Полный текст (489 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
منوه بعد فهالا ... مؤدبي وهرير
خافت الموت فولت ... أمرها قوم الزئير
والاهيين حال ... لغبير أو حمير
يتعارين جميعاً ... سرة السر الشرور
لو رأيتم ما رأوا من ... غصة الموت السعير
يوم جرتهم شعوب ... بالفاء المستطير
وشآبيب شآبي ... ب كاهدام الكسير
إنما أهلك عاداً ... عهدها يوم الصدور
كرهوا العذر فأمسوا ... حطب النار السعير
كل يوم لهم منه ... اعذاب ذو كرور
سبعة ثم آتاهم ... ثامن بالعنقفير
فتوافوا شرك المو ... ت وصاروا للمصير
قال: فلما سمعوا قولها يا معاوية وعلموا ما انزل الله بقومهم من العذاب والعقوبة ورأى أبو سعيد مرثد بن سعد ما صنع الله له إذ نجى أهله وإذا هم غليه سالمين ازداد إيماناً ويقيناً بالله وأظهر إسلامه عند ذلك. وأنشأ يقول:
عصت عاد نبيهم فأمسوا ... عطاشا ما تبلهم السماء
لقد كفروا بربهم جهاراً ... فارقهم مع الجوع الظماء
وساروا وفدهم شهراً ليسقوا ... فحل بهم مع القحط البلاء
فقد أمسوا مثل النخل صرعى ... على آثار عاد كم العفاء
إلا قبح الإله حلوم اد ... فإن حلومهم صفر هراء
من الخير الشفاء إذا رأوه ... وما يغني التخبط والبكاء
стр. 352
فنفسي والبنون وأم ولدي ... لنفسي نبينا هود فداء
آتانا والقلوب مصممات ... على ظلم وقد أزف الضياء
على صم يقال له صمود ... يقابله صداء والبغاء
فأبصره الذين له أنابوا ... وأدك من يكذبه الشقاء
فاني سوف أنحو نحو هود ... وإخوته إذا دخل المساء
وكان لأبي سعيد أخ يقال له جنحوي بن سعج - وكان كافراً غاشاً متبعاً لعاد ولم يكن رأيه رأي أخيه وكانت له امرأة من قومه - يقال لها جفينة لها منه ابن يقال له عفير وابنة يقال لها عنجهور - فسال أبو سعيد امرأته عن أخيه وأهله فأخبرته بهلاكهم وكيف رأت الريح تفعل بهم فرق لهم عند ذلك، وأنشأ يرثيهم وهو يقول:
كأني الآن أنظر جنحويا ... عليه الريح عاصفة تدور
عليك وأنت في كربات موت ... آتاك بها مليك لا يجور
تنادي يا جفينة أين يهوى ... عفير والبنية عنجهور
فبينا ذاك إذ هبت شمال ... كما يتقاذف البحر الزخور
فأودى بالرياح وكل حي ... على الدنيا إلى الموتى يصير
بهذي الريح لم تضرر غريباً ... سوى عاد أصابهم النكير
تفرقهم بأفهار صلاب ... وتدمغهم وليس لهم نصير
وقد أمست بلادهم خلاء ... وهم فيها وما قدم المشير
كشبه النخل خاوية جناها ... كذلك فاعلموا هذا الكفور
وقد قال النبي لهم أقيموا ... على الحق المبين ولا تجوروا
فإن الجور يعطب سالكوه ... وفي الحق السلامة والسرور
وأنا لا نطيعك ما بقينا ... وأنت مكذب فينا حقير
стр. 353
فنادى فاستجاب له مليك ... عظيم لا يجار وقد يجير
فأهلكهم بما كسبوا جهاراً ... هو القهار والملك الكبير
قال معاوية: لله درك فقد جئت بالبرهان، فما فعل أبو سعيد، وما كان من هود وأصحابه؟ قال عبيد: يا معاوية، تحمل أبو سعيد بأهله وولده حتى أتى هوداً وأصحابه مؤمناً مسلماً ووجدهم على ساحل البحر مما يلي أرض عاد فأقاموا جميعاً يعبدون الله على أحسن حال. ووهب الله لأبي سعيد المال والولد حتى كان أكثر العرب مالاً وولداً في زمانه ذلك. وبلغنا يا معاوية أن عاداً الآخرة من نسله.
قال معاوية: وهل عاد غير هذه؟ قال: نعم يا معاوية. فإن أحببت أخذت في الحديث حتى آتي بحديثهم. قال: بل خذ في حديثك. قال عبيد: كان هود وأصحابه يعبدون الله حتى ماتوا وانقرضوا.
وذكر بعض أصحاب السير عن عبيد بن شرية بأمر هود. قال: أخبرني البختري عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، أن رجلاً من حضر موت جاء يسأله العلم فقال له علي ﵇: يا حضرمي أرأيت كثيباً أحمر تخلطه مدرة حمراء فيه أراك وسدر في موضع كذا وكذا من بلدك، هل رأيته قط أو تعرفه؟ قال الحضرمي: نعم والله يا أمير المؤمنين. قال علي: فإن فيه قبر النبي هود ﷺ .
стр. 354
رجع الحديث إلى عبيد بن شرية ومعاوية. قال معاوية: يا عبيد أخبرني عن وفد عاد ما فعلوا بعد هلاك قومهم؟ قال عبيد: يا معاوية. إن الوفد لما سمعوا قول هزيلة فيما أصاب قومهم أقبلوا على قيل بن عنز يعذلونه ويلومونه وقالوا: أنت شأمتنا وجررت علينا الهلاك. فقام رجل من أشرافهم - يقال له موت بن يعفر بن عرعر - وهو يقول:
لو أن عاداً أرسلت زميلاً ... أو تبعت هوداً لنالت نيلا
لجاءها الوادي يسيل سيلا ... بالماء يحيي آيله وأيلا
فضلاً من الله له وطولا ... لكن عاداً أرسلت قييلا
ويلاً لعاد ثم ويلا ويلا ... دعوت يا قيل لعاد عيلا
فصادفت دعوتك الضليلا ... فجاءت الريح تجر ذيلا
تقصد أحياناً وحيناً سبلا ... تخترم النساء والرحيلا
ولم تدع زرعاً ولا بقولا ... كلا ولا تيناً ولا نخيلا
إلا رماداً أرمد ضئيلا
وقال موت: يذكر الريح والوادي الذي جاءت منه، ومنه اهلكوا وأنشأ وهو يقول:
أفعمت حي مغيث ... من حيا صير جهدا
سمعوا في الريح صوتاً ... شبهوا ذلك رعدا
ولقد قاموا إليها ... كي يردوها مردا
أهلكت عاداً وزمرا ... وزميلاً ثم صدا
ثم مقداماً وحاراً ... ثم من بعد الاعدا
خلجاناً تركته ... مثل جذع النخل جردا
عين فابكيهم بدمع ... يخضب الخدين وردا
стр. 355
قال عبيد: ثم إنهم أقاموا بالحرم عند بكر بن معاوية وابنه ما شاءوا ومكثوا على ذلك ما شاء الله. وقد بلغني أنهم أقاموا سبع سنين، ثم أنهم تذكروا الأوطان وحنت نفوسهم إلى البلاد، فأرادوا المسير إلى بلادهم، فأقبل عليهم بكر بن معاوية وابنه وقالا: يا قوم إنا نكره لكم أن تأتوا أرضاً قد هلك فيها قومكم فترون مل تكرهون وأنتم هاهنا في حرم الله وأمنه والسعة والرحب، ولكم الأثرة في المال ما بقينا، فامكثوا. فقالوا لهما: إن النفوس قد حنت إلى الأوطان والآثار ولا بد لنا من إتيانها والنظر إليها. فأجمعوا في ذلك. فأرسلوا إلى ركابهم - وكانت في بادية لبكر من بوادي مكة - فأتوا بها سماناً حسناً فقال في ذلك حسان أبو كلهدة هذه الأبيات
وأنشأ يقول:
رعينا السرب والريان حتى ... إذا ما هاج وامتنع المذاقا
وصار كأنه أصفار نمل ... إلى تيهاء تدفنه دقاقا
أتينا ننقل الأوتار منها ... لنفض الريح غيثاً أو دفاقا
قال: ثم ارتحل وفد عاد جميعاً سوى أبي سعيد المؤمن ولقمان بن عاد حتى أتوا أرضهم ومنازلهم بالأحقاف فنظروا إليها مقلوبة مهدومة موحشة من الأهل والمال ورأوا ما نزل بقومهم من العقوبة والنكال فدعوا إلى الله فقالوا: أللهم ألحقنا بقومنا وانزل بنا ما أنزلت بهم. فأماتهم الله بصاعقة من السماء فدمرتهم، فماتوا إلى النار. فسحقاً لأصحاب السعير.
قال معاوية: وأبيك! لقد أتيت وذكرت عجباً من حديثك عن عاد
стр. 356
وقد علمت أن الشعر ديوان العرب والدليل على أحادثيها وأفعالها والحاكم بينهم في الجاهلية، وقد سمعت رسول الله ﵌ يقول ﴿إن من الشعر لحكمة﴾. قال: لقد صدقت يا معاوية، ولقد سمعت ابن عمك يذكر عن رسول الله ذلك وأخبرك يا معاوية إنه لما كان من وفد عاد ما كان، وما قد حدثتك عنه وصارت عاد ووفدها أمثالاً وأحاديث وقالت العرب فيها أشعاراً منها ما حفظنا ومنها ما لم نحفظ. قال معاوية: فهات أسمعني ما حفظت من ذلك. قال: عبيد ان أبا سعيد المؤمن من مرثد بن سعد عند هلاك القوم، قال شعراً:
عجب لعاد وأمثالها ... تحاول بالعز والمكرمات
وحالوا العيال وشدوا القاح ... بأجساد مر أنديات
فقالوا ونحن أولو قوة ... ومن ذا يخاف تبار السنات
فأضحوا وقد همدوا في الديار ... بريح من العاصفات
وأهلك عاد وأصحابه ... بوقع عواصفها المهلكات
بأيد المليك وسلطانه ... وقدرته ذل باغ وعات
وقال في ذلك العباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي وهو يعظ رجلاً من قومه - كان ظالماً لعشيرته - ويزجره عن الظلم فيها وأنشأ يقول:
أراك امرءاً في ظلم قومك جاهدا ... وما لك في ظلم العشيرة من رشد
فالا تدع ظلم العشيرة طائعا ... تلاق أمراً من بعض قومك ذا حقد
من الرجلة الساعين أو تلق فارساً ... على فرس في الخيل أدهم ذي ورد
جواد كنصل السيف أين لقيته ... فيضربك أو يطعنك طعناً على عمد
ألم تر عاداً يف فرق جمعها ... قبيل وقد ما جار عن منهج القصد
стр. 357
وقالت بنو عاد هلكنا فجهزوا ... خيارهم أهل الرفاعة والمجد
وكان أبو سعد وقيل فعوقبوا ... بلقمان أذرد الحبيب إلى الجعد
فلما أتوا عزف الجرادة اخلدوا ... ثلاثين يوماً ثم هبوا على وجد
فقيل لهم أعطيتهم فتخيروا ... مناكم ولكن لا سبيل إلى الخلد
دعاكم قبيل بالمنية ربه ... ولله قيل ذلك من وفد
وقال أضربوا رأسي ولا تتهيبوا ... تجورا من الاطواد ذي أجد صلد
فعاجله وقع الصواعق كالذي ... أراد سفاهاً والسفاهة قد تردي
وملك لقمان الحياة فردها ... إلى ناهض حرقوا أئمة نهد
وكان يحب الخلد لو حصلت له ... أفاحيص صار ليلة القطر الرعد
وقال أبو سعد الهي فأعطني ... مناي على ما كان أذهب من وجدي
فزوده براً وتقوى كلاهما ... وما كان عن وفد الوفادة من صد
وقال عباس بن مرداس أيضاُ:
ويل لقوم لقد حاولت بينهم ... في القول لو أن لهم في المجد أحلاما
إلا ثلاثة أحلام فتزجوهم ... فإن في عدم الأحلام إعداما
أني أرى الحلم محموداً عواقبه ... والجهل أفنى من الأقوام أقواما
أمست سراة بني سعد لقومهم ... حرباً وكانوا لهم من قبل أعماما
إذ لا يردون للمظلوم مظلمة ... بل يجمعون له لوماً وإسلاما
في كل يؤملنا وفد نجرهم ... من حر باحتنا طراً وأجساما
كانوا موفد بني عاد أضلهم ... قيل واتبع من هاماتهم هاما
عند الرادة تسقيهم وتسمعهم ... حتى إذا فدوا مالاً وأنعاما
قاموا فلم يجدوا من دار قومهم ... إلا مغانيها وحشاً وآراما
стр. 358
وقال في ذلك عبيد بن الأبرص الأسدي بن نعمان بن المنذر وأنشأ يقول:
يخبرني نعمان في يوم بؤسه ... خصالاً اتا في كلها الموت قد برق
كما خيرت عاد من الجو مزنة ... سحاباً وما فيها لمختارها انق
وفي ذلك يقول الأعشى بن نصير أعشى بني وائل وأنشأ يقول:
ولو كان حي خالداً ومعمراً ... لكان سليمان البريء من الدهر
براه الهي واصطفاه لخيره ... وملكه ما بين درتا إلى مصر
وسخر من جن الملائك تسعة ... قياماً عليه يعملون على أجر
فأنت الذي ألهيت قيلا بكأسه ... ولقمان إذ خيرت لقمان في العمر
فقيل أما والصار تختار في الصفا ... يكر له الابعار في ظلل القطر
فيبقى بقا أبعارها في كهوفها ... محصنة من قطر سار إذا يسري
لنفسك أن تختار سبعة أنسر ... إذا ما خلا نسر خلوت إلى نسر
فقال نسور حين ظن بأنها ... تدوم وهل بقى النسور على الدهر
وفي ذلك يقول أسد بن ربيعة الكلابي وهم القرون الأولى فأنشأ يقول:
ألم تر إلى حي عاد ... أفناهم الليل والنهار
بادوا فلما مضوا ... باد على أثرهم قدرا
وبعدهم غالت المنايا ... عاداً فلم ينجهم حذار
وأهل جو أتت عليهم ... فانتدبت عليهم وباروا
وحل بالحي من جديس ... يوم من الشر مستطار
وأهل غمدان قد أبيدوا ... بالدهر ما يجمع الخيار
فصحبتهم من الدواهي ... جائحة عقابها الدمار
ومر دهر على وبار ... فاضت لها وحشة ونار
стр. 359
يا ليت شعري فأين ليت ... وهل تدوم لي المغار
وهل يعودون بعد عسر ... على أخي شدة يسار
في ذلك يقول كريم بن معشر التغلبي لبعض قومه في جرهم:
لا تكونوا قومي أحدوثة ... كبني طسم أو الحي أرم
بعثوا قيلا ووفداً كلهم ... طائش الحلم وبئس المدعم
ولقيماً ومرثداً ذا التقى ... وسفار أوان عوف والصنم
خرجوا وفداً إلى خالتهم ... حين أبطأ عنهم غيث الديم
بعدما ردوا نبياً مرسلاً ... وتتعاطوه بتفخيم الحرم
عجلوا حرباً من الله لهم ... لم تدع خفاً ولا ذات قدم
قال معاوية: لله درك يا عبيد حدثتنا عجباً من أمر عاد فالحمد لله القادر على ما يشاء من أمره فهات يا ابن شرية فحدثني عن لقمان بن عاد صاحب النسور، وكيف كانت نسوره وكيف يناديه المنادي، وكيف كان يجيبه وما كان عمر نسوره وعمره وما قيل في ذلك من الشعر؟ قال عبيد: يا معاوية. إنه لما وقع من وفد عاد وقتل أصحابه من التشاجر فارقهم مرثد بن سعد المؤمن واعتزلهم لقمان. قال لقمان بن عوص: قال لا يا معاوية، ولكنه لقمان بن عاد بن هزيل بن همل بن صدر بن عاد بن عوص. قال: صدقت فحدثني حديثك عنه. قال: عبيد: وأنه لما
توجه لقمان مع الوفد حدثتك بحديثه وأنه اختار طول عمره فكان من دعائه حين سأل طول العمر وترك ما وفد له أن قال فيما دعا:
اللهم يا رب البحار الخضر ... والأرض ذات النبت بعد القطر
أسألك عمراً فوق كل عمر
стр. 360
فنودي أن قد أعطيت ما سألت ولا سبيل إلى الخلود فاختر إن شئت سبع بقرات من ظبيات عفر في جبل وعر لا يمسها قطر وإن شئت بقاء سبعة أنسر سحر، كلما هلك نسر أعقب نسر. فكان اختياره بقاء النسور.
النسر الأول
فبينما لقمان يدور ذات يوم في جبل أبي قبيس بمكة سمع منادياً لا يرى شخصه وهو يقول: يا لقمان بن عاد المغرور ببقاء النسور اطلع رأس ثبير ليس يعد وقدرك المقدور، فطلع رأس ثبير فإذا بوكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن فرخيهما فاختار لقمان أحد الفرخين، ثم عقد في رجله سيراً ليعرفه وسماه المصون، ثم قال: المصون الخالص المكنون من بيت المصون ومحذور السنون وغبط العيون والباقي بعد الحصون إلى آخر الدهر الخؤون.
قال معاوية: لله أنت يا عبيد كيف كان اختياره وفرقه بينهما، وهما فرخان لنسر واحد؟ قال عبيد: بلغني إنه كان ينظر إلى أعظمهما رأساً وأجلهما عظماً فلا يشك إنه الذكر منهما فيختاره، لأن الذكر أبدى وأقوى وأصلب وأحذر لأن مضغه الطير تشك. قال معاوية: فخذ في حديثك يا ابن شرية. قال عبيد: وكان لا يغفل عن إطعامه حتى تم طائراً مسخراً له يدعوه باسمه للمأكل فيجيبه حتى أدركه الكبر، فضعف فلم يطق أن يطير فبينما لقمان يطعمه لحماً قد بضعه له إذ غص ببضعة منه فخر ميتاً، فجزع لذلك جزعاً شديداً وقال هذا بلاء - وأنشأ يبكي نفسه ويقول شعراً:
موت المصون دل على أنا ... نذوق الحمام حقاً يقينا
стр. 361
أفنى الدين للناس حتى غدا ... لا يلبس المنا والمصونا
فكلانا نبكيه يوماً فلم ي ... لق رشداً اختاره بل شجونا
أنسرا تبقى كما ليس يبقى ... بعرفي الطياح تلقى كنينا
في ذرى ما أن يراه بصير ... حين مد إليه طرفاً حصينا
إن كل النفوس من خلق ربي ... للمنايا أمسى وأضحى رهينا
ضل رأيي عند اختياري واني ... خفت من حسرتي عليه جنونا
حين ألقيت تاركاً من خطامي ... كيد رشد يراه غير مبينا
فعلى رأيي ابكي وابدي ... بالغنى الردى وبالفضل دونا
النسر الثاني
وكان لقمان يومئذ بالطائف، فبينما هو يبكي نفسه، إذ سمع المنادي ينادي: يا لقمان دونك البدل رأس الجبل فوق مرعى الوعل رأس السرماج المعتزل مأمور بطاعتك كالأول. فطلع لقمان حيث وصف له المنادي فإذا بوكر سير ليعرفه، فسماه عوض، ثم قال: أنت العوض المبرأ من تلف العرض وآفات المرض وعواج الجرض وحقك علي أفضل مفترض أوديه كلما عرق نبض. وكان لقمان لا يغفل عن إطعامه حتى نهض طائراً له يدعوه باسمه فيجيبه حتى أدركه الكبر فضعف، فدعاه لقمان ذات يوم تحت شجرة ومعه اللحم قد بضعه له ليطعمه إياه، فأقبل النسر كاسراً بجوزه غصون الشجرة فخر ميتاً. فهال لقمان موته هولاً عظيماً، فأنشد يبكي نفسه ويقول:
стр. 362
أيقنت أن مايتي تلف ... أصبر للموت والردى عرضا
أرمي بسهميهما على كسر ... أعبطني عبطة المنا مرضا
ما كان لي نعشاً مرعياً عمري ... حسبته مبرم العرى نقضا
أسلو وأرجو اليأس في طمع ... ومن رجا ساطع المنا قبضا
هل عمر الباقيات إلا كمن ... عمر منها الأمر صحبتي فمضى
ما لي صبر عن المصون وقد ... عوضت من بعده عوضا
فارقهما الموت من حمامهما ... واخلفا ما رجوت فانرضا
كذاك أفنى حقاً كما فنيا ... أجرع كأساً ممزوجة عرضا
كذاك الحمام لن يصد إلى ... تكركر الحفظ بل تمخضا
تخرج نفسي من كل مدخلها ... كم هال من محنة لديه قضى
متى يكون شيء منزله ... منفضاً أو مجرعاً معضا
وكل من ظن أن مهجته ... تدوم في عيشه فقد دحضا
النسر الثالث
قال: وكان لقمان يومئذ بالسراة - فبينما لقمان يبكي نفسه تحت شجرة - إذ سمع منادياً ينادي: يا لقمان بن عاد اطلع الصفا تجد عند العرتون شرفاً تصادف فيه خلفاً وشبحاً مأموراً يطيعك منصفاً لمن تجد عنده خلفاً واسمه خلف واقبل بالحياة نصفا.
قال: فطلع لقمان رأس الجبل، فوجد وكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن فرخيهما، فاختار أحد الفرخين، وعقد في رجله سيراً ليعرفه
стр. 363
به، وسماه خلفاً، ثم قال: أنت الخلف كما وصفك من وصف احترازاً من التلف وأبقى مما قد سلف ولك عندي أفضل النصف. وكان لا يغفل عن إطعامه حتى نهض طائراً مسخراً له، يدعوه للطعام فيجيبه، حتى إذا أدركه الكبر وضعف ولم يقدر أن يطير، أخذ له لقمان قفصاً يحمله فيه حيثما توجه ويطعمه فيه - ويقال إنه يا معاوية أول من حمل طائراً في قفص - فينما لقمان في مجمع عكاظ ومعه نسره ذلك في قفصه، إذا اجتمع إليه من حضر من العرب بعكاظ وطلبوا إليه أن يريهم نسره. فبينما هم
يلبونه وينظرون إليه إذ مات النسر في أيديهم وبينهم، فاغتم لقمان لموته وجزع عليه جزعاً شديداً وانحل جسمه وقافي ذلك شعراً:
يا نفسي أبي عليه أن تجدي ... عند اختياري أن عندي لك النصفا
اخترت من هفوتي بلا حدث ... ولا احترام متى لك التلفا
عليك ابكي إذ صرت نصب الردى ... ولست ابكي بعبرتي خلفا
أيقنت أن النفوس لاحقة ... لا شك في ذا كم بمن سلفا
والموت لاشك فيه يطلبني ... وهو مدركي وملحقي قرفا
عيناي لا تبخلا بد معكما ... علي بل فاهطلا به وكفا
وأسعداني بمسيل سرب ... محدراً دانياً ولا تقفا
فمن عليه يجود دمعكما ... بعدي بإدراره وإن نزفا
واستعبرا بالدما بقاءكما ... ولا تضنا به فقد أزفا
موتي فجودا لمهبع درر ... من نهر جرت بالشيخ معترفا
ثلاثة كلهم قد كن لي حزنا ... وصيرت نفسي للردى لها هدفا
فما نجاتي من مدركي هربا ... ومن غلوب علي قد عكفا
فالقلب مني لخوف سطوته ... واحدة في الوقت قد رجفا
والخوف منه أن سوف يلحقني ... في غفلتي سادراً قد التحفا
стр. 364
وكان عمرو بن نمارة بن لخم ملكاً من ملوك العرب في ذلك الزمان - وكان قد شهد عكاظ بجنوده يوم هلك نسر لقمان بن عاد الذي سماه خلفا - وكان عمرو بن نمارة قد عرف أمر لقمان فقال في شعر له، وهو يعظ قومه يذكر لقمان بن عاد:
أنعم الرأي ليس ذو أرب ... يدعى إلا بما قد رأى
كونوا لدى الحزم والتوكل ما ... لاقاه أتى وإن فلا صبرا
أنتم كلقمان في بينكم ... أمسوا كما يمسي لم يكن صغرا
فمن رأى منكم الملوم ومن ... لاقى سروراً يقول قد ظفرا
في أمر لقمان عبرة لكم ... إذ قال نسراً يختار أو بعر
في كهف طود ولا ترى أبداً ... وطأة وأط ولا ترى مطراً
أو أنسر سبعة لها أمد ... يفنى فقال الشقي بل أنسرا
ففاته الخلد إذ تخيره ... يفنى كفاكم بذاكم عبرا
خير فاختار جاهداً تلفا ... فصار للموت والردى جزرا
من ذا إليه حوى مناه ومن ... عنه بما احتال يصرف القدرا
والخير والشر ملك مقتدر ... كلا بعز وقدرة قهرا
النسر الرابع
قال: ثم توجه لقمان يا أمير المؤمنين إلى جبل قريب منهم، فلما دنا من الجبل سمع منادياً ينادي به: يا لفمان بن عاد اطلع إلى الجبل تلق عند السهور ذي الرتب في تلة العرتون المنتصب مغيباً لم يغب من حلول موت
стр. 365
قد كتب على أهل المشرق والمغرب، فطلع لقمان ذلك الجبل حيث وصف الذي ناداه، فإذا هو بوكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن فرخيهما، فاختار أحد الفرخين وعقد في رجله سيراً ليعرفه به وسماه مغيباً، ثم قال: أنت المغيب - كما سماك من لا يكذب - عيشك معي العيش المخصب ويزاح عنك المكد المخرب وأنا عليك حدب في بقائك مرتقب، فكن أبقى ممن قد ذهب. فكان لقمان لا يغفل عن إطعامه حتى نهض طائراً له يدعوه باسمه للمأكل فيجيبه حتى إذا كبر وضعف ودعاه لقمان ذات يوم من رأس الجبل فلم يجبه، فطلع إليه فوجده ميتاً. هاله ذلك من موته هولاً شديداً ونزل به كرب عظيم فأنشأ لقمان يبكي نفسه وهو يقول:
أملت ما لا أناله أبداً ... إذ أزم الرأي نال ما طلبا
مرثد نلت العلي ونلت بلا ... أرعى نسوراً بقاؤها عزبا
أرعى نسوراً لم يرعها أحد ... قبلي كأني بذاكم نصبا
أن تقبلي وادياً فالسدر يقلعها ... كي لا يصد القرى به جدبا
أودين عنا فصرت في عمر ... رث القوى واهياً وما انتصبا
لا مغيب كاسمه فيا عتب ... بل زاد قلبي اقراحه ندبا
أورثتها بالذي كسبت وذا ... اللحوم له غبطة بما كسبا
على شقائي إذ صرت أسفاً بما ... خيرت جهلاً لا ينقضي عجبا
قد نال منه السرور والفضل في ... أسرابه والشقي قد كتبا
النسر الخامس
فبينما لقمان في تلك الحال يبكي نفسه، إذ سمع منادياً يقول: يا
стр. 366
لقمان بن عاد لك في الجبل اليسر بين منبت الشت والعرعر فوق الشاهق الأغر، فأخرجه منه واستبشر فبطاعتك قد أمر وإلى الموت يصير البشر فطلع لقمان الجبل، فإذا هو بوكر فيه بيضتان تفلقتا عن فرخين فاختار أحد الفرخين وعقد في رجله سيراً ليعرفه - وسماه ميسرة - ثم قال: أنت الميسر الباقي المحبب إليك اليسر انك النسر الباقي بقاه الدهر وكان لقمان لا يغفل عن إطعامه حتى نهض طائراً مسخراً له يدعوه باسمه فيجيبه للمأكل حتى أدرك ذاك النسر الكبر وضعف، فدعاه لقمان ذات يوم ليطعمه فأقبل نحوه كاسراً فوقع على منكبه يصيح ومعه لحمه قد بضعه له، ثم حركه لينهض فلم يطق أن يطير، فذهب لقمان فجمع له عيداناً لينحت له قفصاً يجعله فيه فوجده ميتاً. فهاله لقمان موته وجزع لذلك جزعاً شديداً كادت أن تذهب نفسه فأنشأ يقول:
دنا الموت إذ نشاب موتي شوارع ... إلي بنيران المنايا تسعر
رجوت بأن أبقى وعمر ميسر ... ففات وأودى مفرد إلى ميسر
فصرت أرجي واحداً بعد واحد ... نسور وهل تبقى على الدهر أنسر
فلا تعجبوا بالرأي بعدي فإنني ... جهدت اختياراً حين نادى المخير
فقلت ستبلى بعرة الضأن ذلة ... ولم اك فيما كان مني أفكر
وتبقى نسور سبعة كل واحد ... طيل المدى يوقى الردى ويعمر
ولو عشت أضعاف الذي عشت لم يكن ... من الموت بد ذاك حتم مقدر
وما هو آت قبل ورد حلوله ... على غفلة مني به لست أشعر
كأني على ما ينقضي من سنيننا ... وطول زمان قد مضى لست أذكر
فما قد مضى ينسى وما هو آتى ... قريب وصافي العيش قد يتكدر
стр. 367
النسر السادس
فبينما لقمان يبكي على نفسه ذات يوم، إذ سمع منادياً يقول: يا لقمان بن عاد اطلع فوق الصفا الأملس مستقبلاً مطلع الشمس تجد وقرة كالترس فيها راسخ محترس عن طاعتك لا يحتبس وستموت كل نفس. فطلع لقمان حيث وصف له المنادي، فوجد وكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن فرخيهما، فاختار أحد الفرخين، ثم علق في رجله سيراً ليعرفه وسماه أنسا، ثم قال له: أنت الأنس من روعات الدحس والدهر غير التعس وحياتك ببقاء النفس. وكان لقمان لا يعدل عن إطعامه حتى ينهض طائراً مسخراً له يدعوه باسمه إلى المأكل فيجيبه حتى كبر وضعف. فبينما لقمان سائراً من الطائف إلى مكة ومعه لحم قد بضعه له والنسر يحوم فوقه إذ دعاه لقمان باسمه فأنقض كاسراً نحوه فوقع ميتاً. فاغتم لذلك لقمان غماً شديداً واشتغل صدره وذهب عقله وبكى عند ذلك وأنشأ لقمان يبكي نفسه وهو يقول:
أمرضني سادس النسور وقد ... جدد حزناً وإن قد درسا
سميته لي لوحشتي أنسا ... أودى لعمري ولم يدم أنسا
شبهت ما قد مضى ومنزلتي ... كنبهة من مسافر نعسا
أخلف ظني وذو طمع بالخلد ... قبلي أخطاه ما حدسا
هل يبتني المبتنى بلا أسس ... الله الباني إذ بنى أسسا
ما عمر الحي غير ما نفس تنام ... إذ لا ترى له نفسا
فإن أمت قد حييت مجتنبا ... للعيب لم اجر سادراً دنسا
النسر السابع
فبينما لقمان يبكي نفسه، إذ سمع منادياً يقول: يا لقمان بن عاد لك
стр. 368
فوق الصفا الأسود حيث الشجر المتلبد خلصة بيت الرشد فرخ به وفاء الموعد مأمور بطاعتك فاصعد. فصعد لقمان رأس ذلك الجبل، فإذا هو بوكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن فرخيهما فاختار أحد الفرخين وعقد في رجله سيراً ليعرفه به وسماه لبداً وقال: أنت لبد الباقي المخلد إلى آخر الأبد عيشك معي رغد ويزاح عنك النكد ويوفق لك الرشد وعمرك لا ينفد - وكان لقمان لا يغفل عن إطعامه - حتى نهض طائراً مسخراً له يدعوه باسمه للمأكل فيجيبه حتى أدركه الكبر وضعف.
وبلغني يا أمير المؤمنين أن رجلاً من عاد الآخرة جاء إلى لقمان فقال له: يا عم ما بقي من عمرك غير هذا النسر، فقال: يا ابن أخي هذا لبد. قال معاوية: لله أنت ما اللبد؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين قد علمت أن اللبد في لغة العرب الدهر. سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: ويذكر في كتاب الله يقول ﴿أهلكت مالا لبداً﴾ يقول كثيراً. قال معاوية: صدقت فخذ في حديثك. قال عبيد: فلما دنا أجل لقمان وبلغ الميقات، أقبل ذلك النسر لبد حتى وقع على شجرة النتظب فدعاه ليطعمه من لحم قد بضعه. فأراد لبد أن ينهض فلم يطق أن يطير، فأقبل لقمان فزعاً مرعوباً حتى قام حتى وقال (انهض لبد أنت الأبد لا يقطع بي الأمد نهضاً شدد نهض الملك المجرد الحارث بن ذي شدد). قال معاوية: لله أبوك من الملك المجرد الإرث بن ذي شدد الذي يعني؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين هو الرائش ملك من ملوك حمير باليمن - فإن شئت حدثتك حديثه - قال معاوية: بن
أتم حديثك حتى أسألك عما أريد - إن شاء الله تعالى - قال عبيد: فلم يطق لبد أن ينهض وتفسخ ريشه، فهال ذلك لقمان هولاً عظيماً ووقع موته موقعاً جسيماً، فأنشأ لقمان يبكي نفسه ويقول:
стр. 369
موتي إني أموت اليوم يا لبد ... وحسرتي أن قد تصرم الأبد
فطر كما كنت سالماً لبداً ... تحيا ونحيا معاً ونحتفد
إني وإياك في تفرقنا ... سيان شقا كالروح والجسد
إن مت لم أبق إنما أجلي ... ما عشت فابق ما أن لك الرشد
ما لي سوى ما بقيت من عمري ... فليس لي من سبيلك السدد
قد هالني ما أرى وأرعبني ... أني واجد فترة كما تجد
أنكرت ظهري وركبي ويدي ... فالبطن والصدر فيهما ويد
قد غالني كلما أرى نفسي ... والموت آت إذا انقضى لبد
وإن يكن آتياً سأكرهه ... لأنه متعب للمراد يرد
يسل نفساً من المفاصل لا ... يخلف إن جل موعد لقد
ثم سقط لبد ميتاً، فجاء لقمان لينهض فاضطربت عروق ظهره وخرَّ ميتاً - وكان أمرهما هذا بمرأى من رجل من العمالقة، يقال له المثنى بن عمرو العمليق - والعمالقة يومئذ سكان السراة والحجاز كلها، وكان المثنى شاعراً حافظاً، حفظ قول لقمان وشعره وعاين كيف كان هلاك نسره فقال وهو يبكي على لقمان ويرثيه:
فنيت وأفنى الله نسلك من نسر ... هلكت وأهلكت من عاد وما تدري
فمن ذا ينجي بعد لقمان فكره ... يخلصه يا قوم من تلف الدهر
فاسنوا منكم أنفساً ببقائها ... فما لكم في الرأي في ذاك من عذر
وخيرها فاختار لم يك عالماً ... محيطاً بها إلا على الشك أو نسر
قال: ثم انطلق المثنى إلى ناس من قومه العماليق فأخبرهم بأمر لقمان
стр. 370
ونسره
فانطلقوا حتى دفنوهما، والمثنى صهر لقمان بن عاد. وبلغني إن موت لقمان كان في زمان ملك فارس.
قال معاوية: لله أنت يا عبيد! أخبرني كم كان عمره؟ قال: بلغني أن عمره كان ألف سنة وسبعمائة سنة وأربعاً وستين سنة. قال معاوية: فعمر النسور من ذلك كم؟ قال عبيد: إني سمعت ابن عمك يقول: كان عمر كل نسر مائة سنة وزيد لبد عليها نيفاً. وذكر غيره أن أعمارها كانت مختلفة، والله بالصواب أعلم. كان عمر النسور التي متع بها ألف سنة وأربعمائة ونيفاً، وكان عمر لقمان قبل النسور ثلاثمائة ونيفاً وستين سنة. قال معاوية: لا يفضض الله فاك يا عبيد، لقد حدثت بالعجائب! أخبرني هل قيل فيه شعر؟ قال: نعم يا معاوية، كان لقمان ونسوره مثلاً في العرب، فقال لبيد بن ربيعة الكلابي شعراً يقول فيه:
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالعقير الأعزل
من تحته لقمان يرجو نهضه ... ولقد رأى لقمان إنه لا يأتلي
ولقد جرى لبد فأدرك شأوه ... ريب المنون وكان غير مغفل
غلب الليالي خلف آل محرق ... وكما فعلن بتبع وبهرقل
وغلبن أبرهة الذي الفنيه ... قد كان يخلد فوق غرفة موكل
والحارث الحراب كانت دراه ... داراً أقام بها ولم يتحمل
تجري مواهبه على من نابه ... جري الفرات على قرار الجدول
وفيه يقول النابغة الذبياني حيث يقول:
أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبلد
стр. 371
قال معاوية: من أين علمت إنه آخر النسور! وكيف علم ذلك النابغة حيث قال فيه؟ قال: الخبر فيه يا أمير المؤمنين مع الأعشى قد فسر ذلك في شعره. قال معاوية: وكيف قال الأعشى؟: قال يا أمير المؤمنين في شعره الذي يقول فيه:
فلو كان حياً خالداً أو معمراً ... لكان سليمان البريء من الدهر
حتى أتى إلى آخر البيات، وقد ذكرناها في كتابنا هذا. وهذا ما كان من خبر لقمان بن عاد وخبر نسوره وطول عمره من جهة أخباره بعد نسوره، والله أعلم بالغيب.
يتلوه حديث عاد الآخرة
قال معاوية: لله أنت يا أخا جرهم، لقد ذكرت من حديثك عجباً فلله الحمد على ما قضى في خلقه، فقد سمعتك ذكرت عاد الآخرة في حديثك فهات حدثني حديثهم؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين، إنه لما هلك عاد الأولى وتوفي هود النبي ﷺ وأصحابه بقي ولد أبي سعيد المؤمن، فكثروا وانتشروا في البلاد وحدثت منهم القرون حتى كثروا وعتوا وبغوا في الأرض بغير الحق، فألقى الله شرهم بينهم وأهلك بعضهم ببعض وأفناهم الله بذلك. قال معاوية: لله أنت يا عبيد! وكيف كان ذلك؟ قال عبيد: كان منهم رجل - يقال له سالم بن هزيمة - أحد بني عفير بن لقيم سادة عاد الآخرة، فكان رأساً في قومه وفيهم العدد والقوة والثروة - وكان سالم بن هزيمة رئيسهم وصاحب أمرهم - ثم أن رجلاً من قومه إلا من غير أهل بيته هو من بني لقيم - يقال له لقمان بن
стр. 372
عاد بن عمرو بن لقيم - تزوج أخت سالم، فمكثا على ذلك دهراً طويلاً فلما أراد الله بهم ما أراد من الهلاك ألقى بين أخت سالم وبين زوجها التشاجر وكان بينهما شر كثير حتى تناولها فضربها وأساء إليها فخرجت المرأة إلى أخيها بأسوأ حال، فغضب سالم مما صنع لقمان بأخته وصرخ في قومه فاجتمعت إليه جماعة منهم، فانطلق بهم حتى أتى صهره لقمان فكلمه فيما صنع بامرأته؟ فرد عليه قولاً سيئاً، وكانت بينهما منازعة شديدة حتى ساء الحال فيما بينهما والتحمت الحرب بينهم. فاجتمعت قبائل عاد إلى بني عفير بن لقيم، قم إلى سالم بن هزيمة، واجتمعت لنو عمرو بن لقيم إلى لقمان ابن عاد والتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً، فظفر لقمان بن عاد وقومه
بسالم بن هزيمة وقومه من بني عفير وبجميع ما كان مع بني عفير من سائر فرق عاد فقتلوهم جميعاً حتى أفنوهم، ولم يتركوا منهم أحداً إلا امرأة - يقال لها صنيعة من بني عمرو بن لقيم، كانت متزوجة في ثمود رجلاً من أشرافهم فولدت له رجلين، يقال لهما الوضيع وغانم - ثم أن زوجها مات فرجعت إلى ما بقي من قومها عاد الآخرة - أهل بيت لقمان بن عاد - الذين قتلوا أهل بيتها ومعها ابناها، فأقامت معهم ما شاء الله وشب ابناها فأدركها. قال: فلما كان ذات ليلة إذ نزل بها ضيف من أصهارها من ثمود بينه وبين أبيها قرابة - يقال له حبيب بن جارية - فوثب عليه رجل من عاد - يقال له معاوية بن مرثد بن لقمان بن عاد - فقتله. فلما رأت ذلك منيعة - وكانت امرأة أنفة عارمة، غضبت لقتل ضيفها وجارها فدعت إلى ابنيها - فقالت: اذهبا إلى هذا الفاسق فقد عدا على ضيفكما وابن عمكما فقتله، وقبل ذلك فإن جده وأهل بيته قتلوا جدودي وأهل بيتي فاذهبا إليه فاقتلاه. فانطلق الغلامان حتى أتيا معاوية فقتلاه، ثم انطلقت منيعة
стр. 373
هاربة في ليلتها بابنيها ونفسها، حتى صارت إلى أختا لها من ثمود - وهم يومئذ أمنع العرب وأعزهم - فاستجارت برجل من ثمود - يقال له غنم ابن عمرو بن مبلغ - فأخبرته خبرها، وأنشأت تقول:
أتيتك يا غنم بن عمرو بن مبلغ ... بنفسي وابني الوضيع وعاديا
فررت إليكم من سفاهة معشر ... ومن قدرة تعلي علي الافاعيا
وقالوا أأهلكت ابن زيد سفاهة ... فلا صلح فينا بعد قتل معاويا
بنو حرب ولقمان بن عاد عدونا ... وقد كان لقمان زماناً رجائيا
فاخلف لقمان رجائي وذمتي ... بقتلهم جاري حبيب بن جاريا
فلا تسلمني يا بن غنم إليهم ... فتبلغ مني إن فعلت الدواهيا
فأجارها غنم بن عمرو وقام دونها، وطلبها بنو لقمان بن عاد وابنيها ليقتلوها
وابنيها، فمنعهم غنم عن ذلك هو ورهطه، وكادت أن تهيج بينهم حرب حتى أصلح بينهم ردم الطسمي - وكان يومئذ حكم العرب - فاصطلحوا ومكثوا على السلم ما شاء الله، ثم أن رجلاً من بني لقمان بن عاد قتل رجلاً من غنم بن ثمود، فنهضت عليهم ثمود وغضبوا في قتل صاحبهم غضباً شديداً فحاربوهم وأعطوا عليهم الظفر فقتلوهم جميعهم حتى أفنوهم عن وجه الأرض فلا أعلم لهم اليوم بعقب، والله أعلم. فهذا ما كان من حديث عاد الآخرة يا أمير المؤمنين وأخبارهم.
يتلوه حديث ثمود بن عابر بن أرم بن سام
ابن نوح بن ملك بن متوشلخ بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيت ابن آدم - أبي البرية ﷺ على الطيبين من ذريته الطاهرين
стр. 374
والأنبياء المنتخبين والأئمة التابعين والأولياء والأصفياء الصالحين.
قال معاوية: تبارك رب العالمين، ثم قال: حدثني عجباً منهم يا عبيد! فحدثني بحديث ثمود قوم صالح ﷺ وعن أخبارهم وكيف كان سبب هلاكهم وقصص أمورهم؟ قال عبيد: يا معاوية، لما اهلك الله عاد الأولى والآخرة وانقضى أمرهم خلفت ثمود بعدهم، وانتشروا في البلاد وملئوا الأرض وأثاروها وتكبروا وعتوا وطغوا وساروا في الأرض بغير الحق وأكثروا فيها الفساد وعبدوا الأصنام، وكانت منازلهم بالحجر - وهو وادي القرى إلى رملة فلسطين - وهو ثمانية عشر ميلاً بين الشام والحجاز. ذلك قول الله ﴿ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين﴾. وكانوا قوماً عرباً، وكان الله ﷻ قد أعطاهم فضلاً من القوة والأبدان وسعة في الأرزاق وطولاً في الأعمار، فلم يزدهم إلا طغياناً، فلما عتوهم على الله ، بعث إليهم صالحاً ﵇ وكان من أوسطهم بيتاً وأكبرهم حسباً وهو صالح بن عمرو ابن وهبة بن كماشخ بن أحقب بن الوذ بن عابر بن أرم بن سام بن نوح - فأرسله حجة عليهم، وكان بعد هود وصالح
إبراهيم خليل الله ﵇ فآتاهم صالح برسالة ربه على ما شاء بأمره، فمكث يدعوهم إلى عبادة الله وترك عبادة الأصنام ويخوفهم عذاب الله ونقمته حتى صار شيخاً كبيراً أشمط، وكان من دعائه إياهم وردهم عليه ما ذكر الله تعالى لنبيه في كتابه في آيات كثيرة. فلما ألح صالح على قومه بالدعاء لعبادة الله وترك عبادة الأصنام وحذرهم عذاب الله ونقمته لأعدائه،
стр. 375
فأخبرهم بما عنده لمن عبد الله من الفضل الكبير الدائم وبما عنده لأوليائه، فلم يتبعه إلا القليل المستضعفون في الأرض، فلما طار عليهم دعاؤهم إياهم، اجتمع إليه ذات يوم أشرافهم وذو القوة منهم وذو الرأي منهم. فقالوا: يا صالح قد أكثرت علينا الدعاء وخوفتنا العذاب وأنت بشر مثلنا وذكرت لنا ان الله أرسلك إلينا، ونحن نحب أن تأتينا بآية وترينا آية نعتبر بها ويكون ذلك مصدقا لقولك لعلنا أن نتبعك، وذلك قول الله ﴿ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين﴾. فقال لهم صالح: أين تريدون؟ قالوا: تخرج معنا في عيدنا فما سألناك من شيء أو طلبناك فعلته لنا. قال صالح: فإذا فعلت ذلك لكم وفعله لي ربي ما الذي تفعلون أنتم لربكم ولي؟ قالوا: نعبد ألهك ونؤمن به ونتبعك، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق في ذلك وتأكد عليهم أشد تأكيد. وكان لثمود عيد من كل سنة يخرجون فيه إلى بعض نزهاتهم بأوديتهم فيخرجون بالخمر والطعام والاجزار ويخرجون معهم أصنامهم التي يعبدونها من دون الله تعالى فيذبحون لها الذبائح ويقربون لها القرابين ويقيمون هناك أياماً يأكلون ويشربون ويلعبون وتضرب لهم القيان بالدفوف والمعازف ويجتمعون لذلك العيد من قراهم كلها في ذلك الموضع لذلك اليوم - وكان رأس ثمود من أشرافهم وسادتهم، يقال له جندع بن عمرو بن خراش بن الدميل بن عاد بن ثمود، وهو صاحب أمرهم والمطاع فيهم وكان معه أشراف منهم ريان بن صمغة بن خليفة بن خراش وهو كاهنهم وذؤاب بن عمرو
بن لبيد بن خراش - وهو صاحب أوثانهم والجناب وشهاب ابنا خليفة ابن عمرو ولبيد بن خراش وهو صاحب حربهم وبأسهم، وهؤلاء أهل بيت واحد ومعهم أشراف من بني غنم وعبيد بن ثمود ليسوا بدونهم في الشرف والعز، فخرجوا في عيدهم بزينتهم ولهوهم وما احتاجوا إليه من
стр. 376
صلاحهم، وخرج معهم صالح ﷺ وهو يرجو إسلامهم فأتوا مكان مجمعهم فقضوا ما كانوا يحتاجون إليه يومهم ذلك فاعتزلهم صالح في ناحية قريباً من شجرة كانت يصلي ويعبد الله فلما كان في الغد اجتمعوا إليه باجمعهم، فأتوا صالحاً فتحدثوا عنده ما شاء الله، ثم نظروا إلى صخرة عظيمة منفردة في قاع أفيح فأعجبتهم فقالوا: يا صالح إن طلبنا منك أن تخرج لنا في هذه الهضبة - يعنون الصخرة - ناقة حمراء شعراء وبراء مهبرجة، والمهبرج من الإبل: يماشي كل النجب لها ضجيج وعجيج ورغاء شديد تفور لبناً سائغاً. فإن فعلت ذلك فعلنا لك ما عاهدناك عليه وإلا علمنا أنك كاذب. وإنما سألوا صالحاً ذلك استهزاء به فظنوا إنه لا يفعل ولا يكون منه ذلك ولا يقدر عليه. ولم يكن الله ليحقر نبيه - وهو القادر على ما يشاء - فقال لهم صالح: زيدوا لهم صالح: زيدوا فأعطوني في عهودكم ومواثيقكم على ذلك. فأعطوه ما وثق به، ثم قام صالح فصلى ما شاء الله، ثم رفع رغبة إلى الله ودعاه وتضرع إليه. فسمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: فبنيما هم على ذلك - وهم يدعون أصنامهم أن تحول بين صالح وبين ذلك - وهم ينظرون ما يفعل لصالح الهه وما تفعل لهم أصنامهم إذ نظروا إلى الصخرة تتحرك وترتعد من خشية الله تعالى، ثم اضطربت فنظروها تتمخض كما تمخض المرأة للولد، ثم انصدعت وتغلقت عن ناقة عظيمة على ما سألوا ووصفوا إلا أن الله عظم خلقها على خلق كل دابة في الأرض فكانت كأنها طود عظيم رأسها كأعظم بعير، ثم أقبلت إلى جماعة القوم حتى ظنوا أنها مهلكتهم ونظروا إلى أمر عظيم
هالهم من أمر الله وعزته وقدرته. فلما رأى ذلك رئيسهم جندع بن عمرو خر لله ساجداً وسجد معه بشر كثير من عظمائهم وسفلتهم وأقر الله عين نبيه ﵇ وصدق ظنه
стр. 377
وكانت العامة من ثمود عند ذلك قد خشوا أن يموتوا تلك الساعة. فقام فيهم نفر من مشايخهم - مشائخ الكفر والضلالة - منهم: ريان بن صر - صاحب كهانتهم - والجناب بن خليفة وذؤاب - صاحب أوثانهم - فكلموا ثمود ونهوهم وزجروهم عن الإسلام. وقول الله ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾. يقول: هداهم أراهم آية عظيمة فاهتدوا وأبصروا ثم استحوذ عليهم الشيطان وأطاعوا سادتهم وكبراءهم فارتدوا إلى الكفر وهو العمى.
قال عبيد: سمعت ابن عمك يقول ذلك. قال: صدقت فخذ في حديثك. قال عبيد: وثبت جندع بن عمر رئيسهم وسيدهم على الإسلام وناس معه حتى ماتوا ﵏ وغفر لهم - وكان شهاب بن خليفة بن عمرو قد أسلم مع جندع بن عمرو، ثم رجع عن ذلك مع من رجع وارتد مع ثمود، فدعاه جندع بن عمرو إلى الإسلام فعصاه فكان ممن استحب العمى على الهدى، فخاب. وفي ذلك يقول رجل من المسلمين اسمه مهوش ابن علقمة شعراً فأنشأ يقول:
دعونا عصبة من آل عمرو ... إلى دين الإله دعوا شهابا
عزيز ثمود كلهم جميعاً ... فيأبى أن يجيب ولو أجابا
لا صبح آمناً فينا عزيزاً ... وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا
ولكن الغواة من آل حجر ... تولوا بعد رشدهم ارتيابا
قال: ومكثت الناقة في أرض ثمود بين أظهرهم ترعى الشجر وتشرب الماء، ثم أن صالحاً ﵇ خشي عليها سفهاء ثمود فزجرهم عنها وأوحى الله إليه بذلك.
قال: يا معشر ثمود ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض
стр. 378
الله ولا تمسوها
بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾. قال: ثم قسم الله الماء بينها وبينهم. وأوحى إلى صالح نبيه ونبيهم ﷺ ، فقال تعالى ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾ فقال ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ قال: فكان شربها يوماً معلوماً يقام يوم الأربعاء، فكانت ترد يوم شربها، فإذا وردت وضعت رأسها في الوادي فتستقيه حتى لا تدع قطرة. قال: فترفع رأسها فتقوم فتفجح لهم، ثم تدر فيحلبون ما شاءوا من لبن فيشربون منه ما اشتهوا حليباً ويدخرون منه ما أحبوا يتزودونه في أسقيتهم كما يتزودون الماء، فيكون لبنها لهم خلفاً من الماء، ثم تصدر من غير الموضع الذي منه وردت لا تقدر أن ترجع من حيث وردت لضيق ذلك عليها من عظمها - وسموها الهجول - وإذا كان يوم وردهم وشربوا من الماء ما شاءوا وادخروا ما شاءوا ليوم وردها، فكانوا من ذلك في سعة وفضل وحالة حسنة. وكانت الناقة إذا كان الصيف طلعت ظهر الوادي فهربت منها المواشي والدواب من البقر والغنم وغيرها من الوحوش، فهبطت منها المواشي إلى بطن الوادي في برد شديد وحر شديد وجدب ذلك. إن الدواب كانت تنفر منها وتخاف أن تتخطفها، وإذ كان الشتاء والبرد شتت في بطن الوادي ونفرت منها وارتفعت إلى ظهر الوادي في برد شديد وجدب. فاضر ذلك بمواشيهم وذلك للبلاء الذي أراده الله بهم وقدره عليهم وجعلها سبباً لهلاكهم وكانت مراعيهم ما بين حسمى إلى وادي القرى. فلما كان ذات يوم أصبحت الناقة في بطن الوادي ومعها سقب لها على مثل خلقها وهيئتها، إلا إنه لم تبلغ، فلما رآها كفار ثمود قالوا: سحر صالح الناقة حتى نتجت سقباً وكذب أعداء الله. فمكثوا على هذه الحالة حتى دنا الوقت الذي أحب الله فيه هلاكهم، فنبغت منهم
стр. 379
عجوز فاسقة ملعونة يقال لها أم غنم وهي عنيزة أم غنم بن المختار - وهي من بني عبيد بن المهل وهي العجوز الملعونة التي ابتليت بها ثمود - فكانت تحت ابن
عمرو زوجة له، وكانت ذات ماشية كثيرة من ابل وغنم وبقر فألقى الله بغض الناقة في قلبها لحال ماشيتها، وكانت لها بنات حسان منهن الرباب التي كانت أجمل نساء العرب في زمانها، وكانت لها أخت من نساء أشراف ثمود - يقال لها الصدوف ابنة المحيا بن زهير بن المحيا سيد بني زهير وصاحب كهانتهم وأوثانهم في زمانهم الأول - وكان واديهم يقال له (وادي المحيا) وكانت صدوف ذات جمال وكمال ومال كثير واسع من ابل وبقر وغنم، وكانت هي وعنيزة متواخيتين ملعونتين، وهما كانتا من السباب التي قدر الله نقمة لثمود وكانتا من اشد نساء ثمود بغضاً لصالح والناقة، وكانتا تحبان عقر الناقة لمكان ماشيتهما، وكانت صدوف تحت رجل - يقال له ضيم - قد أسلم مع صالح وحسن إسلامه، وكانت الصدوف قد فوضته في مالها كما تفوض المرأة زوجها، فكان ضيم ينفقه على من أسلم مع صالح من اتبعه يريد بذلك وجه الله. فلم يزل على ذلك حتى رق المال في يده واطلعت صدوف على إسلامه وما يفعل بالمال فشق ذلك عليها ولامته وعاتبته على فعله. فلما أكثرت عليه أظهر لها إسلامه ودعاها إلى الإسلام ورغبها فيه، فأبت عليه وأظهرت له الشناءة وانتقلت إلى أهلها وأهل بيتها بني عبيد الذي هي منهم وأخذت بنيه وبناته فبعثتهم إلى بني عمها، فقال لها زوجها ضيم: ردي علي ولدي، قالت: لا أردهم حتى أناظرك إلى ضبعان أو مبدع ابني عبيد. فقال لها: لا أناظرك إلى بني مرداس، وذلك أن بني مرداس كانوا قد سارعوا إلى
стр. 380
الإسلام وأبطأ عنه الآخرون. قالت له الفاسقة: لا أناظرك إلا إلى من دعوتك إليه. فاستعان عليها ببني مرداس فقالوا لها: والله لئن لم تدفعي إليه ولده طائعة لتدفعنهم إليه كارهة ولنقومن من دزنه. فلما رأت الفاسقة ذلك علمت إنه لا طاقة لها ولا لرهطها ببني مرداس، فدفعت إلى ضيم ولده، فذكر ضيم أمر صدوف ومعاتبتها إياه على الإسلام وعلى المال فقال في ذلك شعراً يقول فيه:
تقول كان ضيم لا منبت له ... فقلت ذو رحم منه ومن زال
إن ابن أمي أغواه وأفسده ... فأهلك المال في أسباب أخوالي
فقلت ويحك إن الله بصرني ... دين الهدى فاشتريت الدين بالمال
وقلت حسبي بدين الله أبلغه ... في آل صالح إدباري وإقبالي
قال معاوية: لله أنت يا لبيد، وما يعني بقوله هذا: قال: يا معاوية. قوله ذو رحم مني ومن زال فكان زال آخاها لأبيها وأمها وهو زال بن المحيا قد اسلم مع صالح، ثم استقام على الهدى. وقوله أغواه وأفسده تقول إن آخاها أفسده زوجها وأغواه حتى أسلم وأفسد المال وهي الغوية لعنها الله ليس هما، وأما أخوالي فهو خال صدوف وخال أخيها ذلك وكان مسلماً، وكان ممن أنفق عليه ضيم فهلك في صيحة صالح ﵇ وذلك قوله: افسد المال أسباب أخوالي، ثم أن الفاسقين لعنهما الله عنيزة وصدوف أجمع رأيهما على عقر ناقة صالح فأخذتا في المكر والحيل لأسباب الشقاء الذي حل بثمود فأتت الصدوف رجلاً من قومها - يقال له الجناب ابن خليفة من أشراف ثمود ومترفيها - فدعته إلى عقر الناقة وعرضت عليه نكاحها ومالها فأبى عليها ذلك ونزه نفسه عن طاعتها، فبعثت إلى
стр. 381
رجال ثمود وأشرافها تدعوهم إلى ذلك، فأبوا عليها حتى أتت ابن عم لها - فاسقاً فاجراً ملعوناً مقدماً على المكاره والشراب يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا - فدعته إلى عقر الناقة، ونكاحها إن فعل فأجابها إلى ذلك لما رغب فيه من جمالها وكمالها وسعة مالها، ولما كتب الله عليهم وانطلقت عنيزة الفاسقة إلى أشراف ثمود ومترفيها تدعوهم إلى عقر الناقة وتبذل مالها وابنتها الرباب لمن يفعل لها ذلك، فلم تجد أحداً يتابعها على ما طلبت حتى أتت المدينة قرح - وهي المدينة التي ذكرها الله تعالى في كتابه، فقال ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ - قال: فكلمت رجالهم حتى أتت إلى رجل
منهم يقال له - قدار بن سالف بن مليف بن جندع، وكان فاسقاً فاجراً ملعوناً جرياً على الله سبحانه وعلى المحارم والفواحش، وكان من صفته إنه كان أحمر أزرق أكسف ولد زنا - ويقال أن أمه باغية ملعونة، وكانت تفجر برجل من قومها - يقال له ضبعان بن عبيد - وكان قدار شبيهاً به، فكان قومه يقولون إنه ابنه، ولكنه ولد على فراش سالف فادعاه فالولد لضبعان والاسم لسالف وقدار هو الشقي الذي عقر الناقة وبه شقيت ثمود، وكان قدار - مع حاله هذه - مقدماً عزيزاً منيعاً في قومه.
وذكر محمد بن إسحاق في غير حديث عبيد بن شرية، قال محمد ابن إسحاق، حدثني هشام بن عروة بن الزبير في حديث زمعه بن الأسود ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى، إنه سمع رسول الله ﵌ ذات يوم يخطب الناس على المنبر فذكر الله وذكر ناقة الله التي عقرت ثمود، والذي عقرها فقال النبي ﵌: قام
стр. 382
إليها أحمر أصعر وأزرق منيع عزيز في قومه مثل زمعة بن الأسود في قومه.
رجع الحديث إلى عبيد بن شرية. قال عبيد: فكلمته عنيزة الفاسقة بعقرها وبذلت ابنتها الرباب وأي بناتها شاء، فأجابها عدوالله إلى ذلك - وكان قدار عدو الله محباً للرباب وامقاً بها، وكان قد طلبها فلم يجد ليها سبيلاً، وكانت الرباب أجمل امرأة في زمانها وأتمها - فلما ذكرتها معاً لعدو الله تاقت نفسه إليها فطاوعها، فاجتمع هو ومصدع فتكلما في ذلك، ثم ناديا في ثمود فاستغويا ناساً غواة سفهاء من سفهائهم ومترفيهم من أهل المدينة مدينة قرح فاتبعهما تسعة نفر من أشباههما فكانوا تسعة نفر، وهم الذين ذكر الله تعالى في كتابه ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾. وهم: قدار بن سالف - وهو رئيسهم في الشر - ومصدع بن مهرج، ومبلغ بن غنم - وهو خال قدار، وكان عزيزاً في قومه -
ودعيم بن حلاوة بن المهل، وذؤاب بن مهرج - أخو مصدع - وأربعة لم تحفظ أسماؤهم، وكلهم من أشراف ثمود وأعزائهم وأهل النعمة منهم - وهم الأذلة عند الله - فتتابعوا وتحالفوا على عقر الناقة، وفي حديث وهب بن منبه: أن اسم الرهط الذين تحالفوا على عقرها قدار بن سالف ومصدع بن مهرج وذؤاب بن مهرج والهزيل ابن متروك وغنم بن غنم وعفير بن كردم وعاصم بن مخرمة وسليط بن حدقة وبسيط بن نعيق.
رجع الحديث إلى عبيد، قال: فاجتمعوا في بيت الفاسقة عجوز النار
стр. 383
أم غنم وأختها الصدوف فمالتا عليهم بما شاءوا من الخمر واللحم وعمدت إلى ابنتها الرباب فزينتها وحلتها وألبستها قرفيرا وإزاراً وخماراً، وأبرزتها إليهم وأمرتها أن تبدي محاسنها. فلما رآها الفاسق قدار ذهب عقله وتاه حمله، وتبرجت الصدوف لمصدع، فهذبت بعقله - وكان ذلك يوم الأربعاء يوم ورد الناقة - وكانت الفاسقتان اعتمدتا ذلك ولم يدخرا شيئاً من الماء ليوم ورد الناقة اعتماداً منهما على ذلك. فبينا هم في أربهم ذلك إذ قل عليهم الماء لمزج الخمر، فطلبوا ماء، فلم يجدوا شيئاً، فقالتا لهم الفاسقتان: إذ لم يجدوا ماء لمزج الخمر أن عندنا خمراً كثيراً فلابد له من فراج فاطلبوا لنا الماء، فذهبت التسعة الرهاط بأسيافهم يطلبون الماء فوجدوا الناقة قد شربته جميعاً، فلم يقدروا منه على شيء، فرجعوا إلى مجلسهم، وقد جسرهم على عقر الناقة فأكد بعضهم على بعض في عقرها، وطلب قدار ومصدع من المرأتين أنفسهما، فقالتا: ما إلى ذلك سبيل حتى تريحانا من هذه الناقة التي قد أهلكت مواشينا وقطعتنا من الماء. وشاع خبر قدار وأصحابه في قومهم وما هموا به من عقر الناقة، فشق ذلك على عظماء ثمود ومشايخها ورأوا ذلك هولاً عظيماً، وعلموا أنهم لا طاقة لهم برهط قدار وأصحابه لعزهم ومنعتهم في قومهم. وبلغ ذلك صالحاً صلى الله عليه فأتى الرهط، فقال لهم ﴿هذه ناقة الله
لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾، فلم يزدهم ذلك الكلام - كلام صالح إلا عتواً ونفوراً وجرأة على عقرها - وهموا بصالح، فخرج هارباً إلى قومه. ثم أن عدو الله قدار وأصحابه جدوا في عقر الناقة فصقلوا أسيافهم وأخذ قدار معولاً فسنه، ثم تقلدوا أسلحتهم، فأخذ قدار معوله
стр. 384
وساروا يريدون الناقة في يومهم ذلك في يوم وردها، فانطلقت معهم عنيزة الفاسقة معها ابنتها قد زينتا وألبستها ثوباً معصفراً وقلدتها بدر وياقوت، وسارت معها صدوف على مثل ذلك حتى أتوا على طريق الناقة التي تصدر منها، وكمن لها قدار في أصل شجرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل شجرة. فلما صدرت الناقة من الماء وقف الرجلان عنها وجبنا عن عقرها واستعظما أمرها. فلما رأت ذلك عنيزة وعرفت حالهما أخذت دفها وجاءت بابنتها الرباب حتى وقفت على رأس قدار، وأنشأت تقول:
فدت نفسي لقدار أعز قومي ... ومفزعهم إذا المكروه نابا
به عزت ثمود فإن دعته ... ليكشف كربة عنها أجابا
وكان لها لدى الحدثان حصناً ... يذل من الأولى عز الرقابا
أطاعته ثمود فعز طرا ... وأحصنها كما أوتوا كتابا
فقدم للذي أكدت عهداً ... لعلك في المكاره أن تهابا
ولا تجبن فإن الجبن عار ... وكان أبوك يكره أن يعابا
فقد أشبهته جوداً وبأساً ... ولم تشبه صميماً ولا ذؤابا
فأنقذ من يحول الشر قومي ... فلست بمتبع فيها عقابا
وطفقت تضرب بدفها وأقبلت صدوف الفاسقة في زينتها حتى وقفت على رأس مصدع وهي تضرب بدفها وتنشد هذا الشعر:
الآن الشعر أحلو لي وطابا ... وودعنا المكاره والتبابا
ونؤتى بالذي نهوى جميعاً ... ونهدي نحو مصدعنا الشرابا
стр. 385
فنفسي قد وهبت وكل مالي ... لمصدع بالذي أهوى ثوابا
فعندي ما اشتهيت فثق بقولي ... ولا تخش لما قلنا انقلابا
فمثلك قد أراح النفس مما ... رأوا منها ينبهم عتابا
فما في ناقة عقرت عقاب ... لآل ثمود قد كانت عذابا
قال: فلما سمعا عدوا الله قول الفاسقتين ابتدرا فحمل عليهما مصدع فمرت به فرماها بسهم فانتظم بالسهم عصبة ساقها وحمل عليها قدار فضرب عرقوبيها بمعوله حتى أبانهما فهرت صريعة لها رغاء شديد، ثم طعن بالسيف في لبتها فنحرها وهرب سقبها فتعلق بجبل يقال له صنو، ولاذ بصخرة - يقال لها الكتانة - ولحقه مصدع وأخوه فامتنع منهما بالصخرة ولم يقدرا عليه وسمع الناس بعقر الناقة وبنحرها فتبادروا إليها فما كان كشيء حتى اقتسموا لحمها.
وذكر محمد بن إسحاق من غير رواية عبيد بن شرية، أنهم قد أصابوا السقب مع أمه، قال: وتبعه مصدع وأربعة نفر من الذين عقروا الناقة فرماه مصدع في لبته بسهم - وكان أرمى أهل زمانه شلت يده - فانتظم قلبه فجر برجله حتى أنزله فالقوا لحمه مع لحم أمه.
قال ابن إسحاق: فلم يسمع بأن السقب قتل إلا في الحديث واحد عن رجل لم يتابعه على هذا الحديث غيره ولم يقل في ذلك أحد من ثمود ولا من غيرها من العرب شعراً إلا رجل واحد من أصحاب صالح ﵇ ولا يمكن هذا أن يكون وإنما كانت الصيحة التي أصابتهم من صيحة السقب.
-
رجع الحديث إلى عبيد بن شرية. قال عبيد: واكب قدار وأصحابه
стр. 386
على الناقة فذبحوها وجزوا لحمها أعضاء وأتتهم عنيزة والصدوف بالخمر والقدور فنصبوها
وشووا وشربوا وأكلوا وظلوا في ذلك المكان ينعمون ويملون ويقولون الأشعار فكان ما روى لنا مما قالوا هذا الشعر:
قد أصبح صالح فرداً حقيراً ... وما يرجو بناقته نصيرا
عقرناها بأيد ثم عز ... ولم نخش لذي ثار نكيرا
وما نلقي لنا فيما فعلنا ... بها إلا الكرامة والسرورا
وأصبح لحمها فينا غريضا ... بلهوجه وطائفة وغيرا
سنطلب صالحاً ومصدقيه ... لنلحقه بناقته عقيرا
سنطلبه لنقتله فمن ذا ... يكون له وإن هرب المجيرا
فأجابه رجل آخر من المسلمين وهو يقول:
عصت بغياً ثمود رسول ربي ... أخاهم صالحاً وعصوا قديرا
على الأشياء اخرج كي يتوبوا ... لهم من صخرة الوادي بعيرا
كما سألوا نبيهم فكانوا ... لما قد عاينوا من ذلك بورا
سقاهم مثلها ماء معينا ... وأرواهم لها دراً عزيرا
فما اعتبروا بها أبداً ولكن ... طغوا وبغوا وغالوها كفوراً
وقالوا فاعقروها ثم ملئوا ... لنا من لحمها الوادي قدورا
أطاعوا مصدعاً وقدار غيا ... ورهطاً سبعة كسبوا الشرورا
فسوف ترى ثمود ومن أطاعت ... عواقب ما أتت حوباً كثيرا
وتعلم حين يأتيها عذاب ... من الجبار من ورا نكيرا
ويعلم مصدع وقدار ماذا ... يجازي إذا عصى الله الكبيرا
стр. 387
قال: وكان صالح، صلوات الله عليه - نازحاً عنهم في دار قومه لا علم له بما فعلوا بالناقة، حتى بلغه الخبر وقيل: هل علمت أن ناقة الله قد عقرت ويقسم لحمها؟ وغلت بلحمها وشحمها المراجل؟ فخرج نحوهم مسرعاً في عصبة من
قومه حتى وقف عليهم، فإذا لحم الناقة عندهم وهم يأكلون ويشربون، فقال لهم صالح أعقرتموها؟ رماكم الله بما لا طاقة لكم به من العذاب وأنتم تنظرون وشتم قومه من ثمود وأوعدهم العذاب الأليم فشتموه. فقام صالح فصلى ودعا إلى الله - وهم يسخرون منه - فأوحى الله ﵎ إلى صالح ﵇ إني قد قبلت دعاءك واني مرسل عليهم صيحة تزهق أنفسهم وتهلكهم أجمعين وذلك نازل بهم إلى ثلاثة أيام. فقال صالح: يا رب أعجل من ذلك، فقال الله ﵎: إني إذا قضيت أمراً فلا مرد له وإن وعدي غير مكذوب، ثم أقبل صالح على القوم فقال: اجترأتم على الله وانتهكتم حرمته فانتظروا نقمته واعلموا أن العذاب نازل بكم بما فعلتم، فقالوا: - وهم يستهزئون به - ومتى يكون ذلك يا صالح؟ فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، فقالوا: - وهم يسخرون منه - وما علامة ذلك يا صالح؟ فأوحى الخميس مصفرة، ثم تصبح يوم الجمعة محمرة، ثم تصبح يوم السبت وجوههم مسودة، ثم يأتيهم العذاب غداة يوم الأحد مشرقين.
يقال:، قال لهم صالح: إن علامة ذلك أن تصبح وجوهكم غداة مؤنس مصفرة، ثم تصبح في عروبة محمرة، ثم تصبح يوم شيار مسودة، ثم يأتيكم العذاب يوم أول. قال: وكانت العرب تسمي الأيام في الجاهلية الأحد يوم أول والاثنين أهون والثلاثاء جباراً والأربعاء دباراً والخميس
стр. 388
مؤنساً والجمعة عروبة والسبت شياراً، فذلك الذي عنى بهم صالح، صلوات الله عليه. فلما سمعوا قوله كذبوه واستهزئوا به وتآمروا بقتله وقالوا: هلموا فلنقتل صالحاً وأصحابه في ليلتنا هذه ونلحقه بناقته ونستريح منه فإن بك صادقاً، فقد عجلناه، وإن يك كاذباً فقد اشتفينا منه. فتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا على ذلك عليه واجمعوا على قتله. فانطلق الرهط التسعة قدار وأصحابه حين أمسوا حتى أتوا منزل صالح وهم يريدون أن يغتالوه فوجدوه
وأصحابه المؤمنين قعوداً يذكرون الله. فلما طال عليهم ذلك تآمروا فقالوا: هلموا بنا فلنقتله وأصحابه المؤمنين ولا يعلم أحد من قتلهم، فإن طلبنا أحد من أوليائهم أقسمنا لهم ما شهدنا مهلك أهله ولا لك قول الله في كتابه ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قالوا: تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾.
سمعت ابن عمك يقول ذلك يا أمير المؤمنين. ثم وثبوا ليقتحموا البيت على صالح، فبعث الله ﷻ نفراً من الملائكة معهم حجارة من نار فدمغتهم الملائكة بتلك الحجارة فقتلتهم جميعاً، فهلك قدار وأصحابه من آخر ليلتهم وأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا وأنزل بهم نقمته وقدرته قبل قومهم وما أعد لهم من العذاب في الآخرة أشد وأخزى فسحقاً لأصحاب السعير. وكان العامة من ثمود وجلهم قد رحلوا مع قدار وأصحابه بعد عقر الناقة وأكلوا لحمها ورضوا بعقرها جميعاً والتي منهم يومئذ ما لا يحصى عدده فلما أبطأ قدار وأصحابه عن قومهم انطلقوا إلى منزل صالح وأصحابه في طلبهم، فوجدوهم على بابه موتى قد رموا بحجارة، ولم يكن صالح وأصحابه علموا بشيء من قتل قدار وأصحابه ولا بمجيئهم إليهم، فأخذوا صالحاً فقالوا له: أنت فعلت هذا وقتلت أصحابنا هؤلاء قتلوا على بابك. فوثب رهط صالح دونه وقالوا: والله لا وصلتم إليه أو
стр. 389
نموت دونه عن آخرنا، وقد أخبركم أن العذاب نازل بكم إلى ثلاثة أيام فإن بك صادقاً فذاك أعز له وإن يك كاذباً أسلمناه إليكم بما جنى على نفسه من الكذب - وكان رهط صالح أعز بيت وأشرفهم في ثمود وأمنعهم وأكثر عدة وعدداً - فرضيت عنهم ثمود بذلك وتركوا صالحاً. وأوحى الله إلى صالح بأمر قدار وأصحابه الرهط، قال الله ﴿إنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ - أي بالصيحة التي تأخذهم - قال: فلما رأوا ذلك أيقنوا بالعذاب وعلموا أن صالحاً قد صدقتهم وازدادوا كفراً وطغياناً وجرأة
على الله وتعصباً لنبيه صالح واجمعوا على قتله وقتل أصحابه، وقالوا: لسنا ندعه يعيش بعدنا هو وأصحابه، وشغل عنه رهطه بما جاءهم من الأمر وبلغ صالحاً ﵇ ذلك عنهم، فهرب بنفسه حتى أتى بطناً من ثمود - يقال لهم غنم بن مبلغ، وكانوا أعز بطن في ثمود وأمنعهم منزلاً، رئيسهم وسيدهم نفيل، وكان مشركاً وكان يكنى بأبي هدب، وهو نفيل بن عمرو بن غنم بن مبلغ وكان هو وقومه مشركين فلجأ إليهم صالح وتحرم بأبي خهدب فآواه وأجاره ومنعه وخفي على المشركين أمر صالح، فلم يقدروا عليه، ولم يعلم به احد، فأخذوا أناساً من أصحابه فعذبوهم أشد العذاب وعرضوهم على القتل ليدلوهم عليه، فقتلوا منهم نفراً - رحمهم الله تعالى - فلما رأى ذلك رجل من المؤمنين - يقال له مبدع ابن هرم الشاعر - انطلق حتى أتى صالحاً، فأخبره الخبر وقال له: قد قتلوا منا نفراً وقد خشيت أن يقتل أضعافنا وأحداثنا حتى يدلوهم عليك، فما ترى يا نبي الله؟ قال صالح: دلوهم علي ولا حرج. قال: نحن بحل من ذلك. قال: نعم لا جناح عليكم - غفر الله لكم - فرجع مبدع فأخذه المشركون وقالوا: دلنا على صالح وإلا قتلناك وأصحابك، فأشأ مبدع
стр. 390
يقول:
فإن يك صالح أمسى مقيماً ... ببلدتكم فلن يعدو نفيلا
وإن يك صالح في آل غنم ... فلم تجدوا إلى غنم سبيلا
بنو غنم سراة ثمود طرا ... وإن كانت بنو غنم قليلا
وظني أن يمنعه رجال ... بضرب يترك الأعناق ميلا
أبو هدب وأخوان لهدب ... إذا فزعوا رأيت لهم خيولا
مجردة لدى الهيجاء بلقا ... تجاوب بعضها بعضاً صهيلا
أخافوا صالحاً لما دعاهم ... فظلوا حول حجرته حلولا
وأشياع هنالك من شباب ... وأشياخ تخليهم فلولا
وقالوا لن تخاف وأنت فينا ... كفاك برغمنا فينا كفيلا
فلا تخش التجبر يا آل قومي ... كفى لكم بذلكم دليلا
فلما سمعوا قوله هذا وعلموا مكان صالح حيث هو كفوا عن المسلمين وانطلقوا بأجمعهم حتى أتوا أبا هدب وقومه فكلموه في صالح. فقال لهم أبو هدب: هو عندي وقد أجرته وآويته فلا سبيل لكم إليه. فقالوا: أتتبع دينه وتترك ديننا؟ قال: لا، ولكن قد أجرته ولن تخفروني في جواري، فتركوه وانصرفوا عنه، وشغلهم ما نزل بهم من العذاب وجعل بعضهم يخبر بعضاً بما يرون في وجوههم من التغير، ثم أصبحوا ووجوههم يوم الخميس مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة. فلما كان ليلة الأحد، خرج صالح من بين أظهرهم ومن معه من المسلمين إلى الشام فنزل إلى رملة فلسطين، وتخلف رجل من أصحاب صالح، صلوات الله عليه يقال له
следующие страницы →