الثاني، ومعنى ألم يعلم الخ أي ألم يطلع على أحواله فيجازيه بها فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وقيل أرأيت الأولى مفعولها الأول الموصول ومفعولها الثاني الشرطية الأولى بجوابها المحذوف المدلول عليه بالمذكور، وأرأيت في الموضعين تكرير للتأكيد، وقيل كل واحد من أرأيت بدل من الأولى، وألم يعلم بأن الله يرى: الخبر.
стр. 11797
(كلا) ردع للناهي ومنع له عن نهيه، واللام في (لئن لم ينته) هي الموطئة للقسم أي والله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر (لنسفعاً بالناصية) السفع الجذب الشديد، ويقال سفعت الشيء إذا قبضته وجذبته، ويقاك سفع بناصية فرسه.
قال الراغب: السفع الأخذ بسفعة الفرس أي بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل به سفعة غضب، اعتباراً بما يعلو من اللون الدخاني من اشتد به الغضب، وقيل للصقر أسفع لما فيه من لمع السواد، أو امرأة سفعاء اللون. انتهى.
وقيل مأخوذ من سفعته النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى سواد، والمعنى لنأخذن بناصيته ولنجرنه إلى النار، وهذا كقوله (فيؤخذ بالنواصي والأقدام) وقيل في الدنيا يوم بدر فقد جره المسلمون إلى القتل فقتله ابن مسعود وهو طريح بين الجرحى وبه رمق وهو يخور، وعبر بالناصية عن جميع الشخص، واكتفى بتعريف العهد عن الإضافة لأنه علم أنها ناصية الناهي.
стр. 11798
(ناصية) وهي شعر مقدم الرأس، وإنما أبدل النكرة من المعرفة لوصفها بقوله (كاذبة) أي في قولها (خاطئة) في فعلها، وهذا على مذهب الكوفيين، فإنهم لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا بشرط وصفها، وأما على مذهب البصريين فيجوز بلا شرط.
قرأ الجمهور بالجر وقرىء بالرفع على إضمار مبتدأ أي هي ناصية، وقرىء بالنصب على الذم، قال مقاتل أخبر عنه بأنه فاجر خاطىء فقال ناصية
стр. 11799
كاذبة خاطئة، تأويلها صاحبها كاذب خاطىء، وفي هذا الإسناد المجازي من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية كاذب خاطىء.
стр. 11800
(فليدع ناديه) أي أهل ناديه لأن النادي هو المجلس الذي يجلس وينتدي فيه القوم ويجتمعون فيه من الأهل والعشيرة، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى ليدع عشيرته وأهله ليعينوه وينصروه، قيل إن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً فنزلت (فليدع ناديه) قال ابن عباس أي ناصره.
стр. 11801
(سندع الزبانية) (١) أي الملائكة الغلاظ الشداد وهم خزنة جهنم كذا قال الزجاج، وقال الكسائي والأخفش وعيسى بن عمر: واحدهم زابن، وقال أبو عبيدة زبنية (٢) وقيل زباني بتشديد الياء، وقيل هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه كعباديد وأبأبيل، وقال قتادة هم الشرط (٣) في كلام العرب، وأصل الزبن الدفع، والعرب تطلق هذا الإسم على من اشتد بطشه.
قرأ الجمهور سندع بالنون، ولم يرسم الواو كما في قوله (يوم يدع الداع) وقرىء سيدعى على البناء للمفعول، ورفع الزبانية على النيابة، والسين في (سندع) ليست للشك فإنه من الله واجب لأنه ينتقم لرسوله من عدوه.
وعن ابن عباس قال " كان النبي ﷺ يصلي، فجاء أبو جهل فقال ألم أنهك عن هذا إنك لتعلم أن ما بها رجل أكثر نادياً مني، فأنزل الله هذه الآية فجاء النبي ﵌ يصلي فقيل ما يمنعك فقال
стр. 11802
قد اسود ما بيني وبينه، قال ابن عباس والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه " أخرجه أحمد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وغيرهم (١).
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم، قالوا نعم قال واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأن على رقبته، قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده، فقيل له مالك فقال إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة فقال رسول الله ﵌ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً قال وأنزل الله (كلا إن الإنسان ليطغى) إلى آخر السورة يعني أبا جهل (فليدع ناديه) يعني قومه (سندع الزبانية) يعني الملائكة (٢).
ثم كرر سبحانه الردع والزجر فقال
стр. 11803
(كلا لا تطعه) فيما دعاك إليه من ترك الصلاة (واسجد) أي صل لله غير مكترث به ولا مبال بنهيه (واقترب) أي تقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة، وقيل المعنى إذا سجدت فاقترب من الله بالدعاء، وقال زيد ابن أسلم واسجد أنت يا محمد واقترب أنت يا أبا جهل من النار، والأول أولى.
والسجود هذا الظاهر أن المراد به الصلاة وعبر عنها بالسجود لأنه أفضل أركانها بعد القيام، وقيل سجود التلاوة، ويدل على هذا ما ثبت عنه ﷺ من السجود عند تلاوة هذه الآية، وقد قدمنا أن النبي ﷺ كان يسجد في (إذا السماء انشقت) وفي (اقرأ باسم ربك الذي
стр. 11804
خلق) وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء " أخرجه مسلم (١).
стр. 11805
سورة القدر
وهي خمس آيات، قال المحلي أو ست آيات قال سليمان الجمل ولم يذكر غيره هذا القول من المفسرين فيما رأينا بل اقتصروا على كونها خمساً، ولعل قائل هذا القول يعد (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) آية مستقلة، ثم رأيت في السمين ما يشير إليه انتهى، وهي مكيّة عند أكثر المفسرين، كذا قال الماوردي، وقال الثعلبي هي مدنية في قول أكثر المفسرين وهو الأصح، وذكر الواقدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة وعن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنها نزلت بمكة.
(إنا أنزلناه) الضمير للقرآن وإن لم يتقدم له ذكر، عظمه حيث أسند إنزاله إليه دون غيره وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للاستغناء عن التنبيه عليه، ورفع مقدار الوقت الذي أنزله فيه، والنون في إنا للتعظيم، روي أنه أنزل جملة واحدة (في ليلة القدر) إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ، ثم كان ينزل على النبي ﷺ ، نجوماً على حسب الحاجة وكان بين نزول أوله وآخره على رسول الله ﷺ ، ثلاث وعشرون سنة.
وفي آية أخرى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) وهي ليلة القدر، وفي آية أخرى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) وليلة القدر في شهر رمضان، قال مجاهد في ليلة القدر، ليلة الحكم.
وقد آخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وغيرهم عن ابن عباس " أنزل القرآن في ليلة القدر حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ثم جعل جبريل ينزل على محمد ﵌، بجواب كلام العباد وأعمالهم ".
ومعلوم أن الإِنزال مستعار للمعاني من الأجرام، شبه نقل القرآن من اللوح إلى السماء وثبوته فيها بنزول جسم من علو إلى سفل، فعلى هذا هو مجاز مستعار قيل: سميت ليلة القدر لأن الله سبحانه يقدر فيها ما شاء من أمره
стр. 11808
إلى السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق وغير ذلك.
وقيل إنها سميت بذلك لعظم قدرها وشرفها، من قولهم لفلان قدر، أي شرف ومنزلة كذا قال الزهري: وقيل سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً وثواباً جزيلاً وقال الخليل: سميت ليلة القدر لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة كقوله (ومن قدر عليه رزقه) أي ضيق.
والأحاديث في فضل ليلة القدر كثيرة وكذا في تعيينها وليس هذا موضع بسطها وقد اختلف في تعيين ليلة القدر على أكثر من أربعين قولاً قد ذكرناها بأدلتها وبيّنا الراجح منها في شرحنا لبلوغ المرام المسمى بمسك الختام، وذكرها الشوكاني في شرحه لمنتقى الأخبار المسمى بنيل الأوطار.
стр. 11809
(وما أدراك ما ليلة القدر) في هذا الاستفهام تفخيم لشأنها حتى كأنها خارجة عن دراية الخلق لا يدريها إلا الله سبحانه، والمعنى ما غاية فضلها ومنتهى علو قدرها. قال سفيان: كل ما في القرآن من قوله وما أدراك فقد أدراه، وكل ما فيه من قوله (وما يدريك) فلم يدره، وكذا قال الفراء.
والمعنى أي شيء يجعلك دارياً بها.
ثم بين فضلها من ثلاثة أوجه أولها قوله
стр. 11810
(ليلة القدر خير من ألف شهر) وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، قال كثير من المفسرين: أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، واختار هذا الفراء والزجاج، وذلك أتى الأوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون فيها من الخير والنفع، فلما جعل الله الخير الكثير في ليلة كانت خيراً من ألف شهر لا يكون فيها من الخير والبركة ما في هذه الليلة.
وقيل أراد بقوله ألف شهر جميع الدهر لأن العرب تذكر الألف في كثير من الأشياء على طريق المبالغة، وقيل وجه ذكر ألف شهر أن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابداً حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل الله لأمة محمد ﷺ ، عبادة ليلة خيراً من عبادة ألف شهر كانوا يعبدونها.
стр. 11811
وقيل أن النبي ﷺ ، رأى أعمار أمته قصيرة فخاف أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته.
عن أنس في الآية قال العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر، وعن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄: " أن رسول الله ﷺ ؛ أرى بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت إنا أعطيناك الكوثر يا محمد يعني نهر في الجنة ونزلت (إنا أنزلناه في ليلة القدر) إلى قوله (ألف شهر) يملكها بعدك بنو أمية، قال القاسم فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً " والمراد بالقاسم هو القاسم بن الفضل المذكور في إسناده أخرجه الترمذي وضعفه وابن جرير والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي.
قال الترمذي أن يوسف هذا مجهول يعني يوسف بن سعد الذي رواه عن الحسن بن علي، قال ابن كثير فيه نظر فإنه قد روى عنه جماعة منهم حماد بن سلمة وخالد الحذاء ويونس بن عبيد، وقال فيه يحيى بن معين هو مشهور وفي رواية عنه هو ثقة، ورواه ابن جرير من طريق القاسم ابن الفضل عن عيسى بن مازن.
قال ابن كثير ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جداً، قال المزني هو حديث منكر.
وقول القاسم بن الفضل أنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر الخ ليس بصحيح فإن جملة مدتهم من عند أن استقل بالملك معاوية وهي سنة أربعين إلى أن سلبهم الملك بنو العباس، وهي سنة اثنتين وثلاثين ومائة مجموعها اثنتان وتسعون سنة، وعن ابن عباس نحو ما روي عن الحسن بن علي، وعن سعيد بن المسيب مرفوعاً مرسلاً نحوه.
стр. 11812
(تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم) هي مستأنفة مبينة لوجه
стр. 11813
فضلها موضحة للعلة التي صارت بها خيراً من ألف شهر، وهذا هو الوجه الثاني، والمعنى متلبسين بإذن ربهم والإذن الأمر، ومعنى تنزل تهبط من السموات إلى الأرض، والروح هو جبريل عند جمهور المفسرين أي ومعهم جبريل، ووجه ذكره بعد دخوله في الملائكة التعظيم له والتشريف لشأنه، وقيل الروح صنف من الملائكة هم أشرافهم، وقيل هم جند من جنود الله من غير الملائكة وقيل الروح الرحمة.
وقد تقدم الخلاف في الروح عند قوله (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً) قرأ الجمهور تنزل بفتح التاء وقرىء بضمها على البناء للمفعول.
(من) أجل (كل أمر) من الأمور التي قضى الله بها في تلك السنة، وقيل أن من بمعنى اللام أي لكل أمر، وقيل هي بمعنى الباء أي بكل أمر، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم، قرأ الجمهور " أمر " وهو واحد الأمور، وقرىء امرىء مذكر امرأة أي من أجل كل إنسان، وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل مع الملائكة فيسلمون على كل إنسان، فـ (من) على هذا بمعنى على، والأول أولى.
وقد تم الكلام عند قوله (من كل أمر) ثم ابتدأ بفضلها الثالث فقال
стр. 11814
(سلام هي) أي ما هي إلا سلامة وخير كلها لا شر فيها، وقيل هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن أو مؤمنة، قال مجاهد هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً ولا أذى.
وقال الشعبي هو تسليم الملائكة على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، يمرون على كل مؤمن ويقولون السلام عليك أيها المؤمن، وقيل يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض، وقال عطاء يريد سلام على أولياء الله وأهل طاعته.
وعن ابن عباس في الآية قال في تلك الليلة تصفد مردة الشياطين وتغل عفاريت الجن وتفتح فيها أبواب السماء كلها ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب،
стр. 11815
فلذا قال سلام هي (حتى مطلع الفجر) قال وذلك من غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر أي حتى وقت طلوعه.
قرأ الجمهور مطلع بفتح اللام، وقرىء بكسرها فقيل هما لغتان في المصدر، والفتح أكثر نحو المخرج والمقتل، وقيل بالفتح اسم مكان وبالكسر المصدر، وقيل العكس و " حتى " متعلقة بتنزل على أنها غاية لحكم التنزل أي لمكثهم في محل تنزلهم بأن لا ينقطع تنزلهم فوجاً بعد فوج إلى طلوع الفجر وقيل متعلقة بسلام بناءً على أن الفصل بين المصدر ومعموله بالمبتدأ مغتفر.
стр. 11816
سورة لم يكن
تسمى سورة البينة، وسورة المنفكين، وسورة القيامة، وسورة البرية، هي ثمان آيات أو تسع آيات وهي مدنية في قول الجمهور، وقيل مكيّة، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس نزلت بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة لم يكن بمكة.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: قال رسول الله ﵌ أن يقرأ عليه.
وعن أبي حية البدري قال: " لما نزلت (لم يكن) إلى آخرها قال جبريل يا رسول الله إن الله يأمرك أن تقرئها أبياً فقال النبي ﵌ لأبيّ " إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة " فقال أبيّ وقد ذُكرت ثَمّ يا رسول الله قال " نعم " فبكى " (١) أخرجه أحمد وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه.
стр. 11817
قيل إن أبياً كان أسرع أخذاً لألفاظ رسول الله ﵌، فأراد بقراءته ﵌، عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع رسول الله ﵌، يقرأ ويعلم غيره.
وعن إسماعيل بن أبي حكيم المزني أحد بني فضل سمعت رسول الله ﵌، يقول: " إن الله يستمع قراءة (لم يكن الذين كفروا) فيقول أبشر عبدي وعزتي وجلالي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى " (١) أخرجه أبو نعيم في المعرفة، قال ابن كثير حديث غريب جداً، وأخرجه أبو موسى المديني عن مطر المزني أو المدني بنحوه.
(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) المراد بهم اليهود والنصارى، ومن للبيان (والمشركين) المراد بهم مشركو العرب، وهم عبدة الأوثان، وقرأ ابن مسعود (لم يكن المشركون وأهل الكتاب) قال ابن العربي وهي قراءة في معرض البيان لا في معرض التلاوة.
وقرأ أبيّ: فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون، وقرأ الأعمش والنخعي والمشركون بالرفع عطفاً على الموصول.
وسمي أهل الكتاب كفاراً مع إيمانهم بكتابهم ونبيهم لأنهم عدلوا عن الطريق المستقيم في التوحيد فكفروا بذلك، فإنه قيل إن اليهود مجسمة وكذلك النصارى لقولهم بالتثليث، وهذا يقتضي كفر جميع أهل الكتاب قبل النبي ﵌، والظاهر خلافه، ولذا قال الماتريدي أن (من) تبعيضية لأن منهم من آمن.
(منفكين) يقال فككت الشيء فانفك أي انفصل، والمعنى أنهم لم يكونوا مفارقين لكفرهم ولا منتهين عما هم عليه
(حتى تأتيهم) أي أتتهم (البينة) أي الحجة الواضحة وقيل الانفكاك بمعنى الانتهاء وبلوغ الغاية التي لم يكونوا يبلغون نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة.
وقيل منفكين زائلين أي لم تكن مدتهم لتزول حتى تأتيهم البينة، يقال
стр. 11820
ما انفك فلان قائماً أي ما زال فلان قائماً، وأصل الفك الفتح ومنه فك الخلخال وقال الأزهري: ليس هو من باب ما انفك وما برح، وإنما هو من باب انفكاك الشيء عن الشيء وهو انفصاله عنه.
وقيل منفكين بارحين أي لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة، وقال ابن كيسان المعنى لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد ﷺ ، حتى بعث، فلما بعث حسدوه وجحدوه وهو كقوله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) وعلى هذا فيكون معنى قوله (والمشركين) إنهم ما كانوا يسيئون القول في رسول الله ﵌، حتى بعث فإنهم كانوا يسمون الأمين، فلما بعث عادوه وأساؤوا القول فيه.
وقيل منفكين هالكين، من قولهم انفك صلبه أي انفصل فلم يلتئم فيهلك، والمعنى لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم، وقيل إن المشركين هم أهل الكتاب فيكون وصفاً لهم لأنهم قالوا المسيح ابن الله وعزير ابن الله.
قال أبو السعود منفكين عما كانوا عليه من الوعد باتباع الحق والإيمان بالرسول المبعوث في آخر الزمان، والعزم على إنجازه، وهذا الوعد من أهل الكتاب مما لا ريب فيه، وأما من المشركين فلعله قد وقع من متأخريهم بعد ما شاع ذلك من أهل الكتاب واعتقدوا صحته بما شاهدوا من نصرتهم على أسلافهم.
وانفكاك الشيء عن الشيء أن يزيله بعد التحامه كالعظم إذا انفك من مفصله، وفيه إشارة إلى كمال وكادة وعدهم، انتهى ملخصاً.
قال الواحدي: ومعنى الآية إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لم ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله حتى أتاهم محمد ﵌ بالقرآن، فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإِيمان، وهذا بيان عن النعمة والإنقاذ به من الجهل والضلالة، والآية فيمن آمن من الفريقين.
стр. 11821
قال: وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء وسلكوا في تفسيرها طرقاً لا تفضي بهم إلى الصواب، والوجه ما أخبرتك فأحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال.
قال ويدل على كون البينة محمداً رسول الله ﵌، إنه فسرها وأبدل بقوله الآتي
стр. 11822
(رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة) يعني ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها وهو القرآن، ويدل على ذلك أنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب، انتهى كلامه.
وقيل إن الآية حكاية لما كان يقوله أهل الكتاب والمشركون إنهم لا يفارقون دينهم حتى يبعث النبي الموعود به، فلما بعث تفرقوا كما حكاه الله عنهم في هذه السورة، والمراد بالبينة على ما قاله الجمهور هو محمد ﵌، لأنه في نفسه بينة وحجة، ولذلك سماه (سراجاً منيراً).
وقد فسر الله سبحانه هذه البينة المجملة بقوله (رسول من الله) فاتضح الأمر وتبين أنه المراد بالبينة، وقال قتادة وابن زيد البينة هي القرآن كقوله (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) وقال أبو مسلم المراد بها مطلق الرسل والمعنى حتى تأتيهم رسل من الله وهم الملائكة، والأول أولى.
قرأ الجمهور برفع رسول على أنه بدل كل من كل على سبيل المبالغة أو بدل اشتمال، قال الزجاج: رسول رفع على البدل من البينة، وقال الفراء: رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر أي هي رسول أو هو رسول، وقرأ ابن مسعود وأبيّ رسولاً بالنصب على القطع، وقوله (من الله) متعلق بمحذوف هو صفة لرسول أي كائن من الله ويجوز تعلقه بنفس رسول.
(يتلو صحفاً مطهرة) صفة أخرى لرسول أو حال، وقال أبو البقاء: التقدير يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله، ومعنى يتلو يقرأ يقال تلا يتلو تلاوة، والصحف جمع صحيفة وهي ظرف المكتوب، ومعنى مطهرة أنها منزهة من
стр. 11823
الزور والضلال، قال قتادة: مطهرة من الباطل.
قال الشهاب: تطهير الصحف كناية عن كونها ليس فيها باطل على الاستعارة المصرحة أو المكنية وقيل مطهرة من الكذب والشبهات والكفر، والمعنى واحد، وقيل معظمة وقيل لا ينبغي أن يمسها إلا المطهرون، والأول أولى.
والمعنى أنه يقرأ ما تتضمنه الصحف والقراطيس من المكتوب فيها فالكتب بمعنى المكتوبات في القراطيس، فالقرآن يجمع ثمرة كتب الله المتقدمة عليه، والرسول وإن كان أمياً لكنه لما تلا ما في الصحف كان كالتالي لها فصح نسبة تلاوة الصحف إليه وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب وإنما يقرأ بالوحي عن ظهر قلب.
стр. 11824
(فيها كتب) صفة لصحف من كتاب أو حال من ضميرها والمراد الآيات والأحكام المكتوبة فيها التي هي مدلول القرآن المكتوب لفظه ونقشه (قيمة) أي مستقيمة مستوية محكمة، من قول العرب قام الشيء إذا استوى وصح، قال صاحب النظم: الكتب بمعنى الحكم كقوله (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) أي حكم، وقوله ﷺ ، في قصة العسيف لأقضين بينكما بكتاب الله، ثم قضى بالرجم وليس الرجم في كتاب الله فالمراد لأقضين بينكما بحكم الله، وبهذا يندفع ما قيل أن الصحف هي الكتب، فكيف قال (صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة) وقال الحسن يعني بالصحف التي في السماء يعني في اللوح المحفوظ كما في قوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ).
стр. 11825
(وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة) مستأنفة لتوبيخ أهل الكتاب وتقريعهم وبيان أن ما نسب إليهم من عدم الانفكاك لم يكن لاشتباه الأمر بل كان بعد وضوح الحق وظهور الصواب، وأيضاًً تصريح بما أفادته الغاية قبله، وإفراد أهل الكتاب بالذكر بعد الجمع بينهم وبين
стр. 11826
المشركين للدلالة على شناعة حالهم وإنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى، فاقتصر عليهم لأنهم أشد جرماً، أو أنه يعلم حال غيرهم بالطريق الأولى فهو من باب الاكتفاء.
فالمعنى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ولا المشركون إلا من بعد الخ قال المفسرون لم يزل أهل الكتاب مجتمعين حتى بعث الله سبحانه محمداً ﵌، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا فآمن به بعضهم وكفر آخرون.
والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات أي وما تفرقوا في وقت من الأوقات إلا من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، وهي بعثة رسول الله ﵌، بالشريعة الغراء والمحجمة البيضاء أو هو ﷺ ، وقيل البينة القرآن وقيل البينة هو البيان الواضح الذي في كتبهم أنه نبي مرسل كقوله (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم).
قال القرطبي قال العلماء: من أول السورة إلى قوله (كتب قيمة) حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين، وقوله (وما تفرق الذين) الخ فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج.
(وما أمروا إلا ليعبدوا الله) حالية مقيدة لغاية قبح ما فعلوا وتقريعهم وتوبيخهم بما فعلوا من التفرق بعد مجيء البينة أي والحال أنهم ما أمروا في كتبهم إلا لأجل أن يعبدوا الله ويوحدوه، وقيل إن اللام في ليعبدوا بمعنى أن أي ما أمروا إلا بأن يعبدوا كقوله (يريد الله ليبين لكم) أي أن يبين، وقوله (يريدون ليطفئوا نور الله) أي أن يطفئوا، والعبادة هي التذلل، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ لأن جماعة عبدوا المسيح والملائكة والأصنام وما أطاعوهم، ولكنها في الشرع صارت إسما لكل طاعة أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم.
(مخلصين له الدين) أي حال كونهم جاعلين دينهم خالصاً له سبحانه أو جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين، قرأ الجمهور مخلصين بكسر اللام، وقرأ الحسن بفتحها.
وهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات لأن الإِخلاص في العمل من عمل القلب، قال الكرخي: الإخلاص أن لا يطلع على عملك إلا الله سبحانه ولا تطلب منه ثواباً، وقال الشهاب الإخلاص عدم الشرك وأنه ليس بمعنى الإِخلاص المتعارف.
وانتصاب (حنفاء) على الحال من ضمير مخلصين فيكون من باب
стр. 11829
التداخل، ويجوز أن يكون من فاعل يعبدوا، والمعنى مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام وقيل متبعين ملة إبراهيم، وقيل حجاجاً، وقيل مختونين محرمين لنكاح المحارم، وقيل الحنيف الذي آمن بجميع الأنبياء والرسل، ولا يفرق بين أحد منهم، والأول أولى.
وأصل الحنف في اللغة الميل وخصه العرف بالميل إلى الخير، وسموا الميل إلى الشر إلحاداً.
والحنيف المطلق هو الذي يكون متبرئاً عن أصول الملل الخمسة اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات، وعن توابعها من الخطأ والنسيان إلى العمل الصالح، وهو مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات، وهو المقام الأول من الورع، وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى ما يعني وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر أحدهما إلى الحق، والثاني إلى الخلق.
(ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) أي يفعلوا الصلوات في أوقاتها ويعطوا الزكاة عند محلها، وخص الصلاة والزكاة لأنهما من أعظم أركان الدين، قيل إن أريد بالصلاة والزكاة ما في شريعة أهل الكتاب من الصلاة والزكاة فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم باتباع شريعتنا وهما من جملة ما وقع الأمر به فيها.
(وذلك) المذكور من عبادة الله وإخلاصها وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (دين القيمة) أي دين الملة المستقيمة والشريعة المتبوعة، قاله الزجاج، فالقيمة صفة لموصوف محذوف، قال الخليل القيمة جمع القيم، والقيم القائم.
قال الفراء أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته لاختلاف اللفظين، وأنث القيمة رداً إلى الملة، وقال الفراء أيضاًً هو من إضافة الشيء إلى نفسه،
стр. 11830
ودخلت الهاء للمدح والمبالغة، وما في الإشارة من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته وسمو مكانته.
ثم بينّ سبحانه حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا فقال
стр. 11831
(إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) عطف على الموصول أو المجرور، وخبر إن (في نار جهنم) أي أنهم يصيرون إليها يوم القيامة. وبدأ بأهل الكتاب لأنهم كانوا يطعنون في نبوته فجنايتهم أعظم لأنهم أنكروه مع العلم به.
(خالدين فيها) حال من المستكن في الخبر، ولم يقل خالدين فيها أبداً كما قال بعد في صفة أهل الثواب لأن رحمته أزيد من غضبه، فلم يتفق الخلودان في الأبدية (أولئك) المذكورون من أهل الكتاب والمشركين المتصفين بالكون في نار جهنم والخلود فيها (هم شر البرية) يقال برأ أي خلق والبارىء الخالق، والبرية الخليقة.
قرأ الجمهور البرية في الموضعين بغير همز وقرىء بالهمز فيهما قال الفراء إن أخذت البرية من البراء وهو التراب لم تدخل الملائكة تحت هذا اللفظ، وإن أخذتها من بريت القلم أي قدرته دخلت، وقيل أن الهمز هو الأصل لأنه يقال برأ الله الخلق بالهمز أي ابتدعه واخترعه، ومنه قوله (من قبل أن نبرأها) ولكنها خففت الهمزة والتزم تخفيفها عند عامة العرب، وظاهر الآية العموم، وقيل شر البرية الذين عاصروا الرسول إذ لا يبعد أن يكون في كفار الأمم من هو شر من هؤلاء كفرعون وعاقر ناقة صالح ﵇.
وشر البرية أفعل تفضيل أي لأنهم يخفون من كتاب الله صفة محمد وأشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا طريق دين الحق على الخلق، وأشر من الجهال لأن الكفر مع العلم يكون عناداً، وهذا فيه تنبيه على أن وعيد علماء السوء أعظم من وعيد كل أحد.
ثم بيّن سبحانه حال الفريق الآخر فقال:
стр. 11832
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح (أولئك) المنعوتون
стр. 11833
بهذا (هم خير البرية) أي في عصره ﷺ ، ولا يبعد أن يكون في مؤمني الأمم السالفة من هو خير منهم.
وعن أبي هريرة قال أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك. واقرأوا إن شئتم (إن الذين آمنوا) الآية.
وعن عائشة قالت: قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله قال: يا عائشة أما تقرأين (إن الذين آمنوا) الآية: أخرجه ابن مردويه:
وعن جابر بن عبد الله قال: " كنا عند النبي ﷺ ، فأقبل علي فقال النبي ﵌: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ونزلت (إن الذين آمنوا) الآية فكان أصحاب محمد ﷺ ، إذا أقبل قالوا قد جاء خير البرية " أخرجه ابن عساكر.
وعن ابن عباس قال: " لما نزلت هذه الآية قال رسول الله لعلي هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين " أخرجه ابن مردويه، وأخرج الضياء عن علي مرفوعاً نحوه.
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً " عليّ خير البرية " وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ " ألا أخبركم بخير البرية قالوا بلى يا رسول الله قال رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بشر البرية قالوا بلى قال الذي يسأل بالله ولا يعطي به " أخرجه أحمد.
стр. 11834
(جزاؤهم عند ربهم) أي ثوابهم عند خالقهم بمقابلة ما وقع منهم من الإيمان والعمل الصالح (جنات عدن) هذا من مقابلة الجمع بالجمع وهو يقتضي انقسام الآحاد على الآحاد فيكون لكل واحد جنة، وقيل الجمع باق على حقيقته وأن لكل واحد جنات كما يدل عليه قوله (ولمن خاف مقام ربه
стр. 11835
جنتان) (ومن دونهما جنتان) فذكر للواحد أربع جنات وأدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات.
والمراد بجنات عدن هي أوسط الجنات وأفضلها يقال عدن بالمكان يعدن عدناً أي أقام ومعدن الشيء مركزه ومستقره (تجري من تحتها الأنهار) الأربعة وهي الخمر والماء والعسل واللبن، وقد قدمنا في غير موضع أنه إن أريد بالجنات الأشجار الملتفة فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد مجموع قرار الأرض والشجر فجري الأنهار من تحتها باعتبار جزئها الظاهر وهو الشجر.
(خالدين فيها أبداً) لا يخرجون منها ولا يظعنون عنها بل هم دائمون في نعيمها مستمرون في لذاتها.
وجملة (رضي الله عنهم ورضوا عنه) مستأنفة لبيان ما تفضل الله به عليهم من الزيادة على مجرد الجزاء وهو رضوانه عنهم حيث أطاعوا أمره، وقبلوا شرائعه، ورضاهم عنه حيث بلغوا من المطالب " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " ويجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً وأن تكون في محل نصب على الحال بإضمار قد.
(ذلك لمن خشي ربه) أي ذلك الجزاء والرضوان لمن وقعت منه الخشية لله سبحانه في الدنيا وانتهى عن معاصيه بسبب تلك الخشية التي وقعت له لا مجرد الخشية مع الانهماك في معاصي الله سبحانه فإنها ليست بخشية على الحقيقة.