(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) اللام قيل متعلقة بآخر السورة التي قبلها كأنه قال سبحانه أهلكت أصحاب الفيل لأجل تألف قريش، قال الفراء هذه السورة متصلة بالسورة الأولى لأنه ذكر سبحانه أهل مكة بعظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال لإيلاف قريش، أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون هم أهل بيت الله حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها فيبني بها بيتاً في اليمن يحج الناس إليه فأهلكهم الله ، فذكرهم نعمته؛ أي فعل ذلك لإيلاف قريش أي ليألفوا الخروج ولا يجترىء عليهم؛ وذكر هذا ابن قتيبة.
قال الزجاج: والمعنى فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف ولهذا جعل أبيّ بن كعب هذه السورة وسورة الفيل واحدة ولم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة.
والذي عليه الجمهور من الصحابة وغيرهم وهو المستفيض المشهور أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل وأنه لا تعلق بينهما.
وقال في الكشاف أن اللام متعلقة بقوله (فليعبدوا) أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلاف الرحلتين، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى إما لا فليعبدوه.
стр. 11937
وقد تقدم صاحب الكشاف إلى هذا القول الخليل بن أحمد؛ والمعنى إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة، وقال الكسائي والأخفش: اللام لام العجب أي إعجبوا لإيلاف قريش وقيل هي بمعنى إلى وقرىء لإلف وقرىء ليألف بفتح اللام على أنها لام الأمر، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وفتح لام الأمر لغة معروفة.
قال سليمان الجمل قرأ ابن عامر لإلاف قريش دون ياء قبل اللام الثانية والباقون لإيلاف بياء قبلها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني وهو إيلافهم.
ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطاً واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها منه خطاً فهو أدل دليل على أن القراء متبعون الأثر والرواية لا مجرد الخط انتهى.
وقريش هم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي ومن لم يلد النضر فليس بقرشي، وقريش يأتي منصرفاً إن أريد به الحي، وغير منصرف إن أريد به القبيلة، وقيل إن قريشاً بنو فهر بن مالك بن النضر والأول أصح.
وقوله
стр. 11938
(إيلافهم) تأكيد لفظي ولذلك اتصل بضمير ما أضيف إليه الأول وقيل هو بدل لأنه أطلق المبدل منه وقيد البدل بالمفعول وهو قوله (رحلة الشتاء والصيف) لما فيه من الإبهام في المبدل منه ثم التبيين في البدل، وإنما أفرد الرحلة ولم يقل رحلتي الشتاء لأمن الإلباس، وقيل إن رحلة منصوبة بمصدر مقدر أي ارتحالهم رحلة الشتاء وقيل منصوبة على الظرفية والرحلة الارتحال وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء لأنها بلاد حارة، والرحلة الأخرى إلى الشام في الصيف لأنها بلاد باردة، وروي أنهم كانوا يشتون بمكة ويصيفون في الطائف والأول أولى فإن ارتحال قريش للتجارة
стр. 11939
معلوم معروف في الجاهلية والإسلام.
قال ابن قتيبة إنما كانت تعيش قريش بالتجارة، وكانت لهم رحلتان كل سنة رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، ولولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف.
قال ابن عباس في الآية نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف، وعنه قال إيلافهم لزومهم، وقيل رحلة اسم جنس وكانت لهم أربع رحلات وجعله بعضهم غلطاً، وليس كذلك وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف.
стр. 11940
(فليعبدوا رب هذا البيت) أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن ذكر لهم ما أنعم به عليهم أي إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الخاصة المذكورة، والبيت الكعبة وعرفهم سبحانه بأنه رب هذا البيت لأنها كانت لهم أوثان يعبدونها، فميز نفسه عنها وقيل لأنهم شرفوا بالبيت على سائر العرب فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته.
стр. 11941
(الذي أطعمهم من جوع) أي أطعمهم بسبب تينك الرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وقيل إن هذا الإطعام هو إنهم لما كذبوا النبي ﷺ دعا عليهم فقال اللهم إجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فاشتد القحط فقالوا يا محمد ادع الله لنا فإنا مؤمنون فدعا فأخصبوا وزال عنهم الجوع وارتفع القحط، قال ابن عباس يعني قريشاً أهل مكة بدعوة إبراهيم حيث قال (وارزق أهله من الثمرات).
(وآمنهم من خوف) أي من خوف شديد كانوا فيه، قال ابن زيد كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضاً فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم.
وقال الضحاك والربيع وشريك وسفيان آمنهم من خوف الحبشة مع
стр. 11942
الفيل، وقال ابن عباس من الجذام وعنه في الآية قال آمنهم من خوف حيث قال إبراهيم (رب اجعل هذا بلداً آمناً) قال ابن عباس نهاهم عن الرحلة وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت، وكفاهم المؤنة وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف ولم تكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله بعد ذلك من جوع وآمنهم من خوف، وكان ذلك من نعمة الله عليهم، وعنه قال أمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإلفهم رحلة الشتاء والصيف.
وقد وردت أحاديث في فضل قريش وإن الناس تبع لهم في الخير والشر، وإن هذا الأمر يعني الخلافة لا يزال فيهم ما بقي منهم اثنان وهي في دواوين الإسلام.
стр. 11943
سورة أرأيت
ويقال لها سورة الدين وسورة الماعون وسورة اليتيم وهي ست أو سبع آيات وهي مكية في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس، ومدنية في قول قتادة وآخرين، وعن ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله، وقيل نصفها الأول مكي ونصفها الثاني مدني، والأول في العاص بن وائل والثاني في عبد الله بن أبيّ بن سلول، وقال مقاتل والكلبي نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقال السدي في الوليد بن المغيرة، وقال الضحاك في عمرو بن عائذ وقال ابن جريج في أبي سفيان، وقيل في رجل من المنافقين.
(أرأيت) الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يصلح له، والاستفهام لقصد التعجيب من حال (الذي يكذب بالدين) أي بالجزاء والحساب في الآخرة. وقال ابن عباس بحكم الله.
قرأ الجمهور أرأيت بإثبات الهمزة الثانية وقرىء بإسقاطها، قال الزجاج: لا يقال في رأيت ريت ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفاً، والرؤية بمعنى المعرفة وقيل هي البصرية فتتعدى إلى مفعول واحد، وهو الموصول أي أبصرت المكذب وقيل إنها بمعنى أخبرني فتتعدى إلى مفعولين الثاني محذوف أي من هو، والأول أولى، قيل وفي الكلام حذف والمعنى (أرأيت الذي يكذب بالدين) أمصيب هو أم مخطىء.
стр. 11946
(فذلك الذي يدع اليتيم) الفاء جواب شرط مقدر أي إن تأملته أو طلبته فذلك الخ ويجوز أن تكون عاطفة على الذي يكذب إما عطف ذات على ذات أو صفة على صفة، فعلى الأول يكون اسم الإشارة مبتدأ وخبره الموصول أو خبر لمبتدأ محذوف أي فهو ذلك والموصول صفته، وعلى الثاني يكون في محل نصب لعطفه على الموصول الذي هو في محل نصب، ومعنى يدع يدفع دفعاً بعنف وجفوة أي يدفع اليتيم عن حقه دفعاً شديداً، ومنه قوله سبحانه (يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً) وقد كانوا لا يورثون النساء والصبيان، قال ابن عباس يدفعه عن حقه.
стр. 11947
(ولا يحض على طعام المسكين) أي لا يحض نفسه ولا أهله ولا غيرهم على ذلك بخلاً بالمال أو تكذيباً للجزاء، وهو مثل قوله في سورة الحاقة (ولا يحض على طعام المسكين).
стр. 11948
(فويل للمصلين) الفاء جواب لشرط محذوف كأنه قيل إذا كان ما ذكر من عدم المبالاة باليتيم والمسكين فويل لهم، ووضع المصلين موضع لهم للتوسل بذلك إلى بيان أن لهم قبائح أخر غير ما ذكر، والمعنى عذاب لهم أو هلاك أو واد في جهنم لهم كما سبق الخلاف في معنى الويل، ويجوز أن يكون الفاء لترتيب الدعاء عليهم بالويل على ما ذكر من قبائحهم.
стр. 11949
(الذين هم عن صلاتهم ساهون) أي غافلون غير مبالين. وإنما عبر بعن دون في لأن صلاة المؤمن لا تخلو عن سهو بدليل وقوعه للأنبياء ولأن المراد السهو عن الصلاة بتأخيرها عن وقتها لا السهو فيها.
قال الواحدي نزلت في المنافقين الذين لا يرجون بصلاتهم ثواباً أن صلوا ولا يخافون عليها عقاباً أن تركوا فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، وإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا.
قال النخعي الذي هم عن صلاتهم ساهون هو الذي إذا سجد قال برأسه هكذا وهكذا ملتفتاً. وقال قطرب هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله؛ وقرأ ابن مسعود لاهون مكان ساهون قال ابن عباس هم المنافقون يتركون الصلاة في السر ويصلون في العلانية.
عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبيّ أرأيت قول الله (الذين هم عن صلاتهم ساهون) أينا لا يسهو أينا لا يحدث نفسه، قال إنه ليس كذلك إنه إضاعة الوقت.
وعن سعد بن أبي وقاص قال سألت النبي ﷺ عن الآية قال " هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها " قال الحاكم والبيهقي الموقوف
стр. 11950
أصح إسناداً، قال ابن كثير: ضعف البيهقي رفعه وصحح وقفه وكذلك الحاكم.
وعن أبي برزة الأسلمي قال لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﵌ " الله أكبر هذه الآية خير لكم من أن يعطي كل رجل منكم جميع الدنيا هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته. وإن تركها لم يخف ربه " رآه ابن جرير وابن مردويه، قال السيوطي بسند ضعيف ففي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسم، وعن ابن عباس قال هم الذين يؤخرونها عن وقتها.
стр. 11951
(الذين هم يراؤون) الناس بصلاتهم إن صلوا أو يراؤون الناس بكل ما عملوه من أعمال البر ليثنوا عليهم، قال ابن عباس هم المنافقون يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا، قال الخازن أما من يظهر النوافل ليقتدى به ويأمن على نفسه من الرياء فلا بأس بذلك وليس بمراء.
стр. 11952
(ويمنعون) الناس أو الطالبين (الماعون) فاعول من المعن الشيء وهو القليل يقال مال معن أي قليل، قاله قطرب، أو اسم مفعول من عانه يعينه، والأصل معوون، وكان من حقه على هذا أن يقال معون، كمصون ومقول اسمي مفعول من صان وقال، ولكنه قلبت الكلمة بأن قدمت عيناً على فائها فصار موعون، ثم قلبت الواو الأولى ألفاً فوزنه الآن معقول.
قال أكثر المفسرين: الماعون اسم لما يتعاوره الناس بينهم من الدلو والفأس والقدر، وما لا يمنع كالماء والملح، وقيل هو الزكاة أي يمنعون زكاة أموالهم، قال الزجاج وأبو عبيد والمبرد الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة حتى الفأس والدلو والقدر والقادحة، وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير.
وقالوا أيضاًً الماعون في الإسلام الطاعة والزكاة، وقال الفراء سمعت بعض العرب يقول الماعون الماء، وقيل الماعون هو الحق على العبد على العموم، وقيل هو المستقل من منافع الأموال، مأخوذ من المعن وهو القليل.
стр. 11953
قال قطرب أصل الماعون من القلة والمعن الشيء القليل فسمى الله الصدقة والزكاة ونحو ذلك من المعروف ماعوناً لأنه قليل من كثير، وقيل هو ما يبخل به كالماء والملح والنار.
وعن ابن مسعود قال " كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﵌ عارية الدلو والقدر والفأس والميزان وما تتعاطون بينكم " وعنه قال " كان المسلمون يستعيرون من المنافقين القدر والفأس وشبهه فيمنعونهم فأنزل الله ويمنعون الماعون.
وعن أبي هريرة عن النبي ﵌ في الآية قال " ما تعاور الناس بينهم الفأس والقدر والدلو وأشباهه " أخرجه أبو نعيم والديلمي وابن عساكر.
وعن قره بن دعموص النمري أنهم وفدوا إلى رسول الله ﵌ فقالوا يا رسول الله ما تعهد إلينا قال " لا تمنعوا الماعون قالوا وما الماعون قال في الحجر والحديدة وفي الماء قالوا فأي الحديدة قال قدركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به، قالوا وما الحجر، قال قدوركم الحجارة " أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه. قال ابن كثير غريب جداً ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف.
وعن سعيد بن عياض عن أصحاب النبي ﵌ الماعون الفأس والقدر والدلو وقال ابن عباس عارية متاع البيت، وعن علي ابن أبي طالب قال الماعون الزكاة الفروضة يراؤون بصلاتهم ويمنعون زكاتهم.
стр. 11954
سورة الكوثر
وتسمى سورة النحر هي ثلاث آيات وهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة، وعن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنها نزلت سورة الكوثر بمكة.
(إنا أعطيناك الكوثر) قرأ الجمهور هكذا، وقرأ الحسن وابن محيصن وطلحة والزعفراني أنطيناك بالنون قيل هي لغة العرب العاربة أي قضينا لك وخصصناك به فهو لك ولأمتك من قبل وجودك وإن لم تستول عليه وتتصرف فيه إلا في القيامة، فالعطاء ناجز والتمكن والاستيلاء مستقبل، والكوثر فوعل من الكثرة وصف به للمبالغة في الكثرة مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثراً.
فالمعنى على هذا إنا أعطيناك يا محمد الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى الغاية، وذهب أكثر المفسرين كما حكاه الواحدي إلى أن الكوثر نهر في الجنة، وقيل هو حوض النبي ﵌ في الموقف، قاله عطاء وقال عكرمة الكوثر النبوة، وقال الحسن هو القرآن وقال الحسن بن الفضل هو تفسير القرآن وتخفيف الشرائع.
وقال أبو بكر بن عياش هو كثرة الأصحاب والأمة، وقال ابن كيسان هو الإيثار، وقيل هو الإسلام، وقيل رفعة الذكر، وقيل نور القلب، وقيل الشفاعة، وقيل المعجزات، وقيل إجابة الدعوة، وقيل لا إله إلا الله وقيل الفقه في الدين، وقيل الصلوات الخمس، وسيأتي بيان ما هو الحق.
وعن أنس قال أغفى رسول الله إغفاءة فرفع رأسه متبسماً فقال: " إنه أنزل عليّ آنفاً سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر، حتى ختمها قال هل تدرون ما الكوثر، قالوا الله ورسوله أعلم، قال هو نهر أعطانيه
стр. 11957
ربي في الجنة عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته كعدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك " أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه، وأخرجه أيضاًً مسلم في صحيحه (١).
وعن أنس قال: قال رسول الله ﵌ " دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر، قلت ما هذا يا جبريل؟ " قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (٢).
وقد روي عن أنس من طرق كلها مصرحة بأن الكوثر هو النهر الذي في الجنة، وعن عائشة قالت هو نهر أعطيه نبيكم ﵌ في بطنان الجنة، وعن ابن عباس أنه نهر في الجنة وعن حذيفة قال " نهر في الجنة " وحسن السيوطي إسناده.
وعن أسامة بن زيد مرفوعاً أنه قيل لرسول الله ﵌ " إنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر فقال أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ، هو نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله " أخرجه ابن مردويه.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قال يا رسول الله ما الكوثر؟ قال " هو نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله " أخرجه ابن مردويه.
стр. 11958
فهذه الأحاديث تدل على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة فيتعين المصير إليها، وعدم التعويل على غيرها، وإن كان معنى الكوثر هو الخير الكثير في لغة العرب، فمن فسره بما هو أعم مما ثبت عن النبي ﵌ فهو تفسير ناظر إلى المعنى اللغوي كما أخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وغيرهم عن عطاء بن السائب قال: قال محارب بن دثار قال سعيد بن عبيد في الكوثر قلت حدثنا عن ابن عباس أنه قال هو الخير الكثير فقال صدق أنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال نزلت إنا أعطيناك الكوثر فقال رسول الله ﵌ " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل ".
وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر قلت لسعيد ابن جبير فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة قال النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.
وهذا التفسير من حبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ناظر إلى المعنى اللغوي كما عرفناك ولكن رسول الله ﵌ قد فسره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.
قال القرطبي أصح هذه الأقوال أنه النهر أو الحوض لأنه ثابت عن النبي ﵌ نصاً في الكوثر.
قال القاضي عياض: أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض والتصديق به من الإيمان وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة، وقد جمع ذلك كله البيهقي في كتابه البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرة.
وذهب صاحب القوت وغيره إلى أن حوض النبي صلى الله عليه وآله
стр. 11959
وسلم إنما هو بعد الصراط، والصحيح أن له ﵌ حوضين وكلاهما يسمى كوثراً.
واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر فقيل الميزان وقيل الحوض قال أبو الحسن الفاسي والصحيح أن الحوض قبل.
قلت والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشاً فيقدم قبل الصراط والميزان والله أعلم.
стр. 11960
(فصل لربك) وكان الظاهر أن يقول لنا فانتقل إلى الاسم المظهر على طريق الالتفات لأنه يوجب عظمة ومهابة، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد الأمر له ﵌ بالدوام على إقامة الصلوات المفروضة، قال ابن عباس الصلاة المكتوبة وقيل صلاة عيد النحر، وهذا يناسب كونها مدنية، والأول يناسب كونها مكية.
(وانحر) البدن التي هي خيار أموال العرب، قال محمد بن كعب: أن ناساً كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه ﵌ أن يكون صلاته ونحره له، وقال قتادة وعطاء وعكرمة المراد صلاة العيد ونحر الأضحية، وقال سعيد بن جبير: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع، وانحر البدن في منى.
وقيل النحر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذاء النحر، قاله محمد بن كعب، وقيل هو أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبيرة إلى حذاء نحره، وقيل هو أن يستقبل القبلة بنحره، قاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص، قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول نتناحر أي نتقابل نحر هذا إلى نحر هذا أي قبالته.
وقال ابن الأعرابي هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب، من قولهم: منازلهم تتناحر أي تتقابل، وروي عن عطاء أنه قال أمره أن يستوي بين السجدتين جالساً حتى يبدو نحره، وقال سليمان التيمي المعنى وارفع
стр. 11961
يديك بالدعاء إلى نحرك.
وظاهر الآية الأمر له ﵌ بمطلق الصلاة ومطلق النحر، وأن يجعلهما لله لا لغيره، وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص فهو في حكم المقيد له.
عن علي بن أبي طالب قال لما نزلت هذه السورة على النبي ﵌ قال لجبريل " ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي، فقال إنها ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وأن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة قال النبي ﵌ رفع اليدين من الإستكانة التي قال الله (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) " أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه وهو من طريق مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي.
وعن ابن عباس في الآية قال إن الله أوحى إلى رسوله ﵌ أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة، فذاك النحر، وعن علي في الآية قال: " وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة " وعن أنس " عن النبي ﵌ مثله " أخرجه أبو الشيخ والبيهقي في سننه.
وعن ابن عباس أيضاًً إذا صليت فرفعت رأسك من الركوع فاستو قائماً، وعنه قال هو الذبح يوم الأضحى يقول اذبح يوم النحر.
стр. 11962
(إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) أي مبغضك هو المنقطع عن الخير على العموم، فيعم خيري الدنيا والآخرة، أو الذي لا عقب له أو الذي لا يبقى ذكره بعد موته.
وطْاهر الآية العموم، وإن هذا شأن كل من يبغض النبي صلى الله عليه
стр. 11963
وسلم ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل كما سيأتي فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما مر غير مرة.
قيل كان أهل الجاهلية إذا مات المذكور من أولاد الرجل قالوا قد بتر فلان، فلما مات ابن رسول الله ﷺ إبراهيم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال بتر محمد، فنزلت الآية، وقيل القائل بذلك عقبة بن أبي معيط.
قال أهل اللغة الأبتر من الرجال الذي لا ولد له، ومن الدواب الذي لا ذنب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر، وأصل البتر القطع، يقال بترت الشيء بتراً قطعته، وفي المختار بتره قطعه قبل التمام، وبابه نصر، والانبتار الانقطاع، والأبتر المقطوع الذنب، وبابه طرب.
وعن ابن عباس قال: " قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش أنت خير أهل المدينة وسيدهم، ألا ترى إلى هذا الصابيء المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل السدانة، قال أنتم خير منه فنزلت (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)، ونزلت (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ -إلى قوله- فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) " أخرجه البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه، قال ابن كثير وإسناده صحيح.
وعن أبي أيوب قال: " لما مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا إن هذا الصابيء قد بتر الليلة، فأنزل الله (إنا أعطيناك الكوثر) إلى آخر السورة أخرجه الطبراني وابن مردويه.
وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال " كان أكبر ولد رسول الله ﵌، القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية رضي الله تعالى عنهم، فمات القاسم وهو أول ميت من أهله وولده بمكة، ثم مات عبد الله فقال العاص بن
стр. 11964
وائل السهمي قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) " وفي إسناده الكلبي، وعنه قال هو أبو جهل وعنه قال يقول عدوك وقيل ولد القاسم ثم زينب ثم عبد الله قال الكلبي: ولدت زينب ثم القاسم ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية ثم عبد الله، وكان يقال له الطيب والطاهر، قال وهذا هو الصحيح، وغيره تخليط.
стр. 11965
سورة الكافرون
هي ست آيات وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك، وعن ابن الزبير أنها نزلت بالمدينة.
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر: " أن رسول الله ﵌ قرأ بهذه السورة وبقل هو الله في ركعتي الطواف ".
وفي مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة " أن رسول الله ﵌ قرأ بهما في ركعتي الفجر "، وعن ابن عمر قال: " أن رسول الله ﵌ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعاً وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) " أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبيّ قال: " كان رسول الله ﵌ يوتر بـ (سبح) و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ".
стр. 11966
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) تعدل ربع القرآن، وكان يقرأ بهما في ركعتي الفجر " أخرجه محمد بن نصر والطبراني في الأوسط.
وعن نوفل بن معاوية الأشجعي أنه قال يا رسول الله علمني ما أقول إذا أويت إلى فراشي قال: " اقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك "، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: " ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإشراك بالله تقرآون (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) عند منامنكم "، أخرجه أبو يعلى والطبراني.
وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : " من لقي الله بسورتين فلا حساب عليه (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) " أخرجه ابن مردويه.
وعن خباب أن النبي ﵌ قال: " إذا أخذت مضجعك فاقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) " وأن النبي ﵌ لم يأت فراشه قط إلا قرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) حتى ختمها " أخرجه البزار والطبراني وابن مردويه، وفي الباب أحاديث كثيرة.
(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) الألف واللام للجنس، ولكنها لما كانت الآية خطاباً لمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره كان المراد بهذا العموم خصوص من كان كذلك لأن من الكفار عند نزول هذه الآية من أسلم وعبد الله سبحانه.
وسبب نزول هذه السورة إن الكفار سألوا رسول الله ﷺ ، أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة فأمره الله سبحانه أن يقول لهم
стр. 11969
(لا أعبد ما تعبدون) أي لا أفعل في الحال ما تطلبون مني من عبادة ما تعبدون من الأصنام. قيل والمراد فيما يستقبل من الزمان لأن لا النافية لا تدخل في الغالب إلا على المضارع الذي في معنى الاستقبال كما أن (ما) لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال.
وذكر الحافظ ابن القيم في بدائع الفوائد عشر مسائل تحت هذه الآية وقال وقع (ما) فيها بدلاً عن (من) ومعناه أنتم لا تعبدون معبودي فالمقصود المعبود لا العبادة، ولا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ (ما) لإيهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية انتهى.
عن ابن عباس: " أن قريشاً دعت رسول الله ﷺ إلى أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء، فقالوا هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض
стр. 11970
عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح، قال ما هي؟ قالوا تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، قال حتى أنظر ما يأتيني من ربي فجاء الوحي من عند الله (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) إلى آخر السورة وأنزل الله (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) إلى قوله (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني.
وعن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقى الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف رسول الله ﷺ قالوا: " يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظاً فأنزل الله هذه السورة " أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري.
وعن ابن عباس أن قريشاً قالت لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك فأنزل الله هذه السورة كلها.
стр. 11971
(ولا أنتم عابدون ما أعبد) أي ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي.
قال الحافظ ابن القيم في البدائع: اشتمال هذه على النفي المحض خاصة هذه السورة العظيمة فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلقة بين الموحدين والمشركين، ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقاً للبراءة المطلوبة، هذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحاً.
فقوله (لا أعبد ما تعبدون) براءة محضة (ولا أنتم عابدون ما أعبد) إثبات أن له معبوداً يعبده وأنهم بريئون من عبادته، فتضمنت النفي والإثبات فطابقت قول إمام الحنفاء (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني) وطابقت
стр. 11972
قول الفئة الموحدين (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله).
ولهذا كان النبي ﷺ ، يقرأ بها وبقل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة المغرب، فإن هاتين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح إلا بهما وهما توحيد العمل والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد وإنه إله واحد صمد لم يلد ولم يولد.
والثاني توحيد القصد والإرادة وهو أن لا يعبد إلا إياه فلا يشرك به في عبادته سواه بل يكون وحده المعبود، وهذه السورة مشتملة على هذا التوحيد انتهى.
стр. 11973
(ولا أنا عابد ما عبدتم) أي ولا أنا قط فيما سلف عابد ما عبدتم فيه، والمعنى أنه لم يعهد مني ذلك (ولا أنتم عابدون ما أعبد) أي وما عبدتم في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته، كذا قيل، وهذا على قول من قال أنه لا تكرار في هذه الآيات لأن الجملة الأولى لنفي العبادة في المستقبل لما قدمنا من أن (لا) لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال.
والدليل على ذلك أن لن تأكيد لما ينفيه (لا) قال الخليل في لن أن أصله (لا) فالمعنى لا أعبد ما تعبدون في المستقبل ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أطلبه من عبادة إلهي.
ثم قال: ولا أنا عابد ما عبدتم أي ولست في الحال بعابد معبودكم ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي وقيل بعكس هذا، وهو أن الجملتين الأوليتين للحال، والجملتين الآخرتين للاستقبال بدليل قوله (ولا أنا عابد ما عبدتم) كما لو قال القائل أنا ضارب زيداً وأنا قاتل عمراً، فإنه لا يفهم منه إلا الإستقبال.
قال الأخفش والفراء: المعنى لا أعبد الساعة ما تعبدون ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم ولا أنتم عابدون في
стр. 11974
المستقبل ما أعبد.
قال الزجاج: نفى رسول الله ﷺ ، بهذه السورة عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال وفي المستقبل، ونفى عنهم عبادة الله في الحال، وفيما يستقبل، وقيل أن كل واحد منهما يصلح للحال والاستقبال ولكنا نخص أحدهما بالحال والثاني بالاستقبال رفعاً للتكرار.
وكل هذا فيه من التكلف والتعسف ما لا يخفى على منصف، فإن جعل قوله لا أعبد ما تعبدون للإستقبال وإن كان صحيحاً على مقتضى اللغة العربية ولكنه لا يتم جعل قوله
стр. 11975
(ولا أنتم عابدون ما أعبد) للاستقبال لأن الجملة الاسمية تفيد الدوام والثبات في كل الأوقات فدخول النفي عليها يرفع ما دلت عليه من الدوام والثبات في كل الأوقات، ولو كان حملها على الاستقبال صحيحاً للزم مثله في قوله: (ولا أنا عابد ما عبدتم) وفي قوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) فلا يتم ما قيل من حمل الجملتين الآخرتين على الحال.
وكما يندفع هذا يندفع ما قيل من العكس لأن الجملة الثانية والثالثة والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المبتدأ في كل واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيها بعده منفية كلها بحرف واحد وهو لفظ لا في كل واحد منها فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة.
وأما قول من قال أن كل واحد منها يصلح للحال والإستقبال فهو إقرار منه بالتكرار، لأن حمل هذا على معنى، وحمل هذا على معنى، مع الاتحاد يكون من باب التحكم الذي لا يدل عليه دليل.
وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن القرآن نزل بلسان العرب، ومن مذاهبهم التي لا تجحد، واستعمالاتهم التي لا تنكر، أنهم إذا أرادوا التأكيد كرروا كما أن من مذاهبهم أنهم إذا أرادوا الاختصار أوجزوا، هذا معلوم لكل من له علم بلغة العرب، وهذا مما لا يحتاج إلى إقامة البرهان عليه، لأنه إنما