[قد يكون المعلقُ صحيحاً]:
وقد يُحْكَمُ بصحته إنْ عُرِفَ، بأنْ يجيءَ مُسَمّىً مِن وجهٍ آخر.
فإنْ قال: جميعُ مَن أَحْذِفُهُ ثِقَاتٌ، جاءت مَسْأَلَةُ التعديل على الإبهام (١)، والجمهور: لا يُقْبَلُ حتى يُسَمَّى (٢).
لكن، قال ابنُ الصلاح (٣) هنا: إنْ وقَعَ الحذف في كتابٍ اُلْتُزِمَتْ صِحَّتُه، كالبُخَارِيّ، فما أتَى فيه بالجزْم دلَّ على أنه ثَبتَ إسنادُه عنده، وإنما حُذِفَ لغرضٍ مِن الأغراض، وما أَتى فيه بغير الجزم ففيه مقال (٤). وقد أوضَحْتُ
стр. 107
أمثلةَ ذلك في "النُّكَتِ على ابن الصلاح" (١)(٢).
[المُرْسَل ومثاله]
والثاني: وهو ما سقَط مِن آخره مَنْ بَعدَ التابعي (٣)، هو "المرسل".
وصورتُهُ: أن يقول التابعي -سواءٌ كان كبيراً أم صغيراً (٤)(٥) -: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، ونحو ذلك.
وإنما ذُكِرَ في قِسْم المردود للجهل بحالِ المحذوفِ؛ لأنه يُحتمل أن يكون
стр. 108
صحابياً، ويُحتمل أن يكون تابعياً.
وعلى الثاني يُحتمل أن يكون ضعيفاً، ويُحتمل أن يكون ثقةً، وعلى الثاني (١) يُحتمل أن يكون حَمَل عن صحابي، ويُحتمل أن يكون حَمَل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمالُ السابقُ، ويَتعدد. أمّا بالتجويز العقليّ فإلى ما لا نهاية له، وأمّا بالاستقراء فإلى ستةٍ أو سبعةٍ، وهو أكثرُ ما وُجِدَ مِن روايةِ بعضِ التابعين عن بعض.
[حكم المرسل]:
فإنْ عُرِفَ مِن عادةِ التابعي أنه لا يُرْسِل إلا عن ثقةٍ، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف؛ لبقاء الاحتمال، وهو أحَدُ قَوْلَي أحمد، وثانيهما- وهو قول [١٢/ ب] المالكيِّين والكوفيين-: يُقْبَلُ مطلقاً، وقال الشافعي (٢): يُقْبَلُ إنْ اعْتَضَد بمجيئه مِن وجهٍ آخرَ يُبايِنُ الطريقَ الأُولى (٣)، مسنَداً أو مرسَلاً، لِيَرْجَحَ احتمالُ كونِ المحذوفِ ثقةً في نفسِ الأمر.
ونَقل أبو بكر الرازي (٤) مِن الحنفية، وأبو الوليد الباجي (٥) مِن المالكية: أنّ الراوي إذا كان يُرْسِل عن الثقات وغيرهم لا يُقْبَلُ مُرْسَلُه اتّفاقاً.
стр. 109
والقِسْمُ الثالث من أقسام السَّقط مِن الإسناد:
[المعضل]
إن كان باثنين فصاعداً، مع التوالي، فهو "المُعْضَل".
[المنقطع]
وإلا، فإنْ كان الساقط (١) باثنين (٢) غير متواليين، في موضعين مثلاً، فهو المنقطع، وكذا إنْ سَقَط واحدٌ، فقط، أو أكثر مِن اثنين، لكن، يُشْتَرَطُ (٣) عدم التوالي.
[أقسام السقط]
ثم إن السَّقْط مِن الإسناد قد:
١ - يكونُ واضحاً يَحْصل الاشتراك في معرفته، ككون الراوي، مثلاً، لم يعاصِرْ مَنْ رَوى عنه.
٢ - أو يكونُ خفيّاً فلا يُدْرِكه إلا الأئمة الْحُذّاقُ المطَّلِعون على طرقِ الحديث وعِلل الأسانيد.
فالأول: وهو الواضح، يُدْرَكُ بعدم التلاقي بين الراوي وشيخِه، بكونه لم يُدْرِكْ عَصْرَه، أو أدركه لكن (٤)، لم يجتمعا، وليست له منه إجازةٌ، ولا وِجَادة.
ومِنْ ثَم، احْتِيْجَ إلى التاريخ؛ لِتَضَمُّنِهِ تحريرَ مواليدِ الرواةِ ووفِياتِهم، وأوقاتِ
стр. 110
طلبهم وارتحالهم.
وقد افْتَضَح أقوامٌ ادَّعَوْا الرواية عن شيوخٍ ظهرَ بالتاريخ كذِبُ دعواهم (١).
[المُدَلَّس]
والقِسْم الثاني: وهو الخفي: الْمُدَلَّس -بفتح اللام- سُمِّيَ بذلك لكون الراوي لم يُسَمِّ مَنْ حدثه، وأَوْهَمَ سماعَه للحديث ممَّنْ لم يحدِّثْه به.
واشتقاقُه من الدَّلَسِ -بالتحريك-، وهو اختلاط الظلام (٢)، سُمِّيَ بذلك لاشتراكهما في الخَفَاءِ.
ويَرِدُ المُدَلَّسُ بصيغةٍ من صِيَغ الأداء تحتمل وقوع اللُّقيِّ بين المُدلِّس ومَنْ أَسنَد عنه، كـ"عن"، وكذا "قال". ومتى وقع بصيغةٍ صريحةٍ لا تَجَوُّزَ فيها كان كَذِباً.
[حكم رواية المُدَلِّس]:
وحُكم مَنْ ثبت عنه التدليس-إذا كان عَدْلاً-: أن لا يُقْبَلَ منه إلا ما صَرَّح فيه بالتحديث، على الأصح (٣).
[المُرْسَل الخفيّ]
وكذا المرسَلُ الخفي، إذا صَدَرَ من معاصرٍ (٤) لَمْ يَلْقَ مَنْ حدَّث عنه، بل بينه وبينه واسطةٌ.
стр. 111
[الفرق بين المُدَلَّس والمُرْسَل الخفي]
والفرق بين المُدَلَّس والمُرْسَل الخفي دقيقٌ، حَصَل تحريره بما ذُكِر هنا: وهو أن التدليس [١٣/ أ] يَختص بمن روى عمّن عُرِفَ لقاؤه إياه.
فأمّا إن عاصره، ولم يُعْرَفْ أنه لقيه، فهو المُرْسَل الخفي.
ومَنْ أدخل في تعريف التدليس المعاصَرَةَ ولو بغير لُقِيٍّ، لَزِمَهُ دخولُ المرسَل الخفيِّ في تعريفه. والصواب التفرقة بينهما.
ويَدل على أنّ اعتبار اللُّقِيِّ في التدليس -دون المعاصرةِ وحدها- لابد منه: إِطباقُ أهل العلم بالحديث على أنّ روايةَ الْمُخَضْرَمين، كأبي عثمان النَّهْدِي (١)، وقيس بن أبي حازم (٢)، عن النبي ﷺ من قَبِيلِ الإرسال، لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يُكْتَفى به في التدليس لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي ﷺ قطعاً، ولكن لم يُعرَف: هل لَقُوهُ أم لا.
[القائلون باشتراط اللقاء في التدليس]
وممن قال باشتراطِ اللقاء في التدليس: الإمامُ الشافعي، وأبو بكر البزار، وكلامُ الخطيب في "الكفاية" (٣) يقتضيه، وهو الْمُعْتَمَدُ.
ويُعْرَفُ عدمُ الملاقاة بإِخباره عن نفسه بذلك، أو بجزْم إمامٍ مُطَّلِعٍ.
ولا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادةُ راوٍ (٤) بينهما؛ لاحتمال أن
стр. 112
يكون مِن المزيد، ولا يُحْكم في هذه الصورة بحكمٍ كليٍّ، أيْ: جازمٍ؛ لِتَعارُضِ
[المؤلفات في معرفة المرسل والمزيد في متصل الأسانيد] احتمالِ الاتصال والانقطاع.
[المؤلفات في معرفة المرسل والمزيد في متصل الأسانيد]:
وقد صَنَّفَ فيه الخطيب كتابَ "التفصيل لِمُبْهَمِ المراسيل"، وكتابَ "المَزيد في مُتَّصِل الأسانيد".
وانتهت هنا أقسامُ حكمِ الساقطِ من الإسناد.
[الطعن في الراوي وأسبابه]
ثم الطَّعْنُ يكون بِعَشَرَةِ أشياء، بعضُها أشدُّ في القدحِ مِن بعض: خمسةٌ منها تتعلق بالعدالة، وخمسةٌ تتعلق بالضبط.
ولم يَحْصل الاعتناءُ بتمييز أحد القسمين مِن الآخر؛ لمصلحةٍ اقتضتْ ذلك، وهي ترتيبها على الأشدّ فالأشدّ في موجبِ الردِّ على سبيل التّدلِّي؛ لأن الطعن إما أن يكون:
١ - لِكذب الراوي في الحديث النبوي: بأن يروي عنه ﷺ ما لم يَقُلْه، متعمِّداً لذلك.
٢ - أو تُهمتِهِ بذلك: بأن لا يُرْوَى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكونَ مخالفاً للقواعد المعلومة، وكذا مَن عُرِفَ بالكذب في كلامه، وإنْ لم يَظهر منه وقوعُ ذلك في الحديث النبويّ، وهذا دُونَ الأولِ (١).
стр. 113
٣ - أو فُحْشِ غَلَطِهِ، أي: كثرته.
٤ - أو غفلتهِ عن الإِتقان.
٥ - أو فسقِهِ: أي: [١٣/ ب] بالفعل والقول (١)، مما لم يَبْلُغ الكفرَ. وبينه وبين الأوَّلِ عموم، وإنما أُفْرِدَ الأوَّلُ لكون القدْحِ به أشدَّ في هذا الفن، وأما الفسق بالمعتقد فسيأتي بيانه.
٦ - أو وَهْمِهِ: بأن يَرْوِي على سبيل التوهمِ.
٧ - أو مخالفتِهِ، أي للثقات.
٨ - أو جهالتِهِ: بأن لا يُعْرَفَ فيه تعديلٌ ولا تَجْرِيحٌ مُعَيَّنٌ.
٩ - أو بدعتِهِ: وهي اعتقاد ما أُحْدِثَ على خِلاف المعروف عن النبي ﷺ ، لا بمعاندةٍ، بل بنوعِ شُبْهَةٍ.
١٠ - أو سوءِ حفظِهِ: وهي عبارةٌ [عن أن لا يكون] (٢) غلطُهُ أقلَّ من إصابته (٣).
стр. 114
[١ - الموضوع]
فالقسم الأول: -وهو الطعن بكذب الراوي في الحديث النبويّ- هو الموضوع.
والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريقِ الظنِّ الغالبِ، لا بالقطْع (١)؛ إذْ قد يَصْدق الكذوب (٢)، لكنْ، لأهلِ العلم بالحديث ملَكَةٌ قويّةٌ يُمَيِّزون بها ذلك (٣)، وإنما يَقوم بذلك منهم مَن يكون اطِّلاعه تامّاً، وذِهْنه ثاقباً، وفهْمه قويّاً، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكِّنة.
وقد يُعْرَف الوضع بإقرار واضعِهِ، قال ابن دقيق العيد (٤): ((لكن لا يُقْطَع
стр. 115
بذلك، لاحتمال أن يكونَ كَذَب في ذلك الإقرار)) (١)، انتهى. وفَهِم منه بعضُهم أنه لا يُعمل بذلك الإقرار أصلاً، وليس ذلك مُرادَه، وإنما نَفْيُ القطعِ بذلك، ولا يَلزم مِن نَفْيِ القطع نَفْيُ الحكْمِ؛ لأنّ الحكمَ يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك (٢)، ولولا ذلك لما ساغ قَتْلُ الْمُقِرِّ بالقتل، ولا رَجْمُ المعترِفِ بالزنى؛ لاحتمال أن يكونا كاذِبَيْنِ فيما اعترفا به (٣).
ومِن القرائن، التي يُدرَكُ بها الوضعُ، ما يُؤخذُ مِن حال الراوي.
كما وقع للمأمون بن أحمد (٤) أنه ذُكِرَ بحضرته الخلاف في كون الحَسَن (٥) سمع من أبي هريرة أَوْ لا، فساق في الحال إسناداً إلى النبي ﷺ أنه
стр. 116
قال: سَمِعَ الحسنُ مِن أبي هريرة.
وكما وَقَع لغياث بن إبراهيم (١)، حيث دخل على المهدي (٢) فوجده يلعب بالحَمَام؛ فساق في الحال إسناداً إلى النبي ﷺ ، أنه قال: ((لا سَبَق إلا في نَصْلٍ أو خُفٍّ أو حافرٍ أو جَناحٍ))، فزاد في الحديث: "أو جناح"؛ فَعَرف المهديُّ [١٤/ أ] أنه كذَبَ لأجْله فأَمر بذبح الحمام (٣).
ومنها: ما يؤخذ مِن حال المرويّ، كأنْ يكون مناقِضاً لنصِّ القرآن، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعيّ، أو صريحِ العقل؛ حيث لا يَقْبلُ شيءٌ مِن ذلك التأويلَ.
[طرق الوضع]
ثم المرويّ:
١ - تارةً يخترعه الواضع.
٢ - وتارةً يأخذ كلامَ غيره: كبعضِ السلف الصالح، أو قدماء الحكماء، أو الإسرائيليات.
стр. 117
٣ - أو يأخذ حديثاً ضعيفَ الإسنادِ فيركِّبَ له إسناداً صحيحاً لِيَرُوْجَ.
[دوافع الوضع]
والحامل للواضع على الوضع:
١ - إما عدمُ الدِّين كالزنادقة.
٢ - أو غلبةُ الجهل كبعض المتعبِّدين.
٣ - أو فَرْط العصبية، كبعض المقلِّدين.
٤ - أو اتِّباع هوى بعضِ الرؤساءِ.
٥ - أو الإغرابُ لقصْدِ الاشتهارِ.
[حكمُ الوضعِ]:
وكلُّ ذلك حرامٌ بإجماعِ مَنْ يُعْتَدُّ به، إلا أن بعض الكِرَّامية (١)، وبعض المتصوفة نُقِلَ عنهم إباحةُ الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأٌ مِن فاعله، نشأَ عن جهلٍ، لأن الترغيب والترهيب مِن جُمْلة الأحكام الشرعية، واتفقوا على أنّ تعمُّدَ الكذب على النبي ﷺ مِن الكبائر (٢)، وبالغ (٣)
стр. 118
أبو محمد الجويني (١) فكفّر من تعمَّدَ الكذبَ على النبي ﷺ .
[حكمُ رواية الموضوع]
واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقروناً ببيانه؛ لقوله ﷺ : (مَنْ حَدَّثَ عني بحديثٍ يُرَى أنه كذِبٌ فهو أحدُ الكاذِبَين)، أخرجه مسلم (٢).
[٢ - المتروك]
والقسم الثاني من أقسام المردود: -وهو ما يكون بسببِ تُهمة الراوي بالكذب- هو المتروك.
[٣، ٤، ٥ - المُنْكَر
والثالث: الْمُنْكَر (٣) -على رأيِ مَنْ لا يَشترط في المنكَرِ قَيْدَ المخالفة- وكذا الرابع، والخامس، فَمَنْ فَحُشَ غلَطُهُ، أو كَثُرَتْ غَفْلَتُهُ، أو ظَهَرَ فِسْقُهُ، فحديثه منكَرٌ (٤).
стр. 119
[٦ - الوهم]
ثم الوهم: -وهو القِسْم السادس، وإنما أُفْصِحَ به لطول الفصل- إن اطُّلِعَ عليه، أي الوهم، بالقرائن الدالة على وهَم راويه -مِن وصْلِ مرسلٍ أو منقطعٍ أو إِدخالِ حديثٍ في حديثٍ، أو نحو ذلك مِن الأشياء القادحة، وتَحْصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجَمْع الطرق- فهذا هو المعلَّل.
[المعلَّل]
وهو مِن أَغْمضِ أنواعِ علومِ الحديثِ وأدقِّها، ولا يقوم به إلا مَنْ رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً، وحفظاً واسعاً، [١٤/ ب] ومعرفةً تامّة بمراتب الرواة، وملَكَةً قويةً بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يَتكلم فيه إلا القليل مِن أهل هذا الشأن: كعلي ابن المديني، وأحمد بن حنبل، والبُخَارِيّ، ويعقوب بن شيبة (١)، وأبي حاتم، وأبي زُرْعَةَ، والدارقطني.
وقد تَقْصُرُ عبارةُ المعلِّلِ عن إقامةِ الحُجّةِ على دعواه، كالصيرفيّ في نَقْد الدينار والدرهم (٢).
стр. 120
[٧ - المخالفة]
ثم المخالفة، وهي القسم السابع:
[أ- المُدْرج]
إن كانت واقعةً بسببِ:
١ - تَغَيّرِ السياقِ، أَيْ: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مُدْرَجُ الإسناد (١).
[أقسام المدرج باعتبار الإسناد]:
وهو أقسامٌ:
الأول: أن يرويَ جماعةٌ الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ فيَجمع الكل على إسنادٍ واحدٍ مِنْ تلك الأسانيد ولا يُبَيِّن الاختلاف.
الثاني: أن يكونَ المتنُ عند راوٍ إلا طرفاً منه، فإنه عنده بإسنادٍ آخَرَ، فيرويه راوٍ عنه تامّاً بالإسناد الأول.
ومنه: أن يسمعَ الحديثَ مِن شيخه إلا طرفاً، منه فيسمعه عن شيخه بواسطة، فيرويه راوٍ عنه تماماً بحذْفِ الواسطة.
الثالث: أن يكون عند الراوي متْنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيرويهما راوٍ
стр. 121
عنه مقتصراً على أحدِ الإسنادين، أو يروي أحدَ الحديثين بإسناده الخاص به، لكن، يَزيدُ فيه مِن المتن الآخَرِ ما ليس في الأول.
الرابع: أن يسوقَ الإسناد فَيَعْرِض له عارض، فيقولَ كلاماً مِنْ قِبَل نفسه، فَيَظن بعضُ مَن سَمِعه أن ذلك الكلامَ هو متنُ ذلك الإسناد؛ فيرويه عنه كذلك.
هذه أقسام مُدْرَج الإسناد.
[أقسام المدرج باعتبار المتن]:
وأما مُدْرَج المتن: فهو أن يقع في المتن كلامٌ ليس منه. فتارةً يكون في أوّله، وتارةً في أثنائه، وتارةً في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملةٍ على جملة، أو بدمْجِ موقوفٍ مِن كلامِ الصحابة، أو مَنْ بَعْدَهم، بمرفوعٍ مِن كلامِ النبي ﷺ ، مِن غير فصْلٍ، فهذا هو مُدرج المتن.
[ما يُعرفُ به الإدراج]
ويُدْرَكُ الإدراج بِوُرُوْدِ روايةٍ مُفَصِّلَةٍ للقَدْرِ المُدْرَج فيه، أو بالتنصيص على ذلك مِن الراوي، أو مِنْ بعضِ الأئمة المطَّلعين، [١٥/ أ] أو باستحالةِ كون النبي ﷺ يقول ذلك.
[المؤلفات في المدرج]
وقد صَنَّفَ الخطيب في المدْرَج كتاباً، ولَخَّصْتُهُ، وزدتُ عليه قدْرَ ما ذَكَر مرتين، أو أكثر، ولله الحمد (١).
стр. 122
[ب- المقلوب]
٢ - أو إن كانت المخالفةُ بتقديمٍ أو تأخيرٍ -أي في الأسماء- كمُرَّةَ بن كَعْبٍ، وكَعْبِ بن مُرَّة؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخَرِ، فهذا هو المقلوب، وللخطيب فيه كتابُ: "رافع الارتياب" (١). وقد يقع القلب في المتن، أيضاً، كحديث أبي هريرة عند مسلمٍ في السبعة الذين يظلهم الله في عرشِهِ، ففيه: (ورجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقةٍ أَخْفاها حتى لا تَعْلَمَ يمينُهُ ما تُنفِقُ شِمالُهُ) (٢). فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: (حتى لا تَعلم شماله ما تُنْفِق يمينه) (٣)
стр. 123
كما في الصحيحين.
[ج - المزيد في متصل الأسانيد]
٣ - أو إن كانت المخالفة بزيادةِ راوٍ في أثناء الإسناد، ومَن لم يزدها أَتقنُ ممن زادها، فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد.
وشرْطه أن يقع التصريح بالسماع في موضعِ الزيادة (١)، وإلا فمتى كان معنعناً، مثلاً، تَرجَّحتِ الزيادة.
[د- المضطرب]
٤ - أو كانت المخالفة بإبداله، -أَيْ: الراوي-، ولا مرجِّحَ لإحدى (٢) الروايتين على الأُخرى، فهذا هو المُضْطَرِبُ.
وهو يقع في الإسناد غالباً. وقد يقع في المتن.
لكن قَلَّ أنْ يَحْكُمَ المحدِّث على الحديث باضطرابٍ بالنسبة إلى اختلافٍ في المتن دون الإسناد.
وقد يقع الإبدال عَمْداً لمن يراد اختبارُ حفْظِهِ، امتحاناً مِن فاعله، كما وَقَع للبُخَارِيّ (٣)، والعُقَيْلي (٤)، وغيرهما.
стр. 124
وشرْطه: أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة، فلو وَقَعَ الإبدال عَمْداً، لا لمصلحةٍ، بل للإغراب، مثلاً، فهو مِن أقسام الموضوع، ولو وَقَعَ غلَطاً فهو مِن المقلوب، أو الْمُعَلَّلِ.
[هـ - المُصَحَّف]
٥ - أو إن كانت المخالفة بتغيير حرْفٍ، أو حروفٍ، مع بقاءِ صورة الخط في السياق: فإنْ كان ذلك بالنسبة إلى النَقْطِ فَالمُصَحَّفُ.
وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمُحَرَّفُ.
ومعرفةُ هذا النوع مهمّةٌ.
وقد صَنَّفَ فيه العسكريّ (١)، والدارقطنيّ، وغيرهما.
وأكثر ما يقع في المتون، وقد يقع في الأسماء [١٥/ ب] التي في الأسانيد.
ولا يجوز تعمُّد تغييرِ صورةِ المتنِ مطْلقاً، ولا الاختصارُ منه بالنقص، ولا
стр. 125
إبدالُ اللفظ المرادِفِ باللفظِ المرادِفِ له، إلا لعالمٍ بمدلولات الألفاظ، وبما يحيل
المعاني، على الصحيح في المسألتين.
[اختصار الحديث]
أما اختصار الحديث: فالأكثرون على جوازه، بشرطِ أن يكون الذي يَخْتَصِرُهُ عالماً؛ لأن العالم لا يُنْقِص مِن الحديث إلا ما لا تَعَلُّقَ له بما يُبْقيه منه، بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختلُّ البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خَبَرَيْنِ، أو يدل ما ذكَره على ما حذَفه، بخلاف الجاهل فإنه قد يُنْقِص ما له تَعَلُّقٌ، كترْك الاستثناء.
[الرواية بالمعنى]
وأما الرواية بالمعنى (١): فالخلاف فيها شهيرٌ:
١ - والأكثر على الجواز أيضاً، ومِن أقوى حججهم: الإجماع على جواز شرح الشريعة للعَجَمِ بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغةٍ أخرى فجوازه باللغة العربية أَولى.
٢ - وقيل: إنما تجوز في المفردات دون المركَّبات.
٣ - وقيل: إنما تجوز لمن يَسْتَحْضِرُ اللفظَ؛ ليتمكن من التصرف فيه.
٤ - وقيل: إنما تجوز لمن كان يحفظ الحديث فنسي لفظَهُ وبقي معناه مرتسماً في ذهنه، فله أن يَرْوِيَهُ بالمعنى لمصلحةِ تحصيل الحكم منه، بخلافِ مَن كان مستحضراً للفظه.
وجميع ما تقدم يتعلق بالجواز وعدمه، ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه، دون التصرف فيه.
стр. 126
٥ - قال القاضي عياض: ((ينبغي سَدُّ بابِ الرواية بالمعنى؛ لئلاّ يَتَسلَّطَ مَنْ لا يُحْسِنُ، ممن يَظُنّ أنه يُحْسِن، كما وقع لكثيرٍ من الرُوَاةِ، قديماً وحديثاً)) (١). والله الموفق.
[غريب الحديث]
فإنْ خَفِي المعنى، بأن كان اللفظ مستعمَلاً بِقِلَّةٍ، احتيج إلى الكتبِ المصنَّفةِ في شرْح الغريب.
١ - ككتاب أبي عبيد القاسم بن سلاّم (٢)، وهو غير مرتَّبٍ، وقد رتَّبه الشيخ موفق الدين بن قُدَامَة (٣) على الحروف.
٢ - وأجمعُ منه كتاب أبي عبيد الهروي (٤)، وقد اعتنى به الحافظ أبو موسى
стр. 127
المديني (١)، فَنَقَّب عليه واستدرك.
٣ - [١٦/ أ] وللزمخشري (٢) كتاب اسمه "الفائق" حَسَنُ الترتيب.
٤ - ثم جَمَعَ الجميعَ ابنُ الأثير (٣) في "النهاية"، وكتابه أسهلُ الكتب تناولاً، مع إعْوَازٍ قليل فيه.
وإن كان اللفظ مستعمَلاً بكثرةٍ، لكن، في مدلوله دِقَّةٌ، احتيج إلى الكتب المصنَّفة في شرح معاني الأخبار، وبيان المشكل منها (٤).
стр. 128
وقد أَكْثَرَ الأَئِمَّةُ من التصانيف في ذلك، كالطحاوي، والخطابي، وابن عبد البر (١) وغيرهم.
[٨ - الجهالة وسببها]
ثم الجهالة بالراوي: -وهي السبب الثامن في الطعنِ- وسبَبُها أمران:
أحدهما: أن الراوي قد تكثُر نُعُوتُه: مِن اسمٍ، أو كُنيةٍ، أو لَقَبٍ، أو صِفةٍ، أو حِرْفَةٍ، أو نَسَبٍ، فَيُشْتَهَرُ بشيءٍ منها، فُيُذْكَرُ بغير ما اشْتُهِر به، لغرضٍ من الأغراض فَيُظَنُّ أنه آخَرُ، فَيَحْصُل الجهل بحاله (٢).
стр. 129
وصَنّفوا فيه -أي في هذا النوع- "المُوضِّح لأوهام الجمع والتفريق"، أجاد فيه الخطيبُ (١)، وسبقه إليه عبد الغني هو ابن سعيد المصري، وهو الأزدي (٢)، أيضاً، ثم الصوْريّ (٣).
ومن أمثلته: محمد بن السائب بن بِشْرِ الكلْبي (٤)، نَسَبَهُ بعضُهم إلى جده، فقال: محمد بن بشر، وسَمَّاهُ بعضُهم: حمادَ بنَ السائب، وكناه بعضُهم: أبا النضر، وبعضُهم: أبا سعيد، وبعضُهم: أبا هشام؛ فصار يُظَنُّ أنه جماعةٌ، وهو واحد، ومَن لا يَعْرِفُ حقيقةَ الأمر فيه لا يعرف شيئاً من ذلك (٥).
[الوُحْدَان]
والأمر الثاني: أن الراوي قد يكون مُقِلاًّ مِن الحديث؛ فلا يَكْثُرُ الأخذ عنه.
وقد صَنَّفوا فيه الوُحْدان، وهو مَن لم يروِ عنه إلا واحد، ولو سُمِّيَ.
стр. 130
فَمِمَّنْ جَمَعَهُ: مسلمٌ (١)، والحسن بن سفيان (٢)، وغيرهما.
[المُبْهَم]
أوْ لا يُسَمَّى الراوي، اختصاراً مِن الراوي عنه.
كقوله: أخبرني فلانٌ، أو شيخٌ، أو رجلٌ، أو بعضُهم، أو ابن فلانٍ.
ويُستدل على معرفة اسم المُبْهَم بوروده مِن طريقٍ أخرى مسمَّىً.
وصَنَّفوا فيه: المُبْهَمات.
ولا يُقْبَلُ حديث المُبْهَم، ما لم يُسَمَّ، لأن شرط قبول الخبر عدالة رواته، ومَنْ أُبْهِمَ اسْمُه لا يُعرفُ عَيْنهُ؛ فكيف عدالته (٣).
وكذا لا يُقْبَل خبره وَلَو أُبْهِمَ بلفظِ التعديل، كأَنْ يقولَ الراوي [١٦/ ب] عنه: أخبرني الثقة؛ لأنه قد يكون ثقة عنده مجروحاً عند غيره. وهذا على الأصح في المسألة، ولهذه النكتة لم يُقْبَلِ المُرْسَلُ، ولو أرسله العدل جازماً به؛ لهذا الاحتمال بعينه. وقيل: يُقْبَل (٤) تمسكاً بالظاهر؛ إذ الجرح على خلافِ الأصل، وقيل: إن كان القائل عالماً أجزأه ذلك في حق مَن يوافقه في مذهبه، وهذا ليس مِن مباحث علوم الحديث، والله تعالى الموفق.
[مجهول العين]
فإن سُمِّيَ الراوي، وانفرد راوٍ واحدٌ بالرواية عنه، فهو مجهول العين، كالمبهم،
стр. 131
إلا أن يوثقه غير مَن ينفرد به عنه على الأصح، وكذا مَن ينفرد عنه إذا كان
متأهلاً لذلك.
[مجهول الحال]
أو إنْ روى عنه اثنان فصاعداً، ولم يُوَثَّقْ (١) فهو مجهول الحال، وهو المستور.
وقد قَبِلَ رِوَايَتَهُ جَمَاعَةٌ بغيرِ قيدٍ، وردَّها الجمهورُ.
والتحقيقُ: أن روايةَ المستورِ، ونحوِهِ، مما فيه الاحتمال؛ لا يُطْلَقُ القولُ بردِّها، ولا بقبولها، بل يقال: هي موقوفةٌ إلى استبانة حاله، كما جزَم به إمام الحرمين (٢)، ونحوه قول ابن الصلاح (٣) فيمن جُرِحَ بجَرْحٍ غير مُفَسَّر.
[٩ - البدعة ورواية المبتدع]
ثم البدعة (٤): وهي السبب التاسع من أسباب الطعن في الراوي: وهي
стр. 132
١ - إما أن تكون بمكَفِّرٍ:
- كأن يَعتقد ما يَسْتلزم الكفرَ.
٢ - أو بمُفَسِّقٍ.
فالأول: لا يَقْبَلُ صاحِبَهَا الجمهورُ.
وقيل: يُقبل مطلقاً.
وقيل: إن كان لا يَعْتقد حِلَّ الكذب لنصرة مقالته قُبِلَ.
والتحقيقُ: أنه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكَفَّرٍ ببدعة؛ لأن كلَّ طائفةٍ تدّعي أن مخالفيها مبتدعةٌ، وقد تُبالغ فتكفِّر مخالفَها، فلو أُخِذَ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميعِ الطوائفِ.
فالمعتمد أن الذي تُرَدُّ روايته مَن أَنكر أمراً متواتراً مِن الشرع معلوماً مِن الدين بالضرورة، وكذا مَن اعتقدَ عكسَهُ، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضَبْطُهُ لِما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع مِن قبوله.
والثاني: [١٧/ أ] وهو مَنْ لا تقتضي بدعتُهُ التكفيرَ أصلاً، وقد اختُلِف، أيضاً، في قبوله وَرَدِّهِ:
فقيل: يُرَدُّ مطلقاً. وهو بعيد، وأكثر ما عُلِّلَ به أن في الرواية عنه ترويجاً لأمره وتنويهاً بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يُرْوَى عن مبتدعٍ شيءٌ يُشاركه فيه غيرُ مبتدعٍ.
стр. 133
وقيل: يُقْبَل مطلقاً، إِلاَّ إن اعتقد حلَّ الكذب، كما تقدم.
وقيل: يُقْبَلُ مَن لم يكنْ داعيةً إلى بدعته؛ لأن تزيين بدعته قد يَحْمِلُهُ على تحريفِ الرواياتِ وتسويتها على ما يَقْتضيه مذهبُهُ، وهذا في الأصح.
وأغربَ ابنُ حبان (١)؛ فادّعى الاتفاقَ على قبولِ غير الداعية، مِن غيرِ تفصيلٍ.
نعمْ، الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أنْ يَروي ما يُقَوِّي بدعتَهُ فَيُرَدُّ، على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجاني (٢)، شيخ أبي داود والنسائي، في كتابه "معرفة الرجال"، فقال في وصْف الرواة: ((ومنهم زائغٌ عن الحق - أي عن السنة - صادقُ اللهجة؛ فليس فيه حيلةٌ إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكَراً، إذا لم يُقَوِّ به بدعتَه)) انتهى.
وما قاله مُتَّجِهٌ؛ لأن العلةَ التي لها رُدَّ حديثُ الداعية واردةٌ فيما إذا كان ظاهرُ المرويِّ يوافِق مذهبَ المبتدِع، ولو لم يكن داعيةً، والله أعلم (٣).
стр. 134
[١٠ - سوء الحفظ والشاذ والمختلط]
ثم سوءُ الحِفْظ: وهو السببُ العاشر مِن أسباب الطعن، والمراد به: مَنْ لم يَرْجَحْ جانبُ إصابته على جانب خطئه، وهو على قِسْمَين:
١ - إن كان لازماً للراوي في جميع حالاته فهو الشاذُّ، على رأيِ بعض أهل الحديث.
٢ - أو إن كان سوء الحفظ طارئاً على الراوي؛ إما لِكِبَره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه، أو عدَمِها، بأن كان يعتمدها فَرَجَعَ إلى حفظه فساءَ فهذا هو المُخْتَلِطُ.
والحكم فيه: أن ما حَدَّث به قَبْل الاختلاط إذا تَمَيَّز قُبِل (١)، وإذا لم يتميز تُوُقِّفَ فيه، وكذا مِن اشتبه الأمر فيه، وإنما يُعرف ذلك [١٧/ ب] باعتبارِ الآخذين عنه (٢).
[الحسن لغيره]
ومتى تُوبعَ السيءُ الحفظ بمُعْتَبَرٍ (٣): كأَنْ يكونَ فَوْقَهُ، أو مِثلَهُ، لا
стр. 135
دونه (١)، وكذا المختلِط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس إذا لم يُعْرف المحذوف منه (٢) = صار حديثُهم حسناً، لا لذاته، بل وصْفُهُ بذلك باعتبارِ المجموع، مِن المتابِع والمتابَع؛ لأن (٣) كلَّ واحدٍ منهم احتمالُ أن تكون روايته صواباً، أو غير صوابٍ، على حدٍّ سواء، فإذا جاءت من الْمُعْتَبَرِين روايةٌ موافِقةٌ لأحدهم رَجَحَ أحدُ الجانبين من الاحتمالين المذكورين، وَدَلَّ ذلك على أن الحديثَ محفوظٌ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما تَوقَّف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه.
وقد انقضى ما يتعلق بالمتن من حيثُ القبولُ والردُّ.
ثم الإسناد: وهو الطريق الموصِلةُ إلى المتن (٤).
стр. 136
والمتنُ: هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام.
وهو:
[المرفوع تصريحاً أو حكماً]
(١) إما أن ينتهي إلى النبي ﷺ (١) ويقتضي لفظُهُ-:
أ- إما تصريحاً.
ب- أو حكماً-أنّ المنقولَ بذلك الإسنادِ مِن قوله ﷺ ، أو مِن فِعْله، أو مِن تقريره.
مثال المرفوع من القول تصريحاً: أن يقول الصحابي: سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا، أو: حدّثنا رسول الله ﷺ بكذا، أو يقول، هو أو غيره: قال رسول الله ﷺ كذا، أو: عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا، ونحو ذلك.
ومثال المرفوع مِن الفعل تصريحاً: أن يقولَ الصحابي: رأيتُ رسول الله ﷺ فَعَل كذا، أو يقولَ، هو أو غيره: كان رسول الله ﷺ يفعل كذا.
стр. 137
ومثال المرفوع من التقرير تصريحاً: أن يقولَ الصحابي: فعلتُ بحضرة النبي ﷺ كذا، أو يقولَ، هو أو غيره: فَعَل فلان بحضرة النبي ﷺ كذا، ولا يَذْكر إنكاره لذلك.
ومثالُ [١٨/ أ] المرفوع مِن القول، حكماً لا تصريحاً: [أن] (١) يقول الصحابي -الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات- ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلّقٌ ببيان لغةٍ أو شرحِ غريبٍ، كالإِخبار عن الأمور الماضية: مِن بَدْءِ الخلق، وأَخبارِ الأنبياء، أو الآتية (٢): كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبارِ (٣) عما يَحْصل بفعله ثوابٌ مخصوصٌ، أو عقابٌ مخصوص (٤).
стр. 138
وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأنّ إِخْبَارَهُ بذلك يقتضي مُخْبِراً له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يَقتضي موقِّفاً للقائل به، ولا مُوَقِّفَ للصحابة إلا النبي ﷺ ، أو بعضُ مَنْ يُخْبِرُ عن الكتب القديمة (١)؛ فلهذا وَقَعَ الاحتراز عن القسم الثاني.
فإذا كان كذلك، فله حُكمُ ما لو قال: قال رسول الله ﷺ ، فهو مرفوعٌ سواءٌ كان مما سمعه منه، أو عنه بواسطة.
ومثال المرفوع مِن الفعل حكماً: أن يَفْعل ما لا مجال للاجتهاد فيه، فَيُنَزَّلُ على أن ذلك عنده عن النبي ﷺ ، كما قال الشافعي (٢) في صلاة عَلِيٍّ في الكسوف في كلِّ ركعةٍ أكثرَ مِن ركوعين (٣).
ومثال المرفوع مِن التقرير حكماً: أن يُخْبِرَ الصحابيُّ أنهم كانوا يفعلون في
стр. 139
زمان النبي ﷺ كذا، فإنه يكون له حُكْم الرفع مِن جهةِ أنَّ الظاهر اطِّلاعُهُ ﷺ على ذلك؛ لِتَوَفُّرِ دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم، ولأن ذلك الزمانَ زمانُ نزولِ الوحي؛ فلا يقع مِن الصحابة فِعْلُ شيء ويستمرّون عليه إلا وهو غيرُ ممنوعِ الفعلِ.
وقد استدل جابر وأبو سعيد ﵄ على جواز العَزْل بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن يَنْزل، ولو كان مما يُنْهَى عنه لَنَهَى عنه القرآن (١).
[الألفاظ الدالة على الرفع حكماً]:
١ - ويَلتحق بقوله "حُكْماً" ما ورد بصيغةِ الكنايةِ في موضعِ الصِّيَغِ الصريحة بالنسبة إليه ﷺ ، كقول التابعي عن الصحابي: ((يَرْفع الحديث، أو يَرْويه، [١٨/ ب] أو يَنْمِيه، أو روايةً، أو يَبْلُغُ به، أو رواه)).
٢ - وقد يقتصرون على القول مع حذف القائل. ويُرِيْدُونَ به النبيَّ ﷺ ، كقول ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال: (تقاتلون قوماً … )، الحديث (٢)، وفي
стр. 140
كلام الخطيب (١) أنه اصطلاحٌ خاصٌّ بأهل البصرة.
[قول الصحابيّ: "مِن السُّنَّةِ كذا "]:
٣ - ومِن الصيغ المحتَملَةِ قولُ الصحابي: ((مِن السُّنَّة كذا)):
أ- فالأكثر على أنّ ذلك مرفوعٌ، ونَقل ابن عبد البر فيه الاتفاق، قال: وإذا قالها غير الصحابي فكذلك، ما لم يُضِفْها إلى صاحبها، كسنة العُمَرَيْن (٢).
وفي نقْل الاتفاق نظرٌ؛ فعن الشافعي في أصل المسألة قولان (٣).
ب-وذهب إلى أنه غير مرفوع: أبو بكر الصيرفي (٤) مِن الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية (٥)، وابن حزم (٦) من أهل الظاهر، واحتجوا بأن السُّنَّةَ
стр. 141
تتردد بين النبي ﷺ وبين غيره.
وأُجِيبوا: بأنّ احتمال إرادةِ غيرِ النبي ﷺ بعيدٌ، وقد روى البُخَارِيّ في "صحيحه" (١) في حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الْحَجَّاج حين قال له: ((إن كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بالصلاة)) قال ابن شهاب: فقلت لسالمٍ: أَفَعَلَهُ رسول الله ﷺ ؟ فقال: ((وهل يَعْنون (٢) بذلك إلا سُنَّتَهُ؟!))، فَنَقَلَ سالمٌ -وهو أحدُ الفقهاء السبعة (٣) مِن أهل المدينة،
стр. 142
وأحدُ الحفَّاظِ مِن التابعين- عن الصحابة أنهم إذا أَطلقوا السُّنَّة لا يريدون بذلك إلا سُنَّةَ النبي ﷺ .
وأما قول بعضهم: إنْ كان مرفوعاً فَلِمَ لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ ؟.
فجوابه: أنهم تركوا الجزم بذلك تورُّعاً واحتياطاً (١)، ومِن هذا قول أبي قِلابة (٢) عن أنس: ((مِن السُّنَّة إذا تزوجَ البكرَ على الثيب أقام عندها سبعاً)) أخرجاه في الصحيح (٣).
стр. 143
قال أبو قِلابة: ((لو شئتُ لقلتُ: إن أنساً رفعه إلى النبي ﷺ )). أَيْ: لو قلتُ لم أَكذبْ. لأن قوله: [١٩/ أ] "مِن السُّنَّةِ" هذا معناه، لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابة أَولى.
[قول الصحابي: "أُمِرنا بكذا أو نُهِينا عن كذا "]:
٤ - ومِنْ ذلك: قول الصحابي: "أُمِرنا بكذا"، أو "نُهِينا عن كذا"، فالخلاف فيه كالخلافِ في الذي قَبْلَهُ؛ لأن مُطْلَق ذلك ينصرف بظاهره إلى مَنْ له الأمر والنهي، وهو الرسول ﷺ .
وخالف في ذلك طائفةٌ تَمَسّكوا باحتمالِ أن يكون المرادُ غيرُهُ، كأمر القرآن، أو الإجماع، أو بعض الخلفاء، أو الاستنباط؟ وأُجيبوا: بأن الأصل هو الأول، وما عداه محتَمِلٌ، لكنه بالنسبة إليه مرجوحٌ، وأيضاً، فَمَن كان في طاعةِ رئيسٍ إذا قال: أُمِرْتُ، لا يُفْهَمُ عنه أنّ آمِرَه إلا رئيسُهُ.
وأمّا قول مَن قال: يُحْتمل أنْ يُظَنَّ ما ليس بأَمْرٍ أَمْراً (١)، فلا اختصاصَ له بهذه المسألة، بل هو مذكورٌ فيما لو صَرَّح؛ فقال: ((أَمرنا رسول الله ﷺ بكذا))، وهو احتمالٌ ضعيفٌ؛ لأن الصحابي عدْلٌ عارفٌ باللسان؛ فلا يُطْلِقُ ذلك إلا بعد التحقيق.
стр. 144
[قول الصحابي: "كنا نفعل كذا "]:
٥ - ومِن ذلك: قوله: ((كنا نفعل كذا))، فله حكم الرفع، أيضاً، كما تقدم.
٦ - ومِن ذلك: أن يَحْكم الصحابيُّ على فعلٍ مِن الأفعال بأنه طاعةٌ لله، أو لرسوله، أو معصيةٌ (١)، كقولِ عمارٍ: ((مَن صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ )). فهذا حُكْمُهُ الرفعُ، أيضاً؛ لأن الظاهر أن ذلك مما تلقاه عنه ﷺ (٢).
[الموقوف]
(٢) أو ينتهي غايةُ الإسناد إلى الصحابي كذلك (٣)، أَيْ: مِثْلُ ما تقدم في كون اللفظ يقتضي التصريحَ بأنّ المنقولَ (٤) هو مِن قولِ الصحابي، أو مِن فِعْلِهِ، أو مِن تقريرِهِ (٥)، ولا يَجِيءُ فيه جميعُ ما تَقدمَ (٦)، بل معظمُهُ، والتشبيه (٧) لا تُشترط فيه المساواة مِنْ كلِّ جهةٍ.
стр. 145
ولَمَّا (١) كان هذا المختصَر شاملاً لجميعِ أنواعِ علومِ الحديث (٢) اسْتطردْتُ منه إلى تعريف الصحابي [١٩/ ب] ما (٣) هو؟ فقلت:
[تعريف الصحابي]
وهو مَن لَقِيَ النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام، ولو تَخَلَّلتْ رِدَّةٌ في الأصح (٤).
والمراد باللقاء: ما هو أعمُّ: من المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالِمْهُ، ويَدْخُل فيه: رؤيةُ أحدِهما الآخَرَ، سواءٌ كان ذلك بنفْسِهِ أم بغيرِهِ.
والتعبير باللُّقيِّ أَوْلى مِن قول بعضهم: ((الصحابيُّ مَنْ رأى النبي ﷺ ))؛ لأنه يُخْرِج (٥) ابنَ أُمِّ مكتوم، ونحوَه مِن العُمْيان، وهُمْ صحابةٌ بلا تردُّدٍ.