Полный текст (489 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
العقل منتبه ذرب اللسان كأنه الجذع فسلم على معاوية بالخلافة، فرحب به معاوية وقال له: أني أردت اتخاذك مؤدباً لي وسميراً ومقوماً، وانا باعث إلى أهلك وأنقلهم إلى جواري وكن لي سميراً في ليلي ووزيراً في أمري. قال: يا أمير المؤمنين (رأيتني ورأيت رحلي) فأرسلها مثلاً في العرب، قال له معاوية: فذلك أخف لمئونتك وأحلى للزومك. فأمر به معاوية فأنزله في قربه وأخدمه وأمر من يجري وضيفته ووسع عليه وألطفه. فإذا كان ذلك في وقت السمر فهو سميره في خاصته من أهل بيته وكان يقصر عليه ليله ويذهب عنه همومه وأنساه على كل سمير كان قبله ولم
يخر على قلبه شيء قط إلا وجد عنده فيه شيئاً وفرحاً ومرحاً. فإذا به كان يحدثه وقائع العرب وأشعاره وأخباره أمر أهل ديوانه وكتابه أن يوقعوه ويدونه في الكتب. فبينما هو ذات يوم في مجلس لمعاوية وفيه عمرو بن العاص وجماعة من قريش - وقد أخذوا في الحديث وعبيد بن شرية يحدثهم - قال له معاوية: كما أتى عليك من العمر يا عبيد؟ قال: كثيراً يا أمير المؤمنين، كفاك إنه لم يبق جرهمي غيري أتى علي مائة سنة وخمسون سنة. قال له معاوية: هل شهدت دخول الحبشة ورجمها البيت الحرام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. إنما كان ذلك بالأمس، ولقد أدركت عامة ملوك لخم وكندة وحمير وغسان. قال له معاوية: حدثني يا عبيد كيف كانت الجاهلية باليمن ولم يكن لبنى معد بن عدنان معهم ذكر ولم يظفروا منها طائل؟ قال: يا أمير المؤمنين، ومثلك يجهل هذا إنما كانت مضر بالأمس وكانت اليمن وملكت ولم يكن مضر ولا معد ولا عدنان ولا إسماعيل، إنما اليمن من ولد هود واسمه بالسريانية عابر وبينه وبين
стр. 317
إبراهيم ﵇ ثمانمائة سنة وعاش صلوات الله عليه مائتي سنة وقيذار عاش مائة سنة وأربعين سنة ومضر من ولد قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم فكيف حتى ولد عدنان ومعد ونزار ومضر وكيف حتى شعبت الآثار وانتشروا في البلاد؟ فالله معاوية: صدقت وبررت. أخبرني عنك مالك إذا ذكرت إبراهيم لم تملك أن تصلي عليه، وقد ذكرت والدكم هوداً نبي الله فلم تصل عليه وهو نبي الله! قال: يا أمير المؤمنين والله لهو أحب إلي من أبي الذي حملني في صلبه وأحب ألي من أمي التي أرضعتني ولا أعدل بخليل الرحمن أحداً ولا محمداً ﵌ ولا هودا صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء. قال له معاوية: انك لمنصف فخذ في حديثك يرحمك الله عن ملوك اليمن. وقد بلغني عن حمير وسيرها في البلاد وملكها في مشارق الأرض ومغاربها وكيف كان ذلك تسخر العرب والعجم؟ وعن
افتراق السنة الناس وعن أهل بابل؟ ومتى كان ذلك؟ وكيف كان ذلك؟ وسألتك الاتمر بشعر تحفظه فيما قاله أحد إلا ذكرته؟ قال: يا أمير المؤمنين لك في غير هذا الحديث ما يقصر ليلك وتلذ به في نهارك فإن فيه ما تهوى وما لا تهوى ومغضبة وشغفاً للملوك! ونعش المودة. قال: عزمت عليك إلا اتبعت هواي وحدثتني ما علمت مما أسألك عنه فأنت في جوار الله وذمته وآمان مني ومن غضبي ونعش مودتي. قال جميع جلساء معاوية: ولك منا ذلك من جميعنا. وأمر معاوية كتابه أن يدونوا ما يتحدث به عبيد بن شرية في كل مجلس سمر قيه مع معاوية. قال عبيد: سل يا أمير المؤمنين، قال معاوية: فمن العرب العاربة ومن العرب المستعربة؟ قال: يا معاوية أتعلم أنت وغيرك من أولى العلم إنما هي عاد وثمود وسم وجديس وأرم والعماليق ورهم وقحطان بن هود، فهم
стр. 318
كانوا أوائل الناس منهم يعرب الذي تكلم بالعربية كل أخذه من يعرب ابن قحطان بن هود وإليه تنسب العربية. فقيل: عربي لأن يعرب أول من نطق بها وليس أحد غيره تكلم قبله بها، فهذه الأجناس التي سميت لك تكلمت بكلام يعرب بن قحطان بن هود، النبي ﷺ ، حتى كان إسماعيل ونقله أبوه إبراهيم ﷺ من بلاده فأنزله بمكة فكنا نحن جرهم أهل البلد الحرام فنشأ إسماعيل فينا وتكلم بكلام العربية وتزوج منا. فجميع ولد إسماعيل من بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وأبوه وإسماعيل منا. وأنتم يا قريش منا، والعرب بعضها من بعض. ألم تعلموا أنكم من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﷺ ، وإبراهيم ونحن ولدنا وأبوه آزر واسمه تارخ بن ناحور بن ارغو بن شارخ بن فالغ بن عابر - وهو هود - فهو أبونا وأبوكم فنحن ولدناكم وأنتم منا ونحن منكم قليل في كثير - قال معاوية: كانك تحدث عن حديث الجاهلية! قال عبيد: يا أمير المؤمنين لك في الإسلام ما يغنيك عن ذلك، فقد محق الإسلام ما كان قبله - كما محق
الشمس ضوء القمر - قال: عزمت عليك إلا حدثتني عما أسألك عنه؟ قال: يا أمير المؤمنين كان من خبر أهل بابل وافتراق السنة الناس، إنه لما كثر ولد سام ويافث وحام - أولاد نوح - في بلاد الله وأراد الله أن يفرقهم في البلدان ويخالف بين ألسنتهم، فبعث عليهم الأرواح الأربع، قال معاوية: ما هذه الأرواح الأربعة؟ قال: الشمال والجنوب والصبا والدبور، فضمتهم الأرواح الأربع من أربع جوانب من كل ناحية كانوا بها ساقتهم فجمعتهم ببابل وكانوا بها، ثم مكثوا بها ثلاثة أيام يموج بعضهم في بعض وعلموا أن ذلك أمر من السماء ولا يدرون ما يراد بهم غير أنهم لا يشكون أن الله
стр. 319
الذي فعل بهم ذلك، والله مظهر إرادته. فلما كان اليوم الرابع سمعوا من قبل السماء صوتاً ينادي: إلا أن الله مفرق بين ألسنتكم ومسكنكم أطراف الأرض فأيما قوم توجهوا وجهاً فكلامهم ولسانهم واحد. قال معاوية: وما كان اللسان يومئذ؟ قال عبيد: سرياني أوله وآخره وهو لسان أبينا آدم ﵇ ونوح وإدريس. قال معاوية: كيف اختصت أرض بابل باجتماع الناس فيها؟ قال عبيد: هي سرة الأرض في فضلها وأراد الله ذلك بها. قال معاوية: ومن أول من انطقه الله غير السريانية، وأول من توجه من بابل؟ قال: أول من توجه من بابل يعرب بن قحطان ابن عابر - وهو هود النبي ﵇ بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح توجه من بابل بجميع ولده ومن اتبعه، ثم نادى إني سائر في بلاد الله فمن تبعني فله ما لي وعليه ما علي. قال معاوية: بالعربية أم بالسريانية؟ قال عبيد: لم ينطق بغير اللسان السرياني حتى استقر به قراره في بلد سوى بابل. قال معاوية: سألتك إلا أخبرتني بما تكلم يعرب أو ما تكلم؟ قال: يا أمير المؤمنين ذكر اسم ربه عند نزوله بالعربية وتكلم شعراً وتكلم بها بعده ولده. قال معاوية: أذكر الشعر الذي قاله يعرب. قال عبيد قال يعرب:
أنا ابن قحطان الهمام الأقيل ... لست بنكال ولا مؤمل
والمبتدئ باللسان المسهل ... بالمنطق إلا بين غير المشكل
برزت والأمة في تبلبل ... نحو يمين الشمس في تمهل
ونقهر الأمة في تفضل ... قد جاءنا نوح بقول فيصل
ونوح جد للجدود الأول ... لابد في عقب الزمان الأطول
стр. 320
نميركم ينطق بالمرسل ... بالنحو والإعراب والتنزل
وكل خير ما روى الرواة لي ... من الآلة ذي الجلال المفضل
قال معاوية: فأين توجه؟ قال عبيد: لما خرج يعرب بجميع ولده - وكان أقوى ولد سام بن نوح - وأعظمهم شأناً لم يقصر حتى نزل بأرض اليمن التي هم بها اليوم. قال معاوية: فمن شخص بعد يعرب؟ قال: عاد ابن عوص بن ارم بن سام بن نوح حتى جاوره. قال معاوية: فما صار إليه شأنه وبما أنطقه الله؟ قال عبيد: لما توجه إلى ما قبل يعرب تكلم بكلام يعرب. قال: فهل نطق بشيء من الشعر؟ قال: نعم كثير. قال: فاذكر بعض ما ذكره فانا نرويه، قال عبيد: سأذكر لك من كل شيء سبباً. قال عبيد: لما استقر باد قراره أنشأ يقول:
إني أنا عاجد الطويل النادي ... ذو العز والقوة والسداد
والبطش والموال والأولاد ... يا قوم أجيبوا صوت ذا المنادى
فقد سمعتموه إذ ينادي ... من غير ما شخص ترون بادي
ففيه عبرة لذي السداد ... فسرت بالطارف والتلاد
حتى حللت بالهمام عادي ... قد قال نوح خيركم أولادي
عاد المعادي غالب الأعادي ... من ولد عوص الغر ذي الميعاد
وحل عاد بالأحقاف، ثم شخص بعده ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح في وادي صنعاء ليعرب حتى حل في جهتهم وتكلم بكلامهم - وبعض ما قال حين نزل مضاهياً لقول بني أعمامه:
يا قوم سيروا واعلموا القعودا ... لعلنا ندرك ذا الوفودا
стр. 321
ويعرب المتوج الصنديدا ... وخلفوا الأرذال والوغودا
والمعشر الأنذال والعبيدا ... قد مات نوح راشداً محمودا
وقال إن خيركم ثمودا ... وسوف بعدي يوصفون جودا
ويبعث الله لكم وليداً نبي صدق راحماً ودودا
ونزل هؤلاء الحجر إلى قرح وهو نجو وادي القرى بين الشام والحجاز، قال ثمود أيضاً يدعو آخاه جديساً ويرغبه في إتباعه إياه:
أيا جديس يا جديس ويحكا ... أخوك لا تؤثر عليه عمكا
ولا تصر من منه حبلكا ... ويعرب الهمام بادر مجدكا
وعاد ما عاد فاوطا الملكا ... لا تكثرون في المقام رأيكا
قال: فلما انتهى قوله إلى جديس رحل في طلبهم بجميع ولده ومن اتبعه معهم فنزل بقربهم ونطق بكلامهم لام يعرب - وبعض ما قال له جديس:
أيا ثمود قد أجبت صوتك ... وقد عرفت أن المجد مجدك
فدتك نفسي يا ثمود أنك ... دعوتني فما عصيت أمرك
وكيف صبري يا ثمود بعدك ... وبعد عاد لا عدمت قربك
ثم شخص بعده عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح متوجهاً في أثرهم حتى حل بقربهم بجميع ولده ومن ينسب إليه فتكلم بلسانهم وهو كلام يعرب. قال معاوية: سألتك إلا شددت حديثك ببعض ما قالوا من الشعر ولو ثلاثة أبيات؟ قال عبيد: في بعض ما قال عمليق:
لما رأيت الناس في تبلبل ... وسار مناخيرنا في أول
خير الملوك يعرب المفضل ... بالسادة الغر ذوي التجمل
أهل الحجا والنبل والتبتل ... وسار عاد ذو القوام الأطول
فجد منا في لحاق المعقل ... بمورد الحزم بأمر فيصل
فقلت سيروا غير ما تخزل ... فسرت طرداً بلا سوام النقل
стр. 322
فقلت يا طسم إلي فأعجل ... إني أنا عمليق غير مشكل
أريد أرضاً ذات ملك أطول ... لعلنا نحل دار العدمل
ثم اتبعه طسم بن لاوذ بن ارم بنسام بن نوح حتى لحق آخاه عمليقاً فتكلم بكلام يعرب قال:
إني أنا طسم شبيه سام ... ووالدي لاوذ بن أرم
لما رأيت من بني أعمامي ... وإخوتي الرحيل باعتزام
قد اقتدوا بيعرب الهمام ... كرهت بعد أخوتي مقامي
وكيف صبري بعد آل سام ... عمليق ثم عاد ذي القوام
ويعرب ذي العزم والإقدام ... وخلفنا يافث وآل حام
قال معاوية: هؤلاء أجمع ولد سام بن نوح؟ قال عبيد: نعم لم يرحل معهم سواهم. قال معاوية: فنزلوا جميعاً أم شتاتاً؟ قال: كل ذلك يا أمير المؤمنين لما ناداهم الصوت ببابل كل قوم توجهوا ناحية واحدة وكلامهم واحد، توجه يعرب أول من توجه بولده ولحق به ولد سام فتكلموا جميعاً بالعربية نزلوا جهة واحدة: فنزل يعرب وولده باليمن ونزل عاد بالأحقاف، ونزل ثمود مما يليهم على الساحل وجاور بعضهم بعضاً، وبقي ببابل ولد يافث وولد حام. قال معاوية: فلم صار أمرهم إليه؟ قال: يأتي عليك في الحديث حتى أخبرك خبراً يغنيك، إنه لما كثر ولد يعرب وولد عاد وثمود وطسم وعمليق وجديس ضاقت بهم أرضهم، فأول من رحل منهم عمليق وولده حتى أتوا الحرم فنزلوا به كافة. قال معاوية: وهم يعلمون إنه حرم الله؟ قال عبيد: نعم قد كانوا لمعلمون أن آدم وإدريس ونوحاً كانوا يعظمونه. قال عاوية: فمن قال في نزولهم
стр. 323
الحرم شعراً. قال: نعم قد قال أصغر
بن الحارث بن يعفر بن عمليق:
أنا ابن مأمون الجوار الأصعر ... الحارث المفضال نجل يعفر
وجدي السيار غير المنكر ... عمليق إذ سار بجيش مشهر
لما رأيت الدهر ذا غير ... فسرت سيراً بالجموع البهر
من آل عمليق الكريم المفخر ... إلى حريم الأرض أرض المحشر
من أرض سام جدنا الموثر
فلما رأى ذلك ولد جديس رحلوا بأجمعهم حتى نزلوا بأرض اليمامة فاتسعوا بها. فلما رأى ذلك جميع ولد طسم لم يهنئهم المقام بعد ولد جديس وضاق بهم المقام وقد بلغهم عن بني جديس سعة بلادهم فرحلوا حتى حلوا بهم وقال في ذلك الأعجب بن مهراق بن سلام بن جديس:
غرنا الدهر بطول للبقا ... ورمى الدهر فأودى إذ رمى
فلقد أخنى علينا كلكلا ... مهد القوة منا والقوى
رحلت طسم إلينا للقضا ... بعدما ضاقت بها الأرض الفضا
فقبلناها على ما كان من ... حدث الدهر وقلنا مرحبا
ليس عيش دونكم يصفو لنا ... كل عيش بعد طسم لا صفا
ابلغا يعرب عنا لما ... دارت الشمس وأوفت بالسما
يا خليلي سلاماً دائماً ... من عشير بهم شط النوى
ليت شعري كيف أنتم بعدنا ... يا بني يعرب يا أهل الحجا
يا بني يعرب أنتم سادة ... كنتم من آل سام في الذرى
ولقد فضلكم خالقكم ... بلسان فيه نور وسنا
فجميع الناس طوعاً لكم ... كلهم فلا عز فيكم والسنا
стр. 324
وبنو عاد جميعاً غلبوا ... من يناويهم بعزوبها
وبني عمليق منا فاذكروا ... وبني طسم وكل قربا
إنما ابكي لنأتي عنهم ... وبحق يسأل منا من بكى
ذل من أصبح من أخيارنا ... نازح الدار وأمسى موهنا
لست أنساه إذا نادى بنا ... يوم نادانا بلا شخص يرى
فانصرفنا إلى أوطاننا ... بكلام غير سر بيننا
بعدما كان لساناً واحداً ... صار اثنين وسبعين سوا
قال: فما صنع من بقي ببابل من ولد حام ويافث وقد سبقهم ولد سام إلى أفضل البلدان؟ قال: فسار طسم بن لاوذ بن يافث بن نوح راغباً عن مسير ابن عمه حتى دخل أرض فارس، فيقال ان جميع أجناس الفرس منولده، فلما رآهم جميع ولد يافث بن نوح قد رحلوا، بأجمعهم حتى حلوا بين المشرق والمغرب من ناحية الجربياء - وهم فيما يقال الترك والصقالبة وياجوج وماجوج وبرجان والروم والأسبان - والروم ولد ياوار بن يافث بن نوح وولد ياجوج وماجوج بن يافث بننوح، الترك وأجناسهم وماشج بن يافث بننوح وبرجان من بني يافث بن نوح، والصقالبة ولد اشميل بن يافث بن نوح، ثم سار جميع ولد كوش بن حام ابن نوح وأجناسهم حتى حلوا أطواف المشارق والمغارب. وأما ولد كنعان ابن حام بن نوح فهم ولد كنعان بن كوش بن حام - وهم البربر - فسار حتى جاز بفلسطين وبيت المقدس وفي أطراف الأرضين وأتوا بها حتى بعث الله نبيه داود وهو الذي أسس بيت المقدس وسليمان بن داود معه ولقد بلغني أن سليمان بن داود ﷺ سأل الله أن لا يدخل
стр. 325
بيت المقدس مؤمن بالله ورسله وكبه إلا أخرجه الله من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله ذلك ولم تسخر الريح بعده لأحد ولا الشياطين ولا العفاريت ولا الطير، وبلغني إنه لم يملك أحد ملكه. فدعا داود البربر إلى الله فكذبوه وقاتلوه كما سمعت في كتاب الله ﴿وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك
والحكمة﴾ وبلغني عن هذه الآية ﴿إن فيها قوماً جبارين﴾ أنهم أولاد بربر ابن كنعان بن كوش بن حام، فقتلهم بعد ذلك يوشع بن نون، فلم يزل يقاتلهم حتى نقلهم إلى أطراف الأرض ملك من ملوك حمير يقال له افريقيس.
ثم ابرهة ذو المنار بن الرائش كثير الغزو ومغير في الأرض. فلما دخل أرض أفريقية وباسمه سميت أفريقية، فرأى أرض المغارب يبة خالية طنجة وتنيس فنقلهم إليهما وعمر بهم المغارب وأطراف الأرض. وأما أخوتهم ولد قبط بن مصرايم بن حام فنزلوا بفلوات المغارب ففيهم أنزل الله ﴿إن فيها قوماً جبارين﴾ و ﴿قتل داود جالوت﴾ وهم يدعون إلى قيس وكانت البربر ولم تكن قيس قاطنة مصر - وهم ولد سام بن نوح والبربر من ولد حام - فأين الملتقى إلى نوح ولكنهم بالأمس نظروا أهل تنيس إذ كانوا ببيت المقدس ولو دعاهم أحد إلى نسبه أيضاً أجابوه ولكنهم ولد بربر بن كنعان بن كوش بن حام، وذو والأحلام منهم يعلمون أن هذا باطل - وهم أقدم من ذلك - وهل يجهل ما وصفت لك أهل العلم منهم - وهم أخوة النوبة - وولد قوط الحبشة، وفيهم ما في ولد حام من عزة النفس والشجاعة والشدة وقلة الرحمة ونساءهم أرحم من رجالهم، وفيهم الجفاء والخلف نرى ثقل أهل الحلم منهم، فنقول: صالحون ما لم يغضبون فإن غضبوا كفروا، دين أحدهم على طرف لسانه أصحاب غدر
стр. 326
وسحر لا يعرفون المكر من جاء إليهم منعوه كان على الحق أو غيره. ولا ينقادون بعضهم لبعض - تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى - لهم بأس وصبر وقد حرموا النصر يربحون ولا يربحون ولا يدينون وإن قهروا يتبعون أهواءهم ويعصون أمراءهم إلا أن كانوا من غيرهم، حالفهم الخسران ولا ينظرون في النقصان، يكثرون الحجج من غير نية ويحلون في الحمية وأومأت أحدهم على غية، أطوع الناس لمخلوق في معصية الخالق أصحاب لهو وطرب، وأمورهم عجب من العجب لا يوقرون كبيراً ولا يرحمون
صغيراً، يسيغون الأنساب ويتبعون الغراب من جاءهم بالإفك صدقوه، وإن دعاهم أجابوه، ويهينون الأموال ويكثرون الانتقال، يطرحون المودة ويخلفون الصديق، والقسوةمن رجالهم والرحمة من نساءهم.
وبلغني في الحديث يرفع إلى النبي ﵌ ﴿إن الملح والشهرة نزعت من بني إسرائيل وجعلت في نساء البربر﴾ وبلغني أن أولاد بربر بن كنعان بن كوش بن حام الذين يزحفون لرجل من ولد فاطمة حتى يردوه إلى مكة - وهو صاحب العدل في آخر الزمان - وأصحابه يقال لهم الغرباء.
قال له معاوية: قلت الصواب إن شاء الله وإن كلامك طيب وشقاء لما في الصدور، فأخبرني من كان الملك؟ قال عبيد: كان الملك يومئذ فارس بن أرم بن سام بن نوح، وافترقوا في البلدان، ثم ملك يعرب جميع ولد سام وكل جنس ملكهم منهم. قال معاوية: أخبرني عن القبط، من أبوهم وهل ملك منهم أحد؟ قال عبيد: أبوهم مليط بن ماش، وكان ملكهم دارا بن دارا الذي قتله الاسكنر. قال معاوية: فهل ملك القبط؟
стр. 327
قال: نعم كان ملكهم نمرود بن كنعان بن كوش بن حام وهو الذي أرسل إليه إبراهيم الخليل صلوات الله عليه قال: قد كان ادعى الربوبية قال: نعم يا معاوية يا سبحان الله لقد رغبته نفسه إلى أمر عظيم. قال عبيد: وقد كان فرعون قال أنا ربكم الأعلى ولم يملك إلا مصر وحدها وقوله: يدلك على ذلك إنه قال ﴿أليس لي ملك مصر وهذه النهار تجري من تحتي أفلا تبصرون﴾ قال معاوية: فما فعل نمرود؟ قال عبيد: لم يزل إبراهيم ﷺ يدعوه وأهل مملكته فعصى فأهلكه الله ومن معه من الكافرين، فأقام إبراهيم يدعوه ما شاء الله، ثم دعا بالختان فزعموا إنه اختتن وهو ابن عشرين سنة ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة وأمر بالمسير إلى بيت الله الحرام ووضع عند البيت ابنه إسماعيل وأم إسماعيل وكان أهل البيت يومئذ العماليق وجرهم وكانت أمور
كثيرة بعد.
قال: يا معاوية كان صالح وهود قبل إبراهيم بمائتي سنة، ولقد بلغني أن بين موت هود وصالح خمسمائة سنة. قال معاوية: كذلك بلغني. قال معاوية: فما الذي أخرج جرهماً من دار اليمن إلى الحرم؟ قال: لما تبلبلوا ولد يعرب وكثروا وضيقوا عليهم وتمادوا بأجمعهم على جرهم فرحلوا إلى الحرم. قال معاوية: فكم كانوا ولد قحطان الذين من صلبه خاصة؟ قال عبيد: كان جميع ولد قحطان أكبرهم يعرب وهو أول من تكلم بالعربية وأول من حيي بتحية الملوك أبيت اللعن وهي تحية الملوك ملوك الجاهلية وهو أول من حيي بها، والحارث بن قحطان وحضر موت بن قحطان ولام بن قحطان والعاص بن قحطان والشمر بن قحطان والملتمس بن قحطان وتحاسم بن قحطان وماعز بن قحطان وتبع بن قحطان والقطام بن قحطان وظالم بن قحطان وجرهم بن قحطان وامهم
стр. 328
امرأة من ولد عاد وكلهم قد ملك ملكاً عظيماً غير ظالم كان يسير بالجيوش.
حديث هلاك عاد
قال معاوية: فحدثني يا عبيد عن هلاك عاد وكيف كان هلاكهم؟ قال عبيد: يا معاوية. إنه كان عاد بن عوص بن سام بن نوح - وهو الذي أحدث له عشرة من الولد وهم: شداد وهو أول من ملك منهم وطال ملكه وهو الذي عمل أرم ذات العماد، والخلود وهم رهط النبي هود ﷺ ، وتيم بن عاد وبر وبهار والعنود والحقود والصور وهم رهط أبي سعيد المؤمن وصدوهم رهط لقمان بن عاد صاحب النسور، ووفد وثمود ومتاب وهم رهط صاحب السحابات وأس وفد غار ورمل - وكانت عاد عشر قبائل وكانوا عرباً، وكانت مساكنهم الأحقاف - وهي الرمال ما بين حضر موت وبحر عدن - وذلك قول الله تعالى: ﴿واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾، وكانوا قد كثروا وانتشروا في البلاد من ارض اليمن كلها وما قاربها من البلاد وقسوا في البلاد، وكان الله قد أعطاهم بسطة في الجسم وقوة في الأبدان وسعة في الأرزاق ومهلاً في الأعمار لم يعطه أحداً من الخلق من بعد قوم نوح، وذلك قول الله : ﴿وزادكم في الخلق بسطة﴾، وقال سبحانه: ﴿أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون﴾. فكفروا ربهم وطغوا بما فضل به على غيرهم فافسدوا في الأرض وعتوا عتواً كبيراً واغتروا بجهلهم وقالوا لنبيهم هود: أن هذا إلا خلق الأولين ظن وقال الله : ﴿وأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة﴾ الآية. فلما كثر
стр. 329
عتوهم وكفرهم وظهرت فيهم المعاصي بعث الله نبيه هودا صلى الله عليه حجة عليهم لينذرهم وابعثه إليهم، وكان من أوسطهم بيتاً وأكرمهم حسباً وأعزهم رهطاً ليمنع من سفاهتهم حتى يبلغ رسالات الله، وقد سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: إن الله لم يبعث نبياً قط إلى قومه إلا من أوسطهم بيتاً وأعزهم ليمتنع من سفاهتهم حتى يبلغ رسالات الله. قال: صدقت يا أخا جرهم، فهل تعرف أحداً من شعر العرب ذكر هوداً في شعره؟ وإن في كتاب الله لشفاء من العمى وبياناً من الجهلة ونحب أن نزداد، فأني سمعت رسول الله ﵌ يقول: ﴿إن من الشعر لحكمة﴾؟ قال عبيد: يا معاوية قال فيه حسان بن ثابت الأنصاري حيث يقول:
وإن أخا الأحقاف إذ يعذلونه ... يجاهد في دين النبي ويعذل
قال معاوية: صدقت يا ابن شريه، فحدثني حديثك عن عاد؟ قال: يا معاوية، وكان لعام أصنام يعبدونها دون الله تسمى صداء وبغاء وصمود. قال معاوية: فهل قيل فيها شعر؟ قال عبيد: نعم. قال أبو سعيد المؤمن - وهو من بيت سعيد - حيث قال:
لنا صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والبغاء
قال معاوية: صدقت، فخذ في حديثك عن عاد. قال: فبعث الله إليهم نبيه هوداً صلى الله عليه برسالاته وداعياً إلى عباداته فبلغهم الرسالة ونصح لهم ما استطاع. فردوا نصيحته وطرحوا قوله وكرهوا ما جاءهم به وكان من قولهم ما ذكر الله في كتابه في غير آية ولا آيتين: ﴿وقالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين
стр. 330
أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾. قد سمعت ابن عمك يقول: أصابك بعض آلهتنا بجنون، قال هود: ﴿إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه﴾ الآية. وسمعت ابن عمك يقول: إني بريء من آلهتكم الذين تزعمون أنها أصابتني بسوء فأصيبوني بأعظم من ذلك أن أخببتم، وقوله تعالى: ﴿أتبنون بكل ريع آية تعبثون﴾ - يعني بكل نجد - والربع هو النجد مما ينصبون من الحجارة في النجاد وهي للنائي. سمعت ذلك من ابن عمك أيضاً.
قال: صدقت يا عبيد وجئت بالبرهان الواضح، فحدثني عن هود. قال: نصح لهم هود بجهده وآتاهم بالحق من ربه، فلم يزدادوا إلا طغياناً وكفراً وتمادياً في معصيته. وأسلم مع هود منهم نفر يسير لا يبلغون أربعين رجلاً وأسلم رجل من أشرافهم وساداتهم وذوي أحسابهم يقال له: أبو سعيد بن سعد بن عفير، وكان يكتم إيمانه - وهو رأس الوفود وصاحب البر والتقوى وودها - وقد بلغني يا معاوية إنه كان سائراً ذات يوم إذ مر بجماعة منهم في نادي قومهم فدعاهم إلى الله ووعظهم فحمل عليه رجل من سفهائهم بحجر فأدمى كعبه، فدعا عليهم هود ﵇ أن يبتليهم الله بالقحط ويحبس القطر عنهم ثلاث سنين، فاستجاب الله له فحبس عنهم المطر وابتلاهم بالقحط ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك. قال معاوية: لله أنت يا عبيد فهل قيل في ذلك شعراً؟ قال عبيد: نعم. قال: فاسمعني ذلك. قال: لما دخلت السنة الأولى عليهم علموا أنها سنة قحط وأزمة فسموها حجرة. فقال
في ذلك رجل من المسلمين - يقال له حماد هذا الشعر:
стр. 331
قد نزلت بأرض عاد حجره ... لها لهيب وعليها غبره
فأرضهم جادبة مغبرة ... جاحمة وحرثها مصفرة
ليس لها في يومها مسره ... ولا لعين بالنهار قره
حلاوة الإتراف فيها مره ... لطاعة الله وفيها عبره
وفي معاصيه الردى والحسرة ... فقد رأوا منك عظيم القدره
إذ أرضهم يابسة كالصخره ... موحشة دون البلاد قفره
مستبدلين خيره مضره ... إذ لم تزل تربتها مغبره
وصادفت من ربها المعره
فأجابه رجل من المشركين قال: وما أسمه؟ قال: اسمه الخلجان ابن الوهم فأنشأ يقول:
إن السنين حلوه ومره ... فاخرة ولدنة مخضرة
فمرة جدب وخصب مره ... ليست بنكر سنة مغبره
معينهم ليست تدوم العره ... وعاد أولو همة وخبره
محتالة للكسب ذات قدره ... وكلهم ذو وسعة يمره
لهم بعز شوكة مسره ... كأنهم عند اللقاء جمره
وهم معا في الخافقين عبره
قال: فلما دخلت الثانية سموها كحلاً. فقال رجل من المسلمين يقال له مبتدع شعراً يقول فيه:
قد نزلت كحل بآل عاد ... من السنين الازم الشداد
حين بغت عن سنن السداد ... تذل ذا الإتراف والفساد
من في القرى منهم وفي البوادي ... كلوحها على العزيز بادي
стр. 332
تمنع عاداً سنن الإيراد ... عقوبه من ملك العباد
إذ جانبت عاد هدى الرشاد ... ثم طغت في البغي في البلاد
مغترة بأوهن الأجناد ... بعد اصامتنا مع المراد
فأصبحوا في سمة الحساد ... وسلكوا في طرق الفساد
فأجابه رجل من المشركين يقال له جيحون:
إن السنين لم تزل تجاد ... لم تزل السنين في ترداد
لها بروق جمة الإرعاد ... بروقها رائحة غواد
من غير ما وعث ولا فساد ... أمر قضاه ملك العباد
ولا تضر دعوة الأنداد ... وكل أنداد إلى المعاد
إلى العلى الخالق الجواد ... يرجون أمراً حاضر السداد
شفاعة ترجى لآل عاد ... قد علمت جماعة الأوغاد
وكل ذي رأي وذي فؤاد ... من ساكن القرى أو البوادي
بأن عاداً صعبة القياد ... قاطنة الأوطان والمهاد
قاهرة الأقران في العناد ... شديدة الأركان والاعضاد
قوية في البطش والعماد ... غالبة جماعة الحساد
تصيب بالمخالب الحداد ... ذا المنعة المغالب المعادي
قال: فلما دخلت السنة الثالثة سموها لح. فقال رجل من المسلمين هذا الشعر:
كيف لعاد بعد كحل بكلح ... بذات قحط وغبار وبلح
تمنع ذات لذات الفرح ... لأن عاداً حاربت نهج الفلح
стр. 333
ولم تطع نبيها حين نصح ... ورام أن تصلح فيمن قد صلح
فأنكرت دين الهدى لما وضح ... وغرها التمهل من رب صفح
فاتبعت من المحارب جمع ... من الصمود ذبحة لما ذبح
فذكره منقطع إذا افتتح ... فخف في ميزانه وما رجح
فأجابه رجل من المشركين يقال له الخلجان أيضاً:
إن لعاد قوة لن تفتلح ... وعزها رأس لها أن يقترح
والأمر فيها بينهما أمر صلح ... والعز فيها خالد لا يطرح
وأمر شاويها إذا شاء سرح ... تم لها فيها مناخ منفسخ
عارفة غبوقها والمصطبخ ... نحو الذي يكسب كساب النقح
تذل بالعزة منها من جمح ... ومن بي عمداً عليها أو طمح
وكلهم ذو منعة وذو فرح ... وإن يشا من خرد بيض نكح
قال معاوية: لقد جئت بالبرهان في حديثك يا عبيد فماذا فعلوا؟ قال: يا معاوية، لما تولت عليهن سنون ب. متها وحطمتها، فاشتد فيها قحطهم وهم في ذلك غير تائبين ولا مطيعين لنبيهم هود صلى الله عليه. ثم قام رجل من أشرافهم وذوي أنسابهم - يقال له زميل بن عنز أخو القيل ابن عنز - وكان القيل رأس عاد وسيدها في زمانه وصاحب السحابات والريح التي أهلكت عاداً بإذن الله فقام زميل فنادى قومه، فقال: يا قوم إني فكرت لما نزل بكم من هذا القحط ورأيت رأياً وقلت فيه قولاً وأنا عارض ذلك عليكم - أن رأيتم ذلك - فقالت له الجماعة: إن رأيك لأصيل وإن فعلك لجميل فقل نسمع ما تقول. فقام زميل فيهم
стр. 334
منشداً هذا الشعر حيث يقول:
إلا نزلت بنا حجج ثلاث ... على عاد فما تحتال عاد
فدمعهم يبل الترب منها ... وما يدرون ما بهم يراد
وقد علمت بنو عاد بن عوص ... بأن مشورتي لهم سداد
واني عارض رأيي عليهم ... وما مني به فيه انفراد
بأن يتخيروا وفدا يسيروا ... إلى البت العتيق لهم سداد
من القول السداد إذا آتوه ... وهيمنه لهم فيها اقتصاد
فيستسقوا المليك البرغيثا ... به تحي البرية والعباد
وقد جربتم ذاكم فعرفي ... لديه في بدايته السداد
لأن الله مقتدر حكيم ... غفور رزاق بر جواد
فإن يسمع مقالتنا سقانا ... فقد نزلت بنا أزم شداد
وإن نهلك فأمر الله ماض ... له منا المقادة والقباد
قال: فلما سمعوا مقالته أجمعوا على المسير إلى بيت الله الحرام يستسقون الغيث. قال معاوية: لله أنت يا عبيد وكيف كانوا يطمعون إن الله يستجيب لهم وهم مقيمون على الشرك بالله وعبادة الأصنام؟ قال عبيد: يا معاوية. كان الناس في ذلك الزمان العرب وغيرهم من المشركين، إذا نزل بهم فادحة أو نابهم نائبة أو جهدهم قحط أو غيره فزعوا إلى الله، فيأتوا إلى البلد الحرام يطلبون من الله الفرج، فيطيعون مسائلهم ويعرفون من الله الاستجابة عند بيته الحرام فيجتمع بمكة بشر كثير مختلفة أديانهم يطلبون من الله حوائجهم كلهم عارف بمكة وحرامها فلا يبرحون حتى يعطى السائل سؤاله مما سأل.
стр. 335
قال معاوية: فهل كان في ذلك الوقت يعرف موضعه؟ قال عبيد: نعم يا معاوية. قد كان موضعاً منذ وضعه الله لآدم إلى أن بناه إبراهيم ﵇ معروفاً مكانه، ولم مبيناً يومئذ. فلما أجمعت على المسير إلى مكة ليستسقوا جهزوا من عظمائهم وأشرافهم وذوي أحسابهم سبعين رجلاً. ثم وضعوا على السبعين أربعة منهم قيل بن عنز وهو رأسهم وصاحب أمرهم ولقمان بن عاد - هو صاحب النسور - وأبو سعيد مرثد ابن سعد - وهو خير النفر - وجلهمة بن الخيبري. فساروا حتى أتوا مكة - وسكانها يومئذ العماليق - وهم يومئذ ملوك الحجاز وأرضها، فنزلوا على رجل منهم يقال له بكر بن معاوية بن بكر وجميع ولده
وكانت أخت لبكر بن معاوية وهي هزيلة ابنة هزال بن معاوية متزوجة في عاد وزوجها أبو سعيد المؤمن مرثد بن سعد، فولدت عمراً وعامر وعميراً أبناء مرثد بن سعد وهي وولدها التي نجت من العذاب يوم الريح - وبنو أبي سعيد هؤلاء هم عاد الآخرة - فلما قدم وفد عاد إلى الحرم نزلوا على صهرهم بكر بن معاوية وابنه معاوية، وكان منزلهما بظهر مكة خارجاً من الحرم ففرحا بالوفد وأكرماهم وأحسنا منزلتهم عند ابن أختهم معاوية ابن بكر. وكان معاوية قد كبر وضعف وكانت الرئاسة لابنه بعده، فأنزل أخواله وحبسهم عنده شهراً يأكلون الخبز واللحم ويشربون الخمر وتغنيهم قينتان يقال لهما الجرادتان - ويقال إنه أول من اتخذ القينات في الأرض للغناء - وكان أكثر العرب مالاً في زمانه. فأقبل وفد عاد في اللهو والشراب وتركوا ما جاءوا له. فلما رأى ذلك معاوية بن بكر غمه ذلك
стр. 336
وقال: لئن تركت أخوالي وأصهاري إنها لهلكتكم وهلك من خلفوا من أهلهم وقومهم في بلادهم - وهم أيضاً ضيفي ووجوه قومي - وأنا استحي أن آمرهم بالشخوص لما قاموا له - فلما طال مقامهم ولم ينظروا في ما قدموا له قال شعراً، ثم حفظه لجاريتيه وأمرهما إذا انتشى القوم وأخذ فيهم الشراب أن تقوما على رأس كبيرهم وشريفهم قيل بن عنز وغنياه. فأضاف لهم الطعام والشراب. فلما انتشوا قامت الجاريان على رأس قيل بن عنز، وأنشأتا تقولان:
إلا يا قيل ويحك قم فهنيم ... لعل الله يصحبنا غماً ما
فيسقي آل عاد إن عادا ... قد أضحوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فما تراهم ... ولا الشيخ الكبير ولا الغلاما
وإن الوحش تأتيهم نهاراً ... فما تخشى لعادي سهاما
وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم أيامي
وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم نياما
فقبح وفدكم من كل وفد ... ولا لقوا التحية والسلاما
قال: فلما قالتا الشعر ووعته أسماعهم فزعوا لذلك وتركوا ما هم فيه من اللهو وحلو الحياة وقال بعضهم: يا قوم إنما بعثكم قومكم لهذا البلاء الذي قد نزل بهم وقد أبطأتم فسرتم شهراً من بلدكم وأهلكم إلى ها هنا ولكم منذ شهر ها هنا فانطلقوا إلى بنية ربكم واطلبوا الغوث من ربكم لقومكم.
فقال أبو سعيد المؤمن: يا قوم هلمكم لأمر أدعوكم إليه تذكرون به
стр. 337
حاجتكم وتغيثون به قومكم. قالوا: وما ذاك؟ قال: تؤمنون بنبيكم هود ﵇ تؤمنون بربكم فذلكم خير لكم. قال: فكرهوا قوله وردوا النصيحة. قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: نعم. قال في ذلك أبو جلهمة:
أبا سعيد كأنك من قبيل ... سوى عاد وأمك من ثمود
أتأمرنا لنترك دين وفد ... ورمل وآل صد والعنود
أنترك دين أقوام كرام ... ذوي حسب ونتبع دين هود
وإنا لا نعطيك ما حيينا ... ولسنا فاعلمن على عهود
قال: فغضب من ذلك رجل من الوفد من قوم أبي سعيد فأجابه:
فمرثد مخ عاد في ذراها ... وأنت لساقط وغد كنود
نماه يا زنيم إلى المعالي ... من أخوال وأعمام صمود
وأفضل قوم عاد بعد هود ... وخيرهم الكريم أبو سعيد
قال معاوية: فما فعل الوفد يا عبيد؟ قال: إن الوفد لما أرادوا المسير إلى الكعبة سألوا بكراً وابنه أن يحبسا أبا سعيد ففعلا وكلماه في ذلك. فقال: نعم. ووقف عنهم هو ولقمان بن عاد، ومضى سائر الوفد إلى البيت يتقدمهم قيل بن عنز وصف الوفد حوله ولاذ بالكعبة ودعا وتضرع فسمع منادياً ينادي من السماء يقول: يا قيل بن عنز ما جئت تطلب فاسأل تعط، فقال: جئت أطلب القطر الذي
ينبت الشجر ويكثر الثمر ويحيي به البشر ويصلح به قومي وبلادي. قال: فأنشأ الله ثلاث سحابات بيضاء وحمراء وسوداء، ثم قيل له: اختر أيها شئت، قال: أما البيضاء فجهام ليس فيها مطر ولا لغيثها روي، وأما الحمراء فجهام غير أتى الذي ينفي
стр. 338
السراء ويأتي بالضراء ولا حاجة لنا فيها، وأما السوداء فكثيرة الماء والروي معقبة لرخاء مبلغة المنى غائطة الأعداء وقد اخترتها لقومي وبلادي. فناداه المنادي رماداً أرمد لا يبقى من عاد بن عوص أحداً لا والدً ولا ولداً إلا القبيل الأبعد.
قال معاوية: لله أنت من يعني بقوله إلا القبيل إلا بعد. قال: من ولد عملوق بن لاوذ وهي أخت بكر بن معاوية - يعني هزيلة بنت هزيل العمليقة - وهي أخت بكر بن معاوية، وهي زوجة أبي سعيد المؤمن؟ وقد بلغني يا معاوية أن هزيلة كانت امرأة فاضلة في عقلها وأدبها وكانت محبة لهود ﵇ وأصحابه وتلطف بهم وتوسع عليهم في مالها وكانت كثيرة المال. وقد كان الإسلام وقع في قلبها وهي تكتم ذلك في قومها فنجاها الله من العذاب وولدها وانصرف وفد عاد إلى منزلهم عند بكر بن معاوية فرحين مسرورين أنهم قد أصابوا الغيث. ولما رجعوا انطلق أبو سعيد المؤمن ولقمان إلى البيت العتيق، فقدم أبو سعيد المؤمن إلى البيت فلاذ بالكعبة ودعا وتضرع وقال: رب إني جئتك في حاجتي فأعطني سؤالي، فسمع مناد من السماء يقول: يا أبا سعيد بن مرثد ما جئت تطلب سل تعط؟ قال: جئت أطلب البر والتقوى، فنودي: إلا قد أوتيتهما ولك بهما الفضل الكبير.
قال معاوية: أقيل في ذلك شعراً؟ قال عبيد: نعم يا معاوية. قد قالت العرب في ذلك أشعاراً فإن أحببت انشدتكها وإن شئت في آخر الحديث فإنه أصلح لحديثك. قال معاوية: سمعنيها في آخر الحديث فهو أحسن. قال: ثم تقدم لقمان بن عاد
فلاذ بالكعبة ودعا وتضرع وقال: اللهم إني لم آتك وافداً إلا لنفسي فأعطني سؤالي، فسمع منادياً من السماء يقول:
стр. 339
يا لقمان بن عاد ما جئت تطلب وما تريد فاسأل تعط؟ قال: جئت أطلب العمر، قال فنودي: اختر عمر سبعة أنسر حين تنفلق عن الفرخ البيضة أحب إليك إلى أن تبقى كثيراً، فإذا هلك نسر أعقب نسر آخر أو تبقى سبع بقرات سمر من سنوات عفر في جبل وعر لا يمسها قطر؟ فقال لقمان: بل عمر سبعة أنسر. فنودي: أن قد أوتيت سؤالك ولا سبيل إلى الخلود. فانصرف لقمان وأبو سعيد إلى الوفد في منزل بكر وابنه، وأقاموا معاً حتى آتاهم هلاك عاد. قال عبيد: وكان هلاك عاد يا معاوية، أن السحابة السوداء التي اختارها قيل بن عنز لقومه جعلها الله سبحانه ريحاً عقيماً عقوبة من الله وذلك قول الله : ﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾. قال: سمعت ابن عباس يقول: إنما عقمت من الرحمة ولقحت بالعذاب. قال الله سبحانه: ﴿بريح صرصر عاتية﴾. سمعت ابن عباس يقول: عتت يومئذ على خزنتها خزنة الريح خرج منها مثل منخر الثور فيه أهلك الله عاداً. قال: وسارت الريح يزجيها أمر الله وقدرته معها جنود الله وملائكته، ملائكة العذاب يقودونها بازمه حتى انتهت إلى بلاد عاد فأتتهم من قبل واد يقال له (مغيث) كان يأتيهم من قبله الغيث. فلما رأوه فرحوا واستبشروا وطمعوا أنها غيث من قبل الله، ولم يعلموا أنها نكال عليهم وعقوبة. قال الله تعالى: ﴿فلما رأوه عارضاً مستقبل أليم تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ وقولهم لنبيهم هود ﵇: ﴿فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾. سمعت ابن عباس يفسر ذلك. قال: معاوية: صدقت. فماذا قال؟ قال: كان أول ما تبين به إنها ريح
стр. 340
عقوبة من الله لهم جارية يقال لها مهد فإنها لما رأتها صاحت، ثم صرخت، ثم غشي عليها فاجتمع إليها قومها. فلما استفاقت قامت تنوح وهي تقول:
البلية البلية ... ما جنى الوفد عليه
إن وفد الريح كانوا ... شر وفد في البرية
أرسلوا يبغون غيثاً ... فآتوهم بالبلبه
سخرت ريح عليهم ... تركت عادا خليه
سخرت سبعاً عليهم ... لم تدع منهم بقيه
ويقال: يا معاوية. أنها أول نائحة ناحت في الأرض، فقال لها قومها: ويحك ماذا ترين وماذا دهاك؟ قالت: الويل لعاد التي طغت في البلاد فأكثروا فيها الفساد. أي رياحاً كأمثال الجبال لها لجم بأيدي رجال كأن في وجوههم شهب النار، والرجال الذين ذكرت ملائكة الله مع الريح. قال معاوية: هل قيل فيه شعر؟ قال عبيد: نعم يا معاوية. قد قال أمية بن أبي الصلت أو النابغة الذبياني في ذلك شعراً حيث يقول:
رأت ما رأت مهد فقيل لها ... ماذا ترين فقالت انظر العجبا
أرى رياحاً كأمثال الجبال لها ... لجم بأيدي رجال تشبه اللهبا
قال معاوية: خذ في حديثك. قال: فلما تبين لهم إنها ريح عقوبة من الله عليهم، قاموا إلى صعيد واحد ووضعوا العيال والذراري. قال: ثم بنوا عليهم بالأبنية والمتاع كالردم العظيم فوقهم ليقيهم بزعمهم من الريح فاجتمع جميع أولي القوة والجلد والبأس وصفوا بينهم وبين الريح على فم
стр. 341
وادي وانتدب منهم رجال كالاطواد العظام - وهم عمرو بن خلي والحارث بن أسد والمقدم بن سفر والخلجان بن الوهم وصيد بن سعيد وزميل بن عمرو وزمر بن أسود - فبرزوا دون قومهم وقالوا: نرد هذه الريح عنكم.
قال معاوية: فما كان من أمر هود ﵇؟ قال عبيد: أن هوداً كان فيهم وكان يدعوهم إلى طاعة الله. فلما رأى أن العذاب قد نزل بهم وعلم أن الله مهلكهم
اعتزل عنهم في ثلاثين رجلاً ممن أسلم معه وانطلقوا حتى وقفوا على حظرة على تل قريب من الوادي يسمعون كلامهم وينتظرون ما الله فاعل بهم. فلما انتهت الريح إلى عاد. قام عمرو بن خلي أحد الجبابرة السبعة وهو رأسهم فبرز دون أصحابه يلقى الريح، وأنشأ يقول:
من الذي تحذر عاد أوهنه ... هي الجبال في البلاد الممكنة
الصعبة الشامخة المحصنة ... هي السود الضاريات المكبنة
وكلنا فيها ربية عسونة ... قاسية عند اللقاء محجنة
من جرب الدهر أراه الونه ... وطنه أكلبه واقفنه
فسمع هود ﷺ هو وأصحابه المسلمون قوله: فأجابه رجل منهم وأنشأ يقول:
هل عاد إلا أنفس مضمنة ... إلى مدى آجالها مرهنه
وكبل ليس يحمي مدنه ... من ريب دهر كاد يدفنه
يبعث أيدي أنفس موهنه ... إلى مدى أنفسها مضمنه
وقد أتم آية مبينه ... في أنفس لموتها موطنه
стр. 342
وقد أتتكم صولة مغلنة ... بعاصف عليكم موطنه
بها أفانين الردى مكونه ... يهلك فيها الأسرة الملونة
يلقى عماها يحيدها في محنه ... من بعدما كانت عليها ممكنه
قال: ثم عصف الريح بعمرو بنخلي فقام مقامه الحارث بن أسد وأنشأ يقول:
يا عاد إن العز فيكم قد رسخ ... وقد نشا فيكم وقد شمخ
كسقرة عتقتها بعد الفتح
فصرعته الريح. قال: ثم قام مقامه المقدم بن السفر وأنشأ يقول:
يا عاد قومي إنما الأمر نزل ... بكم بكم يا عاد والكيد بطل
إني أرى الدهر بحتف قد أطل ... قد شرب الدهر عليه وأكل
أولى لمن أوردنا هذا المحل ... أفاً له دهر أو تعساً ونكل
فصرعته الريح. قال: ثم قام مقامه صيد بن سعيد وأنشأ يقول:
يا ويل قيلا ثم يا ويل أمه ... ماذا جنى لنفسه وقومه
والدهر غير معتب من لومه ... من لامه طارت ببيت حومه
وليلة هلاكه في يومه
فصرعته الريح. فقام مقامه زمر بن أسود وأنشأ يقول:
يا ويح عاد كيف أدهاها الزمن ... واغتالها الدهر بذحل واحن
أف له دهراً وتعساً وغبن ... قد احتوى الأهل جميعاً والبدن
فصرعته الريح. ثم قام بعده الخلجان بن الوهم وأنشأ يقول:
يا لك يوماً غاب عنا شمسه ... يوم شديد لا يؤدب أمسه
لم يبق إلا الخلجان نفسه ... لم يبق إلا سيفه وترسه
стр. 343
يا خير فرع قد أصيب أسه ... طوبى لمن وارى قرار رمسه
يا من كجذع النخل ثاو حسه ... أمكن مني السد فإن قوسه
من بعد ما كان منيعاً مسه ثم صرعته الريح مع أصحابه، فهلكت الجبابرة السبعة بإذن الجبار.
ولقد بلغني يا معاوية أن أحدهم يلقى الجاري بيديه فلا يجري. ثم عصفت الريح على جماعة آل عاد فأهلكتهم بقدرة الله تعالى، لم تدع منهم عيناً تطرف لا صغيراً ولا كبيراً. ثم طفقت الريح تقلب أجسامهم بين السماء والأرض في الجو مصعدين ومنحدرين سبع ليال وثمانية أيام حسوماً حتى تركتهم كأنهم أعجاز نخل خاوية. وذلك قول الله : ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾. وهدمت البيوت وتركتهم كأنهم جذوع النخل اليابسة وخربت القصور والحيطان والبساتين أقلعتها من
أصولها، حتى كأنها لم تكن على وجه الأرض ولم تترك منهم أحد إلا هزيلة بنت هزال العملقية وبينها - وهي امرأة أبي سعيد المؤمن - فإن الله نجاهم من العذاب بإيمان أصحابهم وأمر الله الريح فحملتهم برفق وشفقة هي وولدها لم تؤذهم ولم تضرهم حتى أتت بهم مكة فألقتهم في منزل بكر بن معاوية الذي فيه وفد عاد وأصحابه.
قال: فبينما القوم في لهوهم ولذتهم إذ أقبلت هزيلة ببنيها حتى هجمت على عمها الشيخ بكر بن معاوية في منزله. فلما رآها فزع منها فزعاً شديداً وقال: ويحك ما دهاك وما وراءك ومن قدم معك من أصحابك، فاستعبرت هزيلة باكية وقالت: الخبر أفظع وأوجع واجزع من أن أصفه لك. قال: ويحك خبريني ما ذاك فقد أكثرت وجدي! قالت: وأين
стр. 344
وفد عاد؟ قال: هم أولاء في منزل ابني معاوية. قالت: ما فعلا؟ قال: فزعوا إلى بيت ربهم فأعطى السائل منهم سؤاله. قالت: كلا ورب الكعبة قد أعطوا الخزي الطويل والذل الذليل. قال: ثكلتك أمك يا هزيلة اخبريني ما ذاك؟ قالت: ما أنا مخبرتك بشيء حتى تحضر إلي جميع الوفد. فأرسل إليهم بكر فأخبرهم بمكان هزيلة، فأقبلوا يبتدرون فزعين مرعوبين. فلما توافوا عندها قالوا لها: ويحك أخبرينا من الذي جاء بك ومن جاء بصحبتك وما وراءك وكيف تركت قومك؟ قالت: بل أخبروني عن مسيركم وأمركم. فأخروها. قالوا: سرنا شهراً وأقمنا شهراً عند عمك وابنه، ثم فزعنا إلى البيت العتيق، فأعطى السائل منا سؤاله، وقد توجهت السحابة نحوكم بالغيث فما عندك من الخبر؟ فقالت هزيلة: إن الخبر أفظع وأشد وأوجع من أن اسمعكموه قيلا ولكني سأقول شعراً وأرويه الجرادة تسمعكموه، فقالت هزيلة هذا الشعر:
إن عاداً آثرت حقاً ... على الرشد الصدودا
لم تقل في غيها حين ... عتت قولاً سديدا
بل طغت بغياً وقالت ... لن نطيع الدهر هودا
كذبوا عبداً تقيا ... مسلماً براً رشيدا
وعصوا ربا عظيماً ... قاهر البطش مجيدا
قادراً أمسى له الخل ... ق معاطراً عبيدا
فدعا هود مليكا ... مبدياً لهم معيدا
إن يذلهم بأيد ... يقمع العاصي الكنودا
فاستجاب له آله ... عز مقتدراً حميدا
جل رباً ذا اقتدار ... منعماً عدلاً أبيدا
стр. 345
كي يتوبوا فأراهم ... ما يرد الصد قودا
من سنين ما اسطاعوا ... للنكال لها ردودا
ازما جاءت ثلاثا ... ما يبل القطر عودا
حجرة تبعث بكحل ... واحتوت كلح السعودا
لم يتوبوا بل تعصوا ... عن ذو الفضل البرودا
عابدين من ضلال ... صنماً يدعى الصمودا
يطلبون الغيث منه ... بعدما خروا سجودا
الذي حوي سفاها ... سألوا منه رفودا
أفلوا من حيث طاعوا ... فيه شيطاناً مريدا
ثم قال لهم زميل ... بعدما ذاقوا الجهودا
اسمعوا قولي ورأيي ... وابعثوا وفداً جنودا
نحو بيت الله يما ... يسألوا الرب ودودا
أن يغيث الخلق منا ... متهماً ثم النجودا
بعثوا سبعين كهلاً ... تبعوا قيلا جليدا
ثم أربعة أرادوا ... هم على الوفد شهودا
بعثوا لقمان رأساً ... وأبا سعد مزيدا
وأبا جلهمة القر ... م فتى الحي الحقودا
ثم قيل نجل عنز ... قائد ليس مقودا
ثم ساروا بسوادٍ ... نحو حسداءٍ أسودا
стр. 346
فاتوا مكة سحا ... بين خزا وبرودا
أحسن الناس اعتدالا ... ووجوهاً وخدودا
كلهم أكرم عاد ... أمهات وجدودا
نزلوا بالمرء بكر ... وابنه شهراً جديدا
يشربون الخمر صرفا ... لا يملون الركودا
ثم هبوا بعدما هي ... الهم بكر نشيدا
ثم غنتهم بصوت ... قينة تسمى الجرودا
نهضوا إذ سمعوها ... كأنهم كانوا رقودا
فأتوا بيت مليك ... لم يزل للخلق عيدا
فدعوا فاختار لقما ... ن فتى الحي الخلودا
ببقا عمر نسور س ... بعة دهراً أبيدا
أسرا تبقى صحاها ... وخلوداً لن تبيدا
وحبا الله أبا سع ... د تقاه والسعودا
فنجا بالبر زادا ... ثم تقوى الله زيدا
وارى قيلا ثلاثاً ... من سحابات فرودا
قطعة بيضاء كانت ... ما بها في الغيث جودا
ثم حمرا لم يردها ... ظنها غيثاً ثميدا
فارتضى السودا التي صا ... ورت بها الأقطار سودا
ثم سارت نحو عاد ... كي تذيقهم كؤودا
خيولهم إذ رأوها ... غيمها السود عبيدا
فاكتسوا فرحاً وبشرى ... بارزين لها الصعيدا
أبصرت مهد على الر ... يح مطيعين ركودا
стр. 347
في أكفهم لها لجم ... يخيلين الوقودا
قالت الويل لعاد ... ويلها ويلاً جديدا
ليلة حلت به الد ... هر على عاد الصدودا
إن ترى السبعة منهم ... كلهم كانوا حسودا
كل قوم مثل طود ... لابس فيها الحديدا
كير يردوها ومن ذا ... يستطيع لها ردودا
خلفت أجسامهم في ... الجو والقفز بديدا
عذبت سبع ليال ... أمة كانت يهودا
ثم أياماً ثمانا ... ما هبوطاً ما صعودا
تحسب الأصوات إذ ... يهوون في الجو رعودا
ثم خروا في قصور ... صيرت فلقاً بديدا
استباح الدهر صدا ... ومنافاً والخلود
وجهاراً لم تذره ... وهباء والعنودا
وبنو سرد ورفد ... صادفت دهراً كنودا
فهم كالنخل صرعى ... ليس للضر الخلودا
قيل فانظر أين عاد ... ثم دع عنك السمودا
لن تراهم آخر الدهر ... كما كانوا قعودا
ثم نجاني الهي ... وبني جدي الابيدا
قد تفانوا ثم بادوا ... في ديارهم حصيدا
حملتني وبني ... نحوكم ريح برودا
ونجا هود وأصحا ... ب له خروا سجودا
стр. 348
للذي نجاهم مم ... ابه أفتى العديدا
معه ثم ثلاثو ... ن يقيمون الحدودا
نزلوا الاحقاف أما ... رين بالعرف الوفودا
سكنوا الأرض على ما ... شكروا الرب الحميدا
ثم نناهين عن المنكر ... من خاف الوعيدا
أعيني جودى بدمع ... ليس يبدو أو جمودا
وابكيا عاداً بسجل ... من دموع ثم زيدا
أسعداني بدموع ... من درور ثم جودا
وقال أسد بن ناعض يذكر أمر الوفد والسحابات والتخيير على حديث مرثد بن سعد يقول فيه شعراً:
بعثت عاد إلى الله ... لتسقي الغيث وفدا
ورسول الله فيهم ... رغبة عنه وزهدا
ثم أعطى بعضهم بع ... ضاً على الغية عهدا
أنهم لن يتبعوا هو ... د طوال الدهر بدا
أو يتوبوا فيكونوا ... شرعاً في الموت حصدا
فاجر هدّ القوم للغي ... وعافوا الرشد رشدا
فتوافوا ليردوا ال ... ريح كل جد جدا
غضباً حتى إذا ما ... جعلوه للحديدا
ثم عادوا فتلقو ... ها عناقاً يتصدى
فدعا هود وصلى ... ثم عادوا ثم بدا
ودعا القوم آله الناس ... . . . . جهدا
стр. 349
فأجيبوا إن سلوا ما ... شئتم تعطوه قصدا
فدعا لقمان بالعم ... ر ليعي العمر مدا
فحباه بمناه ... غير أن لم يعط خلدا
ودعا ثم مزيد ... يرتجى براً وحمداً
فحبا بالبر والحم ... د أبا سعد وسعدا
ودعا قيل فقال الغي ... ث يسقي العيش رغدا
دعوة فارق فيها ... قصده وازداد بعدا
فرأى نشء سحاب ... فاصطفى السوداء فردا
أنشئوا منه منو ... يرديهم وتردى
يترك الأقوام صرعى ... ود الصخر خدا
افعمت حي مغيث ... من حيا حير جهدا
سمعوا فيها دوياً ... شبهوا ذلك رعدا
ولقد قاموا إليها ... كي يردوها مردا
ولقد قالت مهد ... فعصوا في القول مهدا
إن في الريح لأمرا ... عجباً يا قوم إذا
من احابيش تمد الل ... جم بالأفواه مدا
ورجال كحريق الن ... ار شدوا اللجم شدا
لا يراخون لها اللج ... م تهد الأرض هدا
صدقوا هوداً تكونوا ... تصمدوا الخيرات صمدا
وترديهم فردت ... هم عباديد وكندا
جاءت الريح ترقى ... بثبوت الحي ضدا
стр. 350
أسبلت سعد نساها ... لم تجد من ذاك بدا
أينما كانت عناكم ... ثم سلماكم وهندا
أهلكت زمر أو رفدا ... وأبا سود وصدا
ولقد كانوا عتوا ... وعلى ذا الناس أسددا
كل بار كنود ... مرة للحق جندا
وقال المهيل بناعض المسلم رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
لو أن عاد أسمعت من هود ... وقبلت من رأيه الرشيد
وقد دعا بالوعد والوعيد ... ما أصبحت عاثرة الجدود
صرعى على الأنف والخدود ... ما فضله الأجساد بالوطيد
من عصف ريح عوهج سجود ... آتية من الاهاب السود
ما جابه الوفد من الوفود ... على ابن صيد ثم آل سود
ذاهبة كالعمرس الصخود ... يبلى صداها جدة الحديد
أتتهم بالطائر الفقيد ... فغادرتهم كالهشيم المودي
أحدوثة لأبد الابيد
وقالت هزيلة بعد مصيرها إلى عمها حين نظرها تبكي على عاد وهي تقول:
ما جنيتم أيها الوف ... د على القوم الحضور
شرة عمت على عا ... د أحاطت بالشرور
أهلكت عاداً جميعاً ... من صغير وكبير
لعلى وفدهم من ... بعدهم ريح الابور
سبقت البلوى إليهم ... بالعذاب القمطرير
стр. 351
منوه بعد فهالا ... مؤدبي وهرير
خافت الموت فولت ... أمرها قوم الزئير
والاهيين حال ... لغبير أو حمير
يتعارين جميعاً ... سرة السر الشرور
لو رأيتم ما رأوا من ... غصة الموت السعير
يوم جرتهم شعوب ... بالفاء المستطير
وشآبيب شآبي ... ب كاهدام الكسير
إنما أهلك عاداً ... عهدها يوم الصدور
كرهوا العذر فأمسوا ... حطب النار السعير
كل يوم لهم منه ... اعذاب ذو كرور
سبعة ثم آتاهم ... ثامن بالعنقفير
فتوافوا شرك المو ... ت وصاروا للمصير
قال: فلما سمعوا قولها يا معاوية وعلموا ما انزل الله بقومهم من العذاب والعقوبة ورأى أبو سعيد مرثد بن سعد ما صنع الله له إذ نجى أهله وإذا هم غليه سالمين ازداد إيماناً ويقيناً بالله وأظهر إسلامه عند ذلك. وأنشأ يقول:
عصت عاد نبيهم فأمسوا ... عطاشا ما تبلهم السماء
لقد كفروا بربهم جهاراً ... فارقهم مع الجوع الظماء
وساروا وفدهم شهراً ليسقوا ... فحل بهم مع القحط البلاء
فقد أمسوا مثل النخل صرعى ... على آثار عاد كم العفاء
إلا قبح الإله حلوم اد ... فإن حلومهم صفر هراء
من الخير الشفاء إذا رأوه ... وما يغني التخبط والبكاء
стр. 352
فنفسي والبنون وأم ولدي ... لنفسي نبينا هود فداء
آتانا والقلوب مصممات ... على ظلم وقد أزف الضياء
على صم يقال له صمود ... يقابله صداء والبغاء
فأبصره الذين له أنابوا ... وأدك من يكذبه الشقاء
فاني سوف أنحو نحو هود ... وإخوته إذا دخل المساء
وكان لأبي سعيد أخ يقال له جنحوي بن سعج - وكان كافراً غاشاً متبعاً لعاد ولم يكن رأيه رأي أخيه وكانت له امرأة من قومه - يقال لها جفينة لها منه ابن يقال له عفير وابنة يقال لها عنجهور - فسال أبو سعيد امرأته عن أخيه وأهله فأخبرته بهلاكهم وكيف رأت الريح تفعل بهم فرق لهم عند ذلك، وأنشأ يرثيهم وهو يقول:
كأني الآن أنظر جنحويا ... عليه الريح عاصفة تدور
عليك وأنت في كربات موت ... آتاك بها مليك لا يجور
تنادي يا جفينة أين يهوى ... عفير والبنية عنجهور
فبينا ذاك إذ هبت شمال ... كما يتقاذف البحر الزخور
فأودى بالرياح وكل حي ... على الدنيا إلى الموتى يصير
بهذي الريح لم تضرر غريباً ... سوى عاد أصابهم النكير
تفرقهم بأفهار صلاب ... وتدمغهم وليس لهم نصير
وقد أمست بلادهم خلاء ... وهم فيها وما قدم المشير
كشبه النخل خاوية جناها ... كذلك فاعلموا هذا الكفور
وقد قال النبي لهم أقيموا ... على الحق المبين ولا تجوروا
فإن الجور يعطب سالكوه ... وفي الحق السلامة والسرور
وأنا لا نطيعك ما بقينا ... وأنت مكذب فينا حقير
стр. 353
فنادى فاستجاب له مليك ... عظيم لا يجار وقد يجير
فأهلكهم بما كسبوا جهاراً ... هو القهار والملك الكبير
قال معاوية: لله درك فقد جئت بالبرهان، فما فعل أبو سعيد، وما كان من هود وأصحابه؟ قال عبيد: يا معاوية، تحمل أبو سعيد بأهله وولده حتى أتى هوداً وأصحابه مؤمناً مسلماً ووجدهم على ساحل البحر مما يلي أرض عاد فأقاموا جميعاً يعبدون الله على أحسن حال. ووهب الله لأبي سعيد المال والولد حتى كان أكثر العرب مالاً وولداً في زمانه ذلك. وبلغنا يا معاوية أن عاداً الآخرة من نسله.
قال معاوية: وهل عاد غير هذه؟ قال: نعم يا معاوية. فإن أحببت أخذت في الحديث حتى آتي بحديثهم. قال: بل خذ في حديثك. قال عبيد: كان هود وأصحابه يعبدون الله حتى ماتوا وانقرضوا.
وذكر بعض أصحاب السير عن عبيد بن شرية بأمر هود. قال: أخبرني البختري عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، أن رجلاً من حضر موت جاء يسأله العلم فقال له علي ﵇: يا حضرمي أرأيت كثيباً أحمر تخلطه مدرة حمراء فيه أراك وسدر في موضع كذا وكذا من بلدك، هل رأيته قط أو تعرفه؟ قال الحضرمي: نعم والله يا أمير المؤمنين. قال علي: فإن فيه قبر النبي هود ﷺ .
стр. 354
رجع الحديث إلى عبيد بن شرية ومعاوية. قال معاوية: يا عبيد أخبرني عن وفد عاد ما فعلوا بعد هلاك قومهم؟ قال عبيد: يا معاوية. إن الوفد لما سمعوا قول هزيلة فيما أصاب قومهم أقبلوا على قيل بن عنز يعذلونه ويلومونه وقالوا: أنت شأمتنا وجررت علينا الهلاك. فقام رجل من أشرافهم - يقال له موت بن يعفر بن عرعر - وهو يقول:
لو أن عاداً أرسلت زميلاً ... أو تبعت هوداً لنالت نيلا
لجاءها الوادي يسيل سيلا ... بالماء يحيي آيله وأيلا
فضلاً من الله له وطولا ... لكن عاداً أرسلت قييلا
ويلاً لعاد ثم ويلا ويلا ... دعوت يا قيل لعاد عيلا
فصادفت دعوتك الضليلا ... فجاءت الريح تجر ذيلا
تقصد أحياناً وحيناً سبلا ... تخترم النساء والرحيلا
ولم تدع زرعاً ولا بقولا ... كلا ولا تيناً ولا نخيلا
إلا رماداً أرمد ضئيلا
وقال موت: يذكر الريح والوادي الذي جاءت منه، ومنه اهلكوا وأنشأ وهو يقول:
أفعمت حي مغيث ... من حيا صير جهدا
سمعوا في الريح صوتاً ... شبهوا ذلك رعدا
ولقد قاموا إليها ... كي يردوها مردا
أهلكت عاداً وزمرا ... وزميلاً ثم صدا
ثم مقداماً وحاراً ... ثم من بعد الاعدا
خلجاناً تركته ... مثل جذع النخل جردا
عين فابكيهم بدمع ... يخضب الخدين وردا
стр. 355
قال عبيد: ثم إنهم أقاموا بالحرم عند بكر بن معاوية وابنه ما شاءوا ومكثوا على ذلك ما شاء الله. وقد بلغني أنهم أقاموا سبع سنين، ثم أنهم تذكروا الأوطان وحنت نفوسهم إلى البلاد، فأرادوا المسير إلى بلادهم، فأقبل عليهم بكر بن معاوية وابنه وقالا: يا قوم إنا نكره لكم أن تأتوا أرضاً قد هلك فيها قومكم فترون مل تكرهون وأنتم هاهنا في حرم الله وأمنه والسعة والرحب، ولكم الأثرة في المال ما بقينا، فامكثوا. فقالوا لهما: إن النفوس قد حنت إلى الأوطان والآثار ولا بد لنا من إتيانها والنظر إليها. فأجمعوا في ذلك. فأرسلوا إلى ركابهم - وكانت في بادية لبكر من بوادي مكة - فأتوا بها سماناً حسناً فقال في ذلك حسان أبو كلهدة هذه الأبيات
وأنشأ يقول:
رعينا السرب والريان حتى ... إذا ما هاج وامتنع المذاقا
وصار كأنه أصفار نمل ... إلى تيهاء تدفنه دقاقا
أتينا ننقل الأوتار منها ... لنفض الريح غيثاً أو دفاقا
قال: ثم ارتحل وفد عاد جميعاً سوى أبي سعيد المؤمن ولقمان بن عاد حتى أتوا أرضهم ومنازلهم بالأحقاف فنظروا إليها مقلوبة مهدومة موحشة من الأهل والمال ورأوا ما نزل بقومهم من العقوبة والنكال فدعوا إلى الله فقالوا: أللهم ألحقنا بقومنا وانزل بنا ما أنزلت بهم. فأماتهم الله بصاعقة من السماء فدمرتهم، فماتوا إلى النار. فسحقاً لأصحاب السعير.
قال معاوية: وأبيك! لقد أتيت وذكرت عجباً من حديثك عن عاد
следующие страницы →