تقدم حتى أبصر ما يوجعك. قال: فكرهت ملامستهم وقلت في نفسي: أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة وأنا قد خرجت من الماء وقميصي مبلول. ثم إني بعد ذلك تقدمت إليه فلزمني بيده ومدني إليه، وجعل يلمس جانبي من كتفي، إلى أن أصابت يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني، ثم استوى في سرجه كما كان.
فقال لي الشيخ: أفلحت يا إسماعيل. فعجبت من معرفته بإسمي، فقلت: أفلحنا وأفلحتم إن شاء الله. قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الإمام. فتقدمت إليه فاحتضنته وقبلت فخذه.
ثم أنه ساق وأنا أمشي معه محتضنه، فقال: ارجع، فقلت: لا أفارقك أبداً. فقال: المصلحة رجوعك. فأعدت عليه مثل القول الأول. فقال الشيخ: يا إسماعيل، ما تستحي يقول لك الإمام مرتين إرجع وتخالفه؟ فجبهني بهذا القول، فوقفت. فتقدم خطوات والتفت إلي وقال: إذا وصلت بغداد، فلا بد أن يطلبك أبو جعفر، يعني الخليفة المستنصر ﵀، فإذا حضرت عنده وأعطاك شيئاً فلا تأخذه، وقل لولدنا الرضى ليكتب لك إلى علي بن عوض، فإنني أوصيه يعطيك الذي تريد.
ثم سار وأصحابه معه.
فلم أزل قائماً أبصرهم، إلى أن غابوا عني، وحصل عندي أسف لمفارقته. فقعدت إلى الأرض ساعة، ومشيت إلى المشهد. فاجتمع القوم حولي، وقالوا: نرى وجهك متغير، أوجعك شيء؟ قلت: لا. قالوا: أخاصمك أحد؟. قلت: لا، ليس عندي مما تقولون خبر، لكن أسألكم، هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم؟. فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم.
فقلت: لا، بل هو الإمام ﵇. فقالوا: الإمام هو الشيخ أو صاحب الفرجية؟ فقلت: هو صاحب الفرجية. فقالوا: أريته المرض الذي فيك؟ فقلت: هو قبضه بيده وأوجعني، ثم كشف رجلي
стр. 352
فلم أر لذلك المرض أثراً، فداخلني الشك من الدهش، فأخرجت رجلي الأخرى فلم أرَ شيئاً " (١).
كما حكى، أن أبا عطوة، كان به أدرة، وكان زيدي المذهب، وكان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإمامية، ويقول: لا أصدقكم ولا أقول بمذهبكم حتى يجيء صاحبكم - يعني المهدي - فيبرئني من هذا المرض، وتكرر هذا القول منه، فبينا نحن مجتمعون عند وقت عشاء الآخرة، إذا أبونا يصيح ويستغيث بنا، فأتيناه سراعاً، فقال: ألحقوا صاحبكم، فالساعة خرج من عندي. فخرجنا، فلم نرَ أحداً، فعدنا إليه، وسألناه، فقال: أنه دخل إليّ شخص، وقال: يا عطوة، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا صحب بنيك، قد جئت لأبرئك مما بك. ثم مد يده فعصر قروتي ومشى، ومددت يدي فلم أر لها أثراً. قال لي ولده: وبقي مثل الغزال ليس به قلبه.
واشتهرت هذه القصة، وسألت عنها غير ابنه، فأخبر عنها، فأقرّ بها. والأخبار عنه ﵇ في هذا الباب كثيرة. وأنه رآه جماعة قد انقطعوا في طرق الحجاز وغيرها، فخلصهم، وأوصلهم إلى حث أرادوا " (٢).
فهذا هو غائبهم، وهذه هي الأساطير والقصص التي يحكونها عنه غيبته.
الرجعة
وأما الرجعة، فقال بها الشيعة الإثني عشرية طبق ما قاله عبد الله بن سبأ. بفرق أنه قال في علي ﵁، وهؤلاء قالوا في معدومهم.
والجدير بالذكر، أن هذه العقيدة من العقائد التي فشت وانتشرت في جميع
стр. 353
فرق الشيعة في مختلف العصور غير الشيعة الأولى، كما ذكرناها في الأبواب السابقة.
ثم لم يكتف الشيعة الاثنا عشرية بالقول إن معدومهم الغائب هو الذي سيرجع، بل قالوا أكثر من ذلك، وهو أنه يرجع ويرجع الآخرون من الشيعة وأئمتهم وأعدائهم حسب زعمهم. وهناك روايات وأكاذيب لا ُتعد ولا ُتحصى في هذا المعنى.
وقد صنفت في هذا الخصوص كتب مستقلة عديدة. فنختار من الأساطير المضحكة والقصص المبكية أخباراً قليلة، لوضع النقاط على الحروف، ولتمييز الحقائق عن أن القوم ماذا يقولون، وماذا يعتقدون. وإلى أي حد ينقمون قوم رسول الله وقبيلته، أصحابه وأزواجه، أمته وشريعته التي جاء بها من الله ، والقرآن الذي نزل عليه، والأمر الذي أعطاه متبعيه والمؤمنين به.
عقيدة الشيعة التي توارثها من اليهودية وعملاء عبد الله بن سبأ وطائفته، وتناقلوها جيلاً بعد جيل. والتي قال عنها كبيرهم وخاتمة محدثيهم الملا باقر المجلسي صاحب (بحار الأنوار) بعد سرد الأخبار الكثيرة عن الرجعة:
" اعلم يا أخي، أني لا أظنك ترتاب بعد ما مهدّت وأوضحت لك بالقول في الرجعة التي أجمعت عليها الشيعة في جميع الأعصار، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار ... وكيف يشك مؤمن بأحقية الأئمة الأطهار فيما تواترت عنهم من مائتي حديث صريح رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم " (١).
فيروي القوم عن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه قال:
стр. 354
" لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج رجل من ولدي فيملأها قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلما " (١).
وكذبوا على نبي الله ﷺ ، أنه قال:
القائم من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنته سنتي. يقيم الناس على ملتي وشريعتي، يدعوهم إلى كتاب الله ربي. من أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني، ومن أنكر غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني. إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمضلين لأمتي عن طريقته. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (٢)
من يكون المهدي ؟
فلقد كذب الشيعة على الحسن بن علي ﵄. أنه لما صالح معاوية، دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال:
"ويحكم، ما تدرون ما علمت، والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم، ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، بنص رسول الله عليّ؟
قالوا: بلى، قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار كان ذلك سخطاً لموسى، إذ خفى عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان عند الله تعالى ذكره حكمه وصواباً؟ أما علمتم أنه ما ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإن الله يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد عنقه بيعة إذا خرج ذلك التاسع من ولد أخي الحسين بن
стр. 355
سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير " (١).
ومثل ذلك ما رووه عن جعفر أنه قال:
" من أقرّ بجميع الأئمة وجحد المهدي، كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء وجحد محمد ﵌ نبوته. فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس ولد السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته " (٢).
منزلته وشأنه
ورووا في مقامه وشأنه عن علي بن الحسين أنه قال:
" في القائم منا سنن من ستة من الأنبياء ﵈، سنة نوح، وسنة من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من أيوب، وسنة من محمد.
فأما من نوح، فطول في العمر، وأما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى فالخوف والغيبة، وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه، وأما من أيوب فالفرج بعد البلوى، وأما من محمد فالخروج بالسيف ... .والقائم منا تخفى على الناس ولادته حتى يقولوا: لم يُولد بعد ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة .. ومن ثبت على موالاتنا في غيبته، أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر " (٣).
وأيضاً كما روى النعماني في (غيبته) أنه قال بأن مهديهم يكون
стр. 356
مسنداً ظهره إلى بيت الحرام ويقول:
" أنا بقية من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة محمد " (١).
ويقول:
" أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم " (٢).
ويكون جبرائيل بين يديه (٣).
ويقولون:
نظر موسى بن عمران في السفر الأول إلى ما يُعطى قام آل محمد من التمكين والفضل، فقال: رب اجعلني قائم آل محمد، فقيل له: إن ذاك من ذرية أحمد. ثم نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك، فقال مثله، فقيل له مثل ذلك. ثم نظر في السفر الثالث، فرأى مثله، فقال مثله، فقيل مثله (٤).
ومتى يرجع؟
فيروي الكليني في كافيه عن الأصبغ بن نباتة، أنه قال:
" أتيت أمير المؤمنين ﵇، فوجدته متفكراً ينكت في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين، مالي أراك متفكراً تنكت الأرض، أرغبة منك فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قط، ولكني فكرت في مولود يكون من ظهري، الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما مُلئت جوراً وظلما، تكون له غيبة وحيرة، يضل فيها أقوام، ويهتدي فيها آخرون، فقلت: يا أمير المؤمنين، وكم تكون له الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام أو ستة أشهر أو ست
стр. 357
سنين. قلت: وإن هذا لكائن؟ فقال: نعم كما أنه مخلوق وأنى بهذا الأمر يا أصبغ أولئك خيار هذه الأمة مع خيار أبرار هذه العترة " (١).
وروي أيضاً عن أبي جعفر أنه قال:
" يا ثابت، إن الله تعالى قد كان وقت هذا الأمر في سبعين، فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه، إشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب " (٢).
وروى ابنه جعفر أنه قال:
"وقد كان لهذا الأمر وقت كان في سنة أربعين ومائة، فحدثتم به وأذعتموه فأخّره الله " (٣).
ورووا عن أبي جعفر أنه قال:
" ليس بين القائم ﵇ وقتل النفس الزكية أكثر من خمس عشرة ليلة " (٤).
وذكر أيضاً رواية عن ابنه جعفر أنه قال:
" إذا هدم حائط مسجد الكوفة مما يلي دار ابن مسعود، فعند ذلك زوال ملك القوم، وعند زواله خروج القائم " (٥).
والمعروف أن النفس الزكية قتل، ومضى على قتله آلاف الليالي، كما هدم حائط مسجد الكوفة، وقد مضى على هدمه مئات السنين، ولكن لم يكن لموهوم أن يخرج.
стр. 358
ورووا عن إسحاق بن عمار أنه قال:
" قال لي أبو عبد الله ﵇: يا أبا إسحاق، إن هذا الأمر قد أخّر مرتين " (١).
وهكذا كان الشيعة يعللون بالأماني بخروج قائمهم ورجوع مهديهم، كما أقرّ بذلك إمامهم السابع موسى بن جعفر. كما رواه الكليني في (كافيه) والنعماني (٢) في (غيبته) كي لا يرجع الشيعة عن تشيّعهم، فهذا هو النص:
" عن يقطين، أنه قال لابنه علي بن يقطين:
ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن - يعني أمر بني العباس -؟ فقال له علي: إن الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد، غير أن أمركم حضر (وقته) فأعطيتم محضه فكان كما ما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر، فعللنا بالأماني. ولو قيل لنا أن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لقست القلوب، ولرجع الناس عن الإسلام. ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه، تألفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج " (٣).
ولقد نقل الجزائري عن المجلسي، أنه كان يرى وقت خروجه أيام الدولة الصفوية، مستدلاً من الأحاديث الثلاثة، فهذه هي عبارته:
" إعلم أنه قد وردت أخبار مجملة، وقد نقلها الأصحاب على إجمالها
стр. 359
ولم يتعرضوا لبيان معناها، وذلك أنها أخبار متشابهة، يجب علينا الإذعان لها من باب التسليم. ولما انتهت النوبة إلى شيخنا المحقق رئيس المحدثين وخاتمة المجتهدين المولى المجلسي صاحب كتاب بحار الأنوار أدام الله أيام إفاداته، وأجزل في الآخرة مثوباته وسعادته، توجه إلى إيضاحها وتفسيرها، وطبق بعضها على وقت تعيين ظهور الدولة الصفوية أعلى الله منار بنيانها، وشيّد رفيع أركانها. وطبق البعض الآخر على تعيين وقت ظهور مولانا صاحب الزمان عليه ألف سلام، فلننقل تلك الأخبار على وجهها، ثم نذكر ما أفاده سلمه الله تعالى من البيان والإيضاح.
الحديث الأول: ما رواه الشيخ الأجلّ المحدّث محمد بن إبراهيم النعماني في كتاب الغيبة بسنده إلى أبي خالد الكابلي عن الباقر ﵇ أنه قال: كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحق فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيُعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء.
قال أدام الله أيامه، أنه لا يخفى على أهل البصائر أنه لم يخرج من المشرق سوى أرباب السلسلة الصفوية، وهو الشاه إسماعيل أعلى الله مقامه في دار المقامة. وقوله ﵇، لا يدفعونها إلا إلى صاحبكم: المراد به القائم ﵇. فيكون في هذا الحديث إشارة إلى اتصال دولة الصفوية بدولة المهدي ﵇، فهم الذين يسلمون الملك له عند نزوله بلا نزاع وجدال.
الحديث الثاني: ما رواه النعماني أيضاً في ذلك الكتاب بإسناد معتبر إلى الصادق ﵇، قال: بينا أمير المؤمنين ﵇ يحدّث في الوقائع التي تجري بعده إلى ظهور المهدي ﵇، فقال له الحسين ﵇: يا أمير المؤمنين، في أي وقت يطّهر الله الأرض من
стр. 360
الظالمين؟ فقال ﵇: لا يكون هذا حتى تراق دماء كثيرة على الأرض بلا حق. ثم إنه ﵇ فصل أحوال بني أمية وبني العباس في حديث طويل إختصره الراوي، فقال أمير المؤمنين ﵇: إذا قام القائم بخراسان، وغلب على أرض كوفان وملطان، وتعدى جزيرة بني كاوان، وقام منها قائم بجيلان، وأجابته الأبر والديلم، وظهرت لولدي رايات الترك متفرقات في الأقطار والحرمات، وكانوا بين هنات وهنات، إذا خربت البصرة، وقام أميرالأمرة، فحكى ﵇ حكاية طويلة، ثم قال: إذا جهزت الألوف، وصفت الصفوف، وقتل الكبش الخروف، هناك يقوم الآخر، ويثور الثائر، ويهلك الكافر. ثم يقوم القائم المأمول، والإمام المجهول له الشرق والفضل، وهو من ولدك يا حسين لا إبن مثله، يظهر بين الركنين في ذر يسير يظهر على الثقلين ولا يترك في الأرض الأدنين، طوبى لمن أدرك زمانه ولحق أوانه وشهد أيامه.
قال ضاعف الله أيام سعادته: جزيرة بني كاوان جزيرة حول البصرة، وأهل الأبر جماعة في قرب أسترآباد، والديلم هم أهل قزوين وماوالاها، والحرمات الأمكنة الشريفة، قوله هنات وهنات أي حروب عظيمة ووقائع كثيرة في وقت خراب البصرة، والمراد بالقائم المأمول هو المهدي ﵇، والمراد بالركنين، ركنا الكعبة، وهو الركن والحطيم، الذي هو محل خروجه ﵇. وقوله ذر يسير المراد به الجماعة القليلة، وهم
شهداء بدر. وقوله يظهر على الثقلين، يعني به أنه ﵇، يغلب على الجن والإنس، سميا به لأنهما يثقلان الأرض بالإستقرار فوقها، أو لأنهما أشرف المخلوقات السفلية، والعرب تسمى الشريف ثقلاً لحلمه ورزانته. وقيل إنما سميا به، لأنهما قد ثقلا بالتكليف، فهما ثقلان بمعنى مثقلان. وقوله الأدنين جمع أدنى، وهم أراذل الناس وأدناهم. والمراد بهم
стр. 361
الظالمون الكافرون.
ثم قال سلمه الله تعالى: الظاهر أن المراد بأهل الخروج من خراسان هم أمراء الترك، مثل جنكيزخان، وهولاكوخان.
والمراد بالخارج من جيلان هو الشاه المؤيد الشاه إسماعيل، ومن ثم أضافه ﵇ إلى نفسه وسماه ولده. والمراد بأمير الأمرة، إما ذلك السلطان المذكور أو غيره من السلاطين الصفوية. وقوله وقتل الكبش الخروف، الظاهر أنه إشارة إلى المرحوم صفي الدين ميرزا، فإن أباه وهو المرحوم الشاه عباس الأول قد قتله. وقوله يقوم الآخر، المراد به المرحوم الشاه صفي، فإنه أخذ دمه، وأول من قتله هو الذي باشر قتل أبيه صفي ميرزا. وقوله ﵇ ثم يقوم القائم المأمول إشارة أيضاً إلى اتصال الدولة الصفوية بالدولة المهدوية على صاحبها السلام.
الحديث الثالث: رواه الشيخ الأجلّ محمد بن مسعود العياشي، وهو من ثقات المحدّثين في كتاب التفسير عن أبي لبيد المخزومي عن الباقر ﵇، بعدما ذكر ملك شقاوة بني العباس، قال: يا أبا لبيد، إن حروف القرآن المقطعة لعلماً جماً، إن الله تعالى أنزل ألم ذلك الكتاب، فقام محمد صلى الله عليه وآله حتى ظهر نوره، وثبتت كلمته، وولد يوم ولد وقد مضى من الألف السابع مائة سنة وثلث سنين. ثم قال: وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطعة إذا عددتها من غير تكرار، وليس من الحروف المقطعة حرف ينقضي إلا وقيام قائم من بني هاشم عند انقضائه.
ثم قال: الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فذلك مائه وواحد وستون. ثم كان بدء خروج الحسين بن علي ﵇ ألم الله، فلما بلغت مدته، قام قائم ولد العباس عند المص. ويقوم قائمنا عند انقضائها بالر. فافهم ذلك، وعه واكتمه.
قال ذلك المحقق أيده الله تعالى: قوله ﵇ من الألف
стр. 362
السابع المراد به من ابتداء خلق أبينا آدم ﵇. ثم قال أيده الله تعالى: إن هذا الحديث في غاية الإشكال، وقد ذكرنا له وجوهاً في كتاب بحار الأنوار، ولنذكرهنا وجهاً واحداً، ولكنه مبني عل تمهيد مقدمة، وهي أن المعلوم من كتب الحساب المعتبرة، أن حساب أبجد له اصطلاحات مختلفة، ومناط حساب هذا الحديث على اصطلاح أهل المغرب، وقد كان شائعاً بين العرب في الأعصار السابقة، وهو هذا صعفض قرست ثخذ ضغش. فالصاد عندهم ستون، والضاد تسعون، والسين ثلثمأة، والظاء ثمانمأة، والغين تسعمأة، الشين ألف. وباقي الحروف على موافقة المشهور.
إذا عرفت هذه المقدمة، فاعلم أن تاريخ ولادة نبينا صلى الله عليه وآله، يظهر من جميع فواتح السور، ولكن باسقاط الحروف المكررة، مثلاً ألم والر وحم، وغيرها من المكررات، لا يُؤخذ منه الحساب إلا واحد. وكذلك الحروف المبسوطة مثل ألف را، لا يُحسب منه إلا ثلاثة، وكذا لام را ونحو ذلك، وحينئذ فألف لام ميم، ألف لام ميم، صاد ألف لام، را ألف لام، ميم را، كاف ها يا عين صاد، طا ها، طا سين، يا سين، صاد حا ميم، عين سين قاف قاف نون.
إذا عددت حروفها تكون مئة وثلثاً من وقت خلق أبينا آدم ﵇ إلى وقت ولادة النبي صلى الله عليه وآله يكون على وفق هذا الحديث ستة آلاف سنة ومئة وثلاثون (ثلث سنين ظ) والأول من كل ألف سنة تاريخ، وأول كل سابع من آلاف مائة وثلاث يكون قد مضت. وعدد هذه الحروف أيضاً يكون مأة وثلاثة على ما عرفت، فيكون ألم الذي في أول سورة البقرة، إشارة إلى مبعث نبينا صلى الله عليه وآله، وقوله ﵇ وليس حرف ينقضي إلا وقيام قائم من بني هاشم عند انقضائه واضح على هذا.
وذلك أول دولة بني هاشم
стр. 363
ابتداؤها من عبد المطلب. ومن ظهور دولة عبد المطلب إلى ظهور دولة نبينا صلى الله عليه وآله إحدى وسبعين سنة تقريباً عدد ألم بحساب أبجد على ترتيب القرآن بعد ألم البقرة وألم آل عمران، وهو إشارة إلى خروج الحسين ﵇. فإنه من ابتداء رواج دولة النبي صلى الله عليه وآله إلى وقت خروج الحسين ﵇ إحدى وسبعون سنة تقريباً. وأيضاً بحسب ترتيب سور القرآن، ألمص، وهو إشارة إلى خروج بني العباس، فإنهم من بني هاشم أيضاً، وإن كانوا غير محقين في أمر الخروج.
وبحساب أبجد على طريق المغاربة مئة وواحد وثلاثون، ومن أول بعثة النبي صلى الله عليه وآله إلى وقت ظهور دولتهم مئة وواحد وثلاثون، وإن كان إلى زمان بيعتهم أكثر.
ويحتمل أن يكون ابتداء هذا التاريخ من وقت نزول سورة الأعراف فيكون مطابقاً لوقت بيعتهم وعلى حساب ألمص على طريق المغاربة. يبني الحديث المروي في كتاب معاني الأخبار وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وأما كون قيام القائم ﵇ مبنياً على حساب ألر، فالذي يخطر بخاطري أن الرقد وقع في القرآن في خمسة مواضع، وينبغي لبيانه كما تعرض لبيان ألم ومجموعة ألف ومئة وخمس وخمسون سنة تقريباً، من سنة تحرير هذه الرسالة، وهو سنة ألف وثمان وسبعون من الهجرة، فيكون قد بقى من وقت خروجه ﵇ (سبعة وسبعون ظ) خمس وستون سنة لما كان مبدأ هذه التواريخ من أوائل البعثة، هذا محصل كلامه سلمه الله تعالى " (١).
وقد مضى خمس وستون سنة وسبع وسبعون سنة وأكثرعلى ذلك
стр. 364
الوقت، ولم يأن لقائمهم أن يرجع، وليس لمعدوم أن يوجد.
وما أحسن ما قاله قائل:
ما آن للسرداب أن يلد الذي ... صيرتموه بزعمكم إنسانا
فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا
كيف يرجع، وأين يرجع؟
فيعتقد القوم أن جعفراً قال:
" ينادى بإسم القائم في يوم ستة وعشرين من شهر رمضان، ويقوم في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي (ع) لكأني به يوم السبت العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام، جبرئيل بين يديه ينادي بالبيعة له، فتسير شيعته من أطراف الأرض تطوي لهم طياً، حتى يبايعوه، فيملأ الله به الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً " (١).
ثم بيّنوا كيف يجتمع الشيعة للقائم، فقالوا:
" إذا أذن الإمام، دعا الله بإسمه العبراني (٢) فأتيحت (فانتخب) له صحابته الثلاثمائة والثلاثة عشر، قزع كقزع الخريف، فهم أصحاب الألوية. منهم من يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح في مكة، ومنهم من يُرى يسير في السحاب نهاراً يُعرف بإسمه وإسم أبيه وحليته ونسبه. قلت: جعلت فداك، أيهم أعظم إيماناً؟ قال: الذي يسير في السحاب نهاراً ... وهم المفقودون، وفيهم نزلت هذه الآية ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ " (٣).
ويروي الطوسي شيخ الطائفة:
" ينادي منادي من السماء بإسم القائم، فيسمع من بين الشرق
стр. 365
والغرب، فلا يبقى راقد إلا استيقظ، ولا قائم إلا قعد، ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت. وهوصوت جبرئيل الروح الأمين (١)
وزاد النعماني:
" فلا يبقى شيئ من خلق الله فيه إلا سمع الصيحة، فتوقظ النائم ويخرج إلى صحن داره، وتخرج الأذراع من خدرها، ويخرج القائم مما يسمع، وهو صيحة جبرئيل " (٢).
وقد رووا عن المفضل بن عمر أنه قال:
" قلت لجعفر بن الباقر: ففي أي بقعة يظهر المهدي؟ قال: لا تراه عين وقت ظهوره إلا رأته كل عين، وذلك أنه يغيب آخر يوم من سنة ست وستين ومئتين، ولا تراه عين أحد حتى يراه كل أحد. ثم يظهر في مكة، ووالله يا مفضل كأني أنظر إليه داخل مكة وعليه بردة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى رأسه عمامته، وفي رجليه نعل رسول الله المخصوفة، وفي يده عصا النبي صلى الله عليه وآله يسوق بين يديه أعنزاً عجافاً، حتى يصل بها نحو البيت حتى لا يعرفه أحد. قال المفضل: يا سيدي، كيف يظهر؟ قال: يظهر وحده، ويأتي البيت وحده إلى الكعبة، ويجن عليه الليل، وإذا نامت العيون وغسق الليل، نزل جبرئيل وميكائيل والملائكة صفوفاً، فيقول له جبرئيل يا سيدي، قولك مقبول، وأمرك جار. فيمسح يده على وجهه ويقول الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوء من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين. ويقف بين الركن والمقام، ويصرخ صرخة، يا معشر نقبائي وأهل خاصتي ومن خلقهم الله لظهوري على وجه الأرض، إيتوني طائعين. فترد صيحته عليهم وهم في تجايرهم وعلى فرشهم في شرق الأرض وغربها. فيسمعونه في صيحة واحدة في أذن كل رجل، فيجيئون نحوه، ولا
стр. 366
يمضي لهم إلا كلمحة بصر، حتى يكونوا كلهم بين يديه بين الركن والمقام، فيأمر الله بنور فيصير عموداً من الأرض إلى السماء، يستضيئ به كل مؤمن على وجه الأرض، ويدخل عليه نور في جوف بيته، فتفرح نفوس المؤمنين بذلك وهو لا يعلمون بظهور قائمنا. ثم يصبحون وقوفاً بين يديه. وهم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً بعدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، يوم بدر " (١).
ويقول وهومسند ظهره إلى الكعبة:
" يا معشر الخلائق، ألا من أراد أن ينظر إلى آدم وشيث، فهاأنا ذا آدم وشيث، ألا من أراد أن ينظر إلى إبراهيم وولده إسماعيل، فهاأنا ذا إبراهيم وإسماعيل. ألا من أراد أن ينظر إلى عيسى وشمعون، فها أنا ذا عيسى وشمعون. ألا من أراد أن ينظر إلى محمد وأمير المؤمنين، فها أنا ذا محمد وأمير المؤمنين. ومن أراد أن ينظر إلى الحسن والحسين فها أنا ذا الحسن والحسين. ألا من أراد أن ينظر إلى الأئمة من ولد الحسين، فها أنا ذا الأئمة.
أجيبوا مسألتي، فإني أنبئكم بما نبئتم به أو لم تنبئوا به، ومن كان يقرأ الكتب والصحف فليسمع مني.
ثم يبتدئ بالصحف التي أنزلها الله لآدم وشيث، فتقول أمة آدم وشيث: هذه والله الصحف حقاً، ولقد رأينا ما لم نعلمه فيها وما كان أسقط منها وبدّل وحرّف. ثم يقرأ صحف نوح وصحف إبراهيم حقا، ثم يقرأ التوراة والإنجيل والزبور، فيقول أهل التوراة والإنجيل والزبور: هذه والله التوراة الجامعة والإنجيل الكامل، وإنها أضعاف ما ترى فيها. ثم يتلو القرآن، فيقول المسلمون: هذا والله القرآن وما حرف وما بدل " (٢).
ويكون في صورة شاب مؤنق، إبن إثنتين وثلاثين سنة. كما كذبوا عن
стр. 367
جعفر أنه قال:
" لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنه يرجع إليهم شاباً مؤنقاً لا يثبت عليه إلا من قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأول، وفي رواية: القائم يعمر عمر الخليل عشرين ومائة سنة يدري به - ثم يغيب غيبة في الدهر، ويظهر في صورة شاب مؤنق إبن ثلاثين سنة " (١).
فيبايعه أول من يبايعه جبرئيل كما روى الطوسي وغيره:
" أن جبرائيل يأتيه، ويسأله ويقول له:
إلى أي شيئ تدعو؟ فيخبره القائم. فيقول جبرئيل: فأنا أول من يبايع، ثم يقول له: مد كفك. فيمسح على يديه " (٢).
وذكر البحراني: أن جبرئيل ينزل على الميزاب في صورة طائر أبيض، حتى يكون أول من خلق الله جبرئيل. (٣).
وهذا مع قولهم:
أتى جبرئيل (ع) إلى رسول الله (ص)، فقال: السلام عليك يا محمد، هذا آخر يوم أهبط فيه إلى الدنيا. وعن عطاء بن يسار، أن رسول الله (ص) لما حضر أتاه جبرئيل، فقال: يا محمد الآن أصعد إلى السماء، ولا أنزل إلى الأرض أبداً. وعن أبي جعفر (ع) قال: لما حضرت النبي الوفاة ... إلى أن قال: فعند ذلك قال جبرئيل: يا محمد، هذا آخر هبوطي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتي فيها. (٤).
ولا جبرئيل وحده، بل الملائكة الآخرون أيضاً كما روى الجزائري عن جعفر أنه قال:
" إن القائم يسند ظهره إلى الحرم، ويمد يده فترى بيضاء من غير سوء،
стр. 368
فيقول: هذه يد الله ... ويكون أول من يقبل يده جبرئيل، ثم يبايعه الملائكة، ثم نجباء الجن، ثم نقباء المؤمنين " (١).
ويُؤيد هذا، ما ذكره المفيد والطبرسي وابن الفتال والبحراني والنعماني وغيرهم كذباً على محمد الباقر أنه قال:
" كأني بالقائم على نجف الكوفة، قد سار إليه من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه، ميكئيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد " (٢)
ولا خمسة آلاف فقط، بل ينحط عليه ثلاثة عشر ألف ملك وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً، قلت: كل هؤلاء الملائكة؟ قال: نعم، الذين كانوا مع نوح في السفينة، والذين كانوا مع إبراهيم حين ألقى في النار، والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني إسرائيل، والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله إليه، وأربعة آلاف ملك كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله مسومين، وألف مردفين، وثلاثمائة وثلاثة عشر ملائكة بدريين .. وأربعة آلاف هبطوا يريدون القتال مع الحسين (ع) فلم يُؤذن لهم في القتال .. وكل هؤلاء في الأرض، ينتظرون قيام القائم ﵇ إلى وقت خروجه عليه صلوات الله والسلام" (٣)
وأورد مثل ذلك النعماني في كتاب (الغيبة) (٤).
وزاد على ذلك " أن الذي يحمل رايته يوم ذاك، يكون جبرئيل، ويكون عمودها من عمد عرش الله تعالى " (٥).
стр. 369
" وأن أربعة الآلاف الذين هبطوا يريدون القتال مع الحسين فلم يُؤذن لهم، بقوا عند قبره شعثاً غبراً إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملك يُقال له منصور. فلا يزوره زائر إلا استقبلوه، ولا يودعه مودع إلا شيّعوه، ولا مريض إلا عادوه، ولا يموت ميت إلا صلوا عليه " (١).
و ماذا يعمل بعد رجعته ؟
ومن أكاذيب الشيعة الشنيعة، والكره الذي توارثوه عن اليهودية والمجوسية الذين دُمرت شوكتهم، وقضى على سلطانهم وملكهم من قبل مسلمي العرب، وعلى أيدي قادتهم من قريش. ومن شدة نقمتهم وحسدهم وحقدهم، قالوا:
إن القائم يبدأ أول ما يبدأ بقتل قريش وصلبهم، الأحياء منهم والأموات، ويضع في العرب السيف، فقالوا:
" عن أبي جعفر ﵇ أنه قال:
لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج، لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس، أما أنه لا يبدأ إلا بقريش، فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يعطيها إلا السيف، حتى يقول كثير من الناس: هذا ليس من آل محمد، ولو كان من آل محمد لرحم " (٢).
وروى المفيد والطبرسي عن جعفر أنه قال:
" إذا قام القائم من آل محمد، أقام خمسمائة من قريش، فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعنقاهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات. قلت: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم، منهم ومن مواليهم " (٣).
стр. 370
وأيضاً أنه سيف قاطع بين العرب، وعلى العرب شديد، ليس شأنه إلا السيف، ولا يستتيب أحدا (١).
ومثل ذلك ما رووه عن جعفر أيضاً أنه قال:
" إذا خرج القائم، لم يكن بينه وبين قريش إلا السيف، ما يأخذ منها إلا السيف، وما يستعجلون بخروج القائم؟ ... وما هو إلا السيف، والموت تحت ظل السيوف " (٢).
فانظر الحقد والوتر على العرب عامة وعلى قريش خاصة. وهل هناك شك بعد ذلك في يهودية القوم ومجوسيتهم؟ أو تأسيس اليهودية وتكوين العنصر الإيراني عقائدهم ومعتقداتهم؟
وأخرج المجلسي في (البحار) عن جعفرأنه قال:
" إن القائم يسير في العرب في الجفر الأحمر، قال (أي الراوي، وهو رفيد مولى ابن هبيرة) قلت: جعلت فداك، وما في الجفر الأحمر؟ قال: فأمرّ أصبعه على حلقه، قال: هكذا، يعني الذبح " (٣).
وروي أيضاً عنه أنه قال:
" إنه يخرج موتوراً غضباً أسفاً ... يجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر، يقتل هوجاء. فأول ما يبدأ ببني شيبة، فيقطع أيديهم ويعلقها في الكعبة، وينادي مناديه: هؤلاء سرّاق الله. ثم يتناول قريشاً فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يعطيها إلا السيف " (٤).
يحي الأموات ويقتل أصحاب النبي
ولا يكتفي بقتل الأحياء منهم، ولا يروي عطشه دم هذا القدر من
стр. 371
الناس، بل يبدأ بالأموات - حسب أساطيرهم وأباطيلهم - فيحييهم ثم يقتلهم، كما ذكروا أنه في عصره يحيي يزيد بن معاوية وأصحابه فيُقتلون حذو القذة بالقذة. (١)
وليس هذا فحسب، بل جازفوا في القول، حتى قالوا:
" لو قام قائمنا، رد بالحميراء (أي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄ حتى يجلدها الحد، وينتقم لإبنة محمد صلى الله عليه وآله " (٢).
وأكثر من ذلك، بلغوا في اللؤم والخبث والحقد لحاملي رايات الإسلام، ومعلني كلمته، ومبلغي رسالته، ومدمري حضارة اليهود وشوكة المجوسية، إلى حد لم يتصوره العقل، ولم ترض به الإنسانية، فقالوا:
" إن القائم قال: ألا أنبئك بالخبر. أنه إذا فقد الصبي، وتحرك المغربي، وسار العماني، وبويع السفياني، يأذن الله لي فأخرج بين الصفا والمروة في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً سواء. فأجيئ إلى الكوفة، وأهدم مسجدها وأبنيه على بنائه الأول، وأهدم ما حوله من بناء الجبابرة، وأحج بالناس حجة الإسلام. وأجيئ
إلى يثرب، وأهدم الحجرة، وأخرج من بها وهما طريان، فآمر بهما تجاه البقيع، وآمر بالخشبتين يصلبان عليهما، فتورق من تحتها، فيفتتن الناس بهما أشد من الفتنة الأولى، فينادي مناد من السماء: أبيدي، ويا أرض خذي. فيومئذ لا يبقى على وجه الأرض إلا مؤمن قد خلص قلبه الإيمان. قلت: يا سيدي ما يكون بعد ذلك؟ قال: الكرة الكرة الرجعة " (٣)
стр. 372
وذكر هذا الجزائري بالتفصيل والصراحة حيث قال: " إن المفضل بن عمر روى عن جعفر أنه قال:
إن بقاع الأرض تفاخرت، ففخرت الكعبة على بقعة كربلاء، فأوحى الله إليها أن اسكتي يا كعبة وما تفخري على كربلاء، فإنها البقعة المباركة التي قال فيها لموسى ﵇ إني أنا الله، وهي موضع المسيح وأمه وقت ولادته، وإنها الدالية التي غسل بها رأس الحسين بن علي ﵉، وهي التي عرج منها محمد صلى الله عليه وآله. وقال له المفضل: يا سيدي، يسير المهدي إلى أين؟ قال: إلى مدينة جدي رسول الله ﵌، فإذا وردها كان له فيها مقام عجيب، يظهر فيه سرور المسلمين وخزي الكافرين. فقال المفضل: ياسيدي ماهو ذاك؟ قال: يرد إلى قبر جده فيقول يامعشر الخلائق هذا قبر جدي، فيقولون نعم يا مهدي آل محمد، فيقول ومن معه في القبر، فيقولون صاحباه (مصاحباه) وضجيعاه أبوبكر وعمر، فيقول ﵇، وهو أعلم الخلق من أبو بكر وعمر، وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله ﵌، وعسى أن يكون المدفون غيرهما، فيقول الناس يا مهدي آل محمد، ما هاهنا غيرهما، وإنهما دفنا معه لأنهما خليفتاه وآباء زوجتيه، فيقول هل يعرفهما أحد؟ فيقولون نعم نحن نعرفهم بالوصف، ثم يقول هل يشك أحد في دفنهما هنا؟ فيقولون لا، فيأمر بعد ثلاثة أيام ويحفر قبرهما ويخرجهما، فيخرجان طريين كصورتهما في الدنيا، فيكشف عنهما أكفانهما، ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة، فيصلبهما عليها، فتتحرك الشجرة وتورق وترفع ويطول فرعها. فيقول المرتابون من أهل ولايتهما هذه والله الشرف حقاً، ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما. فينشر خبرهما فكل من بقلبه حبة خردل من محبتهما يحضر المدينة، فيفتنون بهما، فينادي مناد
стр. 373
المهدي ﵇ هذان صاحبا رسول الله صلى الله عليه وآله فمن أحبهما فليكن في معزل، ومن أبغضهما يكن في معزل. فيتجزأ الخلق جزئين، موال ومعاد. فيعرض على أوليائهما البراءة منهما. فيقولون يا مهدي ما كنا نبرأ منهما وما كنا نعلم أن لهما عند الله هذه الفضيلة، فكيف نبرأ منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما وغضاضتهما وحياة الشجرة بهما , بل والله نبرأ منك وممن آمن بك وممن لا يؤمن بهما وممن صلبهما وأخرجهما وفعل ما فعل بهما. فيأمر المهدي ﵇ ريحاً فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية، ثم يأمر بإنزالهما فينزلان، فيحييهما بإذن الله، ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثم يقص عليهم قصص فعالهم في كل كور ودور، حتى يقص عليهم قتل هابيل بن آدم، وجمع النار لإبراهيم، وطرح يوسف في الجب، وحبس يونس في بطن الحوت، وقتل يحيى، وصلب عيسى، وعذاب جرجيس ودانيال، وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسين ﵉ وإرادة إحراقهم بها، وضرب الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء بسوط ورفس بطنها وإسقاطها محسنا، وسم الحسن، وقتل الحسين ﵇، وذبح أطفاله وبني عمه، وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله وإراقة دماء آل محمد، وكل دم مؤمن وكل فرج نكح حراماً وكل رباء أُكل وكل خبث وفاحشة وظلم منذ عهد آدم إلى قيام قائمنا. كل ذلك يعدده عليهما ويلزمهما إياه ويعترفان به، ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت مظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، ويأمر ناراً تخرج من الأرض تحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحاً فتنسفهما في اليّم نسفاً.
قال المفضل: يا سيدي هذا آخر عذابهما؟ قال: هيهات يا مفضل، والله ليردّن، وليحضرّن السيد الأكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
стр. 374
والصديق الأعظم أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة ﵈ وكل من محض الإيمان محضاً وكل من محض الكفر محضاً، وليقتصن منهما بجميع المظالم، ثم يأمر بهما فيقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة ويردان إلى أشد العذاب. " (١).
ظلمه وقوته
ومن قسوته، أنهم ينقلون عنه عن جعفر أنه قال:
" بينا رجل على رأس القائم يأمره وينهاه، إذ قال: أديروه، فيديروه إلى قدامه، فيأمر بضرب عنقه، فلا يبقى في الخافقين شيئ إلا خافه " (٢).
أنه يقتل المولّي، ويجهز الجريح (٣).
وذكروا في رواية:
" بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله رحمة، وبعث القائم نقمة " (٤).
يدعو إلى أمر جديد وكتاب جديد
ومن عقائد الشيعة الإثني عشرية، أن إمامهم الموهوم وغائبهم المعدوم، سيدعو الناس إلى كتاب جديد وأمر جديد. وقد نقلوا فيه روايات عديدة، منها ما رواها النعماني عن أبي جعفر - الإمام الخامس المعصوم عند الشيعة - أنه قال:
" يقوم القائم بأمر جديد، على العرب شديد، ليس شأنه إلا السيف، ولا يستتيب أحدا " (٥).
стр. 375
وعنه أن سُئل: أيسير بسيرة محمد ﷺ ؟
قال: هيهات يا زرارة ما يسير بسيرته، قلت: جعلت فداك لم َ؟
قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله سار في امته بالمن، كان يتألف الناس. والقائم يسير بالقتل، بذاك أمر في الكتاب الذي معه أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحدا " (١).
وري أيضاً عنه أنه قال:
" فوالله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام، يبايع الناس بأمر جديد شديد، وكتاب جديد، وسلطان جديد من السماء " (٢).
ومثل ذلك روى المجلسي في بحار الأنوار (٣).
ورروا أيضاً عن أبي عبد الله أنه سُئل:
" كيف سيرته؟ فقال: يصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله، يهدم ما كان قبله، كما هدم رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام من جديد " (٤).
وهذه الروايات واضحة في معناها، تنبئ بما دست اليهودية الأثيمة من الدسائس الخبيثة بين الذين الذين ينتسبون للإسلام. وتوضح معنى هذه الرويات رواية أخرى التي أوردها النعماني والمجلسي وغيرهما عن أبي جعفر أنه قال:
" لو قد خرج القائم من آل محمد ﵈، لنصره الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين. ويكون جبرئيل أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب يسير مسيرة شهر أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله، والملائكة المقربون حذاه، وأول من يتبعه محمد
стр. 376
صلى الله عليه وآله وسلم - وفي رواية يتبعه وفي أخرى يبايعه - وعليّ الثاني ومعه سيف مخترط، يفتح الله له الروم والديلم والسند والهند وكابل شاه والخرز.
يا أبا حمزة، لا يقوم القائم ﵇ إلا على خوف شديد وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتت في دينهم، وتغير من حالهم. حتى يتمنى المتمني الموت صباحاً ومساءاً من عظم ما يرى من كَلَب الناس، وأكل بعضهم بعضا. وخروجه إذا خرج عند الإياس والقنوط.
فيا طوبى لمن أدركه وكان من أنصاره. والويل كل الويل لمن خافه وخالف أمره وكان من أعدائه، ثم قال: يقوم بأمر جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد على العرب شديد، ليس شأنه إلا القتل ولا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم " (١).
فهذه هي حقيقة الأمر، وهذا هو أصل الشيعة الإثني عشرية، الذين يدعون بأنهم من الشيعة المعتدلين، وينفون انتسابهم إلى عبد الله بن سبأ اليهودي وكونهم من أصل مجوسي إيراني، الناقمين على الإسلام، والباغين على الأمة الإسلامية، والطاعنين على أسلافهم وأعيانها، والشاتمين قوادها وسادتها.
وقد بيّناها من كتبهم أنفسهم، وبعبارتهم هم.
رجعة الأئمة مع رجعة القائم
ثم إن الشيعة الإثني عشرية، لا يعتقدون برجعة القائم فحسب، بل وأكثر من ذلك، يعتقدون بأن أئمتهم يرجعون أيضاً إلى الدنيا مثل رجوع قائمهم، ويبقون، ويملكون، وينتقمون من الأعداء ويقتلونهم.
стр. 377
كما روى المجلسي عن جعفر أنه قال:
" أول من تنشق الأرض عنه، ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي. وإن الرجعة ليس بعامة وهي خاصة. لا يرجع إلا من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً " (١).
ورووا عن أبيه الباقر أنه قال:
" إن أول من يرجع إلى الدنيا لجاركم الحسين بن علي ﵇، فيملك حتى يقع حاجباه على عينيه من الكبر " (٢).
ولا الحسين وحده فحسب، بل يرجع معه سبعون رجلاً من أصحابه الذين قتلوا معه (٣).
وفي رواية أن الحسين يرجع إلى الدنيا مع خمسة وسبعين ألفاً من الرجال، ويملك الدنيا كلها بعد وفاة المهدي ﵇، ثلاث مائة وتسع سنين (٤).
ويرجع معه يزيد بن معاوية وأصحابه، ليأخذ الحسين وأصحابه ثأرهم منهم (٥).
ويساعد الحسين وأصحابه في أخذ ثأرهم وانتقامهم من يزيد وعساكره سبعون نبياً ورسولا، ويكون أحدهم إسماعيل. كما حكى الجزائري حكاية باطلة بقوله:
" وفي الأخبار الكثيرة عن بريد العجلي أنه سأل الصادق ﵇ عن قول الله تعالى في إسماعيل أنه كان صادق الوعد، ما المراد
стр. 378
بإسماعيل هذا؟ أهو إبن إبراهيم؟ فقال ﵇:
" لا، بل هو إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى جماعة، فكذبوه وسلخوا جلده ووجهه ورأسه. فبعث الله عليهم ملك العذاب، وهو سطاطائيل. فأتى إلى إسماعيل وقال: إن الله أرسلني إليك بما تأمر في عذابهم، فقال إسماعيل ﵇: لا حاجة لي في عذابهم. فأوحى الله سبحانه إليه: إن كان لك حاجة إليّ فاطلبها. فقال: يا رب، إنك أخذت علينا معاشر الأنبياء أن نوحّدك، ونقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، وبإمامة الأئمة ﵈، وأخبرت الخلائق بما يفعل الظالمون بولده الحسين، ووعدت الحسين عليه
السلام بالرجوع إلى الدنيا ليأخذ ثأره وينتقم من ظالميه،. فحاجتي إليك يا رب أن ترجعني في زمانه، لأجل آخذ ثأري وقتل من قتلني. فقبل الله حاجته، وجعله من الذين يرجعون في زمان الحسين ﵇. وفي رواية أخرى، أن الحسين ﵇، يرجع إلى الدنيا مع خمسة وسبعين ألفاً من الرجال " (١).
وقالوا:
إن الأئمة الإثني عشرية، كلهم يرجعون إلى الدنيا في زمن القائم، مع جماعتهم (٢).
ويرجع عليّ ونبيّ أيضاً
ولا يرجع الحسين وأصحابه ومعاوية ويزيد وأصحابه وسبعون نبياً ممن مضوا في سالف الزمان وحدهم، بل ويرجع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى عليّ أيضاً، كما روى المجلسي عن بكير بن أعين، أنه قال:
" قال لي من لا أشك فيه، يعني أبا جعفر (ع) أن رسول الله (ص)
стр. 379
وعلياً سيرجعان " (١).
ورووا عن جعفر أنه قال:
" قال رسول الله (ص): لقد سرى بي ربي ، فأوحى إليّ من وراء حجاب ما أوحى، وكلمني بما كلم به، وكان مما كلمني به .. يا محمد، عليّ آخر من أقبض روحه من الأئمة " (٢).
وليس هذا فحسب، بل وأكثر من ذلك وأدهى وأمر، أنهم يروون عن جعفر أنه قال:
" لم يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا ردهم جميعاً إلى الدنيا، حتى يقاتلوا بين يدي علي بن أبي طالب ﵇ " (٣).
وعنه أيضاً، أنه قال:
" لا يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا رُد إلى الدنيا من آدم فهلم جرا، حتى يقاتل بين يدي علي بن أبي طالب ﵇ " (٤).
مع من فيهم سيد الأنبياء وإمام المرسلين.
كما روى الجزائري عن الباقر أنه قال:
" إن علياً ﵁، خطب خطبة ذات يوم، فحمد الله فيها، وقال فيها ما قال، ومنه:
وقد أخذ الله الميثاق مني ومن نبيه، لينصرن كل منا صاحبه. فأما أنا فقد نصرت النبي صلى الله عليه وآله بالجهاد معه، وفتلت أعداءه. وأما نصرته لي وكذا نصرة الأنبياء ﵈، فلم تحصل بعد، لأنه ماتوا قبل إمامتي، وبعد هذا سينصرونني في زمان رجعتي، ويكون لي ملك ما بين المشرق والمغرب، ويخرج الله لنصرتي الأنبياء من آدم إلى محمد، يجاهدون معي، ويقتلون بسيوفهم الكفار الأحياء، والكفار الأموات،
стр. 380
الذين يحييهم الله تعالى. وأعجب، وكيف لا أعجب من أموات يحييهم الله تعالى، يرفعون أصواتهم بالتلبية فوجاً فوجا لبيك يا داعي الله، ويتخللون أسواق الكوفة وطرقها، حتى يقتلون الكافرين والجبارين والظالمين من الأولين والآخرين. حتى يحصل لنا ما وعدنا الله تعالى " (١).
ولا هذا فحسب، بل عمموا الرجعة، حيث قالوا:
" ليس أحد من المؤمنين قتل إلا سيرجع حتى يموت، ولا أحد من المؤمنين مات إلا سيرجع حتى يقتل " (٢).
وروى الطبرسي والمفيد:
" إذا آن قيام القائم، مطر الناس في جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب، مطرأً لم ير الناس مثله. فينبت الله به لحوم المؤمنين في أبدانهم في قبورهم. فكأني أنظر إليهم من قبل جهينة، ينفضون رؤسهم من التراب " (٣).
وروى المفيد أيضاً:
" يخرج إلى القائم من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون " (٤).
دابّة الأرض
ويعتقد الشيعة الإثنا عشرية أن دابة الأرض التي تخرج قبل قيام الساعة تكلمهم، يكون علياً ﵁. كما رووا عن جعفر أنه قال:
" أتى رسول الله (ص) إلى أمير المؤمنين (ع) وهو نائم في المسجد،
стр. 381
وقد جمع رملاً ووضع رأسه عليه، فحركه برجله، ثم قال: قم يا دابة الله. فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله أيسمي بعضنا بعضا بهذا الاسم؟. فقال: لا والله ما هو إلا له خاصة، وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ ثم قال: يا علي، إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك " (١).
ثم إن علياً ليست له رجعة واحدة، بل له رجعات كثيرة كما ذكرنا أنه قال في إحدى خطبه:
" إن لي رجعة بعد رجعة، وحياة بعد حياة. أنا صاحب الرجعات وصاحب الجولات " (٢).
هذا، ومثل هذا فإنه لكثير.
ومن غرائب الاعتقادات التي يعتقدها القوم، أنهم يقولون:
إن بعد قائمهم، اثني عشر مهدياً آخر. كما رووا عن جعفر عن أبائه عن علي، أنه قال:
" قال رسول الله (ص) في الليلة التي كانت فيها وفاته: يا أبا الحسن، أحضر صحيفة ودواة. فأملى رسول الله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع. فقال: يا علي، إنه سيكون بعدي إثنا عشر إماماً، ومن بعدهم إثنا عشر مهدياً. فأنت أول الإثني عشر إماماً ... وساق الحديث إلى أن قال: وليسلمها الحسن (يعني الإمام العسكري ﵇ إلى إبنه محمد المستحفظ من آل محمد صلى الله عليه وعليهم، فذلك إثنا عشر إماماً. ثم يكون من بعده إثناعشر مهدياً. فإذا حضرته الوفاة، فليسلمها إلى إبنه أول المهديين. له ثلاثة أسامي: إسم كاسمي،
стр. 382
وإسم أبي وهو عبد الله، والإسم الثالث المهدي، وهو أول المؤمنين " (١).
وروى الطوسي: أنهم أحد عشر، كما حكى عن أبى حمزة عن جعفر أنه قال:
" يا أبا حمزة، إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً " (٢).
وإلى ذلك، تشير رواية النعماني، حيث يحكي عن أبي جعفر أنه قال:
" والله ليملكن رجل منا أهل البيت ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة ويزداد تسعا. قال: قلت له: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعد موت القائم ﵇. قلت له: وكم يقوم القائم ﵇ في عالمه حتى يموت؟. فقال: تسع عشرة سنة، من يوم قيامه إلى يوم موته " (٣).
ويؤيد ذلك أيضاً، دعاء شيعي يدعونه للمهدي، فيقولون في آخره:
" اللهم صل ِ على ولاة عهده والأئمة من بعده، وبلغهم آمالهم، وزد في آجالهم، وأعز نصرهم، وتمم لهم ما أسندت إليهم من أمرك لهم، وثبت دعاتهم، واجعلنا لهم أعوانا، وعلى دينك أنصارا " (٤).
وأخيراً نأتي برواية أوردها محدث القوم نعمت الله الجزائري عن جعفر أنه قال:
" إن الشيطان لما قال: رب أنظرني إلى يوم يُبعثون. قال: إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، فيخرج الشيطان مع جميع عساكره وتوابعه من يوم خلق آدم إلى يوم الوقت المعلوم، وهو آخر يوم رجعة يرجعها
стр. 383
أمير المؤمنين ﵇. فقال الراوي: كم لأمير المؤمنين ﵇ من رجعة؟ فقال: إن له رجعات ورجعات، وما من إمام في عصر من الأعصار، إلا ويرجع معه المؤمنون في زمانه، والكافرون فيه، حتى يستولي أولئك المؤمنون على أولئك الكافرين فينتقمون منهم، فإذا جاء الوقت المعلوم، ظهر أمير المؤمنين ﵇ مع أصحابه، وظهر الشيطان مع أصحابه، فيتلاقى العسكران على شط الفرات في مكان اسمه الروحا قريب الكوفة، فتقع بينهم حرب لم يقع في دنيا من أولها وآخرها، وكأني أرى أصحاب أمير المؤمنين ﵇ قد رجعوا منهزمين، حتى تقع أرجلهم في الفرات، فعند ذلك يرسل الله سحابة مملوءة من الملائكة، يتقدمها النبي صلى الله عليه وآله، وبيده حربة من نور. فإذا نظر الشيطان أدبر فاراً، فيقول له أصحابه: إلى أين تفر ولك الظفر عليهم؟ فيقول: إني أرى مالا ترون، إني أخاف من عقاب رب العالمين. فيصل النبي صلى الله عليه وآله، ويضربه ضربة بالحربة بين كتفيه فيهلك بتلك الضربة هو وجميع عساكره. فعند ذلك يُعبد الله على الإخلاص، ويرتفع الكفر والشرك. ويملك أمير المؤمنين ﵇ الدنيا أربعين ألف سنة، ويُولد لكل واحد من شيعته ألف ولد من صلبه في كل سنة ولد. وعند ذلك يظهر البستانان عند مسجد الكوفة الذي قال الله تعالى مد هامّتان، وفيهما من الاتساع مالا يعلمه إلا الله تعالى" (١).
وهذا آخر ما أردنا ذكره من خرافات القوم ومعتقداتهم، إنتخبناها من الكثير الكثير. ولهم كتب مستقلة في هذا الباب.
стр. 384
الحلول والتناسخ واتصاف الخلق بأوصاف الله
وكي لا يطول بنا الحديث، نذكر فقط رواية واحدة تشتمل على خطبة علي ﵁ حسب زعم القوم، وفيها كل ما يعتقده القوم من الحلول والتناسخ واتصاف الخلق بأوصاف الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا.
يذكر الجزائري هذه الخطبة في كتابه المشهور رواية عن محمد الباقر أنه قال:
" إن أمير المؤمنين ﵇، خطب خطبة ذات يوم فحمد الله، وأثنى عليه بالوحدانية. وقال: إن الله سبحانه تكلم بكلمة، فصارت نوراً، فخلق منه نور النبي ونوري ونور الأئمة. وتلكم بكلمة أخرى، فصارت روحاً، فأسكنها في ذلك النور. وذلك النور مع تلك الروح، ركبها في أبداننا معاشر الأئمة. فنحن الروح المصطفاة، ونحن الكلمات التامات، ونحن حجة الله الكاملة على الخلق. فنحن نوراً أخضر، حيث لا شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار ولا مخلوق ولا مخلوقات.
وكنا نسبح الله ونقدسه قبل خلق الخلق. فأخذ الله لنا العهد من أرواح الأنبياء على الإيمان بنا، وعلى نصرتنا. وهذا معنى قوله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ فقال ﵇: يعني الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله، ونصرة وصيّه. وهذه النصرة قد صارت قريبة. وقد أخذ الله الميثاق مني ومن نبيه لينصرن كل منا صاحبه، فأما أنا فقد نصرت النبي صلى الله عليه وآله بالجهاد معه وقتلت أعداءه. وأما نصرته لي وكذا نصرة الأنبياء ﵈ فلم تحصل بعد، لأنهم ماتوا قبل إمامتي، وبعد هذا سينصرونني في زمان رجعتي، ويكون لي ملك ما بين المشرق والمغرب، ويخرج الله
стр. 385
لنصرتي الأنبياء من آدم إلى محمد، يجاهدون معي، ويقتلون بسيوفهم الكفار الأحياء، والكفار الأموات الذين يحييهم الله تعالى. وأعجب وكيف لا أعجب من أموات يحييهم الله تعالى، يرفعون أصواتهم بالتلبية فوجاً لبيك لبيك يا داعي الله. ويتخللون أسواق الكوفة وطرقها، حتى يقتلون الكافرين الجبارين والظالمين من الأولين والآخرين. حتى يحصل لنا ما وعدنا الله. ثم تلى
هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.
قال ﵇: يعني يعبدونني ولا يتقون من أحد، لأن لي رجعة بعد رجعة، وحياة بعد حياة. أنا صاحب الرجعات، وصاحب الصولات، وصاحب الإنتقامات، وصاحب الدولة العجيبة. أنا حصن الحديد، وأنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا أمين الله على علمه، وصندوق سرّه وحجابه وصراطه وميزانه وكلمته. أنا أسماء الله الحسنى وأمثاله العليا وآياته الكبرى. أنا صاحب الجنة والنار، أسكن أهل الجنة في جنتهم، وأهل النار في نارهم، وأنا الذي أزوّج أهل الجنة. وإليّ مرجع هذا الخلق في القيامة، وعليّ حسابهم.
وأنا المؤذن على الأعراف، وأنا الذي أظهر آخر الزمان في عين الشمس، وأنا دابة الأرض التي ذكرها الله في الكتاب أظهر آخر الزمان، ومعي عصا موسى وخاتم سليمان أضعه في وجه المؤمن والكافر، فتنقش فيه هذا مؤمن حقا، وهذا كافر حقا.
وأنا أمير المؤمنين وإمام المتقين ولسان المتكلمين وخاتم أوصياء النبيين ووارثهم وخليفة الله على العالمين. وأنا الذي علمني الله علم البلايا والمنايا وعلم القضاء بين الناس. وأنا الذي
стр. 386
سخّر لي الرعد والبرق والسحاب والظلمة والنور والرياح والجبال والبحار والشمس والقمر والنجوم. أيها الناس، اسألوني عن كل شيء " (١).
فهذه الرواية، ومثل هذه الرواية وإنها لكثيرة جداً موجودة منتشرة في كتب القوم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
فهذه العقائد التي تتبناها الشيعة الاثنا عشرية وتعتقدها، ويعتقدها الإماميون والجعفريون الذين يُعدون من الشيعة المعتدلة. وهي عين تلك العقائد التي وضع بذروها عبد الله بن سبأ، ونشرتها السبئية وروجتها بين الفئات الشيعية المختلفة. ولولا خوف الإطالة، لأكثرنا الروايات التي وردت في كتبهم المعتبرة المعتمدة الموثوقة لديهم. ولكننا نرى أن ما ذكر فيه الكفاية لمن أراد أن يتثبت ويتحقق. وكذلك لمن أراد أن يتبصّر ويهتدي. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ونختم الكلام في هذا الموضوع، بنقل آراء بعض المستشرقين في علاقة الشيعة بالسبئية، أو بتعبير صحيح بالعقائد الأجنبية المدسوسة بين المسلمين، يهودية كانت أم إيرانية، التي لا تمت إلى الإسلام بصلة لا قريبة ولا بعيدة.
فيقول المستشرق دوزي:
" كانت الشيعة في حقيقتها فرقة فارسية، وفيها يظهر أجلى ما يظهر ذلك الفارق بين الجنس العربي الذي يحب الحرية، وبين الجنس الفارسي الذي اعتاد الخضوع كالعبيد.
لقد كان مبدأ انتخاب خليفة للنبي، أمراً غير معهود ولا مفهوم، لأنهم لم يعرفوا غير مبدأ الوراثة في الحكم، لهذا اعتقدوا أنه مادام محمد لم يترك ولداً يرثه، فإن علياً هو الذي
стр. 387
يجب أن يخلفه، وأن الخلافة يجب أن تكون وراثية في آل علي.
ومن هذا، فإن جميع الخلفاء - ماعدا علياً - كانوا في نظرهم مغتصبين للحكم لا تجب لهم طاعة. وقوّى هذا الاعتقاد عندهم، كراهيتهم للحكومة وللسيطرة العربية، فكانوا في الوقت نفسه يلقون بأنظارهم النهمة إلى ثروات سادتهم. وهم قد اعتادوا أيضاً أن يروا في ملوكهم أحفاداً منحدرين من أصلاب الآلهة الدنيا، فنقلوا هذا التوقير الوثني إلى علي وذريته. فالطاعة المطلقة " للإمام " الذي من نسل علي، كانت في نظرهم الواجب الأعلى، حتى إذا ما أدى المرء هذا الواجب، استطاع بعد ذلك بغيرلائمة ضمير أن يُفسر سائر الواجبات والتكاليف تفسيراً رمزياً، وأن يتجاوزها ويتعداها.
لقد كان " الإمام " عندهم هو كل شئ، إنه الله قد صار بشراً. فالخضوع الأعمى المقرون بانتهاك الحرمات، ذلك هو الأساس في مذهبهم " (١).
وبمثل ذلك، قال المستشرق ملّر، وزاد عليه:
" أن الفرس كانوا تحت تأثير الأفكار الهندية قبل الإسلام بعهد طويل يميلون إلى القول بأن الشاهنشاه هو تجسيد لروح الله التي تنتقل في أصلاب الملوك إلى الأبناء " (٢).
ويذكر هذه الآراء، مستشرق ألماني متعاطف على الشيعة، ولهوزن فيقول:
" أما أن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين، فهذا أمر لا سبيل إلى الشك فيه، أما كون هذه الآراء قد انبعثت من الإيرانيين، فليست تلك الملاءمة دليلاً عليه. بل الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك. إذ تقول أن التشيّع الواضح الصريح كانً قائماً أولاً في الدوائر العربية، ثم انتقل
стр. 388
بعد ذلك منها إلى الموالي، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الدوائر، وأولئك الذين كانوا يتواثبون حول الكرسي المقدس يذكرون أنهم " السبئية " (ص ٧٠٣ س ١٧، ص٧٠٤ س ١١) ولم يكونوا من الموالي، بل من العرب، إذ كانوا من عشائر: نهد وخارف وثور وشاكر وشبام. وهؤلاء السبئية كانوا على علاقات سيئة بعشائرهم، نتيجة لمذهبهم الغريب، خصوصاً شبام بالنسبة إلى قبيلة همدان. بينما كانوا على علاقات وثيقة جداً بالمختار، ومن أجله خاضوا النار، ووشوا بقبائلهم.
ونجد حديثاً عن بطانة من الشيعة العرب، كانت تجتمع في منزلي امرأتين بارزتين. وتذكر أسماء بعض أفراد هذه البطانة، ومنهم إبن نوف الهمداني، الذي كان ينافس مولاه وأستاذه (المختار) في التنبؤ. لقد كان يصنع وحياً لدى الكرسي المقدس، وكان أحد عمومة الأعشى ممن تأثر لهذا الوحي. وكان أول سادن للكرسي، هو موسى بن أبي موسى الأشعري، ثم تلاه حوشب البرسمي. والبيئة هنا كلها يمنية. ويقال أن المختار قد أظهر الكرسي على أنه كرسي علي بن أبي طالب. ولكن ثمة روايات أخرى تقول بعكس ذلك، وهذه الروايات الثانية أقرب إلى التصديق. وعلى كل حال، فقد كان الكرسي في حوزة اليمنيين، وأصله إنما يبحث لديهم. ولم يكن اختراعاً أبدعه الهوى، بل مثله مثل الحجر الأسود كان قطعة وثنية، وفي الأصل كرسي الله ثم كرسي علي، لأنهم ألهوا علياً. وكراسي الله الخالية هذه نجدها كثيراً، وإن لم تكن عادة من الخشب.
ومنشأ السبئية، يرجع إلى زمان علي والحسن، وتنسب إلى عبد الله بن سبأ. وكما يتضح من اسمه الغريب، فإنه كان أيضاً يمنياً.
والواقع أنه من العاصمة صنعاء. ويُقال أنه كان يهودياً. وهذا يقود بالقول بأصل يهودية الفرقة السبئية " (١).
стр. 389
ثم يقول:
" يلوح أن مذهب الشيعة الذي يُنسب إلى عبد الله بن سبأ أنه مؤسسه، إنما يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الإيرانيين. والدليل على هذا ما سأحاول هنا إيراده بطريقة عارضة، دون أن أعير المسألة من الأهمية أكبر مما تستحق.
كان القدماء من أنصار علي، يعدونه في مرتبة مساوية لسائر الخلفاء الراشدين في خلافته - في سلك واحد - وكان يوضع في مقابل الأمويين المغتصبين للخلافة بوصفه استمراراً للخلافة الشرعية، وحقه في الخلافة ناشئ عن أنه كان من أفاضل الصحابة، وأنهم وضعوه في القمة، وتلقى البيعة من أهل المدينة. ولم ينشأ هذا الحق - أو على الأقل لم ينشأ مباشرة - عن كونه من آل بيت الرسول، ومع ذلك فيبدو أن آل البيت أنفسهم قد ادعوا حق ميراث الخلافة عن رسول الله منذ البداية. وبعد وفاة علي، كانت المعارضة ضد الأمويين تنظر إلى أبناء عليّ على أنهم المطالبون الشرعيون للخلافة.
ولكن المسألة هنا كانت مقصورة على دعوى الخلافة، ولا بد أن نميز بين هذا وبين دعوى النبوة. وزعم أن النبوة لم تنته بمحمد، بل استمرت في علي وبنيه، كان هذا الزعم هو الخطوة الأخيرة.
إن الفكرة القائلة بأن النبي ملك يمثل سلطان الله على الأرض قد انتقلت من اليهودية إلى الإسلام. ولكن الإسلام السني يقول إن محمداً خاتم النبيين، وبعد وفاته حلت محله الشريعة، وهي أثر مجرد غير مشخص، ومعوض عنه أقل قيمة بكثير جداً. فكان ذلك نقصاً ملموساً، فمن هنا تبدأ نظريات الشيعة.
وكان المبدأ الأساسي الذي بدأ منه مذهبهم هو:
أن النبوة، وهي المعوض الشخصي الحي للسلطة الإلهية، تنتسب بالضرورة إلى الخلافة، وتستمر تحيا فيها. وقبل محمد
стр. 390
وجدت سلسلة طويلة متصلة من الأنبياء الذين يتلو بعضهم بعضاً، على نحو ما يقول اليهود، (سلسلة دقيقة من الأنبياء).
وكما يذكر في أصحاح ١٨ من سفر " ثنية الإشتراع " من أنه لم يخل الزمان أبداً من نبي يخلف موسى ومن نوعه. وهذه السلسلة لا تقف عند محمد. ولكل نبي خليفته إلى جانبه يعيش أثناء حياته (وهذا الزميل الثاني هو أيضاً فكرة يهودية) فكما كان لموسى خليفة هو يوشع، كذلك لمحمد خليفة هو عليّ، به يستمر الأمر. على أن كلمة " نبي " لم تطلق على عليّ وبنيه - بل أطلق عليهم أسماء " الوصي " أو " المهدي " أو " الإمام " عامة - ولكن إن لم يطلق عليهم الاسم، فإن الحقيقة الفعلية كانت مقصودة بوصفهم عارفين بالغيوب وتجسيدات للخلافة عن الله " (١).
وأخيراً يذكر:
" وأقيم تأليه بيت الرسول على أساس فلسفي بواسطة مذهب " الرجعة " أو (تناسخ الأرواح) فالأرواح تنتقل بالموت من جسم إلى جسم، وثمة بعث مستمر في المجرى الطبيعي للحياة الدنيا. وهذا في تناقض حاد مع القول ببعث واحد عند زوال الدنيا. ويستفيد هذا المذهب أهمية عملية، خصوصاً عن طريق رفعه إلى روح الله التي تحل في نفوس الأنبياء. فهذه الروح تنتقل من نبي إلى نبي آخر بعد وفاة السابق، ولا يوجد في الوقت الواحد غير نبي واحد، ويتتابعون حتى يبلغوا ألف نبي. وتبعاً لهذا فإن الأنبياء جميعاً بما يُبعث في كل منهم من روح الله، والحق أن النبي الصادق الحق واحد يعود أبداً من جديد.
وبهذا المعنى قالوا أن محمداً يُبعث في عليّ وآل عليّ.
ويبنون ذلك على الآية ٨٥ من السورة ٢٨، والآية ٨ من السورة ٨٢.
وهذا يُذكّر كثيراً