(والعصر) أقسم سبحانه بالعصر وهو الدهر لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار وتعاقب الظلام والضياء، فإن في ذلك دلالة بينة على الصانع وعلى توحيده، ويقال لليل عصر، وللنهار عصر، ويقال للغداة والعشي عصران.
قال الرازي أقسم تعالى بالدهر لما فيه من الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء والصحة والسقم والغنى والفقر، ولأن بقية عمر المرء لا قيمة له، فلو ضيعت ألف سنة فيما لا يعني ثم ثبتت السعادة في اللمحة الأخيرة من العصر بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكان الدهر والزمان من جملة أصول النعم، ولأن الزمان أشرف من المكان، فأقسم به لكونه نعمة خالصة لا غيب فيه.
وقال قتادة والحسن: المراد به في الآية العشي وهو ما بين زوال الشمس وغروبها. وعن قتادة أيضاًً أنه آخر ساعة من ساعات النهار، وقال مقاتل: إن المراد به صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى التي أمر الله بالمحافظة عليها، وأخرجه أحمد والترمذي وحسنه وغيرهما من حديث الزبير بن العوام.
وقيل هو قسم (١) بعصر النبي ﵌.
стр. 11903
قال الزجاج: قال بعضهم معناه ورب العصر والأول أولى وبه قال ابن عباس، وعنه هو ساعة من ساعات النهار، وقال أيضاًً هو ما قبل مغيب الشمس من العشي.
وأخرج الفريابي وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب " أنه كان يقرأ والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه فيه إلى آخر الدهر " وعن ابن مسعود أيضاً أنه كان يقرأ " إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر "، أخرجه عبد بن حميد.
стр. 11904
(إن الإنسان لفي خسر) هذا جواب القسم، والخسر والخسران النقصان وذهاب رأس المال، والمعنى أن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص وضلال عن الحق حتى يموت، وقيل المراد بالإنسان الكافر، وقيل جماعة من الكفار وهم الوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد، والأول أولى لما في لفظ الإنسان من العموم، ولدلالة الاستثناء عليه.
قال الأخفش: في خسر في هلكة، وقال الفراء: في عقوبة، وقال ابن زيد: لفي شر، وقيل لفي نقص، والمعاني متقاربة، قرأ الجمهور (والعصر) بسكون الصاد وقرىء بكسر الصاد وقرأ الجمهور أيضاًً (خسر) بضم الخاء وسكون السين وقرىء بضمهما.
والتنكير في خسر يفيد التعظيم أي في خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله، فقد جعل الإنسان معموراً في الخسر للمبالغة وأنه أحاط به من كل جانب لأن كل ساعة تمر بالإنسان فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسر، وإن كانت مشغولة بالمباحثات فالخسران أيضاًً حاصل، وإن كانت
стр. 11905
مشغولة بالطاعات فهي غير متناهية، وترك الأعلى والاقتصار على الأدنى نوع خسران، ولا ينافيه قوله: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) لأن الكلام ثَمّ في (١) أحوال البدن وهنا في أحوال النفس.
стр. 11906
(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح فإنهم في ربح لا في خسر، لأنهم عملوا للآخرة ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها، والاستثناء متصل، ومن قال أن المراد بالإنسان الكافر فقط فيكون منقطعاً، ويدخل تحت هذا الاستثناء كل مؤمن ومؤمنة، ولا وجه لما قيل أن المراد الصحابة أو بعضهم فإن اللفظ عام لا يخرج عنه أحد ممن يتصف بالإيمان والعمل الصالح.
(وتواصوا) أي أوصى (١) بعضهم بعضاً (بالحق) الذي يحق القيام به وهو الإيمان بالله والتوحيد والقيام بما شرعه الله، واجتناب ما نهى عنه، قال قتادة بالحق أي بالقرآن وقيل بالتوحيد والحمل على العموم أولى.
(وتواصوا بالصبر) عن معاصي الله سبحانه وعلى فرائضه وعلى البلايا، وفي جعل التواصي بالصبر قريناً للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره وفخامة شرفه ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه أن الله مع الصابرين.
وأيضاًً التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق فإفراده بالذكر وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته عنها، وكرر الفعل لاختلاف المفعولين.
стр. 11907
سورة الهمزة
هي تسع آيات وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة وقال المحلي أو مدنية والأولى أولى.
(ويل) هو مرتفع على الإبتداء، وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة كونه دعاء عليهم، وخبره (لكل همزة لمزة) والمعنى خزي أو عذاب أو هلكة أو واد في جهنم لكل همزة لمزة، والتاء فيهما للمبالغة في الوصف، وقد أطرد أن بناء فعلة لمبالغة الفاعل أي المكثر لمأخذ الاشتقاق، وإذا سكنت العين يكون لمبالغة المفعول، يقال رجل لعنة بفتح العين لمن كان يكثر لعن غيره، ولعنة بسكون العين إذا كان ملعوناً للناس يكثرون لعنه:
قال أبو عبيدة والزجاج الهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس، وعلى هذا هما بمعنى، وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وعطاء بن أبي رباح (الهمزة) الذي يغتاب الرجل في وجهه (واللمزة) الذي يغتابه من خلفه، وقال قتادة عكس هذا، وروي عن قتادة ومجاهد أيضاًً أن الهمزة الذي يغتاب الناس في أنسابهم وعن مجاهد أيضاًً أن الهمزة الذي يهمز الناس بيده، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه.
وقال سفيان الثوري يهمزهم بلسانه ويلمزهم بعينه، وقال ابن كيسان الهمزة الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ واللمزة الذي يكسر عينه على جليسه ويشير بيده وبرأسه وبحاجبه، وقيل هم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون العيب للبريء.
وحاصل هذه الأقاويل يرجع إلى أصل واحد وهو الطعن وإظهار العيب،
стр. 11910
ويدخل في ذلك من يحاكي الناس في أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منه. والأول أولى.
وأصل الهمزة الكسر يقال همز رأسه كسره، وقيل أصل الهمز واللمز الضرب والدفع، يقال همزه يهمزه همزاً ولمزه يلمزه لمزاً إذا دفعه وضربه.
قرأ الجمهور يقال همزة لمزة بضم أولهما وفتح الميم فيهما، وقرىء بسكون الميم فيهما وقرأ أبو وائل والنخعي والأعمش (ويل للهمزة اللمزة) والآية تعم كل من كان متصفاً بذلك ولا ينافيه نزولها على سبب خاص، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وعن ابن عباس أنه سئل عن همزة لمزة قال: هو المشاء بالنميمة المفرق بين الجمع المغري بين الأخوان، وعنه قال همزة طعان ولمزة مغتاب.
وقوله
стр. 11911
(الذي جمع مالاً وعدده) يدل من كل، أو في محل نصب على الذم، وهذا أرجح لأن البدل يستلزم أن يكون المبدل منه في حكم الطرح أو تعليل لما قبله، وإنما وصفه سبحانه بهذا الوصف لأنه يجري مجرى السبب والعلة في الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أنه الفضل فلأجل ذلك يتنقص غيره.
قرأ الجمهور جمع مخففاً وقرىء مثقلاً. قال الرازي الفرق أن التشديد يفيد أنه جمعه من ههنا ومن ههنا ولم يجمعه في يوم واحد، ولا في يومين، ولا في شهر ولا في شهرين، وأن التخفيف لا يفيد ذلك، ونكر (مالاً) للتعظيم أي مالاً بلغ في الخبث والفساد أقصى النهايات فكيف يليق بالعاقل أن يفتخر به.
وقرأ الجمهور (وعدده) مشدداً وقرىء بالتخفيف والتشديد في الكلمتين يدل على التكثير، وهو جمع الشيء بعد الشيء وتعديده مرة بعد أخرى، قال الفراء معنى عدده أحصاه فهو مأخوذ من العد، وقال الزجاج
стр. 11912
وعدده لنوائب الدهور يقال أعددت الشيء وعددته إذا أمسكته، قال السدي أحصى عدده، وقال الضحاك أعد ماله لمن يرثه، وقيل المعنى فاخر بكثرته وعدده.
والمقصود ذمه على جمع المال وإمساكه وعدم إنفاقه في سبل الخير، وقيل المعنى على قراءة التخفيف في عدده أنه جمع عشيرته وأقاربه، قال المهدوي من خفف وعدده فهو معطوف على المال أي وجمع عدده.
وجملة
стр. 11913
(يحسب أن ماله أخلده) مستأنفة لتقرير ما قبلها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل جمع أي يعمل عمل من يظن أن ماله يتركه حياً مخلداً لا يموت، وأخلده ماض معناه المضارع أي يخلده، وقال عكرمة يحسب أن ماله يزيد في عمره.
والإظهار في موضع الإضمار للتقريع والتوبيخ، وقيل هو تعريض بالعمل الصالح وأنه الذي يخلد صاحبه في الحياة الأبدية لا المال، والخلد بالضم البقاء والدوام وبابه دخل، وأخلده الله وخلد تخليداً.
стр. 11914
(كلا) ردع له عن ذلك الحسبان أي ليس الأمر كما يحسبه هذا الذي جمع المال وعدده أو معناه حقاً (لينبذن في الحطمة) اللام جواب قسم محذوف أي ليطرحن في النار وليلقين فيها. قرأ الجمهور لينبذن وقرىء لينبذان بالتثنية أي لينبذ هو وماله في النار، وقرىء لينبذن أي لينبذن ماله في النار.
والمعنى تحطم وتكسر كل ما ألقي فيها ففي الحطمة مماثلة لعمله لفظاً ومعنى لأنها على وزن همزة لمزة وفيهما كسر كما فيها، وحطمة من باب ضرب، والتحطيم التكسير والحطمة من أسماء النار لأنها تحطم ما تلتقم.
стр. 11915
(وما أدراك ما الحطمة) هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع حتى كأنها ليست مما تدركه العقول، وتبلغه الأفهام، قيل هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم وقيل الطبقة الثانية منها، وقيل الطبقة الرابعة.
стр. 11916
ثم بيّنها سبحانه فقال
стр. 11917
(نار الله الموقدة) بأمر الله سبحانه التي لا تخمد أبداً ووجب وتحتم إيقادها، وفي إضافتها إلى الاسم الشريف تعظيم لها وتفخيم، وكذلك في وصفها بالإيقاد.
стр. 11918
(التي تطلع على الأفئدة) أي يخلص حرها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها، وخص الأفئدة بالذكر مع كونها تغشى جميع أبدانهم لأنها محل العقائد الزائغة والنيات الخبيثة ومنشأ الأعمال السيئة، أو لكون الألم إذا وصل إليها مات صاحبها لأن الفؤاد ألطف ما في الجسد وأشد تألماً بأدنى أذى يمسه أي أنهم في حال من يموت وهم لا يموتون كما قال تعالى (لا يموت فيها ولا يحيى) وقيل المعنى أنها تعلم بمقدار ما يستحقه كل واحد من العذاب وذلك بأمارات عرفها الله بها.
стр. 11919
(إنها عليهم مؤصدة) أي مطبقة مغلقة كما تقدم بيانه في سورة البلد، يقال أصدت الباب إذا أغلقته، وقال ابن عباس مطبقة، وجمع الضمير في عليهم رعاية لمعنى كل.
стр. 11920
(في عمد ممددة) في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم أي كائنين في عمد ممددة موثقين فيها أو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم في عمد أو صفة لمؤصدة أي مؤصدة بعمد ممددة.
قال مقاتل أطبقت الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد فلا يفتح عليهم باب ولا يدخل عليهم روح.
ومعنى كون العمدة ممددة أنها مطولة وهي أرسخ من القصيرة، وقيل العمد أغلال في جهنم، وقيل القيود، وقال قتادة المعنى هم في عمد يعذبون بها، واختار هذا ابن جرير.
قرأ الجمهور عمد بفتح العين والميم، وقيل هو اسم جمع لعمود، وقيل جمع له، قال الفراء هي جمع لعمود كأديم وأدم، وقال أبو عبيدة هي جمع عماد.
стр. 11921
وقرىء بضم العين والميم جمع عمود، قال الفراء هما جمعان صحيحان لعمود، واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الجمهور.
قال الجوهري: العمود عمود البيت وجمع القلة أعمدة وجمع الكثرة عمد وعمد، وقرىء بهما وهما سبعيتان.
قال أبو عبيدة: العمود كل مستطيل من خشب أو حديد، قال ابن عباس عمد من نار، وقال ابن مسعود هي الأدهم، وعن ابن عباس أيضاًً الأبواب هي الممددة، وعنه قال أدخلهم في عمد فمدت عليهم في أعناقهم فسدت بها الأبواب.
قال ابن جزي: المعنى أن أبواب جهنم أغلقت عليهم بعمد ممدودة على أبوابها تشديداً في الإغلاق، وقيل معناه في دهر ممدود أي لا انقطاع له، قال القشيري أن العمد أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار تشد تلك الأطباق حتى يرجع عليهم غمها وحرها فلا يدخل عليهم روح.
стр. 11922
سورة الفيل
هي خمس آيات وهي مكية بلا خلاف، قال ابن عباس نزلت بمكة.
(ألم تر كيف فعل ربك) الاستفهام بتقرير رؤيته ﷺ بإنكار عدمها، والمراد بالرؤية هنا رؤية القلب، وهي العلم عبر عنه بالرؤية لكونه علماً ضرورياً مساوياً في القوة والجلاء للمشاهدة والعيان، وحذفت الألف من (تر) للجازم، قال الفراء المعنى ألم تخبر، وقال الزجاج ألم تعلم.
وهو تعجيب له ﵌ بما فعله الله (بأصحاب الفيل) الذين قصدوا تخريب الكعبة من الحبشة، وكيف منصوب على المصدرية أو الحالية واختار الأول ابن هشام في المغني، والمعنى أي فعل فعل.
وأما نصبه على الحالية من الفاعل فممتنع لأن فيه وصفه تعالى بالكيفية وهو غير جائز، والجملة سدت مسد مفعولي ترى، والخطاب لرسول الله ﵌، ويجوز أن يكون لكل من يصلح له.
والمعنى قد علمت يا محمد أو علم الناس الموجودون في عصرك ومن بعدهم بما بلغكم من الأخبار المتواترة من قصة أصحاب الفيل، وما فعل الله بهم، فما لكم لا تؤمنون، وصاحب الأفيال أبرهة ملك اليمن واسمه الأشرم سمي بذلك لأن أباه ضربه بحربة فشرم أنفه وجبينه، قال القرطبي، وأبرهة لقب لكل من فيه بياض وكان نصرانياً.
والفيل هو الحيوان المعروف وجمعه فيول وأفيال وفيلة. وقال ابن
стр. 11925
السكيت ولا تقول أفيلة وصاحبه فيال وكانت الفيلة ثلاثة عشر، وإنما وحده لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم الذي كان يقال له محمود وهو الذي برك وضرب في رأسه، وقيل إنما وحده موافقة لرؤوس الآي.
وعن ابن عباس قال: " جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح فأتاهم عبد المطلب فقال إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحد قالوا لا نرجع حتى نهدمه، وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر فدعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداء عليها الطين فلما حاذتهم رمتهم فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكة وكان لا يحك الإنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه " (١) أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد وأبو نعيم والبيهقي.
стр. 11926
(ألم يجعل كيدهم) أي مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة وهدمها واستباحة أهلها (في تضليل) أي في خسارة وهلاك عما قصدوا إليه حتى لم يصلوا إلى البيت ولا إلى ما أرادوا بكيدهم، والهمزة للتقرير، كأنه قيل قد جعل كيدهم في تضليل.
والكيد هو إرادة المضرة بالغير، لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشاً بالقتل والسبي. ويكيدوا البيت الحرام بالتخريب والهدم.
قال ابن عباس " أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب فقال لملكهم ما جاء بك إلينا ألا بعثت فنأتيك بكل شيء فقال أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا أمن فجئت أخيف أهله، فقال إنا نأتيك بكل شيء تريد. فارجع فأبى إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه وتخلف عبد المطلب، فقام على جبل فقال لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله، فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طير أبابيل التي قال الله (ترميهم بحجارة من سجيل) فجعل الفيل يعج عجاً (فجعلهم كعصف
стр. 11927
مأكول) (١) أخرجه البيهقي وابن المنذر والحاكم وغيرهم، وقصة أصحاب الفيل مبسوطة في كتب التفسير والتاريخ والسير فلا نطول بذكرها.
стр. 11928
(وأرسل عليهم) عطف على (ألم يجعل) لأن الاستفهام فيه للتقرير فكان المعنى قد جعل ذلك وأرسل (طيراً) هو اسم جنس يذكر ويؤنث (أبابيل) نعت لطير لأنه اسم جمع أي أقاطيع يتبع بعضها بعضاً كالإبل المؤبلة، فرجعوا هاربين يتساقطون بكل طريق. وكان هلاكهم قرب عرفة قبل دخول الحرم على الأصح.
وقال جماعة: بوادي محسر بين مزدلفة ومنى، قاله ابن حجر، قال أبو عبيدة: أبابيل جماعات في تفرقة يقال جاءت الخيل أبابيل أي جماعات من ههنا وههنا، قال النحاس: وحقيقته أنها جماعات عظام، يقال فلان يؤبل على فلان أي يعظم عليه ويكبره، وهو مشتق من الإِبل، وهو من الجمع الذي لا واحد له، وقال بعضهم واحده إبول بكسر الهمزة مثل عجول، وقال بعضهم إبيل كسكين.
قال الواحدي: ولم نر أحداً يجعل لها واحداً، قال الفراء: لا واحد له من لفظه، وزعم الرؤاسي وكان ثقة أنه سمع في واحدها إبالة مشدداً، وحكى الفراء: أيضاًً إبالة بالتخفيف.
стр. 11929
قال سعيد بن جبير كانت طيراً من السماء لم ير قبلها ولا بعدها قال قتادة هي طير سود جاءت من قبل البحر فوجاً فوجاً مع كل طائر ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره لا يصب شيئاًً إلا هشمه، وقيل كانت طيراً خضراً خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع.
وقيل كان لها خراطيم كخراطيم الطير. وأكف كأكف الكلاب، وقيل أنها العنقاء المغرب التي تضرب بها الأمثال، وقيل في صفتها غير ذلك، والعرب تستعمل الأبابيل في الطير وفي غير الطير.
ولما تم هلاكهم رجعت الطير من حيث جاءت.
стр. 11930
(ترميهم بحجارة من سجيل) قرأ الجمهور بالفوقية، وقرأ أبو حنيفة وأبو معمر وعيسى وطلحة بالتحتية واسم الجمع يذكر ويؤنث. وقيل الضمير في القراءة الثانية لله والجملة في محل نصب صفة أخرى لطير.
قال الزجاج (من سجيل) أي مما كتب عليهم العذاب به مشتقاً من السجل.
قال في الصحاح قالوا هي حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم وأصله سنك وكل، وقيل السجيل الشديد، وقال عبد الرحمن بن أبزي من سجيل من السماء وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط وقيل من الجحيم التي هي سجين، ثم أبدلت النون لاماً، قال عكرمة كانت ترميهم بحجارة معها فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري. وكان الحجر كالحمصة وفوق العدسة، وقد قدمنا الكلام في سجيل في سورة هود.
وعن ابن عباس قال حجارة كالبندق وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره حلقت عليهم من السماء ثم أرسلت عليهم تلك الحجارة فلم تعد عسكرهم، وعنه أن أبرهة الأشرم قدم من اليمن يريد هدم الكعبة فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل يريد مجتمعة لها
стр. 11931
خراطيم تحمل حصاتين في رجليها وحصاة في منقارها ترسل واحدة على رأس الرجل فيسيل لحمه ودمه، ويبقى عظاماً خاوية لا لحم عليها ولا جلد ولا دم
стр. 11932
(فجعلهم كعصف مأكول) أي جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل، شبه لقطع أوصالهم بتفرق أجزائه، وقيل المعنى أنهم صاروا كورق زرع قد أكلت منه الدواب وبقي منه بقايا أو أكلت حبه فبقي بدون حبه والعصف جمع عصفه وعصافة وعصيفة وقد قدمنا الكلام في العصف في سورة الرحمن فارجع إليه.
قال ابن عباس يقول كالتبن، وعن عائشة قالت لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان ونحوه عن أسماء بنت أبي بكر.
وعن ابن عباس قال ولد النبي ﵌ عام الفيل، قال القرطبي أي قبل مولده لخمسين يوماً، قال الخازن وهذا هو القول الأصح فإنهم يقولون ولد عام الفيل، ويجعلونه تاريخاً لمولده ﵌.
وعن قيس بن محرم قال ولدت أنا ورسول الله ﵌ عام الفيل، وقيل كان عام الفيل قبل ولادته ﵌ بأربعين سنة، وقيل بثلاث وعشرين سنة، وقيل غير ذلك.
стр. 11933
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة قريش
ويقال سورة لإيلاف هي أربع آيات وهي مكية عند الجمهور، وقال الضحاك والكلبي هي مدنية والأول أصح، قال ابن عباس نزلت بمكة، وعن أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: " فضل الله قريشاً بسبع خصال لم يعطها أحداً قبلهم ولا يعطيها أحداً بعدهم أني فيهم، وفي لفظ النبوة فيهم والخلافة فيهم والججابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على الفيل وعبدوا الله سبع سنين، وفي لفظ عشر سنين لم يعبده أحد غيرهم، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم لإيلاف قريش " أخرجه البخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي.
قال ابن كثير هو حديث غريب ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن عساكر عن الزبير بن العوام قال: قال رسول
стр. 11934
الله ﷺ " فضل الله قريشاً بسبع خصال: فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا قريش وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضلهم بأنها نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين غيرهم وهي لإيلاف قريش، وفضلهم بأن فيهم النبوة والخلافة والسقاية ".
وأخرج الخطيب في تاريخه عن سعيد بن المسيب مرفوعاً نحوه وهو مرسل.
(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) اللام قيل متعلقة بآخر السورة التي قبلها كأنه قال سبحانه أهلكت أصحاب الفيل لأجل تألف قريش، قال الفراء هذه السورة متصلة بالسورة الأولى لأنه ذكر سبحانه أهل مكة بعظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال لإيلاف قريش، أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون هم أهل بيت الله حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها فيبني بها بيتاً في اليمن يحج الناس إليه فأهلكهم الله ، فذكرهم نعمته؛ أي فعل ذلك لإيلاف قريش أي ليألفوا الخروج ولا يجترىء عليهم؛ وذكر هذا ابن قتيبة.
قال الزجاج: والمعنى فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف ولهذا جعل أبيّ بن كعب هذه السورة وسورة الفيل واحدة ولم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة.
والذي عليه الجمهور من الصحابة وغيرهم وهو المستفيض المشهور أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل وأنه لا تعلق بينهما.
وقال في الكشاف أن اللام متعلقة بقوله (فليعبدوا) أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلاف الرحلتين، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى إما لا فليعبدوه.
стр. 11937
وقد تقدم صاحب الكشاف إلى هذا القول الخليل بن أحمد؛ والمعنى إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة، وقال الكسائي والأخفش: اللام لام العجب أي إعجبوا لإيلاف قريش وقيل هي بمعنى إلى وقرىء لإلف وقرىء ليألف بفتح اللام على أنها لام الأمر، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وفتح لام الأمر لغة معروفة.
قال سليمان الجمل قرأ ابن عامر لإلاف قريش دون ياء قبل اللام الثانية والباقون لإيلاف بياء قبلها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني وهو إيلافهم.
ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطاً واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها منه خطاً فهو أدل دليل على أن القراء متبعون الأثر والرواية لا مجرد الخط انتهى.
وقريش هم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي ومن لم يلد النضر فليس بقرشي، وقريش يأتي منصرفاً إن أريد به الحي، وغير منصرف إن أريد به القبيلة، وقيل إن قريشاً بنو فهر بن مالك بن النضر والأول أصح.
وقوله
стр. 11938
(إيلافهم) تأكيد لفظي ولذلك اتصل بضمير ما أضيف إليه الأول وقيل هو بدل لأنه أطلق المبدل منه وقيد البدل بالمفعول وهو قوله (رحلة الشتاء والصيف) لما فيه من الإبهام في المبدل منه ثم التبيين في البدل، وإنما أفرد الرحلة ولم يقل رحلتي الشتاء لأمن الإلباس، وقيل إن رحلة منصوبة بمصدر مقدر أي ارتحالهم رحلة الشتاء وقيل منصوبة على الظرفية والرحلة الارتحال وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء لأنها بلاد حارة، والرحلة الأخرى إلى الشام في الصيف لأنها بلاد باردة، وروي أنهم كانوا يشتون بمكة ويصيفون في الطائف والأول أولى فإن ارتحال قريش للتجارة
стр. 11939
معلوم معروف في الجاهلية والإسلام.
قال ابن قتيبة إنما كانت تعيش قريش بالتجارة، وكانت لهم رحلتان كل سنة رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، ولولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف.
قال ابن عباس في الآية نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف، وعنه قال إيلافهم لزومهم، وقيل رحلة اسم جنس وكانت لهم أربع رحلات وجعله بعضهم غلطاً، وليس كذلك وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف.
стр. 11940
(فليعبدوا رب هذا البيت) أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن ذكر لهم ما أنعم به عليهم أي إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الخاصة المذكورة، والبيت الكعبة وعرفهم سبحانه بأنه رب هذا البيت لأنها كانت لهم أوثان يعبدونها، فميز نفسه عنها وقيل لأنهم شرفوا بالبيت على سائر العرب فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته.