← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37456

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ت الرحيلي ط 3

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (205 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تتردد بين النبي ﷺ وبين غيره. وأُجِيبوا: بأنّ احتمال إرادةِ غيرِ النبي ﷺ بعيدٌ، وقد روى البُخَارِيّ في "صحيحه" (١) في حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الْحَجَّاج حين قال له: ((إن كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بالصلاة)) قال ابن شهاب: فقلت لسالمٍ: أَفَعَلَهُ رسول الله ﷺ ؟ فقال: ((وهل يَعْنون (٢) بذلك إلا سُنَّتَهُ؟!))، فَنَقَلَ سالمٌ -وهو أحدُ الفقهاء السبعة (٣) مِن أهل المدينة،

стр. 142

وأحدُ الحفَّاظِ مِن التابعين- عن الصحابة أنهم إذا أَطلقوا السُّنَّة لا يريدون بذلك إلا سُنَّةَ النبي ﷺ . وأما قول بعضهم: إنْ كان مرفوعاً فَلِمَ لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ ؟. فجوابه: أنهم تركوا الجزم بذلك تورُّعاً واحتياطاً (١)، ومِن هذا قول أبي قِلابة (٢) عن أنس: ((مِن السُّنَّة إذا تزوجَ البكرَ على الثيب أقام عندها سبعاً)) أخرجاه في الصحيح (٣).

стр. 143

قال أبو قِلابة: ((لو شئتُ لقلتُ: إن أنساً رفعه إلى النبي ﷺ )). أَيْ: لو قلتُ لم أَكذبْ. لأن قوله: [١٩/ أ] "مِن السُّنَّةِ" هذا معناه، لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابة أَولى. [قول الصحابي: "أُمِرنا بكذا أو نُهِينا عن كذا "]: ٤ - ومِنْ ذلك: قول الصحابي: "أُمِرنا بكذا"، أو "نُهِينا عن كذا"، فالخلاف فيه كالخلافِ في الذي قَبْلَهُ؛ لأن مُطْلَق ذلك ينصرف بظاهره إلى مَنْ له الأمر والنهي، وهو الرسول ﷺ . وخالف في ذلك طائفةٌ تَمَسّكوا باحتمالِ أن يكون المرادُ غيرُهُ، كأمر القرآن، أو الإجماع، أو بعض الخلفاء، أو الاستنباط؟ وأُجيبوا: بأن الأصل هو الأول، وما عداه محتَمِلٌ، لكنه بالنسبة إليه مرجوحٌ، وأيضاً، فَمَن كان في طاعةِ رئيسٍ إذا قال: أُمِرْتُ، لا يُفْهَمُ عنه أنّ آمِرَه إلا رئيسُهُ. وأمّا قول مَن قال: يُحْتمل أنْ يُظَنَّ ما ليس بأَمْرٍ أَمْراً (١)، فلا اختصاصَ له بهذه المسألة، بل هو مذكورٌ فيما لو صَرَّح؛ فقال: ((أَمرنا رسول الله ﷺ بكذا))، وهو احتمالٌ ضعيفٌ؛ لأن الصحابي عدْلٌ عارفٌ باللسان؛ فلا يُطْلِقُ ذلك إلا بعد التحقيق.

стр. 144

[قول الصحابي: "كنا نفعل كذا "]: ٥ - ومِن ذلك: قوله: ((كنا نفعل كذا))، فله حكم الرفع، أيضاً، كما تقدم. ٦ - ومِن ذلك: أن يَحْكم الصحابيُّ على فعلٍ مِن الأفعال بأنه طاعةٌ لله، أو لرسوله، أو معصيةٌ (١)، كقولِ عمارٍ: ((مَن صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ )). فهذا حُكْمُهُ الرفعُ، أيضاً؛ لأن الظاهر أن ذلك مما تلقاه عنه ﷺ (٢). [الموقوف] (٢) أو ينتهي غايةُ الإسناد إلى الصحابي كذلك (٣)، أَيْ: مِثْلُ ما تقدم في كون اللفظ يقتضي التصريحَ بأنّ المنقولَ (٤) هو مِن قولِ الصحابي، أو مِن فِعْلِهِ، أو مِن تقريرِهِ (٥)، ولا يَجِيءُ فيه جميعُ ما تَقدمَ (٦)، بل معظمُهُ، والتشبيه (٧) لا تُشترط فيه المساواة مِنْ كلِّ جهةٍ.

стр. 145

ولَمَّا (١) كان هذا المختصَر شاملاً لجميعِ أنواعِ علومِ الحديث (٢) اسْتطردْتُ منه إلى تعريف الصحابي [١٩/ ب] ما (٣) هو؟ فقلت: [تعريف الصحابي] وهو مَن لَقِيَ النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام، ولو تَخَلَّلتْ رِدَّةٌ في الأصح (٤). والمراد باللقاء: ما هو أعمُّ: من المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالِمْهُ، ويَدْخُل فيه: رؤيةُ أحدِهما الآخَرَ، سواءٌ كان ذلك بنفْسِهِ أم بغيرِهِ. والتعبير باللُّقيِّ أَوْلى مِن قول بعضهم: ((الصحابيُّ مَنْ رأى النبي ﷺ ))؛ لأنه يُخْرِج (٥) ابنَ أُمِّ مكتوم، ونحوَه مِن العُمْيان، وهُمْ صحابةٌ بلا تردُّدٍ.

стр. 146

[شرح التعريف] و"اللُّقِيُّ" في هذا التعريف كالجنس. ١ - وقولي: "مؤمناً به" كالفصْلِ، يُخْرِجُ مَنْ حصَل له اللقاء المذكور، لكن، في حالِ كونه كافراً. ٢ - وقولي: "به". فصْلٌ ثانٍ يُخْرجُ مَنْ لقيه مؤمناً، لكن، بغيره مِن الأنبياء. لكن، هل يُخْرِج مَنْ لقيه مؤمناً بأنه سيبعث ولم يُدْرِك البعثة؟ فيه نَظَرٌ (١). ٣ - وقَوْلي: "ومات على الإسلام"، فصْلٌ ثالثٌ يُخْرِجُ مَن ارتدَّ، بعد أن لقيه مؤمناً، ومات على الردة، كعبيد الله بن جحش، وابن خَطَلٍ. ٤ - وقَوْلي: "ولو تخلَّلت رِدَّةٌ"، أي: بين لُقِيِّهِ له مؤمناً به، وبين موته على الإسلام، فإنّ اسم الصُحْبَةِ باقٍ له، سواءٌ رجع إلى الإسلام في حياته ﷺ ، أم بعده، سواءٌ لقيه ثانياً أم لا. ٥ - وقَوْلي: "في الأصح" إشارةٌ إلى الخلاف في المسألة، ويدل على رجحان الأول: قصةُ الأشعثِ بنِ قيسٍ؛ فإنه كان ممن ارتدَّ، وأُتِيَ به إلى أبي بكر الصديق أسيراً؛ فعاد إلى الإسلام فقَبِلَ منه وزَوَّجه أُخْتَهُ، ولم يتخلَّفْ أحدٌ عن ذكْرِه في الصحابة، ولا عن تخريجِ أحاديثِهِ في المسانيد وغيرها. تنبيهان: لا خفاء برجْحَانِ (٢) رتبةِ مَنْ لازمه ﷺ وقاتَلَ معه أو قُتِلَ تحتَ رايته على مَنْ لم يلازمْه، أو لم يَحْضر معه مَشْهَداً، وعلى مَن كلّمه يسيراً، أو ماشاه قليلاً،

стр. 147

أو رآه على بُعْدٍ، أو في حال الطفولية (١)، وإن كان شرفُ الصحبةِ [٢٠/ أ] حاصلاً للجميع. ومَنْ ليس له منهم سماعٌ منه فحديثُهُ مرسَلٌ (٢) مِن حيثُ الروايةُ، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة؛ لما نالوه مِن شرف الرؤية (٣). ثانيهما: يُعْرَفُ كَوْنُه صحابياً. ١ - بالتواتر. ٢ - أو الاستفاضة أو الشهرة. ٣ - أو بإخبارِ بعضِ الصحابةِ. ٤ - أو بعضِ ثقاتِ التابعين (٤).

стр. 148

٥ - أو بإِخباره عن نفسه بأنه صحابي، إذا كانت دعواه ذلك تدخل تحت الإمكان (١). وقد اسْتَشْكل هذا الأخيرَ جماعةٌ مِن حيثُ إنّ دعواه ذلك نظيرُ دعوى مَن قال: أنا عدْلٌ. ويَحْتاج إلى تأمُّلٍ (٢). [التابعي] (٣) أو تنتهي غايةُ الإسناد إلى التابعي. وهو مَن لقي الصحابيّ كذلك. وهذا متعلّق باللُّقِيِّ وما ذُكِر معه، إلا قيدُ الإيمان به، فذلك خاصٌّ بالنبي ﷺ ، وهذا هو المختار، خلافاً لِمَن اشترط في التابعي طولَ الملازمة، أو صحةَ السماعِ أو التمييز (٣). [المُخَضْرَمون] وبَقِيَ (٤) بين الصحابةِ والتابعين طبقةٌ أُخرى، اخْتُلِفَ في إلحاقهم بأيِّ القِسمين، وهم: المُخَضْرَمون، الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يَرَوا النبيَّ ﷺ .

стр. 149

فعدَّهم ابنُ عبد البر في الصحابة (١)، وادَّعى عياضٌ، وغيرُهُ، أنَّ ابنَ عبد البر يقول: إنهم صحابةٌ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنه أَفصحَ في خطبةِ كتابِهِ بأنه إنما أوردهم لِيَكونَ كتابه جامعاً مستوعِباً لأهل القَرْن الأول. والصحيح: أنهم معدودون في كبار التابعين، سواءٌ عُرِف أنّ الواحدَ منهم كان مسلماً في زمن النبي ﷺ كالنجاشي أم لا، لكن، إنْ ثبت أن النبي ﷺ ليلة الإسراء كُشِفَ له عن جميع مَنْ في الأرض فرآهم؛ فينبغي أنْ يُعَدَّ مَنْ كان مؤمناً به في حياته إذْ ذاك -وإنْ لم يُلاقِهِ- في الصحابة، لحصول الرؤية في حياته ﷺ (٢). [تعريف المرفوع والموقوف والمقطوع] فالقِسم الأول مما تقدم ذكره، مِن الأقسامِ الثلاثةِ -وهو ما تنتهي إليه غايةُ الإسناد- هو المرفوع، [٢٠/ ب] سواءٌ كان ذلك الانتهاء بإسنادٍ متصل أم لا. والثاني الموقوف، وهو: ما انتهى إلى الصحابي. والثالث: المقطوع، وهو ما انتهى إلى التابعي. ومَنْ دون التابعي مِن أَتْباع التابعين، فَمَنْ بعدهم، فيه، أَيْ: في التسمية مثلُهُ، أي: مثل ما ينتهي إلى التابعي في تسميةِ جميعِ ذلك مقطوعاً، وإن شئتَ قلتَ: موقوفٌ على فلان.

стр. 150

[الفرقُ بين المقطوع والمنقطع] فحصَلَت التفرقةُ في الاصطلاح بين المقطوع والمنقطع؛ فالمنقطع مِن مباحث الإسناد -كما تقدم- والمقطوع مِن مباحث المتن، كما ترى، وقد أَطلقَ بعضُهم هذا في موضعِ هذا، وبالعكس، تجوُّزاً عن الاصطلاح. ويقال للأخيرين، أيْ: الموقوف والمقطوع: الأثر (١). [المسند] والْمُسْنَدُ (٢) في قول أهل الحديث: "هذا حديثٌ مسندٌ" هو: مرفوعُ صحابيٍّ بسندٍ ظاهرُهُ الاتصال. فَقَوْلي: "مرفوعُ" كالجِنس. وَقَوْلي: "صحابيٍ" كالفصل، يَخْرج به ما رَفَعَهُ التابعيُّ؛ فإنه مرسَلٌ، أو مَنْ دونه؛ فإنه معضَلٌ، أو معلَّقٌ. وَقَوْلي: "ظاهرُهُ الاتصال"، يَخْرج به ما ظاهرُهُ الانقطاع، ويَدْخل ما فيه الاحتمال، وما يوجد فيه حقيقةُ الاتصالِ، مِن بابِ الأَولى. ويُفْهَم من التقييد بالظهور أنَّ الانقطاعَ الخفيَّ، كعنعنة المدلِّس، والمعاصِرِ الذي لم يَثْبُتْ لُقِيُّه = لا يُخْرِجُ الحديثَ عن كونه مسنَداً؛ لإطباق الأئمة الذين خَرَّجُوا المسانيد على ذلك. وهذا التعريف موافِقٌ لقول الحاكم: الْمُسْنَد: "ما رواه المحدِّث عن شيخٍ يَظْهر سماعُهُ منه، وكذا شيخه عن شيخه، متصِلاً إلى صحابيٍّ إلى

стр. 151

رسول الله ﷺ ". وأما الخطيب فقال (١): ((المسنَدُ: المتصل)). فعلى هذا: الموقوفُ إذا جاء بسندٍ متصلٍ يسمَّى عنده مسنَداً، لكن، قال: ((إنَّ ذلك قد يأتي، لكن، بِقِلَّةٍ)). وأَبْعَدَ ابنُ عبد البر حيث قال: ((المسنَدُ: المرفوع))، ولم يَتعرض للإسناد، فإنه يَصْدق على المرسَل والمعضَل والمنقطع، إذا كان المتن مرفوعاً، ولا قائل به. [العالي] فإنْ قلَّ عَدَدُهُ، أَيْ: عددُ رجالِ السندِ، [٢١/ أ] فإما: ١ - أن ينتهي إلى النبي ﷺ بذلك العدد القليل بالنسبة إلى سندٍ آخَرَ، يَرِدُ به ذلك الحديثُ بعَيْنِهِ بعددٍ كثيرٍ. ٢ - أو ينتهيَ إلى إمامٍ مِنْ أئمة الحديث ذي صفةٍ عَلِيَّةٍ: كالحفظِ، والفقهِ، والضبطِ، والتصنيفِ، وغير ذلك مِن الصفات المقتضية للترجيح، كشعبةَ ومالكٍ، والثوريِّ (٢)، والشافعيِّ، والبُخَارِيّ، ومسلمٍ، ونحوِهِمْ. [العلو المطلق] فالأول: -وهو ما ينتهي إلى النبي ﷺ -: العلوُّ المطْلَق، فإن اتفق أن يكونَ سندُهُ صحيحاً كان الغايةَ القُصْوى، وإلا فصورةُ العلوِّ فيه موجودةٌ، ما لم يكن موضوعاً؛ فهو كالعدم.

стр. 152

[العلو النسبي] والثاني: العلوُّ النسبيّ، وهو ما يَقِلُّ العَددُ فيه إلى ذلك الإمام، ولو كان العددُ مِن ذلك الإمام إلى منتهاه كثيراً. وقد عَظُمَتْ رغبةُ المتأخرين فيه (١)، حتى غَلب ذلك على كثيرٍ منهم، بحيث أَهملوا الاشتغال بما هو أهمُّ منه. وإنما كان العلوُّ مرغوباً فيه لكونه أقربَ إلى الصحةِ وقِلّةِ الخطأِ؛ لأنه ما مِن راوٍ مِن رجال الإسناد إلا والخطأُ جائزٌ عليه، فكلَّما كَثُرَت الوسائط وطالَ السندُ كَثُرَتْ مظانُّ التجويز، وكلَّما قلَّتْ قلَّتْ. [قد يترجح النزولُ على العُلوِّ] فإن كان في النزول مَزِيَّةٌ ليست في العلوِّ: كأنْ تكونَ رجاله أوثقَ منه، أو أحفظَ، أو أفقَهَ، أو الاتصالُ فيه أظهَرَ (٢)، فلا تردُّدَ (٣) أنّ النزولَ، حينئذٍ، أَولى. وأما مَن رجَّح النزول مطلقاً واحتجَّ بأنَّ كثرة البحث تقتضي المشقةَ؛ فَيَعْظُمُ الأجرُ، فذلك ترجيحٌ بأمرٍ أَجنبيٍّ عما يتعلق بالتصحيح والتضعيف. [أقسام العلوّ النسبيِّ ومعنى الموافقة والبدل والمساواة والمصافحة]: ١ - وفيه، -أَيْ: العلوِّ النسبيِّ-: الموافَقَةُ (٤)، وهي: الوصول إلى شيخِ أحدِ المصنِّفين مِن غيرِ طريقِهِ، أي: الطريق التي تصل إلى ذلك الْمُصَنِّفِ المعَيَّن. مثاله: روى البُخَارِيّ عن قتيبة (٥) عن مالكٍ حديثاً، فلو رويناه مِن طريقِهِ

стр. 153

كان بيْنَنا وبين قتيبةَ ثمانيةٌ، ولو روينا ذلك الحديثَ، بعَيْنِهِ، مِن طريقِ أبي العباس السَرَّاج (١)، عن قتيبة، مثلاً، لكان [٢١/ ب] بيْنَنا وبين قتيبةَ فيه سبعةٌ؛ فقد حَصَلَ لنا الموافقةُ مع البُخَارِيّ في شيخه بعَيْنِهِ مع عُلُوِّ الإسناد إليه. ٢ - وفيه -أَيْ: العلوِّ النسبيِّ-: البَدَلُ: وهو الوصول إلى شيخِ شيخِهِ كذلك، كأنْ يَقَعَ لنا ذلك الإسنادُ، بعَيْنِهِ، مِن طريقٍ أُخرى إلى القَعْنَبِّي عن مالكٍ؛ فيكون القعنبيُّ بَدَلاً فيه مِن قتيبةَ. وأكثرُ ما يَعْتبرون الموافقةَ والبدَلَ إذا قارَنَا العلوَّ، وإلا فاسم الموافقةِ والبدَلِ واقعٌ بدونه. ٣ - وفيه -أَيْ: العلوِّ النسبيِّ-: المساواةُ: وهي استواءُ عددِ الإسناد مِن الراوي إلى آخره -أي: الإسناد- مع إسنادِ أحدِ المصنِّفِين. كأن يَرْوِي النسائيُّ، مثلاً، حديثاً يقع بينه وبين النبيِّ ﷺ فيه أحدَ عشرَ نفساً، فيقع لنا ذلك الحديث، بعَيْنِهِ، بإسنادٍ آخرَ إلى النبيِّ ﷺ يَقَع بيننا وبين النبي ﷺ أحدَ عشرَ نفساً؛ فَنُساوي النسائيَّ، مِن حيثُ العددُ، مع قطْع النظرِ عن ملاحظةِ ذلك الإسناد الخاصِّ. ٤ - وفيه -أَيْ: العلوِّ النسبيِّ أيضاً-: الْمُصَافَحَةُ: وهي: الاستواء مع تلميذِ ذلك المصنِّف، على الوجه المشروح أوَّلاً، وسُمِّيتْ مصافحةً لأنّ العادة جَرَت، في الغالب، بالمصافحة بين مَن تَلاقَيَا، ونحن في هذه الصورة كأَنَّا لَقِيْنَا النسائيَّ؛ فكأَنَّا صافحناه. [النزول] ويُقابِل العلوَّ، بأقسامه المذكورة: النزولُ؛ فيكون كلُّ قِسْمٍ مِن أقسام

стр. 154

العلوِّ يُقابِله قِسْمٌ مِن أَقسام النزول، خلافاً لِمَن زعم أن العلوَّ قد يقع غيرَ تابعٍ لنزولٍ. [رواية الأقران والمدبَّج] فإنْ تشارك الراوي ومَنْ رَوى عنه، في أمرٍ مِن الأمور المتعلقة بالرواية: مثلَ السِّنّ، واللقيّ، والأَخْذِ عن المشايخ = فهو النوع الذي يُقال له: روايةُ الأَقْران (١)؛ لأنه حينئذٍ يكون راوياً عن قَرِينِهِ. وإنْ رَوى كلٌّ منهما، أي: القَرِينين، عن الآخر فهو المُدبَّج. وهو أَخصُّ [/ ٢/ أ] مِن الأول؛ فكلُّ مُدَبَّجٍ أقران، وليس كل أقران مُدَبَّجاً. وقد صَنَّفَ الدارقطني في ذلك، وصَنَّفَ أبو الشيخ الأصبهانيُّ (٢) في الذي قبله. وإذا روى الشيخُ عن تلميذه صدَقَ أنَّ كلاًّ منهما يَرْوِي عن الآخر؛ فهل يُسَمَّى مُدَبَّجاً؟ فيه بحث، والظاهر: لا؛ لأنه مِن روايةِ الأكابر عن الأصاغر، والتدبيج مأخوذٌ مِن دِيباجَتَيْ الوجه؛ فيقتضي أن يكون ذلك مستوياً مِن الجانبين؛ فلا يجيء فيه هذا.

стр. 155

[رواية الأكابر عن الأصاغر] وإن روى الراوي عمن هو دونه في السن، أو في اللُّقِيِّ، أو في المِقْدار = فهذا النوع هو روايةُ الأكابر عن الأصاغر. [رواية الآباء عن الأبناء] ومِنْهُ، أَيْ: مِن جُمْلةِ هذا النوعِ -وهو أَخَصُّ مِن مُطْلقِهِ-: روايةُ الآباء عن الأبناء، والصحابةِ عن التابعين، والشيخِ عن تلميذه، ونحو ذلك. وفي عكسه كثرةٌ؛ لأنه هو الجادّةُ المسْلوكةُ الغالبة. ومِنْه: مَن رَوى عن أبيه، عن جده. وفائدةُ معرفةِ ذلك التمييزُ بين مراتبهم، وتنزيلُ الناسِ منازِلَهم. وقد صَنَّفَ الخطيب في روايةِ الآباء عن الأبناء تصنيفاً، وأَفرد جزءاً لطيفاً في رواية الصحابة عن التابعين. وجَمَع الحافظ صلاح الدين العلائي (١)، مِن المتأخرين، مجلداً كبيراً في معرفة مَن رَوى عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ وقسَّمه أقساماً: فَمِنْه ما يعود الضمير في قوله: عن جده، على الراوي. ومنه ما يعود الضمير فيه على أبيه. وبَيَّنَ ذلك وحقَّقَهُ، وخَرّج في كل ترجمةٍ حديثاً مِن مَرْوِيِّهِ، وقد لخّصْتُ كتابَهُ المذكورَ وزِدْتُ عليه تَرَاجِمَ كثيرةً جِدّاً. وأكثر ما وقع فيه ما تسلسلتْ فيه الرواية عن الآباء بأربعةَ عشرَ أباً.

стр. 156

[السابق واللاحق] وإن اشترك اثنان عن شيخٍ وتَقدَّم موتُ أحدِهما على الآخر؛ فهو السابق واللاحق: وأكثرُ ما وقفنا عليه مِن ذلك ما بين الراويين فيه في الوفاة: مائة وخمسون سنة، وذلك أن الحافظ السِّلَفِيَّ (١) سَمِع منه أبو علي البَرَدَاني (٢) -أحدُ مشايخه- حديثاً، ورواه عنه، [٢٢/ ب] ومات على رأس الخمسمائة، ثم كان آخِرَ (٣) أصحابِ السِّلَفِيّ بالسماعِ: سِبْطُهُ أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي، وكانت وفاتُهُ سنةَ خمسين وستمائة. ومِن قديم ذلك: أن البُخَارِيَّ حدَّث عن تلميذه أبي العباس السَّرَّاج أشياء (٤)، في التاريخ وغيرِه، ومات سنة ست وخمسين ومائتين، وآخِرُ مَن حَدَّث عن السَّرَّاج بالسماع: أبو الحسين الْخَفَّاف (٥)، ومات سنةَ ثلاثٍ وتسعين وثلاثِ مئةٍ. وغالِبُ ما يقع من ذلك أن المسموع منه قد يتأخر بعد (٦) أحدِ الراويين

стр. 157

عنه زماناً؛ حتى يسمع منه بعضُ الأحداث (١)، ويعيش بعد السماع، دهراً طويلاً؛ فَيَحْصل مِن مجموعِ ذلك نحوُ هذه المدة. والله الموفق. [الرواية عن مُتَّفِقي الاسم] وإنْ رَوى الراوي عن اثنين مُتَّفِقِي الاسم، أو مع اسم الأب، أو مع اسم الجدِّ، أو مع النسبة، ولم يتميزا بما يَخُصُّ كلاًّ منهما = فإنْ كانا ثقتين لم يَضُرَّ. ومِن ذلك: ما وقع في البُخَارِيّ في روايته عن أحمد، غير منسوبٍ (٢)، عن ابن وهب؛ فإنه إما أحمد بن صالح، أو أحمد بن عيسى. أو عن محمدٍ، غير منسوبٍ، عن أهل العراق (٣)؛ فإنه إما محمد بن سلام، أو محمد بن يحيى الذُّهْلِي. وقد استوعبتُ ذلك في مقدمة شرح البُخَارِيّ (٤). ومَن أراد لذلك ضابطاً كُلِّياً يمتاز (٥) أحدهما عن الآخر فباختصاصِهِ- أيْ: الشيخِ المرويِّ عنه- بأحدهما يتبين المهمل، ومتى لم يَتبين ذلك، أو كان مختصاً بهما معاً، فإِشكاله شديدٌ؛ فَيُرْجَع فيه إلى القرائنِ والنظرِ (٦) الغالب. [إنكار الراوي لحديثه] وإنْ رَوى عن شيخٍ حديثاً فَجَحَد الشيخُ مَرْوِيَّهُ: فإنْ كان جزْماً: كأَنْ يقولَ: كذب عليَّ، أو: ما رويتُ هذا، أو نحو ذلك،

стр. 158

فإنْ وَقَع منه ذلك رُدَّ ذلك الخبرُ (١) لِكَذِب واحدٍ منهما، لا بعينه، ولا يكون ذلك قادحاً في واحدٍ منهما؛ للتعارض. أو كان جحْدُه احتمالاً، كأنْ يقولَ: ما أَذكر هذا (٢)، أو لا أعرفه = قُبِلَ ذلك الحديثُ في الأصح؛ لأن ذلك يُحْمَل على نسيان الشيخ. [٢٣/ أ] وقيل: لا يُقْبل؛ لأن الفرع تبعٌ للأَصل في إثبات الحديث، بحيث إذا أَثْبَتَ (٣) الأصلُ الحديثَ ثَبتَتْ روايةُ الفرع، وكذلك (٤) ينبغي أن يكون فرعاً عليه، وتَبَعاً له -في التحقيق- في النفي. وهذا مُتَعَقَّبٌ؛ فإن (٥) عدالة الفرع تقتضي صِدْقَهُ، وعدمُ عِلْمِ الأصل لا ينافيه، فالمثْبِتُ مقدَّمٌ على النافي. وأما قياس ذلك بالشهادة ففاسدٌ؛ لأن شهادة الفرع لا تُسْمَع مع القدرة على شهادة الأصل، بخلاف الرواية؛ فافترقا. وفيه، أي: في هذا النوع، صَنَّفَ الدَّارقطني كتابَ: "مَنْ حَدَّث ونسي"، وفيه ما يدل على تقوية المذهب الصحيح؛ لكون كثيرٍ منهم حدّثوا بأحاديث (٦)، فلما عُرِضَتْ عليهم لم يتذكروها، لكنهم؛ لاعتمادهم على

стр. 159

الرواة عنهم، صاروا يَرْوونها عن الذين رووها عنهم، عن أنفسهم، كحديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً في قصة الشاهد واليمين، قال عبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْدِي: حدثني به ربيعة بن أبي عبد الرحمن (١) عن سهيل، فلقيت سهيلاً فسألته عنه فلم يعرفه، فقلت: إنَّ ربيعة حدثني عنك بكذا، فكان سهيل بعد ذلك يقول: ((حدثني ربيعة عَنِّي أَنِّي حدثته عن أَبِي به)) (٢). ونظائرُهُ كثيرة. [المُسَلْسَل] وإن اتفق الرواة في إسنادٍ مِن الأسانيد في صِيِغِ الأداء: كسمعت فلاناً، قال: سمعت فلاناً، أو: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، وغير ذلك من الصِّيَغ، أو غيرها مِن الحالات القولية، كسمعت فلاناً يقول: أشهد بالله (٣) لقد حدثني فلان … ، إلى آخره، أو الفعلية كقوله: دخلنا على فلان فأطعَمَنا تمراً … إلى آخره، أو القولية والفعلية معاً كقوله: حدثني فلان وهو آخذ بلحيته قال: آمنتُ بالقَدَر … (٤)، إلى آخره = فهو المسَلْسَلُ (٥).

стр. 160

وهو مِن صفات الإسناد، وقد يقع التسلسل في مُعْظم الإسناد، كحديث المسلسَل بالأوَّلية (١)، [٢٣/ ب] فإن السَّلْسَلَةَ تنتهي فيه إلى سفيان بن عُيَيْنَةَ فقط (٢)، ومَنْ رواه مسلسلاً إلى منتهاه فقد وَهِمَ. [صيغ الأداء ومراتبها] وصِيغ الأداء المشار إليه (٣) على ثمانية (٤) مراتب: الأولى: سمعتُ وحدثني. ثم أخبرني وقرأتُ عليه، وهي المرتبة الثانية. ثم قُرِئ عليه وأنا أسمع، وهي الثالثة. ثم أنبأني وهي الرابعة. ثم ناولني وهي الخامسة. ثم شافهني -أَيْ بالإجازة- وهي السادسة. ثم كتب إليَّ أَيْ بالإجازة، وهي السابعة. ثم "عن"، ونحوها: مِن الصِّيَغ المحتَمِلَةِ للسماع والإجازة، ولعدم السماع أيضاً، وهذا مثل: قال وذَكر ورَوَى. [محل استعمال تلك الصِيَغِ] واللفظان الأَوَّلان مِن صِيَغ الأداء، وهما: سمعتُ وحدثني صالحان لِمَنْ

стр. 161

سَمِع وحده مِن لفْظِ الشيخ. وتخصيصُ التحديث بما سُمِع مِن لفظ الشيخ هو الشائع بين أهل الحديث اصطلاحاً، ولا فرق بين التحديث والإخبار مِن حيثُ اللغةُ، وفي ادِّعاءِ الفرقِ بينهما تكلُّفٌ شديدٌ، لكن، لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقةً عُرفِيةً فَتُقَدَّمُ على الحقيقة اللغوية، مع أنّ هذا الاصطلاحَ إنما شاع عند المشارِقة ومَنْ تبعهم، وأما غالب المغاربة فلم يستعملوا هذا الاصطلاح، بل الإخبارُ والتحديثُ عندهم بمعنىً واحدٍ. فإنْ جَمعَ الراوي أَيْ: أَتى بصيغةِ الجمع في الصيغة الأولى، كأنْ يقول: حدثنا فلان، أو: سمعنا فلاناً يقول = فهو دليلٌ على أنه سمع منه مع غيره، وقد تكون النون للعظمة، لكن، بِقِلِّةٍ. وأَوَّلُها، أَيْ: المراتب (١): أَصْرَحُها، أَيْ: أصرحُ صِيِغِ الأداء في سماع قائلها؛ لأنها لا تحتمل الواسطة، لكن (٢): حدثني، قد تُطلق في الإجازة تدليساً. وأرفَعُها مقداراً ما يقع في الإملاء؛ لِمَا فيه من التثبت والتحفظ. والثالث: وهو أخبرني، والرابع: وهو قرأت = لمن قرأ بنفسه [٢٤/ أ] على الشيخ، فإن جَمَع (٣) كأنْ يقولَ: أخبرنا، أو: قرأنا عليه، فهو كالخامس (٤)، وهو: قُرِئَ عليه وأنا أسمع. وَعُرِفَ من هذا أن التعبيرَ "بِقَرَأْتُ" لِمَن قرأَ خيرٌ مِن التعبير بالإخبار؛ لأنه أَفصحُ بصورةِ الحال.

стр. 162

تنبيه: القراءة على الشيخ أَحَدُ وجوهِ التحمل عند الجمهور، وأَبْعَدَ مَنْ أبى ذلك مِن أهل العراق، وقد اشتد إنكارُ الإمام مالك (١)، وغيره من المدنيين، عليهم في ذلك، حتى بالغ بعضهم فرجَّحها على السماع مِن لفظ الشيخ، وذهب جَمْعٌ جَمٌّ، منهم البُخَارِيّ -وحكاه في أوائل "صحيحه" (٢) عن جماعةٍ مِن الأئمة- إلى أن السماعَ مِن لفظِ الشيخِ والقراءةَ عليه -يعني في الصحة والقوة- سواء، والله أعلم. [مفهوم الإنباءِ لغةً واصطلاحاً] والإنباءُ مِن حيثُ اللغةُ (٣) واصطلاحُ المتقدمين بمعنى الإخبارِ، إلا في عُرْف المتأخرين فهو للإجازة كـ"عن"، لأنها في عرف المتأخرين للإجازة. [المعنعن وحكمه] وعنعنة المعاصِرِ محمولةٌ على السماع (٤)، بخلافِ غيرِ المعاصر فإنها تكون

стр. 163

مرسَلةً أو منقطعةً، فشرْطُ حملها على السماع: ثبوت المعاصَرَةِ، إلا مِن الْمُدَلِّس (١) فإنها ليست محمولةً على السماع. وقيل: يُشْترط في حمل عنعنةِ المعاصِرِ على السماع ثبوتُ لقائهما، أَيْ: الشيخ والراوي عنه، ولو مرةً واحدةً؛ لِيَحْصل الأمنُ مِن باقي مَعُنْعَنِهِ (٢) عن كونِهِ من المرسَل الخفيِّ، وهو المختار، تبعاً لعلي بن المديني، والبُخَارِيّ، وغيرهما من النُّقَّاد. [أحكام طرق التحمل والأداء] وأطلقوا المشافهةَ في الإجازة المتلفَّظ بها تجوزاً، وكذا الْمُكاتَبَةُ في الإجازة المكتوبُ بها: وهو موجود في عبارةِ كثيرٍ مِن المتأخرين، بخلاف المتقدمين؛ فإنهم إنما يطلقونها فيما كَتب به الشيخ مِن الحديث إلى الطالب، سواءٌ أَذِن له في روايته أم لا، لا فيما إذا كَتَب إليه بالإجازة فقط. [شرط الرواية بالمناولة] واشترطوا في صحة الرواية بالمناولة: اقترانَها بالإذن بالرواية، وهي -إذا حَصَل هذا الشرط- أرفعُ أنواعِ [٢٤/ ب] الإجازة؛ لِما فيها من التعيين والتشخيص. وصُوْرَتُها: أن يَدفع الشيخُ أصلَهُ، أو ما قام مقامَهُ للطالب، أو: يُحْضِرُ (٣) الطالبُ الأصلَ للشيخ، ويقول له في الصورتين: هذا روايتي عن فلان فارْوِهِ عَنِّي، وشرْطه، أيضاً: أن يُمَكِّنَهُ منه: إما بالتمليك، وإما بالعاريّة؛ لِيَنْقُلَ منه

стр. 164

ويقابلَ عليه، وإلا (١) إنْ ناولَهُ واستردَّ في الحال فلا يتبين لها زيادةُ (٢) مزيّةٍ على الإجازة المعَيَّنة، وهي: أن يُجِيزه الشيخُ بروايةِ كتابٍ معَيَّنٍ ويُعَيِّن له كيفية روايته له. وإذا خَلَت المناولة عن الإذن لم يُعْتَبَرْ بها عند الجمهور، وجَنَح مَن اعتبرها إلى أنَّ مناولته إياه [تقوم] (٣) مقام إرساله إليه بالكتاب مِن بلدٍ إلى بلد. وقد ذهب إلى صحةِ الرواية بالكتابة المجرَّدةِ جماعةٌ مِن الأئمة، ولو لم يُقْرَنْ (٤) ذلك بالإذن بالرواية، كأنهم اكتفوا في ذلك بالقرينة، ولم يَظْهر لي فرقٌ قويٌّ بين مناولةِ الشيخ مِن يده للطالب، وبين إرساله إليه بالكتاب مِن موضعٍ إلى آخر، إذا خَلا كلٌّ منهما عن الإذن. [شرط الوِجَادة والوصيّة بالكتاب والإعلام] وكذا اشترطوا الإذن في الوِجَادة: وهي: أن يَجِدَ بخطٍّ يَعْرِفُ كاتِبَهُ (٥) فيقول: ((وجدت بخط فلان))، ولا يَسُوغُ فيه إطلاقُ أخبرني بمجرد ذلك، إلا إن كان له مِنه إذْنٌ بالرواية عنه، وأَطْلَقَ قومٌ ذلك فَغُلِّطوا (٦).

стр. 165

وكذا الوصية بالكتاب: وهو (١): أن يوصي عند موته، أو سفره، لشخصٍ مُعَيَّنٍ، بأصله، أو بأصوله، فقد قال قوم مِن الأئمة المتقدمين: يجوز له أن يروي تلك الأصول عنه بمجرد هذه (٢) الوصية، وأَبَى ذلك الجمهور، إلا إنْ كان له منه إجازةٌ. وكذا اشترطوا (٣) الإذن بالرواية في الإعلام: وهو: أن يُعْلِمَ الشيخُ أحدَ الطلبة بأنني أروي الكتاب الفلاني عن فلان، فإنْ كان له منه إجازةٌ اعْتُبِرَ، وإلا فلا عِبْرَةَ بذلك. كالإجازة العامة في الْمُجَازِ له، لا في [٢٥/ أ] المجاز به، كأن يقول: أجزتُ لجميع المسلمين، أو لِمَن أَدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلاني، أو لأهل البلد (٤) الفلانية، وهو أقرب إلى الصحة؛ لقرب الانحصار. وكذا (٥) الإجازة للمجهول، كأنْ يكون مبهماً أو مُهْمَلاً. وكذا الإجازة للمعدوم كأنْ يقولَ: أجَزْتُ لمن سيولد لفلان، وقد قيل: إنْ عَطَفَه على موجودٍ صحّ، كأنْ يقول: أجزت لك ولِمَن سيولد لك، والأقرب عدمُ الصحة، أيضاً، وكذلك الإجازة لموجودٍ، أو معدومٍ، عُلِّقَتْ بشرطِ مشيئةِ الغير، كأنْ يقول: أجزتُ لك إن شاء فلان، أو

стр. 166

أجزتُ لِمَن شاء فلان، لا أن يقول: أجزت لك إن شئت. وهذا في (١) الأصح في جميع ذلك. وقد جَوَّز الرواية بجميع ذلك -سِوى المجهول، ما لم يتبين المراد منه- الخطيبُ (٢)، وحكاه عن جماعةٍ مِن مشايخه. واستعمَلَ الإجازةَ للمعدوم مِن القدماء أبو بكر بن أبي داود (٣)، وأبو عبد الله بن مَنْدَه (٤)، واستعمل المعلَّقةَ منهم، أيضاً، أبو بكر بن أبي خيثمة (٥)، ورَوى بالإجازة العامة جَمْعٌ كثير جَمَعَهُمْ بعض الحُفّاظ في كتَاب، ورتَّبهم على حروف المعجم لكثرتهم (٦).

стр. 167

وكلُّ ذلك، كما قال ابن الصلاح (١): توسُّعٌ غيرُ مَرْضيٍّ؛ لأن الإجازة الخاصة الْمُعَيَّنَةَ مُخْتَلَفٌ في صحتها اختلافاً قويّاً عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين، فهي دون السماع بالاتفاق، فكيف إذا حَصَل فيها الاسترسال المذكور! فإنها تزداد ضعفاً، لكنها، في الجملة، خيرٌ مِن إيراد الحديث مُعْضَلاً (٢). والله تعالى أعلم. وإلى هنا انتهى الكلام في أقسام صيغ الأداء. ثم الرواة: [المُتَّفِقُ والمُفْتَرِقُ] ١ - إن اتفقتْ أَسماؤهم وأسماء آبائهم فصاعداً، واختلفتْ أشخاصهم، سواء اتفق في ذلك اثنان منهم أو أكثر، وكذلك إذا اتفق اثنان فصاعداً في الكنية والنسبة = فهو النوع الذي يقال له: المُتَّفِقُ والْمُفْتَرِقُ.

стр. 168

وفائدة معرفته: خشيةُ أن يُظَنَّ الشخصانِ [٢٥/ ب] شخصاً واحداً، وقد صَنَّفَ فيه الخطيب كتاباً حافلاً، وقد لَخَّصتُه وزدتُ عليه شيئاً كثيراً. وهذا عكس ما تقدم من النوع المسمى بالمهمل (١)؛ لأنه يُخشى منه أن يُظَنَّ الواحد اثنين، وهذا يُخشى منه أن يظن الاثنان واحداً. [المُؤتَلِفُ والمُخْتَلِفُ] ٢ - وإن اتفقت الأسماء خطّاً واختلفت نُطْقاً سواء كان مرجع الاختلاف النَّقْط أم الشَّكْل فهو الْمُؤْتَلِفُ والْمُخْتَلِفُ. ومعرفته مِن مهمَّات هذا الفن، حتى قال علي بن المديني (٢): أشدُّ التصحيف ما يقع في الأسماء. ووجَّهَهُ بعضُهم (٣) بأنه شيء لا يَدْخله القياسُ، ولا قَبْله شيء يَدُلُّ عليه، ولا بَعْدَهُ، وقد صَنَّفَ فيه أبو أحمد العسكري، لكنه، أضافه إلى كتابِ التصحيف له، ثم أفرده بالتأليف عبد الغني بن سعيد فَجَمع فيه كتابين (٤): كتاب (٥) في مُشْتَبِهِ الأسماء، وكتاب (٦) في مُشْتَبِهِ النسبة، وجَمَع شيخُهُ الدارقطني في ذلك كتاباً حافلاً (٧) ثم جَمَع الخطيب ذيلاً.

стр. 169

ثم جَمَع الجميعَ أبو نصر بن ماكولا (١) في كتابه "الإكمال"، واستدرك عليهم في كتابٍ آخرَ جَمَع فيه أوهامهم وبَيَّنها، وكتابُه مِنْ أجمعِ ما جُمِعَ في ذلك، وهو عمدُة كلِّ محدِّثٍ بعده. وقد استدرك عليه أبو بكرٍ بنُ نقطةَ ما فاته، أو تَجدَّد بعده في مجلدٍ ضخم، ثم ذَيّل عليه منصور بن سَليم (٢) -بفتح السين- في مجلدٍ لطيف، وكذلك، أبو حامد بن الصابوني (٣)، وجَمَع الذهبي (٤) في ذلك كتاباً مختصَراً جدّاً اعتمد فيه على الضبط بالقلم؛ فَكَثُرَ فيه الغلط والتصحيف الْمُبَايِنُ لموضوعِ الكتاب.

стр. 170

وقد يَسَّر (١) الله تعالى بتوضيحه في كتاب سَمَّيتُه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه"، وهو مجلدٌ واحدٌ؛ فضبطتُه بالحروف على الطريقة المرْضِيَّة، وزدتُ عليه شيئاً كثيراً مما أهمله، أو لم يقف عليه، ولله الحمد على ذلك. [المتشابه من الرُّواة] ٣ - وإن اتفقت الأسماء: خَطّاً ونُطْقاً، واختلف الآباء [٢٦/ أ] نُطْقاً، مع ائتلافهما (٢) خَطّاً: كمحمد بن عَقيل -بفتح العين- ومحمد بن عُقَيْل -بضمها-: الأول نيسابوريٌّ، والثاني فِرْيابيّ، وهما مشهوران وطبقتُهُما متقاربة. أو بالعكس: كأنْ تختلف الأسماء: نُطْقاً، وتَأْتَلِف خَطّاً، وتتفق الآباء: خَطّاً ونُطْقاً: كشُرَيْح بن النعمان، وسُرَيْج بن النعمان، الأول بالشين المعجمة والحاء المهملة وهو تابعيٌّ يروي عن علي ?، والثاني بالسين المهملة والجيم وهو من شيوخ البُخَارِيّ = فهو النوع الذي يقال له: المتشابه. وكذا إنْ وَقَعَ ذلك الاتفاق في الاسم واسم الأب، والاختلافُ في النسبة، وقد صَنَّفَ فيه الخطيب كتاباً جليلاً سَمَّاهُ "تلخيص المتشابه" ثم ذيّل (٣) عليه أيضاً بما فاته أَوَّلاً، وهو كثير الفائدة. ويتركب منه ومما قبله أنواع: منها: أن يَحْصل الاتفاق أو الاشتباه في الاسم واسم الأب، مثلاً، إلا في حرفٍ أو حرفين، فأكثرَ، مِن أحدهما، أو منهما. وهو على قسمين:

стр. 171

أ- إما بأن يكون الاختلاف بالتغيير، مع أنّ عدد الحروف ثابتةٌ (١) في الجهتين. ب- أو يكون الاختلاف بالتغيير مع نقصانِ بعض الأسماء عن بعض. فَمِن أمثلة الأول: محمد بن سِنان -بكسر المهملة ونونين بينهما أَلِفٌ- وهُمْ جماعةٌ، منهم العَوَقِيّ -بفتح العين والواو ثم القاف- شيخ البُخَارِيّ، ومحمد بن سَيَّار -بفتح المهملة وتشديد الياء التحتانية وبعد الألف راء- وهُمْ أيضاً جماعةٌ، منهم: [اليمامي] (٢) شيخ عمر بن يونس. ومنها: محمد بن حُنَين -بضم المهملة ونونين الأولى مفتوحة بينهما ياء تحتانية- تابعيٌّ يَروي عن ابن عباس وغيره، ومحمد بن جُبَيْر -بالجيم بعدها موحدة وآخره راء- وهو محمد بن جُبَيْر من مُطْعِم، تابعي مشهور، أيضًا. ومِن ذلك: مُعَرِّف بن واصل، كوفي مشهور، ومُطَرِّفُ بن واصل -بالطاء بدل العين- شيخٌ آخرُ يروي عنه أبو حذيفة النَّهْدِي. ومنه، أيضاً: أحمد بن الحسين صاحب إبراهيم [٢٦/ ب] بن سعد (٣)، وآخرون، وأَحْيَدُ بن الحسين، مثله، لكن، بدل الميم ياء تحتانية، وهو شيخٌ بخاريٌّ يروي عنه عبد الله بن محمد (٤) البِيكَنْدِي. ومِن ذلك، أيضاً: حفص بن ميسرة، شيخٌ مشهور من طبقة مالك، وجعفر

стр. 172

ابن ميسرة، شيخ لعبيد الله بن موسى الكوفي، الأول بالحاء المهملة والفاءِ بعدها صاد مهملة، والثاني بالجيم والعين المهملة بعدها فاء ثم راء. ومن أمثلة الثاني: عبد الله بن زيد، وهُم جماعة: منهم في الصحابة: - صاحب الأذان، واسم جده: عبد ربه. - وراوي حديث الوضوء، واسم جده: عاصم. وهما أنصاريان. وعبد الله بن يزيد، بزيادة ياء في أول اسم الأب والزاي مكسورة، وهُم أيضاً جماعة: منهم في الصحابة: - الخَطْمِي، يُكْنَى أبا موسى وحديثه في الصحيحين (١). - والقارئ، له ذكْرٌ في حديث عائشة. وقد زعم بعضهم أنه الخطمي. وفيه نظرٌ (٢). ومنها: عبد الله بن يحيى، وهم جماعةٌ، وعبد الله بن نُجَيّ -بضم النون وفتح الجيم وتشديد الياء- تابعيٌّ معروف يَرْوِي عن علي. [المتشابه والمقلوب] ٤ - أو يحصل الاتفاقُ في الخط والنطق، لكن، يحصل الاختلاف أو الاشتباه بالتقديم والتأخير: إما في الاسمين جملةً، أو نحو ذلك، كأن يقع التقديمُ والتأخيرُ في الاسم الواحد في بعض حروفه بالنسبة إلى ما يشتبه به. مثال الأول: الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود وهو ظاهر، ومنه عبد الله

стр. 173

ابن يزيد ويزيد بن عبد الله. ومثال الثاني: أيوب بن سَيّار، وأيوب بن يَسار، الأول مدني مشهور ليس بالقويّ، والآخَرُ مجهول. خاتِمَةٌ ومِن المهم عند المحدثين معرفةُ طبقاتِ الرواة: [طبقات الرواة] وفائدته: الأمن مِن تداخل المشتبهين، وإمكان الاطّلاع على تبيين المدلِّسين (١) (٢)، والوقوفُ على حقيقة المراد مِن العنعنة. والطبقة في اصطلاحهم: عبارةٌ [٢٧/ أ] عن جماعةٍ اشتركوا في السِّنِّ ولقاءِ المشايخ. وقد يكون الشخص الواحد مِن طبقتين باعتبارين، كأنس بن مالك ?، فإنه من حيثُ ثبوتُ صحبتِهِ للنبي ﷺ يُعَدُّ في طبقة العشرة، مثلاً، ومن حيثُ صِغَرُ السِّنِّ يُعَدُّ في طبقةٍ (٣) بعدهم، فمَنْ نظر إلى الصحابة باعتبار الصحبة جَعَلَ الجميعَ طبقةً واحدةً، كما صنع ابن حِبّان (٤)، وغيره، ومَنْ نظر إليهم باعتبارِ قدرٍ زائدٍ، كالسَّبْقِ إلى الإسلام، أو شهودِ المشاهِدِ الفاضلة، جعَلهم

стр. 174

طبقاتٍ، وإلى ذلك جَنَح صاحب "الطبقات" (١) أبو عبد الله محمد بن سعد البغدادي (٢)، وكتابُه أجمعُ ما جُمِعَ في ذلك. وكذلك مَن جاء بعد الصحابة، وهم التابعون: مَن نظر إليهم باعتبارِ الأخذِ عن بعض الصحابةِ = فقد جعَل الجميعَ طبقةً واحدةً، كما صنع ابن حبان (٣)، أيضاً، ومَن نَظر إليهم باعتبار اللقاء قسَّمهم، كما فعل محمد بن سعد (٤)، ولكلٍّ منهما وجْهٌ. [التاريخ] ومِن المهم، أيضاً: معرفة مواليدهم، ووفياتهم (٥)؛ لأنَّ بمعرفتِها يَحْصل الأمْنُ مِنْ دَعوى المدِّعي لِلِقاءِ بعضهم، وهو في نفس الأمر ليس كذلك. [أوطان الرواة] ومِن المهم، أيضاً: معرفةُ بُلْدانهم وأوطانهم، وفائدتُهُ: الأمنُ مِن تداخل الاسمين إذا اتَّفقا (٦)، لكن، افترقا بالنسب. [معرفة الثقات والضعفاء] ومِن المهم، أيضاً: معرفةُ أحوالهم: تعديلاً وتجريحاً، وجهالةً؛ لأن الراوي إما أن

стр. 175

تُعرَفَ عدالتُهُ، أو يُعرَفَ فِسْقُهُ، أوْ لا يُعرَفُ فيه شيءٌ مِن ذلك (١).

стр. 176

ومِن أهم ذلك، بعدَ الاطّلاع: معرفةُ مراتبِ الجرح والتعديل. لأنهم قد يَجْرحون الشخصَ بما لا يستلزم رَدَّ حديثِه كلِّهِ، وقد بَيَّنَّا أسبابَ ذلك فيما مضى، وحصرناها في عشرةٍ، وتقدَّم شرحُها مُفَصَّلاً. والغرضُ هنا ذِكْرُ الألفاظ الدالة في اصطلاحهم على تلك المراتب. [مراتب الجرح] وللجرح مراتب (١):

стр. 177

أسوأُها: الوصف بما دل على المبالغة فيه، وأصرح ذلك التعبير بأَفْعَلَ، [٢٧/ ب] كأكذب الناس، وكذا قولهم: إليه المنتهى في الوضع، أو هو رُكْن الكذب، ونحو ذلك. ثم: دجّال، أو وَضّاع، أو كذّاب؛ لأنها وإنْ كان فيها نوعُ مبالغةٍ، لكنها دون التي قبلها.

стр. 178

وأَسْهَلُها، أيْ: الألفاظ الدالة على الجرح = قولهم: فلانٌ لَيِّنٌ، أو سَيِّءُ الحفظ، أو: فيه أدنى مقالٍ. وبَيْنَ أسوأِ الجرح وأسهلِهِ مراتبُ لا تخفى. قولهم: (١) متروكٌ، أو ساقطٌ، أو فاحشُ الغلطِ، أو منكرُ الحديثِ، أشدُّ مِن قولهم: ضعيفٌ، أو ليس بالقوي، أو فيه مقالٌ. [مراتب التعديل] ومِن المهم، أيضاً: معرفة مراتب التعديل: وأرفعها: الوصف، أيضاً، بما دَلَّ على المبالغة فيه، وأصْرَحُ ذلك: التعبيرُ بأفعلَ، كأوثقِ الناس، أو أثبتِ الناس، أو إليه المنتهى في التثبتِ. ثم ما تأكد بصفةٍ مِن الصفات الدّالّة على التعديل، أو وصفين: كثقةٍ (٢) ثقةٍ، أو ثبتٍ ثبتٍ، أو ثقةٍ حافظٍ، أو عدلٍ ضابطٍ، أو نحو ذلك. وأدناها: ما أَشْعَر بالقربِ مِن أسهلِ التجريح: كشيخٍ، وَيُرْوَى حديثه، ويُعْتَبَرْ به، ونحوِ ذلك. وبَيْنَ ذلك مراتبُ لا تَخْفَى. [أحكام الجرح والتعديل] وهذه أحكامٌ تتعلق بذلك، ذُكِرَتْ (٣) ها هنا لتكملةِ الفائدة، فأقول: تُقبَل التزكيةُ مِن عارفٍ بأسبابها، لا مِن غير عارفٍ؛ لئلا يُزَكِّيَ بمجردِ ما ظَهر له ابتداءً، مِن غير ممارسةٍ واختبارٍ، ولو كانت التزكية صادرةً من مُزَكٍّ واحدٍ، على الأصح، خلافاً لِمَن شرَط أنها لا تُقبَل إلا مِن اثنين؛ إلحاقاً لها

стр. 179

بالشهادة، في الأصح، أيضاً. والفرق بينهما: أنّ التزكيةَ تُنَزَّلُ منزلةَ الْحُكْم؛ فلا يُشتَرَط فيها العدد، والشهادةُ تقع مِن الشاهد عند الحاكم؛ فافترقا. ولو قيل: يُفَصَّلُ بين ما إذا كانت التزكية في الراوي مستندةً مِن المزكِّي إلى اجتهاده، أو إلى النَّقْل عن غيره لكان مُتَّجِهاً؛ فإنه (١) إنْ كان الأولَ (٢) فلا يُشترط العَدَدُ أصلاً؛ لأنه [٢٨/ أ] حينئذٍ يكون بمنزلة الحاكم، وإن كان الثانِيَ فَيَجْرِي (٣) فيه الخلافُ. وتبيّنَ أنه، أيضاً (٤)، لا يُشترط العدد؛ لأن أصل النقل لا يُشترط فيه العدد؛ فكذا ما تَفرَّع عنه (٥). والله أعلم. [ليس كل جَرْح جارحٍ يُقْبَل] وينبغي (٦) أن لا يُقْبل الجرح والتعديل إلا مِن عدلٍ مُتَيَقِّظٍ؛ فلا يُقْبل

стр. 180

جرحُ مَن أَفْرَطَ فيه؛ فَجَرَحَ (١) بما لا يقتضي ردَّ حديث المحدِّث، كما لا تُقبل (٢) تزكيةُ مَن أَخذ بمجرد الظاهر؛ فأَطلق التزكيةَ. وقال الذهبي (٣) -وهو مِن أهل الاستقراء التامّ في نقْد الرجال-: ((لم يَجتمع اثنان مِن علماء هذا الشأن قطُّ على توثيقِ ضعيفٍ، ولا على تضعيفِ ثقةٍ)) (٤) انتهى. ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يُترَكُ حديثُ الرجلِ حتى يجتمعَ الجميعُ على تركه (٥). وَلْيَحْذَر المتكلمُ في هذا الفن مِن التساهل في الجرح والتعديل؛ فإنه إنْ عدّلَ بغيرِ تثبّتٍ كان كالْمُثْبِتِ حُكْماً ليس بثابتٍ، فَيُخْشَى عليه أن يَدْخل في زمرة مَن رَوى حديثاً وهو يُظَن أنه كَذِبٌ (٦)، وإن جَرَحَ
следующие страницы →