← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

عليه الشمس فهو ظل، انتهى. وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين، وأطيب الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عنها الحس، والضوء الكامل لقوته يبهر الحس البصري، ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصفت به الجنة في قوله: (وظل ممدود) قال أبو السعود، وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فغير سديد، إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظم قدرة الله ، وبالغ حكمته فيما يشاهدونه، فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها، في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف، مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر؛ وإن كان في الحقيقة ظلاً للأفق الشرقي، لكنهم لا يعدونه ظلاً، ولا يصفونه بأوصافه المعهودة، انتهى. وعن ابن عباس قال: كيف مد الظل أي: بعد الفجر، قبل أن تطلع الشمس، وعنه قال: ألم تر أنك إذا صليت الفجر، كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً؟ ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً فقبض الظل. وعنه قال: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبه قال الجمهور، واعترض عليه بأنه لا يسمى ظلاً لأنه من بقايا الليل واقع في غير النهار، ومعنى الآية كيف أنشأ ظلاً لأي مظل كان من جبل أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتداً، وأنه تعالى مده، بعد أن لم يكن كذلك، كما بعد نصف النهار إلى غروبها، فإن ذلك مع خلوه عن التصريح يكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم. (ولو شاء) سكونه (لجعله ساكناً) ثابتاً دائماً لا يزول، ومستقراً لا تنسخه الشمس، ولا يذهب عن وجه الأرض، وقيل: المعنى ولو شاء لمنع

стр. 6302

الشمس الطلوع، فلا يزول، أو جعلها مسلوبة الضوء، والأول أولى، والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار شائع، ومنه قولهم: سكن فلان بلد كذا إذا أقام به، واستقر فيه (ثم جعلنا الشمس عليه) أي على الظل بنسخها إياه عند مجيئها (دليلاً) أي: حجة وبرهاناً. وعلامة يستدل بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل يتبعها، كما يتبع الدليل في الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص، ويمتد ويتقلص والمعنى أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، فالأشياء تعرف بأضدادها، ولم يؤنث الدليل، وهو صفة للشمس لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان، والشمس حق.

стр. 6303

(ثم قبضناه) أي: ذلك الظل الممدود، ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس، موقعه بالتدريج حتى انتهت تلك الأظلال إلى العدم والاضمحلال، ومعنى (إلينا) أن مرجعه إليه سبحانه، كما أن حدوثه منه، وجاء بثم استعارة تبعية لتفاضل ما بين الأمور الثلاثة، مد الظل، وجعل الشمس عليه دليلاً وقبضه يسيراً، فكان الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، شبه تباعد ما بينها في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت، أو لتفاضل مبادي أوقات ظهورها، وقيل: المراد في الآية قبضه عند قيام الساعة قبض أسبابه، وهي الأجرام النيرة، والأول أولى، وقيل: المعنى أن الظل يبقى في هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضاً جزءاً فجزءاً، وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار. وقال قوم: قبضه بغروب الشمس لأنها إذا لم تغرب فالظل فيه بقية، وإنما يتم زواله لمجيء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل: إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئاًً فشيئاًً قاله مالك وإبراهيم

стр. 6304

التيمي. وقيل: المعنى ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء. (قبضاً يسيراً) أي: قليلاً قليلاً على تدريج بقدر ارتفاع الشمس، لتنتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، وقيل: يسيراً أي سريعاً، قاله الضحاك، وقيل: المعنى يسيراً علينا، ليس بعسير. وقال قتادة: أي خفيفاً، كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعة واحدة، وهو قول مجاهد.

стр. 6305

(وهو الذي جعل لكم الليل لباساً) شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر. قال ابن جرير: وصف الليل باللباس تشببها من حيث إنه يستر الأشياء ويغشاها (و) جعل (النوم سباتاً) أي: راحة لكم لأنكم تنقطعون عن الاشتغال، وأصل السبات التمدد، يقال سبتت المرأة شعرها، أي: نقضته وأرسلته. ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة، وقيل للنوم سبات، لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة، وقيل السبت القطع - فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الاشتغال قال الزجاج: السبات النوم الخفيف، وهو أن ينقطع عن الحركة، والروح في بدنه، أو ابتداؤه في الرأس، حتى يبلغ القلب، أي: جعلنا نومكم راحة لكم. وقال الخليل: السبات نوم ثقيل، أي جعلنا نومكم ثقيلاً ليكمل الإجمام، والراحة، وقيل السبات الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، هو كقوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) ويعضده ذكر النشور في مقابلته، ذكره الزمخشري، والنسفي (وجعل النهار نشوراً) أي: ذا نشور وانتشار ينتشر فيه الناس للمعاش، أي جعله زمان بعث من ذلك السبات شبه اليقظة بالحياة، كما شبه النوم بالسبات الشبيه بالممات، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه، لأن في الاحتجاب بستر

стр. 6306

الليل فوائد دينية دنيوية، وفي النوم واليقظة المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر، قال لقمان لابنه: كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.

стр. 6307

(وهو الذي أرسل الرياح بشراً) جمع بشور، وقرئ نشراً بالنون (بين يدي رحمته) أي متفرقة قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر، وهذه استعارة مليحة، والمراد بالرياح الجنس، وهي الصبا والجنوب والشمال، بخلاف الدبور، فإنها ريح العذاب التي أهلكت بها عاد. والشمال تأتي من ناحية الشام والجنوب تقابلها وهي اليمانية، والصبا تأتي من مطلع الشمس وهي القبول أيضاً، والدبور تأتي من ناحية المغرب، والريح مؤنثة على الأكثر فيقال هي الريح. وقد تذكر على معنى الهواء فيقال: هو الريح وهب الريح نقله أبو زيد وقال ابن الأنباري: إنها مؤنثة لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكّر، قد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في الأعراف. (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) وصف الماء به إشعاراً بالنعمة وتتميماً للمنة بما بعده. فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته. وفيه تنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها، فبواطنهم أولى بذلك، قال الأزهري: الطهور في اللغة المطهر، قال: وفعول في كلام العرب لِمَعانٍ منها فعول لما يفعل به، مثل الطهور لما يتطهر به، والوضوء لما يتوضأ به قال ابن الأنباري: الطَهور بفتح الطاء الاسم وكذلك الوضوء والوقود، وبالضم المصدر، هذا هو المعروف في اللغة، وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر، ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة، ويدل له ما روي عن النبي ﵌ أنه قال في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. (١)

стр. 6308

وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الطهور هو الطاهر. واستدل لذلك بقوله تعالى (وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) يعني طاهراً وعلى كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء طاهر في نفسه مطهر لغيره. قال الله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) وقال للنبي ﵌ (خلق الماء طهوراً) وأخرج أهل السنن وأحمد وغيرهم من حديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أتتوضأ من بئر قضاعة، وهي بئر تلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: " إن الماء طهور لا ينجسه شيء " (١) وفي إسناد هذا الحديث كلام طويل قد استوفاه الحافظ ابن حجر في التلخيص، وتبعه الشوكاني في شرحه على المنتقى، ثم ذكر سبحانه علة الإنزال فقال:

стр. 6309

(لنحيي به) أي الماء المنزل من السماء (بلدة ميتاً) وصف البلدة بالميت، وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد. وقال الزجاج: أراد بالبلد المكان أو يستوي فيه المذكر والمؤنث والمراد بالإحياء هنا إخراج النبات من المكان الذي لا نبات فيه (ونسقيه) بضم النون، وقرئ بفتحها والضمير المنصوب راجع إلى الماء (مما خلقنا أنعاماً) أي بهائم أي إبلاً، وبقراً وغنماً، وقد تقدم الكلام عليها، وخصها بالذكر لأنها ذخيرتنا. ومدار معاش أكثر أهل المدر، ولذلك قدم سقيها على سقيهم، كما قدم عليها إحياء الأرض فإنها سبب لحياتها وتعيشها فقدم ما هو سبب حياتهم ومعاشهم. (وأناسي كثيراً) جمع إنسان على ما ذهب إليه سيبويه، وهو الراجح وقال المبرد، والفراء والزجاج: إنه جمع إنسي أي بياء النسب وفيه أن ما هي فيه لا يجمع على فعاليَّ، وللفراء قول آخر، أنه جمع إنسان والأصل على الأول أناسين مثل سرحان وسراحين، وبستان وبساتين، فجعلوا الياء عوضاً من النون.

стр. 6310

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)

стр. 6311

(ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) أي كررنا أحوال الإظلال. وذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر في القرآن، وفي سائر الكتب السماوية، ليتفكروا أو يعتبروا، وقرئ صرفناه مثقلاً ومخففاً، وكذا ليذكروا مخففة من الذكر، ومثقلة من التذكر، وقيل ضمير صرفناه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم، في البلدان المختلفة. والأوقات المتغايرة، وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطش وطل وجود ورذاذ. وديمة فنزيد منه في بعض البلدان، وننقص في بعض آخر منها. وقيل: الضمير راجع إلى القرآن، وقد جرى ذكره في أول السورة حيث قال (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) وقوله (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) وقوله: (اتخذوا هذا القرآن مهجوراً) والمعنى ولقد كررنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس، ليذكروا به، ويعتبروا بما فيه، وقيل هو راجع إلى الريح، وعلى رجوع الضمير إلى المطر. فقد اختلف في معناه فقيل ما ذكرناه وقيل تصريفه تنويع الانتفاع به، في الشرب والسقي. والزراعات، والطهارات عن ابن عباس قال: ما من عام بأقل مطراً من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء ثم قرأ هذه الآية. (فأبى أكثر الناس إلا كفوراً) أي كفران النعمة وجحودها وقلة

стр. 6312

الاكتراث لها قال عكرمة: إن المراد هو قولهم في الأفواه: مطرنا بنوء كذا، قال النحاس: ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافاً أن الكفر هنا قولهم مطرنا بنوء كذا، والنوء كما في المختار سقوط نجم من المنازل في المغرب، وطلوع رقيبة من المشرق في ساعته في كل ثلاثة عشر يوماً، ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوماً وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منهما وقيل إلى الطالع لأنه في سلطانه والجمع أنواء.

стр. 6313

(ولو شئنا لبعثنا) أي في زمنك (في كل قرية نذيراً) أي رسولاً ينذرهم ليكون الرسل المبعوثون معاونين لك، فتخف عليك أعباء النبوة. كما قسمنا المطر بينهم، ولكنا لم نفعل ذلك بل جعلنا نذيراً واحداً وهو أنت يا محمد، وقصرنا الأمر عليك إجلالاً لك، وتعظيماً لشأنك وتفضيلاً لك على سائر الرسل، وليعظم أجرك، فقابل ذلك بشكر النعمة وبالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق.

стр. 6314

(فلا تطع الكافرين) فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم، بل اجتهد في الدعوة واثبت فيها ولا تضجر (وجاهدهم به) أي بالقرآن واتل عليهم ما فيه من القوارع، والنواذر والزواجر والأوامر والنواهي، وقيل الضمير يرجع إلى الله أو الإسلام أو إلى السيف. والأول أولى، وهذه السورة مكية والأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة، وقيل راجع إلى ترك الطاعة المفهوم من قوله فلا تطع الكافرين، وقيل الضمير يرجع إلى ما دل عليه ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً، من كونه نذير كافة القرى لأنه سبحانه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة القرية التي أرسل إليها، وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد ﵌ فلا جرم اجتمع عليه كل المجاهدات فكبر جهاده وعظم فكأنه قال له: وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهاداً جامعاً. لكل مجاهدة ولا يخفى ما في هذين الوجهين من البعد.

стр. 6315

(جهاداً كبيراً) أي شديداً عظيماً موقعه عند الله لما يحتمل فيه من المشاق لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيوف وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم، ثم ذكر سبحانه دليلاً رابعاً على التوحيد فقال.

стр. 6316

(وهو الذي مرج البحرين) أي أرسلهما متجاورين أو خلاهما متلاصقين بحيث لا يتمازجان، من مرَج أي خلى وخلط وأرسل يقال مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء قال مجاهد: أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الآخر، وقال ابن عرفة: خلطهما فهما يلتقيان، يقال مرجته إذا خلطته، ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب، ومنه قوله تعالى (في أمر مريج) وقال الأزهري: مرج البحرين خلى بينهما لا يلتبس أحدهما بالآخر، يقال: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وقال ثعلب: المرج الإجراء فالمعنى أجراهما، وقال الأخفش: وتقول قوم أمرج مثل مرج فعل وأفعل بمعنى. (هذا عذب فرات) هو البليغ العذوبة، المائلة إلى الحلاوة. والجملة مستأنفة كأنه قيل: كيف مرجهما؟ فقيل: هذا عذب الخ، أو حال بتقدير مقولاً فيهما. قيل سمى الماء الحلو فراتاً، لأنه يفرت العطش، أي يقطعه، ويشقه ويكسره ولا يجمع إلا نادراً على فرتان كغربان (وهذا ملح أجاج) أي بليغ الملوحة، وقيل البليغ في الحرارة وقيل البليغ في المرارة. وقرئ ملح بفتح الميم وكسر اللام. قال ابن عباس: خلع أحدهما على الآخر، فليس يفسد العذب المالح، وليس يفسد المالح العذب، وهذا من أحسن المقابلة، حيث قال: عذب فرات، وملح أجاج. (وجعل بينهما برزخاً) هو الحاجز والحائل، الذي جعله الله بينهما من قدرته، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ولا يحس (وحجراً محجوراً) أي ستراً مستوراً، يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر فلا يبغي أحدهما على الآخر، ولا

стр. 6317

يفسد الملح العذب، فالبرزخ الحاجز والحجر المانع. وقيل معناه ما تقدم من أنها كلمة يقولها المتعوذ، كان كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له هذا القول، وهو استعارة تمثيلية. وقيل حداً محدوداً، وقيل المراد من البحر العذب، الأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج، البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض. وقيل معناه حراماً محرماً أن يعذب هذا المالح بالعذب أو يملح هذا العذب المالح. ومثل هذه الآية قوله سبحانه في سورة الرحمن (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) وعن ابن عباس قال: حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه، ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان من الماء فقال:

стр. 6318

(وهو الذي خلق من الماء بشراً) أي خلق من ماء النطفة إنساناً، وقيل المراد بالماء؛ الماء المطلق الذي يراد في قوله (وجعلنا من الماء كل شيء حي). وقيل هو الماء الذي خمرت به طينة آدم ﵇ وجعله جزءاً من مادة البشر، ليجتمع، ويتسلسل، ويستعد لقبول الأشكال والهيئات بسهولة، قاله أبو السعود. (فجعله نسباً وصهراً) أي جعله ذا نسب وصهر، قيل المراد بالنسب هو الذي لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه قاله الفراء والزجاج. واشتقاق الصهر من صهرت الشيء إذا خلطته وسميت المناكح صهراً لاختلاط الناس بها وقيل الصهر قرابة النكاح فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم الأحماء، والأصهار تعمهما. قاله الأصمعي. وفي القاموس الصهر بالكسر؛ القرابة والخنن وجمعه أصهار. وفي المصباح قال الخليل: الصهر أهل بيت المرأة قال: ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعاً أصهاراً. وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء، ذوي الحارم وذوات المحارم كالأبوين، والإخوة وأولادهم والأعمام

стр. 6319

والأخوال والخالات فهؤلاء أصهار زوج المرأة، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضاً. وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه، فهم الأحماء ومن كان من قبل المرأة فهم الأختان ويجمع الصنفين الأصهار وصاهرت لهم وإليهم وفيهم صهرت لهم صهراً انتهى. وفي القرطبي: النسب والصهر معنيان يعمان كل قربى تكون بين آدميين، قال الواحدي: قال المفسرون: النسب سبعة أصناف من القرابة يجمعها قوله (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله (وأمهات نسائكم) ومن هنا إلى قوله (وأن تجمعوا بين الأختين) تحريم بالصهر وهو الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب المحرّم للنكاح، وقد حرم الله سبعة أصناف من النسب وسبعة من جهة الصهر أي السبب، قد اشتملت الآية المذكورة على ستة منها والسابعة قوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) وقد جعل ابن عطية والزجاج وغيرهما الرضاع من جملة النسب ويؤيده قوله ﵌: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (١). أراد سبحانه تقسيم البشر قسمين ذوي النسب أي ذكورا ينسب إليهم، فيقال فلان بن فلان وفلانة بنت فلان وذوات صهر أي إناثاً يصاهر بهن، كقوله تعالى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. وسئل عمر بن الخطاب عن نسب وصهر فقال: ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب وأما الصهر فالأختان، والصحابة. (وكان ربك قديراً) أي بليغ القدرة عظيمها، ومن جملة قدرته الباهرة خلق الإنسان من النطفة الواحدة وتقسيمه إلى القسمين المذكورين. ولما ذكر سبحانه دلائل التوحيد عاد إلى ذكر قبائح الكفار وفضائح سيرتهم فقال:

стр. 6320

(ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم) إن عبدوه (ولا يضرهم) إن

стр. 6321

تركوه (وكان الكافر على ربه ظهيراً) هو المظاهر أي المعاون على ربه بالشرك والعداوة، والظاهرة على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه قال الزجاج: لأنه يتابع الشيطان ويعاونه على معصية الله لأن عبادتهم للأصنام معاونة للشيطان. وقال أبو عبيدة: المعنى وكان الكافر على ربه هيناً مهيناً ذليلاً من قول العرب ظهرت به أي جعلته خلف ظهري لم ألتفت إليه. ومنه قوله تعالى (واتخذتموه وراءكم ظهرياً) وقيل إن المعنى وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو الصنم قوياً غالباً يعمل به ما يشاء لأن الجماد لا قدرة له على دفع ونفع. ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: (والملائكة بعد ذلك ظهير) أو المعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على رسول الله ﷺ ، أو دين الله والمراد بالكفر هنا الجنس ولا ينافيه كون سبب النزول هو كافراً معيناً، كما قيل إنه أبو جهل. وقال ابن عباس: يعني أبا الحكم الذي سمّاه رسول الله ﷺ أبا جهل بن هشام فالأصح أنه عام في كل كافر.

стр. 6322

(وما أرسلناك) في حال من الأحوال (إلا) حال كونك (مبشراً) للمؤمنين بالجنة (ونذيراً) للكافرين بالنار فلا تحزن على عدم إيمانهم، واقتصر على صيغة المبالغة في الإنذار لتخصيصه بالكافرين إذ الكلام فيهم والإنذار الكامل لهم، ولو قيل أن المبالغة باعتبارها لكم لشموله للعصاة جاز.

стр. 6323

(قل) يا محمد (ما أسألكم عليه) أي على القرآن أو على تبليغ الرسالة المدلول عليها بالإرسال أو على ما أدعوكم إليه (من أجر) أي عرض من عرضِ الدنيا قاله ابن عباس، والاستثناء في قوله (إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً) منقطع أي لكن من شاء فليفعل. وقيل هو متصل والمعنى إلا من شاء أن يتقرب إليه سبحانه بالطاعة، وصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود الحصول، ولما بين سبحانه أنّ الكفار متظاهرون على رسول الله ﷺ وأمره أنْ لا يطلب منهم أجراً ألبتة، أمره أن يتوكل عليه في دفع المضار وجلب المنافع فقال:

стр. 6324

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)

стр. 6325

(وتوكل) في استكفاء شرورهم والاستغناء عن أجورهم (على الحي الذي لا يموت) فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه، وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي الدائم هو الذي يوثق به في المصالح والنافع ودفع المضار، ولا حياة على الدوام إلا الله سبحانه، دون الأحياء المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ما تواضع من يتوكل عليهم. وقرأها بعض الصالحين فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق، والتوكل اعتماد العبد على الله في كل الأمور، والأسباب وسائط، أمر بها من غير اعتماد عليها. (وسبِّح) أي نزهه عن صفات النقصان مقترناً (بحمده) وقيل معنى سبح صل، والصلاة تسمى تسبيحاً (وكفى به بذنوب عباده خبيراً) أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك: كفى بالله رباً والخبير المطلع على الأمور بحيث لا يخفى عليه منها شيء فلا لوم عليك إن آمنوا وكفروا، وقيل معناه أنه لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير عالم قدير على مكافأتهم، وفيه وعيد شديد، كأنه قال: إذا قدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة، ثم زاد في المبالغة فقال:

стр. 6326

(الذي خلق السماوات والأرض) لعل ذكره زيادة تقرير، لكونه حقيقاً بأن يتوكل عليه، من حيث أنه الخالق للكل والمتصرف فيه (وما بينهما) ولم يقل بينهن، لأنه أراد النوعين والمعنى خلقهما (في ستة أيام) فخلق الأرض

стр. 6327

في يومين الأحد والإثنين، وما بينهما في يومين الثلاثاء والأربعاء، والسماوات في يومين الخميس والجمعة، وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل في مقدار هذه المدة، لأنه لم يكن حينئذ ليل ولا نهار وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة، تعليماً لخلقه الرفق والتثبيت والتأني في الأمر والتؤدة والتدرج. فإن قيل يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السماوات والأرض، كما يفيده قوله: (ثم استوى على العرش) فيقال: إن كلمة (ثم) تدخل على خلق العرش بل على علوه على السماوات والأرض، والعرش في اللغة سرير الملك، والمراد هنا الجسم العظيم المحيط بالعالم الكائن فوق السماوات السبع، والاستواء صفة لله سبحانه معناها مباينته عن الخلق وكونه على الذات وفوق العالم، وقد تقدم الكلام عليها في سورة الأعراف وأخواتها. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: أعلم أن الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله وتشعبت أطرافه، وتباينت فيه المذاهب وتفاوتت فيه الطرائق، وتخالفت النحل، وسبب هذا عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله، ودخولهم في أبواب لم يأذن الله لهم بدخولها، ومحاولتهم لعلم شيء استأثر الله بعلمه، حتى تفرقوا فرقاً وتشعبوا شعباً وصاروا أحزاباً كانوا في البداية، ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة مختلفي المقاصد متبايني المطالب فطائفة -وهي أخف هذه الطوائف المتكلفة، علم ما لم يكلفها الله سبحانه بعلمه إثماً، وأقلها عقوبة وجرماً- وهي التي أرادت الوصول إلى الحق والوقوف على الصواب لكن سلكت في طلبه طريقة متوعرة، وصعدت في الكشف عنه إلى عقب: كؤود، لا يرجع من سلكها سالماً فضلاً عن أن يظفر فيها بمطلوب صحيح، ومع هذا أصّلوا أصولاً ظنوها حقاً، فدفعوا بها آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة نبوية واعتلوا في ذلك الدفع بشبهة واهية وحالات مختلفة.

стр. 6328

وهؤلاء هم طائفتان الطائفة الأولى، هي الطائفة التي غلت في التنزيه فوصلت إلى حد يقشعر عنده الجلد ويضطرب له القلب، من تعطيل الصفات الثابتة، بالكتاب والسنة، ثبوتاً أوضح من شمس النهار وأظهر من فلق الصباح، وظنوا هذا -من صنيعهم- موافقاً للحق. مطابقاً لما يريده الله سبحانه، فضلوا الطريق المستقيمة، وأضلوا من رام سلوكها. والطائفة الآخرى: هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة، غلواً بلغ إلى حد أنه لا تأثير لغيرها، ولا اعتبار بما سواها، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض، والقسر الخالص، فلم يبق لبعثة الرسل، وإنزال الكتب، كثير فائدة، ولا يعود ذلك على عباده بعائدة، وجاؤا بتأويلات للآيات البينات، ومحاولات لحجج الله الواضحات، فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال، مع أن كلا المقصدين صحيح، ووجه كل منهما صبيح، لولا ما شأنه من الغلو القبيح. وطائفة توسطت، ورامت الجمع بين الضب والنون، وظنت أنها قد وقفت بمكان بين الإفراط والتفريط، ثم أخذت كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث تجادل، وتناضل، وتحقق، وتدقق في زعمها، وتجول عمل الأخرى وتصول، بما ظفرت به، مما يوافق ما ذهبت إليه، وكل حزب بما لديهم فرحون، وعند الله تلتقي الخصوم. ومع هذا فهم متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فكان غاية ما ظفروا به، من هذه الأعلمية -بطريق الخلف- أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز وقالوا: هنيئاً للعامة. فتدبر هذه الأعلمية التي كان حاصلها أن يهنأ من ظفر لأهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم وممن تدين بدينهم ويمشي على طريقتهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوت ويدل بأوضح دلالة على أن هذه الأعلمية التي طلبوها؛ الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه أن الجهل خير منه ويتمنى عند البلوغ إلى غايته والوصول إلى نهايته؛ أن يكون جاهلاً به عاطلاً عنه - ففي هذا عبرة للمعتبرين وآية بينة للناظرين، فهلاَّ

стр. 6329

عملوا على جهل هذا المعارف التي دخلوا فيها بادىء بدء؟ وسلموا من تبعاتها، وأراحوا أنفسهم من تعبها، وقالوا كما قال القائل: أرى الأمر يفضي إلى آخر ... فصيّر آخره أولاً وربحوا الخلوص من هذا التمني، والسلامة من هذه التهنئة للعامة؛ فإن العاقل لا يتمنى رتبة مثل رتبته أو دونها، ولا يهنىء لمن هو مثله أو دونه، بل لا يكون ذلك إلا لمن رتبته، أرفع من رتبته، ومكانه أعلى من مكانه، فيالله العجب، من علم يكون الجهل البسيط أعلى رتبة منه، وأفضل مقداراً بالنسبة إليه. وهل سمع السامعون بمثل هذه الغريبة، ونقل الناقلون ما يماثلها أو يشابهها، وإذا كان هذا حال هذه الطائفة التي قد عرفناك أنها أخف الطوائف تكلفاً، وأقلها تبعة فما ظنك بما عداها من الطوائف، التي قد ظهر فساد مقاصدها، وتبين بطلان مواردها ومصادرها، كالطوائف التي أرادت بالمظاهر، التي تظاهرت به، كيْد الإسلام وأهله، والسعي في التشكيك فيه بإيراد الشبه، وتقرير الأمور المفضية إلى القدح في الدين، وتنفير أهله عنه. وعند هذا تعلم أن: خير الأمور والسالفات على الهدى .. وشر الأمور المحدثات البدائع وأن الحق الذي لا شك فيه، ولا شبهة، هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا رحمهم الله تعالى وأرشدنا إلى الاقتداء بهم، والاهتداء بهديهم، يمرون آيات الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يحرفون ولا يؤولون، وهذا المعلوم من أقوالهم وأفعالهم، والمتقرر من مذهبهم، لا يشك فيه شاك ولا ينكره منكر ولا يجادل فيه مجادل. وإن نزغ من بينهم نازغ أو نجم في عصرهم ناجم أوضحوا للناس أمره وبينوا لهم أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك في المجامع والمحافل: وحذروا الناس من بدعته، كما كان منهم لما ظهر معبد الجهني

стр. 6330

وأصحابه، وقالوا: إن الأمر أنف، فتبرؤوا منه وبينوا ضلالته؛ وبطلان مقالته للناس فحذروه إلا من ختم الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة. وهكذا كان من بعدهم، يوضح للناس بطلان أقوال أهل الضلال، ويحذرهم منها، كما فعل التابعون ﵏ بالجعد بن درهم، ومن قال بقوله، وانتحل نحلته الباطلة، ثم ما زالوا هكذا لا يستطيع المبتدع في الصفات أن يتظاهر ببدعته، بل يتكتمون بها كما يتكتم الزنادقة بكفرهم، وهكذا سائر المبتدعين في الدين، على اختلاف البدع، وتفاوت المقالات الباطلة. ولكنا نقتصر هاهنا على الكلام في هذه المسألة، التي ورد السؤال عنها، وهي مسألة الصفات، وما كان من المتكلمين فيها بغير الحق المتكلفين علم ما لم يأذن الله، بأن يعلموه، وبيان أن إمرار آيات الصفات على ظاهرها، هو مذهب السلف الصالح، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وأن كل من أراد من نزاغ المتكلفين، وشذاذ المحرفين، والمتأولين، أن يظهر ما يخالف المرور على ذلك الظاهر، قاموا عليه، وحذروا الناس منه، وبينوا لهم أنه على خلاف ما عليه أهل الإسلام، فصار المبتدعون في الصفات، القائلون بأقوال تخالف ما عليه السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، في خبايا وزوايا لا يتصل بهم إلا مغرور. ولا ينخدع بزخارف أقوالهم إلا مخدوع، وهم مع ذلك على تخوف من أهل الإسلام وترقب لنزول مكروه بهم من حماة الدين من العلماء الهادين والرؤساء والسلاطين، حتى نجم ناجم المحنة وبرق بارق الشر من جهة الدولة ومن لهم في الأمر والنهي والإصدار والإيراد الأعظم صولة، وذلك في الدولة المأمونية بسبب قاضيها أحمد بن أبي دؤاد. فعند ذلك أطلع المنكمشون في تلك الزوايا رؤوسهم، وانطلق ما كان قد خرس من ألسنتهم، وأعلنوا مذاهبهم الزائغة، وبدعهم المضلة، ودعوا

стр. 6331

الناس إليها، وجادلوا عنها، وناضلوا المخالفين، حتى اختلط المعروف بالمنكر، واشتبه على العامة الحق بالباطل، والسنّة بالبدعة. ولما كان الله سبحانه، قد تكفل بإظهار دينه على الدين كله، وحفظه عن التحريف، والتغيير، والتبديل، أوجد من علماء الكتاب والسنّة في كل عصر من العصور. من يبين للناس دينهم، وينكر على أهل البدع بدعهم، فكان لهم -ولله الحمد- المقامات المحمودة، والمواقف المشهورة في نصر الدين، وهتك المبتدعين، وبهذا الكلام القليل الذي ذكرناه، تعرف أن مذهب السلف من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، هو إمرار أدلة الصفات على ظاهرها، من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف، لشيء منها، ولا جبر، ولا تشبيه، ولا تعطيل، يفضي إليه كثير من التأويل وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات؛ تلوا عليه الدليل، وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا ولا ندري بما سوى ذلك. ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلمه ولا أذن الله لنا بمجاوزته فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول الله ﷺ وحفظه التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين. وكان في هذه القرون الفاضلة الكلمة في الصفات متحدة والطريقة لهم جميعاً متفقة، وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به، وكلفهم القيام بفرائضه من الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وإنفاق الأموال، في أنواع البر وطلب العلم النافع وإرشاد الناس إلى الخير على اختلاف أنواعه والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة والنجاة من النار، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة وبما تبلغ إليه القدرة ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم الله بعلمه ولا تعبدهم بالوقوف على حقيقته.

стр. 6332

فكان الدين إذ ذاك صافياً عن كدر الباع، خالصاً عن شوب قذر التمذهب، فعلى هذا النمط كان الصحابة والتابعون وتابعوهم وبهدي رسول الله ﷺ اهتدوا وبأفعاله وأقواله اقتدوا، فمن قال إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو غيرها فقد أعظم عليهم الفرية وليس بمقبول في ذلك، فإن تقول الأئمة المطلبين على أحوالهم العارفين بها الأخذين لها عن الثقات الأثبات ترد عليه وعليهم وتدفع في وجهه. يعلم ذلك كل من له علم، ويعرفه كل عارف، فاشدد يديك على هذا واعلم أنه مذهب خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات، وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون واصطلحوا عليها وجعلوها أصلاً يرد إليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن وافقاها فقد وافقا الأصول المقررة في زعمهم، وإن خالفاها فقد خالفا الأصول المقررة في زعمهم، ويجعلون المرافق لها من قسم المقبول والمحكم والمخالف لها من قسم المردود والمتشابه، ولو جئت بألف آية واضحة الدلالة ظاهرة المعنى أو ألف حديث مما ثبت في الصحيح لم يبالوا به ولا رفعوا إليه رؤوسهم ولا عدوه شيئاًً. ومن كان منكراً لهذا فعليه بكتب هذه الطوائف المصنفة في علم الكلام، فأنه سيقف على الحقيقة، ويسلم هذه الجملة، ولا يتردد فيها، ومن العجب العجيب والنبأ الغريب أن تلك العبارات الصادرة عن جماعة من أهل الكلام التي جعلها من بعدهم أصولاً لا مستند لها إلا مجرد الدعوى على العقل والفرية على الفطرة، وكل فرد من أفرادها تنازعت فيه عقولهم وتخالفت فيه إدراكاتهم، فهذا يقول حكم العقل في هذا كذا، وهذا يقول حكم العقل في هذا كذا، ثم يأتي بعدهم من يجعل ذلك الذي يعقله من يقلده ويقتدي به أصلاً يرجع إليه، ومعيار الكلام كلام الله وكلام رسوله يقبل منهما ما وافقه ويرد ما خالفه فيالله! ويا للمسلمين! ويا لطماء الدين من هذه الفواقر الموحشة التي لم يصب الإسلام وأهله بمثلها!.

стр. 6333

وأغرب من هذا، وأعجب، وأشنع، وأفظع، أنهم بعد أن جعلوا هذه التعقلات، التي تعقلوها، على اختلافهم فيها، وتناقضهم في معقولاتها، أصولاً ترد إليها أدلة الكتاب والسنة، جعلوها أيضاً معياراً لصفات الرب سبحانه، فما تعقله هذا من صفات الله، قال به جزماً، وما تعقله خصمه منها قطع به، فأثبتوا لله تعالى الشيء ونقيضه، استدلالاً بما حَكَمَت به في صفات الله عقولهم، الفاسدة، وتناقضت في شأنه. ولم يلتفتوا إلى ما وصف الله، نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، بل إن وجدوا ذلك موافقاً لما تعقلوه؛ جعلوه مؤيداً له، ومقوياً. وقالوا قد ورد دليل السمع مطابقاً لدليل العقل، وإن وجدوه مخالفاً لما تعقلوه جعلوه وارداً على خلاف الأصل، ومتشابهاً، وغير معقول العنى، ولا ظاهر الدلالة، ثم قابلهم الخالف لهم بنقيض قولهم فافترى على عقله بأنه قد تعقل خلاف ما تعقله خصمه، وجعل ذلك أصلاً يرد إليه أدلة الكتاب والسنة وجعل التشابه عند أولئك محكماً عنده، والمخالف لدليل العقل عندهم موافقاً له عنده، فكان حاصل كلام هؤلاء أنهم يعلمون من صفات الله ما لا يعلمه، وكفاك بهذا -وليس بعده شي- وعنده يتعثر القلم حياء من الله وربما استبعد هذا مستبعد واستكبره مستكبر وقال: إن في كلامي هذا مبالغة وتهويلاً وتشنيعاً وتطويلاً وأن الأمر أيسر من أن يكون حاصله هذا الحاصل الذي ذكرت، وثمرته مثل هذه الثمرة التي أشرت إليها، فأقول: خذ جملة البلوى وح تفصيلها واسمع ما يصك سمعك، ولولا هذا الإلحاح منك ما سمعته، ولا جرى القلم بمثله، هذا أبو علي وهو رأس من رؤوسهم، وركن من أركانهم، وأسطوانة مني أساطينهم، قد حكى عنه الكبار منهم. وآخر من حكى ذلك عنه صاحب شرح القلائد، يقول: والله لا يعلم الله من نفسه إلا ما يعلم هو. فخذ هذا التصريح، حيث لم يكتف بذلك التلويح، وانظر هذه الجرأة على الله التي ليس بعدها جرأة، فيالأم أبي على الويل؟ أينهق بمثل هذا النهيق؟ ويدخل نفسه في هذا المضيق؟ وهل سمع

стр. 6334

السامعون بيمين أفجر من هذه اليمين الملعونة؟ أو نقل الناقلون كلمة تقارب معنى هذه الكلمة المفتونة؟ أو بلغ مفتخر إلى ما بلغ إليه هذا المختال الفخور؟ أو وصل من يفجر في أيمانه إلى ما يقارب هذا الفجور؟ وكل عاقل يعلم أن أحدنا لو حلف أن ابنه أو أباه لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو لكان كاذباً في يمينه فاجراً فيها، لأن كل فرد من أفراد الناس ينطوي على صفات وغرائز، لا يحب أن يطلع عليها غيره، ويكره أن يقف على شيء منها سواه، ومن ذا الذي يدري بما يجول في خاطر غيره؟ ويستكن في ضميره؟ ومن ادعى علم ذلك وأنه يعلم من غيره من بني آدم ما يعلمه ذلك الغير من نفسه، ولا يعلم ذلك الغير من نفسه إلا ما يعلمه هذا المدير، فهو إما مصاب العقل بهذا، بما لا يدري، ويتكلم بما لا يفهم، أو كاذب شديد الكذب، عظيم الافتراء، فإن هذا أمر لا يعلمه غير الله سبحانه، فهو الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما توسوس به نفسه، وما يسر عباده، وما يعلنون وما يظهرون وما يكتمون. كما أخبرنا بذلك في كتابه العزيز في غير موضع. فقد خاب وخسر من أثبت لنفسه من العلم ما لا يعلمه إلا الله سبحانه من عباده، فما ظنك بمن جاوز هذا وتعداه؟ وأقسم بالله أن الله لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو؟ ولا يصح لنا أن نحمله على اختلاف العقل، فلو كان مجنوناً لم يكن رأساً يقتدى بقوله جماعات من أهل عصره، ومن جاء بعده، وينقلون كلامه في الدفاتر، ويحكون عنه في مقامات الاختلاف. ولعل أتباع هذا ومن يقتدي بمذهبه، لو قال لهم قائل، وأورد عليهم مورد، قول الله : (ولا يحيطون به علماً) وقوله: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) وقال لهم هذا، يرد ما قاله صاحبهم، ويدل على أن يمينه هذه فاجرة مفتراة، لقالوا هذا ونحوه مما يدل دلالته ويفيد مفاده من المتشابه الوارد على خلاف دليل العقل المدفوع بالأصول المقررة. وبالجملة فإطالة ذيول الكلام في مثل هذا المقام إضاعة للأوقات،

стр. 6335

واشتغال بحكاية الخرافات المبكيات لا المضحكات، وليس مقصودنا هاهنا إلا إرشاد السائل إلى أن المذهب الحق في الصفات هو إمرارها على ظاهرها من دون تأويل ولا تحريف ولا تكلف ولا تعسف ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل. وإن ذلك هو مذهب السلف الصالح الصحابة والتابعين وتابعيهم. فإن قلت: وماذا تريد بالتعطيل في مثل هذه العبارات التي تكررها؟ فإن أهل المذاهب الإسلامية يتنزهون عن ذلك ويتحاشون عنه، ولا يصدق معناه، ويوجد مدلوله إلا في طائفة من طوائف الكفار. وهم المنكرون للصانع. قلت يا هذا إن كنت ممن له إلمام بعلم الكلام الذي اصطلح عليه طوائف من أهل الإسلام. فإنه لا محالة قد رأيت ما يقوله كثير منهم، ويذكرونه في مؤلفاتهم ويحكونه عن أكابرهم، أن الله وتقدس، لا هو جسم ولا جوهر ولا عرض ولا داخل العالم ولا خارجه، فأنشدك الله، أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي؟ وأي مبالغة في الدلالة على هذا النفي، تقوم مقام هذه المبالغة؟ فكان هؤلاء في فرارهم من شبهة التشبيه إلى هذا التعطيل كما قال القائل: فكنت كالساعي إلى مثعب ... موائلا من سبل الراعد أو كالمستجير من الرمضاء بالنار، والهارب من لسعة الزنبور إلى لدغة الحية، ومن قرصة النملة إلى قضمة الأسد، وقد كان يغني هؤلاء وأمثالهم من المتكلمين التكلفين كلمتان من كتاب الله تعالى وصف بهما نفسه وأنزلهما على رسوله ﷺ وهما: (ولا يحيطون به علماً)، و (ليس كمثله شيء) فإن هاتين الكلمتين قد اشتملتا على فصل الخطاب وتضمنتا ما يغني أولي الألباب السالكين في تلك الشعاب والهضاب الصاعدين في متوعرات هاتيك العقاب فالكلمة الأولى منهما دلت دلالة بينة على أن كل ما تكلم به البشر في ذات الله وصفاته على وجه التدقيق ودعاوي التحقيق فهو مشوب بشعبة من شعب الجهل

стр. 6336

مخلوط بخلوط هي منافية للعلم مباينة له فإن الله سبحانه قد أخبرنا أنهم لا يحيطون به علماً. فمن زعم أن ذاته كذا أو صفته كذا فلا شك أن صحة ذلك متوقفة على الإحاطة وقد نفيت عن كل فرد لأن هذه القضية هي في قوة لا يحيط به فرد من الأفراد علماً فكل قول من أقوال المتكلفين صادر عن جهل إما من كل وجه أو من بعض الوجوه وما صدر عن جهل فهو مضاف إلى جهل ولا سيما إذا كان في ذات الله وصفاته فإن ذلك من المخاطرة بالدين، ما لم يكن في غيره من المسائل. وهذا يعلمه كل ذي علم ويعرفه كل عارف. ولم يحظ بفائدة هذه الآية ويقف عندها ويقتطف من ثمراتها إلا الممرون للصفات على ظاهرها المريحون أنفسهم عن التكلفات والتعسفات والتأويلات والتحريفات وهم السلف الصالح كما عرفت فهم الذين اعترفوا بعدم الإحاطة وأوقفوا أنفسهم حيث أوقفها الله وقالوا: الله أعلم بكيفية ذاته وماهية صفاته بل العلم كله له وقالوا كما قال من قال ممن اشتغل بطلب هذا المحال فلم يظفر بغير القيل والقال: العلم للرحمن ﷻ ... وسواه في جهلاته يتغمغم ما للتراب وللعلوم وإنما ... يسعى ليعلم أنه لا يعلم بل اعترف كثير من هؤلاء المتكلفين بأنه لم يستفد من تكلفه وعدم قنوعه مما قنع به السلف الصالح إلا بمجرد الحيرة التي وجد عليها غيره من المتكلفين فقال: وقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسرحت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم وها أنا أخبرك عن نفسي وأوضح لك ما وقعت فيه في أمسي فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام وتارة علم التوحيد وتارة علم أصول الدين وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة

стр. 6337

منهم ورمت الرجوع بفائدة والعودة بعائدة فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة. وكان ذلك من الأسباب التي حببت إلي مذهب السلف على أني كنت من قبل ذلك عليه ولكن أردت أن ازداد منه بصيرة وبه شغفاً وقلت عند النظر في تلك المذاهب: وغاية ما حصلته من مباحثي ... ومن نظري من بعد طول التدبر هو الوقف ما بين الطريقين حيرة ... فما علم من لم يلق غير التحير على أنني قد خضت منه غماره ... وما قنعت نفسي بدون التبحر وأما الكلمة الثانية، وهي: (ليس كمثله شيء) فبها يستفاد نفي المماثلة في كل شيء فيدفع بهذه الآية في وجه المجسمة ويعرف به الكلام عند وصفه سبحانه بالسميع. والبصير، وعند ذكر السمع، والبصر واليد والاستواء ونحو ذلك مما اشتمل عليه القرآن والسنة فيتقرر بذلك الإثبات لتلك الصفات لا على وجه المماثلة والمشابهة للمخلوقات، فيندفع به جانبي الإفراط والتفريط وهما المبالغة في الإثبات، المفضي إلى التجسيم، والمبالغة في النفي، المفضية إلى التعطيل، فيخرج من بين الجانبين، وغلو الطرفين، حقية مذهب السلف الصالح، وهو قولهم بإثبات ما أثبت لنفسه من الصفات على وجه لا يعلمه إلا هو فإنه القائل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). ومن جملة الصفات التي أمرها السلف على ظاهرها وأجروها على ما جاء به القرآن والسنة من دون تكلف ولا تأويل، صفة الاستواء التي ذكرها السائل، فإنهم يقولون نحن نثبت ما أثبته الله لنفسه من استوائه على عرشه على هيئة لا يعلمها إلا هو، وفي كيفية لا يدري بها سواء، ولا نكلف أنفسنا غير هذا فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا يحبط عباده به علماً. وهكذا يقولون في مسألة الجهة التي ذكرها السائل وأشار إلى بعض ما فيه، دليل عليها. والأدلة في ذلك طويلة كثيرة، في الكتاب والسنة. وقد جمع أهل

стр. 6338

العلم منها لا سيما أهل الحديث مباحث طوّلوها بذكر آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة، وقد وقفت من ذلك على مؤلف بسيط. في مجلد جمعه مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي، استوفى فيه كل ما فيه دلالة على الجهة. من كتاب أو سنة أو قول صاحب. والمسألة أوضح من أن تلتبس على عارف، وأبين من أن يحتاج فيها إلى التطويل، ولكنها لما وقعت فيها تلك القلاقل، والزلازل الكائنة بين بعض الطوائف الإسلامية، كثر الكلام فيها، وفي مسئلة الاستواء، وطال خصوصاً بين الحنابلة وغيرهم من أهل المذاهب، فلهم في ذلك تلك الفتن الكبرى، والملاحم العظمى، وما زالوا هكذا في عصر بعد عصر، والحق هو ما عرفناك من مذهب السلف الصالح، فالاستواء على العرش، والكون في تلك الجهة، قد صرح به القرآن الكريم في مواطن يكثر حصرها، ويطول نشرها، وكذلك صرح به رسول الله ﵌ في غير حديث، بل هذا مما يجده كل فرد من أفراد المسلمين في نفسه، ويحسه في فطرته، وتجذبه إليه طبيعته كما تراه في كل من استغاث بالله سبحانه. والتجأ إليه. ووجه أدعيته إلى جنابه الرفيع وعزه المنيع، فإنه يشير عند ذلك بكفه أو يرمي إلى السماء بطرفه، ويستوي في ذلك عند عروض أسباب الدعاء وحدوث بواعث الاستغاثة ووجود مقتضيات الانزعاج، وظهور دواعي الالتجاء عالم الناس وجاهلهم والماشي على طريقة السلف والمقتدي بأهل التأويل القائلين بأن الاستواء هو الاستيلاء، كما قاله جمهور المتأولين أو الإقبال كما قاله أحمد بن يحيى ثعلب، والزجاج، والفراء وغيرهم، أو كناية عن الملك والسلطان كما قاله آخرون. فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر، والإذعان بالاستواء والكون على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف ولا تكلف، ولا قيل ولا قال، ولا فضول في شيء من المقال. فمن جاوز هذا المقدار بإفراط أو تفريط فهو غير مقتد بالسلف، ولا

стр. 6339

واقف في طريق النجاة، ولا معتصم عن الخطأ. ولا سالك في طريق السلامة والاستقامة. وكما تقول هكذا في الاستواء والكون في تلك الجهة، فكذا تقول في مثل قوله سبحانه، (وهو معكم أينما كنتم) وقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) وفي نحو إن الله مع الصابرين (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) إلى ما يشابه ذلك، ويماثله ويقاربه ويضارعه، فيقول في مثل هذه الآيات هكذا جاء القرآن أن الله سبحانه مع هؤلاء ولا نتكلف بتأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية، هو كون العلم ومعيته فإن هذه شعبة من شعب التأويل، تخالف مذاهب السلف وتباين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم. وإذا انتهيت إلى السلا ... مة في مداك فلا تجاوز وهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني من بينات الطريق وقد هلك المتنطعون. ولا يهلك على الله إلا هالك ... وعلى نفسها براقش تجني وفي هذه الجملة وإن كانت قليلة ما يغني من يشح بدينه، ويحرص عليه من تطويل المقال، وتكثير ذيوله، وتوسيع دائرة فروعه وأصوله والمهدي من هداه الله والله أعلم انتهى. (الرحمن) خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمن، أو بدل من الضمير في استوى وقرئ بالجر على أنه نعت للحي، أو للموصول، وقيل أو مبتدأ وخبره (فاسأل به خبيراً) على رأى الأخفش. والضمير المجرور يعود إلى ما ذكر من خلق السماوات والأرض، والاستواء على العرش والمعنى فاسأل بتفاصيل ما ذكر إجمالاً من هذه الأمور عليماً. وقال الزجاج والأخفش: الباء بمعنى عن، أي فاسأل عنه كقوله: (سأل سائل بعذاب واقع) والمراد بالخبير الله سبحانه لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلا هو، وقيل جبريل ﵇: والأول أولى وما قيل: إن التقدير إن

стр. 6340

شككت فيه فاسأل به خبيراً، على أن الخطاب له ﵌، والمراد غيره فهو بمعزل من السداد؛ وقيل فاسأل به من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه، وقيل إن الضمير للرحمن؛ أي إن أنكروا إطلاقه عليه سبحانه فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم. وانتصاب خبيراً على المفعولية. أو على الحال المؤكدة واستضعف الحالية أبو البقاء. وقال ابن جرير: المعنى فاسأله حال كونه خبيراً وعلى هذا الباء في به زائدة وقيل قوله (به) يجري مجرى القسم كقوله: (واتقوا الله الذي تساءلون به) والوجه الأول أقرب هذه الوجوه، ثم أخبر سبحانه عنهم بأنهم جهلوا معنى الرحمن فقال:
следующие страницы →