Полный текст (489 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بيثرب بجوار هزان بن حمير ذات التيجان أفضل الأخوان والجيران - فخرج حارثة وأخوته بنو ثعلبة العنقاء. قالت له: يا ثعلبة تفرق قومك ثم تلحق بنيك فمن كان منكم يريد بلداً عالياً وعيشاً راضياً وخيلاً صوافنا وملكاً دانياً فليلحق بالمشرق من أرض بابل بين القبائل في أطيب المنازل وأحسن المناهل وأعلى المعاقل - فهذه صفة بني همدان بن الأزد - فسار نحو العراق إلى بابل. ثم قالت: ومن كان منكم يريد خمراً وخميراً وديباجاً وحريراً وملكاً كبيراً وتأميراً فليأت بصري وحفيراً ودمشقاً وغويراً، ومن كان وجهه منيراً وفرسه حميراً وطعمه قديراً وولده كثيراً فليمض إلى دمشق - فكانت هذه صفة علبة بن عمرو بن عامر - وعلبة هو فنة، فسار جفنة وبنوه وكان لعلبة ولد كثير - وهو أعز غسان وأعز ولد عمرو بن عامر - وتخلف بمأرب مالك بن النعمان بن عمرو ابن مازن بن الأزد بعد خروج عمرو بن عامر على متخلف من وشل
الأزد. ونزل السراة من لأزد بنو هبير بن الهبور بن الأزد، والبعض من ولد الهبور بن دهمان وأمر وآهلة ابنا عبد الله بن نصر بن كعب بن الأزد - وهم أزد شنوءة - فهذه القبائل الذين سكنوا السراة بظهر الجبل الذي يقال له (الحجاز) أعلى نجد شديد البرد والحجاز ما حجز بين نجد وتهامة. ففي أعلى نجد الحر في الشتاء والصيف وفي أسفله غور في الشتاء بارد، ونزل سهب ومنهب وراسب بنو مالك بن نصر بن الأزد - وهم برق دهمان بن دهوان بن كعب بن نصر بن الأزد وهم اولاد عامر الجادر أول من جعل للبيت جداراً - وهو الجادر بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد - وهم أهل بيت المهلب بن أبي صفرة - وهو ظالم بن سراق
стр. 282
ثم قالت ظريفة لحارثة ولولده: خذوا الجمل الأزور فضرجوه بالدم الأحمر وأرسلوه يمشي على قدر حتى ينزل بكم البلد الأغر بلد النبي الأزهر ﵌. فنزلوا هؤلاء القبائل الذين نزلوا السراة الذي يقال له الحجاز - لأنه حجز بين نجد وتهامة - وهو السراة - وإنما سمي السراة لاستوائه كاستواء سراة الفرس - وأقام بالسراة من غسان من ولد عمرو بن عامر وولد عمران بن عامر. ثم سار ثعلبة بن عمرو في أصحابه ووجوه قومه، حتى إذا كان ببعض الطريق قالت لهم ظريفة: وحق ما نزل من علمي بالبيان وما نطق به اللسان ما أعلم مني إلا الرب الأعظم رب جميع الأمم إني لا أرى علماً يكتم، قالوا: ما ذاك يا ظريفة؟ قالت: خذوا البعير الشدقم فانحروه وخصبوه بالدم حتى تأتوا أرض جرهم ولا تبغ بالغلبة فتندم وكف يسلموا وتسلم جوار بيت الله الحرام بيت بناه النبي الأكرم خليل الولي المنعم بيت النبي الأعظم يقتل من كفر وأجرم. قال: فأخذوا الجمل فنحروه ثم مضوا حتى انتهوا إلى مكة فأصابوا بها جرهم وبني إسماعيل. فقال ثعلبة لجرهم: يا معشر جرهم أنتم أهل العز ولكم البأس والمجد ولكم على الناس حق بولايتكم هذا البيت ولسنا
نحب أن يكون بينا وبينكم حرب فانا ما نصب لنا أحد من الناس حرباً إلا نصرنا عليه فخلوا لنا السهل والوطاء حتى تشحم وتلحم أنعامنا ونمضي عنكم ولا يكون بيننا وبينكم حرب فإنكم لا تدرون لمن تكون الغلبة ألكم أن عليكم. فغضبت جرهم وقالت: ما كنا نرى أن يطمع فينا أحد بهذا أو يرجوه. ثم تهيئوا للقتال هم وبنو إسماعيل وكانت جرهم وبنو إسماعيل قليلاً - فهزموهم حتى أدخلوهم مكة واستغاثوا بالحرم. وأقام ثعلبة بمكة في بطحائها. فذاق شدة العيش هو وأصحابه، ثم شخصوا عنها وبقي بمكة من
стр. 283
غسان أبو حارثة بن عمرو بن عامر فولي أمرها فأخذه الرعاف ومات، فكان كل من وليها منهم لا يقيم إلا سبعة أيام ثم يموت من الرعاف. ثم عم الرعاف عليهم فكانوا لا يتداركون، فهربوا ولحقوا ثعلبة. وإن ثعلبة انتهى إلى الجحفة. فلما بلغ المشلل قالت ظريفة: يا بني عمرو بن عامر أوصيكم - فقد حان موتي - ولكل أمر نبأ ولكل نبأ يولد ارتضاء، ثم قالت: انزلوا وأقيموا فاني ميتة هذه الليلة وقد رأيت أن علمي يخلفني فيه مولودان في هذه الليلة فجعلهما الله آية للأولين والآخرين فهو مولود من غسان - ويقال له مسعود بن مازن بن ذؤيب بن عدي - ثم قالت: والاسم والرياء والعلم والإباء والنور والضياء لقد ولد في تميم آخر من بني العم ليس له مفصل ولا عظم يخرج ممسوحاً ثم تموت أمه لسبع ليال ينبئ بالزيادة والنقصان إلى فراغ الخلق والزمان واقسم بالنور والفلق ما له رأس ولا عنق فكان يكبر كل شيء حتى صار كالرجل من أهل زمانه، وماتت أمه لسبعة أيام من مولده فأتوا به إلى ظريفة ففتحت فمه فنفثت فيه وقالت: لا تسقوه لبن امرأة وأغذوه فإن هذا يكفيه إلى بلوغه ثم قالت: أنت خليفتي من بعدي، ثم قالت: اقسم بالله يمين الحق ليأتين مثل هذا شق يعلم ما جل وما دق به يد واحدة ورجل واحدة وآية الله عليه شاهدة يعلم ما خفي وما ظهر يبني بالحق عند تصديق الخبر فأتوها به فتفلت في فمه وقالت له: أنت
خليفتي من بعدي، ثم قالت: يا ثعلبة إذا جاوزت الحجر والمقام فانزلوا على الأعلام من أرض الشام، فإذا آتاك الملك الأعجم في الجحفل العرمرم فقوموا عند انصر أم الليل الأدهم فالتمسوا امرأة في جيبها إرقم فقلدوها الحرب الأصم، ثم سر أنت في
стр. 284
الجيش اللهام إلى البلد الحرام. ثم قالت:
إن ابنة الخير لها أعجوبة ... وميتة تقضي لها مكتوبة
يؤدي بها في ليلة العروبة
فماتت ليلة الجمعة في عقبة الجحفة وقبرها هناك مشهور، وإن عمرو ابن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر نزل مكة فاحتقر فيها بئراً وسماها غسان وخزاعة من بني عمران الكاهن ولما تخزعت خزاعة قال فيهم عمرو ابن أنيف الغساني:
ولما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في بطون كراكر
حمت كل واد من تهامة واحتمت ... بيض القنا والمرهفات البواتر
ولما نزلت أزد شنوءة السراة وجدوا بها امرأة من قوم عاد بن قحطان فقالت لهم: إني بقية من قوم عاد أنا أعلم بالبلاد منكم فاحملوني على بعير وسيروا بي أخبركم عن الأرضين. فحملوها على بعير، فلم يستقل بها فقالوا لها: ما نجد بعيراً يحملك؟ فقالت: هل من ناقة هبراء فحملوها عليها فسارت بهم حتى أتت أرضاً تسمى ظطرب فقالت: هذه طرب حجرها ضر وجبلها وعر يلقى الراعي بها شر. ثم خرجت بهم حتى أتت كراء. فقالت: هذا كراء مرملة قاتلة للنساء، ثم سارت إلى بيشة فقالت: منزلة خربة آمنة مانعة. فنزلت الأزد بهذه المنازل كلها. فقال لها رجل يومئذ - أي القسي خير - قال: أما السدرة فإنها مذرة هذرة ولكن عليك بالتبع فأنه أصلب عند تقارب النزع وإياك والشريان فإنها قسي الصبيان. ثم ساروا عنها وتركوها بالوادي، فقامت أزد شنوءة بالسراة
стр. 285
وسارت منهم قبائل إلى عمان - فأول من خرج بهم مالك بن فهم - وكان سبب خروجه إنه كان له جارة
وكان لجارته كلبة وكان له أخ له أولاد كثيرة، فرمى ابن أخيه كلبة جارته فقتلها، وكان بنو أخيه أكثر من بنيه، فلم يستطع أن يفعل في بني أخيه شيئاً فغضب وقال: والله لا أقيم ببلد يفعل هذا فيه بضيفي، فسار حتى نزل عمان فسمي الموضع الذي رحل إليه نجد الكلبة إلى اليوم. فلما ورد مالك بن فهم عمان تزوج بها امرأة من بني عبد القيس فولدت له غلماناً كثيرة وكان أصغرهم سليمة وأنه أناخ إبله ذات ليلة وخشي عليها الطرد فعقلها ومعه سليمة فباتا فيها. فلما كان في الليل قام يفتقد عقلها فرآه سليمة وهو يكب عليها ويرفع رأسه فظن إنه لص فنزع له سهماً فرماه فقطع نساه فقتله ثم لحق بعمان ثم أن الأزد ضاقت بهم أرض السراة فخرج من كل قبيلة منهم ناس، فخرج بنو رابعة بن عمران وبنو حارثة بن عمرو وبنو غالب بن دهران، فخرجوا ونزلوا بالشعب من أرض عمان فقال في ذلك شاعر من غسان:
كونوا كعمران إذ سبه محلته ... فقال حبس وضيف بات في رصد
شد المطي على الانساع فانشمرت ... تطوى الصحاصح حتى منتهى الرصد
وان ثعلبة العنقاء سار حتى قدم الشام - وكان أكثر من مضى إلى الشام بنو جفنة بن عمرو بن عامر - فلما نزلوا بالشام عورض ثعلبة العنقاء وكان جميلاً فقتلته الجن فاستحلف ابنه حارثة وهو ابن الأوس والخزرج وأمره أن يشاور في أمره جذع بن سنان ولا يعصيه. فكان جذع ذا رأي مبين على ما كان من عوره وصممه - وكان شجاعاً لا يملأ قلبه شيء - ومات ثعلبة
стр. 286
العنقاء وهو ابن مائة سنة. ومضى القوم حتى بلغوا الشام، وبالشام سليح وهو قبيل من قضاعة، فأصابوا قيصرة قد تغلب على الشام وذلك بالفترة التي كانت باليمن بعد انقضاء التبابعة، وذلك بعد موت قيصر ماهان عامل تبع شمر يرعش، فولي بعده ابنه دقيوس بن ماهان فقالت غسان لسليح: ارعونا بلدكم، قالوا لهم: ليس لنا من الأمر
شيء وذلك إلى الملك قيصر، فقالت لهم غسان: أنتم شفعاؤنا إليه فكلموه في غسان وأخذوا لهم منه عهد على عهد عيسى وأذن لهم بالنزول بالشام وأقاموا مع سليح وجاوروهم بأحسن جوار، وهند غسان كتاب من عند قيصر بالعهد، وخرج عامل لقيصر يجبي من تحت يده من الروم وغيرهم فأتى غسان يجيبهم فعظم ذلك عليهم لأنهم كانوا لا يعرفون الجباية ولم تكن التبابعة تفعل ذلك ولا هي من سنتهم وما كانوا يدخلون بيوت أموالهم إلا ما جبوه بأسيافهم. فلما آتاهم في الجباية عظم عليهم ذلك وثقل فقالوا له إن كتاب قيصر بالعهد عندنا وإنما جاورنا لوجه الراحة! قال لهم: ما أدري ما تقولون ولكنكم أدوا ما عليكم وإلا فلكم عندنا السيف والسيئ، ثم قال لهم: لا يبقى منكم إنسان إلا أعطاني ديناراً فاصطفوا صفاً واحداً فإذا مررت برجل ناولني ديناراً. ففعلا وجعل لا يمر برجل إلا أعطاه ديناراً حتى أتى على الصفوف والملك حارثة بن ثعلبة العنقاء قائم بمعزل عنهم فقال لهم: ما بال هذا لا يعطيني! قالوا له: هات ديناراً، فقال له حارثة: أنا راعي قومي والملك أبصر لنفسه يحمل عنهم الضيم ولا يؤدي قومه إلى ما يكرهون - وكان اسم الجابي وسيطاً - فمر على جذع بن سنان وهو واقف في طرف الناس
стр. 287
وفي يده سيف خلق الجفن وقد قعد به الدهر - فقال له جذع: خذ سيفي حتى أعطيك ديناراً فكاكه، فانتهزه الرومي وقال: أدخله في حرامك. فلم يسمع ما قاله، ولكنه علم إنه لم يقل خيراً له، فقال لمن حوله: ما قال؟ قالوا له: لم يقل شيئاً وكرهوا أن يعلموه لشدة نفسه، فقال له ابن أخت له قال: كذا وكذا، فسل جذع سيفه فضرب به رأس الرومي فرماه، ثم قال: خلفت الراحة والدعة في سد سبأ، ثم أحمل ضيماً لطلب الراحة والدعة، فقال رجل من سليح للجابي: خذ من جذع بن سنان ما أعطاك؟ قال: فذهبت مثلاً، وخرج كاتب لقيصر فأعلمه الذي كان فبعث إليهم قيصر مائة رجل ليسوقوا غسان فيقتلوا منهم من شاءوا فلقوهم غسان بوادي الكسوة (تسمى
بذلك للكسوة التي أخذت غسان من الروم فيه) - فعمدت غسان إلى المائة الرجل فقتلوهم وأخذوا كسوتهم وخيلهم وأتى الخبر إلى قيصر فبعث إلى غسان الجاثليق وقال له: انظر لي خبر القوم وما هم عليه فأتى الجاثليق إلى غسان فوجدهم على عهد قيصر وأخرجوا له كتاب قيصر فرجع إليه فأعلمه بذلك وقال الجاثليق لقيصر: أيها الملك ارفع عن القوم الجور واعلم أن لهم منعة فاكفف عنهم جندك وأوف لهم شرطك فبعث إليهم أن ابعثوا إلي بمائة رجل من أشرافكم وخياركم حتى أعهد بيني وبينهم عهداً واعقد لهم عقداً - وإن الأعاجم سريعة قلوبهم إلى الغدر عند الغلبة - فلما آتاهم رسول قيصر قال حارثة: ما تقول يا جذع؟ قال له جذع: كلا يا حارثة ليس الأمر على ما قال قيصر ولكن أرسل معي تسعة وتسعين عداً وأنا تمام المائة، فقال له حارثة: الرأي رأيك، فسار إليه. فلما أتى جذع إلى قيصر قال: من أنت؟ قال: جذع بن سنان، قال قيصر: ومن هؤلاء الذين معك سمهم؟ قال له جذع: هؤلاء تسعة
стр. 288
وتسعون عبداً ليس فيهم حر غيري، وأما على أن يأتيك خيارنا ووجوهنا فتفعل بهم بأمرك فلا فافعل خيراً إن أردنه وإن كان شراً قتلت تسعة وتسعين عبداً وقتلتني شيخاً أعور أصم. فلما رأى قيصر ذلك وأنه لم ينل حاجته شاور أصحابه وقال لهم: ما ترون؟ فقالوا له إذا لم تنل حاجتك فأعط هذا الكلب الأصم حاجته، فقال له قيصر: ما حاجتك؟ فقال له جذع: إن في نفسك منا شيئاً لا بد لك منه ومقامنا معك غرور وأنت ملك تقدر أن تقول فتفعل، وإذا قدر الأعجمي فعل ونحن العرب نقدر ونترك لطفاً ورأفة. فقال قيصر: أسمعتم ما لقيني به هذا الكلب الأعمى! قالوا له رجاله: أتذر الحب العالم لمن يريد أن يذبحه قاتل فقال له جذع: اكتب لي كتاباً بالصلح بيني وبينك وأعطنا فيه ذمة إبراهيم وإسحاق وتفي بالكتاب الأول الذي قد كنت كتبت لنا ولا تمنع منا من أراد الدخول في بلدك ولا من أراد الخروج ولا تمنعنا مرعى نرعاه ولا يأتينا
عدو إلا كانت عساكرك أنصارنا ولا يظلمنا ظالم إلا نصرتنا والمواساة منك بالعدل. فأعطاه ذلك وكتب له كتاباً وأرسله إلى عامله وأرسله العامل إلى حارثة وقال لهم: لكم العدل المقام متى شئتم الرحيل متى شئتم، فقال جذع لأصحابه: أعطاكم الله عطفاً تحته حتف، فأعطوه استقامة تعقبها ندامة واحذروا فاني لا آمنه عليكم! إنما أراد أن يسكنكم حتى تسكنوا، ثم يفاجئكم بغدره كأن قلبه لكم كالمرجل وإني والله ما التقى بصره وبصري حتى رأيت العداوة في نظره وبعد ذلك فإن ظريفة قد وصفت لكم من يقيم بأرض الشام وما تلقون من حروبهم - وإنهم بنو علبة بن عمرو وهم بنو جفنة - فأقيموا وقد وصفت من يلحق بيثرب فإنهم يا حارثة بنوك وبنو بنيك فأطيعوني
стр. 289
فما زلت لكم ناصحاً، فقال له حارثة: صدقت يا جذع. فسار حارثة وبنوه الأوس والخزرج للوصف الذي قد كانت ظريفة وصفته لهم، وأقام بنو جفنة ومن أقام معهم من أخوانهم من بني عمرو بن عامر وغيرهم من قبائل الأزد، فدخلوا في نسب بني جفنة - وهم بنو قيس بن جفنة وعمرو ابن جفنة وعامر بن جفنة وجبلة بن جفنة وأولادهم - وتقدم حارثة بن ثعلبة العنقاء إلى يثرب وقدم عمرو بن جفنة على قومه وأخوته وبني عمه بالشام وانصرف حارثة إلى يثرب.
عمرو بن جفنة أول من تتوج من ملوك غسان
بالشام
وان عمرو بن جفنة نزل أرض البلقاء أرضاً يقال لها (بالعة) وبلغ ذلك قيصر دقيوس أن ملكهم حارثة خرج يريد أرض العرب، ولم يبق إلا أناس فجمع إليهم روم البلقاء وأمر سليح أن تعين الروم فقالت سليح: نغدر بإخواننا وقد لجئوا إلينا ولم نر منهم إلا خيراً فقال لهم رجل منهم: إنكم بين أمرين: إما قيصر وإما غسان
فكونوا بأجسامكم مع قيصر وبقلوبكم مع غسان، ففعلوا فالتقوا بالبلقاء فاستدعت سليح الهزيمة على الروم وغمهم تطاول الروم عليهم وغدرتهم بغسان، فقتلت غسان من الروم بالبلقاء مقتلة عظيمة، فقال في ذلك عمرو بن جفنة:
كأن الجماجم بيض النعام ... بقارعة الشعب من بالعه
أقمنا الظبي في رؤوس العدى ... نقد بها في الوغى قاطعة
على كل طرف رفيع القذال ... وقباء سلهبة رائعة
ثم أنهم التقوا مرة ثانية بمرج الظباء وهو يوم حليمة فتداعت عليهم الروم وكثروا ولنو جفنة قليل ومن كان معهم قليل فصبروا للروم فاقتتلوا
стр. 290
قتالاً شديد. فلما رأى عمرو بن جفنة قلة قومه وازدياد الروم وتكالبهم عليهم وسليح وكنانة وجذام مع الروم على غسان ورأى ذلك زيد بن نمر الكناني نادى يا آل حلب تأنف النفوس من هذا ما ترون الروم يقتلون غسان ويهدمون بني قحطان ونحن نسر بذلك ونعين عليهم وإن عمرو بن جفنة قال: يا بني جفنة أطيعوني في أمر أشير به عليكم قد افترق عنكم من هولكم وفشت فيكم الجراح وتكالبت العلوج عليكم والله لأمرن السيف على ودجي قبل أن أولي ظهري أعجمياً، قال له: رأيك يا عمرو؟ فأرسل إلى القيصر في المهادنة، فأرسل إليه القيصر: لا صلح حتى ترموا سلاحكم وتسلموا أنفسكم للبلاء، فقال في ذلك غسان بن جذع ابن سنان:
لعمري لقد فاز الذين تقدموا ... وصاروا إلى عز ولم يتذللوا
فما الموت عار أن يصاب به الفتى ... ولكن عاراً أن يزول التجمل
فلا تخضعوا للدهر عند ملمسه ... فكل الذي يؤتى به المرء ينزل
ثم نهض للقتال مع غسان فأرسل إليهم قيصر أن احبسوا سلاحكم واسمعوا وأطيعوا. فأرسل إليهم عمرو بن جذع بن سنان فقال له: نحن قوم لم تجر علينا طاعة لأحد غير تبع وكانت علينا وعليكم ولكن أرى ما أحببت غير هذين فقال:
أعطوني ديناراً جزية عن كل واحد منكم، فصالحوه على أن يعطوه ديناراً على كل واحد، وأتى رسول قيصر يجني المال من غسان، فنزل بباب دمشق فسمي باب الجابية إلى اليوم، ثم أن غسان أخذتهم سنة جدبة فنزلوا لواد يقال له (المحفف) وشتوا فيه في جهد شديد، ثم أن عاملاً لقيصر من سليح يقال له وسيط بن عوف الضجعمي أرسله قيصر إلى غسان وأمره فيهم بالغلظة وقال لرجاله: القوا بهم الشر
стр. 291
بالشر فإن كان شراً كان برؤوسهم وإن كان خيراً فلنا وإن وسيطاً أتى غسان ليستوفى منهم الإتاوة في أصحابه ومعه نفر من الروم ومن وجوه روم الشام فجمع وسيط الإتاوة حتى انتهى إلى دار جذع بن سنان فوجدوه وامرأته تغسل رأسه وفي رأسه شيب كثير فضحكت الروم وعلم ذلك جذع وأسره في نفسه. فلما نظرت امرأة جذع إلى وسيط وجماعة الروم ألقت بكمها على رأسها وكانت من أجمل النساء فجعلوا يختلسون النظر إليها وجذع ينظر، فقال لها وسيط: أعطيني ما عليك واتركي جذعاً فقال له جذع: يا وسيط أما ترى ما نحن فيه من الهزال وما بينك وبين الخصب إلا انسلاخ هذا الشهر فاصبر إلى أن تأخذ فقال له وسيط: ما أنا بفاعل، قال جذع: اصبر اغسل رأسي وأعطيك، فقال له رجل من الروم: دع الكلب يغسل صرفه، فقال له وسط: والله لئن لم تعجلن لآخذن بيد امرأتك، فقام جذع وترك الغسل وقال: علي أبي وبي أخي أودي عنهم فنادى بهم فآتوه، ثم دخل بيته فأخذ سيفه، ثم قبض على القائم وأعطى وسيطاً النعل فأخذها وسيط فضربه جذع بالسيف بعد أن أخرجه وضرب رأسه إلى الأرض وقال لبنيه وبني أخيه: عليكم بالعلوج فتواثبوا إلى العلوج فقتلوهم أجمعين وأخذوا ما معهم من المال الذي جمعوه من غسان، ثم قال (لا يرد الشر إلا الشر) فذهبت مثلاً، ثم نادى في غسان من أعطى شيئاً فليأخذه فأخذ كل رجل منهم ما له وأخذ جذع وبنوه مال الروم وكساءهم وكانوا مائة رجل. واجتمعت سليح لقتل
وسيط واشتعلت الحرب بين الروم وغسان ونصرت سليح الروم فقاتلهم غسان وأتى حارثة بن ثعلبة العنقاء في بني عمه وبني جفنة وعدد عظيم من الأزد إلى الروم فجمع جمعاً عظيماً وأتى بهم إلى غسان فاقتتلوا بالمحفف فقاتلوهم قتالاً شديداً
стр. 292
فانهزم قيصر إلى الدرب فأرسل إلى غسان وخشي أن يدخل عليه من الخلل في ملكه وخشي أن يفتق عليه ما لا يستطيع رتقه وقال لهم: إن الرعية قد ظلمتكم ولم أعمل بظلمكم إلى الآن فصالحوه على ما أرادوا وعظم ملك عمرو بن علبة وبني جفنة - وعمرو وهو أول ملك من آل جفنة متوج بالشام حتى أخرجهم جبلة بن الايهم. فقال في ذلك رجل من غسان يقال له حبة بن الأسود:
فمن مبلغ عنا يماني قومنا ... بأنا قتلنا بالمحفف ضجعا
قتلنا سليحاً والذين تضجعموا ... بأسيافنا إذ صيروا الأمر مبهما
أرادوا ليجروا عند ذلك جزية ... علينا ويضحي ما لنا ثم مغنما
وما إن قتلناهم بأكثر منهم ... ولكن بأولى بالطعان وأكرما
أراد ملوك الروم أن يبلغوا العلا ... فلاقى وسيطاً نحبه بقطر الدما
فذوقوا من الوجد الذي هو دائم ... فإن لكم يوماً عبوساً سرمرما
قال: ثم أن الروم صالحت غسان. على أن لغسان ملك الشام وأن لأشرافهم بالشام ما لأشراف الروم بأرض الروم وإن لملكهم عمة على الروم وعلى الروم إن دهمت غسان شدة أربعة آلاف فارس وثمانية آلاف راجل. فلبثوا على ذلك دهراً، ثم أن الملك حارثة بن ثعلبة ترك بني عمه بالشام وسار حارثة يريد يثرب بمن معه من ولده وولد ولده، وسار معهم ثعلبة بن جفنة أخو عمرو بن جفنة ومعهم جذع بن سنان فوردوا يثرب فنزلوا بصؤار وأهل يثرب يومئذ اليهود وملكهم شريف بن كعب اليهودي، فقال لحارثة بن ثعلبة: لا ندعك تقيم معنا إلا على شرط وعهد تكتبونه بيننا وبينكم، قال له حارثة: وما هو؟ قال: تكتبون عهداً بين بني
إسرائيل وغسان: أن اليهود لغسان حاضرة وإن غسان لليهود بادية،
стр. 293
فقال جذع: عاهدوهم حتى تعفى أموالكم وتستريح دوابكم وأنفسكم، فانه يحدث بعد الأمر أمر - وهم عجم والعجم لا تقيم على عهد إلا على الذل والخوف - ولا يصبرون على خطة وإنكم تجدون فيهم ما تريدون، فنزلوا وكتبوا العهد وأقاموا زماناً. وإن رجلاً من غسان اشترى من يهودي كرباسة بأربعة دراهم فاشترط عليه الغساني أن يريها لأهله، فإن لم يرضوها ردها عليه ورد اليهودي عليه دراهمه وأشهد رجالاً من غسان كانوا بحضرته. وإن الغساني لم يرضوا أهله الكرباسة فردها على اليهودي فأبى أن يقبلها منه اليهودي، ورجع الغساني راجعاً بها إلى أهله فسبوه وقالوا له: فزعت من اليهودي. فردها إلى اليهودي ثانية فسبه فانتهره. فترافعا إلى شريف بن كعب، وأتى الغساني بالشهود الغسانيين فشهدوا إنه قد اشترط عليه ردها إن لم يرضوها أهله، فقال لهم شريف: انتم معاشر غسان لكم آنفة وأنفتكم تحملكم على شهادات الزور، قال له شهاب بن عبد الله الغساني: كذبت بل لنا أحساب تمنعنا من شهادات الزور بلى قد كان بينهما ما كان ولكم أنتم يا شريف بكل ارض أذلاء إلا بأرض العرب، فكيف لا تسرع بلسانك في سبهم ولو البسوك الذلة وكسوك المسكنة لعرفت لهم حقهم، ثم سار بقومه فولي بهم وإن صاحب الكرباسة أتى إلى جذع بن سنان فشكا إليه ما نزل به من اليهودي ومن أهله. فمشى جذع إليه وكلمة وقال له: خذ من الرجل كرباستك ورد عليه دراهمه، فقال له اليهودي: يا أعود أمرتني عينك الواحدة فأمهل حتى تأمرني عينك الأخرى. فولى جذع وأخذ بيده صاحبه وخلا به وقال له: ويحك إن قومي قد تشاء موابي واني لا أحمل فيهم ضيماً وانصب روحي غرضاً دونهم واني أجني عليهم الجنايات وأسوق إليهم الحروب، وسأبلغ مرضاتك
стр. 294
فاصدقني الخبر على وجهه إن كنت ظالماً أو مظلوماً فانه أطيب لنفسي، فحلف له الغساني إنه مظلوم. فبعث
جذع إلى ابن أخت له إنه أجلب إلي قومك. فلما آتاه بهم قال لهم مروا بناتكم يدخلن يثرب على نساء اليهود يضربن نسائهم وكونوا أنتم على أهبة وخذوا ولاماتكم فإذا سمعتم الصيحة اقتلوا من وجدتم من اليهود واسكنوا في المدينة فلم يتحرموا علينا إلا بهذه المدينة، وإن جذعاً مضى إلى صاحب الكرباسة فجلس بإزائه، فلما وقعت الصيحة كان أول قتيل قتله جذع، ثم قامت الصيحة في السوق فانتهبته غسان وقتلوا من فيه فلم تصل الصيحة إلى منزل شريف إلا وغسان في المدينة - فما وصل إلى المدينة وكان بين منزل شريف وبين المدينة عشرة أميال - وإن غسان تمكنوا منها وأخذوا ما كان فيها من مال وسلاح وثياب واتقوا به غسان، ثم حبسوا نساء اليهود عندهم واتقوها. فلما رأى اليهود ما لقوا من قتل الأنفس ونهب الأموال وسبى الذراري طلبوا الصلح ومفادة الأولاد، ثم أرسلوا إلى من كان منهم من يهود الشام يستنصرون بهم على غسان، وجعلوا ذلك مكراً وخديعة، وبلغ الأمر إلي حارثة الملك وما اجتمع إلى يهود من أخوانهم من أهل خيبر وفدك والعوالي والشام. فقال لجذع: ما ترى؟ فقال له جذع: كلما كثروا كان أضعف لهم، ولكن ابعث إليهم بالصلح فصالحوهم على أن يعطوهم من حوزة يثرب ومنازلهم ما يكفيهم ويسعهم وينزلون معهم ويجاورونهم. ففعلت اليهود ذلك ورضوا به ونزلت الاوس والخزرج بيثرب وسكنوا فيها.
قال أبو محمد: ولما كان الوقت الذي أراد الله فيه خراب السد انهدم فأرسل الله سيل العرم ففاض على الأرض فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذكر الله في كتابه على لسان محمد ﵌ ﴿لقد كان لسبأ في مساكنهم آية جنتان﴾ إلى قوله ﴿أكل خمط﴾ الآية. وقد قال في
стр. 295
ذلك كثير من العرب الأخبار والأشعار - قال الأعشى:
وفي ذاك للمؤتسى أسوة ... بمأرب عفى عليها العرم
رخام بناه لها حمير ... إذا جاء دفاعه لم يسرم
فاروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤهم إذ قسم
فساروا أيادي لا يقدرو ... ن منها على شرب طفلفطم
وقد ذكرته العرب في أخبارها وأشعارها في مواضع كثيرة.
ربيعة بن نصر بن مالك متوج باليمن بين
أضعاف التبابعة
قال أبو محمد: حدثني زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق قال: كان ربيعة بن نصر بن مالك بين أضعاف التبابعة، فرأى رؤيا هالته فجمع كل من كان في اليمن من منجم وكاهن وساحر فقال لهم: قد رأيت رؤيا هالتني وفزعت منها فاخبروني بها وبتأويلها، فقالوا له: أيها الملك اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال لهم: ان أخبرتكم بها لا أصدقكم في تأويلها وإن انتم أخبرتموني بها صدقتكم؟ فقال له رجل منهم: فإن كنت تريد هذا فابعث إلى سطيح وشق فانه ليس أحد أعلم منهما. فبعث إليهما فاقبل إليه سطيح قبل شق فقال له: اني رأيت رؤيا هالتني وفزعت منها فاخبرني بها وبتأويلها وإن أنت أصبتها أصبت تأويلها فقال له: افعل أيها الملك، رأيت أيها الملك حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة، فقال الملك: ما أخطأت منها شيئاً يا سطيح - فما عندك في تأويلها - فقال: احلف بما بين الحرتين من حنش ليملكن أرضكم الحبش وليملكن ما بين أبين إلى جرش. فقال له الملك: وأبيك يا سطيح
стр. 296
إن هذا لغائط لنا موجع، فمتى هو كائن أفي زمامنا هذا أم بعده؟ فقال: بعده يحين أكثر من ستين إلى سبعين - قال: فيدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ويخرجون منها هاربين. فقال: ومن يلي ذلك من إخراجهم؟ قال: يليه ارم
ذو يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحداً منهم باليمن. قال: فيدوم ذلك من ملكه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي. قال: ومن هو هذا النبي؟ قال: هو من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون ملكه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال: أحق ما تخبرني؟ قال: أي والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما نبأتك به لحق. قال: ثم قدم شق وقال له مثل قوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر هل يتفقان أم يختلفان فقال له شق: رأيت في منامك أيها الملك حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة. فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئاً فما عندك في تأويلها؟ قال: اخلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان وليملكن كل طفلة البنان وليغلبن على ما بين أبين إلى نجران. قال له: يا شق إن هذا لغائط لنا موجع فمتى يكون في زماننا هذا أم بعده؟ قال: لا بل بعده بزمان. ثم يستفزهم ملك عظيم الشأن ويدفعهم بأشد الهوان. قال: ومن هو العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدني ولا مزن يخرج من بيت ذي يزن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل بقطع برسول مرسل يأمر بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال له: وما يوم الفصل؟
стр. 297
يوم تجزى فيه الولاة ويدعى فيه من السماء بدعوات يسمعها الأحياء والأموات ويجمع فيه الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال: أحق ما تقول. قال: أي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض. قال فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وتب كتاباً إلى سابور بن يزن خرزاد فأسكنهم الحيرة فمن بقية ولد ربيعة بن نصر هو النعمان بن المنذر. فلما هلك ربيعة ابن نصر رجع ملك اليمن إلى تبان
أسعد أبي كرب.
تبان أسعد أبو كرب ملك متوج باليمن
قال ابن هشام ويقال له - الرائش بن عدي بن صيفي بن سبأ الأصغر ابن كعب كهف الظلم - وتبان أسعد أبو كرب هو الذي قدم المدينة وساق الحبرين من اليهود وكسا البيت الحرام وكان ملكه قبل ربيعة ابن نصر وهو الذي يقال له:
ليت حظي من أبي كرب ... أن يسد خيره خبله
وكان جعل طريقه حين قفل من المشرق إلى المدينة، وكان قد مر بها في بداية أمره، فلم يهج أهلها وخاف بين أظهرهم ابناً له فقتل غيله - قتله عمرو بن طلة الأنصاري من بني عدي بن النجار فزاد ذلك تبعاً حتنقاً عليهم فقاتلهم فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه نهاراً ويقرونه ليلاً ويعجبه ذلك منهم، ويقول: إن قومنا لكرام فبينما تبع ذلك من حربهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من قريظة آتياً إليه حين سمعا إنه يريد خراب
стр. 298
المدينة وهلاك أهلها فقالا له: أيها الملك لا تفعل فإن كان أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبين ما تريد ولم تأمن من العقوبة، قال لهما: ولم ذلك فقالا له: لأنه حرم مهاجرة نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان يكون داره وقراره فأعجبه ما سمع منهما ورأى أن لهما علماً فبنى المدينة وانصرف عنها واتبعهما، وهذا الحي من الأنصار يزعمون إنما كان حنق تبع على اليهود وإنما كان مراد تبع هلاك اليهود فمنعه الحبران من ذلك وكان أصحابه أصحاب أوثان يعبدونها. فتوجه إلى مكة وطريقه إلى اليمن حتى إذا كان بين عسفان وأمج آتاه نفر من هذيل فقالوا له: أيها الملك ندلك على بيت مال دائر فيه اللؤلؤ واذهب والفضة، قال لهم: بلى. قالوا له: هو بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده وإنما أراد الهذليون بهذا هلاكه لما عرفوا من هلاك كل من أراد مكة من الملوك بسوء فأرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك؟ فقالا: ما أراد القوم
إلا هلاكك وهلاك جندك، أوما علمت أن لله تعالى بيتاً في الأرض اتخذه لنفسه ولئن أنت فعلت ما أمروك به لتهلكن وليهلكن جميع من معك. قال: فما تريان؟ إني اصنع قالا له: اصنع عنده ما يصنع أهله وتطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق رأسك عنده وتتذلل له حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ فقالا له: أما إنه لبيت أبينا إبراهيم الخليل وأنه لكما أخبرناك به وإن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله والدماء التي يهرقون عنده فعرف صدق حديثهما وقرن النفر الهذليين وقطع أيديهم وأرجلهم، ثم ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه وأقام بمكة سبعة أيام ينحر للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل. ورأى في المنام أن يكسو البيت فكساه الحصف وهو حصير من السعف. ثم رأى
стр. 299
أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والأدوية والحرير فإن تبع أول من كسا البيت وأوصى به ولأنه من جرهم وأمر بتطهيره وإن لا يقربوه بدم ولا ميتة وجعل له باباً ومفتاحاً وانصرف إلى اليمن.
قصة النار التي كانت تعبدها حمير
وكيف تركتها ورجعت إلى دين اليهودية
وان تبعاً لما رجع إلى اليمن بمن معه من الجنود والحبرين معه. فلما وصل إلى اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن.
قال ابن هشام: وإن تبعاً لما دخل اليمن حالت حمير بينه وبينها وقالوا له: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا. قال: إنه خير من دينكم، فقالوا له: حاكمنا إلى النار، قال: نعم. وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نا تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأكل الظالم ولا تضر المظلوم شيئاً فخرج قومهم بأوثانهم وما يتقربون به،
وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلدين بها حتى قعدوا للنار عند مخرجها - فخرجت النار إليهم - فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فأمرهم من حضر بالصبر وصبروا حتى غشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير. وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما ولم تضرهما، فاتفقت عند ذلك حمير على دينه فمن هناك كان أصل دين اليهودية باليمن. وقد حدثني محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير اتبعوا النار ليردوها وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال حمير
стр. 300
ليردوها فلم يقدروا ودنت منهم لتأكلهم ولم يستطيعوا ردها، فدنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وهي تنكص إلى مخرجها الذي خرجت منه. فرجعت عند ذلك حمير إلى دين الحبرين. والله أعلم، أي ذلك كان.
وكان رئام بيتاً له يعظمونه وينحرون عنده ويتكلمون فيه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران: لتبع إنما هو شيطان يفتنهم فخلب وبينه فقال: شأنكما به، فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلياً أسود فذبحاه ثم هدما ذلك البيت. ويقال أن تبعاً هو الذي آمن برسول الله ﵌ ولم يره وهو القائل شعراً:
شهدت على أحمد إنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلي عمره ... لكنت وزيراً له وابن عم
وعمر ملك بع ثلاثمائة وعشرين سنة، فلما هلك ولي بعده ربيعة بن نصر - الذي تقدم ذكره - فلما هلك ربيعة بن نصر رجع الملك إلى حسان ابن تبان.
حسان بن تبان أسعد أبو كرب ملك متوج
والملك حسان بن تبان أبو كرب هو الذي بعث إلى جديس باليمامة فأبادها - وكانت جديس وطسم تنزل باليمامة وكان بها ملك من طسم وكانوا لا يزوجون امرأة من جديس إلا بعث إليها ليلة هدائها فافترعها قبل أن تزف إلى زوجها -
فوثبت جديس على طسم فقتلت مقتلة عظيمة. فبلغ ذلك إلى الملك - وكان اسمه عملوق - فمضى جمع من طسم إلى
стр. 301
حسان تبع مستنصراً به فوجه جيشاً إلى اليمامة - وتسمى يومئذ جوا - وكان بها امرأة يقال لها زرقاء اليمامة تبصر الراكب على مسيرة ثلاثة أيام وباسمها سميت اليمامة. فلما خافوا أن تبصرهم قطعوا الشجر وجعل كل واحد منهم بين يديه شجرة. فنظرت إليهم اليمامة فقالت: يا جديس لقد سارت إليكم الشجر وأتتكم حمير. فقالوا: وما رأيت؟ فقالت رأيت في الشجر رجلاً معه كتف يأكلها ونعلاً يخصفها، فكذبوها. فصحبهم حمير فأوقعت بهم وقعة أفنتهم إلا يسيراً. وسار حسان بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم العرب والعجم حتى إذا كان بأرض العراق كرهت حمير المسير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم، فكلموا أخاً له يقال له عمرو - وكان معه في جيشه - وقالوا: اقتل آخاك حسان وتملك أمرنا ونرجع إلى بلادنا. حتى أجابهم وأجمعوا على ذلك غير رجل يقال له ذو رعين الكلاعي فإنه نهاه عن ذلك، فلم يقبل منه فقال في ذلك:
إلا من يشتري سهراً بنوم ... إلا من لا يبيت قرير عين
فأما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
ثم كتبهما في رقعة وختم عليها وقال له: أيها الملك احبس هذه عندك فمسك الرقعة وقتل أباه وتابعته حمير ورجع إلى اليمن ومعهم وولي.
عمرو بن تبان ملك متوج
وملك عمرو بن تبان فمنع النوم فشكا ذلك فقيل له: لا يأتيك النوم حتى تقتل من أمرك بقتل أخيك - فنادى في أهل مملكته - أن الملك يريد أن يحدث عهداً، فاجتمعوا إليه وأقام لهم الرجال وقعد في مجلسه وأمرهم
стр. 302
أن يبخلوا عليه خمسة بعد خمسة، فإذا دخلوا عدل بهم فقتلوا حتى أتى على عامة القوم، ثم أدخل ذو رعين فلما رآه ذكر ما قال له في البيتين اللذين في الكتاب فأمر يتخليته وإكرامه وقربه
واختص به، واضطربت عليه أموره وبرد العز فسمي موثبان لقعوده والمواثب الفراش، وأرادوا إنه لازم الفراش. وفي مملكته نزوح عمرو بن حجر الكندي جد امرئ القيس الشاعر ابنة أخيه حسان تبع فولدت الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو - وكان سيد كندة وكان من فوارسها - وكان ملك عمرو بن تبان ثلاثاً وستين سنة.
عبد كاليل بن ينوف ملك متوج
ثم ملك بعده عبد كاليل بن ينوف وكان مؤمناً على دين عيسى وستر إيمانه، وكان ملكه أربعاً وستين سنة - وكان حسن السيرة جيد العشرة وكان قليل الغزو.
تبع بن حسان ملك متوج
ثم ملك بعده تبع بن حسان بن تبع، وهو تبع الأصغر آخر التبابعة - وكان مهيباً - فبعث ابن بنت أخيه الحارث بن عمرو بن حجر الكندي إلى معد وملكه عليها وسار إلى الشام فلقيه قوم من بني عمرو بن عامر فشكوا إليه ما نزل بهم من اليهود بيثرب وذكروا له سوء مجاورتهم لهم ونقضهم العهد الذي بينهم. فسار إلى يثرب ونزل في سفح أحد وبعث إلى اليهود فقتل منهم ثلاثمائة رجل وذللها لهم. وتبع هذا - هو الذي عقد الحلف بين اليمن وربيعة - وكان ملكه ثمانية وسبعين سنة.
стр. 303
ربيعة بن مرثد ملك متوج
ثم ملك ربيعة بن مرثد بن عبد كاليل، وكان عاقلاً حسن التدبير، وكان ملكه سبعاً وثلاثين سنة.
حسان بن عمرو ملك متوج
ثم ملك حسان بن عمرو بن تبع - وهو الذي أتاه خالد بن جعفر بن كلاب في اسارى قومه فأطلقهم - وكان ملكه خمساً وثلاثين سنة.
أبرهة بن الصباح ملك متوج
ثم ولي أبرهة بن الصباح - وكان عالماً جواداً - وكان يعلم أن الملك في بني نضر بن كنانة، فكان يكرم معداً، وكان ملكه ثلاثاً وسبعين سنة.
لخيعة بن ينوف ملك متوج
ثم ملك بعده رجل ليس من أهل الملك ولكنه من أبناء المقاول يقال له (لخيعة بن ينوف) فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل الملك منهم - وكان رجلاً فاسقاً يعمل عمل قوم لوط، وكان يرسل إلى الغلام من ابناء الملوك فيقع عليه في مشربة قد صنعها لذلك - ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده - وقد أخذ مسواكاً جعله في فمه ليعلمهم إنه قد فرغ - ولم يزل كذلك حتى بلغ إلى زرعه ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان - وكان صبياً صغيراً - حين قتل حسان، ثم شب غلاماً جميلاً،
стр. 304
فلما آتاه رسوله عرف ما يريده فأخذ سكيناً لطيفاً وجعله بين قدمه ونعله. ثم آتاه، فلما خلا به وثب عليه ذو نواس فقتله، ثم حز رأسه وجعله في الكوة التي كان يشرف منها على الحرس ووضع مسواكه في فمه، ثم خرج على الناس فقالوا له: ذو نواس أرطب أم يباس؟ فقال لهم: سلتحماس اسطرباس لا باس فلما نظروا إلى الكوة إذا رأسه مقطوع، وكان ملكه سبعاً وعشرين سنة.
ذو نواس زرعة بن تبان أسعد ملك متوج
فلما بلغ حمير ما فعله ذو نواس قالوا له: ما ينبغي أن يكون لنا ملكك غيرك، إذ
قد أرحتنا من هذا الخبيث - وكان آخر ملوك حمير - فأقام في ملكه زماناً وهو صاحب الأخدود الذي ذكره الله في القرآن، وذلك إنه بلغه عن أهل نجران أنهم آتاهم رجل من آل جفنة من غسان، فردهم إلى دين النصرانية، فسار إليهم ذو نواس بنفسه حتى احتفر أخاديد في الأرض وملأها ناراً، فمن تبعه على دينه خلى عنه ومن أقام على النصرانية قذفه فيها حتى أتى بامرأة ومعها صبي صغير ابن سبعة أشهر فقال لها: ابنها أمضي يا أماه على دينك فإنها نار وليس بعدها نار، فمر بالمرأة وابنها في النار رجل يقال له ذو ثعلبان واسمه دوس، فسار في البحر إلى ملك الحبشة فأخبره بما فعل ذو نواس بأهل دينه، فكتب ملك الحبشة إلى قيصر يعلمه بما فعل ذو نواس ويستأذنه في التوجه إلى اليمن. فكتب إليه يأمرن بالمسير إليها. فأعلمه إنه سيظهر عليها وأمره أن يولي ذا ثعلبان أمر قومه ويقيم فيمن معه باليمن. فأقبل ملك الحبشة في سبعين رجل فجمع أهل ذو نواس وحاربهم فهزمهم وقتلوا كثيراً من أصحابه، ومضى مهزوماً - وهم
стр. 305
في أثره إلى البحر - فاقتحم فيه فغرق بمن معه من أصحابه، وكان ملك ذي نواس ثمانية وثلاثين سنة، فقال رجل من حمير يرثى حمير وذهاب ملكهم:
دعيني لا أبا لك لن تطيقي ... لحاك الله قد انزف تريقي
لدى عزف القياناذ انتشينا ... وإذ نسقي من الخمر الرحيق
وشرب الخمر ليس علي عاراً ... إذا لم يشكني فيه رفيقي
فإن الموت لا ينهاه ناه ... ولو شرب الشفاء مع السويق
ولا مترهب في اسطوان ... يناطح جدره بيض الانوق
وغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه مسمكاً في رأس نيق
مصابيح السليط يلحن فيه ... إذا أمسى كتوماً ماض البروق
فاسلم ذو نواس مستكيناً ... وحذر قومه ضنك المضيق
وان الحبشة هدمت سلحين وبينون، وكان الذي هدمهما ارياط الحبشي، ولم يكن يوجد مثلهما في الدنيا - فقال في ذلك شاعر من حمير:
أو ما رأيت وكل شيء هالك ... بينون خاوية كأن لم تعمر
أو ما رأيت وكل شيء هالك ... سلحين خاوية كظهر الادبر
أو ما رأيت بني عطاة ناهيا ... قد أصبحت تسقي عليهم صرصر
أو ما سمعت بحمير وقصورها ... أمست معطلة مساكن حمير
فابكيهم أما بكيت لمعشر ... لله درك حمير من معشر
قال ابن هشام - وهو الذي عنى شق وسطيح الكاهان - حين قال: سطيح: ليملكن أرضكم الحبش وليملكن ما بين أبين إلى جرش
стр. 306
- وهو الذي عنى شق بقوله -: لينزلن أرضكم السودان وليغلبن على كل طفلة البنان ليملكن ما بين أبين إلى نجران.
أبرهة الاشرم
أول ملك من الحبشة افتتح اليمن وملكها - وهو الذي أراد هدم البيت - فسار إليه ومعه الفيل، فأهلك الله جيشه بطير أبابيل، ووقعت في جسده الآكلة، فحمل إلى اليمن فهلك بها. وفي ذلك العصر ولد النبي ﵌. وقال نفيل سائس الفيل حين رأى ما أنزل الله من نقمته:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
وقال أيضاً:
إلا حييت عنايا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
ردينة لو رأيت فلا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتني وحمدت أمري ... ولم تأسى على وأأمبما فات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيراً ... وخفت حجارة تلقى علينا
وكل القوم يسأل عن نفيل ... كان علي للحبشان دينا
فخرجوا يتساقطون بكل طريق فهلكوا على كل منهل، فيقال: أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري في أرض العرب من ذلك العام. فقال طالب بن أبي طالب بن عبد المطلب في ذلك:
ألم تعلموا ما كانفي حرب داحس ... وحرب أبي يكسوم إذ ملكوا الشعبا
فلولا دفاع الله لا شيء غره ... لا صبحتوا ولا تملكون لكم شرابا
стр. 307
يكسوم بن ابرهة الاشرم ملك متوج
ثم ملك بعد ابرهة الاشرم ابننه يكسوم، سار سيرة الحبشة باليمن، فخرج سيف بن ذي يزن الحميري - ويكنى أبا مرة - حتى قدم على قصير فشكا إليه ما هم فيه وسأله أن يخرجهم ويليهم قيصر ويبعث إليهم من شاء من الروم فيكون لهم، فلم يجبه إلى ما سأل. فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر - وهو عامل كسرى على الحيرة - وشا إليه أمر الحبشة فقال له النعمان: أن لي على كسرى وفادة فيكل عام فاصبر حتى يكون ذلك ففعل. ثم خرج معه فأدخله على كسرى - وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه تحت تاجه، وكان تاجه مثل الهيكل فيه من الدر والياقوت والزبرجد والذهب والفضة عشرة قناطير، وتاجه معلق بسلسلة في رأس طاقة في مجلسه وعنقه ولا يحمل تاجه وإنما يستر السلسلة بالثياب حتى يقعد تحت التاج فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك إلا سجد له هيبة - فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك. قال ابن هشام: ولما دخل عليه سيف بن ذي يزن طأطأ رأسه. فقال الملك: ما بال هذا الأحمق يدخل مجلسي من هذا الباب ثم يطأطئ رأسه؟ فقيل ذلك لسيف فقال: إنما فعلت هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء، ثم قال له: أيها الملك غلبت الأغربة علينا في بلادنا، فقال كسرى: أي الاغربة السند أم الحبشة؟ قال له: الحبشة. وجئتك لتنصرني ويكون ملك أرضي لك. قال له
كسرى: بعدت أرضك مع قلة خيرها ما كنت لأورط فارس في بلاد الحبشة لا حاجة لي بذلك. ثم أجازه بعشرة آلاف درهم وكساه بكسوة حسنة، فلما خرج سيف نثر ذلك الورق للناس. فلما بلغ ذلك الملك قال: إن لهذا شأناً، ثم بعث إليه
стр. 308
فقال: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس، فقال: ما اصنع به من جبال أرضي كلها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها. فقال: فجمع سرى مرازبته وقال: ما ترون في أمر هذا الرجل وما حاله؟ فقال له رجل منهم: أيها الملك أن في سجونك رجالاً حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكها كان في ذلك الذي أردت، وإن ظفروا كان ملكاً زاده الملك إلى مله فبعث كسرى بمن كان في سجونه معه - وكانوا ثمانمائة رجل - واستعمل عليهم وهرز وكان ذا سن فيهم وفضل وحسب، وخرجوا في ثمان سفن فغرقت سفينتان ونجا منها ست غلى ساحل عدن. وجمع سيف من استطاع من ثومه وقال لو هرز: رجلي ورجلك حتى نموت جميعاً أو ننصر. فقال وهرز: أنصف الرجل. فخرج إليهم يكسوم بن ابرهة بجنوده، فأرسل إليهم وهرز ابناً له فقاتلهم، فقتل ابن وهرز، فزاده ذلك حنقاً عليهم. فلما أخذ الناس على مصافهم قال وهرز: أروني ملككم؟ فقالوا له: هو ذلك الذي على الفيل عاقداً تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة، قال: قد رأيته اتركوه.
ووقف طويلاً وقال: أين هو؟ قالوا له: قد ركب البغلة. قال وهرز: بنت الحمار ذل وذل ملكه سأرميه، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا إلى أن أوذنكم فاني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم وقد اجتمعوا فقد أصيب فاحملوا عليهم. ثم أوتر قوسه وكان لا يوترها غيره لشدتها، ثم رمى بقصد الياقوتة التي بين عينيه فنفذت النشابة من الياقوتة وخرجت من قفاه واستدارت الحبشة عليه وحملت عليهم الفرس وقبائل اليمن فانهزموا وقتلوا وهربوا في كل وجهة. فقال سيف بن ذي يزن في ذلك:
يظن الناس بالملكين ... أنهما قد التأما
стр. 309
ومن يسمع بأمرهما ... فإن الأمر قد فهما
قتلنا القيل يكسوما ... واروينا الكثيب دما
وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي في ذلك أيضاً: وقال في غير الكتاب أمية بن أبي الصلت:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... إذ ريم البحر للأعداء أحوالا
يمم قيصر لما حان رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذي سالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إليك عندي لقد أشرفت إقبالا
لله درهم من عصبة صبروا ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
واطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعادا بعداً بوالا
سيف بن ذي يزن أول ملك متوج
وأقام سيف بن ذي يزن ملكاً من قبل كسرى يكاتبه ويصدر في الأمور عن رأيه إلى أن قتل وإن سبب قتله إنه أخذ من أولئك الحبشة خداماً فخلو به في منضدة فزرقوه بحرابهم فقتلوه وهربوا فطلبهم أصحابه فقتلوهم جميعاً. وانتشر الأمر باليمن ولم يملكوا أحداً على أنفسهم غير أن كل ناحية ملكوا عليهم رجلاً من حمير، وكانوا كمثل ملوك الطوائف حتى أتى الله بالإسلام. وهذا ما كان من أخبار الملوك الدابرة والأمم
стр. 310
الغابرة والحمد لله على ذلك كثيراً كما هو أهله. تم الكتاب بحمد الله الوهاب.
وما ذكر من أخبار سيف بن ذي يزن الحميري في نسخة من غير هذا التأليف.
قيل: لما ظفر سيف بن ذي يزن الحميري بالحبشة وذلك بعد مولد النبي ﵌ بسنين أتته وفود العرب وأشرافا وشعراؤها لتهنئة وتمدحه وتذكر ما كان من آلائه وطلبه بثار قومه. فوفد عليه عبد المطلب بن هاشم وأمية بن أبي الصلت وأمية بن عبد شمس وخويلد بن أسد في جماعة من أهل بيته وإذا الملك جالساً في رأس غمدان - وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت لطلب الوتر:
إن المكارم والأفضال في يزن ... لجج في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده النصر الذي سالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد عاشرة ... من السنين يهين النفس والمالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمها ... تخالهم فوق متن الأرض أجبالا
من مثل كسرى وما دار الملوك له ... ومثل وهرز يوم الموت إذ صالا
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا
لا يفخرون وإن جدت مفاخرهم ... فلا ترى منهم في الطعن ميالا
غر حجا حجة بيض مراجحة ... أسد تربب في الغيطان أشبالا
يرمون عن شدف كأنه عطب ... في جحفل جعل الأموات أسجالا
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً ... في رأس غمدان داراً منك محلالا
стр. 311
ثم أطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعادا بعد ابوالا
ثم استأذن وهو على سريره وتاجه على رأسه ووميض المسك في مفرقه وسيفه بين يديه وعن يمينه وشماله الملوك والمقاول وأبناء الملوك، فسلم عبد المطلب، ودنا وأستأذنه في الكلام. فقال له سيف: إن كنت ممن يتكلم بين أيدي الملوك فقد أذنا لك. فقال عبد المطلب: أيها الملك، إن الله جل اسمه قد أحلك محلاً رفيعاً
صعباً منيعاً شامخاً باذخاً وأنبتك منبتاً طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن. وأنت أيها الملك رأس العرب وربيعها الذي به تخصب وأنت عمودها الذي عليه عمادها ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك لنا خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف ولم يخمد ذكر من أنت سلفه ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا الذي أبهجنا إليك لكشف الكرب فنحن وفد التهنئة لا وفد الرزية. فقال سيف: أيهم المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قال: ابن أختنا؟ قال: نعم أصلح الله الملك. قال: مرحباً وأهلاً وناقة ورحلا وملكاً ربحلا يعطي عطاء جزلاً قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، فأهل الليل والنهار ما أقمتم ولكم الحباء إذا ظعنتم، ثم انهضوا إلى دار الضيافة وأجرى عليهم الإنزال وأقاموا لا يصلون إليه ولا بأذن لهم شهراً. ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأحضره وأدنى مجلسه ورفع قدره. ثم قال له: يا عبد المطلب إني مفوض إليك أمراً لو كان غيرك لم أبح له به، وجدتك معدنه فأطلعتك عليه: إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون خيراً عظيماً وخطراً جسماً فيه شرف الحياة
стр. 312
وفضيلة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. فقال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك وطال عمرك ودام ملكك، فهل المملك مخبري بإيضاح، فقد وضح لي بعض الإيضاح. فقال سيف: هذا حبه الذي يولد فيه أو قد ولد يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه وقد وجدناه مراراً والله باعثه جهاراً وجاعل له منا أنصاراً بعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه ويضرب الناس عن عرض ويستبيح بهم كرام الأرض بعبد لرحمن ويكسر الأوثان، قوله فصل ووجهه سهل وأمره عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله غضيض الطرف عفيف للفرج مبارك الطلعة ميمون الغرة، صادق اللهجة تظله الغمام ويهتدي به الأنام. قال: فخر عبد
المطلب ساجداً لله. فقال سيف: ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا كعبك، فهل أحسست من أمره شيئاً؟ قال: نعم. أصلح الله الملك كان لي ولد وكنت به معجباً وعليه شفيقاً فزوجته بكريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فجاءت بغلام سميته محمد. مات أبوه قبل أمه وكفلته أنا وعمه. فقال سيف: والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب، انك يا عبد المطلب لجده غير الكذب، فاحفظ ابنك واحذر عليه من اليهود فأنهم له عدى ولن يجعل الله لهم عليه سبيلاً وأطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الذين معك، فلست آمن أن تدخل النفاسة بأن تكون لك الرياسة فيبتغون لك الغوائل وينصبون لك الحبائل وهم غافلون عن ذلك وآباؤهم ولولا أن الموت محتاجي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته. فاني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون أن بيثرب استحكام أمره ودار هجرته وأهل نصرته وموضع حفرته ولولا أني أخشى عليه
стр. 313
الآفات واحذر عليه العاهات لا وطأت رقاب العرب كعبة وأعليت على حداثة سنه ذكره ولكني سأصرف ذلك إليك من غير تقصير مني، ثم أمر لكل واحد منهم بثمان من الإبل وعشرة من الخيل وعشرة ن البقر وعشرة من الغنم وعشرة من العبيد وعشرة أرطال ذهب وعشرة أرطال من الفضة وبكرش مملوءة عنبر أو بكرش كلؤلؤة مسكاً، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال: يا عبد المطلب إذا رأس الحول فأتني بخبر ابنك وما يكون من أمره. فمات سيف قبل رأس الحول. فكان عبد المطلب يقول: لا يغبطني أحد بجزيل عطاء الملك ولكن يغبطني بما سيبقى لي شرفه وذكره إلى يوم القيمة - والله أعلم.
تم الكتاب بحمد الله تعالى ومنه وكرمه وحسن توفيقه فله الحمد على كل حال وكان الفراغ من رقمه وقت العصر من يوم الأحد الرابع عشر من شهر جمادي الآخرة أحد شهور سنة أربع وثلاثين بعد ألف من الهجرة وذلك بخط الفقير إلى الله
سبحانه وعالي المطهر بن عبد الرحمن بن المطهر بن الإمام شرف الدين وكتبه يومئذ في الدار الحمراء ولي سبع سنين وثلاثة أشهر أسيراً. فلله الحمد على ما قسم لي واسأل الله بحق القرآن العظيم أن يضاعف الأجر ويمن بحسن الصبر والقبول لما كتبه الله وإن يفك أسري بحق محمد المصطفى ويفك أسر الجميع من المسجونين آمين آمين آمين وصلى الله على أشرف خلقه إليه وأقربهم منزلة لديه خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 314
أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن
وأشعارها وأنسابها على الوفاء والكمال
والحمد لله على كل حال
стр. 315
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
الحمد لله حمد الشاكرين وسبحانه تعداد الأيام والسنين وصلى الله على رسوله خاتم النبيين وخيرته من خلقه الأمين وعلى آله الطاهرين ورحمته وسلامه. حدثنا عبيد بن شرية الجرهمي عن البرقي يرفع الحديث: أن معاوية بن أبي سفيان، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عشر سنين ووليها لعثمان أيضاً عشراً، ثم وليها بنفسه عشرين سنة، ودانت له المشارق والمغارب ونال رفاعة الملك - وهو أول من تملك واتخذ المقصورة ووقف على رأسه إذا سجد وجمع الأموال - وكانت أفضل لذاته في آخر عمره المسامرة وأحاديث من مضى. فقال له عمرو بن العاص: لو بعثت إلى الجرهمي الذي بالرقة من بقايا من مضى فانه أدرك ملوك الجاهلية وهو أعلم من بقي اليوم في أحاديث العرب وأنسابها، وأوصفه لما مر عليه من تصاريف الدهر. فبعث إليه معاوية، فأتى في محمل بعد أيام كثيرة وشدة شوق من معاوية إليه، فدخل عليه شيخ كبير السن صحيح البدن ثابت
стр. 316
العقل منتبه ذرب اللسان كأنه الجذع فسلم على معاوية بالخلافة، فرحب به معاوية وقال له: أني أردت اتخاذك مؤدباً لي وسميراً ومقوماً، وانا باعث إلى أهلك وأنقلهم إلى جواري وكن لي سميراً في ليلي ووزيراً في أمري. قال: يا أمير المؤمنين (رأيتني ورأيت رحلي) فأرسلها مثلاً في العرب، قال له معاوية: فذلك أخف لمئونتك وأحلى للزومك. فأمر به معاوية فأنزله في قربه وأخدمه وأمر من يجري وضيفته ووسع عليه وألطفه. فإذا كان ذلك في وقت السمر فهو سميره في خاصته من أهل بيته وكان يقصر عليه ليله ويذهب عنه همومه وأنساه على كل سمير كان قبله ولم
يخر على قلبه شيء قط إلا وجد عنده فيه شيئاً وفرحاً ومرحاً. فإذا به كان يحدثه وقائع العرب وأشعاره وأخباره أمر أهل ديوانه وكتابه أن يوقعوه ويدونه في الكتب. فبينما هو ذات يوم في مجلس لمعاوية وفيه عمرو بن العاص وجماعة من قريش - وقد أخذوا في الحديث وعبيد بن شرية يحدثهم - قال له معاوية: كما أتى عليك من العمر يا عبيد؟ قال: كثيراً يا أمير المؤمنين، كفاك إنه لم يبق جرهمي غيري أتى علي مائة سنة وخمسون سنة. قال له معاوية: هل شهدت دخول الحبشة ورجمها البيت الحرام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. إنما كان ذلك بالأمس، ولقد أدركت عامة ملوك لخم وكندة وحمير وغسان. قال له معاوية: حدثني يا عبيد كيف كانت الجاهلية باليمن ولم يكن لبنى معد بن عدنان معهم ذكر ولم يظفروا منها طائل؟ قال: يا أمير المؤمنين، ومثلك يجهل هذا إنما كانت مضر بالأمس وكانت اليمن وملكت ولم يكن مضر ولا معد ولا عدنان ولا إسماعيل، إنما اليمن من ولد هود واسمه بالسريانية عابر وبينه وبين
стр. 317
إبراهيم ﵇ ثمانمائة سنة وعاش صلوات الله عليه مائتي سنة وقيذار عاش مائة سنة وأربعين سنة ومضر من ولد قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم فكيف حتى ولد عدنان ومعد ونزار ومضر وكيف حتى شعبت الآثار وانتشروا في البلاد؟ فالله معاوية: صدقت وبررت. أخبرني عنك مالك إذا ذكرت إبراهيم لم تملك أن تصلي عليه، وقد ذكرت والدكم هوداً نبي الله فلم تصل عليه وهو نبي الله! قال: يا أمير المؤمنين والله لهو أحب إلي من أبي الذي حملني في صلبه وأحب ألي من أمي التي أرضعتني ولا أعدل بخليل الرحمن أحداً ولا محمداً ﵌ ولا هودا صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء. قال له معاوية: انك لمنصف فخذ في حديثك يرحمك الله عن ملوك اليمن. وقد بلغني عن حمير وسيرها في البلاد وملكها في مشارق الأرض ومغاربها وكيف كان ذلك تسخر العرب والعجم؟ وعن
افتراق السنة الناس وعن أهل بابل؟ ومتى كان ذلك؟ وكيف كان ذلك؟ وسألتك الاتمر بشعر تحفظه فيما قاله أحد إلا ذكرته؟ قال: يا أمير المؤمنين لك في غير هذا الحديث ما يقصر ليلك وتلذ به في نهارك فإن فيه ما تهوى وما لا تهوى ومغضبة وشغفاً للملوك! ونعش المودة. قال: عزمت عليك إلا اتبعت هواي وحدثتني ما علمت مما أسألك عنه فأنت في جوار الله وذمته وآمان مني ومن غضبي ونعش مودتي. قال جميع جلساء معاوية: ولك منا ذلك من جميعنا. وأمر معاوية كتابه أن يدونوا ما يتحدث به عبيد بن شرية في كل مجلس سمر قيه مع معاوية. قال عبيد: سل يا أمير المؤمنين، قال معاوية: فمن العرب العاربة ومن العرب المستعربة؟ قال: يا معاوية أتعلم أنت وغيرك من أولى العلم إنما هي عاد وثمود وسم وجديس وأرم والعماليق ورهم وقحطان بن هود، فهم
стр. 318
كانوا أوائل الناس منهم يعرب الذي تكلم بالعربية كل أخذه من يعرب ابن قحطان بن هود وإليه تنسب العربية. فقيل: عربي لأن يعرب أول من نطق بها وليس أحد غيره تكلم قبله بها، فهذه الأجناس التي سميت لك تكلمت بكلام يعرب بن قحطان بن هود، النبي ﷺ ، حتى كان إسماعيل ونقله أبوه إبراهيم ﷺ من بلاده فأنزله بمكة فكنا نحن جرهم أهل البلد الحرام فنشأ إسماعيل فينا وتكلم بكلام العربية وتزوج منا. فجميع ولد إسماعيل من بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وأبوه وإسماعيل منا. وأنتم يا قريش منا، والعرب بعضها من بعض. ألم تعلموا أنكم من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﷺ ، وإبراهيم ونحن ولدنا وأبوه آزر واسمه تارخ بن ناحور بن ارغو بن شارخ بن فالغ بن عابر - وهو هود - فهو أبونا وأبوكم فنحن ولدناكم وأنتم منا ونحن منكم قليل في كثير - قال معاوية: كانك تحدث عن حديث الجاهلية! قال عبيد: يا أمير المؤمنين لك في الإسلام ما يغنيك عن ذلك، فقد محق الإسلام ما كان قبله - كما محق
الشمس ضوء القمر - قال: عزمت عليك إلا حدثتني عما أسألك عنه؟ قال: يا أمير المؤمنين كان من خبر أهل بابل وافتراق السنة الناس، إنه لما كثر ولد سام ويافث وحام - أولاد نوح - في بلاد الله وأراد الله أن يفرقهم في البلدان ويخالف بين ألسنتهم، فبعث عليهم الأرواح الأربع، قال معاوية: ما هذه الأرواح الأربعة؟ قال: الشمال والجنوب والصبا والدبور، فضمتهم الأرواح الأربع من أربع جوانب من كل ناحية كانوا بها ساقتهم فجمعتهم ببابل وكانوا بها، ثم مكثوا بها ثلاثة أيام يموج بعضهم في بعض وعلموا أن ذلك أمر من السماء ولا يدرون ما يراد بهم غير أنهم لا يشكون أن الله
стр. 319
الذي فعل بهم ذلك، والله مظهر إرادته. فلما كان اليوم الرابع سمعوا من قبل السماء صوتاً ينادي: إلا أن الله مفرق بين ألسنتكم ومسكنكم أطراف الأرض فأيما قوم توجهوا وجهاً فكلامهم ولسانهم واحد. قال معاوية: وما كان اللسان يومئذ؟ قال عبيد: سرياني أوله وآخره وهو لسان أبينا آدم ﵇ ونوح وإدريس. قال معاوية: كيف اختصت أرض بابل باجتماع الناس فيها؟ قال عبيد: هي سرة الأرض في فضلها وأراد الله ذلك بها. قال معاوية: ومن أول من انطقه الله غير السريانية، وأول من توجه من بابل؟ قال: أول من توجه من بابل يعرب بن قحطان ابن عابر - وهو هود النبي ﵇ بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح توجه من بابل بجميع ولده ومن اتبعه، ثم نادى إني سائر في بلاد الله فمن تبعني فله ما لي وعليه ما علي. قال معاوية: بالعربية أم بالسريانية؟ قال عبيد: لم ينطق بغير اللسان السرياني حتى استقر به قراره في بلد سوى بابل. قال معاوية: سألتك إلا أخبرتني بما تكلم يعرب أو ما تكلم؟ قال: يا أمير المؤمنين ذكر اسم ربه عند نزوله بالعربية وتكلم شعراً وتكلم بها بعده ولده. قال معاوية: أذكر الشعر الذي قاله يعرب. قال عبيد قال يعرب:
أنا ابن قحطان الهمام الأقيل ... لست بنكال ولا مؤمل
والمبتدئ باللسان المسهل ... بالمنطق إلا بين غير المشكل
برزت والأمة في تبلبل ... نحو يمين الشمس في تمهل
ونقهر الأمة في تفضل ... قد جاءنا نوح بقول فيصل
ونوح جد للجدود الأول ... لابد في عقب الزمان الأطول
стр. 320
نميركم ينطق بالمرسل ... بالنحو والإعراب والتنزل
وكل خير ما روى الرواة لي ... من الآلة ذي الجلال المفضل
قال معاوية: فأين توجه؟ قال عبيد: لما خرج يعرب بجميع ولده - وكان أقوى ولد سام بن نوح - وأعظمهم شأناً لم يقصر حتى نزل بأرض اليمن التي هم بها اليوم. قال معاوية: فمن شخص بعد يعرب؟ قال: عاد ابن عوص بن ارم بن سام بن نوح حتى جاوره. قال معاوية: فما صار إليه شأنه وبما أنطقه الله؟ قال عبيد: لما توجه إلى ما قبل يعرب تكلم بكلام يعرب. قال: فهل نطق بشيء من الشعر؟ قال: نعم كثير. قال: فاذكر بعض ما ذكره فانا نرويه، قال عبيد: سأذكر لك من كل شيء سبباً. قال عبيد: لما استقر باد قراره أنشأ يقول:
إني أنا عاجد الطويل النادي ... ذو العز والقوة والسداد
والبطش والموال والأولاد ... يا قوم أجيبوا صوت ذا المنادى
فقد سمعتموه إذ ينادي ... من غير ما شخص ترون بادي
ففيه عبرة لذي السداد ... فسرت بالطارف والتلاد
حتى حللت بالهمام عادي ... قد قال نوح خيركم أولادي
عاد المعادي غالب الأعادي ... من ولد عوص الغر ذي الميعاد
وحل عاد بالأحقاف، ثم شخص بعده ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح في وادي صنعاء ليعرب حتى حل في جهتهم وتكلم بكلامهم - وبعض ما قال حين نزل مضاهياً لقول بني أعمامه:
يا قوم سيروا واعلموا القعودا ... لعلنا ندرك ذا الوفودا
следующие страницы →