← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.

стр. 10571

(فعصوا رسول ربهم) أي فعصت كل أمة رسولها المرسل إليها، قال الكلبي هو موسى وقيل لوط لأنه أقرب قيل ورسول هنا بمعنى رسالة (فأخذهم) الله سبحانه (أخذة رابية) أي نامية زائدة على أخذات الأمم كما قاله الزجاج، وقال مجاهد: شديدة، والمعنى أنها بالغة في الشدة إلى الغاية يقال ربا الشيء يربو إذا زاد وتضاعف، ومنه الربا إذا أخذ وزاد في الذهب أو الفضة أكثر مما أعطى.

стр. 10572

(إنا لما طغى الماء) أي تجاوز حده في الارتفاع والعلو وزاد على أعلى جبل في الدنيا خمسة عشر ذراعاً وذلك في زمن نوح لما أصر قومه على الكفر وكذبوه، وقيل طغى على خزانه من الملائكة غضباً لربه فلم يقدروا على حبسه، قاله علي، قال قتادة زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً قال ابن عباس طغى على خزانه فنزل ولم ينزل من السماء ماء إلا بمكيال أو ميزان إلا زمن نوح فإنه طغى فنزل بغير كيل ولا وزن. (حملناكم في الجارية) أي في أصلاب آبائكم أو حملناهم وحملناكم في أصلابهم تغليباً للمخاطبين على الغائبين، والجارية سفينة نوح وسميت جارية لأنها تجري في الماء وهو أول من صنع السفن وكان يعلمه جبريل صنعتها فاتخذها على هيئة صدر الطائر ليكون ما يجري في الماء مقارباً لما يجري في الهواء، ومحل في الجارية النصب على الحال أي رفعناكم فوق الماء حال كونكم في السفينة. ولما كان المقصود من ذكر قصص هذه الأمم وذكر ما حل بهم من العذاب زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول قال

стр. 10573

(لنجعلها)

стр. 10574

أي هذه الأمور المذكورة (لكم) يا أمة محمد ﷺ (تذكرة) أي عبرة وموعظة تستدلون بها على عظيم قدرة الله سبحانه وبديع صنعه أو لنجعل هذه الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين لكم تذكرة أو هذه السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة، قال ابن جريج كانت ألواحها على الجودي، والمعنى أبقيت لكم تلك الخشبات حتى تذكر. (وتعيها أذن واعية) أي تحفظها بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت، قال الزجاج يقال أوعيت كذا أي حفظته في نفسي أعيه وعياً ووعيت العلم ووعيت ما قلته كله بمعنى وأوعيت المتاع في الوعاء، ويقال لكل ما وعيته في غير نفسك أوعيته بالألف ولما حفظته في نفسك وعيته بغير ألف. قال قتادة: في تفسير هذه الآية أذن سمعت وعقلت ما سمعت، قال الفراء: المعنى لتحفظها كل أذن عظة لمن يأتي بعد، وتعيها بكسر العين باتفاق القراء السبعة، وقريء بإسكانها تشبيهاً لهذه الكلمة برحم وشهد وإن لم تكن من ذلك وجعل الأذن حافظة ومستمعة ومتذكرة ومتفكرة وعاملة تجوز لأن الفاعل لذلك صاحبها ولا ينسب إليها غير السمع، وإنما أتى به مشاكلة لقوله واعية. عن علي في الآية قال: " قال لي رسول الله ﷺ سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي فقال علي ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئاًً فنسيته " أخرجه سعيد بن منصور وأبو نعيم وغيرهما. قال ابن كثير وهو حديث مرسل. وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ لعلي " إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي، وحق لك أن تعي، فنزلت هذه الآية (وتعيها أذن واعية) فأتت أُذنٌ واعيةٌ لعلي " أخرجه ابن جرير وغيره، قال ابن كثير ولا يصح وعن ابن عمر قال أذن عقلت عن الله. ولما ذكر الله سبحانه القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها شرع في

стр. 10575

تفاصيل أحوالها وبدأ لذكر مقدماتها فقال

стр. 10576

(فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) قال عطاء يريد النفخة الأولى وبه قال القاضي كالكشاف: أي التي عندها خراب العالم، وقال الكلبي ومقاتل: يريد النفخة الأخيرة ولم يؤنث الفعل وهو نفخ لأن التأنيث مجازي وحسنه الفضل، قرأ الجمهور بالرفع فيهما على أن نفخة مرتفعة على النيابة وواحدة تأكيد لها وقريء بنصبهما على أن النائب هو الجار والمجرور، وقال الزجاج: قوله في الصور يقوم مقام ما لم يسم فاعله.

стр. 10577

(وحملت الأرض والجبال) أي رفعت من أماكنها وقلعت عن مقرها بمجرد القدرة الإلهية أو بتوسط الزلزلة أو الريح العاصفة أو الملائكة، وهذا الرفع بعد خروج الناس من قبورهم، قرأ الجمهور بالتخفيف وقريء بتشديد الميم للتكثير أو للتعدية. (فدكتا دكة واحدة) أو فكسرتا كسرة واحدة لا زيادة عليها أو ضربتا ضربة واحدة بعضهما ببعض حتى صارتا (كثيباً مهيلاً) و (هباء منبثاً) فلم يتميز شيء من أجزائهما عن الآخر، وقيل بسطتا بسطة واحدة فصارتا (قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً) من قولهم اندك سنام البعير إذ تفرش على ظهره، وبعير أدك وناقة دكاء ومنه الدكان وهذه الدكة كالزلزلة. قال أبيّ بن كعب في الآية تصيران غبرة على وجوه الكفار لا على وجوه المؤمنين وذلك قوله (وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة) قال الفراء ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة ومثله قوله تعالى (إن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما).

стр. 10578

(فيومئذ وقعت الواقعة) أي قامت القيامة

стр. 10579

(وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) أي انشقت جنبها وانصدعت وتفطرت بنزول ما فيها من الملائكة فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية ساقطة القوة من هول ذلك اليوم بعد ما كانت محكمة، قال الزجاج يقال لكل ما ضعف جداً قد وهى فهو واهٍ وقال الفراء وَهْيُها تَشَقُّقُها، وقال ابن عباس واهية متخرقة أي متساقطة خفيفة لا تتماسك كالعهن المنفوش.

стр. 10580

وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)

стр. 10581

(وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا) أي جنس الملك واقفون على أطرافها وجوانبها التي لم تسقط وهؤلاء من جملة المستثنى بقوله (إلا من شاء الله) وقال القاضي لعل هلاك الملائكة أثر ذلك وقيل يحيون بالنفخة الثانية ويقفون على أرجائها الباقية وهي جمع رجى مقصور وتثنيته رجوان مثل قفى وقفوان. والمعنى أنها لما تشققت السماء وهي مساكنهم لجؤوا إلى أطرافها قال الضحاك إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت وتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض ويحيطون بها ومن عليها، وقال سعيد بن جبير: المعنى والملك على حافات الدنيا أي ينزلون إلى الأرض وقيل إذا صارت السماء قطعاً يقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها، وقال ابن عباس: على حافاتها على ما لم يهي منها. (ويحمل عرش ربك فوقهم) أي فوق رؤوسهم

стр. 10582

(يومئذ) أي يوم القيامة (ثمانية) أي ثمانية أملاك وقيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله ، قاله ابن عباس، وقيل ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة قاله الكلبي وغيره. وقال ابن عباس: أيضاًً ثمانية أملاك صورة الأوعال رؤوسهم عند العرش في السماء السابعة وأقدامهم في الأرض السفلى ولهم قرون كقرون الوعلة ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه خمسمائة عام (١)، واليوم تحمله

стр. 10583

أربعة. وعن ابن مسعود قال ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء وأرض خمسمائة عام، وفضاء كل سماء وأرض خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله على العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، أخرجه أبو سعيد الدارمي وابن خزيمة وغيرهما موقوفاً على ابن مسعود وفي الباب أحاديث كثيرة وصحيحة (١). (يومئذ تعرضون) أي تعرض العباد على الله لحسابهم ومثله (وعرضوا على ربك صفاً) وليس ذلك العرض عليه سبحانه ليعلم به ما لم يكن عالماً به، وإنما هو عرض الاختبار والتوبيخ بالأعمال. عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﵌ " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال، معاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله (٢) " أخرجه أحمد والترمذي، وابن ماجة وغيرهم، وأخرج ابن جرير والبيهقي في البعث عن ابن مسعود نحوه (٣). وجملة (لا تخفى منكم خافية) في محل نصب على الحال من ضمير

стр. 10584

تعرضون أي تعرضون حال كونكم لا يخفى على الله سبحانه من ذواتكم أو أقوالكم وأفعالكم وسرائركم التي كنتم تخفونها في الدنيا خافية كائنة ما كانت، والتقدير أي نفس خافية أو فعلة خافية، قريء بالتاء والياء وهما سبعيتان (١). ولما ذكر سبحانه العرض ذكر تفصيل ما يكون فيه فقال

стр. 10585

(فأما من أوتي كتابه بيمينه) أي أعطي كتابه الذي كتبه الحفظة عليه من أعماله (فيقول) خطاباً لجماعته لما سر به أو لأهله وأقربائه. (هاؤم اقرأوا كتابيه) قال ابن السكيت والكسائي: العرب تقول " ها " يا رجل، وللإِثنين هاؤما يا رجلان وللجمع هاؤم يا رجال، قيل والأصل هاكم فأبدلت الهمزة من الكاف، قال ابن زيد ومعنى هاؤم تعالوا وقال مقاتل هلم وقيل خذوا، والذي صرح به النحاة أنها بمعنى خذ تقول ها بمعنى خذ، هاؤما بمعنى خذا، وهاؤم بمعنى خذوا فهي اسم فعل، وقد يكون فعلاً صريحاً لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها، وفيها ثلاث لغات كما هو معروف في علم الإعراب (١). والهاء في كتابيه وسلطانيه وماليه، هي هاء السكت، وقرأ الجمهور في هذه بإثبات الهاء وقفاً ووصلاً مطابقة لرسم المصحف، ولولا ذلك لحذفت في

стр. 10586

الوصل كما هو شأن هاء السكت، واختار أبو عبيد أن يتعمد الوقف عليها ليوافق اللغة في الحاق الهاء في السكت، ويوافق الخط يعني خط المصحف، وقرأ جماعة بحذفها وصلاً، وإثباتها وقفاً في جميع هذه الألفاظ واختار أبو حاتم هذه إتباعاً للغة، وقريء بحذفها وصلاً ووقفاً، تنازع في كتابيه هاؤم واقرأوا فاعمل الأول عند الكوفيين والثاني عند البصريين، وأضمر في الآخر أي: هاؤموه قرأوا كتابيه أو هاؤم اقرأوه كتابيه.

стр. 10587

(إني ظننت أني ملاق حسابيه) أي علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة، وقيل المعنى إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي فقد تفضل عليّ بعفوه ولم يؤاخذني، قال الضحاك كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ومن الكافر فهو شك، قال مجاهد ظن الآخرة يقين وظن الدنيا شك، قال الحسن في هذه الآية أن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل للآخرة وأن الكافر أساء الظن بربه فأساء العمل. قيل والتعبير بالظن للإشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية غالباً، قال ابن عباس: ظننت أي أيقنت، قال النسفي: وإنما أجرى الظن مجرى العلم لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العبادات والأحكام، ولأن ما يدرك بالاجتهاد قلما يخلو عن الوسواس والخواطر وهي تفضي إلى الظنون، فجاز إطلاق لفظ الظن عليها لما لا يخلو عنه.

стр. 10588

(فهو في عيشة راضية) أي مرضية لا مكروهة أو ذات رضا يرضى بها صاحبها لا يضجر منها ولا يملها ولا يسأمها قال أبو عبيدة والفراء: راضية أي مرضية كقوله (ماء دافق) أي مدفوق فقد أسند إلى العيشة ما هو لصاحبها فكان ذلك من المجاز في الإسناد، والعرب لا تعبر عن أكثر السعادات بأكثر من العيشة الراضية والمعتبر في كمال اللذة الرضا، وقيل المعنى أنه لو كان للمعيشة عقل لرضيت لنفسها بحالتها.

стр. 10589

فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)

стр. 10590

(فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ) أي مرتفعة المكان لأنها في السماء السابعة أو مرتفعة المنازل والمباني أو عظيمة في النفوس، وهو خبر بعد خبر

стр. 10591

(قطوفها دانية) القطوف جمع قطف بكسر القاف ما يقطف من الثمار بالفتح مصدر، والقطاف بالفتح والكسر وقت القطف، والمعنى أن ثمارها قريبة ممن يتناولها من قائم أو قاعد أو مضطجع أو متكىء، عن البراء بن عازب دانية قريبة يتناول الرجل من فواكهها وهو قائم.

стр. 10592

(كلوا واشربوا) أي يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة، وجمع الضمير مراعاة للمعنى وهذا أمر امتنان لا أمر تكليف (هنيئاً) أي أكلاً طيباً لذيذاً وشرباً هنيئاً شهياً مرياً لا تكدير فيه ولا تنغيص (بما أسلفتم في الأيام الخالية) أي بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا، وقال مجاهد هي أيام الصيام.

стр. 10593

(وأما من أوتي كتابه بشماله) قيل تكون يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه بها وقيل تنزع يده اليسرى من صدره إلى خلف ظهره (فيقول) حزناً كرباً لما رأى فيه من سيئاته وسوء عاقبته التي كشف له عنها الغطاء (يا ليتني لم أوت) أي لم أعط (كتابيه) لما يرى فيه من الفضائح

стр. 10594

(ولم أدر ما حسابيه) أي لم أدر أي شيء حسابي لأن كله عليه، والاستفهام للتعظيم

стр. 10595

والتهويل، أي بل استمريت جاهلاً كذلك كما كنت في الدنيا.

стр. 10596

(يا ليتها) أي ليت الموتة التي متها (كانت القاضية) ولم أحي بعدها، ومعنى القاضية القاطعة للحياة، والمعنى أنه تمنى دوام الموت وعدم البعث لما شاهد من سوء عمله، وما يصير إليه العذاب فالضمير في " ليتها " يعود إلى الموتة التي قد كان ماتها وإن لم تكن مذكورة لأنها لظهورها كانت كالمذكورة. قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء عنده أكره من الموت، وشر من الموت ما يطلب منه الموت وقيل الضمير يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت عليّ، لأنه رأى تلك الحالة أشنع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت.

стр. 10597

(ما أغنى عني ماليه) أي لم يدفع عني من عذاب الله شيئاًً، على أن " ما نافية " أو استفهامية والمعنى أي شيء أغنى عني مالي الذي منعت منه حق الفقراء وتعظمت به على عباد الله، وصيغ الخطاب يقتضي أن مالي كلمة واحدة بمعنى المال، وفي أبي السعود ما كان لي من اليسار.

стр. 10598

(هلك عني سلطانيه) أي هلكت وضلت وغابت عني حجتي، كذا قال مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك، وقال ابن زيد: يعني سلطاني الذي في الدنيا وهو الملك لم أجد له الآن نفعاً وبقيت حقيراً ذليلاً، وقيل تسلطي على جوارحي، قال مقاتل يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك. وحينئذ يقول الله عز وجل

стр. 10599

(خذوه فغلوه) أي اجمعوا يديه إلى عنقه بالأغلال والخطاب لخزنة جهنم أي زبانيتها، وسيأتي في سورة المدثر أن عدتهم تسعة عشر، قيل ملكاً وقيل صفاً وقيل صنفاً، حكى الثلاثة الرازي.

стр. 10600

(ثم الجحيم صلوه) أي ادخلوه الجحيم والمعنى لا تصلوه: لا الجحيم وهي النار العظيمة، والترتيب بثم في الزمان فإن إدخاله النار بعد غله، وكذلك إدخاله في السلسلة كما يأتي بعد إدخاله النار، والتراخي المفاد بها

стр. 10601

للتفاوت في الرتب، فكل واحد من المعطوفين بها أشد من العذاب وأغلى مما قبله، وفي الخطيب صلوه أي بالغوا في تصليته إياها، وكرروها بغمسه في النار كالشاة المصلية مرة بعد مرة لأنه كان يتعاظم على الناس، فناسب أن يصلى أعظم النيران.

стр. 10602

(ثم في سلسلة) عظيمة جداً، والسلسلة حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة (ذرعها) أي طولها (سبعون ذراعاً) قال الحسن الله أعلم بأي ذراع هو، وقيل بذراع الملك، قال نوف الشامي: كل ذراع سبعون باعاً كل باع أبعد ما بينك وبين مكة وكان نوف في رحبة الكوفة، قال مقاتل لو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، وقال ابن جريج لا يعرف قدرها إلا الله، وهذا العدد حقيقة أو مبالغة، ومعنى: (فاسلكوه) فاجعلوه فيها بحيث يكون كأنه السلك أي الحبل الذي يدخل في ثقب الخرزات بعسر لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأن تلف عليه، يقال سلكته الطريق إذا أدخلته فيه، ولم تمنع الفاء من تعلق الفعل أي الداخلة عليه بالظرف المتقدم وهو في سلسلة، وتقديمها كتقديم الجحيم للدلالة على التخصيص والاهتمام بذكر أنواع ما يعذبون به؛ وثم لتفاوت ما بينها في الشدة لا للدلالة على تراخي المدة. قال سفيان: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه. قال الكلبي: تسلك سلك الخيط في اللؤلؤ وقال سويد بن أبي نجيح: بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة، قال ابن عباس: السلسة تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود ثم يشوى. وجملة

стр. 10603

(إنه كان لا يؤمن بالله العظيم) تعليل لما قبلها على طريق الاستئناف، وذكر العظيم للإشعار بأنه هو المستحق للعظمة، فمن لا يعظمه فقد استوجب ذلك.

стр. 10604

(ولا يحض على طعام المسكين) أي لا يحث ولا يحرض نفسه على إطعامه من ماله أو لا يحث الغير على إطعامه، ووضع الطعام موضع الإطعام كما يوضع العطاء موضع الإعطاء، والإضافة للمفعول، ويجوز أن يكون في الكلام حذف المضاف أي على بذل طعام المسكين والإضافة له لكونه مستحقة وآخذه فهي لأدنى ملابسة فالحض البعث والحث على الفعل والحرص على وقوعه، ومنه حروف التحضيض المبوب له في النحو لأنه يطلب به وقوع الفعل وإيجاده. وفيه إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث لأن الناس لا يطلبون على المساكين الجزاء فيما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله ورجاء الثواب في الآخرة فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم. وفي جعل هذا قريناً لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين وسد فاقتهم وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم، وعن أبي الدرداء قال: " إن لله سلسلة لم تزل تغلي منها مراجل النار منذ خلق الله جهنم إلى يوم تلقى في أعناق الناس، وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، فحضني على طعام المسكين يا أم الدرداء " أخرجه أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر. وقال الحسن أدركت أقواماً يعزمون على أهليهم أن لا يردوا سائلاً وكان بعضهم يأمر أهله بتكثير المرقة لأجل المساكين ويقول خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع النصف الثاني بالإطعام، وقيل لعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر أن أقبح العقائد الكفر بالله تعالى، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب.

стр. 10605

فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)

стр. 10606

(فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا) أي يوم القيامة في الآخرة (حميم) أي قريب ينفعه أو يشفع له يحرق له قلبه لأنه يوم يفر فيه القريب من قريبه، ويهرب عنده الحبيب من حبيبه

стр. 10607

(ولا طعام إلا من غسلين) أي وليس له طعام يأكله إلا من صديد أهل النار وما ينغسل من أبدانهم من القيح والصديد، وغسلين فعلين من الغسل أو الغسالة فنونه وياؤه زائدتان. قال أهل اللغة هو ما يجري من الجراح إذا ما غسلت، وقال الضحاك والربيع بن أنس: هو شجر يأكله أهل النار، وقال قتادة: هو شر الطعام، وقال ابن زيد: لا يعلم ما هو ولا ما الزقوم إلا الله تعالى، وعن ابن عباس قال: الغسلين الدم والماء والصديد الذي يسيل من لحومهم. وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: " لو أن دلواً من غسلين يهراق في الدنيا لانتن أهل الدنيا (١) أخرجه الحاكم وصححه، وعن ابن عباس أيضاًً قال الغسلين اسم طعام من أطعمة أهل النار، وقال سبحانه في موضع آخر. (ليس لهم طعام إلا من ضريع) فيجوز أن يكون الضريع هو الغسلين، وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى فليس له اليوم ههنا حميم

стр. 10608

إلا من غسلين، على أن الحميم هو الماء الحار، ولا طعام أي ليس لهم طعام يأكلونه، قاله أبو البقاء، ولا ملجىء لهذا التقديم والتأخير. والتوفيق بين ما هنا وبين قوله في محل آخر (إلا من ضريع) وفي موضع آخر (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) وفي موضع آخر (ما يأكلون في بطونهم إلا النار) أنه يجوز أن يكون طعامهم جميع ذلك وأن العذاب أنواع والمعذبين طبقات فمنهم أكلة الغسلين ومنهم أكلة الضريع ومنهم أكلة الزقوم ومنهم أكلة النار لكل باب منهم جزء مقسوم.

стр. 10609

(لا يأكله إلا الخاطئون) المراد بهم أصحاب الخطايا وأرباب الذنوب، قال الكلبي: المراد أهل الشرك، قرأ الجمهور الخاطئون مهموزاً وهو اسم فاعل من خطىء يخطأ من باب علم إذا فعل غير الصواب متعمداً والمخطىء من يفعله غير متعمد، وقرىء الخاطيون بالياء المضمومة بدل الهمزة وقرىء بالطاء المضمومة بدون همزة.

стр. 10610

(فلا أقسم بما تبصرون) من المخلوقات
следующие страницы →