← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.

стр. 11866

الحاء وتخفيف الصاد مبنياً للفاعل أي ظهر، قال ابن عباس: بعثر بحث، وحصل أبرز. والمعنى أخرج وجمع بغاية السهولة ما في الصدور من خير وشر مما يظن مضمره إنه لا يعلمه أحد أصلاً وظهر مكتوباً في صحائف الأعمال، وهذا يدل على أن الإنسان يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها وخص أعمال القلوب بالذكر، وترك ذكر أعمال الجوارح لأنها تابعة لأعمال القلوب، فإنه لولا تحقق البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح.

стр. 11867

(إن ربهم) أي إن رب المبعوثين (بهم يومئذ لخبير) لا تخفى عليه خافية فيجازيهم بالخير خيراً وبالشر شراً، قال الزجاج الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره ولكن المعنى أن الله يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم، ومثله قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) معناه أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم. قال الإمام دلت الآية على أنه تعالى عالم بالجزئيات الزمانيات وغيرها لأنه تعالى نص على كونه عالماً بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم، فكيف لا يكون منكره كافراً ذكره الكرخي. قرأ الجمهور بكسر إن وباللام في الخبير، وقرأ أبو السماك بفتح الهمزة وإسقاط اللام.

стр. 11868

سورة القارعة وهي ثمان آيات وقيل إحدى عشرة آية وقيل عشر آيات، وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة.

стр. 11869

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)

стр. 11870

(القارعة) هي من أسماء القيامة، قاله ابن عباس لأنها تقرع القلوب بالفزع، وتقرع أعداء الله بالعذاب. والعرب تقول قرعتهم القارعة إذا وقع بهم أمر فظيع. وقيل أصل القرع الصوت الشديد، ومنه قوارع الدهر، وسميت قارعة بصوت إسرافيل لأنه إذا نفخ في الصور مات جميع الخلائق من شدة صوت نفخته وهي مبتدأ وخبره

стр. 11871

(ما القارعة). قرأ الجمهور بالرفع وقريء بنصبها على تقدير احذروا القارعة، والإستفهام للتفخيم والتعظيم لشأنها كما تقدم بيانه في قوله (الحاقة ما الحاقة) وقيل معنى الكلام على التحذير. قال الزجاج والعرب تحذر وتغري بالرفع كالنصب، والحمل على معنى التفخيم والتعظيم أولى ويؤيده وضع الظاهر موضع المضمر، فإنه أدل على هذا المعنى ويؤيده أيضاًً قوله:

стр. 11872

(وما أدراك ما القارعة) فإنه تأكيد لشدة هولها ومزيد فظاعتها حتى كأنها خارجة عن دائرة علوم الخلق بحيث لا تنالها دراية أحد منهم، وما الإستفهامية مبتدأ وإدراك خبرها، وما القارعة مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني، والمعنى وأي شيء أعلمك ما شأن القارعة.

стр. 11873

ثم بين سبحانه متى تكون القارعة فقال

стр. 11874

(يوم يكون الناس كالفراش المبثوث) إنتصاب الظرف بفعل محذوف تدل عليه القارعة أي تقرعهم يوم يكون إلخ، ويجوز أن يكون منصوباً بتقدير أذكر. وقال ابن عطية ومكي وأبو البقاء هو منصوب بنفس القارعة وقيل هو خبر مبتدأ محذوف وإنما نصب لإضافته إلى الفعل، فالفتحة فتحة بناء لا فتحة إعراب أي هي يوم يكون إلخ وقيل التقدير ستأتيكم القارعة يوم يكون إلخ. وقرأ زيد بن على برفع يوم على الخبرية للمبتدأ المقدر. والفراش الطير الذي تراه يتساقط في النار والسراج، الواحدة فراشة كذا قال أبو عبيدة وغيره. قال الفراء الفراش هو الطائر من بعوض وغيره ومنه الجراد قال وبه يضرب المثل في الطيش والهوج، يقال أطيش من فراشة. والمراد بالمبثوث المتفرق المنتشر يقال بثه إذا فرقه. ومثل هذا قوله سبحانه في آية أخرى (كأنهم جراد منتشر). وقال المبثوث ولم يقل مبثوثة لأن الكل جائز كما في قوله (أعجاز نخل منقعر) (أعجاز نخل خاوية) وقد تقدم بيان وجه ذلك. وفي تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتى منها الطيش الذي يلحقهم وإنتشارهم في الأرض وركوب بعضهم بعضاً. والكثرة والضعف والتذلل إجابة الداعي من كل جهة والتطاير إلى النار.

стр. 11875

(وتكون الجبال) بعد أن تتفتت كالرمل السائل (كالعهن المنفوش) كالصوف الملون بالألوان المختلفة الذي نفش بالندف. والعهن عند أهل اللغة الصوف المصبوغ بالألوان المختلفة، وقد تقدم بيان هذا في سورة (سأل سائل) وقد ورد في الكتاب العزيز أوصاف للجبال يوم القيامة، وقد قدمنا بيان الجمع بينها.

стр. 11876

ثم ذكر سبحانه أحوال الناس وتفرقهم فريقين على جهة الإجمال فقال: "

стр. 11877

(فأما من ثقلت موازينه) " بإتباعه الحق، وقد تقدم القول في الميزان في سورة الأعراف وسورة الكهف وسورة الأنبياء، وقد اختلف فيها هنا فقيل هي جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، وبه قال الفراء وغيره وقيل هي جمع ميزان وهو الآلة التي توضع فيها صحائف الأعمال، وعبر عنه بلفظ الجمع كما يقال لكل حادثة ميزان. وقيل المراد بالموازين الحجج والدلائل. "

стр. 11878

(فهو في عيشة) " حياة " (راضية) " طيبة أو مرضية " فهو إسناد مجازي أو استعارة مكنية وتخييلية أو هي بمعنى المفعول على التجوز في الكلمة نفسها، قال الزجاج: أي ذات رضا يرضاها صاحبها يعني أنها للنسب. وقيل المعنى فاعلة للرضاء وهو اللين والإنقياد لأهلها، والعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة. "

стр. 11879

(وأما من خفت موازينه) " أي رجحت سيئاته على حسناته أو لم تكن له حسنات يعتد بها "

стр. 11880

(فأمه هاوية) " أي فمسكنه جهنم وسماها أمه لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه، والهاوية من أسماء جهنم، وهي آخر الطبقات السبع وسميت هاوية لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها، والمهوى والمهواة ما بين الجبلين، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في إثر بعض. قال قتادة يعني فمصيره إلى النار، قال عكرمة لأنه يهوي فيها على أم رأسه، قال الأخفش أمه مستقرة، قال ابن عباس هاوية كقوله هوت أمه، وعن عكرمة قال أم رأسه هاوية في جهنم. قال الخطيب أي نار نازلة سافلة جداً فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلاً فهو في عيشة ساخطة فالآية من الإحتباك: ذكر العيشة أولاً دليلاً على حذفها ثانياً وذكر الأم ثانياً دليلاً على حذفها أولاً. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله ﵌:

стр. 11881

(إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان، ما فعلت فلانة فإذا كان مات ولم يأتهم قالوا خولف به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية) وأخرج ابن مردويه من حديث أبي أيوب الأنصاري نحوه، وأخرج ابن المبارك من حديثه نحوه أيضاًً. وبقي قسم ثالث غير مذكور في الآية وهو من استوت حسناته وسيئاته، قال المناوي من رجحت حسناته بسبب زيادتها على السيئات فهو في الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فيحاسب حساباً يسيراً، ومن رجحت سيئاته على حسناته أي بسبب زيادتها فيشفع فيه أو يعذب.

стр. 11882

(وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ) هذا الإستفهام للتهويل والتفظيع ببيان أنها خارجة عن العهود بحيث لا تحيط بها علوم البشر، ولا تدري كنهها، والضمير يعود إلى الهاوية والهاء للسكت. ثم بينها سبحانه بقوله

стр. 11883

(نار حامية) أي قد انتهى حرها وبلغ في الشدة إلى الغاية، وارتفاع نار على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي نار حامية، نعوذ بالله منها.

стр. 11884

سورة التكاثر هي ثمان آيات وهي مكية عند الجميع وروى البخاري أنها مدنية: قال ابن عباس نزلت بمكة. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌ " ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم "، قالوا ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية في كل يوم، قال " أما يستطيع أحدكم أن يقرأ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) " أخرجه الحاكم والبيهقي في الشعب، قال المنذري رجال إسناده ثقات إلاّ أن عقبة لا أعرفه. وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﵌ " من قرأ في ليلة ألف آية لقي الله وهو ضاحك في وجهه قيل يا رسول الله ومن يقوى على ألف آية فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) إلى آخرها ثم قال والذي نفسي بيده إنها لتعدل ألف آية " أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق والديلمي. وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن عبد الله بن الشخير قال: " انتهيت إلى رسول الله ﵌ وهو يقرأ

стр. 11885

(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)، وفي لفظ وقد أنزلت عليه (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) وهو يقول: " يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مال إلا ما أكلت فأفنيت " وأخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ولم يذكر فيه قراءة هذه السورة ولا نزولها بلفظ " يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاثة ما أكل فأفنى وما لبس فأبلي وما تصدق فأبقى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس ". وعن جرير بن عبد الله قال: قال لنا رسول الله ﷺ : " إني قارئ عليكم سورة (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) فمن بكى فله الجنة " فقرأها فمنا من بكى، ومنا من لم يبك فقال الذين لم يبكوا قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه، فقال " إني قارئها عليكم الثانية فمن بكى فله الجنة، ومن لم يقدر أن يبكي فليتباك " أخرجه البيهقي في الشعب وضعفه، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول.

стр. 11886

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)

стр. 11887

(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)، أي شغلكم التباري في التكاثر بالأموال والأولاد، والتباهي والتفاخر بكثرتها عن طاعة الله تعالى والتغالب فيها، يقال ألهاه عن كذا وأقهاه إذا شغله، وقال الحسن معناه أنساكم حتى أدرككم الموت وأنتم على تلك الحال، وقال قتادة إن التكاثر التفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك ألهاكم التشاغل بالمعاش وقيل المعنى متم ودفنتم في المقابر والمقابر جمع مقبرة وقال مقاتل وقتادة أيضاًً وغيرهما نزلت في اليهود حين قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا. وقال الكلبي نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف وبني سهم وتعادوا أو تكاثروا بالسيادة والإشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيداً وأعز عزيزاً وأعظم نفراً وأكثر قائداً فكثر بنو عبد مناف بني سهم، ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم بهم، فنزلت ألهاكم التكاثر فلم ترضوا حتى زرتم المقابر مفتخرين بالأموات. وعن أبي بردة في الآية قال: " نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحرث تفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما فيكم مثل فلان وفلان، وقال الآخرون مثل ذلك تفاخروا بالأحياء ثم قالوا انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر، ومثل فلان وفعل الآخرون مثل ذلك فأنزل الله هذه الآية " أي لقد كان لكم فيما زرتم

стр. 11888

عبرة وشغل، أخرجه ابن أبي حاتم (١). وفي الآية دليل على أن الإشتغال بالدنيا والمكاثرة بها والمفاخرة فيها من الخصال المذمومة، والشرع دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم، فيجوز للإنسان أن يفتخر بطاعاته وحسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدي به. وقال سبحانه ألهاكم التكاثر ولم يقل عن كذا بل أطلقه لأن الإطلاق أبلغ في الذم لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب، فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام، لأن حذف المتعلق مشعر بالتعميم كما تقرر في علم البيان. والمعنى أنه شغلكم التكاثر عن علم كل شيء يجب عليكم الإشتغال به من طاعة الله. والعمل للآخرة، وعبر عن موتهم بزيارة المقابر لأن الميت قد صار إلى قبره كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره، هذا على قول من قال إن معنى زرتم المقابر متم، وأما على قول من قال إن معنى زرتم المقابر، ذكرتم الموتى وعددتموهم للمفاخرة والمكاثرة فيكون ذلك على طريق التهكم بهم وقيل إنهم كانوا يزورون المقابر فيقولون هذا قبر فلان وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك.

стр. 11889

(كلا سوف تعلمون) ردع وزجر لهم عن التكاثر وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة، وفيه وعيد شديد، قال الفراء أي ليس

стр. 11890

الأمر على ما أنتم عليه من التكاثر والتفاخر. ثم كرر الردع والزجر والوعيد فقال

стр. 11891

(ثم كلا سوف تعلمون) ثم للدلالة على، أن الثاني أبلغ من الأول، وقيل الأول عند الموت أو في القبر، والثاني يوم القيامة قال الفراء: هذا التكرار على وجه التغليظ والتأكيد، قال مجاهد: هو وعيد بعد وعيد، وكذا قال الحسن ومقاتل. وجعله الشيخ جمال الدين بن مالك من التوكيد اللفظي مع توسط حرف العطف، وقال الزمخشري والتكرير تأكيد للردع والرد عليهم، ونقل عن علي (كلا سوف تعلمون) في الدنيا (ثم كلا سوف تعلمون) في الآخرة، فعلى هذا يكون غير مكرر لحصول التغاير بينهما لأجل تغاير المتعلقين، وثم على بابها من المهلة وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة لأن الغرض هو الفعل لا متعلقه، والعلم بمعنى المعرفة فيتعدى لمفعول واحد قاله السمين.

стр. 11892

(كلا لو تعلمون علم اليقين) أي لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علماً يقينياً كعلمكم ما هو متيقن عندكم في الدنيا، وجواب لو محذوف أي لشغلكم ذلك عن التكاثر والتفاخر أو لفعلتم ما ينفعكم من الخير، وتركتم ما لا ينفعكم مما أنتم فيه. وقال الأخفش: التقدير لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم، و (كلا) في هذا الموضع الثالث للردع والزجر كالموضعين الأولين، وقال الفراء: هي بمعنى حقاً، وقيل هي في المواضع الثلاثة بمعنى ألا، قاله ابن أبي حاتم، قال قتادة اليقين هنا الموت، وعنه قال هو البعث، وعنه كنا نحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت. وإضافة العلم إلى اليقين من إضافة الموصوف إلى صفته، وفي السمين وعلم اليقين مصدر قيل وأصله العلم اليقين، وقيل لا حاجة إلى ذلك لأن العلم يكون يقيناً وغير يقين فأضيف إليه إضافة العلم للخاص، وهذا يدل على أن اليقين أخص.

стр. 11893

ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) وقوله

стр. 11894

(لترون الجحيم) جواب قسم محذوف، وفيه زيادة وعيد وتهديد أي والله لترون الجحيم في الآخرة، قال الرازي وليس هذا جواب لو لان جواب لو يكون منفياً وهذا مثبت، ولأنه عطف عليه (ثم لتسئلن) وهو مستقبل لا بد من وقوعه، قال وحذف جواب (لو) كثير، والخطاب لكفار، وقيل عام كقوله (وإن منكم إلا واردها). قرأ الجمهور لترون بفتح التاء مبنياً للفاعل وقرىء بضمها مبنياً للمفعول، والرؤية هنا بصرية فلذلك تعدت إلى مفعول واحد. ثم كرر الوعيد والتهديد للتأكيد فقال

стр. 11895

(ثم لترونها عين اليقين) أي ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والمعاينة، وقيل المعنى لترون الجحيم بأبصاركم على البعد منكم ثم لترونها مشاهدة على القرب، وقيل المراد بالأول رؤيتها قبل دخولها، وبالثاني رؤيتها حال دخولها، وقيل هو إخبار عن دوام بقائهم في النار أي هي رؤية دائمة متصلة، وقيل المعنى لو تعلمون اليوم علم اليقين وأنتم في الدنيا لترون الجحيم بعيون قلوبكم، وهو أن تتصوروا أمر القيامة وأهوالها.

стр. 11896

(ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) أي عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة، وثم للترتيب الإخباري لا المعنوي، لأن السؤال قبل رؤية الجحيم. قال قتادة: يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعم حيث عبدوا غيره وأشركوا به، قال الحسن: لا يسأل عن النعم إلا أهل النار. وقال قتادة: إن الله سبحانه سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه وهذا هو الظاهر ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد، أو نوع من الأنواع، لأن

стр. 11897

تعريفه للجنس أو للاستغراق. ومجرد السؤال لا يستلزم تعذيب المسؤول على النعمة التي سئل عنها فقد يسأل الله المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه فيم صرفها وبم عمل فيها ليعرف تقصيره وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر. قيل السؤال عن الأمن والصحة، وقيل عن الصحة والفراغ، وقيل عن الإدراك بالحواس، وقيل عن ملاذ المؤكول والمشروب، وقيل عن الغداء والعشاء، وقيل عن بارد الشراب وظلال المساكن، وقيل عن اعتدال الخلق، وقيل عن لذة النوم، وقيل غير ذلك والأولى العموم كما ذكرنا. وعن ابن عباس في الآية قال صحة الأبدان والأسماع والأبصار، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً). وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: " قرأ رسول الله ﵌ (ألهاكم التكاثر) يعني عن الطاعة (حتى زرتم المقابر) يقول حتى يأتيكم الموت " (كلا سوف تعلمون) يعني لو قد دخلتم قبوركم (ثم كلا سوف تعلمون) يقول لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم (كلا لو تعلمون علم اليقين) قال لو قد وقفتم على أعمالكم بين يدي ربكم (لترون الجحيم) وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم فناج مسلم ومخدوش مسلم ومكدوش في نار جهنم (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم. وأخرج ابن مردويه عن عياض بن غنم مرفوعاً نحوه، وعن ابن مسعود عن النبي ﵌ في الآية قال: " الأمن والصحة " رواه عبد الله بن أحمد في زائد الزهد وابن أبي حاتم وغيرهما. وعن علي قال النعيم العافية، وعنه قال من أكل خبز البر وشرب ماء

стр. 11898

الفرات مبرداً وكان له منزل يسكنه فذلك من النعيم الذي يسأل عنه. عن أبي الدرداء قال: قال رسول ﵌ في الآية: " أكل خبز البر والنوم في الظل وشرب ماء الفرات مبرداً " أخرجه ابن مردويه، ولعل رفع هذا لا يصح فربما كان من قول أبي الدرداء. وعن أبي قلابة عن النبي ﵌ في الآية قال: " ناس من أمتي يعقدون السمن والعسل بالنقى فيأكلونه " أخرجه أحمد في الزهد وابن مردويه وهذا مرسل. وعن عكرمة قال لما نزلت هذه الآية قال الصحابة يا رسول الله أي نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في إنصاف بطوننا خبز الشعير، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ أن قل لهم " أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد، فهذا من النعيم " أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم. وعن محمود بن لبيد قال لما نزلت (ألهاكم التكاثر) فقرأ حتى بلغ النعيم، قالوا يا رسول الله أي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان الماء والتمر وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال " أما إن ذلك سيكون " أخرجه ابن أبي شيبة وهناد وأحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الشعب. وأخرجه الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد والترمذي وحسنه وغيرهما من حديث الزبير بن العوام. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ " أن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له ألم نصح لك جسدك ونرويك من الماء البارد " (١) أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي

стр. 11899

وغيرهم. وعن جابر بن عبد الله قال: جاءنا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطباً وسقيناهم ماء فقال رسول الله ﷺ " هذا من النعيم الذي تسألون عنه " أخرجه أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميد وغيرهم. وأخرج مسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة قال: " خرج النبي ﷺ فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال ما أخرجكما من بيوتكما الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما فقوما فقاما معه فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت مرحباً فقال النبي ﷺ أين فلان؟ فقالت انطلق يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه فقال الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر فقال كلوا من هذا، وأخذ المدية فقال له رسول الله ﷺ إياك والحلوب، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما شبعوا ورووا قال رسول الله ﵌ لأبي بكر وعمر " والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة " وفي الباب أحاديث.

стр. 11900

سورة العصر هي ثلاث آيات وهي مكية عند الجمهور، وقال قتادة: هي مدنية قال ابن عباس نزلت بمكة: عن أبي مزينة الدارمي وكانت له صحبة قال " كان الرجلان من أصحاب النبي ﵌ إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر " أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب.

стр. 11901

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)

стр. 11902

(والعصر) أقسم سبحانه بالعصر وهو الدهر لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار وتعاقب الظلام والضياء، فإن في ذلك دلالة بينة على الصانع وعلى توحيده، ويقال لليل عصر، وللنهار عصر، ويقال للغداة والعشي عصران. قال الرازي أقسم تعالى بالدهر لما فيه من الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء والصحة والسقم والغنى والفقر، ولأن بقية عمر المرء لا قيمة له، فلو ضيعت ألف سنة فيما لا يعني ثم ثبتت السعادة في اللمحة الأخيرة من العصر بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكان الدهر والزمان من جملة أصول النعم، ولأن الزمان أشرف من المكان، فأقسم به لكونه نعمة خالصة لا غيب فيه. وقال قتادة والحسن: المراد به في الآية العشي وهو ما بين زوال الشمس وغروبها. وعن قتادة أيضاًً أنه آخر ساعة من ساعات النهار، وقال مقاتل: إن المراد به صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى التي أمر الله بالمحافظة عليها، وأخرجه أحمد والترمذي وحسنه وغيرهما من حديث الزبير بن العوام. وقيل هو قسم (١) بعصر النبي ﵌.

стр. 11903

قال الزجاج: قال بعضهم معناه ورب العصر والأول أولى وبه قال ابن عباس، وعنه هو ساعة من ساعات النهار، وقال أيضاًً هو ما قبل مغيب الشمس من العشي. وأخرج الفريابي وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب " أنه كان يقرأ والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه فيه إلى آخر الدهر " وعن ابن مسعود أيضاً أنه كان يقرأ " إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر "، أخرجه عبد بن حميد.

стр. 11904

(إن الإنسان لفي خسر) هذا جواب القسم، والخسر والخسران النقصان وذهاب رأس المال، والمعنى أن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص وضلال عن الحق حتى يموت، وقيل المراد بالإنسان الكافر، وقيل جماعة من الكفار وهم الوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد، والأول أولى لما في لفظ الإنسان من العموم، ولدلالة الاستثناء عليه. قال الأخفش: في خسر في هلكة، وقال الفراء: في عقوبة، وقال ابن زيد: لفي شر، وقيل لفي نقص، والمعاني متقاربة، قرأ الجمهور (والعصر) بسكون الصاد وقرىء بكسر الصاد وقرأ الجمهور أيضاًً (خسر) بضم الخاء وسكون السين وقرىء بضمهما. والتنكير في خسر يفيد التعظيم أي في خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله، فقد جعل الإنسان معموراً في الخسر للمبالغة وأنه أحاط به من كل جانب لأن كل ساعة تمر بالإنسان فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسر، وإن كانت مشغولة بالمباحثات فالخسران أيضاًً حاصل، وإن كانت

стр. 11905

مشغولة بالطاعات فهي غير متناهية، وترك الأعلى والاقتصار على الأدنى نوع خسران، ولا ينافيه قوله: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) لأن الكلام ثَمّ في (١) أحوال البدن وهنا في أحوال النفس.
следующие страницы →