← Акыда

Акыда · id 37478

الشيعة والتشيع - فرق وتاريخ

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (400 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لو لم يبق من الأرض إلا اثنان فأحدهما الحجة" (١). هذه هي الأسس الكبيرة التي وضعوا عليها بناء إمامة أئمتهم، ولما وجدوا أن أكثر الذين يعتقدون فيهم الإِمامة ولا تنطبق عليهم هذه الصفات ولا يصدق عليهم هذه الشروط حيث إن بعضهم ليس بأكبر ولد أبيه مثل موسى الكاظم والحسن العسكري، وبعضهم لم يغسّله إمام مثل علي بن موسى بن جعفر، فإن ابنه محمد الجواد لم يتجاوز الثامنة من عمره آنذاك. وكذلك موسى بن جعفر فإن ابنه علي الرضا لم يغسّله لغيابه عنه عندئذ. والجدير بالذكر أن محمد بن الرضا -الإِمام الثامن من عندهم- كان بالمدينة حين وفاته (٢). وكذلك الحسين بن علي لم يثبت أنه غسّله ابنه علي زين العابدين لملازمته الفراش ولحيلولة عساكر ابن زياد دون ذلك. وبعضهم لا يستوي عليه درع رسول الله مثل محمد بن علي الرضا، فإنه لم يتجاوز الثامنة عند وفاة أبيه، وكذلك ابنه علي بن محمد مات عنه وهو صغير. ومنهم مَن لم يكن عنده سلاح رسول الله، ولو كان عنده لما نازعه في الأمر أخوه زيد، وكموسى بن جعفر حيث نازعه عبد الله الأفطح وغيره. ومنهم من لم يكن أعلم الناس، فكيف يكون الصبى أعلمهم، وقد نقل عن القوم أنفسهم بأن من يظنونه إماماً من الصبيان قد وكل أمرهم إلى الآخرين إلى أن يستأنس منهم الرشد والعلم، وكذلك فقد

стр. 282

شكّ كبار الشيعة وزعماؤهم حتى في علم جعفر بن الباقر، فهذا هو زرارة بن أعين كبير رواة القوم، الذي قال فيه جعفر نفسه: رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي" (١). فهذا زرارة قال عن جعفر وأبيه: رحم الله أبا جعفر، فإن في قلبي عليه لفتة" (٢). وقال فيه أيضاً: وصاحبكم أيضاً ليس له بصر بكلام الرجال" (٣). ومثل ذلك حكموا في علم ابنه موسى، والقائل هو أبو بصير المرادي أحد الأركان الأربعة في رواية الحديث الشيعي، وأبو بصير هذا هو الذي بشره جعفر بن محمد بالجنة (٤). فلقد ذكر الكشي في شعيب الأقرقوفي أنه ذكر أبا الحسن عنده، فقال أبو بصير: أظن صاحبنا ما تناهى حكمه بعد، وفي رواية أظن صاحبنا ما تكامل علمه" (٥). وأما الشجاعة فبعد الحسين بن علي لم يكن واحد منهم معروفاً بهذا الوصف بين الناس حسب روايات الشيعة، بل كل ما نقل عنهم يدل على عكس ذلك، فلم يخرج واحد منهم ضد الحكام ولا السلاطين، بل خلاف ذلك، كان منهم من أقر بعبوديته لهم، ومنهم متخاذل عن نصرة بني عمومته الخارجين على الأمراء والولاة، ومنهم متجنب محترز محتاط ومنهم داع إلى التزام الولاء والإِطاعة لهم كما ذكرنا كل ذلك في الباب السابق.

стр. 283

وهذا كله حسب روايات القوم أنفسهم، وما فعله الحسن وما قالوه له وفيه فمعروف ومشهور. ومنهم من جاء النص بأنه كان يجنب ويحتلم كعلي بن أبي طالب والحسن والحسين، ورووا النص عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد إلا أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين" (١). وأما العلم بما كان وما يكون فلو كان كذلك لم يختلف أجوبتهم على السائلين لعلمهم أنهم من مخلصي شيعتهم، لأنهم عند ذاك علموا بأنهم ليسوا من المخالفين كما ذكر ذلك النوبختي: "عمر بن رياح" زعم أنه سأل أبا جعفر ﵇ عن مسألة فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية فشكك في أمره وإمامته فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر يقال له (محمد بن قيس) فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني بخلاف جوابه الأول، فقلت له: لم فعلت ذلك؟ فقال: فعلته للتقية، وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري لا ولكن جوابيه جميعاً خرجا على وجه التبخيت ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيب بمثله، فرجع عن إمامته وقال: لا يكون إماماً

стр. 284

من يفتي بالباطل على شىء" (١). ومثل ذلك ذكر الكليني في (الكافي) عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم. قال: ثم قلت لأبي عبد الله ﵇: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه" (٢). وكذلك لو كانوا يعلمون الغيب لما قتل البعض منهم ومات الآخرون مسمومين حسب روايات القوم، فإنهم قالوا: لم يكن إمام إلا مات مقتولاً أو مسموماً (٣). لأنهم عند ذلك علموا بذلك. وأما التكلم بجميع اللغات فليس إلا من الأساطير التي اختلقها القوم للضحك على عقول الناس. فهذه هي الأشياء التي جعلت الشيعة في موقف حرج ومأزق لا يرجى منه الخروج.

стр. 285

وعندما لم يولد مولود للحسن العسكري رأوا أن جميع قواعدهم قد انهارت، وأسسهم قد انهدمت، ولم يبق مجال للتأويل الذي كانوا يتأولون به في السابق والسابقين، ورأوا أنه لا مخلص ولا منجي منه الا أن يوجدوا معدوماً ليتخلصوا به في المستقبل عن جميع الأسئلة التي تنجم عن عدم وجود تلك الأوصاف التي وضعوها كالعلامات للإمام، هذا وزيادة على ذلك كانت إمامة الحسن العسكري معرضة للخطر حيث لم تنطبق عليه علامات كثيرة، منها أنه لم يعقب ولم يخلف. ثم ولم يوص إلى من بعده. ولم يغسّله إمام كذلك. ولم يستو بعده على أحد درع رسول الله. ومن لا يكون موجوداً كيف يحكم عليه بأنه عالم وشجاع. وأخيراً خليت الأرض من حجة، وبقيت بلا إمام ولم تسخ. فحاروا واضطربوا ولم يجدوا جواباً لأن عدم وجود المولود للحسن العسكري لم يكن ليقضي على إمامة الحسن العسكري فحسب، بل كان يتخطى إلى هدم إمامة الآخرين أيضاً حيث إنهم هم الذين رسخوا هذه القواعد التي -طالما انكسرت وانعدمت في الكثيرين منهم- لأنه بذلك يخطي نبوءاتهم ويغلط أقاويلهم وهم معصومون عن الخطأ والزلل، لا ينطقون إلا بما يُلهَمون، فهذا هو النوبختي وهو الشيعي المتعصب المشهور، من أكابر هذه الطائفة وعظماء هذه السلالة، متكلم فليسوف إمامي الاعتقاد (١) يصرّح بعبارة واضحة لا غبار عليها بأن الشيعة تحيّروا بعد موت الحسن وذهبوا إلى آراء مختلفة متعددة، وتفرقوا فرقاً كثيرة متنوعة:

стр. 286

ففرقة قالت: إن الحسن حيّ لم يمت وإنما غاب وهو القائم -وسبب هذا القول؟ - ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر لأن الأرض لا تخلو من إمام. وفرقة قالت: إن الحسن بن علي مات وعاش بعد موته ... ولو كان له ولد لصحّ موته ولا رجوع، لأن الإِمامة تثبت لخلفه وما أوصى لأحد. وفرقة قالت: إن جعفر هو الإِمام لا الحسن، وتوفي الحسن لا عقب عليه، وإن الإِمام لا يموت حتى يوصي، ويكون له خلف. وفرقة قالت: إن الإِمام بعد علي لم يكن جعفراً لأن فيه خصالاً مذمومة وهو بها مشهور، ولا الحسن لأنه قد توفي، ولا يجوز أن يموت الإِمام بلا خلف، ولذلك الإِمام بعد علي هو ابنه محمد المتوفي في حياة أبيه. وفرقة قالت: إن الإِمام بعد علي الحسن وبعد الحسن أخوه جعفر، وأما ما روى عن جعفر بأنه لا تكون الإِمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عندما يكون للماضي خلف من صلبه، وإذا لم يكن رجعت إلى أخيه ضرورة. وأقاويل كثيرة. فعند ذلك اضطروا إلى أن يقولوا إن للحسن ابناً، كيف يكون إمام قد ثبتت إمامته ووصيته وجرت أموره على ذلك وهو مشهور عند الخاص والعام، ثم يتوفى ولا خلف له. وفرقة منهم ردّت عليهم وقالوا: لا ولد للحسن أصلاً لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له أن له ولداً

стр. 287

خفياً لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله أن يقال خلف ابناً وأن أبا الحسن الرضا ﵇ خلف ثلاثة بنين غير أبي جعفر أحدهم الإمام لأن مجىء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجىء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يخلف ذكراً من صلبه ولا خلف عبد الله بن جعفر ابناً ولا كان للرضا أربعة بنين فالولد قد بطل لا محالة ولكن هناك حبل قائم قد صح في سرية له وستلد ذكراً إماماً متى ولدت فانه لا يجوز أن يمضي الإمام ولا خلف له فتبطل الإِمامة وتخلو الأرض من الحجة. وردّت عليهم طائفة فقالوا: واحتج أصحاب الولد على هؤلاء فقالوا: انكرتم علينا أمراً قلتم بمثله ثم لم تقنعوا بذلك حتى أضفتم إليه ما تنكره العقول، قلتم أن هناك حبلاً قائماً فإن كنتم اجتهدتم في طلب الولد فلم تجدوه فأنكرتموه لذلك فقد طلبنا معرفة الحبل وتصحيحه أشد من طلبكم واجتهدنا فيه أشد من اجتهادكم فاستقصينا في ذلك غاية الاستقصاء فلم نجده فنحن في الولد أصدق منكم لأنه قد يجوز في العقل والعادة والتعارف أن يكون للرجل ولد مستور لا يعرف في الظاهر ويظهر بعد ذلك ويصح نسبه والأمر الذي ادعيتموه منكر شنيع ينكره عقل كل عاقل ويدفعه التعارف والعادة مع ما فيه من كثرة الروايات الصحيحة عن الأئمة الصادقين أن الحبل لا يكون أكثر من تسع أشهر وقد مضى للحبل الذي ادعيتموه سنون وإنكم على قولكم بلا صحة ولا بينة. وفرقة قالت: ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، وإن الذين ادعوا ولداً في حياته كاذبون مبطلون في دعواهم، لأن ذلك لو كان لم يخف ولكنه مضى ولم يعرف له ولد، وقد كان الحبل فيما مضى قائماً ظاهراً ثابتاً عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك

стр. 288

حتى بطل بعد ذلك عند السلطان وخفى أمره فقد ولد بعد وفاته بثمانية أشهر وقد كان أمر أن يسمى محمداً وأوصى بذلك وهو مستوراً لا يرى. وأخيراً قالت الفرقة الثانية عشرة وهم الإِمامية: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم بل لله حجة من ولد الحسن بن علي، ولا تكون الإِمامة في الأخوين بعد الحسنين، ولو جاز ذلك لصحّ قول أصحاب إسماعيل بن جعفر ومذهبهم، ولثبت إمامة محمد بن جعفر، وأيضاً لا يجوز أن تخلو الأرض من حجة، ولو خلت لساخت الأرض ومن عليها. وعلى ذلك نحن مقرّون بوفاة الحسن، معترفون أن له ولداً قائماً من صلبه وأنه مخفي، وليس للعباد أن يطالبوا آثار ما سترت عنه، ولا يجوز ذكر اسمه، ولا السؤال عن مكانه، وطلبه محرّم لا يحل ولا يجوز" (١). ْفهذه هي الحقيقة الناصعة التي تنبىء عن ضرورة إيجاد المولود للحسن العسكري مستغنية عن التعليق والتعقيب عليه. بماذا أثبتوا إمامة أئمتهم؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن القوم لم يثبتوا إمامة أئمتهم مع ادعائهم النص والإشارة بأنه لا يكون الشخص إماماً إلا حينما يكون منصوصاً عليه من قبل إمام قبله وهو يشير إليه بأنه هو المنصوص، ولقد بوّب القوم في كتبهم أبواباً مستقلة في هذا المعنى مثل الكليني وغيره فإنهم بوّبوا بعنوان "باب الإشارة والنص" لكل واحد من أئمتهم المزعومين، ولكنه من العجائب أن أئمتهم أنفسهم من قبلهم لم يثبتوا إمامتهم بهذا حسب روايات القوم ولا بالشروط التي ذكروها من الوصية

стр. 289

والكبر واستواء درع الرسول عليهم ووجود سلاح رسول الله عندهم وغسلهم آباءهم، وكونهم الأعلم والأشجع وإحاطتهم علم الغيب وغير ذلك من الأوصاف والخصائل التي جعلوها علائم للإمامة وشروطاً لها، والتي ذكرناها آنفا، بل عكس ذلك إلتجئوا لإثبات مدعاهم إلى الشعبذات والنيرنجيات وفنون من السحر حسب زعم الشيعة، ولو عندهم الوصية وعليهم النص وإليهم الإشارة لما التجئوا إليها. فمثلاً ْيذكرون أن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين جاءت إليه امرأة من شيعة علي والحسن والحسين، وقد بلغت من الكبر عتيا، فقالت: أتيت علي بن الحسين ﵉ وقد بلغ بي الكبر إلى أن أرعشت وأنا أعدّ يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة، فرأيته راكعاً وساجداً أو مشغولاً بالعبادة فيئست من الدلالة فأومأ إليّ بالسبابة فعاد إليّ شبابي" (١). ومثل ذلك ذكروا لما قتل الحسين أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين وقال له: قتل أبوك ﵁ وصلى على روحه ولم يوص وأنا عمك وصنو أبيك، وولادتي من علي ﵇ في، سنّي وقديمي أحق بها منك في حداثتك، فلا تنازعني في الوصية ولا الإمامة ولا تحاجني .... فردّ عليه علي بن الحسين -انطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم عليه ونسأله عن ذلك، فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: ابدأ أنت فابتهل إلى الله وسله أن ينطق لك الحجر، ثم سل، فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله، ثم دعا الحجر فلم يجبه ... ثم دعا الله علي بن الحسين ﵉ ..

стр. 290

فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين، فقال: اللهم إن الوصية والإمامة إلى علي بن الحسين" (١). وكما نقلوا عن موسى بن جعفر أنه لما حصل بينه وبين أخيه عبد الله -وكان أكبر ولد جعفر- خلاف في الإمامة: أمر موسى بجمع حطب في وسط الدار وأرسل إلى أخيه عبد الله يسأله أن يصير اليه، فلما صار إليه ومع موسى جماعة من الإمامية، فلما جلس موسى أمر بطرح النار في الحطب فاحترق ولا يعلم الناس السبب فيه حتى صار الحطب كله جمراً، ثم قام موسى وجلس بثيابه في وسط النار وأقبل يحدث الناس ساعة، ثم قام فنفض ثوبه ورجع إلى المجلس، فقال لأخيه عبد الله: إن كنت تزعم أنك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس" (٢). وذكر الكليني قصة أخرى لإِثبات إمامة موسى بن جعفر وأحقيته بها من موسى وإسماعيل وغيرهما من إخوته الكبار بأن شخصاً جاء إلى موسى بن جعفر فسأله عن الإِمام من هو؟. فقال: إن أخبرتك تقبل؟. قال: بلى جعلت فداك؟ قال: أنا هو، قال: فشيء أستدل به؟ قال: اذهب إلى تلك الشجرة -وأشار بيده إلى أم غيلان- فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر: أقبلي، قال: فأتيتها فرأيتها والله تخدّ الأرض خدّا حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت" (٣). وكذلك أثبتوا إمامة محمد بن علي الرضا أنه جاء إليه شخص

стр. 291

فقال: والله إني أريد أن أسألك مسألة وأني والله لاستحيي من ذلك، فقال لي: أنا أخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام؟ فقلت: هو والله هذا، فقال: أنا هو، فقلت علامة؟ فكان في يده عصا فنطقت وقالت: إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة" (١). وبهذا عارضوا أصولهم وأساسهم بأن الإِمامة لا تثبت إلا بالنص والإشارة، ولا يكون الإِمام إلا منصوصاً، مشار إليه من الإِمام الذي قبله حيث إن أئمتهم حسب رواياتهم لم يختلفوا مع أئمتهم ولم يحصل النزاع بينهم إلا لعدم وجود النص والوصية والإِشارة وعدم شهرتها حتى بين أبناء أب واحد وإلا لما اضطروا إلى هذه الخزعبلات. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى النص الذي جعلوه مثبتاً لإِمامة أئمتهم ليس إلا مجرد الدعوى ولا دليل قائم معه كما ذكر ابن حزم في فصله رادّا على الشيعة وعلى ادعائهم النص: إن عمدة احتجاجكم في إيجاب إمامتكم التي تدعيها جميع فرقكم إنما هي وجهان فقط، أحدهما النص عليه باسمه والثانى شدة الفاقة إليه في بيان الشريعة إذ علمها عنده لا عند غيره ولا مزيد، فأخبروني بأي شيء صار محمد بن علي بن الحسين أولى بالإِمامة من إخوته زيد وعمر وعبد الله وعلي والحسين فإن ادعوا نصاً من أبيه عليه أو من النبي ﷺ أنه الباقر، لم يكن ذلك ببدع من كذبهم ولم يكونوا أولى بتلك الدعوى من الكيسانية في دعواهم النص على ابن الحنفية، وإن ادعوا أنه كان أفضل من إخوته كانت أيضاً دعوى بلا برهان والفضل لا يقطع على ما عند الله فيه بما يبدو من الإِنسان فقد يكون باطنه خلاف ظاهره، وكذلك يسألون أيضاً ما الذي جعل موسى بن جعفر أولى بالإمامة من أخيه محمد

стр. 292

أو إسحاق أو علي؟ فلا يجدون إلى غير الدعوى سبيلا، وكذلك أيضاً يسألون ما الذي خص علي بن موسى بالإمامة دون إخوته وهم سبعة عشر ذكراً؟ فلا يجدون شيئاً غير الدعوى، وكذلك يسألون ما الذي جعل محمد بن علي بن موسى أولى بالإمامة من أخيه علي بن علي وما الذي جعل علي بن محمد أولى بالإِمامة من أخيه موسى بن محمد وما الذي جعل الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى أحق بالإمامة من أخيه جعفر بن علي؟ فهل هاهنا شىء غير الدعوى الكاذبة الذي لا حياء لصاحبها، والتي لو ادعى مثلها مدع للحسن بن الحسن أو لعبد الله بن الحسن أو لأخيه الحسن بن الحسن أو لابن أخيه علي بن الحسن أو لمحمد بن عبد الله القائم بالمدينة أو لأخيه إبراهيم أو لرجل من ولد العباس أو من بني أمية أو من أي قوم من الناس كان لساواهم في الحماقة، ومثل هذا لا يشتغل به من له مسكة من عقل أو منحة من دين، ولو قلت أو رقعة من الحياء، فبطل وجه النص" (١). وعلاوة على ذلك يقول الإِمامية أو الاثنا عشرية أو الجعفرية أو الروافض -كما سماهم الله- أن الإمام لا يكون إلا معصوماً من الأخطاء ومنصوباً من قبل الله ، ولا يكون في عنقه بيعة أحد غيره. أما كونه معصوماً من قبل الله فلا يخلو كتاب من كتبهم التي تذكر مسألة الإِمامة إلا وقد ذكروا فيه هذا، وهذا أمر مشهور مستغن عن ذكر مصدره ومرجعه. وأما أن الإمام لا يكون في عنقه بيعة أحد فكما ذكر الكليني أن هشام بن سالم دخل على موسى بن جعفر بعد وفاة أبيه وهو باكٍ حيران لا يدري إلى أين يتوجه ولا من يقصد، إلى المرجئة؟. إلى القدرية؟. إلى

стр. 293

الزيدية؟. إلى المعتزلة؟. إلى الخوارج؟. فقال له: جعلت فداك فمن لنا من بعده؟. قال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قال: قلت: جعلت فداك فأنت هو؟. ما أقول ذلك، قال: قلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، ثم قلت له: جعلت فداك عليك إمام؟ قال: لا، فداخلني شىء لا يعلم إلا الله إعظاماً له وهيبة أكثر مما كان يحلّ بي من أبيه إذا دخلت عليه" (١). وقد ورد مثل ذلك في كثير من كتب الشيعة بأن الإِمام لا يكون إماماً وفي عنقه بيعة أحد. هذا وإكمالاً للبحث وإتماماً للفائدة نلقي نظرة عابرة حول هذه الأوصاف ولوازم الإِمامة الثلاثة ليشمل البحث جميع الجوانب المهمة في هذا المبحث، فنقول: إن العصمة التي جعلوها من خواص الإِمام ولوازمه، واحتجوا بها على إمامة أئمتهم بأنه لم يكن أحد معصوماً غيرهم (٢). فإنها لم تثبت لهم أيضاً، وأحوالهم وأقوالهم تشهد على ذلك، فإن علياً ﵁ -وهو الإِمام المعصوم الأول حسب زعم الشيعة- اختلف معه ابنه الأكبر حسن السبط -وهو الإمام الثاني المعصوم عند القوم- في مسألة أخذه البيعة من الناس بعد استشهاد عثمان ذي النورين ﵁، وكما اختلف معه أيضاً في خروجه لمحاربة مطالبي دم عثمان كما مرّ ذكره في الباب الثاني من هذا الكتاب. ويلزم من ذلك أن واحداً منهما كان مصيباً والثاني مخطئاً أعني الإمام الأول وهو علي، أو الإِمام الثاني وهو الحسن، لأن واحداً منهما يرى رأياً والثاني يخالفه فلا بد

стр. 294

من أن يكون أحدهما على صواب والآخر علي خطأ. ثم ولقد ثبت في التاريخ أن علياً ﵁ صوّب رأي الحسن بعد كارثة الجمل وتأسف على عدم أخذه برأي الحسن وتقيده به. وثانياً: لقد أقر بصدور خطأ وإمكان الوقوع فيه، علي ﵁ نفسه حيث قال: لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطىء (١). وثالثاً: لقد ذكر المؤرخون أن الحسن ﵁ لما أراد الصلح مع معاوية خالفه في ذلك مع من خالفه أخوه الحسين -وكلاهما إمامان معصومان عند الشيعة- لكن الحسن لم يلتفت إلى رأي الحسين وصالح معاوية وكان الحسين يبدي الكراهة من صلح الحسن مع معاوية ويقول: لو جزّ أنفي كان أحب إليّ مما فعله أخي" (٢). والظاهر أن واحداً منهما كان مصيباً والآخر مخطئاً. هذا ومثل هذا كثير. وأما كونه منصوباً من قبل الله فأيضاً ليس إلا دعوى مجردة عن الدليل، ولم ينزل الله به من سلطان، ولكل أن يدعي بأن الله هو الذي نصبه ما دام أن الوحي منقطع ونزول جبريل على أحد مسدود. وأما أن الإِمام لا يكون إماماً إلا ولا يكون في عنقه بيعة أحد فهذا لم يتحقق ولا في واحد من أئمة القوم من علي ﵁ إلى الحسن العسكري، اللهم إلا أن يقال في ذلك الموهوم المعدوم الذي لم يولد، لأنه

стр. 295

قد ثبت تاريخياً ومن كتب القوم أنفسهم بأن كل واحد منهم بايع أئمة زمانهم وخلفاءهم. فإن الإمام الأول المعصوم حسب زعم الشيعة علي بن أبي طالب ﵁ بايع أبا بكر ثم عمر ثم عثمان (١). كما بايع الحسن وهو الإِمام المعصوم الثاني لدى الشيعة معاوية ﵁ (٢). وكما بايعه الحسين أيضاً وهو الإِمام الثالث المعصوم (٣). وبايع علي بن الحسين يزيد وأقرّ بعبوديته له حسب رواية الشيعة - وهو الإمام المعصوم الرابع عند القوم (٤). وهلمّ جرا. فهذه هي حقيقة شروط القوم اللازمة للأئمة، المنفية في أئمتهم باعترافهم وإقرارهم وثبوتهم من كتبهم أنفسهم. لماذا أوجبوا إمامة أئمتهم؟ إن الشيعة يقولون: أن الإمامة واجبة وأنها رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي (ص)، وإنما وجبت لأنها لطف واللطف واجب كما تقدم في النبوة، وإنما كانت لطفاً لأن الناس إذا كان لهم رئيس مطاع مرشد يردع الظالم عن ظلمه ويحملهم على الخير ويردعهم عن الشر كانوا أقرب إلى الصلاة وأبعد عن الفساد وهو اللطف، فالدليل

стр. 296

الدال على وجوب النبوة يدل على وجوب الإِمامة" (١). ويقول السيد الزين: أما الأمامة فهى واجبة ... لأن الامام نائب عن النبي ﵌ في حفظ الشرع الإِسلامي وتيسير المسلمين على طريقه القويم، وفي حفظ وحراسة الأحكام عن الزيادة والنقضان والإِمام موضح للمشكل من الآيات والأحاديث ومفسر للمجمل والمتشابه ومميز للناسخ من المنسوخ" (٢). وقال الحليّ: إن الإِمام يجب أن يكون حافظاً للشرع لانقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وآله وقصور الكتاب والسنة عن تفاصيل أحكام ْالجزئيات الواقعة إلى يوم القيامة، فلا بد من إمام منصوب من الله تعالى وحاجة العالم داعية إليه ولا مفسدة فيه فيجب نصبه ... وأما الحاجة فظاهرة أيضاً لما بيناه من وقوع التنازع بين العالم، وأما انتفاء المفسدة فظاهر أيضاً لأن المفسدة لازمة لعدمه، وأما وجوب نصبه فلأن عند ثبوت القدرة والداعي وانتفاء الصارف يجب الفعل" (٣). فقالوا بهذه الأقوال إثباتاً لإِمامة أئمتهم مع أن الوجوه والأسباب والعلل التي بيّنوها لوجوب الإِمامة هي التي تنفي إمامة أكثر أئمتهم، بل إمامة جميعهم غير عليّ ﵁ حيث إن أئمتهم الإثني عشر المزعومين لم يملكوا الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا ولم يملكوا ردع الظالم عن ظلمه وحمل الناس على الخير وردعهم عن الشر طبق روايات القوم أنفسهم، فإن واحداً منهم لم يولد على القول الصحيح، ولو

стр. 297

سلمّت ولادته تنازلاً لم يملك الظهور خوفاً على حفظه وبقائه فضلاً عن حفظ الشرع الإسلامي وحراسة الأحكام عن الزيادة والنقصان، والبعض الآخر مثل الإمام الحادي عشر والعاشر كانوا أطفالاً صغاراً حتى احتاج آباؤهم أن يجعلوا القيّمين عليهم وعلى أموالهم وودائعهم حتى يبلغوا الحلم لعدم قدرتهم على حفظ تركة الآباء وإرثهم، فمن لا يكون حافظاً على تركته وماله وأمور دنياه أجدر أن لا يكون حافظاً على أمور الآخرين، أمور دنياهم ودينهم. ثم قد ثبت من كتب القوم أنفسهم أن أئمتهم كانوا يفتون حتى خاصتهم وشيعتهم خلاف ما أنزل الله وما بيّنه الرسول وخلاف ما كانوا يرونه في قلوبهم صيانة على أنفسهم وحفاظاً على حياتهم كما مرّ سابقاً عن جعفر وأبيه الباقر (وطالما كانوا يحلون الحرام ويحرمون الحلال لهذا الغرض) وكما رواه الكليني في كافيّه عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله ﵇ فسأله رجل عن آية من كتاب الله فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كان قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسى: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطىء في الواو وشبهه، وجئت إلى هذا يخطىء هذا الخطأ كله فبينا أنا كذلك إذا دخل آخر فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي" (١). وكما رواه أيضاً عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله ﵇ وعنده أبو حنيفة، فقلت له: جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة، فقال لي: يا ابن مسلم هاتها، إن

стр. 298

العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، فقلت: رأيت كأني دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوزاً كثيراً ونثرته علي ْفتعجبت من هذه الرؤيا، فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتحاول أنْ تنال مالك في مواريث أهلك فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله، فقال أبو عبد الله ﵇: أصبت والله يا أبا حنيفة. قال: ثم خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت له: جعلت فداك إني كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا ابن مسلم لا يسوءك الله فما يواطىء تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطىء؟ قال: نعم حلفت عليه أنه أصاب الخطأ" (١). وأخيراً ننقل ما نقلناه سابقاً وما رواه الكليني: عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر ﵇ قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فسأله فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا بن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم. قال: ثم قلت لأبي عبد الله ﵇: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه" (٢). فهل عن مثل هؤلاء يقال إنهم يحفظون ويحرسون الأحكام عن

стр. 299

الزيادة والنقصان، ثم والبقية الآخرون مثل الحسن تنازلوا عن رئاستهم الدنيوية علناً وجهراً رغم أنوف المنكرين، وسلمّوا إليهم أُمورهم وأُمور غيرهم الدنيوية، وقد اعترف بعضهم بعبوديتهم للآخرين حسب روايات القوم عن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين، وبعضهم لم ينلها أي الرئاسة الدنيوية مع جدّه وجهده لنيلها وإدراكها كحسن السبط ﵁ حسب تصريحات القوم، فهذه حقيقة معتقدهم في الإمامة ووجوبها، وعلى ذلك قال ابن حزم: وأما وجه الحاجة إلى الإمامة في بيان الشريعة فما ظهر قط من أكثر أئمتهم بيان لشىء مما اختلف فيه الناس وما بأيديهم من ذلك شىء إلا دعاوى مفتعلة قد اختلفوا أيضاً فيها كما اختلف غيرهم من الفرق سواء، إلا أنهم أسوأ حالاً من غيرهم لأن كل من قلد إنساناً كأصحاب أبي حنيفة لأبي حنيفة وأصحاب مالك لمالك وأصحاب الشافعي للشافعي وأصحاب أحمد لأحمد فإن لهؤلاء المذكورين أصحاباً مشاهير نقلت عنهم أقوال صاحبهم ونقلوها هم عنه ولا سبيل إلى اتصال خبر عندهم ظاهر مكشوف يضطر الخصم إلى أن هذا قول موسى بن جعفر ولا أنه قول علي بن موسى ولا أنه قول محمد بن علي بن موسى ولا أنه قول علي بن محمد ولا أنه قول الحسن بن علي وأما من بعد الحسن بن على فعدم بالكلية وحماقة ظاهرة، وأما من قبل موسى بن جعفر فلو جمع كل ما روى في الفقه عن الحسن والحسين ﵄ لما بلغ عشر أوراق، فما ترى المصلحة التي يدعونها في إمامهم ظهرت ولا نفع الله تعالى بها قط في علم ولا عمل لا عندهم. ولا عند غيرهم، ولا ظهر منهم بعد الحسين ﵁ من هؤلاء الذين سموا أحد ولا أمر منهم أحد قط بمعروف معلن، وقد قرأنا صفة هؤلاء المخاذلين المنتمين إلى

стр. 300

الإمامية، القائلين بأن الدين عند أئمتهم، فما رأينا إلا دعاوى باردة وآراء فاسدة كأسخف ما يكون من الأقوال، ولا يخلو هؤلاء الأئمة الذين يذكرون من أن يكونوا مأمورين بالسكوت أو مفسوحاً لهم فيه، فإن يكونوا مأمورين بالسكوت فقد أبيح للناس البقاء في الضلال وسقطت الحجة في الديانة عن جميع الناس وبطل الدين ولم يلزم فرض الإِسلام وهذا كفر مجرد، وهم لا يقولون بهذا، أو يكونوا مأمورين بالكلام والبيان فقد عصوا الله إذ سكتوا وبطلت إمامتهم، وقد لجأ بعضهم إذ سئلوا عن ْصحة دعواهم في الأئمة إلى أن ادعوا الإلهام في ذلك فإذا قد صاروا إلى هذا الشغب فإنه لا يضيق عن أحد من الناس ولا يعجز خصومهم عن أن يدعوا أنهم ألهموا بطلان دعواهم .... ثم أن بعض أئمتهم المذكورين مات أبوه وهو ابن ثلاث سنين، فنسألهم من أين علم هذا الصغير جميع علوم الشريعة وقد عدم توقيف أبيه له عليها لصغره، فلم يبق إلا أن يدعوا له الوحي، فهذه نبوة وكفر صريح" (١). الشيخية ثم افترقت الشيعة الاثنا عشرية إلى فرق كثيرة من أهمها الشيخية نسبة إلى الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي البحراني المولود سنة ١١٦٦ هـ (٢) المتوفى سنة ١٢٤٣ هـ (٣). وسمّاه الخوانساري "ترجمان الحكماء المتألهين ولسان العرفاء والمتكلمين، غرة الدهر وفيلسوف العصر، العالم لأسرار المباني والمعاني" وكتب في ترجمته: لم يعد في هذه الأواخر مثله في المعرفة والفهم، والمكرمة والحزم،

стр. 301

وجودة السليقة، وحسن الطريقة، وصفاء الحقيقة، وكثرة المعنوية، والعلم بالعربية، والأخلاق السنّية، والشيم المرضيّة، والحكم العلميّة والعمليّة، وحسن التعبير والفصاحة ولطف التقرير والملاحة، وخلوص المحبّة والوداد؛ لأهل بيت الرسول الأمجاد، بحيث يرمي عند بعض أهل الظاهر من علمائنا بالإفراط والغلوّ؛ مع أنَّه -لا شكَّ- من أهل الجلالة والعلوّ. ورد بلاد العجم في أواسط عمره، وكان بها في نهاية القرب من ملوكها وأربابها. وكان أكثر مقامه فيها بدار العبادة يزد. ثمّ انتقل منها إلى إصبهان، وتوقّف فيها أيضاً برهة من الزمان. ولمّا أراد أن يرجع إلى أصله الذي كان في وصل الحسن ﵇ وورد بلدة قرميسين -التي هي واقعة في البين- استدعى منه. الوقوف بها أميرها العادل الكبير المغوار المغيار محمد علي ميرزا بن السلطان فتحعلي شاه قاجار. فأجابه إلى ذلك -لما استلزمه من المصالح أو صرف المهالك- إلى أن توفّي الوالي المذكور في سفر منه إلى حرب بغداد، وآل الأمر في تلك المملكة إلى الفتنة والفساد. فارتحل منها إلى أرض الحائر الشريف، ليصرف فيها بقيّة عمره الطريف، ويجمع أمره على التصنيف والتأليف، والقيام بحقّ التكليف ... وقد يذكر في حقّه أيضاً أنَّه كان ماهراً في أغلب العلوم، بل واقفاً على جملة من الحرف والرسوم، وعارفاً بالطبّ والقرائة والرياضيِّ والنجوم، ومدّعياً لعلم الصنعة والأعداد والطلسمات ونظائرها من الأمر المكتوم" (١).

стр. 302

ويذكر أن له من المؤلفات ما يقارب المائة (١). وقيل: أكثر من ذلك (٢). وذكر عنه تلميذه السيد كاظم الرشتي: إن مولانا رأى الأمام الحسن ﵇ ذات ليلة وضع لسانه المقدس في فمه. فمن ريقه المقدس ومعونة الله، تعلم العلوم. وكان في فمه كطعم السكر وأحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك، ولما استيقظ أصبح في خاصته محاطاً بأنوار معرفة الله، طافحاً بأفضاله، منفصلاً عن كل ما هو مغاير لله، وزاد اعتقاده في الله في نفس الوقت الذي ظهر فيه استسلامه لإرادة العلي. وبسبب ازدياد شوقه والرغبة الشديدة التي استولت على قلبه نسي الأكل واللبس الا ما يسدّ به حاجته الضرورية" (٣). فالأحسائي هذا كان له بجانب الكتب والمؤلفات دروس في كربلاء وطوس وغيرها من البلاد الشيعية، وفيها ينشر أفكاره وعقائده ومعتقداته، فإنه كان يقول: إن الله تجلى في علي وفي أولاده الأحد عشر. وإنهم مظاهر الله وأصحاب الصفات الإلهيه والنعوت الربانية، وهم أئمة الهدى، مختلفون في الصورة متفقون في الحقيقة" (٤). وكان يقول: إن الأئمة هم العلة المؤثرة في وجود المخلوقات، وهم مظهر الإِرادة الإلهية والمعبرون عن مشيئة الله، ولولاهم ما خلق الله شيئاً. ولذلك فهم

стр. 303

الغاية من الخلق، وكل ما يفعله الله فهو يفعله بواسطتهم، ولكن ليس لهم من ذاتهم قوة، وهم مجرّد وسائط. ولما كانت ذات الله لا تدرك وكانت لا تحيط بها أفهام جميع المخلوقات، فإن الإِنسان لا يستطيع معرفتها إلا بتوسط الأئمة الذين هم في الحقيقة محال للذات العلية، ومن أخطأ في حقهم أخطأ في حق الله، واللوح المحفوظ هو قلب الإِمام المحيط بكل السماوات وكل الأرضين، والأئمة هم أول المخلوقات والسابقون على كل شيء" (١). ثم كان يعتقد في الغائب المزعوم الثاني عشر: أولاً: أنه ميت، كما كان يقول: إن المهدي الغائب المنتظر ظهوره عند الشيعة هو الآن من سكان العالم الروحاني غير هذا العالم الذي يسمونه بجابلقاء وجابرساء" (٢). وإن الإِمام روحي له الإنداء لما خاف من أعدائه خرج من هذا العالم ودخل في جنة الهورقلياء" (٣). ثانياً: كان يقول إن الراجع لا يكون ذلك ابن الحسن العسكري بل يكون أحد غيره الذي حلّ فيه روحه، كما قال: وسيعود في هذا العالم بصورة شخص من أشخاص هذا العالم يعني بطريق ولادة عامة الناس" (٤). ثالثاً: يكون ذلك الشخص هو نفس الإِمام محمد بن الحسن العسكري ولو ولد من أب وأم آخرين جديدين:

стр. 304

إنه المهدي بعينه وإن ذلك الجسم اللطيف الروحاني قد ظهر في هذا الجسم الكثيف المادي" (١). رابعاً: يطلق عليه اسم القائم: لأنه يقوم بعدما يموت. ولما سئل: أيقوم من القبر؟. أجاب: يقوم من قبره أي من بطن أمه، وقال: إن جابلسا وجابلقا منزل الموعود ومحل المنتظر في السماء لا في الأرض كما يعتقد ويظن أكثر الناس" (٢). وكان ينكر المعاد والبعث الجسماني مطلقاً لأن الجسم يتكون من العناصر الأربعة وبعد خروج الروح تنحل الأجزاء والعناصر، ولا تبقى لها أثر، فتصير إلى الفناء الأبدي. والشىء الذي يبقى ويعود هو الجسم اللطيف الروحاني هو جوهر الجواهر عنده، والذي يسمونه الجسم الهورقليائي تبعاً للمصطلحات الكيماوية القديمة. "فجوهر الجواهر هو الجسم الهورقليائي الذي يحشر ويعاد، والعناصر الباقية التي هي أعراض ولواحق فهي تنتشر وتنحل وتندمج في أصلها كالماء في الماء والطين في الطين، والروح البالية أيضاً تفنى ويبقى الجسم الأصلي الذي يظهر في عرض الجسم من الأبعاد الثلاثة" (٣). ومن العقائد التي نشرها بين الناس أن الإِمام المهدي يتجلىّ ويظهر في كل مكان في صورة رجل يكون هو المؤمن الكامل أو الباب أو

стр. 305

الولي، ولابد من الإيمان به. فالأركان الأربعة التي هي أصل الدين وأصوله عندهم هي: (١) التوحيد. (٢) النبوة. (٣) والإمامة. (٤) والاعتقاد بالرجل الكامل (١). ولقد حلت هذه الشخصية في عصر الأحسائي في جسمه، ولأجل ذلك يسمى ركناً رابعاً أو الباب فالباب في رأيه شخص حلّ فيه روح الباب، والمهدي الذي حل فيه روح المهدي، والإِمام والنبي كذلك، وهم مع ذلك مختلفون في الصورة متحدون في الحقيقة كما ذكرنا سابقاً لأن الله تعالى هو المتجلي في الجميع على اختلاف المراتب والمناصب. وكان ينكر المعراج الجسماني والروحي، بل كان يقول إن رسول الله موجود في كل مكان في كل آن، وعلى ذلك لا معنى لهذا القول أنه كان في الأرض وعرج به إلى السماء لأنه ليس بمقيّد في مكان وزمان، فمن رآه في السماء رآه واللواحق السماوية وعوارضها ملتصقة به" (٢). وبعد أن مات الأحسائي تولىّ زعامة الشيخية ومنصبه، تلميذه السيد كاظم الرشتي سنة ١٢٤٢ هـ ونهج منهجه وسلك مسلكه، وصار ركناً رابعاً للشيخية غير أنه زاد الطين بلّة حيث قال: حل فيه روح الأبواب كما حلّ في الأحسائي ولكن آن الآوان لانقطاع الأبواب ومجىء المهدي نفسه" (٣). ويقول الشيخية:

стр. 306

العالم قديم بالزمان حادت بالذات، لأن الأعراض لا يمكن أن توجد بدون الجوهر، والصور لا يمكن أن توجد بدون محلهّا. والأعراض حادثة زائلة توجد تارة وتنعدم تارة، تأتي من العدم وتعود إلى العدم. أما الجوهر فليس شيئاً حادثاً زائلاً، وعلى هذا فإن المادة في ذاتها حادثة. هي موجودة أبداً في المستقبل لا في الماضي وإلا لكان للحياة الأخرى نهاية وفنيت الجنة والنار، والجنة هي محبة أهل البيت، أهل بيت النبي ﵇، الأئمة. والجنة والنار تحدثان بسبب أفعال الإنسان" (١). ولقد ذكره الخوانساري في كتابه بقوله: إن تلميذه العزيز، وقدوة أرباب الفهم والتمييز، بل قرّة عينه الزاهرة، وقوة قلبه الباهرة الفاخرة، بل حليفه في شدائده ومحنه، ومن كان بمنزلة القميص على بدنه، أعني السيد الفاضل الجامع البارع الجليل الحازم، سليل الأجلة السادة القادة الأفاخم الأعاظم، ابن الأمير سيد قاسم الحسيني الجيلاني الرشتي، الحاجّ سيد كاظم، النائب في الأمور منابه، وإمام أصحابه المقتدين به بالحائر المطهّر الشريف إلى زماننا هذا" (٢). وروّج هذا الرشتي أفكار شيخه وأدخل الكثيرين في مذهبه ومذهب الأحسائي، وصارت فرقة مستقلة حتى دخل فيه الكثيرون من شيعة إيران وعربستان والعراق وآذربائيجان والكويت (٣) ثم خلف الرشتي محمد كريم خان الكرماني ابن ظهير الدولة حاكم كرمان، ثم ابن محمد كريم خان محمد خان، وبعده أخوه زين العابدين، ثم ابن زين العابدين قاسم خان ابراهيمي.

стр. 307

ومن الجدير بالذكر أن الباب علي محمد الشيرازي أيضاً كان من تلامذة السيد كاظم الرشتي ومن المعتنقين بأفكار الشيخية وكل من قبلوا دعوته كانوا من الشيعة الشيخية أيضاً (١). ومن الطرائف أن عامة الشيعة الاثنى عشرية في باكستان والهند يعتقدون نفس الاعتقادات التي روّجها الأحسائي والرشتي ولو أنهم لا ينسبون أنفسهم إلى الشيخية، فإنهم شيخية اعتقاداً ولو أن بعضاً من علمائهم تجاهروا بالقول إنهم يعتقدون اعتقاد الشيخية، وفتحوا مراكز لها في مختلف المدن، وفي باكستان لهم مركز كبير في ملتان وفي كراتشي أيضاً، وأن أكثر المساعدات والإمدادات كتباً ومالاً تأتي إليهم من دولة الكويت. ونكتفي بهذا القدر من البيان عن الشيخية مع أننا ننوي إصدار كتاب مستقل ولو في المستقبل البعيد إن شاء الله حول هذه الطائفة لما عمّ صيتُها وكثر معتنقوها من الشيعة أنفسهم. النوربخشية وهناك طائفة أخرى توجد في وديان هملايا وكوهستان بلتستان المتصلة بتبت الصينية، يدعي الشيعة الاثنا عشرية بأنها فرقة من فرقهم لأنهم يسمون أنفسهم الشيعة النوربخشية نسبة إلى محمد نوربخش القوهستاني من مواليد سنة ٧٩٥ هـ، ويقولون: أنه ولد في قاوين قصبة قوهستان، وكان أبو هاجر من الأحساء، وقيل: إن أباه عبد الله ولد في الأحساء وجدّه محمد ولد في القطيف" (٢). وكان محمد نوربخش مريداً لخواجه إسحاق الختلاني تلميذ السيد علي الهمداني الذي أعجب بقابلياته حتى لقبه بنوربخش بمعنى

стр. 308

واهب الأنوار" (١). ويقولون: إن نسبه اكتشف عن طريق الكشف الصوفي بأنه علوي" (٢). ثم ادعى محمد نوربخش هذا بأنه هو المهدي الذي أخبر الرسول ﵊ بمجيئه في آخر الزمان لأن اسمه يواطىء اسمه، واسم أبيه يواطىء اسم أبيه فهو محمد وأبوه عبد الله، وكذلك كنيته حيث سمى أحد أبنائه القاسم، ولقبه أنصاره بالإِمام والخليفة على كافة المسلمين (٣). وكان يقول: لقد كنت أخفي حالي ولكن وجب إظهارها لتقوم الحجة على الناس كافة على صورة تعرّفهم بمظهر الكل والهادي إلى السبيل" (٤). وقد قام بالثورة العلنية الكبيرة ضد حكومة إيران آنذاك وقبض عليه، ولما اطلق سراحه ذهب إلى كردستان وبدأ يبثّ دعوته فيها فانقاد إليه سكانها، وضرب النقود باسمه" (٥). ثم ألقي القبض عليه وأعلن على منبر هرات وهو في قيده يوم الجمعة سنة ٨٤٠ هـ تنازله عن دعوى الخلافة وما يستتبعها، ثم سيّر إلى كيلان، ومن هناك إلى الريّ، وتوفي هناك سنة ٨٦٩ هـ (٦). وكان أتباعه موجودين آنذاك بكثرة في بلاد العراق وإيران. ويظهر من هذا السرد الموجز السريع أن محمد نوربخش لم يكن

стр. 309

اثنى عشرياً لأن الاثنى عشرية لا يرون المهدي إلا ابن الحسن العسكري المزعوم، وهذا عكس هؤلاء يعدّ نفسه مهدياً وأكثر من ذلك أنه ردّ في كتابه على من يزعم أن ابن الحسن العسكري هو المهدي الموعود، فقال: وزعم بعض الناس أن محمد بن الإمام العسكري ﵉ هو المهدي الموعود وليس كذلك لأن رسول الله ﵌ قال في محمد المهدي الموعود: يواطىء اسمه اسمي وكنيته كنيتي واسم أبيه اسم أبي، وقيل: اسم أمه اسم أمي، وفي هذا المهدي لا يواطيء شيئاً منهم إلا اسم محمد ﵌" (١). "والحقيقة أن محمد نوربخش لم يكن شيعياً اثنى عشريا، بل كان صوفياً من أصحاب وحدة الوجود، عرض لانتقال الولاية من آدم والأنبياء إلى أقطاب التصوف وأخرجها من التناسخ واصطلح لها اسم البروز بدلاً منه، فكان وصول الروح إلى الجنين في الشهر الرابع عندهم معاداً إنسانياً يصل الوجود الإنساني بالوجود الحقيقي وجود الله، وربما كان في هذا عنصر يفيد صدور النوربخشية عن الفلسفة الإشراقية كما يفترض الدكتور محمد علي أبو ريان دون أن يجد مبرراً واضحاً يصحح افتراضه. وقد جاء في غزل نوربخش شعر يتصل بوحدة الوجود قال فيه ما ترجمته: سواء أكنا هادين أم مهديين ... فنحن بالمقارنة بالقدم أطفال مهديون قطرة نحن من محيط الوجود ... ولا عبرة بمدى طاقتنا من الكشف والشهود

стр. 310

فيا إلهي متى أعود من القطرة ... ويا الهي أبلغني بحر النور وذكر نوربخش العشق على الصورة التي عبر عنها محمد بن عربي في قوله: أدين بدين الحب إني توجهت ... ركائبه، فالحب ديني وإيماني ولكنه أخذ الجانب السلبي من المسألة وعبر عنها بأبيات لطيفة منها ما ترجمته: منذ اليوم الذي استجليت فيه طلعة حبيبي ... غدوت متميزاً من الخلائق أجمعين وذلك أني صرت مبرأ من العقيدة والمذهب ... والملة كلية وأصبحت ولا دين لي وذكر استغراقه في هذا العشق إلى الحد الذي أضاع معه كيانه الشخصي فجعل يتساءل: أأنا نوربخش نفسه أم من أنا؟ " (١). نعم لا شك في ذلك أن الصفويين لما تسلطوا على إيران وأجبروا الناس على اعتناق التشيع على حد السيف أعلن النوربخشية تشيعهم، ولذلك لما فتح إسماعيل الصفوي التستر كان يسأل الناس عن عقيدتهم، فمن قال: نحن على مذهب نور الله الشيخ نوربخشي لم يكن يتعرض لهم" (٢). وفرّ كثير من مريدي هذا الصوفي الوجودي إلى شبه القارة الهندية ولجئوا إلى الجبال ومناطق منعزلة، فبقوا هناك على طريقتهم الصوفية. وأكبر دليل على كون القوم غير الاثنى عشرية أن لهم فقهاً خاصاً، كذلك كيان مستقل ومدارس مستقلة ولو أنهم يقومون ببعض

стр. 311

الأعمال التي يقوم بها الشيعة الاثنا عشرية من المآتم على الحسين، وغير ذلك ولكنهم يختلفون معهم في أشياء كثيرة أيضاً، ومنها الإِغراق في التصوف والسلسلة الصوفية التي تصل إلى السهروردي وجنيد البغدادي والسرّي السقطي، وكل هؤلاء ليسوا من الشيعة، وقد ذكر محمد نوربخش سلسلته الصوفية بعنوان السلسلة الذهبية، وننقلها من كتابه كما ذكرها: محمد نوربخش. خواجه إسحاق الختلاني. حضرة أمير الكبير السيد علي الهمداني. حضرة الشيخ محمد المزدقاني. حضرة الشيخ ْعلاء الدولة السمناني. حضرة الشيخ عبد الرحمان الإسفراني. حضرة الشيخ أحمد الذاكر الجوزقاني. حضرة الشيخ علي اللالا. حضرة الشيخ نجم الدين الكبرى. حضرة الشيخ عمار ياسر البديسي. حضرة الشيخ أبو النجيب السهروردي. حضرة الشيخ أحمد الغزالي. حضرة الشيخ أبو بكر النساجي. حضرة الشيخ أبو علي الكاتبي. حضرة الشيخ أبو علي الرودباري. حضرة الشيخ جنيد البغدادي. حضرة الشيخ سرّي السقطي. حضرة الشيخ معروف الكرخي. حضرة الإِمام عليّ الرضا" (١). ثم ولقد ذكر محمد نوربخش هذا في كتابه عبارة صريحة تدّل على عدم تشيعه وهو يذكر الوقائع التي حدثت بعد وفاة رسول الله ﷺ فداه أبواي وروحي فقال: ولما توفي رسول الله ﵌ بايع الأنصار والمهاجرون أبا بكر ﵁ علي الإِمارة بالاتفاق لأن رسول الله ﵌ كان أمره بإمامة الصلاه الفريضة أيام مرضه

стр. 312

فبايع أصحابه كله على أبي بكر اتباعاً لأمره ﵌ لأن الصلاة عماد الدين وقوامه كما قال أمير المؤمنين علي ﵇ إن رسول الله ﵌ مرض ليالي وأياماً ينادي بالصلاة، فيقول ﵇: مروا أبا بكر يصلي بالناس. فلما قبض رسول الله عليه الصلاة وآله وسلم نظرت فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﵌ لديننا فبايعناه. وذلك أن علياً ﵇ لما رأى النزاع بين الصحابة بسقيفة بني ساعدة في الخلافة يوم وفاة رسول الله ﵌ وتجهيزه وقد نزع خاتم النبي ﵌ من يده المباركة، ففوّض الخاتم إلى أبي بكر ﵁ وقال: فاذهب إلى الناس وأدركهم وأجمعهم على إمارتك فذهب إليهم أبو بكر ومعه عمر بن الخطاب ﵄، فكلّم الناس عمر في إمارة أبي بكر ورضوا بإمارة أبي بكر ﵁ واتفقوا كلهم ببركة خاتم رسول الله ﵌ وبتدبير عليّ المرتضى ﵇" (١). وعلى كل فهذه هي الطائفة الأخرى التي اختلف (٢). في تشيعها، ونظن أن هذا القدر كاف في هذا الموضوع.

стр. 313

الأخبارية والأصولية وهناك اختلاف آخر حدث بين الاثنى عشرية في القرون المتأخرة وهو اختلاف ما يسمى باختلاف الأخباريين والأصوليين، فافترقت الاثنا عشرية إلى فرقتين متحاربتين متعاديتين حملت إحداهما على الأخرى وشنعت الأخرى على الأولى، وكثر النزاع حتى اتهم الأخباريون الأصوليين بالخروج عن التشيع الحقيقي الأصلي، وكتبت الكتب وألفت الرسائل وتحزبت الأحزاب، فقال الأخباريون: نعتقد بظاهر ما ورد به الأخبار، متشابهة كانت أم غير متشابهة فنجري المتشابهات على ظواهرها ونقول فيها ما قاله سلفنا" (١). وبعبارة صريحة أكثر: إن الأخباريين هم الذين يتمسكون بظواهر الحديث مقابل الأصوليين الذين يرون الأدلة العقلية من الأدلة الشرعية (٢). ومعناه أن الأخباريين لا يرون الأدلة الشرعية إلا الكتاب والحديث. والمعروف أن الحديث عند الشيعة ما نقل عن أحد أئمتهم المعصومين حسب زعمهم الاثنى عشري ومن رسول الله أيضاً، فكل ما نقل عن هؤلاء فهو حديث عندهم وهو حجة لأنه منقول عن معصوم وحجة، وما نقل عن الحجة حجة على اليقين، ثم لا ينظر عندهم أن هذا الحديث ما منزلته وشأنه مادام وجد في الأصول الأربعمائة ونقل منها، والأصول عند القوم الكتب التي ألّفها وجمعها أصحاب الأئمة (٣). فمادام أصحاب الأئمة نقلوا هذه الروايات من الأئمة فإنها لا

стр. 314

تحتاج إلى النظر والبحث والتحقيق والتفتيش، لا عن السند لأنها من صاحب الإِمام ولا عن المتن لأنه من الإِمام، وعقول الناس قاصرة عن إدراك كنه ما يقوله الإِمام حسب رواية الامام المعصوم الخامس عند الشيعة محمد الباقر: إن حديث آل محمد صعب مستعصب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد ﵌ فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه، وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد، وإنما الهالك أن يحدّث أحدكم شىء منه لا يحتمله، فيقول: والله ما كان هذا والله ما كان هذا، والإِنكار هو الكفر" (١). وقد نقلوا عن موسى الكاظم -الإِمام السابع المعصوم حسب زعمهم- أنه قال لأحد شيعته علي بن سويد السائي: ادع إلى صراط ربك فينا من رجوت إجابته ولا تحصر حصرنا، ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا: هذا باطل وإن كنت تعرف خلافه، فإنك لا تدري لم قلناه، وعلى أي وجه وصفناه، آمن بما أخبرتك ولا تكشف بما استكتمتك" (٢). وعلى ذلك فإن الرجوع إلى دليل آخر من الأدلة العقلية ليس إلا جهل وضلال في نظر هؤلاء وإذا لم يوجد في المسألة شىء فعليه الإرجاء حتى يأتي فيه خبر عن إمام من الأئمة كما رووا عن جعفر بن الباقر أنه ْسئل عن رجل اختلف عليه رجلان في دينه من أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ فقال: يرجئه حتى

стр. 315

يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه" (١). وذكر ابن بابويه القمي عن علي بن موسى -الإِمام الثامن المعصوم عنده- أنه قال: وما لم تجدوه في شىء من هذه الوجوه فردّوه علينا، فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا" (٢). وإن رجع إلى شىء آخر ضلّ وأضلّ كما نقلوا عن موسى الكاظم عن محمد بن حكيم أنه قال: قلت لأبي الحسن موسى ﵇: جعلت فداك فقّهنا في الدين وأغنانا الله بكم عن الناس حتى إن الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه تحضره المسألة ويحضره جوابها فيما منّ الله علينا بكم، فربّما ورد علينا شىء لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شىء فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم فنأخذ به؟. فقال: هيهات هيهات في ذلك والله هلك من هلك يا ابن حكيم، قال: ثم قال: لعن الله أبا حنيفة" (٣). وأيضاً: عن سمعة بن مهزان عن أبي الحسن موسى ﵇ قال: قلت: أصلحك الله إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فلا يردّ علينا شىء إلا وعندنا فيه شىء مسطر وذلك مما أنعم الله به علينا بكم، ثم يرد علينا الشىء الصغير ليس عندنا فيه شىء فينظر بعضنا إلى بعض، وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه؟

стр. 316

فقال: وما لكم وللقياس؟ إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس، ثم قال: إذا جاءكم ما تعلمون، فقولوا به، وإن جاءكم مالاً تعلمون فيها -وأهوى بيده إلى فيه- ثم قال: لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت أنا، وقالت الصحابة وقلت، ثم قال: أكنت تجلس إليه؟ فقلت: لا ولكن هذا كلامه، فقلت: أصلحك الله أتى رسول الله ﵌ الناس بما يكتفون به في عهده؟. قال: نعم وما يحتاجون إليه يوم القيامة، فقلت: فضاع من ذلك شىء؟ فقال: لا هو عند أهله" (١). هذا هو مذهب الأخبارية من الإِمامية، أي العمل بالأخبار المنقولة عن المعصومين حسب زعمهم أو المنسوبة إليهم بدون النظر إلى شىء آخر. وأما الأصوليين فرأوا أن هناك دليل العقل ومنه البراءة الأصلية والاستصحاب وغيرها، ومثل للبراءة الأصلية السيد محسن أمين في كتابه بقوله: البراءة الأصلية فيما لا نص فيه بوجوب ولا تحريم بعد الفحص لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، ومنه قولهم عدم الدليل على كذا فيجب انتفاءه وهذا يكون مع الشك في الوجوب، ومثل له المحقق في المعتبر بقولنا: ليس الوتر واجباً لأن الأصل براءة العهدة، ومنه أن يختلف الفقهاء في حكم بالأقل والأكثر فنقتصر على الأقل كما يقول بعض الأصحاب في عين الدابة نصف قيمتها، ويقول الآخر: ربع قيمتها، فيقول المستدل: ثبت الربع إجماعاً، فينتفي الزائد نظراً إلى البراءة الأصلية ويكون مع الشك في التحريم كالشك في حرمة التدخين وحرمة

стр. 317

شرب قهوة البنّ، فيقال: لم يقم دليل على التحريم والأصل براءة الذمة" (١). ثم ذكر الأخباريين ومذهبهم بقوله: ْالأخبارية الإمامية أنكروا البراءة الأصلية وأوجبوا الاحتياط في مواردها للأخبار الآمرة بالاحتياط الحاثة عليه المحمولة على الاستحباب أو مورد العلم بالتكليف والشك في المبرىء المعارضه بقولهم ﵈: كل شىء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه فتدعه وأمثاله" (٢). وكذلك ذكر مغنية "أن الأخباريين ينكرون الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلي" (٣). واتهم الأخباريون الأصوليين: أن الباعث لهم على الاختراع هذه القواعد الأصولية والأدلة الأربعة الشرعية هو أنسهم بكتب المخالفين للإمامية بلا ضرورة داعية إليه وبدون قيام حجة حاكمة" (٤). فألف كل فئة كتباً كثيرة لتأييد مسلكهم، فمن الأخباريين ألف محمد أمين ابن محمد شريف الاسترا آبادى كتابه المشهور (الفوائد المدنية). وردّ عليه نور الدين العاملي بكتابه (الفوائد المكية في مداحض حجج الخيالات المدنية ونقض أدلة الأخبارية) (٥).

стр. 318

وردّ عليه أيضاً السيد دلدار علي اللكهنوي بكتاب سمّاه (أساس الأصول)، وهذا الكتاب موجود بين أيدينا طبع في الهند، وذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (١). ثم ردّ عليه ميرزه محمد عبد النبي النيسابوري الهندي الشهير بالأخباري بكتاب سماه (معاول العقول لقلع أساس الأصول) ودافع فيه عن (الفوائد المدنية) وعنّف القول على مؤلف الأساس، وهذا الكتاب موجود مطبوع أيضاً، وقد ذكره صاحب الذريعة في كتابه (٢). ثم ردّ عليه السيد نظام الدين حسين والسيد أحمد علي وغيرهم بكتاب (مطارق الحق واليقين لكسر معاول الشياطين) وقد ذكر هذا الكتاب الطهراني في موسوعته (٣). فهاتان هما فرقتان أخريان انبثقتا عن الشيعة الاثنى عشرية أيضاً، ويعدّ مِنْ أعيان الطائفة الأخبارية الحر العاملي صاحب (وسائل الشيعة)، والنوري الطبرسي صاحب (مستدرك الوسائل)، ومحمد حسين كاشف الغطاء، ونعمت الله الجزائري وغيرهم. ومن أعيان الطائفة الثانية في الآونة الأخيرة السيد دندار علي، والطباطبائي، ومحسن الحكيم، والخوئي، وشريعت مداري، والخميني، وغيرهم. أهم كتب الشيعة الاثنى عشرية ورجالاتهم وأهم كتب الشيعة الاثنى عشرية في الحديث: (الكافي) للكليني -وهذا الكتاب يشتمل على أقسام ثلاثة: الأصول والفروع والروضة: القسم الأول يشتمل على العقائد،

стр. 319

والقسم الثاني على الأحكام، والثالث على الخطب والمكاتيب وعلى الحكم والآداب، ويقولون: فيه ١٦١٩٩ حديثاً. الثاني: (من لا يحضره الفقيه) لابن بابويه القمي، وفيه ٦٥٩٣ حديثاً. الثالث: (تهذيب الأحكام) لأبي جعفر الطوسي، وفيه ١٣٥٩٠ حديثاً. الرابع: (الاستبصار) وهذا أيضاً للطوسي، وفيه ٦٥٣١ حديثاً. وهذه هي كتب الحديث الأربعة التي يطلق عليها الصحاح الأربعة الشيعية. وهناك كتب أخرى في الحديث منها: (الأول): الوافي تأليف الشيخ محمد بن مرتضى المدعو بملا محسن الكاشي جمع فيه ما في الكتب الأربعة من أحاديث الأصول والفروع ورتبها وبوبها وشرح بعض ما يلزمه الشرح والتفسير من المهمات وبين بعض وجوه الجمع بين المتعارضات وله نحو مائتي مصنف. (الثاني): وساثل الشيعة إلى أحاديث الشريعة تأليف الشيخ محمد بن الحسن بن الحر العاملي جمع فيه ما في الكتب الأربعة وغيرها في الفروع خاصة من ثمانين كتاباً كانت عنده وسبعين نقل عنها بالواسطة ورتبه وبوبه على ترتيب كتب الفقه أحسن ترتيب وشرح بعض المهمات وجمع المتعارضات فصار كتابه هذا هو المعول والمرجع ولم يرزق الوافي ما رزقته الوسائل من الحظ لأن ترتيبها أسهل مع أن تفسيرات الوافي أوفى وله مع ذلك الحظ الوافي لكن حظ الوسائل أوفى وبقية الكتب الأربعة يرجع إليها أيضاً (١١٠٤).

стр. 320

(الثالث): بحار الأنوار في أحاديث النبي والأئمة الأطهار تأليف الشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي المعروف بالمجلسي في ستة وعشرين مجلداً ضخماً كثير منها وحده عشرات المجلدات ويستغرق نسخه فقط العمر فضلا عن تأليفه جمع فيه فنوناً من العلم جلها في غير الأحكام الفرعية وقليل منها في الفروع ومن جملتها تواريخ النبي والزهراء والأئمة الاثنى عشر صلى الله عليه وعليهم، وأحوالهم ومناقبهم وما أثر عنهم من المواعظ والحكم والآداب جمعه من كل ما عثر عليه بدون انتقاء كما هو شأن البحار، ولم ينقل فيه من الكتب الأربعة المتقدمة إلا قليلاً لأن غرض مؤلفيها الأهم الفروع وغرضه الأهم غيرها فهو أجمع كتاب في فنون الحديث وأنواع العلوم ومتفرقات الأخبار يستمد منه العالم والمؤلف والواعظ وتستخرج منه الدرر والجواهر، فالمحمدون الثلاثة الأولون مع المحمدين الثلاثة الأخرين هم الذين حفظوا أخبار أهل البيت وآثارهم من الضياع وجمعوها ورتبوها والأولون منهم انتقوها واختاروها بحسب أسانيدها وكذا الأولان من الآخرين (١١١٠). (الرابع): العوالم في الحديث تأليف المحدث المتبحر المولى عبد الله بن نور الله البحراني في مائة مجلد ولم يرزق من الحظ ما رزق البحار (أوائل المائة الثانية). (الخامس): الشفا في حديث آل المصطفى جامع كبير يشتمل على عدة مجلدات للمتضلع في الحديث الشيخ محمد الرضا بن الفقيه الشيخ عبد الله التبريزي فرغ منه (١١٥٨). (السادس): جامع الأحكام في الحديث تأليف السيد عبد الله الشبري في خمسة وعشرين مجلداً كباراً مؤلفه من أكثر الناس تأليفاً (١٢٤٢).
следующие страницы →