Полный текст (274 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الضرب الرابع عشر من القسم الأول من النوع الرابع
في الحذف الذي يوجب الإخلال في الكلام
وذلك ما يحذف من أصل اللفظ وهو إسقاط بعض حروفه. ولا يحسن استعماله في
التأليف لكنه يجوز؛ لأن العرب قد أوردته في أشعارها واستعملته في كلامها، فحذفت بعض الألفاظ استخفافاً حذفا يخل بالباقي ويعرض له بالشبهة. ألا ترى إلى قول علقمة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم
فقوله (. . . بسبا الكنانة) يريد (بسبائب الكتان) وكذلك قول لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان.
أراد (المنازل) وعلى نحو من هذا جاء قول أبي دؤاد:
يُذْرْينَ جَندَلَ حائرٍ لجنوبها ... فكأنما تذكي سنابكها الحُبا
أراد (الحباحب).
стр. 142
وهذا وأمثاله قليل جداً فاعرفه. وإياك، أيها المؤلف، أن تستعمله في كلامك وإن كان كان جائزاً. وقد ورد في أشعار العرب مثله.
وأما القسم الثاني من النوع الرابع فهو الإيجاز من حذف؛ وذلك ضربان: الأول ما يساوي لفظه معناه ويسمى التقدير؛ فمما جاء منه قوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه. . .) إلى (يقض ما أمره). فقوله: (قتل الإنسان) دعاء عليه. وقوله: (ما أكفره) تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله . ولا ترى أسلوباً أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أحسن متناولا، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه. ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال تعالى: (من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره). إي هيأه لما يصلح له (ثم السبيل يسره) أي سهل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه، والسبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر. والأول أولى، لأنه تال لخلقته وتقديره. ثم بعد تيسيره سبيله لما يختار من طريقي الخير والشر. (ثم أماته فأقبره) أي جعله ذا قبر يواري فيه. (ثم إذا شاء أنشره)
أي أحياه. (كلا): ردع للإنسان عما هو عليه (لما يقض ما أمره) أي لم يقض، مع تطاول زمانه، ما أمره الله يعني أن إنسانا لم يخل من تقصير قط.
ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف جزءاً من أجزائه لما قدرت على ذلك؟ لأنك كنت تذهب بجزء من معناه، ويختل عليك نظمه؛ فإن أسقطت الجملة الأولى التي هي صدر الكلام زال معنى الدعاء عليه، وإن أسقطت الجملة الثانية، زال معنى التعجب من كفران نعمة ربه. وإن أسقطت الحملة الاستفهامية، أو غيرها زال ما تضمنته من المعاني التي لولاها لما كان، فاعرف ذلك.
ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة:
стр. 143
وما لامرئ حاولته عنك مهربٌ ... ولو حملته في السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
فهذا هو الكلام، الذي ألفاظه وفاق معانيه. فإنه قد اشتمل على مدح رجل، (في) شمول ملكه، وعموم سلطانه، وأن لا مهرب عنه لمن يحاوله وان صعد السماء، ثم ذكر جميع المهارب، في المشارق والمغارب، فأشار إلى إنه يبلغ حيث يبلغ الضياء والظلام، وذلك مما لم ترد عبارته على المعنى المندرج تحته ولا قصرت عنه.
ومن هذا النحو ما جاء في كتاب النوادر. قول بعضهم:
ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعَدَها إذا لم تقدر!
فسل اللبيب تكن لبيباً مثله ... من يسع في علم باب يمهر
وتّدير الأمر الذي تعنى به ... لا خير في عمل بغير تدير
فلقد يَجدُّ المرءُ وهو مقصر ... يخيب سعيُ المرء غيرَ مقصر
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكلَّ أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضاً ليدفع مُعْوِر عن معور
فهذا النمط الرضي، والكلام العلي، والمنهج القويم، والصراط المستقيم تروقك بهجته، إذا قرع سمعك، ويؤنسك إذا سكن قلبك، قد رقي درجات الإيجاز، إلى أن يكاد ينزل بساحة الإعجاز، وأمثال ذلك كثير في كلام البلغاء، وفيما ذكرته كفاية ومقنع.
الضرب الثاني من القسم الثاني من النوع الرابع
فيما زاد معناه على لفظه
ويسمى هذا الضرب (الإيجاز بالقصر)، والقرآن الكريم ملآن من ذلك، كقوله
стр. 144
تعالى (من كفر فعليه كفره) كلمة جامعة لما لا غاية وراءه ولا أمد فوقه من المضار، لأن من ضاره كفره فقد أحاطت به كل مضرة، وكذلك قوله تعالى (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي. . .) إلى قول (. . . وما هدى) فقوله تعالى (فغشيهم من اليم ما غشيهم) من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة. أي غشيهم من الأمور الهائلة، والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى، ولا يحيط به غيره، وعلى نحو من ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية فإن هذه الآية من أجمع آية في القرآن الكريم، وقيل إن النبي ﷺ قرأها على الوليد بن المغيرة فقال له: (يا ابن أخي أعد) فأعاد النبي ﵇ قراءتها عليه. فقال له (إن له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر، وأن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر). ومن هذا الضرب أيضاً قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) فإنها ثلاث كلمات تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء. وأما قوله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فإنه قد جمع في جميع مكارم الأخلاق، لأن في
الأمر بالمعروف صلة الرحم، ومنع اللسان عن الريبة، وعن الكذب، وغض الطرف عن المحرمات) وغير ذلك من أشياء لا تحصى. وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وغيرهما. وقد قال بعض الأعراب في الدعاء: (اللهم هب لي حقك وأرض عني خلقك). ألا ترى إلى هذه الكلمات (و) ما حوت من المعاني
стр. 145
الكثيرة من العفو عن الزلل، والتجاوز عن الذنب، وغير ذلك مما جرى هذا المجرى. وأما إرضاء الخلق فينطوي على أشياء طائلة لا يستغرقها الذكر.
ومن ذلك قوله تعالى: (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) فإنه أدخل تحت الأمن جميع المخوفات، لأنه نفى به أن يخافوا شيئاً من الفقر والموت وزوال النعمة ونزول النقمة، وأضاف ذلك من أضاف المكاره.
وسمع رسول الله ﷺ رجلاً يقول لآخر: كفاك الله ما أهمك. فقال: هذه البلاغة. فاعرف ذلك.
واعلم أن الأصل المعتبر في الإيجاز بالقصر أنك تذكر شيئاً يقع على محتملات متعددة، ألا ترى إلى قوله (تعالى): (فغشيهم من اليم ما غشيهم). وقوله تعالى: (إن الله بأمر بالعدل والإحسان. . .). الآية، وقوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر). وقوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، وقوله تعالى: (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). فإن هذه الآيات جميعها جارية في المنهاج الذي أشرنا إليه، من أنك تذكر شيئاً يقع على محتملات متعددة، وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة.
ومن الإيجاز بالقصر باب يسمى (باب أفعل)، وهو التفضيل بين شيئين لا يشتركان في الصفة التي يفضل بها أحدهما على الآخر. فمن ذلك قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا). إلى قوله: (وخير مرداً) فقوله، (خير عند ربك ثواباً) من مفاخرات الكفار، وإنما قال (خير ثواباً) وقد علم أن مفاخرات الكفار ليس لها
стр. 146
ثواب حتى يجعل ثواب الصالحات خيراً منه، لأن ذلك على طريقة قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع.
فكأنه قال: ثوابهم النار ثم بني عليه (خير ثواباً). وفي ذلك ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له (عقابك النار). فإن قيل: فما وجه التفضيل في الخير بين مفاخرات الكفار وثواب الصالحات؟ قلت: هذا من أوجز كلام العرب. ومثله قولهم (الصيف أحر من الشتاء). أي أبلغ في حره من الشتاء في برده. وهذا جائز، لأن الحر لا شك تتفاوت درجاته، فيكون بعضها أشد من بعض، وكذلك البرد أيضاً، فتقول العرب (الصيف أحر من الشتاء) أي إن حر الصيف في بابه أبلغ من برد الشتاء في بابه، مثال ذلك: أن حر الصيف قد بلغ أنهى درجاته، بل يكون قد بقى بينه وبين نهاية البرد درجة أو درجتان، فيكون حر الصيف بالنسبة إلى أصل الحر أبلغ من برد الشتاء بالنسبة إلى أصل البرد. وهذا مثل قولهم (العسل أحلى من الخل) وليس في الخل حلاوة حتى تفضل حلاوة العسل عليها، وإنما المعنى في ذلك كالمعنى في الآية الأولى. . . وأمثال هذا كثيرة، وقد ورد في القرآن الكريم في مواضع منه، كقوله تعالى في سورة الفرقان: (وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين، دعوا هنالك ثبورا. . .) إلى قوله (. . . جزاء ومصيراً) وقد علم أن جهنم ليس فيها خير حتى يجعل الجنة خيراً منها، بل هي شر محض، وعذاب لا خير فيه.
والأصل في هذه الآية ما أشرنا إليه أولاً. . . فاعرفه إن شاء الله - تعالى -.
النوع الخامس من الباب الأول من الفن الثاني
في الإطناب
اعلم أن هذا النوع من أنواع علم البيان، شديد الالتباس. كثير الاعتياص وذلك أن
стр. 147
جماعة من الأئمة المشهورين في هذه الصناعة قد جعلوه بمنزلة التطويل الذي هو ضد الإيجاز. وهذا غلط فاحش.
فمن جملة الأئمة الذين ذكروا ذلك، أبو هلال العسكري صاحب كتاب الصناعتين. فإنه قال في كتابه: (الإطناب في الكلام إنما هو بيان، والبيان لا يكون إلا للإشباع، وأفضل الكلام أبينه، والإيجاز للخواص، والإطناب يشترك فيه الخواص والعوام، والأمر ما أطنب في الكتب السلطانية في إفهام الرعايا. وكما أن الإيجاز له موضع، فكذلك الإطناب له موضع، والحاجة إلى الإيجاز في موضعه، كالحاجة إلى الإطناب في موضعه).
وقال النبي ﷺ : (خاطبوا الناس على قدر عقولهم). ومن استعمل الإيجاز في موضع الإطناب أو الإطناب في موضع الإيجاز فقد أخطأ.
ولا شك أن الكتب الصادرة عن السلطان في الأمور العظيمة في الفتوح والتفخيم (في) مواقع النعم المتجددة، أو في الترغيب في الطاعة، والتحذير من العصيان، وغير ذلك ينبغي أن تكون مشبعة مستقصاة)، ألا ترى أن كتاب المهلب إلى الحجاج في فتح الأزارقة: (الحمد لله الذي كفى الإسلام فقد ما سواه، وجعل الحمد متصلاً بنعمته، وقضى أن لا ينقطع المزيد من فضله، حتى ينقطع الشكر من خلقه. ثم إنا وعدونا على حالين مختلفتين، نرى فيهم ما يسرنا أكثر مما يسوؤنا ويرون فينا ما يسوؤهم اكثر مما يسرهم. فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم: ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحصنا ويمحقهم حتى بلغ الكتاب بنا وبهم أجله فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين).
стр. 148
وإنما يحسن هذا الكتاب لكونه في موضعه، فأما لو كتب إلى العامة، وقد تطلعت نفوسهم إلى معرفة ذلك الفتح العظيم، وتصرفت بهم ظنونهم في أمره، لجاء في أقبح صورة عندهم وأهجنها).
(واعلم، أن الإطناب بلاغة، والتطويل عي؛ فإن الإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيدة نزهة، تحتوي على زيادة فائدة، بما تأخذ النفس فيه من اللذة، والتطويل بمنزلة سلوك ما يبعد جهلاً بما يقرب).
فهذا حكاية كلام أبي هلال العسكري. ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك، فنقول:
أما قول أبي هلال: (الإطناب في الكلام، إنما هو بيان) فإن البيان في أصل اللغة: هو الظهور والوضوح؛ فيكون الإطناب، على قوله، ظهوراً في الكلام ووضوحاً لاغير، ويلزم على ذلك؛ أن يكون كل كلام ظاهر واضح إطناباً، سواء كان ذلك الكلام، إيجازاً أو غيره من أصناف علم البيان. وهذا مما لم يذهب إليه أحد، لأن أبا هلال قد جعل الإطناب وصفاً من الأوصاف التي يشترك فيها جميع ضروب الكلام. وذلك أن البيان وصف يعم كل كلام ظاهر واضح، عن إيجاز أو تطويل أو تكرير أو غير ذلك. وليس الأمر كما وقع له، بل الإطناب نوع واحد من أنواع الكلام، فإن أصله (في) وضع اللغة من (أطنب في الكلام) إذا بالغ فيه. والمبالغة لها وجوه وطرق، كالإخبار بالفعل الماضي عن المضارع، وبالمضارع عن الماضي، وتوكيد الضمير المتصل بالمنفصل، وغير ذلك مما أشرنا إليه في كتابنا.
ومن جملة الوجود والطرق التي للمبالغة الإطناب، وسيأتي ذكره وتحقيق القول فيه، عند الفراغ من الاعتراض على كلام أبي هلال. وأما قوله: (إن البيان لا يكون إلا بالإشباع) لأنه جعل الإطناب بياناً في القول الأول، وهذا لا يخلو من حالين: إما إنه يعني بالإشباع أن يوصل المعنى إلى حقه، مأخوذاً ذلك من (الشبع) يقال (شبع فلان)، إذا وصل في أكله إلى حقه، وقدر كفايته، فإن كان يعني بالإشباع ما ذكرناه فإن ذلك أمر عام لجميع ضروب الكلام
стр. 149
من الإيجاز، والتكرير، والمقابلة، والتفسير، وغيرهما، مما أشرنا إليه، فإن كل ضرب من هذه الضروب المذكورة، إذا وصل الكلام فيه إلى حقه، يكون إطناباً، فذلك من أعجب
الأشياء وأطرافها. وأن كان يعني بالإشباع الزيادة على قدر ما يستحقه الكلام ويحتاج إليه، وذلك هو التطويل بعينه، فإنه يلزم من هذا القول، أن التطويل في الكلام، إذا كان واضحاً بيناً، يكون من أفضل الكلام، وذلك ما لا يوافق عليه، بحال من الأحوال، بل كان يحتاج في قوله: (إن أفضل الكلام أبينه) إلى قرينة أخرى، وهو أن كان قال (أفضل الكلام أوجزه وأبينه)، فإنه لو قال ذلك، لكان قوله صواباً لا يخالف فيه، وأما قوله (وكما أن الإيجاز له موضع، فكذلك الإطناب له موضع، والحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في موضعه، ومن استعمل الإيجاز في موضع الإطناب والإطناب في موضع الإيجاز فقد أخطأ) فكأنه توهم من هذا القول، أن الإطناب ضد الإيجاز، وإذا كان الأمر كذلك فهو التطويل بعينه.
ومما يقوى هذا الوهم قوله أيضاً (إن الإيجاز للخواص، والإطناب يشترك فيه الخواص والعوام). وأما قوله إن النبي ﷺ قال: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم) فإن كان غرضه من قول النبي ﷺ مخاطبة كل فريق من الناس بما يفهمونه فهذا لا يتعلق بصنف واحد من صنوف الكلام، إطناباً كان ذلك أو إيجازاً أو غيرهما، إذ الإفهام يشتمل على أنواع الكلام جميعها، ومتى لم يكن الكلام مفهوماً واضح المعاني فليس عندنا محسوباً في جملة علم البيان، ولا نعده من صناعة التأليف بشيء.
وقد يخاطب مؤلف الكلام العامة بأوحش الخطاب وأحقره، ويفهمون من ذلك قوله، ويعرفون خطابه. فإن الأصل في الكلام: إنما هو كشف معانيه للمخاطب وإيضاحها له، وسواء عند ذلك خوطب به الخاصة أو العامة، فاعرف هذا وقس عليه.
ومعنى قول النبي ﷺ : (خاطبوا الناس على قدر عقولهم)
أي كملوهم بما يعرفونه من الألفاظ ويعتادونه بينهم من الكلام، كما كتب ﵇ إلى كسرى
стр. 150
أبرويز فقال: (من محمد رسول الله إلى كسرى أبرويز عظيم فارس، سلام الله على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله)، وبعد، فأني رسول الله إلى الناس كافة. لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافروين، فأسلم تسلم وإن أبيت فإثم المجوس عليك) وكتب ﵇ أيضاً إلى قوم من العرب فقال لوائل بن حجر: (من محمد رسول الله إلى الأقبال العباهلة أهل حضرموت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على التيعة شاة والتيمة لصاحبها وفي السيوب الخمس لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام). فسهل الألفاظ إلى كسرى أبرويز غاية التسهيل بحيث إنها لا تخفى على من له تشبث باللغة العربية، ولما كتب إلى أولئك القوم من العرب خاطبهم بما تقوى عليه قدرتهم، وهم معتادون لسماع مثله فهذا هو المقصود بقوله ﷺ (خاطبوا الناس على قدر عقولهم)، وليس المقصود من ذلك ما ذهب إليه أبو هلال العسكري (من مخاطبة قوم بالإيجاز، وقوم بالإطناب) الذي هو على قياسه محض التطويل.
وإذا كان الأصل في الكلام إنما هو بيانه ووضوحه فما الفائدة من تطويله، مع القدرة على اختصاره وإيجازه؟!
وأما قوله: (إن الإطناب البلاغة، والتطويل عي) فهو لعمري كذلك، إلا إنه على أصله يكون قد جعل البيان بلاغة؛ لأن الإطناب عنده إنما هو بيان، ويلزم على ذلك أن التطويل في الكلام إذا كان ذا بيان، يكون بليغاً. وهذا ما لم يذهب إليه أحد البتة، لأنه بضد الصواب وأما قوله (إن الإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيدة، نزهة، تحتوي على زيادة الفائدة، بما تأخذ النفس فيه من اللذة. والتطويل بمنزلة
سلوك ما يبعد، جهلاً بما يقرب) فإن هذا تمثيل صحيح
стр. 151
مناسب لما مثل به إلا إنه كان يحتاج إلى زيادة إيضاح. وهو أن يجعل المعنى المراد في كلام ما بمنزلة المقصد الذي يتوجه إليه السائر، ويجعل إلى ذلك المقصد ثلاثة طرق: أحدها قريب إليه، والآخران بعيدان عنه، متساويان في البعد. ويجعل الدلالة على ذلك المعنى المراد بالإيجاز بمنزلة الطريق القريب، ويجعل الدلالة عليه بالإطناب بمنزلة أحد الطريقين البعيدين، ويجعل الدلالة عليه بالإطناب بمنزلة الطريق الآخر المساوي له في البعد، إلا إنه نزه يحتوي على زيادة فائدة، بما تأخذ النفس منه من اللذة. فهذه ثلاث تمثيلات مناسبة لما مثلت به فاعرفها.
وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع وفرغنا من الكلام على ما ذكره أبو هلال في باب الإطناب، فلنورد نحن ما عندنا من ذلك فنقول:
اعلم أن الإطناب في أصل اللغة مأخوذ من (أطنب في الكلام: إذا بالغ فيه).
وقد ذكرنا ذلك أولاً في الاعتراض على كلام أبي هلال.
واعلم أن المبالغة تنقسم إلى أقسام كثيرة، وقد سبق ذكر شيء منها، كالإخبار بالفعل الماضي عن المضارع، وبالمضارع عن الماضي. وسيأتي ذكر الباقي في كتابنا هذا.
ومن جملة أقسام المبالغة الإطناب، وفائدته زيادة التصور للمعنى المقصود وإما حقيقة وإما مجازاً. وهو على الحقيقة ضرب من ضروب التأكيد، فأما ما جاء من ذلك على سبيل الحقيقة فقوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) فإن الفائدة في قوله تعالى (في جوفه) كالفائدة في قوله (القلوب التي في الصدور) وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصور للمدلول عليه، لأنه إذا سمع به صور نفسه جوفاً (يحتوي) على قلبين. فكأن ذلك أسرع للإنكار.
وأما الذي جاء منه على سبيل المجاز فقوله تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن
تعمى القلوب التي في الصدور) ففائدة ذكر الصدور هاهنا إنه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب استعارة ومثل.
стр. 152
فلما أريد إثبات ما هو بخلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة، ونفيه عن الأبصار. احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف، ليتقرر أن مكان العمى إنما هو القلوب لا الأبصار. وهذا نوع من أنواع علم البيان، وافر اللطائف، كثير المحاسن. فينبغي لمؤلف الكلام العناية به والمراعاة له، فاعرفه.
النوع السادس من الباب الأول من الفن الثاني
في توكيد الضمير المتصل بالمنفصل
وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة
فمما جاء منه قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن تكون نحن الملقين). فقولهم (يا موسى إما أن تلقي) تخيير منهم له، وحسن أدب راعوه معه، كما يفعل أرباب الصناعات إذا تلاقوا في تقديم بعضهم على بعض كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال. وإنما قالوا (وأما أن نكون نحن الملقين) ولم يقولوا (وأما أن نلقي) كما قالوا (يا موسى، إما أن تلقي) لرغبتهم في أن يلقوا قبله وتشوقهم إلى التقدم عليه وذلك لما فيه من تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل.
ومما يجري على هذا المنهاج قوله : (فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تحف إنك أنت الأعلى). فتوكيد الضمير هاهنا في قوله: (إنك أنت الأعلى) أنفى للخوف من قلب موسى، وأثبت في نفسه للغلبة والقهر، ولو قال: (لا تخف إنك الأعلى) أو (لا تخف فأنت الأعلى) لم يكن له من التقرير والإثبات لنفي الخوف من قلب موسى، ما لقوله: (إنك أنت الأعلى).
والدليل على ذلك، أن في هذه الثلاث كلمات وهو قوله تعالى: (إنك أنت الأعلى). ست فوائد: الأولى: (أن) المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، كقولك: (زيد
стр. 153
قائم)، ثم تقول (إن زيداً قائم). ففي قولك: (إن زيداً قائم). من الإثبات لقيام زيد والتقرير له، ما ليس في قولك: (زيد قائم).
الثانية: تكرير الضمير في قوله تعالى: (إنك أنت الأعلى). ولو اقتصر على أحد الضميرين، فقال: إنك الأعلى، أو على: (فأنت الأعلى)، لما كان بهذه الثانية من التقرير لغلبة موسى، والإثبات لقهره.
الثالثة: التعريف في قوله (الأعلى)، ولم يقل: إنك أنت أعلى أو عال؛ لو قال ذلك
لكان قد نكره، وكان صالحاً لكل واحد من جنسه، كقولك: (رجل) فإنه يصلح أن يقع على كل واحد من الرجال. وإذا قلت: (الرجل) فقد خصصته من بين الرجال بالتعريف، وجعلته علماً فيهم. وكذلك قولك: (إنك أنت الأعلى): أي أنت الأعلى دون غيرك.
الرابعة: لفظة (أفعل) الذي من شأنه التفصيل، ولم يقل العالي.
الخامسة: إثبات الغلبة له من العلو، لأن الغرض من قوله (الأعلى)، أي الأغلب، إلا أن في الأعلى زيادة وهي الغلبة من (عال).
السادسة: الاستئناف، وهي قوله: (إنك أنت الأعلى). ولم يقل: (لأنك أنت الأعلى) لأنه لم تجعل علة انتفاء الخوف عنه كونه غالباً، وإنما نفى الخوف عنه أولاً يقوله: (لا تخف)، ثم استأنف الكلام، فقال: (إنك أنت الأعلى) فكان ذلك أبلغ في إيقان موسى ﵇ بالغلبة والاستعلاء، وأثبت لذلك في نفسه.
فهذه ست فوائد في هذه الكلمات الثلاث. فانظر أيها المتأمل إلى هذه البلاغة العجيبة، التي تحير العقول، وتذهب بالألباب. ولأمر ما أعجز هذا الكلام العزيز البلغاء، وأفحم الفصحاء، ورجل فرسان الكلام.
فإن قيل: لو كان توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ من الاقتصار على أحدهما، لورد ذلك
стр. 154
عند ذكر الله نفسه في كتابه، (لأنه) هو أحق بما هو أبلغ من الكلام. وقد رأينا في القرآن الكريم مواضع تختص بذكر الله تعالى، وقد ورد فيها أحد الضميرين دون الآخر، كقوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير). فما الموجب لذلك إن كان توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ في بابه من الاقتصار على أحدهما دون الآخر؟ فقد كان بخلاف ذلك، فكيف قلت: إن توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ؟.
الجواب عن ذلك أنا نقول: توكيد الضمير المتصل بالمنفصل إنما يرد في الكلام لتقرير المعنى المقصود، وإثباته في النفس، وما يختص بالله تعالى لا يفتقر إلى تقرير ولا إثبات، لأنه إذا قيل عنه: (إنك على كل شيء قدير)، لم يحتج في ذلك إلى توكيد حتى يتحقق ويتبين إنه على كل شيء قدير، بل قد علم وعرف أن قدرته تتعلق بكل شيء، وأنها جارية على كل مخلوق، فصار هذا الأمر المعروف المشهور، الذي لاشك يعتريه، ولا مرية تعترضه. وما هذا سبيله في الوضوح والبيان، فما الحاجة فيه إلى التوكيد؟ إذ التوكيد من شأنه تقرير المعنى المراد، وإثباته في النفس، وقوله تعالى: (إنك على كل شيء قدير) لا يحتاج فيه إلى تقرير ولا إثبات.
فإن قيل: فقد ورد في القرآن الكريم أيضاً، عند ذكر الله تعالى نفسه، كلا الضميرين: المنفصل والمتصل، كقوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس، اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟) إلى (. . . علام الغيوب) كما قال: (إنك على كل شيء قدير) فما السبب في هذا؟ وهلاً كان الجميع نوعاً واحداً؟!
الجواب عن ذلك أنا نقول: توكيد الضميرين أحدهما بالآخر في هذه الآية لا ينقض علينا
стр. 155
ما أشرنا إليه أولاً؛ لأنه إن وقع الاقتصار على أحدهما دون الآخر، كان القول في ذلك ما تقدم في الآية، وإنما جيء بهما معاً فلان ذلك أبلغ في بابه وآكد، والله تعالى أحق بما هو أبلغ من الكلام وآكد.
ولنمثل لك في استعمال الضميرين معاً والاقتصار على أحدهما دون الآخر، مثالاً تتبعه، فنقول: إذا كان المعنى المقصود ظاهراً معلوماً قد ثبت في النفوس، ورسخ في الألباب فأنت بالخيار: بين أن تؤكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة عليه وبين أن تقتصر على أحدهما دون الآخر. لأنك أن وكدت الكلام فيه فقد أعطيت
المعنى حقه. وإن لم تؤكد الكلام فيه فلأنه لا يحتاج إلى توكيد لبيانه وظهوره، وإذا كان المعنى المقصود خافياً ليس بظاهر ولا معلوم. فالأولى توكيد أحد الضميرين فيه بالآخر ليقرره ويكسبه وضوحاً وبياناً. ألا ترى إلى قوله تعالى في حق موسى ﵇: (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى). فإنه لما كان ظهور موسى على السحرة وقهره لهم أمراً مستتراً في ضمن الغيب، لا يعلم ولا يعرف وأراد الله أن يخبره بذلك؛ ليذهب عنه الخوف والحذر، أني بالأبلغ من الكلام، ليكون ذلك أثبت في نفس موسى، وأقوى دليلاً عليه في انتفاء الخوف عنه فوكد الضمير المتصل بالمنفصل. فجاء المعنى كما ترى. ولو قال (إنك الأعلى) أو (فأنت الأعلى)، لكان ذلك أيضاً إخباراً لموسى بنفي الخوف عنه، واستظهاره على السحرة، ولكن ليس له من التقرير في نفس موسى ما لقوله: (إنك أنت الأعلى). فاعرف ذلك وقس عليه.
وعلى نحو من هذا قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين). فإن إرادة السحرة الإلقاء قبل موسى ﵇ لم تكن معلومة عنده. لأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم من ذلك، لكنهم لما عدلوا عن مقابلة خطابهم لموسى بمثله إلى ما هو توكيد مما هو لهم، بالضمير المتصل بالمنفصل، علم أنهم يريدون التقدم عليه والإلقاء قبله، لأن
стр. 156
من شأن مقابلة خطابهم لموسى بمثله أن كان، قالوا: إما أن تلقي وإما أن تلقى. لتكون الجملتان متقابلتين. فحيث قالوا عن أنفسهم (وإما أن نكون نحن الملقين) استدل بذلك على رغبتهم في الإلقاء قبله.
وهذه معان لطيفة ورموز غامضة لا ينتبه لها إلا الفطن اللبيب، فاعرفها.
النوع السابع من الباب الأول من الفن الثاني
في الكناية والتعريض
اعلم أن لهذا النوع من الكلام موقعاً شريفاً، ومحلاً كريماً. وهو مقصور على المليل مع المعنى، وترك اللفظ جانباً. وذلك نوع من علم البيان لطيف. وقد تكلم جماعة المؤلفين في هذا الفن فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريض، ولم يفرقوا بينهما، بل أوردوا لهما (أمثلة) من النظم والنثر، وأدخلوا أحد القسمين في الآخر، فذكروا للكناية أمثلة من التعريض، وللتعريض أمثلة من الكناية، فمنهم أبو محمد بن سنان الخفاجي، وأبو هلال العسكري، والغانمي. فأما ابن سنان، فإنه ذكر في كتابه قول امرئ القيس:
فصرنا إلى الحسنى ورق كلامها ... ورضتُ فذلّت صعبة أي إذلال
وهذا مثال ضربه للكناية عن المباضعة، وهو مثال للتعريض. وسنورد لك أيها الناظر في كتابنا فرق ما بين الكناية والتعريض، وتمييز أحدهما عن الآخر، ونعرف كلا منهما على انفراده فنقول:
أما الكناية فهي: أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له كما كنى الله تعالى عن الجماع:
стр. 157
(باللمس) فإن حقيقة (اللمس) هي (الملامسة) يقال: لمست الشيء إذا لامسته، ولما كان الجماع (ملامسة بالأبدان وزيادة أمر آخر) أطلق عليه اسم: (اللمس) مجازاً. وضد الكناية التصريح.
وأما التعريض: فهو أن تذكر شيئاً يدل على شيء لم تذكره وأصله: التلويح من عرض الشيء؛ أي من جانبه، وأعلم أن (بيت) امرئ القيس الذي ذكره ابن سنان الخفاجي مثالا للكناية، هو عين التعريض، فإن غرضه من ذلك أن يذكر الجماع، غير إنه لما استقبح ذكره لم يذكره بل ذكر كلاماً آخر، ودل به عليه؛ لأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام، لا يفهم منهما ما أراده امرؤ القيس من المعنى، وذلك مما لا خفاء به، فاعرفه.
وحيث فرقنا بين الكناية والتعريض، وميزنا كلاً منهما عن الآخر، فلنفصلهما
ونذكر أقسامهما، ولنبدأ أولاً بالكناية فنقول:
اعلم أن الكناية على ضربين: أحدهما ما يحسن استعماله (والآخر ما يقبح استعماله)، وهو عيب في صناعة التأليف. فأما الضرب الأول الذي يحسن استعماله فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: التمثيل: وهو التشبيه على سبيل الكناية، وذلك أن تراد الإشارة إلى معنى، فتوضح ألفاظ (تدل) على معنى آخر، وتكون تلك الألفاظ وذلك المعنى مثالاً للمعنى الذي قصدت الإشارة إليه والعبارة عنه كقولنا (فلان نقي الثوب). أي منزه عن العيوب.
وللكلام بها، فائدة لا تكون لو قصدت المعنى بلفظه الخاص، وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصور للمدلول عليه؛ لأنه إذا صور نفسه مثال ما خوطب به كان أسرع إلى الرغبة فيه أو الرغبة عنه. فمن بديع التمثيل قوله تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا). فأما تمثيله الاغتياب بأكل لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله لحم الأخ ولم يقتصر على لحم الأخ حتى جعله ميتاً ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة،
стр. 158
وهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الذي وردت لأجله فشديد المناسبة جداً، وذلك لأن الاغتياب، إنما هو ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم (وتمزيق العرض) مماثل لأكل (الإنسان) لحم من يغتابه، لأن أكل اللحم فيه تمزيق لا محالة.
وأما قوله (لحم أخيه) فلما في الاغتياب من الكراهة، لأن العقل والشرع معاً قد أجمعا على استكراهه وأمرا بتركه، والبعد عنه. ولما كان كذلك جعل بمنزلة لحم الأخ في كراهته. ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر مثله، إلا إنه لا يكون مثل كراهته (لحم) أخيه، فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، لا أمد
فوقها.
وأما قوله (ميتاً) فلأجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته، ولا يحس.
وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة، فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها. مع العلم بأنها من أذم الخلال، ومكروه الأفعال، عند الله تعالى والناس.
فانظر أيها المتأمل لهذا التمثيل كيف مطابقته لما مثل به تجده من أبلغ التمثيلات وأندرها مثالا، لأنك متى نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع، التي أوردناها رأيتها مناسبة لما قصدت له؛ فتمزيق العرض مثل أكل الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن ذلك تمزيق على الحقيقة، و (جعل بمنزلة) لحم الأخ لأجل المبالغة في الكراهة. و (الميت) لامتناع الإحساس به. واتصال ما هو مستكره بالمحبة لما في طبع الأنفس من الشهوة للغبية والميل اليها، فاعرف ذلك.
ومن هذا القسم قوله - تعالى - (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فمثل البخل بأحسن تمثيل لأن البخيل، لا يمد يده بالعطية، كالمغلول الذي لا يستطيع أن يمد يده. وإنما قال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) ولم يقل (ولا تجعل يدك مغلولة) من
стр. 159
غير العنق، لأنه قال (ولا تبسطها كل البسط) فكأنه أراد، ولا تجعل يدك مغلولة كل الغل ولا تبسطها كل البسط، فناب ذكر العنق عن قوله (كل الغل)، لأن غل اليد إلى العنق، هو أقصى الغايات التي جرت العادة بغل اليد إليها.
ومن أمثال العرب (إياك وعقيلة الملح) وذلك تمثيل للمرأة الحسناء، في منبت السوء، لأن عقيلة الملح هي الدرة. ومن التمثيل قول ابن الدمينة:
أَبيني أفي يُمنى يَدَيْك جَعلتِني ... فَاْفْرَحَ أَمْ صَيَّرتني في شِمالِكِ؟
فذكر اليمين، وجعلها مثالاً لإكرام المنزلة، وذكر الشمال وجعلها مثالاً لهوان
المنزلة؛ لأن اليمين أشرف منزلة من الشمال أو أكرم محلاً.
وفي القرآن العزيز ما يدل على ذلك، وهو قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود. . .) الآية فلما جاء إلى ذكر الشمال قال تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) الآية، فاعرف ذلك وقس عليه.
стр. 160
القسم الثاني
من الكناية في الأرداف
وهو اُسم سماه به قدامة بن جعفر الكاتب.
اعلم أن أكثر علماء هذه الصناعة قد أدخلوا (الأرداف) في التمثيل، وفي الفرق بينهما إشكال ودقة.
فأما التمثيل فقد سبق الإعلام به وهو شأن ترد الإشارة إلى معنى فتوضع الألفاظ على معنى آخر، وتكون تلك الألفاظ وذلك المعنى مثالاً للمعنى الذي قصدت الإشارة إليه والعبارة عنه كقولنا (فلان نقي الثوب) أي منزه عن العيوب.
وأما الأرداف فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيترك اللفظ الدال عليه ويؤتي بما هو دليل عليه ومرادف له كقولنا (فلان طويل النجاد) والمراد به طويل القامة، إلا إنه لم يتلفظ بطول القامة الذي هو الغرض، ولكن ذكر ما هو دليل على طول القامة، وليس نقاء الثوب دليلاً على النزاهة عن العيوب، وإنما هو تمثيل لها، فاعرف ذلك.
واعلم أن الأرداف يتفرع إلى خمسة فروع:
الأول: فعل المبادهة كقوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه) فإن المراد بقوله تعالى: (لما جاءه) أي إنه سفيه الرأي، يعني: إنه لم يتوقف في تكذيب وقت ما سمعه، ولم يفعل كما يفعل المراجيح العقول،
المتثبتون في الأشياء؛ فإن من شأنهم إذا ورد عليهم أمر أو سمعوا خبراً أن يستعملوا فيه الروية والفكر، ويتأنوا في تدبره إلى
стр. 161
أن يصح لهم صدقه أو كذبه، ألا ترى إلى قوله تعالى (لما جاءه) أي إنه ضعيف العقل عازب الرأي فعدل عن ذلك إلى ما هو دليل عليه وأردف له و (هو) قوله تعالى (لما جاءه) وذلك آكد وأبلغ ومن هذا الباب أيضاً. (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم، إن هذا إلا سحر مبين) والكلام على ذلك كالكلام على الذي قبله فاعرفه.
الفرع الثاني من الأرداف
وهو باب (مثل) وذلك دقيق الصفة لطيف المغزى اعلم أن العرب تأتي (بمثل) في هذا الموضع توكيداً للكلام وتثبيتاً لأمره. يقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: (مثلى لا يفعل هذا) أي أنا لا أفعله فنفى ذلك عن مثله وهو يريد نفيه عن نفسه، قصداً للمبالغة، فسلك به طريق الكناية، لأنه إذا نفاه عمن يماثله أو يشابهه فقد نفاه عنه لا محالة.
وكذلك أيضاً قولهم (مثلك إذا سئل أعطى) أي أنت كذلك، وهو كثير في الشعر القديم والمولد والكلام المنثور. وسبب توكيد هذه المواضع ب (مثل) أنه يراد أن يجعل من جماعة هذه أوصافهم، تثبيتاً للأمر، وتمكيناً له ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم ترس فيه قد مُه.
ومثل ذلك قولهم في مدح الإنسان: (أنت من القوم الكرام) أي لك في هذا الفعل سابقة، وأنت حقيق به، ولست دخيلاً فيه. وقد ورد هذا الباب في القرآن الكريم، كقوله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). وهذا كقولهم (مثلك لا يبخل) فنفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصداً للمبالغة: لأنهم إذا نفوه
عمن يسد مسده، وهو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه. ونظير ذلك قولك للعربي (العرب لا تخفر الذمم).
стр. 162
وهذه أبلغ من قولك (أنت لا تخفر الذمم). وليس فرق بين قوله تعالى (ليس كمثله شيء) وبين قوله (ليس كالله شيء) إلا من الجهة التي نبهنا عليها فاعرفها.
الفرع الثالث من الأرداف
وهو ما يأتي في جواب الشرط، وذلك من ألطف الكنايات وأحسنها، فمن هذا قوله - تعالى -: (وقال الذين أوتوا العلم لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث) كأنه قال (إن كنتم منكرين يوم البعث فهذا يوم البعث) فكنى بقوله (فهذا يوم البعث) عن بطلان قولهم وكذبهم فيما ادَّعوا، وذلك رادف له ونظيره قولك (تنكر حضور زيد فهاهو) أي فأنت كاذب. وهذا من دقائق الكناية، فاعرفه.
الفرع الرابع من الأرداف
وهو الاستثناء من غير موجب: وذلك من غرائب الكناية كقوله - تعالى -: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) الآية، والضريع نبت ذو شك تسمية قريش (الِشبرق) في حالة خضرته وطراوته فإذا يبس سمته العرب (الضريع) والإبل ترعاه طرياً ولا تقربه يابساً. والمعنى ليس لهم طعام أصلاً، لأن الضريع ليس بطعام البهائم فضلاً عن الإنس. وهذا مثل قولك: (ليس لفلان ظل إلا الشمس) تريد ذلك نفي الظل عنه كما هو. وذكر الضريع، رادف لانتفاء الطعام. وعلى نحو من هذا جاء قول بعضهم:
وتفردُوا بالمكرمات فلم يكن ... لسواهم منها سوى الحرمان
والمراد نفي المكرمات عن سواهم، لأنه إذا كان لهم الحرمان من المكرمات فما لهم منها شيء البتة، وأمثال ذلك كثير فاعرفها.
стр. 163
الفرع الخامس من الأرداف
ليس مما تقدم بشيء وذلك نحو قوله - تعالى: (عفا الله عنك لِمَ أذِنت لهم) والمعنى المراد من هذا الكلام: أنك أخطأت وبئسما فعلت وقوله: (لم أذنت لهم) بيان لما كنى عنه بالعفو، أي مالك أذنت لهم، وهلا استأنيت؟ فذكر العفو دليلٌ على الذنب ورادف له وإن لم يذكره. وكذلك جاء قوله - تعالى -: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس، والحجارة أعدت للكافرين) قيل لهم: إن استنبتم العجز عن المعارضة فاتركوا العناد. فوضع قوله (فاتقوا النار) موضعه، لأن اتقاء النار لصيقه وصميمه من حيث إنه من نتائجه وروادفه لأنَّ من اتقى النار ترك المعاندة. ونظيره أن يقول الملك لحشمه: (إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي) يريد فأطيعوني واتبعوا أمري، وافعلوا ما ينتجه حذر السخط و (ذلك) رادف له. ومن هذا الباب قوله - تعالى -: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا). ألا ترى إلى لطافة هذه الكناية؛ فإنها أفادت تكذيب دعواهم، ودفع ما انتحلوه. وفائدتها هاهنا: أنه روعي في تكذيبهم أدب حسن، حيث لم يصرح بلفظه، فلم يقل (كذبتم) لأن فيه نوع استقباح في الخطاب، ووضع قوله - تعالى - (لم تؤمنوا) الذي هو نفي ما ادعوا بيانه موضعه، لأن ذلك رادف له. ومما يجري هذا المجرى قوله - تعالى -: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم. . .) إلى قوله (. . . مؤمنون) فإن الغرض بقولهم (إنا بما أرسل به مؤمنون) جواباً عن سؤالهم: (أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه؟) إثبات العلم بإرساله، وأنه من الأمور الظاهرة المسلمة، التي لا يدخلها ريب، ولا يعترضها شك، لكن عدل عن ذلك إلى ما هو دليل عليه، ورادف له، وهو الإيمان به: أعني بصالح، وإنما صح منهم بعد ثبوت نبوته عندهم،
стр. 164
والعلم بإرساله إليهم، فالإيمان به إذن دليل على العلم بأنه نبي مرسل. وهذا من دقائق الأرداف ولطائفه.
وأمثال ذلك كثيرة كقول الأعرابية في حديث أم زرع: (له إبل قليلات المسارح، كثيرات المبارك. إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك) فإن الظاهر من هذا القول أن إبله تنزل بفنائه، ولا تبرح ليقرب عليه نحرها للأضياف. فإذا ضرب المزهر للقيا (ن) نحرها لضيوفه. لقد اعتادت هذه الحالة وألفتها. وغرض الأعرابية من هذا الكلام أن تصف زوجها بالجود والكرم، ولكنها لم تذكر ذلك بلفظه الدال عليه وإنما أتت بمعان، هي أدلة على ذلك من غير تصريح بمرادها. وكذلك قال بعضهم:
وددت - وما تغني الودادة - أنني ... بما في ضمير الحاجبية عالم
فإن كان خيراً سرَّني وعلمته ... وإن كان شراً لم تلُمني اللوائم
فإن المراد من قوله (لم تلمني اللوائم) أني أهجرها، فأضرب عن ذلك جانباً، ولم يذكر اللفظ المختص به، ولكنه ذكر ما هو دليل عليه ورادف له. وفيما أشرنا إليه من ذلك كفاية للمتأمل.
والقسم الثالث من الكناية وهو المجاورة . وذلك أن يريد المؤلف ذكر شيء فيترك ذكره جانباً إلى ما جاوره، فيقتصر عليه، اكتفاء بدلالته على المعنى المقصود، كقول عنترة:
وشككت بالرمع الأصمّ ثيابه ... ليس الكريم على للقنا بمحرّم
أراد بالثياب هاهنا نفسه؛ لأنه وصف المشكوك بالكرم ولا توصف الثياب به، فثبت حينئذ أنه أراد ما تشتمل عليه الثياب، في ذلك من الحسن ما لا ينكره العارف بهذه الصناعة وقال أيضاً:
стр. 165
بزجاجة صفراء ذات أسرّة ... قرنت بأزهر في الشمال مقدّم
الصفراء هاهنا الخمر والذكر للزجاجة حيث هي مجاورة لها، أنه ومشتملة عليها. وذهب بعض المفسرين في قوله تعالى: (وثيابك فطهر) أنه أراد بالثياب القلب
والجسد أي قلبك فطهر أو جسدك. وأمثال هذا كثيرة فاعرفه.
القسم الرابع في الكناية: ما ليس بتمثيل ولا إرداف ولا مجاورة كقوله - تعالى -: (أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) فكنى عن النساء أنهم يتزينون في الحلية أي الزينة والنعمة وهو إذا احتاج إلى مجاورة الخصوم كان غير مبين، أي ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان يحاج به من يخاصمه. وذلك لضعف عقول النساء ونقصانهن عن فطرة الرجال. ومن هذا الباب قول أبي نواس:
تقول التي من بيتها خفّ محملي ... عزيز علينا أن نراك تسيرُ
ألا ترى إلى حسن هذه الكناية عن ذكر امرأته بقوله (التي من بيتها خف محملي) فانه من ألطفها مذهبا، وكذلك قول نصيب:
فعاجُوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتُوا أثنت عليك الحقائب
стр. 166
قال الجاحظ: (نحن قوم نسحر بالبيان، ونموه بالقول، والناس ينظرون إلى الحال ويقضون بالعيان فأثر ذلك في أمرنا أثراً ينطق إذا سكتنا، فإن المدعي بغير بينة متعرض للتكذيب). فهذا معنى قول نصيب فعل به ما ترى. وأمثال الكناية كثيرة، فاعرفها.
وأما الضرب الثاني من الكناية فهو الذي يقبح ذكره ولا يحسن استعماله كقول أبي الطيب:
إني على شغفي بما في خمُرِها ... لأعفّ عمّا في سراويلاتها
فإن هذه كناية عن النزاهة والعفة. وعلم الله أن الفجور لأحسن منها ولقد ذكر الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أجمل صورة فقال:
أحنُّ إلى ما تضمن الخُمر والحِلي ... وأصدف عما في ضمان المآزر
ألا ترى إلى هذه الكناية ما ألطفها، والمعنيان سواء. وبهذا تعلم فضل الشاعرين أحدهما على الآخر؛ وذلك إذا أخذا معنىّ واحداّ فصاغه أحدهما في صياغة مفردة
عن صياغة الآخر، فاعرف ذلك.
وأما التعريض فقد جوّزه - الله تعالى - في خطبة النساء كقوله - تعالى -: (ولا جناح
стр. 167
عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء)، فقال المفسرون: التعريض بالخطبة لها أن يقول لها، وهي في عدة الوفاة (إنك لجميلة وإنك لحسنة) وما أشبه ذلك. ومما جاء من التعريض قوله - تعالى - (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) يعني أن كبير الأصنام غضب أن هذه الأصنام الصغار، فكسرها، وغرض إبراهيم - صلوات الله عليه - من هذا الكلام إقامة الحجة عليهم لأنه قال: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) وذلك على سبيل الاستهزاء بهم وهذا من رموز الكلام، والقول فيه أن قصد إبراهيم لم يكن الفعل الصادر عنه، إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة عليهم، وتبكيتهم والاستهزاء بهم.
ومن بديع التعريض قوله - تعالى -: (قال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) فقوله - تعالى - (ما نراك إلا بشراً مثلنا) تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم. فقالوا: هب أنك واحد من الملأ وموازيهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها؟ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وما نرى لكم علينا من فضل).
ومن مشكلات التعريض حديث عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: حكت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون أن النبي - ص - خرج ذات يوم وهو محتضن أحد ابني بنته وهو يقول: (والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله وان آخر وطأة وطئها الله بوجّ) واعلم أن (وج) واد بالطائف والمراد غزاة حنين. وحنين واد
стр. 168
قبل وج لأن غزاة حسنين
آخر غزاة أوقع بها رسول الله ﷺ على المشركين. وأما غزونا الطائف وتبوك، اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيها وطأة أي قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزاة حسب ومن غير ملاقاة العدو، أعني المشركين، ولا قتال لهم.
ووجه عطف هذا الكلام، وهو قوله ﷺ : (وإن آخر وطأة وطئها الله بوج) على ما قبله من الحديث، هو التأسف على مفارقة أولاده؛ لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته ﷺ كانت في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال: (وأنكم لمن ريحان الله): أي من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب إلا أنه صانع عن قوله: (وأنا مفارقكم عن قريب) بقوله: (وإن آخر وطأة وطئها الله بوج) فكان ذلك تعريضاً بما أراده، وقصده من قرب وفاته ﷺ ومفارقته إياهم، أعني أولاده. وهذا من أغرب التعريضات وأعجبها، فاعرفه.
ومن هذا الباب قول الشميذر الحارثي:
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدها ... دفنتم بصحراء الغُمير القوافيا
стр. 169
فإنه ليس قصده الشعر بل قصده ما جرى بينهم بهذا الموضع من الغلبة لهم، والقوة عليهم إلا أنه لم يذكر ذلك، بل ذكر الشعر وجعله تعريضاً عنه. أي: لا تفخروا بعد تلك الوقعة، التي جرت لنا ولكم بذلك المكان.
ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون، في حق بعض أصحابه (أما بعد فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطول في إلحاقه بنظرائه من الخاصة، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته). (فوقع المأمون في ظهر كتابه: قد عرفت تصريحك له، وتعريضك لنفسك) فأجبناك إليهما وأمثال هذا كثيرة، وفيما
أشرنا إليه الكفاية.
النوع الثامن من الباب الأول من الفن الثاني
في استعمال العام والخاص في الإثبات
وهو باب من علم البيان تتكاثر فوائده.
اعلم أنه إذا كان الشيئان أحدهما خاص والآخر عام فإن استعمال العام في حالة النفي، أبلغ من استعماله في حالة الإثبات، وكذلك استعمال الخاص في حالة الإثبات أبلغ من استعماله في حالة النفي.
مثال ذلك الإنسانية والحيوانية. فإن إثبات الإنسانية يوجب إثبات الحيوانية، ولا يوجب نفيها نفي الحيوانية. وكذلك نفي الحيوانية يوجب منه نفي الإنسانية ولا يوجب من إثباتها إثبات الإنسانية.
стр. 170
ومما يدخل في هذا الباب الأسماء المفردة الواقعة على الجنس، التي يكون بينها وبين واحدها تاء التأنيث، فانه أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات، كان استعمالها أبلغ.
فالأول وهو الخاص والعام نحو قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم. . .) ولم يقل: (بضوئهم)، لأن ذكر النور في حالة النفي أبلغ، من حيث إن الضوء فيه الدلالة على النور وزيادة، فلو قال: ذهب الله بضوئهم، لكان المعنى يعطي ذهاب تلك الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، لأن الإضاءة، هي فرط الإنارة دليل (ذلك) قوله تعالى: (وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً، وقدره منازل. . .) فكل ضوء نور، وليس كل نور ضوءاً. فالغرض من قوله تعالى: (ذهب الله بنورهم) إنما هو إزالة النور عنهم رأساً، فهو إذا أزاله فقد أزال الضوء. وكذلك أيضاً قوله: (ذهب الله بنورهم) (ولم يقل: أذهب نورهم) لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئاً فقد ذهب به، لأن الذهاب بالشيء هو استصحاب له، ومضي به، وفي ذلك نوع احتجار
بالمذهوب به، وإمساك له عن الرجوع إلى حالته، والعود إلى مكانه وليس كذلك الإذهاب للشيء، لزوال معنى الاحتجار منه.
стр. 171
وهذا كلام دقيق يحتاج إلى زيادة تأمل ومراجعة. ومما يجعل على ذلك الأوصاف الخاصة إذا وقعت على شيئين، وكان يلزم وصف أحدهما وصف الآخر، ولا يلزم عكس ذلك؛ نحو الطول والعرض؛ فإنه إذا قيل: مربع عرضه مائه ذراع، لزم أن يكون طوله إما مثلها أو أكثر منها. قال الله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض) فإنه إنما خص العرض بالذكر دون الطول؛ لأن الطول أكثر من العرض. والمعنى: أنه إذا كان هذا عرضها فكيف يكون طولها؟ هذا في حالة الإثبات، ولو أريد النفي لكان له أسلوب غير ما ذكرنا؛ وهو أن كان يخص به الطول دون العرض؛ وذلك موضع كثير الاشكال؛ فينبغي أن يكون المؤلف بصيراً باستعماله؛ على اختلاف حالاته وتشعب مذاهبه.
وأما الأسماء المفردة الواقعة على الجنس، فنحو قوله تعالى في قصة نوح ﵇: (قال الملأ من قومه إنا لتراك في ضلال مبين قال: يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين) فإنه إنما قال: (ليس بي ضلالة) ولم يقل: ضلال لأن (نفي) الضلالة أبلغ في نفي الضلال عنه؛ كما لو قيل لك: (ألك تمر؟) فقلت في الجواب: ما لي تمرة) كأن ذلك أنفى للتمر. ولو قلت: (ما لي تمر) لما كان مؤدباً من المعنى ما كان يؤديه القول
стр. 172
(الأول)، فاعرف ذلك.
النوع التاسع من الباب الأول من الفن الثاني
في التفسير بعد الإبهام
يفعل ذلك لتفخيم المبهم وإعظامه؛ لأنه هو الذي يطرق السمع أولا، فيذهب السامع كل مذهب كقوله تعالى: (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع
مصبحين) ففسر (ذلك الأمر) بقوله: (دابر هؤلاء مقطوع). وفي إبهامه أولاً، وتفسيره بعد ذلك تفخيم للأمر، وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال تعالى: (وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع. . .) لما كان بهذه المثابة من الفخامة، فإن الإبهام أولاً يوقع السامع في حيرة وتفكّر، واستعظام لما قرع سمعه، وتشوق إلى معرفة كنهه، والاطلاع على حقيقته.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم. . .) (فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم) لما في الأول من التنبيه، والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط المؤمن، فدل عليه بأبلغ وجه، كما تقول: (هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم!؟) ثم تقول: (فلان) فيكون ذلك أبلغ في وصفقه بالكرم والفضل من قولك: (هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل) لأنك تثبت ذكره مجملاً ومفصلاً، فجعلته علماً في الكرم والفضل، كأنك قلت: من أراد رجلاً جامعاً للخصلتين فعليه بفلان.
وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: (وقال الذين آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد
стр. 173
يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) ألا ترى كيف قال: (أهدكم سبيل الرشاد) فأبهم: (سبيل الرشاد) ولم يبين أي سبيل هو، ثم فسر ذلك فافتتح كلامه بذم الدنيا، وتصغير شأنها، لأن الإخلاد إليها أصل الشر كله، ثم ثنى ذلك بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الموطن والمستقر، ثم ثلث بذكر الأعمال، سيئها وحسنها، وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، فكأنه قال: سبيل الرشاد هو الإعراض عن الدنيا، والرغبة في الآخرة، والامتناع من الأعمال السيئة، خوف المقابلة عليها، والمسارعة إلى الأعمال الصالحة، رجاء المجازاة
عليها.
وكذلك (جاء) قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت. . .) ولم يقل قواعد البيت، لما في إبهام القواعد، وتبيينها بعد ذلك من الايضاح، وتفخيم حال المبين مما ليس في الإضافة.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي ابلغ الأسباب أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى. . .) الآية (فإنه) لما أراد تفخيم ما أمَّل فرعون من بلوغه أسباب السموات، أبهمها أولاً ثم فسرها ثانياً، ولأنها لما كان بلوغها أمراً عجيباً، أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه، ليعطيه السامع حقه من التعجب فأبهمه ليشوق إليه نفس هامان، ثم أوضحه بعد ذلك.
ومما يدخل في هذا الباب الابتداء بذكر الضمير ثم الإفصاح بذكر صاحبه بعده، كقوله
стр. 174
تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن) فإنه لما أتى بالضمير، الذي هو (منه) قبل صاحبه الذي هو القرآن، كان ذلك تفخيماً له، وتعظيماً من أمره. ولو قال: وما تكون في شأن وما تتلو من القرآن، ولم يذكر الضمير لما كان للكلام تلك الفخامة التي كانت له مع ذكر الضمير، وهذا مثل قولهم (الكريم العالم الفاضل) ثم يقال: فلان وقد سبق الكلام عليه، فاعرف ذلك وقس عليه.
وأما الإبهام من غير تفسير، فكثير شائع في القرآن العزيز، كقوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) فقوله: للتي هي أقوم أي الطريقة أو الحالة أو الملة هي أقومها وأسدها، وأي ذلك قدرت لم تجد له مع الإفصاح ذوق البلاغة الذي تجده مع الإبهام، وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب، وإيقاعه على محتملات كثيرة، وهذا لا يخفى على العارف برموز صناعة التأليف فاعرفه.
ومما يدخل في هذا الباب الاستثناء العددي وهو ضرب من التأليف لطيف المأخذ عجيب المغزى. وإنما يفعل ذلك طلباً للمبالغة؛ لأن له تأثيراً شديداً في القلب،
وموقفاً عظيماً في النفس وفائدته (أن) أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد في العدد فيكبر موقع ذلك عنده، وهو شبيه بما ذكرناه من الإبهام أولاً ثم التفسير بعده ثانياً، فمن ذلك قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم سنة إلا خمسين عاماً) فإنه إنما قيل (ألف سنة إلا خمسين عاماً) ولم يقل تسعمائة وخمسين عاماً لفائدة حسنة، وهي ذكر ما ابتلى به نوح من أمته، وما كابده من طول المصابرة، ليكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ وتثبيتاً له، فإن ذلك رأس العدد الذي هو منتهى العقود وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع
стр. 175
مدة صبره وما لاقاه من قومه، فاعرف ذلك وقس عليه.
النوع العاشر من الباب الأول من الفن الثاني
في التعقيب المصدري
وإنما يعمد إلى ذلك لضرب من التأكيد لما تقدمه، والإشعار بتعظيم شأنه أو بالضد من ذلك، فمثال الأول قوله تعالى (ويوم ينفخ في الصور، ففزع من في السموات ومن في الأرض) إلى قوله (. . . وهم من فزع يومئذ آمنون) و (من جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون). (فصنع الله) من المصادر المؤكدة لما قبلها، كقوله (وعْد الله، وصبغة الله)، ألا ترى أنه لما جاء ذكر هذا الأمر العظيم، الدال على القدرة الباهرة، من النفخ في الصور، وإحياء الأموات، والفزع. وإحضار الناس للحساب ومسير الجبال كالسحاب في سرعتها، وهي عند الرؤية لها والمشاهدة كأنها جامدة، عقب ذلك أن قال (صنع الله) والمعنى أن هذا الأمر العجيب البديع صنع الله، والمعنى (ويوم ينفخ في الصور، وكان كيت وكيت من الأشياء الباهرة، وأثاب الله المحسنين، وعاقب المجرمين)
فجعل هذا الصنع من جملة الأمور التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والثواب، حيث قال: (صنع الله الذين أتقن كل شيء) يعني أن مقابلة الحسنة بالثواب، والسيئة بالعقاب من إحكامه للأشياء وإتقانه لها، وإجرائه إياها على قضايا الحكمة، أي إنه عالم بما تفعل العباد وبما يستوجبون عليه، فيكافئهم على حسب أفعالهم، ثم لخص ذلك بقوله تعالى: (من جاء بالحسنة. . .) إلى آخر الآيتين.
فانظر أيها المتأمل إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه، ومكانه إضماره، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه برقاب بعض، كأنما أفرغ إفراغاً واحداً. ولأمر ما أعجز القوي وأخرس
стр. 176
الشقاشق.
ونحو هذا (المصدر) إذا جاء عقيب الكلام كان الشاهد بصحته، والمنادي على سداده وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان. ألا ترى إلى قوله: صنع الله وصبغة الله، ووعد الله، وفطرة الله. . . بعدما وسمها بإضافتها إليه، بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله: (الذي أتقن كل شيء).
وأما الثاني، وهو ضد الأول، وذلك ما يراد به تصغير الشأن، فكقولك إذا أخرت ذكر إنسان يريد ذمه: (قد ركب هواه، واستمر على غيه، وتمادى في جهله، وسحب ذيل عجبه. . .) وما أشبه ذلك. ثم تقول: (صنع الشيطان: الذي يخلب النفوس، ويسلب الألباب. . .) وأمثال هذا كثيرة فاعرفها.
النوع الحادي عشر من الباب الأول من الفن الثاني
في التقديم والتأخير مما لا يتعلق بعلم النحو
كتقديم المفعول على الفاعل، وتقديم الحال والظرف، أو غير ذلك، فإن هذا قد أفردنا له باباً، وجعلناه مقصوراً عليه، ومر ذكره في باب (شجاعة العربية).
وأما هذا الباب فانه يتعلق بتقديم الأشياء بعضها على بعض في الذكر؛ لاختصاص
أحدها بما يوجب له التقدم على الآخر، وذلك مما لا يحصره حد، ولا يأتي عليه شرح. وقد أشرنا نحن إلى نبذة منه، إذا تأملها الناظر في كتابنا هذا، يستدل بها على غيرها.
فمن ذلك تقديم السبب على المسبب؛ كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين. . .) فإنه
стр. 177
إنما قدم العبادة على الاستعانة؛ لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول المطلوب، وأسرع لوقوع الإجابة. ولو قال: إياك نستعين، وإياك نعبد، لكان جائزاً، إلا أنه لا يسد ذلك المسد ولا يقع ذلك الموقع، وهذا لا يخفى على المنصف من أرباب هذه الصناعة.
وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء ظهوراً لنحيي به بلدة ميتا، ونسقيه مما خلقنا أنعاماً، وأناسي كثيرا).
ألا ترى كيف قدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس؟ وإن كان الناس أشرف محلاً وأعلى مكاناً. وسبب ذلك ما أذكره لك وهو أن حياة الأرض سبب لحياة الأنعام والناس. ولما كانت الأنعام أيضاً من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها على الناس في الذكر، ولأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم. فهذه نكت القرآن العجيبة ورموز أسراره اللطيفة التي إذا مر الإنسان عليها من غير أن يتدبرها، ويعطيها أفضل تأمل وتفكر لا يقع على خباياها، ولا يظفر بغرائبها.
ومن هذا النوع تقديم الأكثر على الأقل، كقوله تعالى (تم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) فإنه إنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته وأن معظم الخلق عليه ثم أتي بعده بالمتصدقين؛ لأنهم قليل بالإضافة إليه، وأخر السابقين بالخيرات، إذ كانوا أقل من القليل أعني من المقتصدين، فقدم الأكثر ثم جاء بعده؛ بالأوسط ثم ذكر الأقل
أخيراً، وذلك لائق في بابه. ولو عكست القضية لكان المعنى أيضاً واقعاً في موقعه لأنه يكون قدم الأفضل فالأفضل؛ وذاك أن السابقين بالخيرات أفضل من المقتصدين، والمقتصدين أفضل من الظالمين؛ ولنوضح في ذلك طريقاً يعرفه مؤلف
стр. 178
الكلام، فنقول:
اعلم أنه متى كان الشيئان أحدهما كثير والآخر أقل منه، وكان الأقل أفضل من الأكثر فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت، لأن في كل واحد منهما ما يوجب له التقدم، فاعرف ذلك وقس عليه نظائره وأمثاله.
ومن هذا النحو قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، يخلق الله يشاء إن الله على كل شيء قدير).
فإنه إنما قدم الماشي على بطنه لأنه أدل على القدرة من الماشي على رجلين؛ إذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشي، ثم ذكر الماشي على رجلين بعده، وقدمه على الماشي على أربع؛ لأنه أدل على القدرة أيضاً حيث كثرت آلات المشي في الأربع، وهذا من باب تقديم الأعجب فالأعجب فاعرف، ذلك.
ومن هذا النوع في التقديم والتأخير أنه إذا كان مطلع الكلام في معنى من المعاني ثم يجيء بعده ذكر شيئين أحدهما أفضل من الآخر، وكان معنى المفضول مناسباً لمطلع الكلام فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت؛ لأنك إذا قدمت الأفضل فهو في موضع التقديم، وإن قدمت المفضول فلأن مطلع الكلام يناسبه، وذكر الشيء مع ما يناسبه أيضاً وارد في موضعه فمن هذا الأسلوب قوله تعال: (وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور) إلى قوله: (عليم قدير) فأنه إنما قدم الإناث أولاً على الذكور، مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدم الذكور وأخر الإناث بعد ما نكرهن وعرف الذكور؛ لأنه ذكر البلاء
في آخر الآية، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده، ثم عقب ذلك بذكر ملكه ومشيئه، وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث؛
стр. 179
لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، وكان ذكر الاناث، اللتي هن من جملة ما لا يشاؤه الإنسان ولا يختار أهم، فالأهم واجب التقديم، ولبلاء الجنس الثاني (الذي) كانت العرب تعده بلاءً، ذكر البلاء، ولما أخر الذكور وهم أحق بالتقديم ثم تدارك ذلك بتعريفه إياهم؛ لأن التعريف تنويه بالذكر، (كان) كأنه قال (ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم) ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتضى آخر) فقال: (أو يزوجهم) ذكرانا وإناثا، وهذه دقائق لطيفة، فلما يتنبه لها أو يعثر على رموزها.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو من قرآن ولا. . .) إلى قوله (. . . وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) فإنه إنما قدم الأرض في الذكر على السماء، ومن حقها التأخير؛ لأنه إنما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم، ووصل ذلك بقوله: (لا يعزب عنه) لاءم بين. . . وأمثال هذا كثيرة فاعرفه.
النوع الثاني عشر من الباب الأول من الفن الثاني
في عطف المظهر على ضميره والإفصاح به بعده
وهذا إنما يعمد إليه لفائدة؛ وهي إما تعظيم حال المعطوف عليه، والتفخيم من شأنه، وإما ضد ذلك ونقيضه، مثال التعظيم قولك. . . (ولما تلاقينا وبنو تميم، أقبلوا إلينا يوفضون وابتدروا نحونا يركضون. وجاءوا كأنهم في تكاثفهم ليل،
وفي سرعتهم سيل. فرأينا منهم
стр. 180
أسوداً في المقاتلة، وثعالب في المخادعة والمخاتلة، وتناجد بنو تميم علينا بحملة، فلذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار) فانك إنما قلت: (وتناجد بنو تميم) مصرحاً بذكرهم، ولم تقل: وتناجدوا، كما قلت: (أقبلوا) و (ابتدروا) و (جاءوا) للدلالة على التعجب من شجاعتهم والتعظيم لشدتهم وإقدامهم. ولا سيما وقد أضفت إلى ذلك قولك: (لذنا بالفرار) و (استبقنا إلى تولية الأدبار) فكأنك قلت: وتناجد ألئك الفرسان المشاهير، والكماة المذكورون، وحكلوا علينا حملة واحدة، فولينا مديرين منهزمين.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة. . .).
ألا ترى كيف صرح باسمه تعالى في قوله: (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة). مع إبهامه مبتدئاً في قوله (كيف بدأ الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة)؟ والفائدة في ذلك ما ذكرناه ونبهنا عليه؛ وهو أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة والأشياء المستصبعة، وكان صدر الكلام واقعاً معهم في البداء، وقر رأيهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، وإذا كان الله لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة؛ فللدلالة والتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الإعادة أبرز اسمه - تعالى - إلى (العبارة) وأوقعه مبتدأ ثانياً، فاعرف ذلك وقس عليه.
وأما الثاني وهو ضد الأول فانه يقصد به الذم كقوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين) فإنه إنما قال: (وقال الذين كفروا)
следующие страницы →