الأنبياء من قبل، وهو الذي بعث إلينا.
ونلاحظ أن الله جل وعلا عندما ذكر الأنبياء قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] ولم يقل: فبهم اقتده، وهذه مسألة تبحث في علم الرسول، لكني لا أريد أن أوسع شيئاً ليس هذا مقامه.
قال جل وعلا: (لقد كان لكم في رسول الله) أي: كله ﵊ في أمور الدين والدنيا، (لقد كان لكم في رسول الله) ﷺ (أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) ولا يمكن أن يقبل عمل ويرفع إلا إذا كان العبد يرجو به الله واليوم الآخر، (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً).
من حيث الصناعة النحوية -وسندخل كما اتفقنا معكم قبل اللقاء بعض الإعرابات في الدرس حتى يتدرب طالب العلم على ألا يلحن نحوياً- قال الله: ﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] (كان) فعل ماض ناقص، فأما قولنا: إنها فعل فلأنها ليست اسماً ولا حرفاً، وأما عن قولنا: (ماض) فلأنها في الزمن الماضي، وأما قولنا: ناقص فلأنها لا تكتفي بمرفوعها، بل تحتاج إلى اسم وخبر، ولا تحتاج إلى فاعل، فإذا جاءت في حالة تحتاج فيها إلى فاعل سميت تامة.
ونظيره في القرآن قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] هنا تامة، وهذا معنى: فعل ماض ناقص، (لكم) اللام: حرف جر، والكاف: ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور -اللام وما بعدها- خبر لكان مقدم، فكان تحتاج إلى اسم وخبر، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٢١] إلى الآن لم يظهر اسم كان؛ ففي: حرف جر، ورسول: اسم مجرور وهو مضاف، ولفظ الجلالة: مضاف إليه متعلق بما بعده.
كلمة (أسوة) هي: اسم كان، وأصل الكلام: لقد كان أسوة حسنة لكم، لقد كان أسوة حسنة في رسول الله لكم، فأسوة: اسم كان مرفوع وعلامة رفعه الضمة، أما (حسنة) فجاءت مرفوعة مثل (أسوة) فدل على أنها من التوابع، فهي صفة.
والتابع يأخذ حكم المتبوع في الإعراب، فالصفة تأخذ حكم الموصوف، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، والمعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه.
هذه صناعة نحوية أطنبت فيها قليلاً وقلت: هذا من باب التغيير في الدرس.
стр. 729
تفسير قوله تعالى: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب إلى قوله: وما بدلوا تبديلاً)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
من حيث الصناعة العقدية: هذه من أعظم الأدلة لمذهب أهل السنة -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- على أن الإيمان يزيد وينقص، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ لأن الله قال: (وما زادهم إلا إيماناً) وليس بعد كلام الله كلام، فأثبت الله جل وعلا بمقتضى هذه الآية لنا: أن الإيمان يزيد وينقص، وهناك آيات أخر بنفس السياق، لكن نحن الآن في الآية التي بين أيدينا.
وهنا
السؤال
الله يقول: ولما رأى المؤمنون الأحزاب، أما معنى: رأى المؤمنون الأحزاب هذه ظاهرة، فقد رأى المؤمنون الأحزاب بأعينهم، لكن قوله: (هذا ما وعدنا الله ورسوله) ما الذي وعدهم الله ورسوله؟ للعلماء -أيها المبارك- فيها قولان: قول يقول: إن المقصود بالآية: أن هذه الأحزاب ابتلاء من الله، فهذا وعد الله وهذا يردهم إلى القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]؛ لأن نهاية البقرة من أوائل ما أنزل، فيصبح المعنى: أن هؤلاء المؤمنين لما رأوا الأحزاب تذكروا الابتلاءات التي أخبر الله بها، فقالوا: هذا الذي نراه الآن مما وعدنا الله به ورسوله، هذا قول.
وآخرون قالوا: إن المقصود بقول الله جل وعلا: (لما رأى المؤمنون الأحزاب هذا ما وعدنا الله ورسوله) على ما قلنا في اللقاء الماضي: أن النبي ﷺ وعدهم في معركة الخندق وهو يحفر: أنه ستفتح لهم فارس والروم وأبواب صنعاء.
والآية تحتمل المعنيين ولا يوجد تعارض بينهما، قالوا: وهذا ما وعدنا الله ورسوله، (وصدق الله ورسوله)، وقد بينا فضيلة الصدق في اللقاء الماضي، (وما زادهم) أي: هؤلاء المؤمنين (إلا إيماناً وتسليماً).
ثم قال الله جل وعلا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، من أوائل من يدخل في هذا المدح الرباني والتبشير الإلهي: أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه وأرضاه عم أنس بن مالك، وكان الناس -كما هو الحال في زماننا- أحياناً يسمون أبناءهم بأسماء قراباتهم، فسمي أنس بن مالك باسم عمه، أي: أن مالكاً هذا أراد أن يبر أخاه أنساً فسمى ابنه باسم أخيه.
وأنس بن النضر ﵁ وأرضاه لم يكتب له أن يشهد بدراً، فأخذ يعاتب نفسه ويقول: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ أغيب عنه لئن شهد النبي ﷺ مشهداً آخر ليرين الله ما أفعل، ثم خاف أن يزيد عليها، حتى لا يقع منه ألا يبر ما نطق به، فلما كان يوم أحد قابله سعد بن مالك ﵁ في ساحة المعركة، فقال: واهاً يا أبا عمرو! إلى أين؟ قال: إني أجد ريح الجنة دون أحد، وأحد الجبل الذي كانت في أسفله أو دونه أو بجواره المعركة، فـ أنس ﵁ علم الله منه صدقه، قال: إني أجد ريح الجنة دون أحد، وقد يقولها منافق، ولكن هذا الصحابي الجليل المبارك ﵁ وأرضاه استشهد يوم أحد، ووجد وفيه أكثر من بضع وثمانين جرحاً ما بين ضربة أو طعنة أو رمية، وهذا يدل على أنه أبلى بلاءً شديداً ﵁ وأرضاه.
فمن أوائل من يدخل في هذه الآية المباركة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]: أنس بن النضر ومصعب بن عمير وأجلاء الصحابة ممن استشهد يوم أحد أو بعده أو قبله.
ثم قال الله جل وعلا: (فمنهم) أي: من هؤلاء (الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه من قضى نحبه)، والنحب -أيها المبارك- ما التزم الإنسان الوفاء به، فلما كان النحب ما التزم الإنسان الوفاء به وكان الموت مما لابد منه، سمي من لاقى الموت: قاضياً نحبه.
وعلى ذكر الموت فقد أدركنا أجلاء في المدينة كبار السنة يربون أبناءهم على حقائق ويقينيات منذ الصغر، حتى ينشأ صلباً في وجه ما يعتريه أكثر من غيره، وكانوا يربون أطفالهم على حقيقتين: لا نجاة من الموت، ولا سلامة من الناس.
يقول حسان: وإن امرأً يمسي ويصبح سالماً من الناس إلا ما جنى لسعيد يعني: إذا كان الناس لا يقولون فيك إلا ما هو فيك فأنت تعتبر سعيداً، لكن محال ألا يقول الناس فيك إلا ما هو فيك، بل تجد منهم من يبالغ في مدحك ومن يبالغ في ذمك، وقلما سمعت قولاً صادقاً يحكم فيك بما هو فيك.
قال: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم) ﵃ وأرضاهم (من ينتظر) أي: ما زال على هذا الطريق العظيم من أصحاب محمد ﷺ ، هؤلاء الذين قيل فيهم (ومنهم من ينتظر) يدخل فيهم طلحة بن عبيد الله ﵁ وأرضاه، فإن النبي ﷺ قال عنه يوم أحد: أوجب طلحة، وقيل: إنه ممن قضى نحبه ولكنه كان يمشي على الأرض رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقد أبلى طلحة بلاءً عظيماً يوم أحد في الثبات والدفاع عن رسول الله ﷺ .
ثم قال الله يمدح أولئك الأخيار الذين كانوا شامة في جبين الأيام، وتاجاً في مفرق الأعوام، قال عنهم: (وما بدلوا تبديلاً) وفي هذا تعريض بحال المنافقين، والذين قال الله فيهم كبعض بني حارثة: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب:١٥].
من حيث الصناعة النحوية: (ما): نافية، (وبدلوا) فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، وواو الجماعة هذه ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، و (تبديلاً): مفعول مطلق، وهناك من الفضلاء من ليس بصاحب صنعة نحوية، وهذه الأشياء قد يراها مفاجئة، لكن ثق تماماً أنه مع الدربة ومع الأيام ستصبح جزءاً من شخصيتك، أنت ما هو كيانك الجسدي؟ كيانك الجسدي بناؤه من الغذاء الذي تأكله مع الأيام، ما هو بناءك الثقافي؟ هو العلم الذي تسمعه مع الأيام، فلا يمكن أن تقول: إن الغذاء هذا أو ذاك هو الذي شكل تلك الجزئية من جسدك، لكن مع بعضها البعض، شكلت هذا الجسم المكون بقدر الله.
وكذلك العلم، فما تسمعه يصبح جزءاً من شخصيتك، والذي يتكلم وينطق ويحاضر ويخطب إنما يقول ما استقر في ذهنه من علوم ومعارف سمعها أو وعاها عبر سنين وأيام وشهور، فكلما طال بياته وجمعه للعلم ثبت ورسخ إذا تكلم، أما إذا رأيته طار قبل أن يريش وحاول أن يستوي على سوقه قبل أن يتم تمامه فإنه لن يلبث حتى يسقط عافاني الله وإياكم من السقوط.
стр. 730
تفسير قوله تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم إلى قوله: إن الله كان غفوراً رحيماً)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٣ - ٢٤].
هنا إشكال، وقد قلت في اللقاء الماضي وفي لقاءات سبقت: إن وجود الإشكال دافع للتعلم والبحث.
يقول ربنا وكلنا يعلم ذلك: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، والمنافق كافر، والكافر لا يدخل تحت المشيئة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، إنما المؤمن هو الذي إذا عصى الله دخل تحت مشيئته، لكن المنافق كافر لا يدخل تحت المشيئة.
هذا الأصل يحدث عندك إشكالاً لأن الله قال: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤]، دائماً في المناقشات العلمية حاول أن تستريح، وخذ الأصل المخيف وأبعده من رأسك، فأنت معك أصل قاطع أن المنافق مخلد في النار، إذاً: هذه الآية لا تتحدث عن الآخرة؛ لأن المنافق في الآخرة مخلد في النار، يعني: من لقي الله يوم القيامة وهو منافق فهو في النار، ولا يوجد شيء اسمه مشيئة هنا؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
إذاً: أول طريقة تأخذها في السياق العلمي هنا أن تقول لمن سألك: كيف يقول الله: (ويعذب المنافقين إن شاء)؟ فتقول: هذه الآية لا تتكلم عن الآخرة، بل تتكلم عن الدنيا، وهذا الجواب يريحك كثيراً قبل أن تبحث في المسألة، فهناك درجتان تقابلهما ثمرتان: الدرجة الأولى: النفاق، ويقابلها العذاب.
الدرجة الثانية: التوبة تقابلها الرحمة.
فالذي حصل هنا: أنه اختار إحدى الدرجتين وإحدى الثمرتين، وأخفى إحدى الدرجتين وإحدى الثمرتين، قال الله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، فالعذاب ثمرة ودرجته: الاستدامة في النفاق، فيصبح معنى قول الله تعالى: (ويعذب المنافقين إن شاء) أي: يبقيهم على نفاقهم؛ لأن العذاب ثمرة لدرجة هي الاستدامة على النفاق.
فالله هنا ذكر الثمرة ولم يذكر الدرجة، لكننا فهمنا الدرجة من الثمرة، فهمنا، ثم قال ﷻ : ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤] وهنا لم يذكر الله الثمرة، وذكر الدرجة وهي التوبة من النفاق، والرحمة ثمرتها.
فيصبح معنى الآية إجمالاً: أن الصادقين سيجزيهم الله بصدقهم في الدنيا والآخرة، أما المنافقين فربنا يقول: أنا قادر على أن أبقيهم على نفاقهم فيكونوا أهلاً للعذاب، وقادر على أن أتوب عليهم فيتركوا النفاق فيكونون أهلاً للرحمة.
هذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، ولما كان ربنا غلبت رحمته غضبه لين الآية جل شأنه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤] وفي هذا إقامة حجة عليهم، ودعوتهم إلى التوبة.
стр. 731
تفسير قوله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم وكان الله قوياً عزيزاً)
قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٤ - ٢٥].
هذه الآية لها ارتباط بالسياقات القادمة، لكني أحاول أن أتكلم عنها سريعاً لأجل الوقت، (ورد الله الذين كفروا بغيظهم) (الغيظ): الحنق والغضب، (ورد الله الذين كفروا) يدخل فيها عموم أهل الأحزاب، (بغيظهم لم ينالوا خيراً) أي: لم يحصلوا على ما يبتغونه، (وكفى الله المؤمنين القتال) (كفى) هنا بمعنى: أغنى وأراح، (وكفى الله المؤمنين القتال) لم يكن في يوم الخندق قتال إلا يسير كقتال علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه لـ عمرو بن ود، قال: (وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً) وهذا التذييل مناسب لما قبله، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥].
أما ما بعدها من آيات فهي متصلة المعنى، نتأملها ونفسرها إن شاء الله تعالى في اللقاء القادم، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 732
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأحزاب [٧]
إن قدرة الله على أعدائه، ونصره لأوليائه أمر يجاوز كل الاحتمالات والتصورات، فإنه يعلم جنوده سبحانه إلا هو.
وقد جاء نصره للنبي ﷺ وأصحابه بعد أن ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، وبلغت القلوب منهم الحناجر، وهكذا تأييد الله لأوليائه في كل زمان ومكان.
стр. 733
تفسير قوله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقال الله جل وعلا: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥].
بعد أن سلط الله جل وعلا على أهل الكفر ريحاً وجنوداً لم يرها المؤمنون ولا الكافرون، وكفى الله جل وعلا المؤمنين القتال كما عبر القرآن، عاد ﷺ إلى حجراته، فجاءه جبريل وأخبره أن الله يأمره أن يأتي بني قريظة، فبعث النبي ﷺ رهطاً من أصحابه قائلاً لهم: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة).
والمفهوم من هذا بادئ الرأي وأول الأمر وهو الحق، أن هذا البعث كان بعد صلاة الظهر، فبعد الفراغ من صلاة الظهر قال النبي ﷺ لرهط من أصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)، وبنو قريظة كانوا يسكنون في الجنوب الشرقي من المدينة، وهم إحدى قبائل ثلاث من اليهود كانت تسكن المدينة، وهي قبائل بني النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع.
فبنو قريظة كان عليهم سيد يقال له: كعب بن أسد، فحاول حيي بن أخطب أن يقنعه بأن يكون مع الأحزاب، رغم أن كعباً هذا سيد بني قريظة لم يكن موافقاً، وكان يقول لـ حيي: إنك رجل مشئوم، لكن حيياً زين له الأمر، وما زال يفتل له في الذروة والغارب؛ حتى أوقعه فيما أوقعه فيه، فمالت بنو قريظة إلى الأحزاب، وائتمروا على رسول الله ﷺ ، فلما رد الله جل وعلا أهل الكفر، ورد الأحزاب لم يناولوا خيراً -كما عبر القرآن- أمر الله نبيه بوحي جبريل إليه أن يأتي بني قريظة.
стр. 734
تفسير قوله تعالى: (وأنزل الذين ظاهروهم
يقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الأحزاب:٢٦] ومعنى: ﴿ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الأحزاب:٢٦].
أي: ظاهروا الأحزاب، وهم بنو قريظة، وكلمة (أنزل) تدل على إهباط من مكانٍ عالٍ، وكانت لبني قريظة حصون، تحصنوا بها، فالله جل وعلا أنزل أولئك من حصونهم، فقال الله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٦].
و (صياصي) بمعنى: حصون، مفردها صيصة، ويقال لقرني البقر صياصي؛ لأن البقر بقرنيه يدافع عن نفسه.
ثم قال الله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب:٢٦] القذف في اللغة: الإلقاء السريع.
ومما آتى الله النبي ﷺ أنه نصر بالرعب.
ثم قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [الأحزاب:٢٦] أي: من أهل بني قريظة.
﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦]، وذلك أن النبي ﷺ حكم في بني قريظة سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وسعد بن معاذ سيد الأوس، وهو صحابي جليل معروف، ولما مات فرح أهل السماوات بصعود روحه.
قال ابن القيم معلقاً: فإذا كان هذا فرحهم بصعود روح سعد وهو خير من خير الأصحاب، فكيف فرح أهل السماوات بصعود روح رسول الله ﷺ .
فـ سعد ﵁ لما حكم قدم به -وكان مريضاً، أصابه سهم- إلى الأنصار، وفيهم النبي ﷺ وبنو قريظة ينظرون، فقال ﵊ للأنصار: (قوموا لسيدكم) فلما طلب منه أن يحكم وكان رجلاً عاقلاً، مع أنه لم يتجاوز السادسة والثلاثين، أي: أنه كان صغيراً، لكنه كان جسيماً ﵁ وأرضاه، رجلاً طوالاً، فقال: هل ينفذ حكمي على هؤلاء؟ يقصد بني قريظة، قيل له: نعم، فتأدباً مع النبي ﷺ قال: وعلى هؤلاء.
ولم يشر بوجهه إلى النبي ﵊ أدباً.
فقال النبي ﵊: نعم.
ومن هنا يفهم: أنك لا تقبل أن تكون حكماً حتى يرضى بك الطرفان، فإن لم يرض بك الطرفان فلا تقبل أن تحكم أو تقضي، فإن رضيا بك فخذ منهم ميثاقاً على أن يرضوا بحكمك؛ حتى لا يذهب قولك هدراً، وحتى تقيم الحجة عليهم، فلما قيل له ذلك ﵁ وأرضاه، قال: لقد حكمت فيهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم ونساءهم، فقال النبي ﷺ له: (لقد حكمت فيهم بحكم الله يا سعد!) وجاء الحديث بعدة روايات.
والنبي ﵊ لما قبل حكم سعد في بني قريظة، وكان من السبي فتىً لم يبلغ الحلم بعد، يقال له: كعب القرظي، وكعب كبر وأسلم، وجاء بولدٍ اسمه محمد وأصبح اسمه محمد بن كعب القرظي، وهو من أئمة أهل التفسير، وإذا من الله على الإنسان بالاستمرار في هذا الفن من العلوم وهو فن التفسير، فسيمر عليه كثيراً اسم محمد بن كعب القرظي؛ لكونه أحد أئمة التفسير رحمة الله تعالى عليه، رغم أنه من أصل يهودي.
لكن فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
الذي يعنينا هنا قول الله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦] وهذا بناء على حكم سعد.
стр. 735
تفسير قول الله تعالى: (وأورثكم أرضهم)
ثم قال الله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ [الأحزاب:٢٧]، وهذا واضح، فمنازل بني قريظة ومزارعهم بما كان فيها من مواشي من ثاغية وراغية، كانت للنبي ﷺ وأصحابه.
ثم قال الله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧].
أي: وأورثكم أرضاً لم تطئوها.
كلمة (أورثكم) تدل على أنه حصل، وكلمة (لم تطئوها) تدل على أنه لم يحصل بعد، مثل قول الله جل وعلا: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١] ثم قال الله بعده: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] وهذا يدل على أنه لم يأت؛ لأن الأمر إذا أتى وانقضى لا يقال له: فلا تستعجلوه.
فقول الله جل وعلا: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ [الأحزاب:٢٧] وتعقيبه جل شأنه بقوله: ﴿لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧] يدل على أن الأرض لم يحتلها أو لم يملكها المسلمون بعد؛ لأن الله قال: ﴿لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧].
وقد اختلف العلماء فيما هي هذه الأرض، أي: أي أرضٍ عناها الله جل وعلا بقوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧]؟ فقيل: هي مكة، وهذا مروي عن قتادة، وقيل: هي أرض فارس والروم، وقيل: هي كل أرض فتحها المسلمون إلى يوم القيامة، وهذا قول عكرمة واختاره أبو حيان، فهذه ثلاثة أقوال، والذي يترجح عندي هو القول الرابع ولم أقله، وهو أنها أرض خيبر؛ لقرينتين: القرينة الأولى: لقرب معركة خيبر من معركة الخندق زمناً، وهذه القرينة ليست هي القرينة القوية.
القرينة الثانية والأقوى: أن الله يتحدث عن أرضٍ كان يسكنها اليهود، وخيبر أرض كان يسكنها اليهود.
فهذا الذي جعلنا نرجح -والعلم عند الله- أن المقصود بقول الله جل شأنه: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧] أرض خيبر، وقد حكيت لك أقوال أهل العلم ﵏.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٧] إلى هنا انتهى الحديث عن سياق معركة الأحزاب.
وأفاء الله جل وعلا على نبيه ﷺ من بني قريظة الشيء الكثير، ومن هنا فهم بعض أجلاء أهل التفسير أن أمهات المؤمنين لما رأين النبي ﵊ قد أفاء الله جل وعلا عليه ما أفاء من بني قريظة، أصبحن يسألنه النفقة والتوسع فيها بكثرة.
فجاء في الصحيح أن أبا بكر استأذن فلم يؤذن له، واستأذن عمر فلم يؤذن له، ثم أذن لهما، وكان النبي ﷺ حينها صامتاً، فأراد عمر أن يدخل السرور على رسول الله ﷺ ، وقال: (لأضحكن رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله! لو رأيت ابنة خارجة -يقصد زوجته- وهي تسألني النفقة فوجأت عنقها، فضحك ﷺ ، فقال: هن حولي -أي: نساؤه- يسألنني النفقة)، فاعتزلهن النبي ﷺ في مشربة له شهراً، وكان ذاك الشهر تسعة وعشرين يوماً.
стр. 736
تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك)
ثم أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩] وهذه الآيات تسمى آيات التخيير.
وقول الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] تسمى آية الكرسي.
وقول الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] تسمى آية المجادلة.
وقول الله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] تسمى آية المباهلة.
وقول الله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] تسمى آية السيف.
وقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة:٢٨٢] تسمى آية المداينة، أو آية الدين.
فهذه الآيات تسمى آيات التخيير، وهي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨].
النبي ﷺ من كمال بشريته أنه شخص واضح جداً في حياته، فقد اختار ﵊ أن يعيش مسكيناً، وأن يكون عبداً، ولم يختر أن يعيش نبياً ملكاً، فهنا لم يجبر نساءه على حياته، وإنما عمد بأمر له إلى التخيير، وكلما كان الإنسان واضحاً مع الناس كان أقدر على أن يسير معهم، ولا ينبغي أن يلوم أحدٌ أحداً على وضوحه.
فبدأ النبي ﷺ في التخيير بـ عائشة، فقال: (يا عائشة! إني سأعرض عليك أمراً فلا تعجلي علي حتى تستأمري أبويك، فقالت: يا رسول الله! أفيك أستأمر أبوي)، ثم أخبرها، فاختارت ﵂ وأرضاها البقاء معه ﷺ ، على الحال التي هو فيها، واختارها لأن يعيشها ﵊.
قال بعض العلماء: لماذا طلب النبي ﷺ من عائشة أن تستأمر أبويها مع أن الأصل في مثل هذه المسائل أن ليس للأبوين فيها علاقة؟ قالوا: وهي لطيفة جيدة: إن النبي ﵊ كان يحب عائشة، فخاف أن يغلب عليها فرط الشباب، فتختار الاختيار الثاني، فأرشدها إلى أن تستأمر أبويها لعلمه أن أبويها سيرشدانها إلى أن تبقى مع النبي ﷺ ، لكن الصديقة بنت الصديق ﵂ وأرضاها لم تحتج إلى أن تستأمر أبويها، وكانت تحب رسول الله ﷺ حباً عظيماً؛ فلم تستأمرهما، وإنما أجابت سريعاً، وهي ذكية من أذكى النساء، فقالت: (يا رسول الله! -والمرأة تبقى امرأة ولو كانت أم المؤمنين- لا تخبر زوجاتك بما أنا أجبتك)، يعني: لا تقل لهن: إنني خيرت عائشة وبدأت بها فاختارتني، فربما هي تريد أن تقل النساء مع النبي ﷺ ، حتى تحضى لوحدها به ﷺ ، فقال ﷺ : (إن الله لم يبعثني متعنتاً ولا معنتاً، وإنما بعثني معلماً ميسراً، فمن سألتني عنك أخبرتها)، وهذا جواب في منتهى البلاغة والأدب، وحسبك أن ترى محاضرة ما بين خير الخلق وسيد الأمة وإمام الملة ﷺ وامرأة في مقام عائشة، فتخرج بفوائد لا حصر لها، لا يكذب أحدهما، وإنما كلاً منهما بأدب جم وعبارة ذكية، ولطف في الخطاب يصل إلى مراده.
فخير النبي ﷺ نساءه فاخترن جميعاً البقاء معه، والسؤال هنا تأريخياً: من هن المخيرات؟ أولاً: كم كان عددهن؟
الجواب
تسع: خمس قرشيات، وأربع غير قرشيات.
الآن ندخل في سياحة تأريخية، أولى القرشيات عائشة، وأبوها أبو بكر من بني تيم، رغم أن بني تيم لم يكن لهم صيت في قريش.
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود لكن أخرج الله منهم هذا الصديق، فوزن الأمة كلها، لا قريش وحدها ﵁ وأرضاه.
إذاً: فـ عائشة قرشية من بني تيم؛ لأن المرأة تنسب لأبيها، وأبوها ﵁ من بني تيم.
القرشية الثانية: حفصة بنت عمر، وعمر من بني عدي.
القرشية الثالثة: رملة، أم حبيبة بنت أبي سفيان، وهذه قرشية من بني أمية.
القرشية الرابعة: أم سلمة من بني مخزوم، واسمها هند، ﵂ وأرضاها، وبنو مخزومٍ من قريش، ومن مشاهيرهم: الوليد بن المغيرة، وخالد بن الوليد، وأبو جهل، فهؤلاء أربع قرشيات، والخامسة سنؤخر ذكرها.
نأتي لغير القرشيات، الأولى: جويرية بنت الحارث، فهذه خزاعية من بني المصطلق.
والثانية: ميمونة بنت الحارث، وهي هلالية من بني هلال، وليست من قريش.
والثالثة: صفية بنت حيي لها نسبان، فهي صفية بنت حيي بن أخطب النغيرية الهارونية، تنسب إلى هارون بن عمران، لأن النبي ﷺ قال: (إنك ابنة هارون)، فهي نغيرية هارونية.
فالآن مضى معنا من غير القرشيات: جويرية، وميمونة، وصفية.
والرابعة: زينب بنت جحش، وهي غير قرشية بل أسدية.
دخل النبي ﷺ على إحدى عشرة امرأة، اثنتان ماتتا في حياته، وهما خديجة وزينب بنت خزيمة الهلالية، ومكث مع الأخيرة ثمانية أشهر، فالباقي تسع، وهن اللاتي خيرن، واللاتي توفي النبي ﷺ عنهن.
أما الخامسة من القرشيات فهي سودة بنت زمعة ﵂، وهي عامرية قرشية وقد أخرنا الكلام عنها حتى نتفرغ للحديث عنها.
فـ سودة ﵂ كانت بدينة جداً، وهي التي تنازلت عن ليلتها لـ عائشة، فلما أنزل الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] بعد وفاة النبي ﷺ لم تخرج، لا لمسجد، ولا لحج، ولا لعمرة، وإنما من بيتها إلى قبرها في خلافة عمر، فلما سئلت كانت تقول رضي الله تعالى عنها وأرضاها: إنا أمرنا بأن نقر في بيوتنا، قال الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
إذاً: فهؤلاء اللاتي خيرن من نساء النبي ﷺ التسع، وقلنا: إن زينب بنت خزيمة لم تلحق التخيير؛ لأن النبي ﷺ لم يمكث معها إلا ثمانية أشهر، وخديجة من أول نسائه موتاً ﵂ وأرضاها.
стр. 737
إعراب قوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك)
أما من حيث إعراب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب:٢٨].
فالحياة إعرابها مفعول به للفعل تردن، والدنيا صفة للحياة.
قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨]؛ جزم الفعل في قوله تعالى: ((أُمَتِّعْكُنَّ))؛ لأن قبله (فتعالين) وهو فعل أمر، فأمتعكن جزمت؛ لأنها وقعت في جواب الطلب، أي: الأمر، والفعل من أحوال جزمه أن يقع في جواب الطلب، أو في جواب الأمر؛ لذلك جزم: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨].
و (سراحاً) مفعول مطلق للفعل أسرح، و (جميلاً) صفة لسراح، فإذا جاء المفعول المطلق بعده صفة فيصبح هذا من المفعول المطلق مبين للنوع؛ لأن المفعول المطلق له ثلاثة أحوال، إما أن يأتي مؤكداً أو مبيناً للعدد، أو مبيناً للنوع، فالمؤكد مثل: أسرحكن سراحاً، فيصبح تأكيداً، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فتكليماً: مفعول مطلق مؤكد للفعل كلم.
أما إذا قلت لأخيك: ضربتك ضربتين، فهذا مفعول مطلق مبين للعدد، وأما في قول الله جل وعلا الذي بين أيدينا: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨] فجميلاً كما قلنا: إنها صفة لسراح، لكن أصبح المفعول المطلق مبيناً للنوع.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، والعلم عند الله.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 738
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [١٤ - ١٧]
يذكر الله تعالى في سورة الأنعام بعض صفات كماله ونعوت جلاله، ومن جملة ذلك أنه المتفرد بخلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، وأنه غني منزه عما يقوم بالمخلوقات من الحاجة إلى الطعام، بل هو رازقهم والمنعم عليهم به، ولذلك أمر نبيه بإعلان اتخاذه تعالى ولياً دون غيره، والبراءة من الشرك به، وبين تعالى أن من عصاه في ذلك وغيره، فقد أعد له العذاب الأليم الذي لا فوز أعظم من النجاة.
стр. 739
تفسير قوله تعالى: (قل أغير الله أتخذ ولياً)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فما زلنا نتفيأ ظلال سورة الأنعام، وهي السورة التي ذكر المفسرون أنها نزلت جملة واحدة، وانتهينا إلى قول الحق ﵎: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٤ - ١٦].
وقد حررنا أن الآية أصل في التوحيد، وإذا كانت أصلاً في التوحيد فإن الله جل وعلا في تناسب آياتها قال في الآية التي قبلها: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، فهو مالك قادر، وفي ذات الوقت رحيم، وهذا يجعل العبد لا يتخذ ولياً غير الله، فبين الله جل وعلا أولاً ما له من صفات الكمال ونعوت الجلال، ثم بعد ذلك بعد أن بين هذا بجلاء وأخبر به خلقه وخوفهم بلقائه قال جل وعلا لنبيه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٤] والهمزة للاستفهام ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام:١٤].
والمرء في حياته وفي مسيرته لا بد له ممن يحفظه ويكلؤه ويرعاه ويهديه ويعينه وينفعه، وهذه كلها منتفية في حق كل أحد إلا في حق الله، فلا يقدر عليها إلا الله، فمن اتخذ ولياً غير الله فلن ينفعه هذا الذي اتخذه مثقال حبة من خردل.
فبعد أن بين الله جل وعلا ما له ﵎ من نعوت الجمال وكمال الجلال قال لنبيه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام:١٤] وهذا استفهام إنكاري على صنيعهم، فهو ﷺ لا يمكنه أن يقبل بولي غير الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ﴾ [الأنعام:١٤] وكلمة (فاطر) مأخوذة من الفعل (فطر)، وهي اسم فاعل، فهو جل وعلا فاطر السماوات والأرض، أي: خلقهما على غير مثال سبق، وقد جرت عادة المفسرين إذا أتوا ليفسروا قول الله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] أن يذكروا خبر ابن عباس أن رجلين اختصما عنده في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، ففهم ابن عباس أن مراده أنني أوجدتها وأنه ليس أحد سبقني إليها، فعرف تفسير الآية، وهذا يدل على أن كلمة (فطر) لم تكن شائعة ذائعة في العرب؛ لأنها لو كانت شائعة ذائعة في العرب لما خفيت على الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويظهر أنها كانت مستخدمة في بعض البوادي، ولهذا فقه ابن عباس من خبر أولئك الخصمين.
стр. 740
الفرح بولاية الله تعالى
فهنا يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام:١٤] وهذا استفهام إنكاري شديد ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤] ولا ريب في أن الإنسان يجب عليه أن يسلم قلبه لله ويفرح كل الفرح بولاية الله له، وقد جاء في دعاء الصالحين الذي علمه النبي ﷺ الحسن بن علي: (اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت).
ونقف هنا قليلاً في شأن الحسن بن علي ﵁، فـ الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ ، وليس للرسول ﷺ إلا سبطان: الحسن والحسين، وكان له سبط آخر مات، وهو محسن.
والسبط ابن البنت، والحفيد ابن الابن، فابن الابن يسمى حفيداً، وابن البنت يسمى سبطاً.
والانتساب إلى آل بيته ﷺ واسع فكل بني هاشم من آل بيته، ولكن الانتساب إليه ﷺ لا يمكن أن يكون إلا عن طريق الحسن أو الحسين، وقد كانا من فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، والحسن هو الذي علمه النبي ﷺ دعاء القنوت فإذا تتبعت سيرته ستجد منها ما يلي: أولاً: أن النبي كان ينشئه على قيام الليل؛ لأن الحسن عندما مات النبي ﷺ كان صغيراً جداً لم يتجاوز تسع سنين، فمعنى ذلك أن النبي ﷺ علمه القنوت وقيام الليل مبكراً؛ لأن علياً ﵁ ما تزوج فاطمة إلا بعد بدر، وبدر في السنة الثانية، ثم جاءت بـ الحسن، فلو فرضنا أنها جاءت بـ الحسن في آخر السنة الثانية، فسيكون عمر الحسن عندما مات النبي ﷺ لا يتجاوز ثمان أو تسع سنين، وهو أحد خمسة يشبهون النبي ﷺ في هيئته، وهم الحسن بن علي، وقثم بن العباس، وفضل بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاع، وجعفر بن أبي طالب، فهؤلاء الخمسة كانوا يشبهون النبي ﷺ في هيئته الخَلْقية صلوات الله وسلامه عليه.
والحسن أمه فاطمة، ويجري الخلاف بين العلماء فيمن هي أفضل نساء العالمين، والمسألة فيها أربعة أقوال مشهورة: قول بأنها فاطمة، وقول بأنها خديجة، وقول بأنها عائشة، وقول بالتوقف، والذي يترجح عندنا -والعلم عند الله- أنها فاطمة، وأسباب الترجيح ثلاثة: أولها: قوله ﷺ لها: (أنت سيدة نساء أهل الجنة).
الثاني: أنه جرى تحرير الحديث النبوي في قضية المصائب أن الإنسان إذا فقد أحداً كان المفقود في ميزان من فقده، فإذا كان هناك ابن وأب وكان الأب رجلاً صالحاً فمات، فصبر الابن واحتسبه، كان الأب في ميزان الابن، ولو فرضنا أن الابن مات قبل أبيه كان الابن في ميزان أبيه، فـ عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان له ابن يقال له عبد الملك، وكان أشد صلاحاً من أبيه وأعظم تقىً وورعاً، وهو الذي طالب أباه في أول أيام الخلافة بأن يرد المظالم، فقال له عمر: إن قومك بنوا هذه المظالم عقدة عقدة، ولا يمكن حلها إلا بفكها عقدة عقدة.
والشاهد أن عبد الملك في حياة أبيه عمر بن عبد العزيز، فلما وصل إلى قبره ودفنه قال: الحمد الله الذي جعلك في ميزاني ولم يجعلني في ميزانك؛ لأن الميزان ثقيل باعتبار ظاهره.
فهذا الأمر إذا قسناه على فاطمة، فإن جميع أبناء وبنات النبي ﷺ ماتوا قبله، فكل أبنائه وبناته ﵊ في ميزانه، أما فاطمة فالنبي ﷺ في ميزانها، فإن قال لك قائل: إن النبي في ميزاننا جميعاً فقل: نعم، هذا حق، ولكنه في ميزاننا لأننا من أمته، وفي ميزان الصحابة لأنهم من أمته وأصحابه، وفي ميزان أمهات المؤمنين لأنهن من أمته وزوجاته، وفي ميزان فاطمة أشد، لأنه نبيها، وفي المقام الأول هو أبوها صلوات الله وسلامه عليه، فهذا السبب الثاني.
السب الثالث: أن النبي ﷺ قال: (إن فاطمة بضعة مني) ولهذا ذهب بعض المحدثين غير المشهورين في زمن ابن عباس إلى أن هذا وحده كافٍ في ترجيح فضل فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد تنبه الذهبي إلى هذه المسألة لما تكلم على فاطمة ﵂ في كتابه الشهير (الأعلام) فقال: هي الجهة المصطفوية والبضعة النبوية.
والذي يعنينا أن الحسن بن علي علمه النبي ﷺ دعاء القنوت وفيه طلب الولاية.
следующие страницы →