(خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً) قال مجاهد: متحولاً أي لا يطلبون تحولاً عنها إلى غيرها إذ هي أعز من أن يطلبوا غيرها أو تشتاق أنفسهم إلى سواها قال ابن الأعرابي وابن قتيبة والأزهري: الحول اسم بمعنى التحول يقوم مقام المصدر، وقال أبو عبيدة والفراء: أن الحول التحويل.
ولما ذكر سبحانه أنواع الدلائل نبه على كمال القرآن فقال
стр. 5112
(قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي) قال ابن الأنباري: سمي المداد مداداً لإمداده الكاتب وأصله من الزيادة ومجيء الشىء، بعد الشيء، ويقال للزيت الذي يوقد به السراج مداداً، والمراد بالبحر هنا الجنس، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله
стр. 5113
وحكمته وعجائبه وفرض أن جنس البحر مداد لها (لنفد البحر) أي لفنى ماؤه (قبل أن تنفد كلمات ربي) أي قبل نفود الكلمات، وقيل المعنى لو كان البحر مداداً للقلم والقلم يكتب لنفد البحر قبل نفود كلمات ربي أي علمه. قاله مجاهد.
وقال قتادة: ينفد ماء البحر قبل أن ينفد كلام الله وحكمته، وقيل المراد بها معلوماته، قرئ تنفد بالتاء والياء وهما سبعيتان وذكر في الكشاف أن قبل هنا بمعنى غير أو بمعنى دون، وقيل عنى سبحانه بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى، وهو إن كان واحداً فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من الفوائد، وقد عبرت العرب عن الفرد بلفظ الجمع قال الأعشى:
ووجه نقي اللون صاف يزينه ... مع الجيد لبات لها ومعاصم
فعبر باللبات عن اللبة قال الجبائي: أن قوله (قبل أن تنفد كلمات ربي) يدل على أن كلماته قد تنفد في الجملة، وما ثبت عدمه امتنع قدمه، وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على متعلقات تلك الصفة الأزلية، وقيل في الجواب إن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا تضبطها عقول البشر، أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل على ذلك في هذه الآية، والحق أن كلمات الله تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية فالكلمات غير متناهية.
(ولو جئنا بمثله مدداً) كلام من جهته سبحانه غير داخل تحت قوله (قل لو كان البحر) وفيه زيادة مبالغة وتأكيد، والواو لعطف ما بعده على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله لو لم يجيء بمثله مدداً (ولو جئنا بمثله) أي البحر (مدداً لنفد) أيضاً والمدد الزيادة وقرئ مداداً وهي كذلك في مصحف أبيّ.
стр. 5114
ثم أمر سبحانه نبيه ﵌ أن يسلك مسلك التواضع فقال
стр. 5115
(قل إنما أنا بشر مثلكم) أي آدمي حالي مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية ومن كان هكذا فهو لا يدعي الإحاطة بكلمات الله إلا أنه امتاز عنهم بالوحي إليه من الله سبحانه فقال (يوحى إلي) وكفى بهذا الوصف فارقاً بينه وبين سائر أنواع البشر.
ثم بيَّن أن الذي أوحي إليه هو قوله (إنما إلهكم إله واحد) لا شريك له في الألوهية والملك وفي هذا إرشاد إلى التوحيد ثم أمرهم بالعمل الصالح والتوحيد فقال (فمن كان يرجو لقاء ربه) الرجاء توقع وصول الخير في المستقبل، والمعنى من كان له هذا الرجاء الذي هو شأن المؤمنين ويخاف المصير إليه، وقيل يؤمل رؤية ربه والبعث والجزاء (فليعمل عملاً صالحا) هو ما دل الشرع على أنه عمل خير يثاب عليه فاعله أي مستوفياً لمعتبر أنه شرعٌ عن ابن عباس قال: أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلهاً آخر غيره وليست هذه في المؤمنين.
(ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) من خلقه سواء كان صالحاً أو طالحاً، حيواناً أو جماداً، قال الماوردي: قال جميع أهل التأويل في تفسير هذه الآية إن المعنى لا يرائي بعمله أحداً.
وأقول إن دخول الشرك الجلي الذي كان يفعله المشركون تحت هذه الآية هو المقدم على دخول الشرك الخفي الذي هو الرياء. ولا مانع من دخول هذا الخفي تحتها إنما المانع من كونه هو المراد بهذه الآية.
عن ابن عباس قال: قال رجل يا نبيِّ الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله وأحب أن يرى موطني فلم يرد عليه شيئاً حتى نزلت هذه الآية.
وعنه قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له فزاد في ذلك لقالة الناس فلا يريد به الله فنزل في ذلك (فمن كان يرجو لقاء ربه) الآية.
стр. 5116
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك " (١).
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة أن رجلاً قال يا رسول الله الرجل يجاهد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا فقال: " لا أجر له فأعظم الناس ذلك " فعاد الرجل فقال " لا أجر له " (٢)، وعن شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﵌ الشرك الأصغر.
وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك "، ثم قرأ (فمن كان يرجو لقاء ربه) الآية (٣)، أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن شداد أيضاً قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئاً فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشركه أنا عنه غني " (٤)، أخرجه أحمد وأبو نعيم الطيالسي.
واخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان رجل " (٥).
стр. 5117
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن شداد ابن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية " قلت أتشرك أمتك بعدك؟ قال: " نعم أما أفهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون الناس بأعمالهم "، قلت؛ يا رسول الله ما الشهوة الخفية؟ قال: " يصبح أحدهما صائماً فيعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه ويواقع شهوته " (١).
وأخرج أحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي ﵌ عن ربه أنه قال: " أنا خير الشركاء فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو الذي أشرك " وفي لفظ " فمن أشرك بي أحداً فهو له كله " (٢).
وفي الباب أحاديث كثيرة في التحذير من الرياء وأنه الشرك الأصغر وأن الله لا يقبله، وقد استوفاها صاحب الدر المنثور في هذا الوضع فليرجع إليه، ولكنها لا تدل على أنه المراد بالآية بل الشرك الجلي يدخل تحتها دخولاً أولياً وعلى فرض أن سبب النزول هو الرياء كما يشير إلى ذلك ما قدمنا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في علم الأصول.
وقد ورد في فضائل هذه الآية بخصوصها ما أخرجه الطبراني وابن مردويه عن حكيم قال: قال رسول الله ﷺ : " لو لم ينزل على أمتي إلا خاتمة سورة الكهف لكفتهم "، وأخرج ابن راهويه والبزار والحاكم وصححه والشيرازي في الألقاب وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : " من قرأ في ليلة (فمن كان يرجو لقاء ربه)
стр. 5118
الآية كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة قال ابن كثير بعد إخراجه غريب جداً (١).
وعن معاوية بن أبي سفيان أنه تلا هذه الآية (فمن كان يرجو لقاء ربه) وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن، قال ابن كثير وهذا أثر مشكل فإن هذه الآية هي آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها ما ينسخها ولا ما يغير حكمها بل هي مثبتة محكمة فاشتبه ذلك على بعض الرواة فروي بالمعنى على ما فهمه (٢).
стр. 5119
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة مريم
هي مكية وآياتها ثمان أو تسع وتسعون آية
قال ابن عباس: أنزلت بمكة. وعن ابن الزبير وعائشة مثله، وفي البيضاوي، إلا آية السجدة وفي الجلالين: إلا سجدتها فمدنية. أو وإلا (فخلف من بعدهم خلف) الآيتان وأخرج أحمد والبيهقي وابن أبي حاتم عن أم سلمة أن النجاشي قال لجعفر بن أبي طالب: هل معك مما جاء به -يعني رسول الله ﷺ عن الله شيء؟ قال: نعم: فقرأ عليه صدراً من (كهعيص) فبكى النجاشي (١) حتى أخضلت لحيته وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ثم قال النجاشي: أن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة وقد ذكر ابن إسحاق القصة بطولها.
وقد تقدم في الجزء الأول من هذا التفسير أن أسماء السور وترتيبها وترتيب الآيات توقيفي ولم تذكر أمرأة باسمها صريحاًً في القرآن إلا مريم فذكرت فيه في ثلاثين موضعاً.
(كهيعص) قال ابن عباس: كبير هاد أمين عزيز صادق. وعن ابن مسعود وناس من الصحابة: هو الهجاء القطع الكاف من الملك والهاء من الله والياء والعين من العزيز والصاد من المصور.
وعن أم هانئ عن رسول الله ﷺ قال: " كاف هاد عالم صادق "، وعن علي كان يقول يا كهيعص اغفر لي، وعن السدي قال: كان ابن عباس يقول: في كهيعص، وحم، ويس، وأشباه هذا هو بسم الله الأعظم وعن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل هو اسم السورة. وعن الكلبي: هو ثناء أثنى الله به على نفسه.
وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة، وقع بين من بعدهم، ولم يصح مرفوعاً في ذلك شيء. ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح، فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف، ورَدُّ لعلم في مثلها إلى الله سبحانه، ولذا قال في الجلالين: الله أعلم بمراده
стр. 5122
بذلك. وفي الخطيب أنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وقد قدمنا تحقيق هذا في فاتحة سورة البقرة.
стр. 5123
(ذكر) أي هذا ذكر، أو المتلو ذكر، وقيل إنه خبر الحروف المقطعة، وهو قول يحيى بن زياد. قال أبو البقاء: وفيه بعد، وقيل هو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليك ذكر.
قال الزجاج: المعنى هذا الذي نتلوه عليك ذكر (رحمة ربك) مضاف لفاعله ومفعوله (عبده زكريا) يعني إجابته إياه حين دعاه وسأله الولد. قيل عبده مفعول لذكر، ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها. كما يقال ذكرني معروف فلان أي بلغني.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " كان زكريا نجاراً " (١)، أخرجه أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه، وعن ابن مسعود قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن آزر بن مسلم من ذرية يعقوب
стр. 5124
(إذ نادى ربه) ظرف زمان للرحمة أي رحمة الله إياه وقت أن ناداه (نداء) مشتملاً على دعاء (خفياً) سراً جوف الليل لأنه أسرع إلى الإجابة.
واختلف في وجه كون ندائه هذا خفياً، فقيل لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء، وقيل أخفاه لئلا يلام على طلبه للولد في غير وقته، ولكونه من أمور الدنيا. وقيل أخفاه مخافة من قومه، وقيل كان ذلك منه لكونه قد صار ضعيفاً هرماً لا يقدر على الجهر، لأنه كان ابن خمس وسبعين أو ثمانين سنة وكان النداء في المحراب.
стр. 5125
(قال رب إني وهن العظم مني) هذه الجملة مفسرة لقوله نادى ربه. فالنداء أوله قوله هذا وآخره قوله الأتي (واجعله رب رضياً) فجملة النداء ثمان جمل والدعاء منه هو قوله (فهب لي من لدنك ولياً) كما سيأتي،
стр. 5126
والوهن الضعف، يقال وهن يهن وهناً، من باب وعد إذا ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته، يتعدى؛ ولا يتعدى في لغة فهو موهون البدن والعظم، والأجود أنه يتعدى بالهمزة، فيقال أوهنته، والوهن بفتحتين لغة في المصدر، ووهن يهن بالكسر فيهما لغة، وقرئ بالحركات الثلاث، أراد أن عظامه فترت ورقت، وضعفت قوته من الكبر.
وذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه، وهو أصل بنائه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما في الإنسان وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحد العظم قصداً إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام، وقيل اشتكى سقوط الأضراس.
(واشتعل الرأس شيباً) الاشتعال في الأصل انتشار شعاع النار، فشبه به انتشار بياض شعر الرأس في سواده بجامع البياض والإنارة، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية بأن حذف المشبه به، وأداة التشبيه، وهذه الاستعارة من أبدع الاستعارات وأحسنها. قال الزجاج: يقال للشيب إذا كثر جداً. قد اشتعل رأس فلان.
(ولم أكن بدعائك) أي بدعائي إياك (رب شقياً) يقال شقي بكذا أي تعب فيه، ولم يحصل مقصوده منه، فالمعنى لم أكن خائفاً في وقت من الأوقات، بل كلما دعوتك استجبت لي، وهذا توسل بما سلف له من الاستجابة، وتنبيه على أن المطلوب -وإن لم يكن معتاداً- فإجابته لدعائه معتادة، وقد عوده سبحانه بالإجابة وأطعمه، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطعمه.
قال العلماء: يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع. وذكر نعم الله عليه. كما فعل زكريا هاهنا. فإن قوله الماضي غاية الخضوع والتذلل وإظهار الضعف والقصور عن سرد مطالبه وبلوغ مآربه، وفي هذا ذكر ما
стр. 5127
عوده الله. والإنعام عليه بإجابة أدعيته، والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع.
стр. 5128
(وإني خفت) بكسر الخاء (الموالي من ورائي) وقرئ خفت بكسر التاء وفاعله الموالي، أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين بعدي أو انقطعوا بالموت، مأخوذ من خفت القوم إذا ارتحلوا، وهذه قراءة شاذة وبعيدة عن الصواب. والموالي هنا هم الأقارب الذين يرثون وسائر العصبات من بني العم، ونحوهم، والعرب تسمي هؤلاء موالي. وقيل هم الناصرون له، وقيل الكلالة، وقيل جميع الورثة.
واختلفوا في وجه المخافة من زكريا لمواليه من بعده، فقيل خاف أن يرثوا ماله وأراد أن يرثه ولده، فطلب من الله سبحانه أن يرزقه ولداً.
وقال آخرون: إنهم كانوا مهملين لأمر الدين فخاف أن يضيع الدين بموته، فطلب ولياً يقوم به بعد موته، وهذا القول أرجح من الأول، لأن الأنبياء لا يورثون، وهم أجل من أن يعتذوا بأمور الدنيا، فليس المراد هنا وراثة المال، بل المراد وراثة العلم والنبوة والقيام بأمر الدين، وقد ثبت عن نبينا ﷺ ، أنه قال: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " (١).
(وكانت امرأتي عاقرأً) هي التي لا تلد لكبر سنها والتي لا تلد أيضاً لغير كبر، وهي المرادة هنا؛ ويقال للرجل الذي لا يلد عاقر أيضاً. قال ابن جرير: وكان اسم امرأته أشاع بنت فاقود بن ميل، وهي أخت حنة، وهي أم مريم، فولد لأشاع يحيى ولحنة مريم. وقال القتيبي: هي أشاع بنت عمران، فعلى القول الأول يكون يحيى بن زكريا ابن خالة أم عيسى. وعلى
стр. 5129
الثاني يكونان ابني خالة، كما ورد في الحديث الصحيح.
(فهب لي من لدنك) أي أعطني من فضلك (ولياً) مرضياً لأن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك. ولم يصرح بطلب الولد لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوز فيها حدوث الولد بينهما، وحصوله منهما، وقد قيل: إنه كان ابن بضع وتسعين سنة، وقيل: بل أراد بالولي الذي طلبه هو الولد، ولا مانع من سؤال من كان مثله لما هو خارق للعادة. فإن الله سبحانه قد يكرم رسله ما يكون كذلك، فيكون من جملة المعجزات الدالة على صدقهم
стр. 5130
(يرثني ويرث من آل يعقوب) قرئ بالرفع في الفعلين جميعاً على أنهما صفتان للولي، ولمسا بجواب الدعاء، وقرئ بالجزم فيهما على أنهما جواب للدعاء، ورجح الأول أبو عبيد، وقال: هي أصوب في المعنى لأنه طلب ولياً هذه صفته، فقال: هب لي الذي يكون وارثي. ورجح ذلك النحاس، والوراثة هنا هي وراثة العلم والنبوة على ما هو الراجح كما سلف.
وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن يعقوب المذكور هنا هو يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم. وزعم بعضهم أنه يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان، وبه قال الكلبي ومقاتل: وآل يعقوب هم خاصته الذين يؤول أمرهم إليه للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، وقد كان فيهم أنبياء وملوك، وقرئ يرثني وارث ال يعقوب، وقرئ وأرث آل يعقوب، أي أنا، وقرئ " أُوَ يَرِثُ آل يعقوب " على أن هذا المصغر فاعل يرثني، وهذه القراءات في غاية الشذوذ لفظاً ومعنى.
(واجعله رب رضياً) أي مرضياً في أخلاقه وأفعاله؛ وقيل راضياً بقضائك، وقدرك، وقيل رجلاً صالحاً ترضى عنه، وقيل نبياً كما جعلت آباءه أنبياء.
стр. 5131
(يا زكريا) بالهمز، وحذفه سبعيتان. قال جمهور المفسرين: إن هذا النداء من الله سبحانه، وقيل من جهة الملائكة، لقوله في آل عمران (فنادته الملائكة) ويمكن أن يكن وقع له الخطاب مرتين، مرة بواسطة الملائكة وأخرى من غير واسطة، وفي الكلام حذف، أي فاستجاب له دعاءه فقال: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام) وبين هذه البشارة ووجود الغلام في الخارج بالفعل ثلاث عشرة سنة لأن طلب زكريا للولد والبشارة به كان في صغر مريم وهي في كفالته، وأن الحمل بيحيى كان مقارناً للحمل بعيسى، وكانت مريم إذ ذاك بنت ثلاث عشرة سنة، وأن أشاع حملت به قبل حمل مريم بعيسى بستة أشهر.
(اسمه يحيى) قد تقدم في آل عمران وجه التسمية بيحيى وزكريا. قال الزجاج: سمي يحيى لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها، وهو الممنوع من الصرف للعلمية والعجمية، وتقول في تثنيته يحييان رفعاً ويحيين نصباً وجراً، وفي جمع سلامته يحييون رفعاً، ويحيين نصباً وجراً.
(لم نجعل له من قبل سمياً) فعيل بمعنى مفعول، أي مسمى يحيى قال أكثر المفسرين: معناه لم نسم أحداً قبله يحيى.
وقال مجاهد وابن عباس وجماعة: معناه أنه لم يجعل له مثلاً ولا نظيراً، فيكون على هذا مأخوذ من المساماة أو السموّ، ورد هذا بأنه يقتضى تفضيله على إبراهيم وموسى. وقيل: معناه لم تلد عاقر مثله، والأول أولى.
وفي إخباره سبحانه بأنه لم يُسَمً بهذا الاسم قبله أحداً فضيلة له من جهتين. الأولى أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به ولم يكملها إلى الأبوين، وسماه بخصوص يحيى لأنه به حيي رحم أمه بعد موته بالعقم، والجهة الثانية أن تسميته باسم لم يوضع لغيره تفيد تشريفه وتعظيمه.
(قال رب أنّي) أي كيف ومن أين (يكون لي غلام) وليس معنى هذا الاستفهام الاستبعاد والإنكار، بل التعجب والاستكشاف من قدرة الله وبديع صنعه حيث يخرج ولداً من امرأة عاقر وشيخ كبير (وكانت امرأتي عاقراً) أي لا تلد؛ والجملة حال من الياء في لي، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في آل عمران.
(وقد بلغت من الكبر عتياً) أي يأساً، يريد بذلك نحول الجسم والجلد ودقة العظم أو يبساً جساوة (١) في المفاصل والعظام من أجل الكبر والطعن في السن العالية يقال عتا الشيخ يعتو عتياً إذا انتهت سنه وكبر، وشيخ عات إذا صار إلى حال اليبس والجفاف والأصل عتواً لأنه من ذوات الواو فأبدلوها ياء لكونها أخف قال السمين: فيه أربعة أوجه أظهرها أنه مفعول به، أو مصدر مؤكد لمعنى الفعل أو مصدر وقع موقع الحال، أي عاتياً أو ذا عتو، الرابع أنه تمييز، وعلى هذه الأوجه الثلاثة (من) مزيدة ذكره أبو البقاء، والأول هو الأوجه، انتهى، وقرئ عِتياً بكسر العين وبضمها وهما لغتان، وكلتا الجملتين لتأكيد الاستبعاد.
стр. 5134
والتعجب المستفاد من قوله: (أنى يكون لي غلام) قال ابن عباس: لا أدري كيف كان رسول الله ﷺ يقرأ هذا الحرف عتيًّا أو عتياً. وعن عطاء في قوله عتياً قال: لبث زماناً في الكبر وقال السدي: هرماً، والمعنى كيف يحصل بيننا ولد الآن وقد كانت امرأتي عاقراً لم تلد في شبابها وشبابي: وهي الآن عجوز وأنا شيخ هرم.
ثم أجاب الله سبحانه عن هذا السؤال المشعر بالتعجب والاستبعاد بقوله:
стр. 5135
(قال) أي الملك المبلغ للبشارة، وهو كما قال الكواشي: جبريل ﵇، والأكثر على أنه الله تعالى لسلامته عن فك النظم.
(كذلك) أي الأمر كذلك تصديق له والإشارة إلى ما سبق من قول زكريا: ثم ابتدأ بقوله: (قال ربك) أو قال قولاً مثل ذلك، والإشارة إلى مبهم يفسره قوله (هو عليَّ هين) وعلى الأول هذه الجملة مستأنفة مسوقة لإزالة استبعاد زكريا بعد تقريره، وإنما أعيد: قال ربك، اهتماماً أي قال هو مع بعده عندك، عليّ هين، وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع من المراد. قال الفراء: أي خلقه عليّ هين بأن أرد عليك قوة الجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق.
(وقد خلقتك من قبل) أي من قبل يحيى، والجملة حال وقرأ سائر الكوفيين وقد خلقناك (ولم تك شيئاً) لأن المعدوم ليس بشيء، هذه الجملة مقررة لما قبلها قال الزجاج: أي فخلق الولد لك كخلقك، والمعنى أن الله سبحانه خلقه ابتداء وأوجده من العدم المحض، فإيجاد الولد له بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه، وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم ﵇ لأنه المخلوق من العدم حقيقة بأن يقول: وقد خلقت أباك آدم من قبل ولم يك شيئاً، للدلالة على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشاء آدم من العدم.
стр. 5136
(قال رب اجعل لي آية) أي علامة تدلني على وقوع المسؤول وتحققه وحصول الحبل. والمقصود من هذا السؤال تعريفه وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه قال ابن الأنباري: وجه ذلك أن نفسه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما مَنَّ به عليه، وقيل: طلب آية تدله على أن البشرى من الله سبحانه لا من الشياطين، لأن إبليس أوهمه بذلك، كذا قال الضحاك والسدي وهو بعيد جداً.
(قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً) نصب على الحال أي آيتك أن لا تقدر على الكلام، والحال أنك سوي الخلق صحيح سليم من غير بأس ليس بك آفة تمنعك منه، والمراد ثلاث ليال بأيامها، كما في آل عمران ثلالة أيام وإنما عبر هنا بالليالي، وهناك بالأيام، لأن هذه السورة مكية، والمكي سابق على المدني، والليل سابق على النهار، فأعطى السابق للسابق، وأعطى المؤخر للمؤخر، وقيل: ثلاث ليال متتابعات، والأول أولى، قال ابن عباس: اعتقل لسانه من غير مرض، وفي لفظ من غير خرس.
стр. 5137
(فخرج على قومه من المحراب) أي من مصلاه متغير اللون، عاجز الكلام فأنكروا ذلك عليه، في القاموس: الحراب الغرفة، وصدر البيت، وأكرم مواضعه، ومقام الإمام من المسجد، والوضع الذي يتفرد به الملك فيتباعد عن الناس، ومحاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها.
وفي الشهاب: وأما المحراب المعروف الآن، وهو طاق مجوّف في حائط المسجد يصلي فيه الإمام فهو محدث لا تعرفه العرب، فتسميته محراباً اصطلاح للفقهاء انتهى، وهو ممنوع، بل هو معنى لغوي إذ هو من أفراد المعنى اللغوي الذي ذكره في القاموس بقوله: ومقام الإمام بالسجد واشتقاقه من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان، وقيل من الحرب محركاً؛ كأن ملازمه يلقى حرباً وتعباً ونصباً.
стр. 5138
(فأوحى إليهم) أي أومأ؛ وأشار، بدليل قوله في آل عمران: إلا رمزاً وقيل كتب لهم على الأرض، وبالأول قال الكلبي، والقرظي وقتادة وابن منبه وبالثاني، قال مجاهد: وقد يطلق الوحي على الكتابة. قال ابن عباس: كتب لهم كتاباً (أن سبحوا) مصدرية أو مفسرة، والمعنى فأوحى إليهم بأن صلوا؛ أو أي صلوا.
(بكرة وعشياً) أي نزهوا ربكم طرفي النهار؛ فهما ظرفا زمان للتسبيح. وانصرفت بكرة لأنه لم يقصد بها العلمية، فلو قصد بها العلمية امتنعت من الصرف، قال الفراء: العشي يؤنث، ويجوز تذكيره إذا أبهم، قال: وقد يقال: العشي جمع عشية قيل والمراد صلاة الصبح والعصر، وقيل المراد بالتسبيح هو قولهم سبحانه الله.
стр. 5139
(يا يحيى) أي قال الله للمولود يا يحيى، أو ولد له مولود فبلغ المبلغ لذي يجوز أن يخاطب فيه. فقلنا له يا يحيى.
وقال الزجاج: المعنى فوهبنا له وقلنا له يا يحيى أي بعد ولادته بثلاث سنين على ما قاله قتادة، وقيل بسنتين يعني على لسان الملك كما قاله أبو حيان (خذ الكتاب) المراد به التوراة لأنه المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن.
والمراد بالأخذ إما الأخذ الحسي، أو الأخذ من حيث المعنى، وهو القيام بما فيه كما ينبغي، وذلك بتحصيل ملكة تقضي سهولة الإقدام على المأمور به، والإحجام على المنهي عنه، ثم أكده بقوله (بقوة) أي متلبساً بجد، وعزيمة، واجتهاد قاله مجاهد.
(وآتيناه الحكم صبياً) المراد بالحكم الحكمة، وهي الفهم للكتاب الذي أمر بأخذه، وفهم الأحكام الدينية، وقيل هي العلم وحفظه والعمل
стр. 5140
به: وقيل النبوة، وقيل العقل، وقال مجاهد: الفهم، وقال مالك بن دينار: اللب، ولا مانع من حمل الحكم على جميع ما ذكر، والجملة مستأنفة.
قال ابن عباس: أعطي الفهم، والعبادة، وهو ابن سبع سنين، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الغلمان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال يحيى ما للعب خُلقنا اذهبوا نصلي "، فهو قول الله (وآتيناه الحكم صبياً) أخرجه الحاكم في تاريخه، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ " من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبياً "، أخرجه البيهقي، وأخرجه ابن أبي حاتم موقوفاً عليه.
стр. 5141
(وحناناً) معطوف على الحكم، قال جمهور المفسرين: الحنان الرحمة والرقة والشفقة، العطف والمحبة وأصله توقان النفس مأخوذ من حنين الناقة على ولدها قال: يقول حنانك يا رب وحنانيك يا رب معنى واحد يريد رحمتك، قال إن الأول الحنان مشدداً من صفات الله ، والحنان محققاً للعطف والرحمة والحنان التوق والبركة.
قال ابن عطية: والحنان في كلام العرب أيضاً ما عظم من الأمور في ذات الله ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حناناً، يعني بلالاً لما مر به وهو يعذب، وقيل أن القائل لذلك هو ورقة ابن نوفل، قال الأزهري: معنى ذلك لأترحمن عليه ولأعطفن عليه لأنه من أهل الجنة.
ومعنى (من لدنا) من عندنا ومن جنابنا، وقيل المعنى أعطيناه رحمة من
стр. 5142
لدنا، كائنة في قلبه، يتحنن بها على الناس، ومنهم أبواه وقرابته حتى يخلصهم من الكفر، قال ابن عباس في (حناناً) لا أدري ما هو إلا أني أظنه يعطف الله على عبده بالرحمة، وقد فسرها جماعة من السلف بالرحمة كما مر، ومنه قول الشاعر:
وعسير بلاء حاق به ... ويسير حنانك يدفعه
(وزكاة) معطوف على ما قبله، والزكاة التطهير والبركة والتنمية والبر أي جعلناه مباركاً للناس يهديهم إلى الخير، وقيل ذكيناه بحسن الثناء عليه كتزكية الشهود، وقيل صدقة تصدقنا بها على أبويه قاله ابن قتيبة، وقيل تصدقاً على الناس أي أعطيناه توفيقاً للتصدق عليهم وقيل يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص، وقيل: هي العمل الصالح، فلم يعمد بذنب.
(وكان تقياً) قال ابن عباس: طهر فلم يأت بذنب أي متجنباً لمعاصي الله سبحانه مطيعاً له بطبعه، وقد روي أنه لم يعمل معصية ولم يهم بها قط، ومن جملة تقواه أنه كان يتقوت بالعشب، وكان كثير البكاء فكان لدمعه مجار على خده.
(وبراً) فعل بمعنى فاعل أي باراً (بوالديه) والمعنى لطيفاً بهما محسناً إليهما، لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله أعظم من برهما يدل عليه قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً).
(ولم يكن جباراً عصياً) أي لم يكن متكبراً يقتل، ويضرب على الغضب، ولا عاصياً لوالديه، أو لربه، وهذا وصف له ﵇ بلين الجانب وخفض الجناح، والمراد أصل الفعل، فالمنفي أصل الجبر، والعصيان، لا المبالغة فيهما
стр. 5145
(وسلام) منا (عليه).
قال ابن جرير وغيره: معناه أمان عليه من الله، قال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته. وإنما الشرف في أن سلم الله عليه. وقال سلام هنا منكراً، وفي قصة عيسى (والسلام) معرفاً لأن الأول من الله، والقليل منه كثير، والثاني من عيسى.
ومعنى (يوم ولد) أنه أمن من الشيطان وغيره في ذلك اليوم، وسلم من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم، أو أن الله حياه في ذلك اليوم (ويوم يموت ويوم يبعث حياً) قيل أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن: يوم ولد لأنه خرج مما كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوماً لم يكن قد عرفهم وأحكاماً ليس لديها عهد، ويوم يبعث لأنه يرى هول يوم القيامة، فخص الله سبحانه يحيى بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة.
стр. 5146
(واذكر في الكتاب مريم) هذا شروع في ابتداء خلق عيسى، والمراد بالكتاب هذه السورة: أي اذكر يا محمد للناس في هذه السورة قصة مريم وخبرها ونبأها؛ أو المراد به جنس القرآن وهذه السورة منه (إذ انتبذت) النبذ الطرح والرمي. قال تعالى: (فنبذوه وراء ظهورهم)، والمعنى أنها تنحت وتباعدت. وقال ابن قتيبة: اعتزلت وقيل انفردت.
(من أهلها) أي من قومها والمعاني متقاربة. واختلفوا في سبب انتباذها، فقيل لأجل أن تعبد الله سبحانه، وقيل للتطهر من حيضها (مكاناً شرقياً) أي من جانب الشرق، والنصب على الظرفية أو مفعول به، على أن معنى انتبذت أتت مكاناً، كما في السمين، وفي المصباح ما يؤيده.
والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس، وإنما خص المكان بالشرق لأنهم يعظمون جهة الشرق لأنها مطلع الأنوار، حكى معناه ابن جرير، وقال ابن عباس: مكاناً أظلها من الشمس أن يراها أحد منهم، وقال: إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة. لأن مريم اتخذت من أهلها مكاناً شرقياً. فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على خوف حين شق فوقهم الجبل، فجعلوا ينحرفون وهم ينظرون إليه يتخوفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله فاتخذوها عنه.
وقيل كان ذلك اليوم شاتياً شديد البرد فجلست في مشرقه تعلي رأسها.
стр. 5147
(فاتخذت) أي ضربت (من دونهم) أي من دون أهلها (حجاباً) أي حاجزاً وستراً يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة أو حال التطهر من الحيض. والحجاب الستر والحاجز (فأرسلنا إليها روحنا) هو جبريل ﵇ ليبشرها بالغلام ولينفخ فيها فتحمل به.
وقد اختلف الناس في نبوة مريم، فقيل إنها نبية لمجرد هذا الإرسال إليها ومخاطبتها للملك، وقيل لم تكن نبية لأنه إنما كلمها الملك وهو على مثال البشر، والمتفق عليه أن المنفي وحي الرسالة لا مطلق الوحي، والوحي هنا إنما هو بشارة الولد لا بالرسالة، وقد تقدم الكلام على هذا في آل عمران،
стр. 5148
وقيل هو روح عيسى لأن الله سبحانه خلق الأرواح قبل الأجساد. والأول أولى لقوله (فتمثل) أي جبريل ﵇ (لها) بعد لبسها ثيابها (بشراً سوياً) تاماً مستوي الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئاً.
وقال البيضاوي: ولعله أي التمثل ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها، إهـ قال في الخميس في أحوال أنفس نفيس: فيه نظر، انتهى، ولم يبين أحد هذا النظر الصحيح لا هو ولا غيره من المفسرين فيما تصفحت إلا أبا السعود حيث قال: هو مع مخالفته لمقام بيان آثار القدرة الخارقة للعادة يكذبه قوله تعالى:
стр. 5149
(قالت إني أعوذ بالرحمن منك) فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها شائبة مثل ما إليه فضلاً عما ذكر من الحالة المرتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة.
نعم كان تمثله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق لابتلائها وسبر عفتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه، وذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ به تعالى واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها إهـ.
وقد تكلموا في كيفية تمثله، فقال إمام الحرمين: يفني الله الزائد من خلقه أو يزيله عنه ثم يعيده إليه، يعني أن له أجزاء أصلية كما في الإنسان وأجزاء زائدة، وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء وقال ابن حجر: إن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفيه الله تعالى عن الرأي فقط قاله الكرخي.
وقيل إنما ظهر لها في سورة البشر لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فتفهم كلامه ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه، وأنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته، فلما رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالله منه.
و (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً) أي ممن يتقي الله
стр. 5150
ويخافه، ويعامل بمقتضى التقوى والإيمان، وخصت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه. وقيل أن تقياً اسم رجل صالح فتعوذت منه تعجباً. وقيل إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، والأول أولى.
وتعوذها من تلك الصورة الحسنة دل على كمال عفتها وغاية ورعها، وجواب الشرط محذوف، أي فلا تتعرض لي واتركني وانئه عني، أو فتنتهي عني لتعوذي، وهذه الجملة كقول القائل: أن كنت مؤمناً فلا تظلمني.