← Баляга

Баляга · id 37475

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (274 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذلك: أن ثم فلتات غير أنها لا تذاع، وليس المراد ذلك، بل المراد إنه لم يكن ثم فلتات أصلاً، فتذاع، وهذا من أعجب ما وقفت عليه في علم البيان وأطرافه. وأما ما ورد عن العرب في هذا الباب، فنحو قول الشاعر: (ولا ترى الضبَّ بها ينجحر). فإن ظاهر المعنى من ذلك يعطي إنه قد كان هناك ضب إلا إنه غير منجحر، وليس كذلك بل المعنى المقصود، هو إنه لم يكن هناك ضب أصلاً فينجحر. فاعرف هذا، وقس عليه. وله أشباه كثيرة في كلامهم وأشعارهم، وفيما أشرنا إليه كفاية، لمن له لب ومعرفة. القسم الرابع من النوع الثالث في الحمل على المعنى وذلك كتأنيث المذكر وتذكير المؤنث وتصوب معنى الواحد للجماعة، والجماعة للواحد، وحمل الثاني على لفظ الأول، أصلاً كان ذلك اللفظ أو فرعاً، وغير ذلك. اعلم أن هذا القسم من التأليف دقيق المسلك، بعيد المذهب، يحتاج إلى فضل معاودة وزيادة تأمل، وقد ورد في القرآن الكريم، وفصيح الكلام منثوراً ومنظوماً. فأما تأنيث المذكر فكقول الشاعر: أتهجر بيتاً بالحجاز تلفتْ ... به الخوف والأعداء من كل جانب ذهب بالخوف إلى المخافة، وقال الآخر: يا أيها الراكب المُزجِيْ مطيَّتَهُ ... سائل بني أسد ما هذه الصوت

стр. 107

فإنه ذهب بالصوت إلى الاستغاثة، واعلم إنه قد كثير عن العرب تأثيث فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أو به، ولذلك قرئ قوله تعالى (لا تَنْفَعُ نَفْساً إيمانها) بالتأنيث فأنث فعل الإيمان إذ كان من النفس وبها. وأمثال ذلك كثيرة فاعرفه. وأما تذكير المؤنث فشائع في كلام العرب كقوله تعالى (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي) أي هذا الشخص أو هذا المرئيّ. وكذلك قوله - عز اسمه - (فمن جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى) لأن الوعظ والموعظة واحدة، وقالوا في قوله تعالى (إنّ رحمة الله قريب من المحسنين) إنه أريد بالرحمة هاهنا المطر، بدليل قوله تعالى (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته). وأما حمل الواحد على الجماعة، فكقولهم: (هو أحسن الفتيان وأجمله) لأن هذا الموضع يكثر فيه الواحد كقولهم (هو أحسن فتى في الناس) قال الله تعالى (ومن الشياطين من يغوصون له) فحمل على المعنى وقال ذو الرمّة: ومية أجمل الثقلين وجهاً ... وسالفة وأحسنه قذالا فأفرد الضمير، مع قدرته على جمعه، وهذا يدلك على قوة اعتقادهم في أحوال المواضع، وكيف ما يقع فيها. ألا ترى أن هذا الموضع موضع جمع، وقد سبق في الأول لفظ الجمع فترك اللفظ، وموجب الموضع وعدل إلى الإفراد من غير ضرورة، فإنه قد كان يمكنه أن يقول: وميّة أجمل الثقلين وجهاً ... وسالفة وأحسنهم قذالا ومن هذا النحو قول بعظهم: فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الأحن الصدورُ فيجوز أن يكون ذلك جمع أخ قد حذفت نونه للإضافة، ويجوز أن يكون واحداً ووقع

стр. 108

موقع الجماعة، كقول الشاعر: (ترى جوانبها بالشحم مفتونا) والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة. وأعلم أن العرب إذا حملت على المعنى، لم تكد تراجع اللفظ، كقولك: (شكرت من أحسنوا إلي على فعله) ويقال: (شابت مفارقه) وإنما هو مفرق واحد. ومما يؤكد عندك أن العرب إذا حملت على المعنى لم تراجع اللفظ، قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله المُلكَ إذ قال إبراهيم: ربّي الذي يُحْيي ويميت. قال: أنا أُحيي وأُميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) ثم قال: (أو كالذي مَرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها) الآية فإن ذلك محمول على المعنى، كأنه قال: أرأيت الذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية فجاء بالثاني على أن الأول قد سبق كذلك، وأمثال هذا كثيرة. وأما حمل الجماعة على الواحدة، فكقوله تعالى (بلى من أسلم وجهه لله، وهو مُحسن، فله أجره عند ربِّه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فحمل أول الكلام على لفظ الواحد، وآخره على لفظ الجمع. واعلم أن العرب تعتبر تارة اللفظ، وتارة المعنى، يقولون: (ثلاثة أشخص) فيثبتون التاء وإن عنواً مؤنثاً، ويقولون: (ثلاث أنفس) وإن عنوا رجالاً، لأجل اللفظ. ويقولون: (ثلاث شخوص) إذا عنو مؤنثاً، (وثلاثة أنفس) إذا عنوا مذكراً للمعنى فاعرف ذلك وقس عليه. القسم الخامس من النوع الثالث في التقديم والتأخير وذلك مما يتعلق بعلم النحو، فإن لنا تقديماً وتأخيراً في الكلام، ولا يتعلق بالنحو، وليس

стр. 109

هذا بابه، وسيأتي ذكره. اعلم إن التقديم والتأخير مما نحن يصدد ذكره هاهنا على ضربين؛ أحدهما يكون التقديم هو الأولى والأبلغ لموضع الاختصاص، والآخر يكون التأخير هو الأولى والأبلغ؛ إما الفائدة تقتضي ذلك، وإما خوفاً من فساد المعنى واختلاله. وسيرد كل ضرب من هذه الضروب، مشروحاً مبينا. وإما الضرب الأول وهو ما كان التقديم فيه هو الأولى والأبلغ فذلك كتقديم المفعول على الفعل، وتقديم المبتدأ عل الخير، وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء على العامل. فمن ذلك تقديم المفعول على الفعل، وإنما تعمد إلى ذلك قصداً للاختصاص، ألا ترى قولك (زيداً ضربت) تخصيصاً له بالضرب، إذ يحتمل أن يكون الضرب لغيره؛ لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت كأن تقول (ضربت خالدا أو بكرا أو غيرهما) وإذا أخرته، لزم الاختصاص للمفعول. وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. فإنه إنما قدم المفعول، الذي هو الرزق، على الفعل الذي هو ينفقون؛ لأن الإنسان قد ينفق ما ليس له. فلو قدم الفعل هاهنا على المفعول، لسبق إلى الوهم قبل ذكر المنفق جواز كونه مما ليس له، ومع تأخيره يزول هذا الوهم، ويرتفع ذلك اللبس. ومن هذا النحو، قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) فإن قوله: (إياك نعبد) تخصيص له بالعبادة، دون غيره، وكذا قوله: (إياك نستعين) وهذا بخلاف ما لو قال (نعبدك ونستعينك) فإنه يحتمل أن تكون العبادة والاستعانة لغيره كما أشرنا إليه، في (زيداً ضربت) و (ضربت زيداً) فأعرف ذلك. وأما تقدير خبر المبتدأ عليه، فإنه لا يعمد إليه أيضاً إلا لضرب من الاختصاص، كقولك: (زيد قائم) و (قائم زيد) فقولك (قائم زيد) قد أثبت له القيام لا محالة، وقولك: (زيد

стр. 110

قائم) أنت بالخيار في إثبات القيام له أو نفيه عنه، بأن تقول: ضارب أو قاعد أو جالس أو غير ذلك. ومن هذا النحو قوله تعالى (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) الآية. فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: (وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم) لأن في تقديم الخبر الذي هو مانعتهم، على المبتدأ؛ الذي هو حصونهم، دليلاً على فرط اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسماً لأن، وإسناد الجملة إليهن دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة وامتناع، لا يبالي معها أحد يتعرض طامع أو قصد قاصد. وليس شيء من ذلك في قولك: (وظنوا أن حصونهم ما نعتهم أو تمنعهم). ومن تقديم خير المبتدأ عليه قوله تعالى: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) فإنه إنما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله: (أراغب أنت عن آلهتي) لأنه كان أهم عنده، وهو به شديد العناية، وفي ذلك ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم ﵇ عن آلهته، وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها. وهذا بخلاف ما لو قال: (أأنت راغب عن آلهتي). وقد سبق الكلام على ذلك فاعرفه. فأما الظرف فاعلم إنه كان الكلام مقصوداً به الإثبات، فإن تقديم الظرف فيه أبلغ من تأخيره. وفائدته إسناد الكلام الواقع بعده، إلى صاحب الظرف دون غيره وإذا أريد بالكلام النفي فيحسن فيه تقديم الظرف وتأخيره؛ وكلام الأمرين له موضع يختص به؛ فأما تقديمه في النقي؛ فإنه يقصد به تفضيل المنفي عنه على غيره. وأما تأخيره؛ فإنه يقصد به النفي أصلا من غير تفضيل. وسيأتي بيان ذلك عند ذكر الأمثلة الدالة عليه. فأما الأول؛ وهو تقديم الظرف في الإثبات فنحو قوله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم وإن علينا حسابهم) فتقديم الظرف على المصدر، وهاهنا تشديد في الوعيد، لا يكون عند

стр. 111

تأخيره؛ لأنه يعطي من المعنى أن إيابهم ليس إلا إلى الله، المقتدر على الانتقام. وأن حسابهم ليس إلا عليه، وذلك بخلاف ما لو قال: (إن إيابهم إلينا ثم إن حسابهم علينا) لأن قوله (إن إلينا إيابهم) لا يحتمل أن يكون الإياب فيه إلى غير الله؛ لأنه صدر الكلام بالظرف، وإذا قال (إن إيابهم إلينا) يحتمل أن يظن المخاطب عند سماعه (إن إيابهم) قبل قوله (إلينا) أن يكون الإياب إلى غيره. ومن هذا الجنس قوله تعالى (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) فإن الله قدم الظرفين في قوله (له الملك وله الحمد) ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك والحمد بالله لا يغيره، وكذا جاء قوله تعالى (من كفر فعليه كفره). . فإن تقديم الظرف هاهنا، أشد موقعاً من تأخيره، وأفخم شأناً؛ وذلك للدلالة على أن ضرر الكفر، لا يعود إلا على الكافر، وأنه لا يتعداه. وهذا لا يخفى على من له معرفة بعلم البيان. وأما الثاني؛ وهو تأخير الظرف وتقديمه في النحو، فنحو قوله تعالى: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) فإنه إنما أخر الظرف هاهنا لأن القصد في إبلاء حرف النفي الريب (الدلالة) على نفي الريب عنه، وإثبات إنه حق وصدق لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدعونه. ولو أولاه الظرف، لقصد أن كتاباً آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله تعالى: (لا فيها غول) وذلك تفضيل لخمر الجنة على خمور الدنيا؛ بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها الدنيوية؛ كأنه قال (ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة). فتأخير الظرف في قوله تعالى (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) يقتضي النفي أصلا من غير تفضيل، وتقديم الظرف في قوله تعالى (لا فيها غول) يقتضي تفضيل المنفي عنه، وهو خمر الجنة، على غيرها من خمور الدنيا. وهذا مثل قولنا (لا عيب في الدار) وقولنا (لا فيها

стр. 112

عيب) والأول؛ قصدنا به أن ننفي عن الدار أن فيها عيباً أصلا، ونثبت أنها خالية من العيوب. والثاني، قصدنا به أن ليس فيها ما في غيرها من العيب فاعرف ذلك، وقس عليه، فإنه من دقائق علم البيان. وأما تقديم الحال فنحو (جاء راكباً زيد) وإنما يفعل ذلك لضرب من الاختصاص أيضاً. وهذا بخلاف قولك (جاء زيد راكباً) إذ يحتمل أن نقول: ضاحكا أو ماشياً وغير ذلك. وأما الاستثناء فجار هذا المجرى، نحو قولك: (ما قام إلا زيداً أحد) وكما قام أحد إلا زيداً، والكلام على ذلك كالكلام على ما سبق. فاعرفه. وأما الضرب الثاني فهو أن يقدم ما الأولى به التأخير، لأن المعنى يختل بذلك ويضطرب، كتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على الموصوف، وتقديم الصلة على الموصول، وتقديم العطف على المعطوف عليه، سواءً كان بياناً أو نسقاً، إلا عطف النسق في الواو وحده، فإنه جائز، نحو قولك (قام عمرو وزيد) وغير ذلك مما برد مشروحاً. فمن هذا الضرب قول بعضهم: فقد والشكُّ بَيّنَ لي عناءً ... بوشك فراقهم صُرد يصيح فإنه قدم (بوشك فراقهم) وهو معمول (يصيح) ويصيح صفة لصرد جارية على صرد، وذلك قبيح، ألا ترى إنه لا يجوز أن يقال (هذا اليوم رجل ورد من موضع كذا) وإنما يجوز وقوع المعمول، بحيث يجوز وقوع العامل، فكما لا يجوز تقديم الصفة على موصوفها، كذلك لا يجوز تقديم ما اتصل بها على موصوفها. ومن هذا النوع، قول الآخر: فأصبحت بعد خطّ بَهجتِها، ... كأنَّ قفراً رسومها قَلَما

стр. 113

فإنه قدم خبر كان عليها وهو قوله (خط) وهذا وأمثاله مما لا يجوز قياس عليه، والأصل في هذا البيت (فأصبحت بعد مهمتها قفراً كأن قلما خط رسومها) إلا إنه على تلك الحالة الأولى مختل مضطرب. ويشبه بذلك قول الفرزدق: إلى ملك ما أمُّهُ من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره وهو يريد (إلى ملك أبوه ما أمه من محارب) أي ما أم أبيه من محارب، وهذا أقبح من الأول واكثر اختلالاً. وأما قوله: وليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفاً أميرها فحديثه طريف، وذلك إنه فيما ذكر يمدح خالد بن عبد الله القسري. ويهجو أسداً؛ وكان أسد وليها بعد خالد، وكأنه قال: (وليست خراسان البلدة التي كان خالدٌ بها سيفاً إذ كان أسد أميرها) وعلى هذا التقدير ففي (كان) الثانية ضمير الشأن، والحديث والجملة بعدها خبر عنها، وقد قدم بعض ما إذ مضافة إليه، وهو أسد، عليها، وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به، وأيضاً فإن في أصله أسداً أحد جزئي الجملة المفسرة للضمير: والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده، ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير، ولما سماه الكوفيون المظهر المجهول. ومن هذا الجنس قوله: ملوك يبتنون توارثوها ... سرادقها المقاود والقبابا أراد (ملوك يبتنون المقاود والقباب توارثوها سرادقها) فقوله (يبتنون المقاود

стр. 114

والقباب) صفة للملوك أيضاً وموضعها التأخير، فقدمها، وهو يريد بها موضعها، كقولك (مررت برجل، يكلمها، مار بهند) أي (مار بهند يكلمها) فقدم الصفة الثانية، وهو معتقد تأخيرها. وقد استعمل الفرزدق هذا الضرب كثيراً، كأنه كان يقصد ذلك في شعره ويتعمده، لأن مثل هذا لا يجيء إلا متكلفاً مقصوداً، وإلا فإذا ترك المؤلف نفسه تجري على سجيتها وطبعها في الاسترسال، من غير أن يكلفا التعقيد في الكلام، فإنها لا تأتي بمثل هذه الأسباب القبيحة، التي هي عيب في التأليف فاحش، ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا الضرب المذكور، لأن المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح، والإبانة وإفهام المعنى، فإذا ذهب هذا الوصف من الكلام ذهب المراد به والمقصود منه، وصار غير مفهوم ولا فرق بينه - عند ذلك - وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما. فاعرف ذلك. واعلم أن من التقديم والتأخير باباً عجيباً المأخذ، كثير الفائدة، وافر اللطائف، وهو باب الاستفهام، فإن حاجة المؤلف الكلام إليه ماسة. ولنورد في كتابنا هذا منه ما يروقك، أيها المتأمل، ويذهب بك في الاستحسان كل مذهب، فنقول: اعلم أنك إذا بدأت في الاستفهام بالفعل فقلت (أفعلت كذا وكذا) كان الشك في الفعل، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده لا غير. وإذا قلت: (أأنت فعلت) فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل وحده. وهذا المعنى قائم في الهمزة، إذ هي كانت للتقرير، فإذا قلت (أأنت فعلت ذاك) كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل، قال الله تعالى (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) حكاية عن قوم نمرود، لأنهم لم يقولوا ذلك لإبراهيم ﵇ وغرضهم أن يقر لهم أن كسر الأصنام كان ووجد، لأن ذلك معلوم عندهم، وقد شاهدوه رأي العين، والاستفهام إنما يكون عن شيء لا يعلم وإنما غرضهم الإقرار بأن ذلك حدث منه، لأنه قال - صلوات الله عليه - في الجواب لهم (بل فعله كبيرهم هذا) ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب (فعلت أو لم أفعل) فالهمزة مما ذكرناه تقرير لفعل قد كان وإنكار له، لم كان، وتوبيخ لفاعله عليه، ولهذا مذهب آخر

стр. 115

وهو أن تكون الهمزة لإنكار أن يكون الفعل من أصله، ومثاله قوله تعالى (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً). وقوله تعالى (أصطفى البنات على البنين مالكم كيف تحكمون). فهذا رد على المشركين، وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم، وإذا قدم الاسم في هذا صار من الإنكار في الفاعل، كما تقول للرجل إذا انتحل شعراً (أأنت قلت هذا الشعر، كذبت، لست ممن يقول مثله) فأنكرت أن يكون هولا القائل ولم تنكر الشعر. وقد يكون المراد إنكار الفعل من أصله ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل مثال ذلك قوله تعالى (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً). ومعلوم أن المعنى على إنكار إنه قد كان من الله إذن فيما قالوا من غير أن يكون هذا الأذن قد كان من غير الله، فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه ليكون أشد لنفي ذلك ولفظا له. ونظيره قوله تعالى (آالذكرين حرم أم الأنثيين) فأخرج اللفظ مخرجه إذ كان قد ثبت تحريم في أحد أشياء ثم أريد معرفة عين المحرم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله، ونفي أن يكون قد حرم شيئاً مما ذكروا أنه محرم. هذا هو الفرق بين تقديم الاسم، وتقديم الفعل الماضي، فإذا كان الفعل مضارعاً فالقول في ذلك أنك إذا قلت (أنفعل كذا) لم يخل من أن تزيد الحال أو الاستقبال، فإن أردت الحال كان المعنى شبيهاً بالماضي، كما ذكرنا، وان أردت الاستقبال كان المعنى إذا بدأت بالفعل أنك تعمد إلى إنكار الفعل نفسه، وتزعم إنه لا يكون، أو إنه لا ينبغي أن يكون. فمثال الأول قول امرئ القيس:

стр. 116

أيقتلني والمشرفيُّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ فهذا تكذيب منه لإنسان يهدده بالقتل. وعلى هذا جاء قوله تعالى (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون). ومثال الثاني قولك للرجل يركب الخطر (أنخرج في هذا الوقت؟ أتغرر بنفسك)؟ ومنه قول الشاعر: أأترك أن قلت دراهم خالد ... زيارته إني إذا للئيمُ؟ فإن بدأت بالاسم فقلت (أأنت تفعل) أو قلت (أهو يفعل) كنت موجها للإنكار إلى نفس المذكور وأبيت أن يكون بمثابة من يجيء منه الفعل، إما لقصور همته وعجزه، مع أن يكون ذلك في وسعه، وإما لارتفاع قدره، وعلو همته. فمثال الأول قولك: أهو يرتاح للجميل، هو أصغر همة من ذلك وقولك (أأنت تمنعني، أأنت تأخذ على يدي) تعني أنك أعجز من ذلك، ومثال الثاني قولك (أهو يسأل فلاناً هو أرفع قدراً من ذلك). وأعلم أن محض المعنى من الاستفهام، الذي تفسره بالإنكار هو تنبيه للسامع، حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع، قال الله تعالى (أفأنت تسمع مع الصم أو تهدي العمي) على سبيل التمثيل والتشبيه، كقولهم (أأنت تصعد إلى السماء) لأن أسماع الصم مما لا يدعيه أحد، وكذلك الصعود إلى السماء. ومثله قول بعضهم: فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟

стр. 117

وأعلم أن حال المفعول فيما ذكرناه حال الفعال في أن تقديم اسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون بمثابة من يوقع به ذلك الفعل، فإذا قلت (أزيداً تضرب) أنكرت أن يكون بمنزلة من يجترأ عليه، ولذلك قدمت (غير) في قوله تعالى (أغير الله أتخذ ولياً) وقوله تعالى (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون). وكان لذلك من المزية والحسن والفخامة ما يعلم إنه لو أخرت (غير) فقيل (أأتخذ غير الله ولياً، أو تدعون غير الله) لما كان مؤدياً من المعنى ما كان يؤديه مع تقدمها، وذلك إنه حصل بالتقدير معنى قولك (أيكون غير الله بمنزلة من يتخذ ولياً أو يرضى عاقل لنفسه أن يفعل ذلك) و (أيكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك) ولا يكون شيء من هذا الذي ذكرناه إذا قيل (أأتخذ غير الله وليا) وذلك لأنه يتناول الفعل أن يكون فقط، ولا يزيد على ذلك شيئاً، فهذا هو القول في الضرب الأول. وأما الضرب الثاني: وهو أن يكون يفعل لفعل موجود، فإن تقديم الاسم يقتضي تشبيهاً بما اقتضاه في الفعل الماضي، من الإقرار بأنه الفاعل، أو الإنكار أن يكون هو الفاعل. فمثال الأول قوله تعالى (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وقوله تعالى (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) فحكم المضارع في الآية الأولى حكم الماضي في الآية الثانية، ومثال الثاني قوله تعالى (أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم) فافهم ذلك. وأعلم أني قد أطلقت عنان الكلام في مسائل الاستفهام ليتبين أن للعربية أسراراً لا يطلع على خباياها، ولا

стр. 118

يقدر قدر مزاياها إلا من تغذي بليان البلاغة طفلا ونشاً عليها كبيراً وصغيراً، وسلك مناهج هذا العلم، وفاز منه بأوفر الحظ والقسم. ولا يتسع لهذا الضرب من التأليف نطاق هذه الأوراق ولا يمكن أن يودع ما فيه من اللطائف، صفحات ما حررناه من هذه الصحائف، والذي عليه مدار المعول، فيما نورده من المجمل والمفصل، هو البحث عن أسرار البلاغة، والإبانة عن الشيء الذي به يشرف الكلام، وتحصل له المزية على سواه، فتدير ذلك وقس عليه. القسم السادس من النوع الثالث في الاعتراض وهو شعبة من (علم البيان) تتكاثر محاسنها اعلم أن الجائز من هذا القسم. وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب النحو، فإنه يكون مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يجوز استعماله، وكالاعتراض بين المضاف والمضاف إليه، وبين إن واسمها، وبين حرف الجر ومجروره، وأمثال ذلك مما يقبح استعماله، وليس هذا مكانه لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ذلك وغيره، مما أشرنا إليه في صدر الكتاب، وإن ما أشرنا إليه هاهنا من الاعتراض ما يفرق المؤلف به بين الجيد منه والرديء لا ما يعلم به الجائز، وغير الجائز، فاعرف ذلك. واعلم أن الاعتراض ينقسم إلى قسمين: أحدهما لا يأتي في الكلام إلا لفائدة، وهو جار مجرى التوكيد في كلام العرب، والآخر يأتي في الكلام لفائدة. فما جاء منه قوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) هذا كلام فيه اعتراضان أحدهما (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) لأنه اعتراض بين القسم، الذي هو (فلا أقسم بمواقع النجوم) وبين جوابه الذي هو (إنه لقرآن كريم) وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر، بين الموصوف الذي هو (قسم) وبين صفته التي هي (عظيم) وهو قوله تعالى (لو تعلمون) فذانك اعتراضان كما ترى، فلو جاء الكلام، غير معترض فيه،

стр. 119

لوجب أن يكون (فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم) وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هو تعظيم لشأن المقسم به، في نفس السابع، ألا ترى قوله تعالى (لو تعلمون) اعتراضاً بين الموصوف والصفة، وذلك أوقع في الأنفس، لتعظيم المقسم به، أي إنه من عظيم الشأن وفخامة الأمر بحيث لو علم ذلك لو في حقه من التعظيم. وهذا مثل قولنا (إن هذا الأمر لعظيم، بحيث لو تعلم يا فلان عظمه، لقدرته حق قدره). فإن ذلك يكبر في نفس المخاطب، ويعظم موقعه عنده، ويبقى متطلعاً إلى معرفة عظمه، ويترامى به وهمه إلى أعلى المنازل وأسبق الرتب. ومن هذا النحو قوله تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن. وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير) ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي طبق مفصل البلاغة، فإنه لم يؤت به إلا لفائدة كبيرة، وذلك إنه لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق والمتاعب، في حمل الولد وفضاله، إيجاباً للتوصية بالوالدة وتذكيراً بحقها، وإنما خصها بالذكر دون الوالد، لأنها تتكلف من أمر الولد ما لا يتكلفه الوالد، ومن ثم قال رسول الله ﷺ لمن قال له (من أبر): أمك ثم أمك. ثم قال بعد ذلك (أباك). ومما جاء على هذا الأسلوب قوله تعالى (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) فقوله تعالى (والله مخرج ما كنتم تكتمون) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته إنه يقرر في أنفس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعاً لهم في إخفائه وكتمانه، لأن الله مظهر لذلك ومخرج له، ولو جاء الكلام خالياً من هذا الاعتراض لكان (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها) ولا يخفى على العارف بهذه الصناعة الفرق بين ذلك وبين كونه معترضاً فيه،

стр. 120

ومن هذا الجنس قول النابغة: لعمري وما عمري عليَّ بهيّن ... لقد نطقت بطلاً عليّ الأفارعُ فقوله (وما عمري علي بهين) من محمود الاعتراض ونادره، لما فيه من تفخيم المقسم به. وعلى نحو هذا جاء قول كثير: لو أنّ الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا فقوله (وأنت منهم) من الاعتراض الذي يؤكد به المعنى المقصود فيزداد به مزية ونبلاً وفائدته هاهنا التصريح بما هو المراد تبينه في الأنفس وتقرره في الأذهان، وقال بعضهم لعبد الله ابن طاهر أحسن ما قيل في هذا الباب: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وأمثال هذا كثيرة. فاعرفه. وأما الثاني وهو الذي في يأتي في الكلام لغير فائدة فهو ضربان: الأول أن يكون دخوله في التأليف كخروجه منه، لا يؤثر حسناً ولا قبيحاً، فمن ذلك قول النابغة: يقول رجال يجهلون خليقتي ... لعل زياداً لا أبا لك غافل فقوله (لا أبا لك) اعتراض لا فائدة فيه، وليس (يؤثر) في هذا البيت حسناً ولا قبحاً، ومثله قول زهير: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم وكذلك قول بعض المحدثين: صدودكم والديار دانية ... أهدى لرأسي ومفرقي شيباً فذكر المفرق بعد الرأس بما لا فائدة فيه البتة. ومن هذا القول أو الضرب قول ابن هانئ: فلا مهجة في الأرض منك منيعة ... ولو قطرت في ريق أرقط أرقم

стр. 121

فإن قوله (أرقط) لا حاجة إليه ولا فائدة في ذكره، إذ لا فضل للأرقط من الحيات على غيره من الألوان ولا مزية، وأمثال هذا كثيرة. وأما الضرب الثاني الذي يكون مؤثراً في الكلام تقصاً، وفي المعنى فساداً، فما جاء منه قول بعضهم: فقد والشك بيّن لي عناءٌ ... بوشك فراقهم صُرَدٌ يصيح فان (في) هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره، وهو الفصل بين قد والفعل، الذي هو (بين) وذلك قبيح لوجوب اتصال (قد) بما تدخل عليه من الأفعال، ألا تراها تعتد مع الفعل كالجزء منه، ولذلك دخلت اللام المراد بها توكيد الفعل على (قد) في قوله تعالى (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك) وفي قوله تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه). وقول الشاعر: ولقد أجمع رجليَّ بها ... حذر الموت وإني لغرور؟ إلا إنه إذا فصل بين قد ولفعل بالقسم فإن ذلك لا بأس به، نحو قولك (قد والله كان ذلك). وقد فصل بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي (هو) عناء بقوله (بين) وفصل بين الفعل الذي هو (بين) وبين فاعله الذي هو (صرد) بخبر المبتدأ الذي هو (عناء) فجاء هذا البيت كما ترى، فإن قبحه لا خفاء به ومن هذا الجنس قول الآخر: نظرت وشخصي مطلع الشمس ظلّه ... إلى الغرب حتى ظلَّه الشمس قد غفل أراد (نظرت مطلع الشمس) أي حاذاها، وعلى هذا التقرير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو (شخصي) وبين خبره الجملة وهو قوله (ظله إلى الغرب). وأغلط من ذلك الفصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي. وقد تقدم ذكره، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويؤثر بها الاختلال.

стр. 122

واعلم أن الناثر في ذلك أكثر ملامة من الناظم، وأعظم عيبا، وذلك أن الناظم يحتاج إلى إقامة ميزان الشعر، ويكون مجال الكلام عليه ضيقاً في بعض الاوقات، فليجثه طلب الوزن إلى إلقاء نفسه في مثل هذه المقابح، وأما الناثر فإنه لا يحتاج إلى إقامة الميزان الشعري لكلامه، فلأجل ذلك يتسع عليه مجال التأليف، وينطلق عنانه فيه كيف يشاء؛ ولهذا إذا اعتراض في كلامه اعتراض يفسده توجه عليه الانكار، وحق عليه العتب والملام أكثر مما يتوجه على الناظم. النوع الرابع في الإيجاز وهو حذف زيادات الكلام هذا نوع من التأليف شريف لا يكاد يلجه إلا فرسان البلاغة ومن ضرب فيها بالقدح المعلى، وذلك لعلو منزلته، وبعد مناله، والدليل على ذلك إنه أقل أنواع التأليف استعمالاً بين أرباب هذه الصناعة. واعلم أن العرب اعتنوا بهذا الضرب من الكلام اعتناءً زائداً ومما يدلنا على إيثار القوم قوة إيجازهم وحذف فواصل كلامهم ما جاءوا به من الأسماء المستفهم بها والأسماء المشروط بها، فانهم استغنوا بالحرف الواحد عن الكلام الكثير، المتناهي في الطول، فمن ذلك قولهم (كم مالك) ألا ترى إنه قد أغناك هذا عن قولك (أعسرة مالك أم عشرون أم ثلاثون أم مائة أم ألف؟) فلو ذهبت تستوعب الأعداد لم تبلغ إلى ذلك أبدا، لأنه غير متناه، فلما قلت (كم) أغنتك هذه اللفظة الواحدة عن تلك الألفاظ التي لا يحاط بها، وكذلك قولك (أين منزلك) فإن لفظة (أين) تغنيك عن ذكر الأماكن كلها وكذلك (من عندك) فقد أغنتك هذه اللفظة عن ذكر الناس كلهم. وأما الشرط ففي قولهم (من يقم أقم معه) كناية عن

стр. 123

ذكر جميع الناس أيضاً، ولولا ذلك لاحتجت أن تقول (إن يقم زيد أو عمر أو جعفر أو نحو ذلك) ثم تقف حسيرا مبهورا، ولم تجد إلى غرضك سبيلا، وكذلك بقية أسماء العموم في غير الإيجاب نحو (أحد وديار وغيرهما) فإذا قلت (هل عندك أحد) أغناك ذلك عن أن تقول (هل عندك زيد أو عمر أو جعفر) فتطيل ثم تقصر إقصار الكليل المنقطع. وهذا وغيره أظهر أمرا، وأبدى صفحة وعنوانا، فجميع ما ذكرناه هاهنا شاهد بانصباب همم القوم إلى اختصار كلامهم وإيجاز لغتهم. واعلم أن جماعة من أرباب هذه الصناعة أجمعوا على أن الكلام ينقسم قسمين: فمنه ما يحسن فيه التطويل كالخطب والتقليدات، السلطانية، وكتب الفتوح التي تقرأ في ملأ من عوام الناس؛ فإن الكلام إذا طال في مثل ذلك أثر عندهم وأفهمهم، ولو اقتصر فيه على الإيجاز والإشارة لم يقع لأكثرهم حتى يقال في ذكر الحرب (تطاعن الفريقان وتقاتلا، واشتد المصاع وحمي القراع). وما جرى هذا المجرى، والمذهب الفصل في هذا الباب ما أذكره لك وهو أن فهم العامة من الناس ليس شرطاً معتبراً في اختياره، لأن ذلك لو كان شرطاً لوجب قياسه أن يستعمل في الكلام الألفاظ العامية المبتذلة عندهم، التي قد تداولوها بينهم حتى يكون ذلك أقرب إلى فهمهم وأسهل مأخذاً ومتناولها، لأن العلة بعينها في اختيار المبتذل في الكلام، لأنه لا خلاف في أن العامة إلى فهمه أقرب من فهم ما يقل ابتذالهم له، وتداولهم إياه. وهذا شيء مدفوع لا يجوز استعماله البتة. وإنما الذي يجب على مؤلف الكلام اعتماده هو أن يسلك المذهب القويم، ويجهد أن لا تزيد ألفاظه على معانيه مع الإيضاح لها والإبانة عنها، فإنه إذا فعل ذلك خرج من عهدة الملامة، وليس عليه أن يفهم العامة كلامه فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى (لا) يكون ذلك نقصاً في استنارته، وإنما النقص في بصر الأعمى حيث لا يستطيع النظر إليه قال الشاعر:

стр. 124

عليَّ نحتُ المعاني من معادنها ... وما عليَّ بأن لا تفهم البقر وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الوضع، فلنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمتنا، من الكلام على الإيجاز وحده وأقسامه. ولنوضح ذلك إيضاحاً جلياً، فنقول: اعلم أن حد الإيجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من أقرب طرقه، وهو ينقسم قسمين: أحدهما الإيجاز بالحذف وهو ما يحذف منه المفرد والجملة، لدلالة فحوى الكلام على المحذوف، ولا يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه. وأما القسم الآخر فهو ما لا يحذف منه شيء، بل يترك على حاله، وهو ضربان: أحدهما ما ساوى لفظه معناه، ويسمى التقدير، والآخر ما زاد معناه على لفظه، ويسمى القصر، فأما القسم الأول، وهو الإيجاز بالحذف، وذلك باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون مبيناً إذا لم تبن، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر، وهذا القسم يشتمل على أربعة عشر باباً: الأول: الاكتفاء بالسبب عن المسبب، عن السبب ، وهو ضرب من الكلام، تتكاثر محاسنه، وتتزايد لطائفه. أما الاكتفاء بالسبب عن المسبب فكقوله تعالى (وما كنت يجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر) كأنه قال (وما كنت شاهداً لموسى وما جرى له وعليه، ولكنا أوحيناه إليك) فذكر سبب الوحي على عادة اختصارات القرآن الكريم، لأن تقدير الكلام (ولكنا أنشأنا

стр. 125

بعد الوحي فاندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرفناك العلم بقصص الأنبياء، وقصة موسى ﵈). وأما الاكتفاء بالمسبب عن المسبب فكقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) تأويله، والله أعلم إذا أردت قراءة القرآن فاكتف بالمسبب الذي هو (القراءة) عن السبب الذي هو (الإرادة) وهذا أولى من تأول من ذهب إلى إنه أراد (فإذا تعوذت فاقرأ) لأن في ذلك قلباً لا ضرورة بك إليه. وأيضاً فإنه ليس كل مستعيذ بالله واجبة عليه القراءة؛ ومن ذلك قوله تعالى (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه. . .) فاكتفي بالمسبب الذي هو (الانفجار) عن السبب الذي هو (الضرب) وكذلك قوله تعالى (إذ قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) أي إذا أردتم القيام إليها. واعلم إنه قد ورد في القرآن الكريم ما هو سبب وهو بعينه مسبب، كقوله تعالى (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) ألا ترى أن العبارة لنهي من لا يؤمن عن صد موسى، والمقصود نهي موسى عن متابعة الصاد له عن التصديق بالبعث، فقد صلحت العبارة إذا لأداء هذين المعنيين، وذلك أن صد الكفار عن التصديق بالبعث سبب التكذيب، فذكر السبب ليدل به المسبب، وكأنه قال (لا تكذب بالبعث) وأيضاً فإن صد الكفار مسبب عن رخاوة الرجل في الدين، ولين شكيمته، فذكر المسبب ليدل به على السبب كأنه قال (كن شديد الشكيمة ولا تكن رخواً حتى لا يلوح منك لمن يكفر بالبعث أن يطمع في صدك عما أنت عليه). وهذا كقولهم (لا أرينك هاهنا) المراد نهية عن مشاهدته والكون بحضرته، وذلك سبب رؤيته إياه، فكان ذكر المسبب دليلاً على السبب، وهذا من أظرف ما يرد في بابه فاعرفه. الضرب الثاني من القسم الأول من النوع الرابع وهو الإضمار على شريطة التفسير وذلك حذف الجملة من الكلام إذا كان ما بعدها يدل

стр. 126

عليها، وفيها من دقيق الصفة، وجليل الفائدة، ما لا خفاء به، فمما جاء منه قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره الإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين). تقدير الآية (أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه) ويدل على المحذوف قوله (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله). ومن ذلك قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا). تقديره (لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق من بعده). ويدل على المحذوف (أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا). ومن هذا الضرب حذف العلل كقوله تعالى حكاية عن مريم ﵍: (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضيا). (ولنجعله) تعليل معلله محذوف أي وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس، ونبين به أثر قدرتنا الباهرة. ومن الإضمار على شريطة التفسير حذف المفعول الوارد بعد المشيئة والإرادة كقوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم). فمفعول شاء هاهنا محذوف وتقريره: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى). الآية. ومن هذا الضرب قول البحتري: لو شئت لم تفسد سماحةَ حاتم ... كرماً ولم تهدم مآثر خالد فالأصل في ذلك (لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها) فحذف ذلك من الأول استغناء بدلالته عليه في الثاني، فإن الواجب في حكم البلاغة أن لا تنطق بالمحذوف، ولا تظهره إلى اللفظ، ولو أظهرته لصرت إلى كلام غث ومجيء المشيئة بعد لو وبعد حروف الجزاء هكذا

стр. 127

موقوفة غير معداة إلى شيء، كثير شائع بين البلغاء، ولقد تكاثر هذا الحذف في (شاء وأراد) حتى إنهم لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب نحو قوله تعالى: (لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء) الآية. وعلى هذا الأسلوب جاء قول الشاعر: ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع فلو كان على حد قوله تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) لوجب أن يقول: لو شئت لبكيت دماً، ولكن ساحة الصبر أوسع، ولكنه ترك تلك الطريقة، وعدل عنها إلى هذه، لأنه أليق في هذا الكلام خصوصاً وسبب حسنه إنه كان بدعاً عجيباً، أن يشاء الإنسان أن يبكي دماً، فلما كان مفعول المشيئة أمراً عظيماً، وبدعاً غربياً كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر. فاعرف ذلك. الضرب الثالث من القسم الأول من النوع الرابع وهو حذف الفعل وجوابه فأما حذف الفعل؛ فكقوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه) حتى (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم، فلا تطعهما. . .) ومن هذا الباب قوله تعالى: (وقضى ربك

стр. 128

ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً). وكذلك قوله، عز اسمه: (ولقد قال لهم هارون من قيل: يا قوم إنما فتنتم به) إلى قوله (. . . ولم ترقب قولي) ألا ترى كيف حذف الفعل في هذا الموضع مكرراً فإن تقديره: فلما رجع موسى إليهم، ورآهم على تلك الحالة من عبادة العجل، قال لأخيه: (يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا. . .) الآية، وأخذ بلحيته ورأسه، إنكاراً عليه وغضباً. قال له هارون: (يا اُبن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) الآية. ومن هذا الضرب إيقاع الفعل على شيئين، وهو لأحدهما، كقوله تعالى: (فاجمعوا أمركم وشركاء كم) فأوقع الفعل من (اجمعوا) على أمركم وشركاءكم، وهو (لأمركم) وحده. وإنما المراد: أجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى (أجمعوا): من أجمع الأمر، إذا نواه وعزم عليه. وقد قرأ أبي (فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم) وهذا دليل على أشرنا إليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود فاعرف ذلك. ومن حذف الفعل باب يسمى: (إقامة المصدر مقام الفعل) . وهو باب لطيف المأخذ، وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد؛ كقوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب). قوله: (فضرب الرقاب) وأصله: فاضربوا الأعناق ضرباً؛ فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار مع إعطاءه (معنى) التوكيد المصدري، فاعرفه.

стр. 129

وأما حذف جواب الفعل، فإنه يكون في الأمر كقوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً. . .) إلى قوله: (. . . تدميراً) ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؛ فإن تقديره: فقلنا: اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا، فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميراً. فذكر حاشيتي القصة؛ أولها وآخرها، لأنهما المقصود من القصة بطولها، يعني إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف. . .) إلى قوله (. . . وهم لا يشعرون). اعلم أن في جواب الأمر من هذا الكلام محذوفاً تقديره (فأرسله معهم)، وبدلنا على ذلك ما جاء به بعده من قوله تعالى: (فلما ذهبوا به. كما حذف أيضاً في قوله : (وقال الذي نجا منهما واد كر بعد أمة. . .) إلى قوله (. . . بقرات سمان). الآية. فجواب الأمر في هذا الموضع محذوف وتقديره. فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال له: (يوسف أيها الصديق). وكذلك قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول. . .) إلى قوله: (. . . كيد الخائنين). ففي هذا الكلام حذف واختصار استغني عنه بدلالة الحال عليه، وتقديره (فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة وقال لهن ما خطبكن).

стр. 130

فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات، التي كأنها لم تحذف من الكلام لظهور معناها وبيانه، ودلالة الحال عليه. وعلى نحو من ذلك ينبغي أن تكون الحذوف فاعرفها. الضرب الخامس من القسم الأول من النوع الرابع وهو حذف المضاف والمضاف إليه وإقامة كل منهما مقام الآخر وذلك باب طويل عريض سائغ. في كلام العرب. وإن كان أبو الحسن الأخفش لا يرى القياس عليه، فأما حذف المضاف فكقوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب. . .) (فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج) وهو سدهما، كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: (واسأل القرية) أي أهل القرية. ومن هذا الضرب قوله تعالى: (ولكن البر من اتقى) أي بر من اتقى، وإن شئت كان تقديره (ولكن ذا البر من اتقى) والأول أجود، لأن حذف المضاف ضرب من الانساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ، لأن الانساع بحذف الإعجاز أولى منه بحذف الصدور. وقد حذف المضاف مكرراً نحو قوله تعالى: (فقبضت قبضة من أثر الرسول) أي من أثر حافر فرس الرسول. وهذا الضرب أكثر اتساعاً من غيره. وأما حذف المضاف إليه (فإنه قليل الاستعمال؛ فما جاء منه قوله تعالى): (لله الأمر من قبل ومن بعد) أي من قبل ذلك ومن بعده.

стр. 131

الضرب السادس من القسم الأول من النوع الرابع وهو حذف الموصوف والصفة وإقامة كل منهما مقام الآخر وأكثر ذلك يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في الشعر دون الكلام المنثور؛ لأن القياس يكاد يحطره؛ وذلك لأن الصفة تأتي في الكلام على ضربين: إما للتأكيد والتخصيص وإما للمدح والذم، وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل، لا من مقامات الإيجاز والاختصار. وإذ كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به. هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من الالتباس وضد البيان، ألا ترى أنك إذا قلت: (مررت بطويل) لم بين من ظاهر هذا اللفظ الممرور به؛ إنسان هو أم رمح أم ثوب أم غير ذلك. وإذا كان الأمر كذلك فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه أو شهدت به الحال. وكلما استبهم الموصوف كان حذفه غير لائق. ومما يؤكد عندك ضعف حذف الموصوف أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه؛ وذلك أن تكون الصفة جملة نحو: (مررت برجل قام أبوه، ولقيت (غلاماً) وجهه حسن) ألا تراك لو قلت: مررت بقام أبوه ولقيت وجهه حسن لم يجز. واعلم إنه قد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى: (وإنا مِنا الصالحونَ ومنا دون ذلك). (أي قوم دون ذلك) فأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها فإنه لا يكون إلا فيما دلت الحال عليه، فمن ذلك ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: (سير عليه ليلٌ) وهم يريدون: (ليلٌ طويلٌ). وإنما حذفت الصفة في هذا

стр. 132

الموضوع لما دلَّ من الحال على موضعها، وذلك إنه يحسن في كلام القائل لذلك من التصريح والتلويح والتفخيم والتعظيم بما يقوم مقام قوله: (طويلٌ) أو نحو ذلك. وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته؛ وهو أن يكون في مدح إنسان والثناء عليه (فتقول: (كان) والله رجلاً) فتزيد في قوة اللفظ بالله في هذه الجملة وتمكن في مط اللام وإطالة الصوت بها؛ أي رجلاً فاضلاً، أو شجاعاً، أو كريماً، أو جرى هذا المجرى من الصفات، وكذلك تقول: (سألناه فوجدناه (إنساناً أي) إنساناً سمحاً أو جواداً أو ما أشبه). وتمكن الصوت (بإنسان) وتفخمه، وتستغني عن وصفه بقولك: (إنساناً سمحاً أو جواداً أو ما أشبه) فعلى هذا أو نحوه تحذف الصفة، فأما إن عريت من الدلالة عليها من اللفظ والحال فإن حذفها لا يجوز. ألا تراك لو قلت: (وردنا البصرة فاجتزنا بالأبلة على رجل، أو (رأينا إنساناً) ثم سكت لم يفد ذلك شيئاً؛ لأن هذا ونحوه مما لا يخلو ذلك المكان منه، وإنما المقصود أن تصف من ذكرت وما ذكرت، فإن لم تفعل فقد كلفت علم ما لم تدلل عليه، وهذا لغو من الحديث وجور في التكليف. ومن حذف الصفة ما روي في الحديث عن النبي ﷺ : (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) أي لا صلاة كاملة أو فاضلة أو نحو ذلك. فأعرف ما أشرنا إليه وتدبره فإنه ضرب من الكلام رقيق وغور من العربية سحيق.

стр. 133

الضرب السابع من القسم الأول من النوع الرابع وهو حذف الشرط وجوابه فأما حذف الشرط فنحو قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة، فإياي فاعبدون). ألا ترى أن الفاء في قوله: (فاعبدون)، جواب شرط محذوف؛ لأن المعنى: أن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرضي فأخلصوها في غيرهما، ثم حذف الشرط، وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص. ومن هذا الضرب قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضاً، أو به أذى من رأسه ففدية) أي فحلق فعليه فدية، وكذلك قولهم: (الناس مجزبون بأعمالهم إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشرا) أي (إن) فعل المرء خيراً جزي خيرا، وإن فعل شرا جزي شرا. ومن حذف الشرط قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون). اعلم أن هذه الفاء في قوله تعالى (فهذا يوم البعث) هي الفاء التي في قول الشاعر: . . . فقد جئا خراسانا

стр. 134

وحقيقتها أنها جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: (إن صح ما قلم أن خراسان أقصى ما يراد بنا، فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص). وكذلك هذه الآية يقول تعالى: (إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث) أي قد تبين بطلان قولكم. وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفه. وأما حذف جواب الشرط، فكقوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله. . .) إلى قوله: (. . . الظالمين). فإن جواب الشرط هاهنا محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به، ألستم ظالمين. ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وأمثال هذا كثيرة، وهو ضرب من علم البيان، تتوفر لطائفه، فاعرفه. الضرب الثامن من القسم الأول من النوع الرابع في حذف القسم وجوابه وأما حذف القسم، فنحو قولك: (لأفعلن)، أو غير ذلك من الأقسام المحلوف بها. وأما حذف جوابه، فكقوله تعالى: (والفجر وليال عشر) إلى قوله (. . . مثلها في البلاد). فإن جواب القسم هاهنا محذوف، تقديره: لنعذ بن، أو نحوه. ويدل على ذلك ما بعده من قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد. . .) إلى قوله: (سوط

стр. 135

عذاب). ومن هذا النحو قوله تعالى: (ق، والقرآن المجيد)، إلى قوله: (عجيب). فإن معناه: والقرآن المجيد لتبعثن، والشاهد على ذلك ما جاء بعده، من ذكر البعث في قوله: (أئذا متنا وكنا ترابا، ذلك رجع بعيد). وقد ورد هذا الجنس في القرآن كثيراً. الضرب التاسع من القسم الأول من النوع الرابع في حذف (لو) وجوابها وهو من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها، فأما حذف (لو) فكقوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض). وأما حذف جوابها (فكقوله تعالى): (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت واخذوا من مكان قريب). فإن جواب (لو) هاهنا محذوف وتقديره (لرأيت أمراً عظيماً، وحالاً هائلة) أو غير ذلك مما جرى هذا المجرى. ومن هذا الجنس قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين أو يعلم. . .) إلى قوله (ولا هم ينصرون). تقديره: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه؛ وهو وقت صعب، شديد، محيط بهم، فيه النار من وراء وقدام، فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة، من الكفر والاستهزاء والاستعجال،

стр. 136

ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (لو إن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) فجواب (لو) في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: (ولو أن قرأناً سيرت به الجبال) أي لو أن لي بكم قوة لدفعتكم أو منعتكم، أو ما أشبهه. وكذلك (قوله تعالى): (ولو أن قرأناً سيرت به الجبال) أي: لكان هذا القرآن. الضرب العاشر من القسم الأول من النوع الرابع في حذف جواب (لما) وجواب (أما) وجواب (إذا) فأما جواب (لما) فكقوله تعالى (فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. إنا كذلك نجزي المحسنين) فإن جواب (لما) هاهنا محذوف وتقديره (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) كان ما كان مما تنطق به الحال، ولا يحيط به الوصف، من استبشارهما واغتباطهما، وشكرهما على ما أنعم به عليهما، مندفع البلاء العظيم، بعد حلوله، وما أشبه ذلك مما اكتسباه بهذه المحنة، من عظائم الوصف، دنيا وآخرة. وقوله (إنا كذلك نجزي المحسنين). تعليل ما خولهما من الفرح والسرور بعد تلك الشدة العظيمة. وأما حذف جواب (أما) فنحو قوله تعالى: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم). وأما حذف جواب (إذا) فمثاله قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم

стр. 137

وما خلفكم لعلكم ترحمون وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين). ألا ترى كيف حذف الجواب عن (إذا) من الكلام، وهو مدلول عليه يقوله تعالى (إلا كانوا عنها معرضين). كأنه قال (إذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون). ثم قال: (ودأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة). الضرب الحادي عشر من القسم من النوع الرابع في حذف (لا) من الكلام وهي مرادة وذلك كقوله تعالى: (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين) فقوله: (تفتأ) يريد: لا تفتأ فحذف (لا) من الكلام، وهي مرادة. والمعنى: تالله لا تزال تذكر يوسف. ومن هذا الضرب قول امرئ القيس: فقلت: يمين الله أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي تقديره: لا أبرح قاعداً، فحذفت: (لا) من هذا الموضع، وهي مرادة، وقس عليه. الضرب الثاني عشر من القسم الأول من النوع الرابع في الاستئناف وهو حذف السؤال المقدور؛ وذلك ضرب من التأليف لطيف الأمر، عجيب المغزى، ولا تجد باباً من أبواب الحذوف أحسن مأخذاً منه، ولا أطرف خبراً، وهو ينقسم قسمين: الأول: إعادة الأسماء والصفات.

стр. 138

اعلم أن هذا القسم يجيء تارة بإعادة اسم من تقدم الحديث عنه، كقولك: (أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان) وتارة يجيء بعادة صفة، كقولك (أحسنت إلى زيد) صديقك القديم أهل لذلك منك) وهو أحسن من الأول وأبلغ، لانطوائه على بيان الموجب للإحسان وتخصيصه، فمما جاء من هذا الباب قوله تعالى: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. . .) إلى قوله (. . . المفلحون). اعلم إنه لما قيل (هدى للمتقين) بأن الكتاب لهم هدى فاتجه للسائل أن يقول: (ما بالهم خصوا بذلك)؟ فوقع قوله: (الذين يؤمنون بالغيب) إلى سياقه كالجواب، وجيء بصفة (المتقين) المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من الله الطف والاختصاص على غيرهم، أي الذين هذه عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله وأن يعطيهم الفلاح. وإن جعلت قوله تعالى: (. . . الذين يؤمنون بالغيب. . .) إلى آخر قوله: (. . . وبالآخرة هم يوقنون) تابعاً (للمتقين)، وقع الاستئناف على (أولئك) كأنه قيل: (وما للمتقين). بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فأجبت: أن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس، بالهدى عاجلاً، وبالفلاح آجلا، فافهم ذلك وتدير رموزه ودقائقه. الثاني: الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات. وذلك كقوله تعالى: (وما لي أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) إلى قوله (. . . المكرمين).

стр. 139

اعلم أن مخرج هذا القول مخرج الاستئناف، لأن ذلك من مظان المسألة عن حالة عند لقاء ربه، كأن قائلاً قال له: (كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربه بعد ذلك التصلب في دينه والتسخي لوجهه بروحه)؟ فقيل: قيل ادخل الجنة، ولم يقل: (قيل له) لانصباب الغرض إلى القول وعظمه لا إلى المقول له مع كونه معلوماً. وكذلك قوله تعالى (يا ليت قومي) مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد. ومن هذا القسم أيضاً قوله تعالى: (يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعملون) إلى قوله (معكم رقيب). اعلم أن مخرج الفرق بين إثبات الفاء في سوف كقوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب (يخزيه) ويحل عليه عذاب مقيم). وبين حذف الفاء هاهنا في هذه الآية (أن) إثباتها وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، وبحذفها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: ماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: (سوف تعلمون) فوصل تارةً بالفاء وتارة بالاستئناف، للتفنين في البلاغة على عادة بلغاء العرب. وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف. وهو قسم من أقسام علم البيان تتكاثر محاسنه. الضرب الثالث عشر من القسم الأول من النوع الرابع في حذف الواو وإثباتها اعلم إنه حذفت الواو وأثبتت في مواضع، فأما إثباتها فكقوله تعالى: (وما أهلكنا من

стр. 140

قرية إلا لها منذرون). وعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل المواضع، وإنما يجوز ذلك فيما هذا سبيله من هاتين الآيتين لا غير. ولنبين في ذلك رسماً تتبعه فنقول: اعلم أن كل اسم نكرة جاء خيره بعد (إلا) يجوز إثبات الواو في خبرة وحذفها كقولك (ما رأيت رجلاً إلا وعليه ثياب) وإن شئت (قلت) (إلا عليه ثياب)، فإن كان الذي يقع على النكرة (ناقصاً) فلا يكون إلا بحذف الواو، نحو قولك (ما أظن درهماً إلا هو (كافيك) ولا يجوز (إلا وهو كافيك) لأن الظن يحتاج إلى شيئين فلا يعرض فيه بالواو لأنه يصير كالمكتفى من الأفعال باسم واحد، وكذلك أخوات (ظننت) وكان وأن وما أشبههما) فخطأ أن تقول: (إن رجلاً وهو قائم) و (أظن رجلاً وهو قائم). أو (ما كان رجل إلا وهو قائم)، ونحو ذلك، ويجوز هذا في (ليس) خاصة، تقول: (ليس أحد إلا وهو قائم)، لأن الكلام يتوهم تمامه بليس وبحرف ونكرة، إلا ترى أنك تقول (ليس أحد وما من أحد)، فجاز فيها ولم يجز في (أظن) لأنك لا تقول: (ما أظن أحداً). فأما (أصبح وأمسى ورأيت) فإن الواو فيهن أسهل لأنها توام في حال، و (كان وأظن) ونحزهما بنين على النقص إلا إذا كانت تامة، وكذلك (لا) التبرئة وغيرها نحو (لا رجل، وما من رجل) فيجوز إثبات الواو فيها وحذفها. فاعرف ذلك وقس عليه.

стр. 141

الضرب الرابع عشر من القسم الأول من النوع الرابع في الحذف الذي يوجب الإخلال في الكلام وذلك ما يحذف من أصل اللفظ وهو إسقاط بعض حروفه. ولا يحسن استعماله في التأليف لكنه يجوز؛ لأن العرب قد أوردته في أشعارها واستعملته في كلامها، فحذفت بعض الألفاظ استخفافاً حذفا يخل بالباقي ويعرض له بالشبهة. ألا ترى إلى قول علقمة: كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم فقوله (. . . بسبا الكنانة) يريد (بسبائب الكتان) وكذلك قول لبيد: درس المنا بمتالع فأبان. أراد (المنازل) وعلى نحو من هذا جاء قول أبي دؤاد: يُذْرْينَ جَندَلَ حائرٍ لجنوبها ... فكأنما تذكي سنابكها الحُبا أراد (الحباحب).

стр. 142

وهذا وأمثاله قليل جداً فاعرفه. وإياك، أيها المؤلف، أن تستعمله في كلامك وإن كان كان جائزاً. وقد ورد في أشعار العرب مثله. وأما القسم الثاني من النوع الرابع فهو الإيجاز من حذف؛ وذلك ضربان: الأول ما يساوي لفظه معناه ويسمى التقدير؛ فمما جاء منه قوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه. . .) إلى (يقض ما أمره). فقوله: (قتل الإنسان) دعاء عليه. وقوله: (ما أكفره) تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله . ولا ترى أسلوباً أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أحسن متناولا، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه. ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال تعالى: (من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره). إي هيأه لما يصلح له (ثم السبيل يسره) أي سهل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه، والسبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر. والأول أولى، لأنه تال لخلقته وتقديره. ثم بعد تيسيره سبيله لما يختار من طريقي الخير والشر. (ثم أماته فأقبره) أي جعله ذا قبر يواري فيه. (ثم إذا شاء أنشره) أي أحياه. (كلا): ردع للإنسان عما هو عليه (لما يقض ما أمره) أي لم يقض، مع تطاول زمانه، ما أمره الله يعني أن إنسانا لم يخل من تقصير قط. ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف جزءاً من أجزائه لما قدرت على ذلك؟ لأنك كنت تذهب بجزء من معناه، ويختل عليك نظمه؛ فإن أسقطت الجملة الأولى التي هي صدر الكلام زال معنى الدعاء عليه، وإن أسقطت الجملة الثانية، زال معنى التعجب من كفران نعمة ربه. وإن أسقطت الحملة الاستفهامية، أو غيرها زال ما تضمنته من المعاني التي لولاها لما كان، فاعرف ذلك. ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة:

стр. 143

وما لامرئ حاولته عنك مهربٌ ... ولو حملته في السماء المطالع بلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع فهذا هو الكلام، الذي ألفاظه وفاق معانيه. فإنه قد اشتمل على مدح رجل، (في) شمول ملكه، وعموم سلطانه، وأن لا مهرب عنه لمن يحاوله وان صعد السماء، ثم ذكر جميع المهارب، في المشارق والمغارب، فأشار إلى إنه يبلغ حيث يبلغ الضياء والظلام، وذلك مما لم ترد عبارته على المعنى المندرج تحته ولا قصرت عنه. ومن هذا النحو ما جاء في كتاب النوادر. قول بعضهم: ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعَدَها إذا لم تقدر! فسل اللبيب تكن لبيباً مثله ... من يسع في علم باب يمهر وتّدير الأمر الذي تعنى به ... لا خير في عمل بغير تدير فلقد يَجدُّ المرءُ وهو مقصر ... يخيب سعيُ المرء غيرَ مقصر ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكلَّ أمر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضاً ليدفع مُعْوِر عن معور فهذا النمط الرضي، والكلام العلي، والمنهج القويم، والصراط المستقيم تروقك بهجته، إذا قرع سمعك، ويؤنسك إذا سكن قلبك، قد رقي درجات الإيجاز، إلى أن يكاد ينزل بساحة الإعجاز، وأمثال ذلك كثير في كلام البلغاء، وفيما ذكرته كفاية ومقنع. الضرب الثاني من القسم الثاني من النوع الرابع فيما زاد معناه على لفظه ويسمى هذا الضرب (الإيجاز بالقصر)، والقرآن الكريم ملآن من ذلك، كقوله

стр. 144

تعالى (من كفر فعليه كفره) كلمة جامعة لما لا غاية وراءه ولا أمد فوقه من المضار، لأن من ضاره كفره فقد أحاطت به كل مضرة، وكذلك قوله تعالى (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي. . .) إلى قول (. . . وما هدى) فقوله تعالى (فغشيهم من اليم ما غشيهم) من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة. أي غشيهم من الأمور الهائلة، والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى، ولا يحيط به غيره، وعلى نحو من ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية فإن هذه الآية من أجمع آية في القرآن الكريم، وقيل إن النبي ﷺ قرأها على الوليد بن المغيرة فقال له: (يا ابن أخي أعد) فأعاد النبي ﵇ قراءتها عليه. فقال له (إن له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر، وأن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر). ومن هذا الضرب أيضاً قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) فإنها ثلاث كلمات تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء. وأما قوله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فإنه قد جمع في جميع مكارم الأخلاق، لأن في الأمر بالمعروف صلة الرحم، ومنع اللسان عن الريبة، وعن الكذب، وغض الطرف عن المحرمات) وغير ذلك من أشياء لا تحصى. وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وغيرهما. وقد قال بعض الأعراب في الدعاء: (اللهم هب لي حقك وأرض عني خلقك). ألا ترى إلى هذه الكلمات (و) ما حوت من المعاني

стр. 145

الكثيرة من العفو عن الزلل، والتجاوز عن الذنب، وغير ذلك مما جرى هذا المجرى. وأما إرضاء الخلق فينطوي على أشياء طائلة لا يستغرقها الذكر. ومن ذلك قوله تعالى: (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) فإنه أدخل تحت الأمن جميع المخوفات، لأنه نفى به أن يخافوا شيئاً من الفقر والموت وزوال النعمة ونزول النقمة، وأضاف ذلك من أضاف المكاره. وسمع رسول الله ﷺ رجلاً يقول لآخر: كفاك الله ما أهمك. فقال: هذه البلاغة. فاعرف ذلك. واعلم أن الأصل المعتبر في الإيجاز بالقصر أنك تذكر شيئاً يقع على محتملات متعددة، ألا ترى إلى قوله (تعالى): (فغشيهم من اليم ما غشيهم). وقوله تعالى: (إن الله بأمر بالعدل والإحسان. . .). الآية، وقوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر). وقوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، وقوله تعالى: (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). فإن هذه الآيات جميعها جارية في المنهاج الذي أشرنا إليه، من أنك تذكر شيئاً يقع على محتملات متعددة، وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة. ومن الإيجاز بالقصر باب يسمى (باب أفعل)، وهو التفضيل بين شيئين لا يشتركان في الصفة التي يفضل بها أحدهما على الآخر. فمن ذلك قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا). إلى قوله: (وخير مرداً) فقوله، (خير عند ربك ثواباً) من مفاخرات الكفار، وإنما قال (خير ثواباً) وقد علم أن مفاخرات الكفار ليس لها
следующие страницы →