← Баляга

Баляга · id 37475

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (274 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الشقاشق. ونحو هذا (المصدر) إذا جاء عقيب الكلام كان الشاهد بصحته، والمنادي على سداده وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان. ألا ترى إلى قوله: صنع الله وصبغة الله، ووعد الله، وفطرة الله. . . بعدما وسمها بإضافتها إليه، بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله: (الذي أتقن كل شيء). وأما الثاني، وهو ضد الأول، وذلك ما يراد به تصغير الشأن، فكقولك إذا أخرت ذكر إنسان يريد ذمه: (قد ركب هواه، واستمر على غيه، وتمادى في جهله، وسحب ذيل عجبه. . .) وما أشبه ذلك. ثم تقول: (صنع الشيطان: الذي يخلب النفوس، ويسلب الألباب. . .) وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. النوع الحادي عشر من الباب الأول من الفن الثاني في التقديم والتأخير مما لا يتعلق بعلم النحو كتقديم المفعول على الفاعل، وتقديم الحال والظرف، أو غير ذلك، فإن هذا قد أفردنا له باباً، وجعلناه مقصوراً عليه، ومر ذكره في باب (شجاعة العربية). وأما هذا الباب فانه يتعلق بتقديم الأشياء بعضها على بعض في الذكر؛ لاختصاص أحدها بما يوجب له التقدم على الآخر، وذلك مما لا يحصره حد، ولا يأتي عليه شرح. وقد أشرنا نحن إلى نبذة منه، إذا تأملها الناظر في كتابنا هذا، يستدل بها على غيرها. فمن ذلك تقديم السبب على المسبب؛ كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين. . .) فإنه

стр. 177

إنما قدم العبادة على الاستعانة؛ لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول المطلوب، وأسرع لوقوع الإجابة. ولو قال: إياك نستعين، وإياك نعبد، لكان جائزاً، إلا أنه لا يسد ذلك المسد ولا يقع ذلك الموقع، وهذا لا يخفى على المنصف من أرباب هذه الصناعة. وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء ظهوراً لنحيي به بلدة ميتا، ونسقيه مما خلقنا أنعاماً، وأناسي كثيرا). ألا ترى كيف قدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس؟ وإن كان الناس أشرف محلاً وأعلى مكاناً. وسبب ذلك ما أذكره لك وهو أن حياة الأرض سبب لحياة الأنعام والناس. ولما كانت الأنعام أيضاً من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها على الناس في الذكر، ولأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم. فهذه نكت القرآن العجيبة ورموز أسراره اللطيفة التي إذا مر الإنسان عليها من غير أن يتدبرها، ويعطيها أفضل تأمل وتفكر لا يقع على خباياها، ولا يظفر بغرائبها. ومن هذا النوع تقديم الأكثر على الأقل، كقوله تعالى (تم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) فإنه إنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته وأن معظم الخلق عليه ثم أتي بعده بالمتصدقين؛ لأنهم قليل بالإضافة إليه، وأخر السابقين بالخيرات، إذ كانوا أقل من القليل أعني من المقتصدين، فقدم الأكثر ثم جاء بعده؛ بالأوسط ثم ذكر الأقل أخيراً، وذلك لائق في بابه. ولو عكست القضية لكان المعنى أيضاً واقعاً في موقعه لأنه يكون قدم الأفضل فالأفضل؛ وذاك أن السابقين بالخيرات أفضل من المقتصدين، والمقتصدين أفضل من الظالمين؛ ولنوضح في ذلك طريقاً يعرفه مؤلف

стр. 178

الكلام، فنقول: اعلم أنه متى كان الشيئان أحدهما كثير والآخر أقل منه، وكان الأقل أفضل من الأكثر فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت، لأن في كل واحد منهما ما يوجب له التقدم، فاعرف ذلك وقس عليه نظائره وأمثاله. ومن هذا النحو قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، يخلق الله يشاء إن الله على كل شيء قدير). فإنه إنما قدم الماشي على بطنه لأنه أدل على القدرة من الماشي على رجلين؛ إذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشي، ثم ذكر الماشي على رجلين بعده، وقدمه على الماشي على أربع؛ لأنه أدل على القدرة أيضاً حيث كثرت آلات المشي في الأربع، وهذا من باب تقديم الأعجب فالأعجب فاعرف، ذلك. ومن هذا النوع في التقديم والتأخير أنه إذا كان مطلع الكلام في معنى من المعاني ثم يجيء بعده ذكر شيئين أحدهما أفضل من الآخر، وكان معنى المفضول مناسباً لمطلع الكلام فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت؛ لأنك إذا قدمت الأفضل فهو في موضع التقديم، وإن قدمت المفضول فلأن مطلع الكلام يناسبه، وذكر الشيء مع ما يناسبه أيضاً وارد في موضعه فمن هذا الأسلوب قوله تعال: (وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور) إلى قوله: (عليم قدير) فأنه إنما قدم الإناث أولاً على الذكور، مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدم الذكور وأخر الإناث بعد ما نكرهن وعرف الذكور؛ لأنه ذكر البلاء في آخر الآية، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده، ثم عقب ذلك بذكر ملكه ومشيئه، وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث؛

стр. 179

لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، وكان ذكر الاناث، اللتي هن من جملة ما لا يشاؤه الإنسان ولا يختار أهم، فالأهم واجب التقديم، ولبلاء الجنس الثاني (الذي) كانت العرب تعده بلاءً، ذكر البلاء، ولما أخر الذكور وهم أحق بالتقديم ثم تدارك ذلك بتعريفه إياهم؛ لأن التعريف تنويه بالذكر، (كان) كأنه قال (ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم) ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتضى آخر) فقال: (أو يزوجهم) ذكرانا وإناثا، وهذه دقائق لطيفة، فلما يتنبه لها أو يعثر على رموزها. ومن هذا الباب قوله تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو من قرآن ولا. . .) إلى قوله (. . . وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) فإنه إنما قدم الأرض في الذكر على السماء، ومن حقها التأخير؛ لأنه إنما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم، ووصل ذلك بقوله: (لا يعزب عنه) لاءم بين. . . وأمثال هذا كثيرة فاعرفه. النوع الثاني عشر من الباب الأول من الفن الثاني في عطف المظهر على ضميره والإفصاح به بعده وهذا إنما يعمد إليه لفائدة؛ وهي إما تعظيم حال المعطوف عليه، والتفخيم من شأنه، وإما ضد ذلك ونقيضه، مثال التعظيم قولك. . . (ولما تلاقينا وبنو تميم، أقبلوا إلينا يوفضون وابتدروا نحونا يركضون. وجاءوا كأنهم في تكاثفهم ليل، وفي سرعتهم سيل. فرأينا منهم

стр. 180

أسوداً في المقاتلة، وثعالب في المخادعة والمخاتلة، وتناجد بنو تميم علينا بحملة، فلذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار) فانك إنما قلت: (وتناجد بنو تميم) مصرحاً بذكرهم، ولم تقل: وتناجدوا، كما قلت: (أقبلوا) و (ابتدروا) و (جاءوا) للدلالة على التعجب من شجاعتهم والتعظيم لشدتهم وإقدامهم. ولا سيما وقد أضفت إلى ذلك قولك: (لذنا بالفرار) و (استبقنا إلى تولية الأدبار) فكأنك قلت: وتناجد ألئك الفرسان المشاهير، والكماة المذكورون، وحكلوا علينا حملة واحدة، فولينا مديرين منهزمين. ومن هذا الباب قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة. . .). ألا ترى كيف صرح باسمه تعالى في قوله: (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة). مع إبهامه مبتدئاً في قوله (كيف بدأ الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة)؟ والفائدة في ذلك ما ذكرناه ونبهنا عليه؛ وهو أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة والأشياء المستصبعة، وكان صدر الكلام واقعاً معهم في البداء، وقر رأيهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، وإذا كان الله لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة؛ فللدلالة والتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الإعادة أبرز اسمه - تعالى - إلى (العبارة) وأوقعه مبتدأ ثانياً، فاعرف ذلك وقس عليه. وأما الثاني وهو ضد الأول فانه يقصد به الذم كقوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين) فإنه إنما قال: (وقال الذين كفروا)

стр. 181

ولم يقل: (وقالوا) كالذي قبله، للدلالة على صدور الكلام عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجب من كفرهم بليغ. ولاسيما وقد انضاف إلى ذلك قوله تعالى: (وقالوا للحق لما جاءهم. . .) وما فيه من الإشارة إلى القائلين، والمقول فيهم، وما في ذلك من المبادهة؛ كأنه قال تعالى (وقال أولئك الكفرة، المتمردون بجرأتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المنير، قبل أن يذوقوه: إن هذا إلا سحر مبين). وأمثال هذا كثيرة، فاعرفها. النوع الثالث عشر من الباب الأول من الفن الثاني في التخلص والاقتضاب ولهذا النوع من الكلام، محل كريم، وموقع لطيف. فأما التخلص، فهو أن يأخذ المؤلف في معنى من المعاني، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر، وجعل الأول سبياً إليه، فيكون بعضه آخذاً برقاب بعض، من غير أن يقطع المؤلف كلامه، ويستأنف كلاماً آخر، بل يكون جميع كلامه، كأنما أفرغ إفراغاً، وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوه تصرفه، وطول باعه، واتساع قدرته، من أجل أن الشاعر يضيق عليه نطاق الكلام، ويكون متبعاً للوزن والقافية، فلا توافيه الألفاظ على حسب إرادته، ولا تتزن له. وأما الناثر فانه مطلق العنان، يمضي حيث شاء فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر. وأما الاقتضاب فهو ضد التخلص، وذلك أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاماً آخر غيره من مدح أو هجاء أو غير ذلك. ولا يكون للثاني علاقة بالأول، ولا تلفيق بينه وبينه، وهو مذهب القدماء من صنعة الشعر، وسيأتي بيانه. وأما المحدثون فإنهم تصرفوا

стр. 182

في التخلص وأبدعوا فيه فاظهروا من ذلك العجائب والغرائب كقول علي بن الجهم: وليلة كحلت بالنفس مقلتُها ... ألقت قناع الدجى في كل أخدود قد كاد يُغرقني أمواج ظلمتها ... لولا اقتباس سناً من وجه داود ألا ترى ما ألطف هذا التخلص وأحسنه؛ فانه ذكر أولاً الليلة وسوادها، وابتداء دجاها، وأنه في غمرات من ظلمتها كالغريق. ثم أدرج في ضمن كلامه، بعد ذلك، ذكر الممدوح بما يناسب ما هو من الظلمة، فذكر الإنارة والإضاءة بقوله: (سنا من وجه داود) فصار الكلام كأنما أفرغ إفراغاً واحداً، ومن هذا النحو قول ابن نباتة: كمن الشموع وقد أطلعت ... من النار في كل رأس لسانا أنامل أعدائك الخائفين ... تَضَرَّعُ تطلبُ منك الأمانا فهذا هو التخلص البديع في الصنعة الذي استحوذ على مجامع الحسن والرونق، فاعرفه. وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي: (إن كتاب الله العزيز خال من الاقتضاب والتخلص). وهذا القول فاسد، لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تناسب بين الكلام الذي حرج منه والكلام الذي خرج إليه، وفي القرآن العظيم مواضع كثيرة من ذلك، كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار والبشارة بالجنة

стр. 183

إلى أمر ونهي ووعد ووعيد ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة لنبي مرسل وملك منزل إلى ذم لشيطان مربد، وجبار عنيد بلطائف دقيقة، ومعان آخذة بالقلب؛ فما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون). إلى قوله تعالى: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) هذا كلام يذهل العقول ويحير الألباب، وفيه كفاية لطالب البلاغة والمنتصب لهذه الصناعة، فانه متى أنعم فيه النظر وتدير أثناءه، ومطاوي حكمته علم أن في ذلك غني عن تصفح الكتب المؤلفة في هذا الفن ألا ترى أيها المتأمل ما أحسن ما رتب إبراهيم ﵇ كلامه مع المشركين حين سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا سؤال مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع. وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين، فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة. ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله، الذي لا تجب العبارة الإله، ولا ينبغي الرجوع والإنابة إلا إليه، فصور المسألة في نفسه دونهم بقوله (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) على معنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة العدو وهو الشيطان، فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله منه. وأراهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه لينظروا فيقولوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم

стр. 184

إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه. ولو قال: (فإنهم عدو لكم) لم يكن بتلك المثابة، فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله ، وأجرى عليه تلك الصفات العظام من تفخيم شأنه، وتعديد نعمه (عليه) من لدن خلقته وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته ليعلم بذلك أن من هذه صفاته حقيق بالعبادة وواجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته، ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه فدعى بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوابين، لأن الطالب (إلى) مولاه، والراغب إليه إذا قدم قبل سؤاله وضراعته الاعتراف بالنعمة والإقرار بالإحسان كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة، ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث، ويوم القيامة ومجازاة الله لمن آمن به واتقاه بالجنة، ولمن ضل عن عبادته بالنار، فجمع الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته، ثم سأل المشركين عما كانوا يعبون من الأصنام سؤال مونج لهم، مستهزئ بهم، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمنى العود ليؤمنوا. فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض مع احتوائه على ضروب من المعاني فيتخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة دقيقة حتى كأنه معنى واحد، فخرج من ذكر الأصنام وتعريقه لأبيه وقومه من عبادتهم إياها مع ما هي عليه من التعري عن صفات الإلهية حيث لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع، إلى ذكر الله تعالى، فوصفه بصفات الإلهية، فعظم شأنه وعدد نعمه، ليعلم بذلك أن العبادة لا تصح إلا له. ثم خرج من هذا إلى دعائه إياه وخضوعه له ثم خرج منه إلى ذكر يوم القيامة، وثواب الله وعقابه، فتدير هذه التخلصات اللطيفة، هذا إلى غيره من تضمن هذا الكلام لأنواع من صناعة التأليف، وهي الإيجاز والكناية والتقديم والتأخير وإنابة الفعل الماضي عن الفعل المضارع. فأما الإيجاز فلا خفاء به على العارف بما أشرنا إليه في بابه الذي سبق ذكره إلا أن من جملته قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين) فإنه جمع الترغيب في طاعته

стр. 185

والترهيب من معصيته مع عظمهما، وفخامة شأنهما في هذه الكلمات اليسيرة. وأما الكناية فقوله تعالى (وبرزت الجحيم للغاوين) فالغاوون هاهنا كناية عن أبيه وقومه، ويدل على ذلك قوله (وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله) لأن كلامه في الأول كان معهم في عبادتهم الأصنام. وأما التقديم والتأخير فإن ذكر إبراهيم النعمة وتعديد الإحسان قبل الدعاء وطلب الحاجة. وأما إنابة الفعل الماضي عن المضارع فقوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون) بعد قوله (ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)، وفي ذلك من الفائدة ما أشرنا إليه في بابه، وقد سبق ذكره، فاعرفه. ومما استطرف من هذا النوع قول ابن الزمكدم: وليل كوجه البرقعيدي ظلمةً ... وبرد أغانيه وطول قرونه سريتُ ونومي فيه نوم مشرَّدٌ ... كعقل سليمان بن فهد ودينه على أَوْلقٍ فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجهة قرواش وضوء جبينه وهذه الأبيات لها حكاية وذلك أن هذا الممدوح كان جالساً مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنياً وسليمان بن فهد وزيراً، وأبو جابر صاحباً، فالتمس الممدوح من الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه فأنشد هذه الأبيات. وقد قال بعض أرباب هذه الصناعات إن هذا الشاعر لو تحدى بهذه الأبيات لأعجز

стр. 186

الشعراء أن يأتوا بمثلها، لأنه مع إتيانه بهذا النوع من علم البيان لم يقنع بذلك حق رقي في معانيه المقصودة إلى أسمق المنازل؛ فابتدأ في البيت الأول بهجو البرقعيدي، فجاء في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، ولم يخل منها بشيء وهي الظلمة والبرد والطول، ثم إن هذه الأوصاف لليلة جاءت ملائمة لما وقعت عليه، مطابقة له: وكذلك البيت الثاني والثالث. ثم خرج إلى المدح بألطف وجه وأرق صنعة، فاعرف ذلك فانه لم يقل في هذا الباب أيدع من هذه الأبيات. ومما جاء على نحو ذلك قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وصافية تغشى العيون بنورها ... رهينة عامر في الدَّنان وعام أَدَرنا بها الكأس الروية بيننا ... من الليل حتى انجاب كل ظلام فما ذرَّ قَرْنُ الشمس حتى رأيتنا ... من العي نحكي أحمد بن هشام ألا ترى ما أحسن ما خرج هذا الشاعر في الهجاء، فإنه أوهم في الأول الخوض في صفة الخمر ثم استدرج المعنى الذي قصده في صفة الخمر، من حيث لا يعلم السامع لمطلع كلامه أنه يريد ذلك؛ وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. وأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع، وهو أن يقطع المؤلف كلامه ويستأنف كلاماً آخر غيره، من غير علاقة تكون بينه وبين ما قبله، فمن ذلك ما هو أحسن من

стр. 187

التخلص، وهو فصل الخطاب، ولنبين في ذلك ما يوقفك عليه، ويأخذ بمجامع قلبك فنقول: إن أريد فصل الخطاب، الفاصل في الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والصواب والخطأ فهو (فَعْل) بمعنى فاعل كالفَّوْم والزَّوْر، وقال بعضهم هو (أما بعد) لأن المتكلم يفتتح، إذا تكلم في الأمر الذي له شأن؛ بذكر الله (أما بعد) وهذا مذهب المحققين من علماء البيان. قالوا في الفصل الذي هو أحسن من الوصل هذا، وهي علامة وكيدة من الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره كقوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) إلى قوله: (مفتحة لهم الأبواب) ألا ترى ما ذكر قبل (هذا ذكرُ) في الأنبياء، وأراد أن يذكر على عقبه باباً آخر وهو ذكر الجنة وأهلها فقال (هذا ذكر) ثم قال (وإن للمتقين لحسن مآب). وبدل عليه لما أتم ذكر أهر الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار قال (وإن للطاغين لشر مآب) وذلك من فضل الخطاب الذي هو ألطف موقعاً من التخلص فاعرفه. النوع الرابع عشر من الباب الأول من الفن الثاني في مبادئ والافتتاحات وهو نوع من صناعة التأليف جّمة فوائده، وذلك أن يجعل مطلع الكلام من الشعر والخطب والرسائل دالاً على المعنى المقصود بذلك الشعر أو تلك الخطبة أو تلك الرسائل. ومن أدب ذلك أن لا يذكر الشاعر في افتتاح القصيدة المديح بما يتطير به وقال بعض علماء البيان (أحسنوا معاشر الكتاب الابتداءات فإنهن دلائل البيان). وينبغي للشاعر أن يحترز في المدح مما يتطير به من وصف إفقار الديار، ودثور المنازل والأطلال، وتشتت الألاّف، وذم الزمان،

стр. 188

وأشباه ذلك، ولا سيما إذا كان في التهاني، فإنه يكون أشد قبحاً، وإنما يستعمل ذلك في الخطوب النازلة، والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في المديح مؤسساً على هذا المثال تطير منه سامعه، فإن رأس صناعة التأليف وضع كل شيء مكانه، وإنما خصصت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام، فانه متى كان الابتداء لائقاً بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه وتزايدت البواعث على الاستغناء إليه، ومن أقبح الابتداءات قول ذي الرمة (ما بال عينيك منها الماء ينسكب). لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لإخفاء بقبحه، وقد أنكر الفضل بن يحيى على أبي نواس قوله فيه: (أربع البلى إنَّ الخشوع لبادي) فلما انتهى إلى قوله: سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني بربك من رائحين وغادي استحكم تطير الفضل بن يحيى، وقيل إنه لم يمض على ذلك أسبوع واحد حتى نكبوا، وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه وجمع أهله وأصحابه وأمرهم أن

стр. 189

يلبسوا أسنى الملابس، ويظهروا محاسن الزينة، وجلس على سرير مرصّع بالجواهر والى جانبه أسرة، فكلما دخل عليه رجل من أكابر دولته أجلس في الموضع الذي يليق به فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذن إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد فأذن له، فانشد شعراً ما سمع بأحسن منه في صفته وصفة المجلس إلا أنه استفتح بذكر الديار القديمة وبقية آثارها فقال: يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاكِ؟! فتطير المعتصم من ذلك وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم، وعجبوا كيف ذهب عليه مثل ذلك مع علمه ومعرفته وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سر من، رأى وخرب القصر، فإذا أراد الشاعر أن يذكر داراً في مديحه فليذكر كما ذكر الخريمي: ألا يا دار لك السرور ... وساعدك النضارة والحبور وكما قال أشجع. . . قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام

стр. 190

وما أجدر هذا البيت بمفتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم في ذلك القصر، فإنه لو ذكر هذا وما يجري مجراه لكان حسناً لائقاً. وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال من أجاد الابتداء والمقطع، ألا ترى أن قصيدة أبي نواس التي هي: يا دار ما فعلت بك الأيام ... لم يبق فيك بشاشة تستام قد قيل إنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة، وأن أبا تمام مع تقدمه في صناعة الشعر أتعب نفسه في الإتيان بما يماثلها أو يشابهها فلم يقدر على ذلك، وهي مع شرفها وعلو منزلتها في الشعر مستكرهة الابتداء من حيث النظر، لأنها في مدح الخليفة الأمين. وافتتاح المديح بذكر الديار ودروسها يتطير به، ولا سيما في حق الخلفاء والملوك، ولهذا يختار من ذكر الأماكن والمنازل ما راق لفظة، وحسن التلفظ به كالغوير والعقيق وزرود وأشباه ذلك، ويختار أيضاً من أسماء النساء في الغزل نحو (سعاد وأمام وفوز) وما يجري هذا المجرى. ولقد عيب على الأخطل من أجل تغزله باسم (قدور) وهي امرأة كان يحيها فإنه مستقبح في الذكر، وأمثال هذه الأشياء تجب مراعاتها بها فاعرف ذلك. ولما نظر أبو العميثل في قصيدة أبي تمام وهي:

стр. 191

(أهن عوادي يوسف وصواحبه) استرذل ابتداءها فاسقط القصيدة كلها حتى عاد إليه أبو تمام ووقفه على موقع الاختيار منها وهو: إليك جزعنا مغرب الشمس كلما ... أجزنا ملاً صَلَّتْ عليك سياسيه وغير ذلك مما ذكره أبو تمام في قصيدته، فلما وقف أبو العميثل عليه راجع عبد الله بن طاهر فأجازها له. ولأبي تمام ابتداءات كثيرة تجري هذا المجرى كقوله: (قدك آنئد أربيت في الغلواء). فإن الابتداء المستكره ليس من شرطه أن يكون مما يتطير به فقط وإنما يكون مستكرهاً كما أشرنا إليه من قول أبي تمام وما جانسه، فاعرف ذلك. واعلم أن الابتداء البديع البارع يكون داعياً إلى الإصغاء إلى ما بعده من الكلام، ألا ترى أن الله تعالى قال: (حم، ألم، وطسم، وكهيعص). فيقرع الأسماع شيء بديع، ليس لها بمثله عادة فيكون ذلك داعياً لها إلى الاستماع، ولذلك استحسن من الابتداءات في الكتب (الحمد لله) لأن النفوس تتشوف إلى تمجيد الله والثناء عليه، وتميل إلى معرفة ما يأتي بعده من الكلام. ومن أحسن الابتداءات ما ذكره مهيار فإنه أتى بالمعنى المقصود من أول كلامه فقال: أما وهواها عِذْرَةّ وتنصُّلاً ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا سعى جُهدَه لكن تجاوز حدَّهُ ... وكثَّر فارتابت ولو شاء قلّلا ألا ترى ما ألطف هذا الاعتذار الذي قد أبرزه في هيئة القول، وأخرجه في معرض النسيب،

стр. 192

والمراد به الاعتذار إلى الممدوح، وذلك من أبدع ما يكون في هذا الباب. ومما جاء على نحو منه قول بعض المتأخرين في أنوشروان الوزير وقد خلع عليه: خُلعَت من الحَدَثان أحصَنُ أَدرعي ... فلقد سُنِنَّ على الكريم الأروع وكذلك قوله وقد وشي في حقه إلى الممدوح: وراءك أقوال الوشاة الفواجر ... ودونك أحوال الغرام المُخامر فلولا وَلُوعُ منك بالصدق ما وشوا ... ولولا الهوى لم أنْتَدِبْ للمعاذر فسلك في هذا القول مذهب مهيار إلا أن في هذا زيادة على ما قاله مهيار، وهي في المعاتبة على الالتفات إلى الوشاة، والاستماع منهم وذلك من أغرب ما قيل في هذا المعنى، فاعرفه. ومن الابتداءات في الكتب قوله مؤلف الكتاب (الحمد لله رافع لواء الإيمان، وقامع أولياء الشرك والبهتان، الذي نصر الإسلام وأطلع نجومه، وخذل الكفر وطمس رسومه)، فإنه قد جيء بالمعنى المقصود وهو البشرى بهزيمة الكفار من أول الكتاب، ومتى سمع الإنسان

стр. 193

هذا المطلع علم أنه يتضمن البشرى بادالة المسلمين على المشركين من غير أن يحتاج إلى وقوف على حديث الوقعة. ومن ذلك قوله بعض الكتاب في زمن المأمون وقد نتجت ناقة شخص آدمي، فأمر أن يكتب بذلك إلى البلاد فقال (الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام)، فعير عن المراد في أول كلامه. وأمثال ذلك كثيرة فاعرفها. النوع الخامس عشر من الباب الأول من الفن الثاني في قوة اللفظ لقوة المعنى وهو نوع من علم البيان شريف المحل، لطيف المأخذ، وإنما يعمد إليه لضرب من المبالغة. أعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر اكثر منه فلا بد وأن يتضمن من المعنى أكثر مما كان يتضمنه أولاً، والدليل على ذلك أن الألفاظ هي أدلة على المعاني وأمثلة للإبانة عنها، فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني بقدر ما زيد في الألفاظ. وهذا لا نزاع فيه، لبيانه ووضوحه. فمن ذلك (خشن) و (اخشوشن) فمعنى (خشن) دون معنى (اخشوشن) لما فيه من تكرير العين وزيادة الواو. ونحو (فعل) و (افعوعل) وكذلك قولهم (أعشب المكان) فإذا أرادوا كثرة العشب قالوا (اعشوشب) ومثله (فَعل) و (افتعل) نحو (قدر) و (اقتدر) فاقتدر أقوى معنى من قولهم (قَدر) قال الله - تعالى - (أخذ غزير مقتدر) فمقتدر هنا أبلغ من (قادر) من حيث كان الموضع لتفخيم الأمر وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن وفور الغضب، وكثرة السخط، ومما ينتظم في هذه الأوزان من أسماء الفاعلين، فإن بعضها أبلغ من بعض، نحو (فاعل) و (فعيل) وما جرى مجراها. ولقد سألني بعض الأخوان عن (فاعل) و (فعيل) وأيهما أبلغ؟ فقلت في الجواب

стр. 194

ما أذكره هاهنا هو إن كانت العرب قد قالت إن (فاعِلا) أبلغ من (فَعيل) أو إن (فعيلا) أبلغ من (فاعل) بغير علة أوجبت ذلك ولا سبب اقتضى تمييز أحدهما عن الآخر، إلا تحكما محضا، فذلك مُسَلَّم اليهم، لأنه لغة القوم وكلامهم، وهم المتحكمون فيه، وإن كانت العرب لم تميز (فاعِلا) على (فَعِيل) ولا (فَعِيلاً) على (فاعِل) ولا قالت إن أحدهما أبلغ من الآخر فلنا أن نبحث عن ذلك، فإن وجدنا لأحدهما مزية على الآخر ذكرناها، وإن لم نجد كان لذلك أسوة بباقي لغتهم، التي لا تعرف لها علة، وإنما بأخذ عنهم بالنقل والتقليد، ولما سألت، أيها الأخ، عن الفرق بين (فاعل) و (فعيل) وأيهما أبلغ؟ أنعمت النظر في ذلك مستعيناً بالله، فسنح الفرق بينهما بما أذكره، والله الموفق، فأقول: أما الحكم على أن أحدهما أبلغ من الآخر فهو أن (فاعلا) أبلغ من (فعيل). وأما علة الحكم فمن وجهين: الأول: أن (فاعلاً) لم يرد في كلام العرب إلا اسماً للفاعل فقط نحو (ضارب) اسم فاعل من (ضرب) و (قاتل) اسم فاعل من قتل، وهذا مطرد في بابه لم يأت غيره وأما (فعيل) فانه يكون اسماً للفاعل وبمعنى (المفعول) فأما كونه اسماً للفاعل فنحو (ظريف) اسم فاعل من (ظرف) و (كريم) اسم فاعل من (كرم) وكذلك ما جرى هذا المجرى. وأما كونه بمعنى (المفعول) فهو نحو (قتيل وجريح) اللذين هما بمعنى المقتول والمجروح. فلما كان (فاعل) مختصاً باسم الفاعل لا يشاركه فيه غيره، وفعيل يشترك فيه اسم الفاعل والمفعول كان ما هو مختص بالفاعل وحده أبلغ مما يشترك فيه الفاعل والمفعول، وذلك لقوة الفاعل على المفعول وضعف المفعول عن الفاعل، وما يختص بأمر قوي أبلغ مما يتردد بين أمرين قوي وضعيف. فإن قيل إن (فاعلاً) قد جاء بمعنى المفعول كما جاء (فعيل) بمعنى المفعول في قوله تعالى (ماء دافق) أي مدفوق قلنا: أما قولك إن (فاعلاً) قد جاء بمعنى المفعول واستدلالك عليه بالآية فإنه ضعيف شاذ، لأن ذلك لم ينقل جوازه عن العرب ولم يذهب إليه أحد من العلماء، غير أن بعض المفسرين قد ذكره وزيف قوله الجمهور، وأجمعوا على مخالفته

стр. 195

وقالوا إن معنى قوله تعالى (ماء دافق) أي مندفق وذلك أيضاً اسم (فاعل) من (أنْفَعَل) نحو (أنْطَلَقَ فهو منطلق) و (انعكف فهو منعكف) وما جرى هذا المجرى، ثم لو نقل جواز هذا عن العرب وصح عنهم لما كان ناقضاً لدعوانا نحن في (فَعيِل) وأنه يجيء بمعنى (المفعول) شائعاً كثيراً في كلامهم ويصح عليه القياس. وما ذكرته أيها المعترض شاذ قليل لا يعتد به ولا يقاس عليه، لأنه لم يأت منه إلا لفظة واحدة أو لفظتان أو لفظات كماء دافق وعيشة راضية) والشائع الكثير في كلام العرب وغيره أرجح جانباً من الشاذ القليل، وما يقاس عليه أبلغ مما ليس بمقيس (عليه). وأما الوجه الثاني في إثبات أن (فاعلاً) أبلغ من (فعيل) فهو أن فاعلاً يكون اسماً للفاعل معتدياً كان أو قاصراً فهو إذا يعمها جميعاً نحو (غالب وجالس)، وأما (فعيل) فإنه لا يكون اسماً إلا لفاعل فعله قاصر غير متعد نحو (شريف ونبيه وغليظ) وهو مطرد في هذا الباب لم يأت في كلام العرب غيره، فلما كان (فاعل) اسماً للفاعل المتعدي فعله والقاصر معاً، و (فعيل) اسماً للفاعل القاصر فعله فقط كان (فاعل) أبلغ من (فعيل) المتعدي فعل إلى مفعوله، وقصور فعل (فعيل) عن معموله فإن قيل إن (فعيلاً) جاء اسماً للفاعل المتعدي فعله على غير وزن (فَعُل) نحو (خطبَ فهو خطيب) و (علم فهو عليم) وهذا يدل على أن (فعيلاً) مساو (لفاعل) في التعدي لأن (فاعلا) قد جاء اسماً للفاعل متعدياً كان فعله أو قاصراً، وكذلك قد جاء (فعيل) أيضاً كما رأينا. قلنا هذا الذي أشرت إليه من أن فعيلاً قد جاء اسماً للفاعل المتعدي فعله على غير وزن (فُعل) نحو (خطب فهو خطيب وعلم فهو عليم) مسلم إليك إلا أن ذلك لا يكون ناقضاً لما ذكرناه ولا اعتراضاً

стр. 196

عليه، لأن الذي أوردته إنما كان يصح لك الاعتراض به على ما أشرنا إليه أن لو كان (خطيب) وحده اسم فاعل من (خطب) ولا يجوز فيه (خاطب) أو كان (عليم) اسم فاعل من عليم ولا يجوز فيه (عالم) وكذا الأصل في (خَطَبَ) أن يكون اسم فاعله (خاطب) ولهذا لا ترى وزن (فعيل) أبداً وهو اسم فاعل من (فَعَل أو فَعِل) إلا وهو دخيل على (فاعل) لأنه الأصل وعليه القياس. والدليل على ذلك الاطراد والغلبة، لأن من شروط القياس الاطراد والغالب عليه أن يكون كذلك. وهذا موجود في (فَعَل) و (فَعِل) فهو (فاعل) وأما (فعيل) منهما فهو شاذ نادر والشاذ النادر لا ينقض القياس، والدليل على أن (فعيلا) شاذ في (فَعَل وفَعِل) فانه قد جاء فيهما ألفاظ معدودة لا غير، وإنما اطراده وغلبته (في) (فَعُل) نحو (شرُف فهو شريف) و (كرم فهو كريم) و (نَبُهَ فهو نبيه) وكذلك ما جرى هذا المجرى، على أنه قد شذ منه (فاعل) أيضاً نحو (طُهر) فهو طاهر ولا يقال فيه (طَهير) فاعرفه. فإن قيل: إن (فعيلا) هو اسم فاعل من الصفات الذوية، ولسنا نعني بذلك ما كان مقوماً للذات، نحو الحياة التي لا تقوم الذات إلا بها، وإنما نعني بذلك ما كان ملازماً للذات نحو (عليم وقدير وسميع وبصير) و (فاعل) هو اسم فاعل من الصفات العرضية نحو (ضارب وآكل وشارب) وما يكون مختصاً بصفة الذوات أبلغ مما يكون مختصاً بصفة الأعراض، واشرف محلاً، الجواب عن ذلك: أنا نقول لو سلم لك يوماً المعترض ما ذكرته واطرد في بابه لكان ناقضاً لما ذكرناه نحن وادعيناه من أن (فاعلاً) أبلغ من (فعيل) وإنما قد جاء (فاعل) وهو أيضاً اسم الفاعل من صفات الذات نحو (عالم وقادر وسامع) وأشباه ذلك، فقد عم (فاعل) إذن صفات الذوات وصفات الأعراض. وما

стр. 197

كان عاماً للأمرين جميعاً كان أبلغ مما اختص بأحدهما دون الآخر. فإن قيل قد قلت في كتابك: إن ما كان مختصاً بأمر قوى في بابه أبلغ مما تردد بين أمرين أحدهما قوي والآخر ضعيف، وهذا الحكم قد وجدناه هاهنا في (فعيل وفاعل) ففيعل مختص باسم الفاعل من الصفات الذوية واسم الفاعل من الصفات العرضية، فالذي يختص بالأشرف الأقوى وحده أبلغ من الذي يترد بينه وبين ضده، وهو الأذني الأضعف. الجواب عن ذلك: أنا نقول قد سلمنا إليك أن (فاعلاً) الذي هو اسم الفاعل هاهنا متردد بين صفات الذوات والأعراض ولكن من أين لك، أيها المعترض (الشاهد)، بصحة ما ذكرته من أن (فعيلاً) الذي هو اسم الفاعل هاهنا يخص صفات الذوات دون صفات الأعراض، فإن هذا شيء لم ينتظم لك سلكه، ولإرسالك أصله، لأنه قد جاء (فعيل) أيضاً وهو (فاعل) من صفات الأعراض نحو (نبيه ووجيه وبصير وفقير) وأشباه (ذلك). فقد استوى إذن (فاعل) و (فعيل) في عمومهما لصفات الذوات والأعراض، ولم يكن لأحدهما مزية على الآخر في هذا المعنى، وتفرد (فاعل) بالمزية على (فعيل) فيما أشرنا إليه قبل هذا الموضع في هذا الباب من تعديه إلى معموله واختصاصه باسم الفاعل دون معنى المفعول، وقد مر ذلك مستوفى في مكانه، فاعرفه. هذا ما صح لنا في الفرق (بين) (فاعل وفعيل) وأيهما أبلغ. والله الموفق. ومما أشرنا إليه من ذلك كفاية للعارف بهذه الصناعة، فانه ينبغي أن يكون خبيراً بقياس هذه الأشياء على نظائرها وأشباهها. النوع السادس عشر من الباب الأول من الفن الثاني في خذلان المخاطب وهو الأمر بعكس المراد، ويدل ذلك على الاستهانة بالمأمور، وقلة المبالاة بأمره أي أني

стр. 198

مقابلك على فعلك ومجازيك بحسنه، فمن ذلك قوله تعالى (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله، قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار) فقوله (تمتع بكفرك) من باب الخذلان، كأنه قال له: إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة فمن حقك أن لا تؤمر به بعد ذلك، وتؤمر بتركه، وهذا مبالغة في خذلانه لأن المبالغة في الخذلان أشد من أن يبعث على ضد ما أمر به. ومن هذا الباب قوله تعالى (قل الله أعيد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه). الآية، فإن المراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير المبالغة في الخذلان، على ما سبق ذكره، وفي هذا الكلام معنيان لطيفان: الأول رأى أن عبادتهم لله وعبادتكم لغيره إنما تنفع أو تضر لكم لا لسواكم والله - تعالى - لا يؤثر ذلك عنده شيئاً، لأن مستغن عن عبادتكم له. الثاني توعده لهم بالمقابلة على فعلهم من غير إصراح بالوعيد، وذلك أبلغ من الاصراح به؛ لوقوع الموعود في حيرة من أمره، وترامي وهمه عند ذلك إلى كل خطب عظيم من المجازاة والمقابلة، كقولك لمن عصى (افعل ما شئت إني مقابلك) وهذا نوع من علم البيان شريف. النوع السابع عشر من الباب الأول من الفن الثاني في الاشتقاق اعلم أن جماعة علماء هذه الصناعة يفضلون الاشتقاق على التجنيس، وليس الأمر كما وقع لهم، بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام؛ وذلك لأن التجانس في أصل الوضع

стр. 199

هو التماثل والتشابه، يقال (جانس الشيء (الشيء) إذ ماثله وشابهه، ولما كان الحال كذلك، ورأينا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبيانه علماً أن ذلك يطلق عليه اسم (التجانس). وكذلك لما رأينا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ذلك أن ذلك يطلق عليه اسم (التجانس). أيضاً، فالتجانس ينقسم قسمين أحدهما تجانس في اللفظ والآخر تجانس في المعنى، فأما التجانس في اللفظ فهو على بابه تجانس لم يجعل له اسم آخر كما جعل للتجانس في المعنى فانه يسمى (الاشتقاق) أي أن أحد المعنيين مشتق من الآخر، فهذا الموضع الذي كنا بصدد ذكره لا يليق أن نورد فيه إلا ما يختص بالمعاني، لأنه من باب الصناعة المعنوية، ولذلك أفردنا (الاشتقاق) وذكرناه هاهنا. وأما التجانس في الألفاظ. فسيأتي ذكره في باب الصناعة اللفظية. واعلم أن الاشتقاق على ضربين: صغير وكبير، فالصغير: أن يأخذ أصلا من الأصول فيجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغته ومبانيه، كتركيب (س ل م) فأنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه نحو (سالم وسالم وسلمان وسلمى والسليم) اللديغ: أطلق عليه ذلك تفاؤلاً بسلامته، وعلى هذا جاء غيره من الأصول كقولك (هشمتك هاشم) و (حاربك محارب) و (سالمك سالم) و (أصاب الأرض صيب) لأن الصّيب هو المطر الذي يشتد صوبُه أي وقعه على الأرض، وأمثال ذلك كثيرة، ولهذا الضرب من الكلام رونق لا يخفى على العارف بهذه الصناعة، فما جاء منه قول بعضهم: (أمحلّتي سَلمى لكاظمة أسلما) وكذلك قول الآخر وهو جرير بن عطية:

стр. 200

وما زال معقولاً عقال عن الندى ... وما زال محبوساً عن الخير حابس وقال غيره: لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حدّ إذا لبس الحديد وأمثال هذه كثيرة، فاعرفها. وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلاً فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحداً يجمع تلك التراكيب وما تصرف منها وإن تباعد شيء من ذلك رد بلطف الصنعة والتأويل إليها، كما يفعل الاشتقاقيون. ولنضرب لذلك مثالاً فنقول: إن لفظة (ق ر م) من الثلاثي لها ستة تراكيب وهي (ق ر م. ق م ر. رم ق. م ق ر. م ر ق. فهذه التراكيب الستة يجمعها معنى واحد. وهو القوة والشدة، فالقرم شدة شهوة اللحم وقمر الرجل (إذا غلب من يقامره) و (الرقم) الداهية وهي الشدة التي تلحق الإنسان من أمره (وعيش مرمق) أي ضيق، وذلك نوع من الشدة أيضاً (والمقر) شبه الصبر يقال (أمقر الشيء إذا أمر) وفي ذلك شدة على الذائق وكراهة (ومرق السهم) إذا نفر من الرميّة، وذلك لشدة مضائه وقوته. واعلم أنه إذا أسقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاق، لأن الاشتقاق ليس من شرطه كمال تراكيب الكلمة بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت بها تراكيبها، من تقديم حروفها أو تأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعها. فمثال ما سقط من تراكيب الثلاثي لفظ (وس ق) فإن لها خمسة تراكيب وهي: وس ق. وق س. س وق. ق س و. ق وس. وسقط من جملة التراكيب قسم واحد وهو (س ق و) وجميع هذه الكلمات المذكورة تدل على القوة والشدة أيضاً، فالوسق من قولهم (استَوْسَقَ الأمرُ) أي اجتمع وقوي. والوَقْسُ: ابتداءُ الجَرَبِ، وفي ذلك شدة على من يصيب وبلاء. والسَّوْق:

стр. 201

متابعة السيرة وفي هذا عناء وشدة للسائق والمسوق. والقَسْوة: شدة القلب وغلظه. والقَوْسُ: معروف، وفيه نوع من الشدة والقوة لنزعه السهم وإخراجه إلى ذلك المرمى المتباعد. واعلم أنا لا نَدعَّي أن هذا يطرد في جميع اللغة بل قد جاء شيء منها كذلك، وهذا مما يدل على شرفها وحكمتها، لأن الكلمة الواحدة تتقلب على ضروب من التقاليب، وهي مع ذلك دالة على معنى واحد. وهذا من أعيب الأسرار التي توجد في لغة العرب وأغربها، فاعرفه. النوع الثامن عشر من الباب الأول من الفن الثاني في الحروف العاطفة والجارة وهو نوع ينبغي لمؤلف الكلام مراعاته والعناية به، لأن معانيه ودقائقه، لا يتنبه لها إلا الفطن اللبيب، وما رأيت أحداً من علماء هذه الصناعة تعرض له ولا ذكره ولا أقول إنهم لم يعرفوا ذلك أصلاً، لأن هذا النوع من الكلام أشهر من أن يخفى؛ لأنه مذكور في كتب العربية جميعها، ولست أعني بإيرادها هنا ما يذكره النحويون من أن الحروف العاطفة تتبع المعطوفَ (المعطوفَ) عليه في الإعراب، ولا أنَّ الحروف الجارة تجر ما تدخل عليه بل أمراً وراء ذلك، وإن كان المرجع فيه الأصل الذي ذكره علماء العربية في كتبهم فأقول: إن أكثر الناس يجعلون ما ينبغي أن يعْطَف بالواو معطوفاً بالفاء، وما ينبغي أن يعْطَف بالفاء معطوفاً بثم، وكذلك يجعلون ما ينبغي أن يكون (بعلى) (بقي) في حروف الجر. وفي هذه الأشياء دقائق، أذكرها لك أيها المتأمل، لتعلم السر فيها. فأما حرف العطف فنحو قوله تعالى (قَتِلَ الإنسان ما أكفَرَهُ مِنْ أي شيء حَلَقه، من نطفة خلقه فقدَّرَهُ، ثم السَّبيْلَ يسّرهُ، ثم أماتهُ فأقْبَرهُ، ثم إذا شاءَ أنشرَهُ) ألا ترى انه لما قال (من نطفة خلقه) كيف قال (فقدَّره) ولم يقل (ثم قدّره) لأن التقدير لما كان تابعاً للخلقة، وملازماً لها، عطفه عليها بالفاء، وذلك بخلاف قوله (ثم السبيل يسّره، لأن بين خلقته

стр. 202

وتقديره في بطن أمه وبين إخراجه منها وتسهيل سبيله مهلة وزماناً، فلذلك عطفه (بثم) وعلى هذا جاء قوله تعالى (ثم أماته فأقبره) وقوله (ثم إذا شاء أنشره) لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخياً وفسحة، وكذلك بين موته ونشوره أيضاً، ولهذا عطفهما (بثم). ولما لم يكن بين موت الإنسان وإقباره تراخ ولا مهلة عطفه بالفاء، وأمثال هذا كثيرة، فينبغي لمؤلف الكلام تديرها والإتيان بها في أما كنها. واعلم أن في حروف العطف موضعاً تلتبس فيه الفاء بالواو، وهو موضع يحتاج إلى فضل تأمل لأنه شديد الاشتباه والالتباس؛ وذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء دون الواو، وقد يجيء من الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة ويعطي ظاهره أنه كذلك، إلا أن معناه يكون مخالفاً لمعنى فعل المطاوعة، فينعطف حينئذ بالواو لا بالفاء. وهذا موضع غامض يجب على المؤلف التحرز من الوقوع فيه، فمن ذلك قوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) فقوله تعالى (أغفلنا قلبه) هاهنا بمعنى صادفناه (غافلاً)، لأنه لو كان كذلك لكان معطوفاً عليه بالفاء وقيل (فاتبع هواه) وذلك أنه يكون مطاوعاً وفعل المطاوعة إنما يكون معطوفاً بالفاء دون الواو كقولك (أعطيته فأخذ ودعوته فأجاب) ولا تقول (أعطيته وأخذ ولا دعوته وأجاب) كما لا تقول (كسرته وانكسر) وكذلك لو كان معنى (أغفلنا) في الآية (صددنا) و (منعنا) لكان معطوفاً بالفاء، وكان يقال (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه) فلما لم يكن كذلك وكان العطف عليه بالواو؛ فطريقه أنه لما قال: (أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه أن يكون معناه (وجدناه غافلاً) وإذا وجد غافلاً فقد غفل لا محالة، وكأنه قال (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا

стр. 203

واتبع هواه) أي لا تطع من فعل كذا وكذا. يعدد أفعاله، التي توجب ترك طاعته، فاعرف ذلك وقس عليه. وأما حرف الجر فنحو قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود بمخالفة حرفي الجر هاهنا فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعلٍ على فرس جواد يركض حيث يشاء، وصاحب الضلال كأنه منغمس في ضلاله مرتبك فيه فلا يدري أين يتوجه، وهذا معنى دقيق قلما يراعي في الكلام وكثيراً ما سمعت إذا كان الرجل يلوم صديقه أو يعاتب خليله على أمر من الأمور فيقول له (أنت على ضلالك القديم كما أعهدك) وهذا وإن كان جائزاً في الكلام إلا أن استعمال (في) هاهنا أولى لما أشرنا اليه، ومن هذا النوع قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) فإنه إنما عدل عن اللام إلى (في) في الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في الاستحقاق والتصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن (في) للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من التخلص وتكرير (في) في قوله تعالى (وفي السبيل) فيه فضل وترجيح له على الرقاب وعلى الغارمين، وأمثال هذا مما يوجب مراعاته والاعتناء به (كثيرة) فاعرفه.

стр. 204

النوع التاسع عشر من الباب الأول من الفن الثاني في التكرير وهو قسمان: أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى، والآخر يوجد في المعنى دون اللفظ فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى فكقولك لمن تستدعيه (أسرِعْ أسرِع) ومنه قول أبي الطيب المتنبي: ولم أرَ مثر جِيْراني ومِثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك (أطلعني ولا تعصني) فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية. وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير ذلك. فالمفيد يأتي في الكلام تأكيداً له وتشييداً من أمره، وإنما يفعل ذلك للدلالة على معظم محل الشيء، الذي كررّت فيه كلامك، والإشعار بفخامته شأنه وعلو قدره، أو الدلالة على حقارته والإعلام بهوانه واتضاعه. وغير المفيد لا يأتي في الكلام إلا عَبَثاً وخَطَلاً، من غير حاجة إليه. فأما الأول وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى ويدل على معنى فهو ضربان: مفيد وغير مفيد. فالضرب الأول وهو المفيد فرعان: الأول إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على المعنى واحد المقصود به غرضان مختلفان كقوله تعالى (وإذ يَعِدُكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتَوَدُّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويُريد الله أن يُحِقَّ الحق بكلماته ويَقْطَعَ دابِرَ الكافرين، ليُحِقَّ الحقَّ ويُبْطِلَ الباطلَ ولو كره المجرمون) هذا تكرير في اللفظ (وهو قوله) (يحق الحق وليحقَّ الحق) وإنما جيء به هاهنا لاختلاف المراد، وذلك أن الأول تمييز بين الإرادتين، والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم، ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض.

стр. 205

ومن هذا الباب قوله تعالى (قل أني أمرتُ أنْ أعبد الله مخلصاً له الدين. . .) إلى قوله (فاتقون) ألا ترى إلى هذا التكرير في قوله (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين) وقوله (قل الله أعبد مخلصاً له ديني) والمراد به غرضان مختلفان وذلك أن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بإحداث العبادة له والإخلاص في دينه. والثاني إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة، مخلصاً له دينه، ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة في الثاني وأخره في الأول؛ لأن الكلام أولاً واقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانياً فيمن يفعل الفعل لأجله، ولذلك رتب عليه (فاعبدوا ما شئتم من دونه). ومما أورد على نحو من ذلك قوله تعالى: (قل يأيها الكافرون. . .) إلى آخرها فقوله (لا أعبد) يعني في المستقبل لا تطلبوا مني عبادة إلهكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهين. (ولا أنا عابد ما عبدتم) أي (وما كنتُ قط عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه، يعني أنه لم يُعْهد في عبادة صنم في الجاهلية في وقت مّا، فكيف يرجى ذلك في الإسلام؟! ولا أنتم عابدون في الماضي في وقت مّا ما أنا على عبادته الآن). وأمثال هذا كثيرة فاعرفه. ومن هذا الجنس قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قومُ نوح المرسلين، إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون، إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعوني، وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، فاتقوا الله وأطيعوني) فإنه إنما كرر قوله (فاتقوا الله وأطيعوني) ليؤكده عندهم وليقرره في نفوسهم مع تعليق كل واحد منهما بعلة؛ فجعل علة الأول كونه أميناً فيما بينهم، وجعل علة الثاني حسم طعمه عنهم وخلوّه من الأغراض فيما يدعوهم إليه.

стр. 206

من هذا النحو قوله تعالى (كذبت قبلهم قومُ نوح وعادٌ وفرعون ذو الأوتاد، وثمودُ وقومُ لوطٍ وأصحاب الأيْكَة أولئك الأحزابُ، إنْ كُلٌ إلا كّذبَ الرُسلَ فحقَّ عقابي) وإنما كرر تكذيبهم هاهنا لأنه لم يأت به على أسلوب واحد، بل تنوع فيه بضروب من الصنعة فذكره أولاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء به بالجملة الاستثنائية، فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم. وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه، والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولاً وبالاستثنائية ثانياً، وما في الاستثناء من الواضح علة جهة التأكيد والتخصيص من المبالغة المسجلة عليهم، باستحقاق أشد العذاب في أبلغه (من البيان ما لا خفاء فيه). وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى غامض، وبه يعرف مواقع التكرير والفرق بينه وبين غيره، فافهمه. الفرع الثاني من الضرب الأول إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد والمراد به غرض واحد كقوله تعالى: (والله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء) إلى قوله: (. . . لمبلسين) فقوله (من قبله) بعد قوله (من قبل) فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول فاستحكم يأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اهتمامهم. ومثل من قوله تعالى (فكان عاقبتهما أنَّهما في النار خالدين فيها) وكذلك قوله تعالى (ولا تحْسَبنَّ الذين يفرَحون بما أتَوْا ويُحْمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم

стр. 207

بمفازة من العذاب، ولهم عذاب أليم) ومن هذا الجنس قوله تعالى (وقال الذين آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيلَ الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاعٌ وإن الآخرة هي دار القرار) فإنه إنما كرر نداء قومه هاهنا لزيادة التنبيه لهم، والإيقاظ من سنة الغفلة، ولأنهم قومه وعشيرته وهم فيما يوبقهم كمن الضلال، وهو يعلم وجه صلاحهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يَتَحزَّن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك أن لا يتهموه، فإن سرورهم سرور وغمهم غمه وإن لم ينزلوا على نصيحته لهم. وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز وأشد موقعاً من الاختصار، فاعرفه. وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر (فذوقوا عذابي ونذُري) وقوله (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فَهَل من مُدّكِر) فإنه تكرر ذلك في السورة كثيراً، وفائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبيهاً واستيقاظاً، إذ سمعوا الحث على ذلك، والبعث إليه وأن تقرع لهم العصا مرات، لئلا يغلبهم السهو، وتستولي عليهم الغفلة. وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن - جل وعلا - (فبأي آلاء ربكما تكذبان) وذلك عند ذكر كل نعمة عددها على عباده، وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة فاعرفها. الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى وهو غير المفيد وهو الذي يكون وجوده وعدمه سواءً لأنه لا يأتي (إلا) بمعنى واحد فقط، فمن ذلك

стр. 208

ما أوردناه في صدر هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي: ولم أرَ جِيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مُقام إنه يقول: لم أر مثل جيراني في سوء الجوار وقلة المراعاة، ولا مثلي في مصابرتهم ومقامي عندهم، إلا أنه قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين، وعلى نحو ذلك جاء قوله: فَقَلقَلتُ بالهمَّ الذي قَلقَلَ الحشا ... قَلاقِلَ عِيسِ كلُّهن قلاقل فإن الصاحب إسماعيل بن عباد أنكر على أبي الطيب هذا البيت لأجل التكرير الذي فيه ورأيت الواحدي ذكر في شرحه لشعر أبي الطيب أنه لا يلزمه من هذا عيب وأنه قد جرت عادة الشعراء بمثل هذا كقول أبي منصور الثعالبي: وإذا البَلابلُ أطربَتْ بهدِيلها ... فأنفِ البلابلَ باحتساه بَلابل ولقد أصاب الصاحب بن عباد في استقباح بيت أبي الطيب، وأخطأ الواحدي في الاعتذار عنه، وتمثيل ذلك يقول الثعالبي. وبيانه أن بيت أبي الطيب قد ورد فيه ذكر القلقلة والقلاقل أربع مرات، وهن دلائل معنى واحداً لا غير٥ وهو الحركة يقول (وحركت بالهم الذي حرك

стр. 209

الحشا نوقاً سراع الحركة كلهن متحركات) وهذا من أقبح ما يكون من التكرير وأما بيت الثعالبي الذي مثله الواحدي ببيت أبي الطيب فليس مثالاً لأن لفظة (البلابل) قد وردت فيه ثلاث مرات. وكل منها دال على معنى، والبلابل الأولى جمع بلبل، وهو طائر حسن الصوت، والبلابل الثانية جمع بلبلة، وهي وسواس الصدر، والبلابل الثالثة جمع بلبلة وهي مخرج الماء من الابريق، فهو يقول: وإذا الأطيار من البلابل هدلت وغردت فانف البلابل من قلبك باحتساء الخمر من بلابل الأباريق، وهذا من أخف ما يكون من التجنيس. ومن هاهنا وقع السهو للواحدي، وهو أن (البلابل) في شعر الثعالبي تدل على معان مختلفة و (القلاقل) في شعر أبي الطيب تدل على معنى واحد، فاعرف ذلك وقس عليه. القسم الثاني من النوع الأول في التكرير وهو الذي يوجد في المعنى دون اللفظ، وهو ضربان: مفيد وغير مفيد الضرب الأول المفيد وهو فرعان: الأول إذا كان التكرير في المعنى يدل معنيين مختلفين كدلالته على الجنس والعدد ، وهو باب من التكرير مشكل؛ لأنه يسبق إلى الوهم أنه تكرير محض، يدل على معنى واحد فقط، وليس كذلك. فمما جاء منه قوله تعالى (وقال الله لا تتخذوا إلهْين اثنين إنما هو إله واحدٌ) ألا يرى أن العرب إنما جمعت بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا (عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة) لأن المعدود عار من الدلالة على العدد المخصوص، فأما (رجل ورجلان وفرس وفرسان) فمعدودان. فالفائدة إذن في قوله تعالى: (إلهين اثنين وإله واحد) وهو أن الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية (يدل) على الجنسية والعدد المخصوص،

стр. 210

فإذا أريدت الدلالة على أن المعني به واحد منهما وكان الذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به. ألا ترى أنك لو قلت (إنما هو إله) ولم تؤكده بواحد لم يحسن، وخيل إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية. وهذا باب من تكرير المعاني وعر المسلك دقيق المغزى وبه تحل مشكلات من التكرير فاعرفه. ومن هذا النحو إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين: أحدهما خاص والآخر عام كقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) الآية. فإن الأمر بالمعروف داخل تحت الدعاء إلى الخير، لأن الأمر بالمعروف خاص والخير عام. فكل أمر بالمعروف خير وليس كل حير أمراً بالمعروف؛ لأن الخير أنواع كثيرة، من جملتها الأمر بالمعروف، ففائدة التكرير هنا أنه ذكر الخاص بعد ذكر العام، للتنبيه على فضله كقوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) الآية. وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفها. الفرع الثاني من الضرب الأول من القسم الثاني إذا كان التكرير في المعنى يدل معنى واحد وقد سبق مثاله، في أول هذا الباب، كقولك (أطعني ولا تعصني) لأن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية، والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب، والتقرير لها في قلبه. والكلام في هذا الموضع من التكرير كالكلام في الموضع الذي قبله من تكرير اللفظ والمعنى؛ إذ كان المراد به غرضاً واحداً. الضرب الثاني من القسم الثاني في تكرير المعنى دون اللفظ وهو غير المفيد فمن ذلك قول ابن هانئ المغربي: سارت به صِيغ القصائد شرَّداً ... فكأنما كانت صَباً وقبولا

стр. 211

فكأنه قد قال (فكأنما كانت صباً وصباً) لأن الصباً هي القبول، وليس ذلك مثل التكرير في قوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فيما يرجع إلى تكرير اللفظ والمعنى. ولا مثل التكرير في قوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف) فيما يرجع إلى تكرير المعنى دون اللفظ؛ لأن كل واحدة من هاتين الآيتين تشتمل على معنيين: خاص وعام، وقول ابن هانئ (صباً وقبولا) لا يعطى إلا معنى واحداً لا غير، وهذا لا يخفى على المعارف بصناعة التأليف. ومن هذا النحو قول الصابي في كتاب: (وصل كتابك بعد تأخير وإبطاء، وانتظار له واستبطاء) فإن التأخير والإبطاء بمعنى واحد، وقد يكون لهذا وجه في التجويز، وهو التقرير في نفس المخاطب لبعد الأمد، وتطاول المدة في انقطاع كتابه عنه، وذلك مما لا بأس به في هذا الموضع، وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفها. النوع العشرون من الباب الأول من الفن الثاني في تناسب المعاني وهو ثلاثة أضرب: الضرب الأول المطابقة وهي المقابلة اعلم أن جماعة العلماء من أرباب هذه الصناعة قد أجمعوا على أن المطابقة في الكلام: هي الجمع بين الشيء وضده، كالسواد والبياض والليل والنهار، وخالفهم في ذلك أبو الفرج قدامة ابن جعفر الكاتب فقال: (المطابقة إيراد لفظتين متساويتين في البناء والصيغة مختلفتين في المعنى). وهذا الذي ذكره قدامة هو (التجنيس) بعينه، غير أن الأسماء لا مشاحة منها إلا إذا كانت مشتقة، ولننظر نحن في مخالفة قدامة لجماعة العلماء في اسم المطابقة ليعلم الحق في أي الجهتين مقره، وذلك أنا ننظر إلى أصل المطابقة في وضع اللغة فإن كانت مناسبة لما أجمع عليه العلماء تحققنا أن الحق معهم، وإن كانت مناسبة لما ذكره قدامة تحققنا أن الحق في يده فرأينا: أصل الطباق في اللغة من (طابق البعير في سيره) إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يقوي

стр. 212

ما ذكره قدامة، لأن اليد غير الرجل لا ضدها، والموضع الذي يقعان منه واحد، وكذلك المعنيان يكونان غير بن أي مختلفين، واللفظ الذي يجمعهما واحد، فقدامة سمى هذا النوع من الكلام المطابقة، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع (موقعه) إلا أنه قد جعل للتجنيس اسماً آخر هو المطابقة، ولا بأس به. وأما جماعة العلماء فكأنهم سمواً هذا الضرب من الكلام مطابقاً، بغير اشتقاق، ولا مناسبة بينه وبين مسماه. كذا هو الظاهر لنا من هذا الأمر، إلا أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة، لم نطلع نحن عليها، ولنرجع نحن إلى هذا النوع من التأليف ونحقق الكلام فيه فنقول: اعلم أن الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع (المقابلة) لأنه لا يخلو الخال في ذلك من ثلاثة أقسام: أما أن يقابل الشيء بضده أو بغيره (أو بمثله) وليس لنا قسم رابع. فأما القسم الأول وهو مقابلة الشيء بضده ، كالسواد والبياض وما جرى مجراه فكقوله تعالى (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيراً). ألا ترى إلى صحة هذه المقابلة البديعة؛ حيث قابل الضحك بالبكاء والقليل بالكثير؟. وكذلك قوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم). وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب. وقال رسول الله ﷺ (خير المال عين ساهرة لعين نائمة). ومن هذا قول بعضهم في السحاب: وله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يراوح بينه وبكاء

стр. 213

فقابل الضحك بالبكاء، والحزن بالسرور في بيت واحد إلا أن في ذلك نظراً، من حيث ترتيب التفسير، لا من حيث المقابلة، لأن ترتيب التفسير يقتضي أن كان قال (فله بلا حزن ولا بمسرة) (بكاء يراوح بينه وضحك). وهذا لا كبير عيب فيه، وإنما الأولى والأليق ما أشرنا إليه، فاعرفه، وسيأتي بيانه، وقال آخر: فلا الجودُ يفني المالَ والجدُّ مقْبلُ ... ولا البخلُ يُبقي المال والجد مدبرُ ألا ترى إلى هذه المقابلة البديعة التي قد أتى بها هذا الشاعر؛ فانه قابل الجود بالبخل ويُفْني بيُبقي ومُقبِل بمدبر؟ وهذا الكلام هو السهل الممتنع، الذي هو كالنجم تراه قريباً على صفحات الماء وهو بأفق السماء. ومن هذا النوع أيضاً قول البحتري: وأمة كانَ قُبْحُ الجَور يُسخطها ... دهراً فأصبح حُسنُ العدل يُرضيها فقابل الحسن بالقبح، والجور بالعدل، والسخط بالرضى، وذلك بديع في بابه، فاعرفه. وأما القسم الثاني وهو مقابلة الشيء بغيره فهو ضربان أحدهما ما كان بين المقابل والمقابل له مناسبة وتقاب ل، كقول بعضهم. يَجْزُونَ من ظلم أهل الظُلمِ مَغْفِرةً ... ومِنْ إساءةِ أهلِ السُّوء إحسانا فقابل الظلم بالمغفرة، والظلم ليس ضد المغفرة، وإنما هو ضد العدل إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل مناسبة له حسنت المقابلة بينها وبين الظلم، وأمثال هذه كثيرة. الضرب الثاني من القسم الثاني في المقابلة وهو أن يقابل الشيء بما بينه وبينه بعد ولا مناسبة (بينهما) بحال من الأحوال وذلك مما لا يحسن استعماله في التأليف، مما جاء منه قول بعضهم: أمْ هَلْ ظعائنُ بالعلَياءِ رافِعَةٌ ... وإنْ تكامل فيها الدَلُّ والشَنَبُ

стр. 214

فإن ذلك غير مناسب، لأنه إنما يكون يحسن الدل مع الغنج والشنب مع اللّمَس أو ما يجري مجراه من أوصاف الثغر والفم. وأما القسم الثالث من النوع العشرين فهو أن يقابل الشيء بمثله، وهو ضربان: أحدهما التقابل في اللفظ والمعنى، والآخر التقابل في المعنى دون اللفظ، فالضرب الأول كقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم). وكقوله تعالى (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً) وأمثال هذا كثيرة، والضرب الثاني فهو أن تقابل الجملة بمثلها: إن كانت مستقبلة (بمستقبلة) وأن كانت ماضية قوبلت بماضية، وربما قوبل الماضي بالمستقبل، والمستقبل بالماضي، وذلك إذا كان أحدهما في معنى الآخر: فمن ذلك قوله تعالى (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فيما يوحي إلي ربي) فإن هذا تقابل من جهة المعنى، ولو كان التقابل من جهة اللفظ لقال (وإن اهتديت فإنما أهتدي لها). وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى هو أن النفس كل ما هو عليها فهو بها، أعني أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بسببها ومنها، لأنها الأمارة بالسوء، وكل ما حولها مما ينفيها فبهداية ربها وتوفيقه إياها. وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله ﷺ أن يسنده إلى نفسه، لأن الرسول إذا دخل تحته مع علو محله وسداد طريقه كان غيره أولى به، ومن هذا الضرب أيضاً قوله تعالى (أو لم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) فإنه لم يراع التقابل في قوله (ليسكنوا فيه والنهار مبصراً) لأن القياس

стр. 215

يقتضي أن يكون (والنهار ليبصروا فيه) وإنما هو مراعى من جهة المعنى، لا من حيث اللفظ، وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف، لأن معنى قوله (مبصراً) ليبصرواً فيه طرق التقلب في الحاجات. ومن مقابلة الشيء بمثله أنه إذا ذكر المؤلف ألفاظاً تقتضي جواباً فالمرضي عندنا أن يأتي بتلك الألفاظ في الجواب من غير عدول عنها إلى غيرها مما هو في معناها، فمن ذلك قوله تعالى (وجزاء سيئة مثلها). ومما عيب في هذا الباب قول بعضهم (من افترى ذنباً عامداً أو اكتسب جرماً قاصداً لزمه ما جناه وحاق به ما توخاه). والأليق أن كان قال (لزمه ما اقترف وحاق به ما اكتسب) ليكون أحسن طباقاً وإن كان ذلك جائزاً في الكلام من حيث إن معناه صواب، لكنه عدول عن الأليق والأولى في هذا الباب. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. واعلم أن في تقابل المعاني باباً عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل وزيادة نظر وتدير، وهو تخليص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالأعجاز من أبيات الشعر، مما جاء من ذلك قوله تعالى في حق المنافقين (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) وقوله تعالى (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) ألا ترى كيف فصل الآية الأخيرة (بيعلمون) والآية التي قبلها (بيشعرون) وإنما فعل ذلك لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال، حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك. وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصاً عند العرب، وما كان فيهم من التجارب والتعاود، فهو كالمحسوس عندهم فلذلك قال فيه (يشعرون) وأيضاً فانه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه أحسن طباقاً، فقال (لا يعلمون).
следующие страницы →