← История

История · id 37481

انبعاث الإسلام في الأندلس

علي المنتصر الكتاني

Полный текст (457 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تم تحرك جيش دي بلش بأمر من دون خوان غرناطة من ميناء عذرة الذي أخذه من يد المجاهدين، وتوجه إلى أشيجر. فأمر محمد بن أمية بيدرو مندوسة الحسين، أحد قواده، باعتراض الجيش المهاجم، فلم يستطع. وفي ٣/ ٨ / ١٥٦٩ م سار جيش دي بلش نحو بالور حيث تجمعت قوات المجاهدين تحت قيادة ابن أمية. فقامت بين الطرفين معركة ضارية أرغمت المجاهدين على الانسحاب، وأحرق الجيش بيت ابن أمية في بالور. وفي غشت عام ١٥٦٩ م أرسل ابن أمية هرناندو الحبقي إلى أمير أمراء الجزائر، علي باشا، مستغيثًا وطالبًا منه مد المجاهدين بالمال والرجال والسلاح فأذاع علي باشا بيانًا يطلب فيه التطوع، فاستجابت له أعداد كبيرة من الجزائريين، اختار منهم ٤٠٠ رجل سلحهم بالبنادق وأرسلهم في ست سفن مع هرناندو الحبقي تحت قيادة ضابط تركي اسمه حسين، وأرسل معهم كمية مهمة من الذخائر والأسلحة. بينما ذهب علي باشا بباقي المتطوعين لتحرير تونس من الإسبان. وطاف القائد حسين، عند وصوله إلى الأندلس، على تجمعات المجاهدين، وأخبرهم أنه يدرس حاجياتهم، فشد ذلك من عزائمهم. وفي نفس الوقت وصل للمجاهدين متطوعون بالأسلحة والمؤن من المغرب، خاصة من منطقة تطوان. وفي حاضرة غرناطة انتشرت الخلافات في المجلس العسكري لدرجة أدت إلى إيقاف العمليات الحربية ضد المجاهدين. فدعا الملك فليبي الثاني الماركيز دي مندوجر لمقابلته، ولم يعد بعد ذلك إلى غرناطة. ثم اختار المجلس العسكري الحرب ضد المجاهدين كحل وحيد لإنهاء الثورة. وبينما كانت المبادرة في يد المجاهدين وقع قوادهم في مؤامرة خطيرة أدت إلى انكسارهم. وهي أن الإسبان عندما قاموا بمذبحة سجن غرناطة الرهيبة حقنوا دم والد وأخ ابن أمية للضغط على سلطان الأندلس وقائد ثورتها، فسلموهما لمحاكم التفتيش لتعذيبهما. فأرسل ابن أمية رسالة إلى خوان النمساوي يعرض فيها عليه تسليمهما له مقابل ثمانين أسيرًا من النصارى، وإلا انتقم من النصارى الذين تحت سلطته. فاتفق المجلس الحربي في غرناطة على عدم الإجابة، وأرغموا والد ابن أمية بالكتابة لابنه ناهيًا إياه عن متابعة الثورة ونافيًا أية إساءة أو تعذيب. فاغتنم ذلك بعض المتعاملين مع العدو الناقمين على ابن أمية للعمل على قتله، على رأسهم دييكو الوزير، وهو أخ زوجة ابن أمية. فأخذوا يبثون الشك بين ابن أمية

стр. 107

والمتطوعين القادمين من الجزائر. فطلب ابن أمية من قريبه وقائده محمد بن عبو (واسمه الإسباني دييغو لوبيز) ضم الأتراك إلى قوته والسير بهم إلى البنيول ولينتظر هناك أوامره. وكانت غاية ابن أمية تحرير ميناء مطريل دون أن يتسرب خبر اتجاه قوة المجاهدين، للحفاظ على المبادرة. فمر حامل الرسالة على أجيجر، فعلم الوزير منه مضمونها، فتآمر مع كاتب ابن أمية في تزوير رسالة أخرى، وأمر بقتل حامل الرسالة الأولى. فوصلت الرسالة المزورة إلى ابن عبو تأمره بتجريد المتطوعين من السلاح وإعدامهم. فاستنكر ابن عبو هذا الأمر، وآمن بالشائعات التي نشرها العدو حول ابن أمية بأنه يريد مهادنة الإسبان لتحرير والده وأخيه. واعتقد المتطوعون أن ابن أمية قد خان، فقرروا عزله وإعدامه دفاعًا عن الثورة. وسار ابن عبو والمتطوعة الأتراك إلى مقر ابن أمية في لوشر، فقبضوا عليه وواجهوه بالتهم التي يتهمونه بها، وأطلعوه على الرسالة التي بيدهم. فتبرأ ابن أمية من التهم الموجهة ضده، وأكد لهم أن الرسالة مزورة ولم يأمر بكتابتها قط، وأنه ما خان أمته ولا دينه أبدًا. فلم يفده دفاعه عن نفسه، فسجنوه في غرفة، وكلفوا بحراسته دييكو الوزير، كبير المتآمرين عليه، ودييكو أركش، كاتبه. وفي ليل ٢٠/ ١٠ / ١٥٦٩ م، قتله هاذان الخائنان خنقًا. وهكذا استشهد قائد ثورة الأندلس ضحية الدسائس والغدر، على يد أبناء أمته، تلك الأمة التي ضحى في سبيلها بالغالي والرخيص والتي بسببها شرد أهله وقتلت أمه وأخوته وزوجته وسجن أبوه وأخوه وما وهن ولا استكان، وأجره عند الله. وكان قتله، والمبادرة في يد المجاهدين، انتكاسة كبيرة للثورة. واقترح قواد الثورة بعد اغتيال ابن أمية، بيعة أحد قائدي المتطوعين، حسين أو أخيه. فرفضا واقترحا مبايعة ابن عبو شرط أن يوافق أمير أمراء الجزائر على ذلك. فوصلت موافقة هذا الأخير مع بعض التعزيزات العسكرية بعد ثلاثة شهور. فنصب ابن عبو سلطانًا للأندلس تحت اسم عبد الله محمد بن عبو. وقد استاء بعض قواد الثورة، كابن مكنون والأرشذوني، من اغتيال ابن أمية، فانسحبوا من الجهاد واختاروا الهجرة إلى أرض الإسلام، وقد انضم إلى الثورة في أوجها ما يقارب ثلاثين ألف مقاتل، منهم حوالي ٥.٠٠٠ من المتطوعين الأتراك والجزائريين والمغاربة.

стр. 108

٣/ ٤ - مراحل الثورة تحت قيادة ابن عبو: أعاد ابن عبو فور مبايعته، تنظيم جيش المجاهدين. فعين ابن المليح قائدًا على وادي المنصورة ومنطقة بسطة، والشعيبي على البشرات وجبال شلير، وبولود على منطقة المرية. واستقدم السلاح والذخيرة من موانىء المغرب والجزائر. ثم نظم ابن عبو جيشًا، قوامه عشرة آلاف مجاهد، اتجه بهم لحصار مدينة أرجبة وقلعتها أواخر شهر أكتوبر سنة ١٥٦٩ م، بعد محاولات فاشلة لاقتحام أسوارها. فطلب قائد حاميتها النجدة من خوان النمساوي في غرناطة، فأنجده بقوة تحت قيادة دوق دي سياسة. فلم تفلح هذه القوة في فك حصار المجاهدين الذين قطعوا الطريق إليها في لانجرون. فنجح المسلمون في تحرير أرجبة، ثم حرروا غليرة، وهي قلعة ذات موقع استراتيجي رفيع. فأتت من أشكر قوات مساندة لجيش دوق دي سياسة فهزمهم المجاهدون في معركة عنيفة. واستتبت وحدة المجاهدين حول ابن عبو الذي انتشر سلطانه إلى مناطق مالقة ورندة وكثرت هجماته على مرج غرناطة. وفي أوائل نوفمبر عام ١٥٦٩ م، حررت قوة من المجاهدين بقيادة خريمينو بن المليح حصن أرية بعد معركة عنيفة، إذ كانت حامية أرية النصرانية تغير على قرى المسلمين المجاورة لها، خاصة منتربة. وفي هذه الأثناء كانت المعارك مشتعلة بين الدولة العثمانية وإسبانيا على الشواطىء التونسية والجزائرية. وفي ١٩/ ١ / ١٥٧٠ م أفلح أمير أمراء الجزائر، علي باشا، في تحرير مدينة تونس من يد الإسبان والقضاء على ما تبقى من الدولة الحفصية التي أصبحت تحت حماية الإسبان. لذا جمع ملك إسبانيا أقصى ما يمكن من قواته للقضاء على الثورة الأندلسية. فجهز ثلاثة جيوش: أكبرها تحت قيادة أخيه خوان النمساوي، وثانيها تحت قيادة دوق دي سياسة، وثالثها تحت قيادة أنطونيو دي لونا. ونجحت هذه الجيوش الثلاثة في أخذ المبادرة من يد المجاهدين، وقد تزعزعت وحدتهم بعد مقتل ابن أمية، وقلت الإمدادات التي كانت تصلهم. وقرر الملك حسم الموقف مهما كان الثمن خوفًا من أن ينضم مسلمو بلنسية ومرسية إلى المجاهدين. فأمر الملك في أواخر ديسمبر عام ١٥٦٩ م، جيش خوان النمساوي بالتحرك. فانطلق الجيش من غرناطة إلى حصن أبشر، ومنه إلى وادي آش، ووصل إلى بسطة في ٢٩/ ١٢ / ١٥٦٩ م حيث أقام بضعة أيام لتنظيم خطته. ثم اتجه خوان النمساوي بقوة تعدادها ١٢.٠٠٠ جندي إلى حصن غليرة، واحتل في طريقه من يد المسلمين

стр. 109

حصن غولجر. وكان يدافع على غليرة حوالي ٣.٠٠٠ من المجاهدين، من بينهم فرقة من المتطوعين العثمانيين، وساهم في الدفاع عنها النساء الأندلسيات بأسلحتهن. وكان ماركيز دي بلش قد حاصر غليرة مدة طويلة، وعجز عن احتلالها، فأقاله خوان النمساوي في ديسمبر عام ١٥٦٩ م. قاوم المدافعون عن غليرة جيش خوان النمساوي مقاومة عنيفة، ومنعوه من اقتحام الحصن والبلدة. فحفر الجيش خندقًا حول البلدة، واستعمل المدفعية ضد حصنها، ثم حاصرها حصارًا طويلاً تكبد فيه مئات القتلى والجرحى. وفي ١٠/ ٢ / ١٥٧٠ م انهارت مقاومة المجاهدين ودخل الجيش البلدة في حمى جنونية من القتل والسلب. وأمر خوان النمساوي بقتل جميع الأسرى من رجال ونساء وأطفال، قتل منهم ١٤٠٠ بحضوره، وخربت البلدة، وشتت الملح على أرضها. وفي نفس الشهر توجه جيش خوان النمساوي شرقًا، وزحف على بلدة صيرون، فتوجهت إليه قوة تعدادها حوالي ستة آلاف مجاهد بقيادة الحبقي وابن المليح. ووقعت معركة طاحنة حول البلدة، قتل فيها المجاهدون عددًا كبيرًا من الجنود والضباط الإسبان على رأسهم دون لويس كيخادا، مربي خوان النمساوي قائد الجيش، وكان يعده في رتبة والده، كما كان كيخادا صديقًا مقربًا للملك شارل الخامس. فهزم المجاهدون جيش خوان النمساوي وشتتوه وكادوا أن يقتلوا قائده. ثم وصلت تعزيزات جديدة للجيش الإسباني فعاد إلى حصار صيرون، ونجح في ٥/ ٣ / ١٥٧٠ م في اقتحام البلدة. فنجا الحبقي مع قلة من المجاهدين، بينما فشا القتل والسلب والنهب والاسترقاق فيمن وقع في يد الجيش. ثم توجه جيش خوان النمساوي غربًا، فاحتل حصن نجولة واسترق فيه ٤٠٠ طفل وامرأة، ودمره. ثم احتل على التوالي حصون برشانة وكنتورية وتهالي. وفي أواخر أبريل وصل الجيش إلى سهل البدول بالبشرات، وانتظر قدوم جيش دوق دي سياسة. خرج جيش دوق دي سياسة من غرناطة في شهر فبراير وعبر جبال البشرات من الغرب إلى الشرق ينشر القتل والرعب والدمار في طريقه إلى أن وصل في أواخر شهر أبريل إلى سهل البدول بالبشرات حيث التقى بالجيش الأول. وخرج جيش أنطونيو دي لونا من أنتقيرة، فوصل في أوائل شهر مارس إلى جبال بني طوميز شرق مالقة لإخضاعها.

стр. 110

وفي ١٤/ ٣ / ١٥٧٠ م، أمر خوان النمساوي باقي المسلمين في حاضرة غرناطة ومرجها بالخروج منها إلى قشتالة. وفي ١٩ مارس جمعهم الجيش في قوافل ووزعهم على قرى قشتالة النائية، وقد مات أكثرهم في الطريق مرضًا أو قتلاً، وبيع عدد كبير منهم في أسواق النخاسة. وأمام هذا الوضع الحرج أخذ السلطان ابن عبو يستغيث بالدولة العثمانية من جديد. فأرسل كتابًا إلى أمير أمراء الجزائر، علي باشا، وآخر إلى مفتي القسطنطينية مؤرخًا بـ ١١ شعبان عام ٩٧٧ هـ (١١/ ٢ / ١٥٧٠ م) هذا نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم، العزة لله، من عبد الله المتوكل على الله، الحي بفضله وقدرته، المجاهد في سبيله، أمير المؤمنين، المستمسك بشريعة الله، مبيد الكفار وقاهر جيوش العاصين لله، مولاي عبد الله محمد بن عبو، بارك الله مسعاه، وسدد خطاه ليسترد عزة الأندلس، ويجدد نهضتها، نصرها الله القدير، وهو القادر على كل شيء، إلى صديقنا وحبيبنا الخاص، السيد العظيم، والشريف الكريم، السامي المتقدم، العامل المحسن، الخائف من الله، أنعم الله عليه بنعمة الغفران". "أما بعد فسلام الله عامة على دولتنا العلية، ونعمته وبركاته الوفيرة. أيها الأخ العزيز، لقد بلغتنا أنباء دولتكم العلية، وشخص السلطان الكريم، وما صدر عنه العطف على التعساء البائسين، وأنه سأل عنا، مهتمًا لمعرفة ما يجري لدينا، وأنه اهتم وتألم لما أصابنا من ضنك ونصب على أيدي أولائك النصارى، وأن صاحب الجلالة والعظمة السلطان قد أرسل إلينا كتابًا مختومًا بخاتمه يعدنا فيه بالنصرة بعدد وافر من الرجال المسلمين، وبما نحتاج إليه من العون والعدد التي تسمح لنا بالحفاظ على هذه الأرض". "وبما أننا نقاسي المتاعب الشديدة في هذه الأزمة المريرة، فإننا نلجأ من جديد إلى الباب العالي، نطلب النجدة والمعونة والنصر عن يدكم. فالنجدة النجدة، بالله القاهر فوق الناس جميعًا. ونرجو من سيادتكم إعلام السلطان القادر بأحوالنا وإخباره بأخبارنا، بالحرب الكبرى التي نخوضها، وقولوا لعظمته إنه إذا أراد أن يشملنا برعايته وعطفه فليبادر إلى إنجادنا بسرعة قبل أن نهلك، فهناك جيشان قويان يتجهان إلينا لمهاجمتنا من جهتين. وإننا إذا ما اندحرنا في المعركة، فإن الله سبحانه سيحاسبه على ذلك حسابًا عسيرًا يوم القيامة، يوم لا تنفع القوة في الحجة. والسلام عليكم ورحمة

стр. 111

الله وبركاته. حرر يوم الثلاثاء في الحادي عشر من شهر شعبان ٩٧٧ هـ. مولاي عبد الله محمد بن عبو". وخذل العالم الإسلامي مرة أخرى الأمة الأندلسية. ففي هذه الثورة الأخيرة التي ضحى فيها الأندلسيون تضحية لم يضحها شعب في التاريخ قبلهم، للحفاظ على دينهم الإسلام ولغتهم العربية وحضارتهم، لم تبعث الدولتان الإسلاميتان في البحر الأبيض المتوسط حينذاك، العثمانية والسعدية، إلا بمساعدات ضئيلة ومتأخرة. ومعظم من انضم إلى المجاهدين الأندلسيين من أتراك وجزائريين ومغاربة إنما تطوعوا للجهاد في سبيل الله وطلب الاستشهاد وقد استبسلوا في القتال واستشهدوا بالآلاف. كانت الدولة العثمانية أكثر قوة من الدولة السعدية ومقدرة على مناصرة الأندلسيين. فلماذا لم تفعل؟ يظهر أن أمير أمراء الجزائر اهتم أكثر باستعمال ثورة الأندلسيين لتحرير تونس والشواطىء الجزائرية والتونسية من الإسبان من أن يساعد الأندلسيين على النصر. فهل نوى العثمانيون فعلاً مساعدة الأندلسيين على تحرير أرضهم، أم أنهم أرادوا فقط الضغط على إسبانيا لتحسن وضعهم، أو استعمالهم لكسب مكاسب ضد إسبانيا خارج الأندلس؟ كانت الحكومة العثمانية عارفة بأوضاع الثورة الأندلسية معرفة جيدة، وعلى صلة وثيقة ومتواصلة مع زعمائها. لكنها كانت مجزأة بين فكرتين: مساعدة الثورة الأندلسية حتى تنتصر، أم فتح قاعدة البندقيين، جزيرة قبرص، التي كانت تسبب متاعب جمة للدولة. كان الصدر الأعظم، محمد الصقلي، من أنصار الهجوم على إسبانيا وتحرير الأندلس، واقترح على السلطان سليم الثاني تأجيل فتح قبرص. بينما كانت بطانة السلطان تؤيد استخلاص قبرص أولاً من البندقية، إذ بدا لها فتح قبرص أسهل من تحرير الأندلس. وكان سليم الثاني يأمل في التحالف ضد الإسبان مع ملك فرنسا، شارل التاسع. وحيث ظهر تردد ملك فرنسا في قبول هذا التحالف تحت ضغط الكنيسة، فقد رجح السلطان رأي الذين فضلوا البداية بفتح قبرص. وفعلاً فتحت الدولة العثمانية قبرص في غشت عام ١٥٧١ م بعد أن انهزمت الثورة الأندلسية وانقضى أمرها. كان سلطان المغرب أبو محمد عبد الله الغالب السعدي متهمًا من طرف الأندلسيين بالتواطؤ مع الإسبان مخافة توسع الدولة العثمانية. فربما لم يكن يرى

стр. 112

بعين الرضى قيام دولة أندلسية شمال المغرب تحت النفوذ العثماني. وقد سبق له سنة ٩٧٠ هـ (١٥٦٣ م) أن أدخل بالقوة ١٤.٠٠٠ مهاجر أندلسي في الجيش وأسكنهم حي رياض الزيتون بمراكش. فأصبح بذلك الغالب بالله مكروهًا لدى جميع الأندلسيين، إذ اعتبروا تجنيدهم بالقوة استرقاقًا لهم. ولما قامت الثورة الأندلسية، أرسل قائدها، ابن أمية، سفارة برئاسة فراندو الحبقي إلى السلطان السعدي. وأشار إلى هذه السفارة المؤرخ الجنابي قائلاً: "وأرسل هؤلاء (يعني المجاهدين الأندلسيين) إلى الشريف مولاي عبد الله يستمدونه فلم يمدهم بسبب قلة الأغربة والمراكب عنده ولعلة أخرى". وكان صاحب "تاريخ الدولة السعدية"، الكاتب الأندلسي المجهول، أكثر وضوحًا إذ قال عن المجاهدين الأندلسيين: "فصاروا يكتبون إلى ملوك المسلمين شرقًا وغربًا وهم يناشدونهم الله في الإغاثة، وأكثر كتبهم إلى مولاي عبد الله لأنه هو القريب إلى أرضهم، وكان قد قوي سلطانه وصحت أركانه وجندت أجناده وكثرت أعداده. فأمرهم غشًّا منه بأن يقوموا على النصارى ليثق بهم في قولهم بظهور فعلهم. فلما قاموا على النصارى تراخى عمّا وعدهم به من الإغاثة، كذب عليهم غشًّا منه لهم ولدين الله ، من أجل مصلحة ملكه الزائل ... وكانت بينه وبين النصارى مكاتبات في ذلك ومراسلات وأنه استشار معهم، وأشار عليهم أن يخرجوا أهل الأندلس إلى ناحية المغرب. وقصده بذلك تعمير سواحله، ويكون له منهم بمدينتي فاس ومراكش جيش عظيم ينتفع به في مصالح ملكه. فلما قاموا على النصارى عن إذنه وانشغلوا معهم بالقتال، أرسلوا رؤساءهم وكبراءهم وذوي شأنهم إلى العدوة ليستغيثوا بالسلطان وبجماعة المسلمين في الإعانة، وتركوا أهل الأندلس كلهم متمنِّعين في جبال غرناطة وهم يقاتلون النصارى. فلما وصلوا إليه تراخى عنهم وطوّل عليهم مقامهم. فأتتهم المكاتبة من أهلهم بأنهم اطلعوا على مكاتبات بين السلطان وبين النصارى ومصادقة وتدبير على المسلمين. فصح عندهم ذلك، وظهر بالإمارات الدالة عليه من كثرة قعودهم ومرور الأيام عليهم بلا فائدة، فأمرهم أن يصطلحوا مع النصارى على أن يتركوهم يجوزوا لهذه العدوة". هذا هو وضع المساندة التي كان يتوقعها الأندلسيون من إخوانهم، وبسببه غامروا بحياتهم ووجودهم. وفي أبريل سنة ١٥٧٠ م، أصبح هذا الوضع واضحًا

стр. 113

لقواد المجاهدين. فأخذت العزائم تخور، والأمل بالنصر يضعف، والشعور بخذلان العالم الإسلامي ينتشر. ٣/ ٥ - الانهزام والاستسلام: بعد التقاء جيشي خوان النمساوي ودوق دي سياسة في سهل البدول، اتجها جنوبًا إلى أندرش حيث وصلا في شهر مايو. وتوجهت من أندرش كتائب بقيادة دوق دي سياسة لإخضاع حصون كمبيتة ومارو ونرجة وبرجة وقمارش وكوثر وبني مرغوشة، فاحتلوها ونقلوا أهلها الذين سلموا من القتل والاسترقاق إلى قشتالة. وتتابعت المعارك في منطقة رندة غربًا، وحرر المجاهدون حصن الحصينة وقصر بنيرة، وحاصروا أربوطو في الجبل الأحمر. فتوجه إليهم جيش بقيادة دوق دي أركش دخل معهم في معارك أدت إلى انهزامهم واستسلامهم في ٢٠/ ٩ / ١٥٧٠ م. وأمام هذه الانهزامات المتواصلة، ويأس المجاهدين من أي عون فعال من العثمانيين والسعديين، افترق المجاهدون بين ثلاثة آراء: منهم من آثر متابعة الجهاد إلى الاستشهاد، مفضلاً ذلك عن الاستسلام وما يتبعه من تنصير واسترقاق أو الموت ذلاًّ تحت سلطة الأعداء، وكان ابن عبو على رأس هذا الفريق. ومنه ممن رأى عدم جدوى متابعة الجهاد ورجح التفاوض مع النصارى للاستسلام بأفضل الشروط الممكنة، وكان فراندو الحبقي على رأس هذا الفريق. ومنهم من آثر الهجرة بنفسه وأهله إلى السواحل الجزائرية والمغربية والخروج من الجحيم الذي هم فيه، فعبر البحر منهم عدد كبير منذ فبراير عام ١٥٧٠ م. وفي ٥/ ٢ / ١٥٧٠ م اجتمع في مرتفعات جبل شلير هرناندو برادة، أحد وجوه وادي آش الأندلسيين، بالحبقي الذي أصبح قائدًا عامًا لجيوش المجاهدين بعد استشهاد ابن المليح في غليرة. دخل برادة وسيطًا بين الإسبان والمجاهدين بموافقة خوان النمساوي، وعرض على الحبقي إنهاء القتال مقابل العفو العام عن المجاهدين. وتتابعت المفاوضات، فاقترح الحبقي على خوان النمساوي إقناع ابن عبو وباقي زعماء الأندلسيين بالاحتفاظ بالبشرات والتخلي عن جميع ما بيدهم من مناطق خارجها، بما فيها وادي المنصورة، وإعلان الهدنة، مقابل إعطاء الأمان على أرواح جميع المجاهدين. وافق خوان النمساوي مبدئيًّا على ذلك، واستصدر أمرًا ملكيًّا بالعفو عمن يسلم سلاحه من الأندلسيين في ظرف عشرين يومًا من إعلانه، شرط أن يكون عمره بين الخامسة عشرة والخمسين عامًا، وأن ينضوي تحت قيادة وطاعة الملك فليبي

стр. 114

الثاني. ويسمح القرار لكل من يستسلم بتقديم شكواه ويعد ببحثها بعناية. كما وعد القرار بإعطاء جائزة لكل من يستسلم، وإطلاق سراح شخصين من عائلته. وحكم القرار بالإعدام على من يرفض الاستسلام، عدا النساء والأطفال دون الخامسة عشرة. وعين القرار مراكز للاستسلام تابعة لخوان النمساوي والدوق دي سياسة. ووزعت بين الأندلسيين مناشير مزورة باسم أحد الفقهاء تدعو المجاهدين إلى الاستسلام "تخلصًا من المصائب التي جرها عليهم ابن عبو". وفي نفس الوقت تابع خوان النمساوي القتل والسبي بين الأندلسيين مسالمين كانوا أو محاربين. وفي هذا الجو القاتم تتابعت المفاوضات. ورفض معظم المجاهدين الاستجابة لنداء خوان النمساوي لعدم ثقتهم بوعود النصارى. ومال ابن عبو إلى التفاوض للحصول على أحسن ظروف الاستسلام، عندما عجز عن الدفاع عن قومه وتخليصهم مما أصابهم. أمر خوان النمساوي دون ألونسو دي غرناطة بنيغش، أحد زعماء الأندلسيين، بالكتابة إلى صديقه ابن عبو لحثه على الاستسلام. فكتب له رسالة بتاريخ ١٨/ ٤ / ١٥٧٠ م حاول فيها إقناعه بإنهاء "هذه الحرب المشؤومة"، ويطلب منه إرسال وفد باسمه للتفاوض على شروط الاستسلام والمصالحة. فرد ابن عبو رسالة بتاريخ ٢٤/ ٤ / ١٥٧٠ م يرمي فيها مسؤولية إشعال الثورة ومآسي الحرب على القشتاليين بسبب اضطهادهم للأندلسيين وإرغامهم على التنكر لدينهم، وأكد في رسالته عدالة الجهاد، ورفض الاستسلام بدون شرط. ثم طلب ابن عبو من بنيغش الحصول على أمان من الملك للحبقي ليتفاوض مع القشتاليين باسم المجاهدين لإنهاء الحرب. وهكذا عين ابن عبو الحبقي مفاوضًا رسميًّا باسم الثورة الأندلسية، وجعله ممثلة المؤتمن. وتتابعت المفاوضات بين الإسبان والحبقي عن طريق هرناندو برادة وألونسو بنيغش. ثم اجتمع الحبقي مع مندوبي الملك عدة مرات. وفي ١٣/ ٥ / ١٥٧٠ م اقترح الحبقي على بنيغش في فندون أندرش شروط الاستسلام. فنقلها بنيغش إلى خوان النمساوي الذي جمع المجلس العسكري. فطلب المجلس أن يأتي الحبقي بتفويض من قادة المجاهدين بتمثيلهم. فعاد الحبقي إلى فوندون أندرش يوم ١٩/ ٥ / ١٥٧٠ م بتفويض من ابن عبو، وتم الاتفاق مع ممثلي الإسبان على أن ذهب باسم ابن عبو وباقي قواد الجهاد إلى الأمير خوان النمساوي ويسلم إليه السلاح والعلم ويطلب الصفح والرحمة. وبعد ذلك يعفو عنه الأمير باسم الملك، ويصدر العفو العام عن

стр. 115

الأندلسيين، ويضمن لهم حياتهم وأملاكهم، ويؤمنهم من الاعتداء عليهم، ويسمح لهم بإقامة العلاقات الاجتماعية فيما بينهم من زواج إلى آخره ... ويرسل المحاربين المستسلمين مع نسائهم وأطفالهم إلى الأماكن التي تحدد لهم على أن تخلى جبال البشرات منهم. وقبل الحبقي الشروط جميعها. وتنفيذًا للاتفاق، تقدم الحبقي في ٢٢/ ٥ / ١٥٧٠ م على رأس ٣٠٠ مجاهد إلى خيمة خوان النمساوي في أندرش، وسلمه سيفه وعلم الاستسلام باسم ابن عبو. فقبله الأمير، وأرجع له سيفه، ومنحه الأمان بألا يتعدى عليه ولا يزعج ولا يلاحق ولا ينهب، وسمح للمستسلمين بالإقامة أينما أرادوا في مملكة غرناطة خارج البشرات. ثم عاد الحبقي إلى ابن عبو ليخبره بما تم، وأرسل معه خوان النمساوي مندوبين لقبول الاستسلام من ابن عبو. فلما اطلع ابن عبو على الشروط التي وافق عليها الحبقي اتهمه بتجاوز التفويض الذي أعطاه إياه، واتهمه بالغدر والخيانة، إذ لم يحصل للأندلسيين على شيء، كإلغاء قرارات التنصير ومحو اللغة العربية. وفوق كل ذلك، وافق الحبقي على تهجير الأندلسيين من البشرات. فلم الجهاد؟ ولم التضحيات؟ وفي ٢٥/ ٥ / ١٥٧٠ م عاد الحبقي إلى معسكر خوان النمساوي وأخبره بمعارضة ابن عبو للاتفاقية، ثم اقترح عليه تنفيذها دون ابن عبو، وأن يأتي به موثوقًا. فوافق خوان النمساوي، وأرسل في نفس الوقت ممثلاً عنه إلى ابن عبو يوم ٢٨/ ٥ / ١٥٧٠ م يحاول إقناعه بالاستسلام، فلم يفلح. وساند المتطوعون موقف ابن عبو، فعمل الحبقي على إرجاعهم إلى بلدانهم، وأخذ يروج للاستسلام. فتوجه على رأس قوة للقبض على ابن عبو، لكن المجاهدين هزموه وقبضوا عليه وسلموه موثوقًا لابن عبو الذي اتهمه بالخيانة وأمر بإعدامه. فأعدم الحبقي وأخفى ابن عبو موته لمدة ثلاثين يومًا. وتابع ابن عبو المفاوضات مع خوان النمساوي على شروط أفضل بواسطة هرناندو برادة، وتابع في نفس الوقت جهوده في إعادة بعث الثورة، فأرسل رسله إلى المناطق المختلفة يحثون الأندلسيين على متابعة الجهاد. وقد احتفظ التاريخ برسالة جوابية مؤثرة من ابن عبو إلى برادة بتاريخ ٣/ ٧ / ١٥٧٠ م، وهي بالدارجة الغرناطية، وهي آخر وثيقة عربية أتت من الأندلس، هذا نصها: "الحمد لله وحده قبل الكلم، أسلم مكرمو على من كرمهو سيدي وحبيب وعز من عندي دن هرنتدو، وني نعلم حرمتكم ين. أكن أنت تقول تجي عندي، تجي عند أخكم وحبيبك، وتجي مطمئن، وكل ميجكم فملي وذيمتي. وكن أنت تريد تترطل

стр. 116

فذى المبركم مين سلح، كل متعمل تعملو معي، وني نعمل معك كل متريد بحق وبل غدر. ودهر لي من الحبقي بن أشمكن يعمل معلمن ولطلعن ي على حق. وذهر لي يذ اسم للمطلب يرحو وينسو وتسحبو وبعد رعي. وديب أني نعرف حرمتك بهذا شي وكرمتك، اعمل الذي يذهر لكم عمل ميسلح بصرر. ويذ وعسي يقذيا الله خير بينين، وتكن حرمتكم أسبب فهذا شيء ومحملن مفدتكم بل آش كن معي من يكتيلي يل كنكن كتبلكم أكثر. وسلم وعليكم ورحمتو الله وبركتو الله. كتيب الكتب يوم الثليث فشهر أليو فعم ٧٠". وفي ٣٠/ ٧ / ١٥٧٠ م أرسل خوان النمساوي مبعوثًا ليتفاوض مع ابن عبو وعرض الاستسلام عليه مقابل عروض مغرية لشخصه. فأجاب ابن عبو بأنه يشهد الله أنه لا يرغب في الملك، وحيث إن الأمة الأندلسية انتخبته سلطانًا عليها فإنه لن يستسلم ولو ظل مجاهدًا وحده في البشرات، وأن لديه ما يكفي من الغذاء والماء لمدة ست سنوات، وإذا انتهت مؤونته فهو يفضل عبور البحر لأرض المسلمين على الاستسلام. وعندما رأى خوان النمساوي هذا الموقف من ابن عبو، وعلم مقتل الحبقي، قرر إنهاء الثورة بالقوة. فحاول ابن عبو تنظيم المقاومة من جديد في البشرات، وأرسل أخاه غالب إلى منطقة رندة لقيادة الجهاد فيها. بينما اتجه خوان النمساوي بقواته إلى وادي آش حيث التقى بقوات دوق دي سياسة. وخرج من غرناطة جيش ثالث بقيادة دون ركيصانص في اتجاه البشرات. وسار جيش رابع بقيادة دوق دي أركش إلى بسائط رندة وجبالها فقضى على المجاهدين في تلك المنطقة في ٢٠/ ٩ / ١٥٧٠ م. وفي نفس الشهر شن دون ركيصانص هجومه الشامل على البشرات، فقتل وحرق وحطم وأباد الشيوخ والأطفال والنساء، ووزع على الجنود كعبيد من نجا من نساء وأطفال المسلمين من الموت. ومن أفعاله الشنيعة إشعال النيران على مداخل الكهوف لخنق المختبئين فيها. وأمام هذه الهجمة الجديدة لم يبق للجهاد قوة تذكر للدفاع عن الأندلس. فأخذت جيوش قشتالة تمزق كل السرايا المقاومة فانهارت المقاومة، وامتلأت الشواطىء المغربية والجزائرية باللاجئين الفارين بدينهم وأرواحهم. وتابع ابن عبو المقاومة في أعلى وأوعر منطقة من البشرات، لم يبق معه سوى ٤٠٠ مجاهد، من بينهم برناردينو ابن عامر وكونسالفو الشنيش. وضاقت رقعة

стр. 117

المجاهدين بين برشول وترفلش، فأوعز الإسبان إلى الشنيش بقتل ابن عبو مقابل عفوهم عليه. وكان الشنيش يحقد على ابن عبو لأنه منعه من عبور البحر إلى المغرب. وكان الإسبان قد قبضوا عليه وأطلقوا سراحه ومنحوه الأمان ووعدوا بتسليمه زوجته وابنتيه الأسيرات مقابل الإتيان بابن عبو حيًّا أو ميتًا. وفي ١٣/ ٣ / ١٥٧١ م نجحت المؤامرة إذ هجم الشنيش وستة من أتباعه على ابن عبو في الكهف الذي كان مختبئًا فيه، فقاوم حتى استشهد. فسلم الخونة جثمانه للإسبان الذين حملوه إلى غرناطة، وأدخلوه المدينة في حفل ضخم، ووضعوه في قفص حديدي بعد أن ألبسوه لباسًا كاملاً وكأن صاحبه حي، ثم حملوه على فرس، وقطعوا به المدينة تتبعه أفواج من أسرى الأندلسيين. ثم حمل الجثمان إلى النطع. وأجرى فيه حكم الإعدام، فقطعوا الرأس وسحلوا الجسم في الشوارع فمزق أطرافًا ثم أحرق في أكبر ساحات غرناطة بهمجية لا تضاهى. ووضعوا الرأس في قفص من حديد رفع فوق باب المدينة باتجاه البشرات حيث بقي معلقًا لمدة ثلاثين سنة. ولم تنته الثورة تمامًا إلا سنة ١٥٧٣ م باستسلام مناطق غليرة وصيرون وبرشانة ومناطق وادي المنصورة في ولاية المرية. وابتدأت بعد انهيار ثورة غرناطة الكبرى مأساة جديدة لم ير الشعب الأندلسي مثيلاً لها من قبل، إذ أعلن الملك فليبي الثاني في ٢٨/ ١٠ / ١٥٧٠ م، قبل استشهاد ابن عبو، قرارًا بنفي الأندلسيين من مملكة غرناطة إلى مختلف مناطق قشتالة وليون. وقبل إنهاء هذا الفصل، لنر خصائص هذه الثورة الفريدة في الاستماتة والتنظيم والشجاعة ضد أقوى جيش في أوروبا آنذاك، بأقل الإمكانيات وأقل مساندة خارجية. استعمل المجاهدون الأندلسيون تضاريس الجبال ومعرفتهم بالبلاد أحسن استعمال، فكانوا يضربون العدو ضربات سريعة ينتقلون بعدها بسرعة من جبل إلى آخر، ويتحاشون المعارك الطويلة، فكانوا مبدعين حتى في محنتهم، إذ اخترعوا حرب العصابات وأتقنوها. فخارت في أول الأمر معنويات الجيش الإسباني الذي كان يخوض حربًا كلاسيكية، خاصة بعد أن عمل المجاهدون على تجويعه بحرق المحاصيل الزراعية. ثم تحول الجنود الإسبان إلى مجرمين بقتل أو استعباد جميع من يقع في يدهم من أسر المجاهدين، من أطفال وشيوخ ونساء للقضاء على معنوياتهم. ومن ناحية أخرى، لم يستطع زعماء الجهاد التغلب على نزاعاتهم الجانبية بين أهل حاضرة غرناطة مثلاً وأهل البشرات. وربما كانت تلك النزاعات هي سبب تقاعس

стр. 118

قاعدة غرناطة ومرسية عن الانضمام إلى الثورة في أول أمرها. ولم يكن الجانب الإسباني موحدًا كذلك، إذ كانت العداوة قوية بين ديسا ومندوجر، وبين سياسة وبلش. وكانت القوات المتحاربة ضخمة بالنسبة لمجموع عدد السكان، إذ كان عدد المجاهدين في أول الثورة حوالي ٤.٠٠٠ مجاهد، ووصل إلى ٣٠.٠٠٠ مجاهد في قمتها. وتدل هذه الأرقام على المجهود الضخم الذي قام به الأندلسيون لتحرير بلدهم، كما يدل على إجماعهم على المقاومة. ولم يقل عدد القوات النظامية التي جابهتهم عن ثلاثين ألفًا، مسلحة بسلاح أفضل بكثير. ووقع ضحية هذه الثورة عشرات الآلاف من الأندلسيين، خاصة النساء والأطفال، كما قتل عدة آلاف من الإسبان. ولقد انضمت للثورة جميع أراضي مملكة غرناطة عدا المدن الكبيرة كحاضرة غرناطة والمرية ووادي آش وبسطة وأشقر ومطريل.

стр. 119

مراجع الفصل الثالث ٣/ ١ - Diego Hurtado de Mendoza "Guerra de Granada" ed. B. Blanco Gonzalez, Madrid, ١٩٧٠. ٣ / ٢ - L. del Marmol Carvajal "Historia de la Rebelion y Castigo de los Moriscos del Reino de Granada" Biblioteca de Autores Espanoles, t. XXI, p. ١٢٣ y ss. ٣ / ٣ - Gines Perez de Hita "Guerra Civiles de Granada" Primera Parte, Madrid, ١٩١٣. ٣ / ٤ - نبيل عبد الحي رضوان "جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس واسترداده في مطلع العصر الحديث" رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ١٩٨٧ م. ٣/ ٥ - محمد حجي "الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين" الرباط، ١٩٧٦. ٣/ ٦ - Ref. (٣.٢) t. III, Cap. IX. وترجمتها بالعربية من كتاب محمد عبد الله عنان "نهاية الأندلس" الطبعة الثالثة، ص ٣٦٢ - ٣٦٣. ٣/ ٧ - عبد الجليل التميمي "الدولة العثمانية وقضية المورسكيين" المجلة التاريخية المغربية، تونس، العدد ٢٣ - ٢٤، نوفمبر، ١٩٨١. ٣/ ٨ - محمد عبده حتاملة "التهجير القسري لمسلمي الأندلس في عهد الملك فليب الثاني" ١٥٢٧ - ١٥٩٨ - عمان، الأردن، ١٩٨٢. ٣/ ٩ - Julio Caro Baroja "Los Moriscos del Reino de Granada" Ediciones Isfmo, Madrid, ١٩٧٦, Cap. ٦. ٣ / ١٠ - أسعد حومد "محنة العرب في الأندلس" المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ١٩٨٨، ص ٣٨٩ - ٣٣٦.

стр. 120

٣/ ١١ - Ref. (٣.٢) t. IV, Cap. IV, p. ١٨٥. ٣ / ١٢ - Luis Cabrera de Cordoba "Felipe Segundo, Rey d e Espana" Ma- drid, ١٨٧٦-٧٧, Vol. I. p. ٥٥٤ (Lib. VII, Cap, XXI) . ٣ / ١٣ - Compte de Circourt "Histoire des Arabes d'Espagne" Paris, ١٨٤٦, Vol. ٢, p. ٣١٦-٤٤٣. ٣ / ١٤ - مرجع (٣ - ٤) ملحق رقم ٢. ٣/ ١٥ - DACB, Dietari de l'Antic Consell Barceloni, V, ٨٥, ٨٦. ٣ / ١٦ - Diego Hurtado de Mendoza "De la Guerra de Granada" Edicion Critica preparada por Manuel Gomez Moreno, Memorial Historico Espanol, XLIX (Madrid) , ١٩٤٨, p. ١٥٨-٢٠٤. ٣ / ١٧ - Ref. (٣.٢) , Lib. VI-X. ٣ / ١٨ - Ref. (٣.٢) , Vol. ٢١, p. ٣١٧. الترجمة العربية من المصدر (٣ - ١٠)، ص ٣٣١. ٣/ ١٩ - أبو القاسم الزياني "الترجمان المعرب عن دول المشرق والمغرب" مخطوط الخزانة العامة بالرباط (المغرب) رقم ٦٥٨ د. ص ٣٥٠. ٣/ ٢٠ - مصطفى بن حسين الجنابي "البحر الزخار والعيلم التيار" مخطوط الخزانة الحسنية بالرباط، عدد ١٥٠٧، ص ٥٣٥. ٣/ ٢١ - مؤرخ مجهول "تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية" نشره جورج كولانا بالرباط (المغرب) سنة ١٩٣٤، ص ٣٧ - ٣٨. ٣/ ٢٢ - Ref. (٣.١٦) , p. ٢١٥. ٣ / ٢٣ - M. Alarcon "Miscelaneo de Estudios y Textos Arabes" ١٩١٥, p. ٦٩١ Madrid. ( صورة عن الرسالة)

стр. 121

الفصل الرابع التشتيت وزيادة القهر (١٥٧٠ - ١٦٠٨ م) ٤/ ١ - إخراج المورسكيين من مملكة غرناطة: في ٥/ ٣ / ١٥٧٠ م، وقبل انتهاء ثورة غرناطة الكبرى، قرر المجلس الملكي الإسباني إقصاء المورسكيين جميعًا من مملكة غرناطة وتوزيعهم على قشتالة، خارج حدود دولة بني الأحمر القديمة. وقد رأينا أن جماعة من أهل حاضرة غرناطة رحلوا منذ ٢٩/ ٣ / ١٥٧٠ م في ظروف قاسية، ونقلهم الجيش الإسباني إلى بلدة مونتيلا (مقاطعة قرطبة) ومنطقة قلعة رباح جنوب طليطلة. وفي ٢٨/ ١٠ / ١٥٧٠ م أرسل فليبي الثاني إلى أخيه خوان النمساوي أمرًا مجددًا بإخراج جميع المورسكيين، المحارب منهم والمسالم، من مملكة غرناطة. ومنذ ١/ ١١ / ١٥٧٠ م ابتدأ جيش خوان النمساوي يجمع بالقوة سكان القرى والمدن المورسكيين، كل جماعة في بلدة سكناها، ليقودهم إلى أماكن تهجيرهم في قشتالة، وفي مناطق الأندلس المحتلة قديمًا. وصدر القرار بمصادرة جميع أملاك المهجرين الثابتة، وسمح لهم بنقل أملاكهم المنقولة. وقد اعتقدت إسبانيا النصرانية، حكومة وكنيسة، أن إخراج الغرناطيين قاطبة من ديارهم وتشتيتهم على أنحاء مملكة قشتالة في مناطق لا يعرفونها هو الحل النهائي والوحيد للقضاء على روح المقاومة والجهاد فيهم. وجزّأ القائمون على التهجير مملكة غرناطة إلى سبع مناطق، جعلوا كل منطقة تحت إدارة مسؤول (أو مسؤولين أو ثلاثة) يقوم بتهجير سكان تلك المنطقة، كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالاً. واختاروا مركزًا للتجمع لكل منطقة من المناطق السبعة، وهي: رندة ومالقة في ولاية مالقة، وغرناطة ووادي آش وبسطة في ولاية غرناطة،

стр. 122

والمرية وبيرة في ولاية المرية. واختار القائمون على التهجير لكل نقطة تجمع من النقاط السبعة حوالي ١٢ نقطة تجمع ثانوية، عينوا عليها ضابطاً تحت إمرة المسؤول العام في نقطة التجمع المركزية مسؤولاً عن تجميع السكان. ودامت هذه المرحلة من تجميع المورسكيين أسبوعًا واحدًا، حاول الاختفاء خلالها الكثيرون، بينما حاول آخرون البرهنة على حسن نصرانيتهم، وانضم آخرون إلى المقاومة. وعمل الجيش بكل قساوة وطغيان على جمع أكبر عدد من المورسكيين في المستشفيات والكنائس والأديرة حتى وصل عددهم إلى حوالي ٥.٠٠٠ موريسكي في ولاية مالقة (مالقة ورندة) و ٢٦.٤٠٠ في ولاية غرناطة (١٢.٠٠٠ في غرناطة و ١٢.٠٠٠ في وادي آش و ٢.٤٠٠ في بسطة) و ١٤.٥٠٠ في ولاية المرية (٨.٥٠٠ في المرية و ٦.٠٠٠ في بيرة)، أي يكون المجموع حوالي ٤٦.٠٠٠ مورسكيا. وهذا هو العدد الذي أخبر به فرنسيسكو كوتيرس دي كويلار الكاردينال دي سيكونزة في رسالة قال فيها: "كنت قلت لك في رسالة سابقة بأن عدد المسلمين الذين طردوا هذه المرة من هذه المملكة (يعني غرناطة) يزيد على ٣٥.٠٠٠ نفس، لكني علمت بعد ذلك أن زيادة على الرقم الذي ذكرته لك فلقد أخرج من وادي المنصورة حوالي ١١.٠٠٠ شخص آخرين، وبهذا يكون مجموع من أخرج من المملكة ما يقارب ٥٠.٠٠٠ نفس". وبعد مرحلة التجميع ابتدأت المرحلة الثانية وهي نقل المهجرين "في رحلة طويلة مشيًا على الأقدام بمعدل عشرين كيلومترًا في اليوم باتجاه الشمال أو الغرب. ورتب الجيش أول الأمر هذا الانتقال في تنظيم عسكري محكم، فقسم المهجرين إلى قوافل. تتكون كل قافلة من ١٥٠٠ أندلسي مؤطرين من طرف ٢٠٠ عسكري قشتالي، تتبعها عربات تحمل أمتعة المهجرين المسموح لهم بحملها. وأخذت الترتيبات لتوزيع الغذاء، وجبة خفيفة في الصباح وثانية كبيرة في المساء. وأمر الجيش بتهدئة المهجرين وحثهم على المشي بالكلام الطيب حتى لو أدى ذلك إلى الكذب عليهم باختلاق وعود بالعودة، كما يدل على ذلك الرسالة التالية إلى ألونسو كاربخال، المسؤول عن التهجير في بسطة: "عم النقص في هذه الولاية (يعني بسطة) في كل شيء بسبب عدم زراعة الأرض نتيجة اضطرابات الحرب والقحط الذي حل هذه السنة، لدرجة لا يمكن معها أن يغطي حاجيات المعيشة الضرورية ... وقد قرر صاحب الجلالة في الوقت الراهن

стр. 123

أن يخرج النصارى الجدد (يعني المورسكيين) من هذه المملكة (يعني غرناطة) وينقلوا إلى قشتالة والولايات الأخرى حيث جاءت السنة غنية بالخيرات، ولم تفسد الحروب المحاصيل، وحيث يمكن للمهجرين بكل سهولة التغذية وتغطية حاجاتهم في هذه السنة، والتفكير في الوقت المناسب والطريقة المثلى في الرجوع إلى ديارهم الأصلية .... وكذلك يمكنهم حمل أموالهم المنقولة دون أن يؤخذ منها شيء البتة مع إغداقهم بكل الكلمات الطيبة التي يعرفونها". لم يتفق الواقع بتاتًا مع هذا التخطيط الإنساني للمرحلة الثانية من التهجير. كان يقضي التخطيط بنقل جماعة من الغرناطيين إلى إشبيلية غربًا وأخرى إلى البسيط شمالاً. لكن سوء الأحوال الجوية على طريق البسيط أرغمت منظمي التهجير على تغيير المخطط الأول، كما تعذر نقل المهجرين عبر البحر إلى إشبيلية. وهكذا أجبر الجيش المهجرين على المشي على الأقدام تحت المطر والثلج والبرد لأسابيع متواصلة، رغم أن جلهم كان من الشيوخ والأطفال والنساء. وقد أدى ذلك بالمهجرين إلى متاعب مهلكة مما أثار شفقة جلاديهم أنفسهم، كما جاء في كتاب فرومينو دي فونتس من البسيط إلى الكاردينال دي سيكونزة، حيث قال: "إنه لمن المؤثر جدًّا أن نرى أن العدد الكبير من الأطفال الصغار والنساء، يعمهم الفقر والحرمان اللذان لا ينتهيان، مع سوء الأحوال الجوية وكثرة العدد ... حتى أصبح من الصعب إكمال كل ما يجب إكماله للاستجابة لكل الحاجات مهما كان المجهود ... ". وانتهت المرحلة الثانية من التهجير بوصول ٢١.٠٠٠ غرناطي إلى البسيط، و ١٢.٠٠٠ إلى قرطبة، و ٦.٠٠٠ إلى طليطلة، و ٥.٥٠٠ إلى إشبيلية، أي ما مجموعه ٤٤.٥٠٠ غرناطي، وبهذا يكون قد مات حوالي عشر المهجرين من الإعياء والتعب. وكان في نية الدولة الإسبانية تشتيت المهجرين من نقط تجمعهم الجديد، التشتيت الكامل في قرى ومدن قشتالة لتكسير عزيمتهم وإجبارهم على نسيان هويتهم وعقيدتهم ولاضمحلال عصبيتهم حتى يذوبوا في المجتمع النصراني المحيط بهم. وابتدأت المرحلة الثالثة من التهجير وهي التشتيت، فأجبر الجيش ٧.٠٠٠ غرناطي ممن وصلوا إلى قرطبة على متابعة السير إلى منطقة بطليوس، و ٧.٥٠٠ ممن وصلوا إلى البسيط على السير إلى وادي الحجارة وطليطلة وطلبيرة، و ٦.٠٠٠ ممن وصلوا إلى طليطلة على السير إلى شقوبية وبلد الوليد وبالنسية وطلمنكة في الشمال.

стр. 124

وتبعت هذه المرحلة من التهجير مرحلة رابعة، وهي تشتيت المهجرين على المدن والقرى الثانوية حتى تصل نسبهم من بين السكان إلى أصغر قدر ممكن. وبهذا دام التهجير شهرين متواصلين ولم ينته إلا في ٢٠/ ١٢ / ١٥٧٠ م. ويقدر عدد الذين ماتوا بالطريق أو بعد الوصول بقليل، بين ١/ ١١ / ١٥٧٠ م وربيع سنة ١٥٧١ م، بثلث المهجرين، أي حوالي ١٧.٠٠٠ غرناطي. فلم يبق ممن هجروا من ديارهم سوى ٣٣.٠٠٠ غرناطي، في حالة يرثى لها من الجوع والفقر والمرض والبؤس. ولضعفهم انتشرت فيهم الأوبئة، خاصة التيفوس، فأخذت المدن والقرى التي وصلوها تعاملهم أسوأ معاملة، وتحاول التخلص منهم بإرسالهم إلى المناطق النائية. ومنع المهجرون من الاتجاه إلى مملكة مرسية حتى لا يتصل أندلسيو غرناطة بمسلمي أراغون. وفي ٢٢/ ١١ / ١٥٧١ م قررت الحكومة الإسبانية مرة أخرى إخراج المورسكيين الغرناطيين المهجرين في منطقة الأندلس القديمة إلى مناطق قشتالة المختلفة. فأخرج مورسكيو ولاية جيان إلى وادي الحجارة وطليطلة وبالنسية. ولم تنته هذه المراحل المتتالية من التهجير إلا بعد أن كادت تقضي على المهجرين. ولم يكن تهجير سنة ١٥٧٠ م لأهل مملكة غرناطة من طرف القشتاليين أول تهجير، وإن كان أكبرها. فقد طردت السلطات الإسبانية إبان ثورة غرناطة الكبرى سنة ١٥٦٩ م أعدادًا كبيرة من الأندلسيين من مدن مختلفة: في يونيو من حي البيازين في غرناطة: وفي نوفمبر من مدينة أشكر، وفي ديسمبر من باقي أحياء غرناطة. وتابعت السلطات طردها للأندلسيين سنة ١٥٧٠ م: فطردت في فبراير أهل كهوف المنصورة، وفي مارس أهل البرج وقمارش، وفي مايو أهل بسطة وطلوش ومندة، وفي يوليو أهل غرناطة مرة أخرى. ويقدر عدد من هجر قبل تهجير سنة ١٥٧٠ م الكبير بحوالي عشرين ألف أندلسي، منهم ٧.٠٠٠ من حاضرة غرناطة، و ٦.٠٠٠ من مرجها، و ٧.٠٠٠ من باقي مدن وقرى مملكة غرناطة. وبعد تهجير سنة ١٥٧٠ م الكبير، هجر عدد آخر من أهل مملكة غرناطة، ابتداء من ٣.٥٠٠ أندلسي هجر من حاضرة غرناطة ومرجها في ديسمبر عام ١٥٧٠ م إلى ٥١ أندلسي نقلوا من بلش إلى طليطلة في أبريل عام ١٥٧٤ م، بما مجموعه حوالي ١٠.٠٠٠ أندلسي. فيكون مجموع من هجر من مملكة غرناطة إبان ثورتها

стр. 125

الكبرى وبعدها ما مجموعه ٨٠.٠٠٠ مسلم أندلسي شتتوا على جميع أنحاء مملكة قشتالة (عدا مملكة مرسية). فهل هجر جميع مسلمي مملكة غرناطة بعد ثورتها العظمى سنة ١٥٧٠ م كما تدعيه الكنيسة؟ سنجيب على هذا السؤال بتفصيل فيما بعد، ونكتفي هنا بتقديم شهادتين لمن قاموا بالتهجير أنفسهم: الأولى لبدرو لويز دي ميسا في رسالة كتبها للكاردينال دييغو دي اسبينوزا تكلم فيها عن الأندلسيين الذين رحلوا من البيازين في يونيو سنة ١٥٦٩ م، إذ قال: " ... يصل رقم المهجرين بين المحجوزين والذين في السجون إلى حوالي ٤.٠٠٠ شخص عدا المُسِنِّين والأطفال. ولقد تغيب عدد كبير منهم (يعني المسلمين أهل البيازين) واختبأ الآخرون. لكننا سعداء لهذا العدد من المطرودين الذي توصلنا إليه، لأن إخراج ٤.٠٠٠ عدو من غرناطة، من بينهم ذوي المال والقيادة سيكون له أكبر الأثر، إذ سيتركون نساءهم وأطفالهم وأموالهم لنا كرهائن بعد خروجهم". والشهادة الثانية أيضا لبدرو لويز دي ميسا في رسالة كتبها للكاردينال المذكور يصف فيها تهجير أهل بعض أحياء غرناطة في ديسمبر سنة ١٥٦٩ م، حيث قال: "أمرني دون خوان النمساوي أن أحتجز كل المورسكيين الذين بقوا في هذه المدينة في أربع كنائس لإخراجهم من المملكة (يعني غرناطة). وقد احتجزنا ٢.٨٠٠ شخص؛ ومن هؤلاء أخرجنا أكثر من النصف؛ أما الباقون فلقد تركناهم لكونهم من المرضى والعجزة. وبقي كذلك ١٥٠ حرفيًّا بين خبازين وفرانين وحدادين وأصحاب مهن أخرى، وتركنا غير هؤلاء من التجار وشخصيات ذات أهمية ليصفوا أماكن عملهم وأملاكهم غير المنقولة فأمهلناهم خمسة عشر يومًا. وكلهم قاموا بالتخلص من أموالهم، وفي كل يوم يخرج البعض منهم ... ". يدل هذا على أن الدولة الإسبانية كانت تعمل على القضاء على القوى الحية في المجتمع الغرناطي بتهجيرها وتشتيتها وليس على تفريغ مملكة غرناطة من سكانها المورسكيين. وسنقدر فيما بعد أعداد الأندلسيين التي بقيت في مملكة غرناطة بعد هذا التهجير.

стр. 126

ولنر الآن وضع المسلمين في كل من مملكة قشتالة ومملكة أراغون إلى سنة ١٦٠٩ م، مبتدئين بمملكة قشتالة التي تضم مملكة غرناطة القديمة وكذلك كل مناطق الأندلس القديمة. ٤/ ٢ - أوضاع المسلمين في مملكة قشتالة من سنة ١٥٧٠ م إلى سنة ١٦٠٨ م: بعد طرد عدد كبير من أهل مملكة غرناطة سنة ١٥٧٠ م وتوزيعهم على قشتالة، صدر مرسوم ملكي بتاريخ ٢٤/ ٢ / ١٥٧١ م يقضي بمصادرة أملاكهم. وشملت المصادرة المجاهدين وغيرهم من الأندلسيين، كما شملت جميع الأملاك، المنقولة وغير المنقولة، وجميع الحقوق المالية. ونص المرسوم على أن "تصبح جميع الممتلكات التي كانت للمورسكيين في مملكة غرناطة ملكًا لجلالة الملك، مهما كان نوعها وحالتها". ثم كلفت الحكومة موظفين لتنفيذ القرار الملكي بالاستيلاء على الممتلكات باسم الملك، وأصدرت قرارًا بإجراء تحقيق شامل مخافة أن يخفي الأندلسيون ممتلكاتهم المنقولة. وكتب الموظفون سجلات دقيقة لتلك الممتلكات، ثم بيع الكثير منها بالمزاد العلني، ووزع بعضها على مهاجرين نصارى من الشمال. وعين الملك مجلسًا لإعادة تعمير مملكة غرناطة، يتكون من بدرو ديسا، رئيس محكمة التفتيش العليا في غرناطة، رئيسًا له، ومن شخصين آخرين، وضع شروط استلام الأملاك باسم الملك، وأرسل مبعوثين إلى جليقية وبرغش وليون لجلب السكان الجدد. وفي أول الأمر، تمكن المجلس من استقطاب ٥٠.٠٠٠ شخص وزعهم على ٢٦٠ مستوطنة. وفي ٣١/ ٥ / ١٥٧٢ م صدر أمر ملكي بتوزيع الأملاك المصادرة في مملكة غرناطة على النصارى القادمين من الشمال، كما أمر بتأجير أملاك حاضرة غرناطة ومرجها وما جاورها، أو بيعها لهم. وقد فشلت حركة الاستيطان هذه فشلاً ذريعًا، إذ لم تكن للمستوطنين الجدد دراية بفنون الزراعة، فلم يتمكنوا من دفع الضرائب الباهضة المطلوبة منهم. ولذا أخذوا يهجرون مستوطناتهم ويرجعون إلى قراهم في الشمال أو يهاجرون إلى أمريكا الجنوبية، حتى خرج معظمهم من مملكة غرناطة، بينما رجع خفية كثير من المهجرين المسلمين. وبقي في مملكة غرناطة معظم مسلميها، إما متسترين كنصارى قدامى أو مختبئين في الجبال. وكونوا فرقًا فدائية تزرع الرعب في أوساط الدولة والكنيسة

стр. 127

والمستوطنين الجدد. ودامت حركة الفداء إلى آخر القرن السادس عشر الميلادي، وشملت كل أنحاء إسبانيا. وكان فدائيو غرناطة يعرفون البلاد تمام المعرفة، مما سهل عليهم التمون من الأرض وسكانها والصمود طويلاً في المقاومة. ولم تستطع الدولة القضاء عليهم رغم مجهوداتها الضخمة. فبين سنتي ١٥٧١ م و ١٥٧٣ م، نشرت فرق الزريق الرعب في منطقة المرية، مما اضطر الحكومة إلى التفاوض معها على أساس انتقال الزريق ومعظم الفدائيين الذين معه إلى المغرب. وبين سنتي ١٥٧٣ م و ١٥٧٦ م جاهدت فرق فدائية برئاسة خوان أسبلاي وماركوس ابن المليح في منطقتي مالقة ورندة، انتهى نشاطها بعد المفاوضة مع الحكومة أدت إلى العفو على الفدائيين بما فيهم زعيميهما المذكورين، غير أن الدولة عادت وقبضت على ابن المليح سنة ١٥٧٩ م. ومن جهة أخرى، ارتعبت الحكومة من تجمع المسلمين في مناطق الأندلس القديمة بعد أن أسكنت بها بعض المهجرين الغرناطيين، ومنذ مارس عام ١٥٧١ م بدأ التفكير في تهجيرهم منها من جديد، وصدر الأمر بذلك في ٢٢/ ١١ / ١٥٧١ م وطبق في شهر ديسمبر الذي تلاه كما ذكرنا آنفًا. وعم التهجير من الأندلس القديمة حوالي عشرة آلاف غرناطي، شتتوا على قشتالة القديمة والجديدة. غير أن العاطفة الإسلامية الكامنة في نفوس كثير من أهل الأندلس القديمة، رغم تظاهرهم بالنصرانية، دفعت بسلطاتهم المحلية في قرطبة وأسباجة والقبذاق وبراغة وغيرها من المدن، إلى الدفاع عن المهجرين ورفض إخراجهم، ولم يهجر من الغرناطيين إلا عدد قليل من جيان، بينما تدخلت في سنتي ١٥٧٩ م و ١٥٨٠ م مدن أندلسية أخرى، كقرمونة وبياسة ومرتش وأستجة، في إبقائهم. ثم تكاثر عدد المسلمين في الأندلس بعد عودة كثير من المهجرين إليها، فتكونت جاليات كبيرة في إشبيلية وقرطبة وغيرهما من المدن الكبيرة. وفي مملكة مرسية كذلك، تدخلت السلطات المحلية لمنع تنفيذ أمر إخراج الغرناطيين منها، كما يظهر من الرسالة التالية الصادرة عن سلطات مرسية إلى الملك بتاريخ ١٢/ ١ / ١٥٨٠ م: "إن قرار مجلسكم الآن بإخراج المورسكيين وإعادتهم إلى مساكنهم القديمة (يعني في قشتالة) يشكل ضررًا كبيرًا لهذه المدينة وخطرًا عليها، كما سيؤدي إلى نزول في الضرائب التي ندفعها لكم وإضعاف للأملاك الملكية. لذا نتوسل إلى جلالتكم أن لا يسمح أبدًا بإخراج الخمسمائة عائلة المسجلة في لوائح هذه المدينة منذ زمن بعيد ... ".

стр. 128

ورجع عدد كبير من المهجرين، خاصة من ولاية جيان، إلى مملكة غرناطة، وعملت الدولة والكنيسة، فيما تبقى من القرن السادس عشر، على مقاومة رجوعهم بدون جدوى. وكان الأهالي في مملكة غرناطة والسلطات المحلية كثيرًا ما يساندون رجوعهم بحجة الضرورة الاقتصادية، وواقع الأمر هو أن معظم هؤلاء أندلسيين من أصل إسلامي، فهم يعطفون بطريقة بديهية على المهجرين. ففي سنة ١٥٧٣ م تدخلت سلطات قلعة يحصب (ولاية جيان) لمنع إخراج مئات من الأندلسيين المستعبدين، وكذلك فعلت سلطات أنتقيرة (ولاية مالقة) سنة ١٥٧٤ م. وفيما يخص قلعة يحصب، ذكر دون بدرو ديسا ما فعله الأهالي بمسؤول الحكومة الذي تقدم لإخراج المورسكيين، في رسالة بتاريخ ٢/ ١١ / ١٥٧٤ م للملك، قال فيها: "إن السكان أرادوا رجمه، لأنهم جعلوا إخراجه لهم (يعني المورسكيين) وكأنه إخراج لأبناء صلبهم. هذا هو مستوى حبهم لهم وغضبهم على من يريد تنفيذ أوامركم". تدل هذه الرسالة دلالة واضحة على أن سكان قلعة يحصب كمعظم سكان الأندلس الآخرين هم من أصول إسلامية، لا زالوا يضمرون العطف على الإسلام وأهله رغم المخاطر التي يتعرضون لها. وهكذا كان الوضع في مدن مملكة غرناطة الأخرى. قدرت الحكومة عدد المورسكيين الباقين في مملكة غرناطة سنة ١٥٧٧ م بحوالي ٧.٠٠٠ شخص، وتزايد سنة ١٥٨٠ م إلى ما يقارب ٩.٠٠٠ شخص، منهم حوالي ٣.٠٠٠ مورسكي في حاضرة غرناطة، نصفهم من المستعبدين. وتتابعت أوامر الطرد بتاريخ ٦/ ٥ / ١٥٧٦ م و ٢١/ ٧ / ١٥٧٨ م و ٤/ ٥ / ١٥٧٩ م و ٢٦/ ١ / ١٥٨١ م، دون نتيجة تذكر، إذ قليلاً ما كانت تطبق. وفي سنة ١٥٨٤ م هجرت الحكومة ٣.٥٠٠ مورسكي إلى قشتالة، منهم حوالي مئتين إلى مناجم المعدن الرهيبة التي لم يكن يمكث فيها العامل أكثر من سنتين ويموت بسبب أوضاع العمل السيئة. وفي تلك السنة قاوم هذا التهجير موظفو الكنيسة المحليين في حاضرة غرناطة ووادي آش وأنتقيرة ولوشة وقلعة يحصب، لأن معظمهم كانوا من أصول أندلسية. وفي غشت سنة ١٥٨٥ م هجرت الحكومة حوالي ٤٠٤ مورسكي من مملكة غرناطة إلى منطقة بطليوس وماردة. كانت السلطات الإسبانية، الحكومية والكنسية، تخاف خوفًا شديدًا من تجمع الأندلسيين، خاصة الغرناطيين منهم، في أي مكان، عبيدًا كانوا أم أحرارًا. فهي

стр. 129

تشتتهم كلما اجتمعوا، وتمنعهم من الاتصال بمسلمي مملكة أراغون فتحرم عليهم الهجرة إلى أراغون، وتمنعهم من الاتصال بمسلمي شمال إفريقيا فتخرجهم من المدن والقرى الشاطئية. وكانت السلطات الإسبانية تخاف أكثر ما تخاف من ثورة مورسكية شاملة تعم إسبانيا كلها تساندها الدولة العثمانية. وكانت ترى في غرناطة، آخر معقل للسيادة الأندلسية، مركز عصبيتهم، فلذا كانت تركز على منع تجمع المورسكيين بها. أدّى نقل عدد كبير من الغرناطيين إلى قشتالة إلى عدة نتائج تعارض الأهداف التي خططتها الدولة لنفسها. أولاً، أدى توزيع الغرناطيين، ذوي الهوية الأندلسية الإسلامية الثابتة، إلى إحياء جاليات قشتالة المدجنة التي أجبرت على التنصير كذلك. ومن أهم هذه الجاليات أهل فرنجوش (ولاية بطليوس) التي كان لها، فيما بعد، دور كبير في تعمير مدينة الرباط، عاصمة المغرب اليوم. ثانيًا، أدى تشتيت الغرناطيين إلى سهولة انتقالهم بين جاليات إسبانيا الإسلامية المختلفة وسرعة تحركهم الدائم، مما جعلهم الرباط القوي بين هذه المجموعات التي أخذت تشعر بوحدة مصيرها وتنسق مقاومتها لإجراءات التنصير، وذلك ما حاولت الدولة الإسبانية تحاشيه بتشتيت الغرناطيين، فكانت نتيجة عملها عكس ما أرادت. ثالثًا، أدى طرد الغرناطيين إلى عداوة قوية بين النصارى القدامى و"النصارى الجدد" (أي المسلمين) مما كرس الهوة بينهما وقوى عصبية الجماعة عند المسلمين وجعل إدماجهم في النصارى القدامى أمرًا مستحيلاً. رابعًا، أدت هجرات الغرناطيين المتواصلة إلى سهولة ربط علاقة مسلمي إسبانيا بإخوانهم في الخارج، خاصة المغرب والدولة العثمانية. خامسًا، أدى استرقاق عدد كبير من المسلمين إلى انتشار روح الفداء فيهم، فعمت حركة الفداء معظم مناطق إسبانيا وانعدم الأمن فيها. عاش المسلمون في قشتالة بالأمل الذي رفع من روحهم المعنوية وساعدهم على المقاومة: أمل إحياء الدولة الأندلسية؛ وأمل العودة إلى غرناطة (بالنسبة للغرناطيين): وأمل انتصار الدولة العثمانية (أقوى دولة إسلامية)، مما سهل انتشار الشائعات المختلفة. ففي أبريل سنة ١٥٧٧ م انتشرت شائعة بين غرناطيي قشتالة، مفادها أن الملك على وشك السماح لهم بالعودة إلى غرناطة مقابل غرامة مالية كبيرة، وأن المفاوضات التي يشارك فيها ألونسو بنيغش (أحد وجهاء المورسكيين) في تقدم مستمر. وأخذ المسلمون يتكاتبون في هذا الموضوع من بلد لآخر، ومثال ذلك الرسالة التي كتبها ثمانية من وجهاء مسلمي طليطلة بتاريخ ١١/ ٤ / ١٥٧٧ م إلى

стр. 130

جماعة من وجهاء مسلمي إشبيلية، منهم هرناندو مولاي وجرومينو أنريكز دي بيدراهيتا وألونسو هرناندس حامد. تقول الرسالة إن القرار يشمل كل من لم يشارك في ثورة عام ١٥٧٠ م. وربما شمل جميع الغرناطيين، مع إرجاع كل الأموال المصادرة. فطلب كتاب الرسالة أموالاً لدفع الغرامة المذكورة، وأخذوا فعلاً في جمعها. وتبعت مثال أهل طليطلة جماعات إسلامية أخرى، في قلعة النهر وبلد الوليد ووادي الحجارة وجيان وقرطبة وإشبيلية وغيرها من المدن. ولا يعرف بالضبط هدف هذه الإشاعة، التي صدقها حتى المسؤولون الإسبان المحليون، إذ كتب قاضي طليطلة، مركز الإشاعة، إلى الملك يثنيه عن تنفيذ هذا القرار قائلاً: "سيصعب جدًّا معالجة الأضرار التي سيحدثونها (يعني الغرناطيين) في الشاطىء من جديد (يعني إذا أعيدوا إلى مملكة غرناطة). ولا يوجد شيء يتمنّاه الأتراك أكثر من نزولهم على هذا الشاطىء، لأنهم لا زالوا مسلمين اليوم كما كانوا في اليوم الأول. ويبدو أنهم يتصرفون بنصيحة الأتراك ورأيهم. وأنا أتكلم في هذا الموضوع كرجل، عمره أكثر من سبعين سنة، له خبرة طويلة، ورأى أتعابًا كثيرة في هذه المملكة"؛ واضطرت الحكومة بعد ذلك إلى تكذيب هذه الإشاعة، مستعملة الخداع مخافة انفجار جديد. اتهم عدة زعماء مورسكيين كمصدر لهذه الإشاعة، منهم الأخوان لورنزو بريو وملشور بريو، غاسبار رايا، وكلهم من سكان طليطلة. أما الأخوان بريو فكانا يتجران في الشمع، ولهما ثروة طائلة، وأصلهما من حي البيازين بغرناطة، وكانا قد اتهما بالمساهمة في ثورة عام ١٥٧٠ م وبمصادقة محمد بن أمية، زعيمها، فسجنا في أبريل سنة ١٥٦٩ م، ثم نقلا إلى طليطلة في أكتوبر سنة ١٥٧٢ م. فهل كان لهذه الإشاعة هدف سياسي؟ وما هو؟ المهم هو أن الإشاعة قوت العصبية الأندلسية، وأظهرت بوضوح الرباط القائم بين جميع مورسكيي إسبانيا. ولم يكتفِ المسلمون بالإشاعات، بل حاولوا عدة مرات الثورة في مناطق مختلفة من مملكة قشتالة. وحدث أول استنفار هام في يونيو سنة ١٥٨٠ م في الأندلس القديمة. ويقال إن المؤامرة ابتدأت في إشبيلية بالتخطيط في إنزال جماعة من المتطوعين المغاربة على مصب الوادي الكبير، ثم تفرعت إلى قرطبة وجيان وأستجة وغيرها من مدن الأندلس الأخرى. لكن زعماء المؤامرة اكتشفوا قبل أن يشرعوا في إنجازها، وكانوا يفكرون في حالة فشلها الالتجاء إلى الجبال أو إلى البرتغال. وكان

стр. 131

زعيمهم فراندو أنريكز مولاي الذي اتهم كذلك في موضوع إشاعة عام ١٥٧٧ م. وأدى إعلان اكتشاف المؤامرة إلى موجة من الرعب بين النصارى الذين أخذوا ينتقمون من المورسكيين في إشبيلية وجيان وغيرهما. ثم انتشرت إشاعة مفادها أن عدة مئات من المورسكيين اجتمعوا في الجبال الواقعة شمال رندة، يتهيؤون للانتقال إلى مالقة ومربلة لتحريرهما. فأرسلت الحكومة كتيبة عسكرية لملاحقتهم، فلم تجد منهم أحدًا. فقررت حجز جميع المستعبدين الأندلسيين والمغاربة في مالقة، كإجراء احتياطي. وفي مايو سنة ١٥٨١ م، قبض في إشبيلية على ثلاثة مورسكيين بتهمة التآمر، لكن اكتشف بعد ذلك أنهم أبرياء. وهكذا بقيت الإشاعات تغذي جوًّا من الرعب بين النصارى خوفًا من الأندلسيين. واختار كثير من المورسكيين متابعة الجهاد ضد النصارى في قشتالة بتنظيم جماعات فدائية مما يسمى بـ "المنفيين" تضرب مصالح الدولة والكنيسة، خاصة بعد سنة ١٥٧٧ م، نشطوا لمدة سنين في مناطق بلد الوليد وبشترنة وبطليوس وأبدة وإشبيلية. ولم يكن من السهل القبض على "المنفيين" لإتقانهم حرب العصابات ودعم جاليات قشتالة الإسلامية لهم. وكلفت الحكومة الدكتور فرانسسكو هرناندس دي ليبانا، رئيس محكمة بلد الوليد العامة، بالقضاء على الفدائيين. وفي أواخر سنة ١٥٨٢ م، قدم دي ليبانا تقريرًا ادعى فيه النجاح في مهمته، وأثبت مقتل ٢٠٠ شخص على يد أفراد سبع عصابات فدائية بين سنتي ١٥٧٧ م و ١٥٨١ م، لكن لم يكن نجاحه إلا مؤقتًا. ومنذ ٦/ ١٠ / ١٥٧٢ م أخذت الدولة الإسبانية تقنن طرق اضطهاد المهجرين الغرناطيين في قوانين همجية لا تخطر على بال: فعلى كل بلدة بها مهجرين غرناطيين تسجيلهم في سجل بأسمائهم وأوصافهم الجسدية ونبذة عن حياتهم، ومراقبة تحركاتهم وعدم السماح لهم بالتنقل، إلا لفترات قصيرة، ومنعهم من السكن في أحياء خاصة بهم، وإجبارهم على السكن بين النصارى القدامى. وشرعت الدولة قوانين صارمة وعقوبات ظالمة لكل من يحاول الرجوع إلى غرناطة، أو يلبس اللباس الإسلامي، أو يتكلم اللغة العربية، أو يملك سلاحًا، أو يظهر أي عادة عربية. وقررت الكنيسة أخذ جميع أطفال المسلمين لتعليمهم الدين النصراني، وجعلتهم يعملون في محلات النصارى القدامى الذين كلفوا بتدريبهم على العادات النصرانية،

стр. 132

كما أن عددًا كبيرًا منهم بيعوا للنصارى كعبيد، وأصبحوا موضع تجارة خسيسة بين النصارى القدامى والكنيسة. وتابع ديوان التفتيش مطاردة المسلمين دون هوادة طول هذه الفترة، أي بين سنة ١٥٧٠ م وسنة ١٦٠٩ م، في كل من مملكة قشتالة ومملكة أراغون. وقد سجلت وثائق ديوان التفتيش ٢٩١ قضية ضد المورسكيين سنة ١٥٩١ م، و ١١٧ قضية سنة ١٥٩٢ م. وظهر في حفل "الأوتودافي" الذي أقيم في ٥/ ٩ / ١٦٠٤ م حوالي ٦٨ مورسكيًّا نفذت فيهم أحكام مختلفة، وظهر في "أوتودافي" يوم ٧/ ١ / ١٦٠٧ م حوالي ٣٣ مورسكيًّا أحرقوا أحياء، وعذب أكثرهم إبان محاكمتهم. ولنرَ الآن وضع المسلمين في مملكة أراغون وكيف قاوموا محاولات الإدماج والتنصير في أواخر القرن السادس عشر الميلادي. ٤/ ٣ - أوضاع المسلمين في مملكة أراغون من سنة ١٥٧٠ م إلي سنة ١٦٠٨ م: أدى تهجير كثير من أهل مملكة غرناطة إلى قشتالة إلى إضعاف الدور القيادي لأهل غرناطة بين الأندلسيين، وأصبح بالمقابل دور مورسكيي مملكة أراغون من أهم مشاغل الدولة الإسبانية. فقد عاشوا عدة قرون مع النصارى كمدجنين، حتى قبل تأسيس دولة بني الأحمر في غرناطة. ولم يقل تشبثهم بالإسلام عن تشبث إخوانهم في غرناطة، رغم رفضهم المشاركة في ثورة غرناطة الكبرى سنة ١٥٦٨ م. وكانت أعدادهم كبيرة، ونسبهم بين مجموع السكان مرتفعة، خاصة في مملكة بلنسية ومملكة أراغون القديمة، حيث كانوا يكونون معظم السكان في مناطق مختلفة منها. وكانوا أهل زراعة يعملون للنبلاء النصارى ويدفعون ضرائب باهضة لهم مقابل حمايتهم. أدت ثورة غرناطة الكبرى إلى تقوية الشعور الإسلامي بين مورسكيي مملكة أراغون، وكان أقصى ما تخشاه الكنيسة الكاثوليكية والدولة الإسبانية، هو تأثير أهل غرناطة "السلبي" على مورسكيي مملكة أراغون، لذا منعوا أهل غرناطة من دخول مملكة أراغون. لكن رغم المنع، فقد دخل أراغون ما لا يقل عن ٣.٠٠٠ غرناطي، ووجدوا فيها الحماية التامة والمساندة الكاملة من طرف أهلها المسلمين. وتزعم مورسكيو مملكة أراغون التفكير في الثورة وتحرير المسلمين. وكان كثير من زعمائهم

стр. 133

يتجولون عبر الأراضي الإسبانية، لتقوية صلات التضامن بين الجماعات الإسلامية المختلفة، كما ربطوا علاقات قوية مع المغرب والدولة العثمانية وبروتستانت فرنسا. لذا أصبحت الكنيسة والدولة ترى في مسلمي أراغون طابورًا خامسًا في وسطهما، كما ظلت الإشاعات تنتشر حول قرب قيام ثورة إسلامية شاملة. ومثال هذه الإشاعات ما كتبه الملك فليبي الثاني في رسالة بعثها سنة ١٥٧٠ م إلى نائبه على جزيرة سردانية، التابعة حينذاك لإسبانيا، قال فيها: "وقد هددت في شتاء هذه السنة البحرية التركية هذه المناطق بسبب ثورة غرناطة، آملة أن يقوم المورسكيون في مملكتينا أراغون وبلنسية بنفس الثورة. وظهر لهم (أي العثمانيين) كذلك أنهم إذا سيطروا على هذه الجزيرة (أي سردانية) سيصبحون على قرب من الساحل الإفريقي لدرجة تسهل عليهم التعاون مع هؤلاء". ولمواجهة هذا الوضع أمر الملك فراندو دي لواسس، كاردنال بلنسية، بالاجتهاد في تنصير الموركسيين في بلنسية تنصيرًا كاملاً وعدم التهاون في ذلك. واغتنم بعض النصارى حرب غرناطة للهجوم على الغرناطيين لسلب أموالهم وسبي أبنائهم ونسائهم وبيعهم عبيدًا. وقد كتب بيمنتيل، نائب الملك على بلنسية، رسالة من بلنسية بتاريخ ١٤/ ٤ / ١٥٦٩ م إلى الملك يخبره بما يحدث ويطلب منه التعليمات لمواجهة الوضع. فأمر الملك بجرد كل الغرناطيين الذين استعبدوا بهذه الطريقة، ثم أمر بتركهم عبيدًا في يد مشتريهم. وبعد القضاء على ثورة غرناطة، ومنذ الشهور الأولى لسنة ١٥٧٠ م، أخذ اللاجئون الغرناطيون يتدفقون على مملكة بلنسية، وكلما قبض على أحدهم استعبد وبيع في سوق النخاسة. واجتهد مسلمو مملكة أراغون في شرائهم لعتقهم أو حمايتهم. فعندما علمت الحكومة ذلك، أمرت بمنع المورسكيين من اقتناء العبيد. فتحايل المورسكيون للتهرب من هذا المنع، لدرجة أن بيمنتيل، نائب الملك، أظهر تخوفه من العدد الكبير من الغرناطيين الذين دخلوا مملكة بلنسية بهذه الطريقة. وفي أواخر سنة ١٥٧٠ م منعت الحكومة جلب المستعبدين الغرناطيين إلى مملكة أراغون، بدون جدوى. فمثلاً تذكر الوثائق أن ثلاثة نصارى من جزيرة يابسة (من الجزر الشرقية التابعة لمملكة أراغون) اشتروا من مرسية خمسة مستعبدين غرناطيين، فسجنوا جميعًا بسبب ذلك بأمر من محكمة آريولة، لكن نائب الملك أمر بإطلاق سراحهم وسمح لهم بنقل "العبيد" الخمسة معهم.

стр. 134

ورغم الانتصار النصراني على القوات البحرية العثمانية في ليبانتو سنة ١٥٧١ م، لم يتوقف التخوف من مسلمي مملكة أراغون، بل زاد حدة بعد أن حرر العثمانيون حلق الوادي مدخل مدينة تونس من يد الإسبان سنة ١٥٧٤ م. ففي ٩/ ١٠ / ١٥٧٥ م كتب الملك إلى كونساكا، نائب الملك على مملكة بلنسية، يأمره بمنع المورسكيين من السكنى قرب البحر، ولا حتى المرور بجانبه دون حراسة مشددة من طرف "النصارى القدامى". وهكذا أجلى نائب الملك المورسكيين من كل شواطىء مملكة بلنسية. ووصل إلى الملك سيل من التحذيرات من مسلمي بلنسية خاصة، كالرسالة التالية المرسلة إلى الملك بتاريخ ١٧/ ٣ / ١٥٨٢ م من طرف أسقف طليطلة، يقول فيها: "أرجو من جلالتكم بكل تواضع أن تأخذوا بعين الاعتبار احتمال قدوم الأسطول التركي إلى بحارنا وسيجد في مملكة بلنسية وحدها من الأعوان خمسين ألف مقاتل دون الذين في أراغون (أي القديمة) وغرناطة، وهذا عدد ضخم وإذا تعاونوا جميعًا، مع معرفتهم للطرق بدقة. فستصبح بذلك مشكلة هذه الممالك عظيمة مع نقص في الخيول والأسلحة والرجال المدربة. وهذا ما لا يجهله المورسكيون الذين برهنوا في الماضي أنهم دققوا في كل شيء وحسبوه. فإذا اتحد كل هؤلاء مع "الهوكونوت" (بروتستانت فرنسا) والمرتدين الآخرين وضايقونا فستكون مشكلتنا أكبر". وكتب المفتشون العامون في سرقسطة، عاصمة مملكة أراغون، رسالة بتاريخ ١٥/ ٣ / ١٥٨٢ م إلى الملك، يقولون فيها: "وسبب توصلهم (يعني المورسكيين) بأمر الثورة هو أن دون أنطونيو البرتغالي وأمير أورانج اتفقا مع مسلمي المغرب عن طريق بعض التجار والمورسكيين الغرناطيين الذين يترددون على تلك البلاد. وكذلك فإن أمير بيارن (رئيس الهوكونوت) شوهد مع ملك فرنسا يطلب منه إنجاز وعده له عندما تزوج بأخته بإعطائه الرجال لاحتلال نبارة. وأنه تفاوض مع مورسكيي أراغون (القديمة) لمساعدته، وكذلك مع مورسكيي بلنسية لحراسة أسطول الأتراك الذي لا يعرفون من أين سيأتي لكن يعرفون أنه يجب أن يكون في الجزائر بتاريخ ١١/ ٨". وكانت الإشاعات المتواصلة تنتشر في مملكة أراغون (بأقسامها الثلاثة: أراغون القديمة وبلنسية وقطلونية) مفادها قرب تحالف ثلاثي بين المورسكيين والعثمانيين والهوكونوت. وكانت هذه الإشاعات تقوي عزيمة مسلمي مملكة أراغون على

стр. 135

المقاومة والثبات، وفي نفس الوقت تجعل النصارى يعيشون في جو من الإرهاب، مما زاد العلاقات بين المجموعتين المتساكنتين سوءًا. وكان لرجوع إسكندر كستيانو، أحد مسلمي بلدة كلاندة من ولاية طرويل (مملكة أراغون القديمة) أعظم الأثر في نفوس مسلمي أراغون. كان كستيانو قد هاجر إلى تركيا ورجع إلى بلاده بأخبار انتصارات المسلمين على النصارى في كل مكان، وانهيار ممالكهم أمام الزحف الإسلامي. وجاء لهم بتنبؤات الخلاص على يد غلام سيولد بأطراف غير متناسقة وسيموت والده وعمره لا يزيد على خمسة شهور، ويصبح هذا الفتى قبل سن الثلاثين زعيمًا للمورسكيين يخلصهم من قهر النصارى وظلمهم، في حرب ينتصرون فيها عليهم. ويكون الموضوع أحيانًا أكثر من إشاعة. ففي ٢٣/ ١ / ١٥٨٢ م قبضت محاكم التفتيش في بلدة كوديل بمملكة بلنسية، شمال شقورب، على مورسكي اسمه شمس الدين، أدى استنطاقه إلى اكتشاف شبكة اتصالات سرية بين المسلمين، مركزها أراغون، تربطها بقشتالة وببيارن في فرنسا وبشمال إفريقيا. وضبطت المحكمة مع شمس الدين رسائل مكتوبة باللغة العربية واللغة الأعجمية توضح دور المورسكيين المقيمين في الجزائر. أبحر شمس الدين في قرطاجنة واجتمع سرًّا مع زعماء المورسكيين في مرسية وفي شقورب. وفي مارس سنة ١٥٨٣ م اكتشفت محاكم تفتيش بلنسية مؤامرة أخرى اشترك فيها المورسكيون وأهل بيارن (فرنسا) البروتستانت. زادت الدولة والكنيسة من اضطهادها للمسلمين أمام هذه الشائعات والحوادث. فمنذ سنة ١٥٧٥ م أمرت الدولة بنزع سلاح المورسكيين في مملكة أراغون خوفًا من تحالفهم مع المغاربة والهوكونوت، فجمعت منهم حوالي ١١.٠٠٠ بندقية. وقام النبلاء أنفسهم بنزع سلاح المورسكيين الذين يعملون عندهم. وكان هؤلاء السادة دائمًا يدافعون على خدامهم المسلمين، فرفض بعضهم، كدوق بلاهرموزا وكوندي آرندة ودوق فرانسيس دي آرينيو، التعاون مع الدولة في جمع السلاح. وأدى تجريد مورسكيي أراغون القديمة من السلاح إلى تركهم فريسة للمجرمين والمنتقمين والطامعين من النصارى.

стр. 136

وفي سنة ١٥٨٥ م اندلعت حرب أهلية بين نصارى أراغون القديمة الساكنين في الجبال الفقيرة ومسلميها القاطنين في سهول وادي أبرة الغنية، دامت ثلاث سنين، إلى سنة ١٥٨٨ م. ساند المسلمين النبلاء الذين يعملون في أراضيهم، كما ساندهم الهوكونوت أهل بيارن الفرنسية وأميرهم (أصبح فيما بعد هانري الرابع ملك فرنسا). وظلت الدولة الإسبانية في غياب تام عن هذه الأحداث، مما جعل أحد رهبان دير الروضة البندكتي يقول: "رغم أن هجمات الفرق المسلحة لمدة تسعة أشهر أدى إلى مقتل عدد كبير من الناس في هذه المملكة، لم يعاقب في سرقسطة إلا رجل واحد فقير لمخالفة قرار الطرد (من غرناطة)؛ فكم هي سيئة العدالة هنا". وقام النصارى عدة مرات بهجوم عام على القرى الإسلامية، ككودو وساستاكو وبينة وهم يصرخون "الكلاب المسلمون"، كلما وقعت أحداث ضد النصارى، كما حدث في غشت سنة ١٥٨٦ م عند مصرع نصرانيين على يد مسلم من كودو، وفي أكتوبر سنة ١٥٨٨ م عند مصرع ١٥ نصرانيًّا في مضيق الروميرة. وذهب ضحية هذه الأحداث عدد كبير من المسلمين. تزعم المجاهد توريركو المقاومة الإسلامية في الحرب الأهلية بين المسلمين والنصارى في مملكة أراغون القديمة. فتابعته السلطات بعد انتهاء الحرب وقبضت عليه في يونيو عام ١٥٩١ م. وكتب مجلس أراغون بذلك كتابًا إلى الملك فليبي الثاني يبشره فيه بهذا الحدث الهام وينعت توريركو بأنه "شرير وسفاح ومسبب الصراع بين الجبليين (أي النصارى) والمورسكيين، وقد أتى به أحد البغالين (أي المسؤولين على النقل بين المدن) من البرتغال بأمر من ماركيز المنارة". ورفض كثير من المسلمين، كما حدث في قشتالة، تحمل هذا الذل والهوان، فاختاروا الثورة المتواصلة في الجبال حيث يغيرون في عمليات فدائية على مصالح الكنيسة والدولة. وانتشر الفداء بين سنتي ١٥٨٠ م و ١٥٩٠ م، خاصة في مملكة بلنسية. ففي ١/ ١٠ / ١٥٨٤ م قتل بعض المسلمين "سيدهم" بسكوندي شلبة. وفي ١٨/ ١ / ١٥٨٥ م أعدم شنقًا في بلنسية ستة غرناطيين عقابًا لهم على أعمالهم الفدائية ضد النصارى. وقام المجاهد صليح وجماعته الفدائية بعمليات متعددة زرعت الرعب في كل أنحاء مملكة بلنسية. كما قام نائب الملك بمجهود عسكري كبير للقضاء على المقاومة المورسكية المسلحة في مملكة بلنسية. ففي ٧/ ٦ / ١٥٨٦ م أصدر قانونًا يحدد عقوبات شديدة ضد أعضاء العصابات الفدائية، وأفراد عائلاتهم، حتى إذا لم

стр. 137

يشاركوا في أي عمل فدائي، بنقلهم إلى قشتالة، وكذلك ضد من يحميهم وحتى من لا يحاربهم. ثم أخذ نائب الملك يتفاوض مع عائلات صليح وأتباعه ووعدهم بعدم قتلهم إذ استسلموا. واضطر صليح بذلك إلى الاستسلام في صيف سنة ١٥٨٦ م إلى سلطات بلنسية، ومعه ٢١ فدائيًّا. وطبعًا غدرت تلك السلطات بالمستسلمين، وحكمت عليهم في ٤/ ١١ / ١٥٨٦ م بالموت البطيء، وهو الخدمة الشاقة في مناجم المعدن لمدة ثلاثين سنة. وتابعت الكنيسة اضطهادها لمسلمي مملكة أراغون. ففي سنة ١٥٨٧ م، قامت الكنيسة في مملكة بلنسية بحملات تنصير جديدة. وفي سنة ١٥٩٩ م، أخذت الكنيسة والدولة تتبعان طرقًا قمعية أكثر شراسة للقضاء على العادات الإسلامية رغم يأسهما من تنصير المسلمين تنصيرًا حقيقيًّا. وكأن التنصير أصبح في يد الرهبان سلاحًا لاستفزاز الأهالي المسلمين وتهديدهم واستنزاف أموالهم. ثم تتابعت قرارات الدولة التي تأمر بنزع سلاح مورسكيي مملكة أراغون، في ١٦/ ٦ / ١٥٦٧ م ثم في سنة ١٥٧٣ م و ١٥٧٥ م و ١٥٧٨ م و ١٥٨١ م و ١٥٨٨ م و ١٥٩٣ م و ١٥٩٦ م، الخ ... وفي ٦/ ١٠ / ١٥٧٥ م اتخذت الدولة قرارًا بمنع المورسكيين البلنسيين من الاقتراب من الشواطىء، ومعاقبة كل مخالف بثلاث سنوات خدمة تجديف في السفن. وفي ١/ ٨ / ١٥٨٦ م صدر قانون، يؤكد قانونًا سابقًا بتاريخ ١٥٥٩ م، بمعاقبة كل من يغير محل إقامته، وبطرد كل المورسكيين الذين ليسوا من أصل بلنسي من مملكة بلنسية. ولم ينج من متابعات محاكم التفتيش لا أقوياء المسلمين ولا ضعفاؤهم. وتابعت تلك المحاكم حتى أفراد أسرة بني عامر، من وجهاء بلدة بني وزير من أعمال بلنسية، الذين كان لهم نفوذ كبير وغنى وجاه وصداقة مع البلاط الملكي. ففي مايو سنة ١٥٦٧ م صدر قرار محكمة التفتيش بالقبض على الأخوة الثلاثة كوزمي وخوان وهرناندو، وتابعت ملاحقتهم إلى سنة ١٥٧٧ م. ولم ينج من الموت حرقًا إلا بعد استنزاف جميع أموالهم وتدخل ذوي الجاه لصالحهم. وكانت تهمتهم إخفاء العقيدة الإسلامية. ولم تتركهم محاكم التفتيش إلا بعد إعلانهم الإخلاص للنصرانية والتوبة من جريمة إضمار الإسلام. وكانت هذه طريقة محاكم التفتيش في متابعة ذوي المال من المورسكيين لاستنزاف أموالهم واقتسامها بين قضاتها.

стр. 138

ولم يكن يدافع عن المورسكيين من وقت لآخر ضد تجاوزات الكنيسة والحكومة سوى النبلاء الذين كانوا يعملون في أراضيهم. لأنهم كانوا يعيشون عالة عليهم، وكان اضطهاد المورسكيين يؤدي إلى نقص في إنتاجيتهم، وبالتالي في دخل السادة. فمثلاً، في سنة ١٥٧٠ م، أدانت محكمة التفتيش في مملكة بلنسية دون سانشو دي كاردونا، أمير بحر أراغون، بتهمة التعاطف مع المسلمين. وقد اكتشفت المحكمة أنه ساعد المسلمين الذين يعملون عنده على الصلاة سرًّا، وجدد بناء مسجد مهدم في قرية ادزانيتة. كما استعمل بعض النبلاء رغبة عمالهم في الحفاظ على الإسلام لأخذ ضرائب باهظة منهم مقابل عدم الوشاية بهم، كما حدث سنة ١٥٨٠ م عندما اكتشفت محاكم التفتيش أن دوق سقوربة كان يسمح لخدامه بالأذان مقابل دفع غرامة له. هكذا أصبح المورسكي في مملكة أراغون ضحية كل من أراد استغلاله من كبير أو صغير، فالكنيسة تتابعه، والدولة تغرمه، والنبلاء يستغلون عمله، وصغار النصارى يسرقون ماله ويبيعون أطفاله عبيدًا. فلا غرابة أن يحاول التحالف مع أي قوة تنقذه من هذا الوضع المخزي. ٤/ ٤ - علاقات مسلمي إسبانيا الخارجية من ١٥٧٠ م إلى ١٦٠٨ م: كانت للمورسكيين في هذه الحقبة علاقات مع ثلاث جهات: الدولة العثمانية، كأكبر قوة إسلامية في البحر الأبيض المتوسط حينذاك؛ والمملكة المغربية، التي كونت الدعم الطبيعي لمسلمي الأندلس عبر التاريخ؛ وهوكونو فرنسا، الذين كانوا يشتركون مع المورسكيين في العداوة للكاثوليكيين، ويشاطرونهم نفس الاضطهاد من نفس العدو. كانت العلاقة بين المورسكيين والدولة العثمانية متواصلة، وكان لهم في الدولة العثمانية أكبر الأمل في تخليصهم من الاستعباد الذي أسقطتهم فيه الكنيسة الكاثوليكية والدولة الإسبانية. وكانت الدولة العثمانية تستجيب دائمًا لنداءات الأندلسيين، لكن ليس بالمستوى الذي كانوا يأملونه. وهكذا خيب السلطان سليم الثاني (١٥٦٦ م - ١٥٧٤ م) آمال الأندلسيين إبان ثورة غرناطة الكبرى، وخذلهم بتفضيل فتح قبرص على إنجادهم جديًّا. ورغم ذلك فتحت الدولة العثمانية على الدوام أراضيها، خاصة في شمال إفريقيا، للمهاجرين الأندلسيين. وعمل العثمانيون على إنقاذ إخوانهم بالرسو على الشواطىء الإسبانية ونقل من يريد الهجرة من الأندلسيين إلى الجزائر. وقدر عدد

стр. 139

الحملات العثمانية على الشواطىء الإسبانية بين سنة ١٥٢٨ م وسنة ١٥٨٤ م بحوالي ٣٣ حملة. وبعد انهيار ثورة غرناطة الكبرى سنة ١٥٧٠ م، عملت السفن العثمانية على حمل اللاجئين، كما حدث في بالميرة في نفس السنة حيث نقلت السفن العثمانية جميع أهلها. وبعد انهزام ثورة غرناطة الكبرى، تحول مركز المقاومة إلى بلنسية، ولم يفقد الأندلسيون الأمل في إنزال عسكري عثماني. ففي سنة ١٥٧٣ م ادعت السلطات الإسبانية أنها وقفت على أنباء وبراهين حول هجوم بحري من الجزائر على ساحل بلنسية يتزامن مع ثورة الموركسيين البلنسيين، فنزعت سلاحهم. وفي سنة ١٥٧٤ م بويع السلطان مراد الثالث بن سليم الثاني سلطانًا على الدولة العثمانية، فتابع سياسة والده في مساندة أهل الأندلس. وتجددت في عهده إشاعات غزو قريب للبحرية العثمانية. ففي سنة ١٥٧٥ م توصل قضاة محاكم التفتيش في سرقسطة وبلنسية بأخبار مفادها أن مسلمي المملكتين (بلنسية وأراغون القديمة) يهيؤون ثورة شاملة، بتأطير غرناطي وإنزال بحري عثماني. كما أرسل في نفس السنة مورسكيو سرقسطة سفارة إلى الباب العالي يطلبون منه المساندة المادية والسلاح. وفي سنة ١٥٧٥ م أسر سرفانتس، أحد كبار الكتاب الإسبان حينذاك، في الجزائر، وبقي أسيرًا خمس سنوات. وبين سنتي ١٥٧٨ م و ١٥٨٠ م تجددت أنباء قرب قيام ثورة مورسكية بمساندة الدولة العثمانية، وتوصلت محاكم التفتيش بمعلومات مفادها أن العثمانيين أرسلوا مبعوثًا للمورسكيين اسمه خوان دوارتي، أخذ يتجول في قرى بلنسية وأراغون القديمة المورسكية، ويعقد الاجتماعات للتخطيط للثورة. وفعلاً كان المورسكيون ينتظرون قدوم الأسطول العثماني منذ سنة ١٥٧٧ م. وكانوا دائمًا على اتصال مع الجزائر والقسطنطينية. ولم ييأسوا من قدوم العثمانيين إلا سنة ١٥٨٣ م. لكن البحرية العثمانية الراسية في الجزائر تابعت نقلها للمورسكيين الذين يودون اللجوء إلى أرضها. ففي سنة ١٥٨٤ م استطاعت حملة بحرية عثمانية منطلقة من الجزائر مكونة من عدة سفن صغيرة من نقل ٢.٣٠٠ مورسكي من شواطىء بلنسية، و ٢.٠٠٠ مورسكي من منطقة لقنت. وفي سنة ١٥٨٥ م حملت السفن العثمانية المغيرة على الشواطىء البلنسية جميع سكان بلدة كلوسة.

стр. 140

وظلت السفارات بين المورسكيين والدولة العثمانية متواصلة، وأخذ مسلمو بلنسية يجتازون البحر كل ربيع إلى شواطىء الجزائر. واجتمع كثير من المهاجرين الأندلسيين في مدينتي شرشال والجزائر. وأسسوا أساطيل كبيرة مكونة من مراكب خفيفة تعبر البحر دوريًّا إلى الشواطىء الإسبانية لإنقاذ المورسكيين أو أسر النصارى، مما أدى بالحكومة الإسبانية إلى إصدار الأوامر سنة بعد سنة بمنع المورسكيين من الاقتراب من الشواطىء، كما حدث في سنتي ١٥٧٩ م و ١٥٨٦ م، لكن دون جدوى. ولم يكن عهد أحمد الأول (١٥٩٥ م - ١٦٠٣ م) يختلف عن عهد سابقيه. أما الطرد الجماعي للمورسكيين سنة ١٦٠٩ م، فقد حدث أيام السلطان مصطفى الأول (١٦٠٣ م - ١٦١٧ م). أما علاقة الأندلسيين بالدولة السعدية، فقد رأينا موقف السلطان أبي محمد عبد الله الغالب (١٥٥٧ م - ١٥٧٤ م) من ثورة غرناطة الكبرى. وصلت الدولة السعدية إلى المغرب وهو يقاوم أطماع النصارى البرتغاليين والإسبان على أرضه، ويخاف على استقلاله من الدولة العثمانية على حدوده الشرقية، وكان مجزأ الأطراف متفرق الكلمة. وتم توحيد المغرب على يد السلطان محمد الشيخ عندما قتل آخر سلاطين بني وطاس يوم السبت ٢٤ شوّال عام ٩٦١ هـ (٢٢/ ٩ / ١٥٥٤ م). كان لانتصارات محمد الشيخ ضد البرتغاليين أحسن الأثر لدى الأندلسيين، المقيمين منهم في الأندلس والمهاجرين إلى المغرب. فأيدوه تأييدًا كاملاً كرجل الجهاد الذي يستحق أن يلتف حوله المسلمون للدفاع عن الإسلام في المغرب والأندلس. وحاول محمد الشيخ التحالف مع الدولة العثمانية لإنقاذ الأندلسيين. لكن لم يكتب لهذا التحالف النجاح لتخوفات السلطان السعدي من القوة العثمانية. فانقلبت هذه السياسة إلى خيانة أيام الغالب بتحالفه الضمني مع الإسبان ضد المصالح العليا لكل من المغرب والأمة الأندلسية. مما جلب لنفسه عداوة الأندلسيين في إسبانيا والمغرب. وخلف أبا عبد الله الغالب السلطان محمد المتوكل (المسلوخ) (١٥٧٤ م - ١٥٧٦ م)، فتبع نفس سياسة الانحياز إلى النصارى، إسبان وبرتغاليين، على حساب المصالح العليا للمغاربة والأندلسيين، مما أدى به إلى الخيانة الصريحة عندما التجأ إلى البرتغال وطلب مساندته في استرداد عرشه، وقدومه بالجيش البرتغالي غازيًا

стр. 141

المغرب، فانهزم هو وحلفاؤه في معركة وادي المخازن سنة ٩٨٦ هـ (١٥٧٨ م)، فأنقذ الله المغرب من مصير لا يختلف عن مصير الأندلس. وعمل بسبب ذلك أندلسيو المغرب على الإطاحة بمحمد المتوكل إلى أن نجحوا. وساند الأندلسيون أبا مروان عبد الملك المعتصم (١٥٧٦ م - ١٥٧٨ م) إلى أن بويع سلطانًا على المغرب. وكان عبد الملك وأخوه أحمد (المنصور فيما بعد) قد أمضيا سنوات عديدة في الدولة العثمانية، وساهما في معاركها العسكرية وتأثرا بنظامها وترتيبها. فاتصل الأندلسيون العاملون في الجيش المغربي بعبد الملك وهو في الجزائر وشجعوه على دخول المغرب. وقد قال مؤرخ معاصر في هذا الصدد: "وكان معه (المتوكل) في الجيش ألف وثمانمائة من أهل الأندلس. وكان رؤساؤهم يكتبون لمولاي عبد الملك بالقدوم عليهم غير مرة لأنهم كانوا يكرهون مولاي عبد الله وولده مولاي محمد لخيانته لهم في الاتفاق معه على القيام على النصارى (ثورة غرناطة الكبرى) وخذله لهم بعده. فكانت عداوتهم له ومكرهم به في قلوبهم إلى أن يجدوا فرصتهم فيه أو في ولده". وصل الوضع حينذاك بالجالية الأندلسية في المغرب إلى تمكنها من خلع سلطان والإتيان بآخر، فاجتمعت كلمتها على مساندة عبد الملك. وكان أبو الفضل الغري صلة الوصل بين عبد الملك وأندلسيي المغرب. وهو رجل هاجر من غرناطة قبيل ثورتها الكبرى إلى الجزائر، فكسب مكانة كبرى عند كبار الدولة العثمانية. فاقترب من المعتصم في الجزائر، فأرسله للاتصال سرًّا بأندلسيي المغرب وبأتباعه لمساندة دعوته. فانتقل الغري في صورة تاجر إلى مراكش وفاس. كما هاجر إلى الجزائر بعد فشل ثورة غرناطة الكبرى، محمد زرقون، أحد قوادها، فاتصل بعبد الملك وجهز جيشًا من الأندلسيين لإدخاله إلى المغرب. ولما انتصر عبد الملك وجلس على عرش المغرب، عين زرقون رئيسًا أعلى لما يسمى بـ "فرقة النار" في الجيش المغربي. وهاجر من غرناطة بعد فشل ثورتها الكبرى سعيد بن فرج الدغالي، إلى تطوان، ومنها إلى فاس حيث اتصل بالغالب وأصبح رئيس فرقة الأندلسيين بالجيش المغربي. فعند دخول عبد الملك إلى المغرب، انحاز سعيد بن فرج بفرقته إليه مما رجح كفة الصراع إليه. هكذا أصبح الأندلسيون ركنًا قويًّا من أركان الدولة المغربية وجيشها أيام المعتصم. وبنى الأندلسيون كذلك أسطولاً مغربيًّا، خاصة في العرائش وسلا، للجهاد في البحر ضد سفن الإسبان والبرتغاليين.

стр. 142

ولما استغاث محمد المتوكل بالبرتغاليين ليستعيد ملكه مقابل احتفاظهم بسواحل المغرب، انضم أندلسيو المغرب إلى عبد الملك المعتصم ضد البرتغاليين. وكانت لهؤلاء الأندلسيين صلات وثيقة بإخوانهم في الأندلس الذين كانوا يخبرونهم بالنوايا البرتغالية. وكانت مشاركة عدد كبير من الجنود والمتطوعة الأندلسيين في معركة وادي المخازن سنة ١٥٧٨ م عاملاً أساسيًّا في انتصار المسلمين. لذا لم يكن ذلك انتصارًا للمغرب على البرتغال فقط، بل كان كذلك انتصارًا للأندلسيين على الإسبان الذين حاربوا بأعداد كبيرة ضد المغرب في الجيش البرتغالي. وفعلاً ارتعبت بعده إسبانيا من تدخل مغربي في الأندلس لصالح المسلمين. ونتج عن معركة وادي المخازن مقتل ملك البرتغال ومحمد المتوكل والسلطان عبد الملك المعتصم، وبويع المتوكل أبو العباس أحمد المنصور خلفًا لهذا الأخير. كما نتج عنها ضياع استقلال البرتغال التي اندمجت بعدها في إسبانيا لمدة طويلة. هذه مساعدة الأندلسيين للسلطان عبد الملك المعتصم فما هي مساعدته لهم في الدفاع عن الأندلس؟ في الحقيقة، لم يهتم عبد الملك بمساعدة الأندلسيين في مقاومتهم ضد الإسبان، بل كان يرى فيهم مخزن الرجال لجيوشه ولتعمير مدن المغرب. وكباقي السلاطين السعديين، أدى الخوف من الدولة العثمانية بعبد الملك إلى التحالف مع الإسبان، ضد مصالح المغرب العليا، وعلى حساب الأندلسيين. ووصل به الحال إلى أن عرض مرتين على الملك فليبي الثاني، أعدى عدو للإسلام والمسلمين، مشروع حلف مغربي - إسباني دفاعي - هجومي ضد الدولة العثمانية، يتضمن فتح البلدين لتجارة رعاياهما وعدم مساعدة أي طرف لمعارضي الطرف الثاني، أي يتعهد عبد الملك بعدم مساعدة المورسكيين مقابل مساندة إسبانيا في مقاومته للعثمانيين. وبعد استشهاد عبد الملك المعتصم في معركة وادي المخازن بويع أخوه أبو العباس أحمد المنصور (١٥٧٨ م - ١٦٠٣ م) الذي تابع سياسة سلفه في علاقته مع الأندلسيين. إذ كان هو الآخر يرى في الدولة العثمانية عدوه الأول، وفي الهجرة الأندلسية الرجال لجيشه والسكان لمدن المغرب. ولذلك تركزت آمال الأندلسيين أكثر فأكثر على العثمانيين، مما جعلهم مشبوهين لدى المنصور. فقتل زعماءهم الذين أبلوا معه البلاء الحسن في معركة وادي المخازن وكانوا سببًا في انتصار المسلمين، وهم سعيد بن فرج الدغالي وابن أخيه محمد ومحمد زرقون وأبو الفضل الغري وغيرهم.

стр. 143

وقام بتلك المذبحة في يوم واحد من شهر رجب عام ٩٨٦ هـ (شتنبر عام ١٥٧٨ م)، فور الانتهاء من المعركة ومبايعته سلطانًا. ووصل الأمر بالمنصور سنة ١٥٧٠ م إلى إفشاء سر تخطيط المورسكيين للثورة، فأخبر الدولة الإسبانية بذلك كبرهان لتحالفه معها ضد الأندلسيين وضد العثمانيين. واستعمل المنصور العاطفة الشعبية نحو مأساة الأندلس لتقوية سلطانه في المغرب. فبينما كان يتكلم جهرًا عن استعادة الأندلس، كان يتحالف سرًّا مع الإسبان ضد الأندلسيين، ويرمى عبر الصحراء الكبرى بجيوشه وآلاف الأندلسيين، على رأسهم الأندلسي جودر، لاحتلال مملكة إسلامية مسالمة في السودان، بينما يستغيث المورسكيون في الأندلس. وهكذا لم تكن الدولة السعدية على مستوى الدولة المرابطية والموحدية والمرينية في إنجاد الأندلس، ولا في الدفاع عن مصالح المغرب العليا. كان المسلمون في مملكة أراغون القديمة يكونون أقرب تجمع إسلامي من فرنسا في إسبانيا، لا تفرقهم عنها وعن حركة الهوكونو البروتستانتية في ولاية بيارن بها سوى جبال البرت. وكان الملك فليبي الثاني، ملك إسبانيا، يخاف دائمًا من تحالف الهوكونو ومورسكيي أراغون القديمة. وفعلاً، منذ سنة ١٥٧٠ م، أخذ هؤلاء يرسلون سفراءهم إلى بيارن للتفاوض في ربط تحالف مع البرتستانت ضد إسبانيا، وصرح موسيو دو روس، حاكم بيارن: "سنغزو قريبًا إسبانيا، وننتصر عليها، ونستعيد منها نبارة". وفي سنة ١٥٧٣ م توصلت الدولة الإسبانية بأخبار مفادها قرب وقوع هجوم على السواحل البلنسية من الجزائر مقترن بغزو لأراغون القديمة من طرف حاكم بيارن المذكور سابقًا. وفي سنة ١٥٧٥ م، اقترح حاكم بيارن على مسلمي أراغون القديمة مساندته العسكرية إذا قاموا بثورة ضد إسبانيا، وطلب منهم عشرة إلى اثنى عشر ألف أسكودو مقابل مساعدته. وبعد تدارس العرض، وجد المورسكيون أن المال المطلوب فوق طاقتهم، فطلبوه من الدولة العثمانية، لكن دون جدوى. فأخبروا حاكم بيارن أن لديهم كميات كبيرة من السلاح المخبأ، وطلبوا منه قبولها عوضًا عن المال. وقد ساند هوكونو بيارن مسلمي أراغون القديمة في حربهم الأهلية ضد النصارى الجبليين في الفترة بين سنة ١٥٨٥ م و ١٥٨٨ م. وفي سنتي ١٥٩٢ م و ١٥٩٣ م، انتشر الرعب في إسبانيا مرة أخرى عندما لجأ أنطونيو بيريز، أحد زعماء المورسكيين الأراغونيين، إلى فرنسا، وحصل على وعد بالمساندة من أمير بيارن (الذي أصبح فيما

стр. 144

بعد هنري الرابع، ملك فرنسا) في حال ثورة المورسكيين، مقابل مساندتهم له إن غزا أراغون. وفي سنة ١٦٠٥ م، اكتشف ديوان التفتيش تخطيطًا لثورة المسلمين في مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، يتزامن مع إنزال فرنسي على سواحل مملكة بلنسية. واتفق سفراء المورسكيين على موعد الثورة مع بانيسو، سفير دوق دولا فورس، حاكم ولاية بيارن، لديهم. واكتشف الراهب بليدة المؤامرة فبلغ عنها. فقبضت الدولة على عدد كبير من زعماء المورسكيين الذين اتهمتهم بالتآمر، وأعدمتهم شنقًا. ثم أصدر نائب الملك على بلنسية الأمر بالقبض على كل مورسكي يحاول الخروج منها برًّا أو بحرًا. وباختصار، يبدو أن الفرنسيين أرادوا استعمال المورسكيين لتخويف الإسبان، وخلق المشاكل لهم عند الضرورة، للحصول على مكاسب منهم بأرخص الأثمان. لذا لم يقدموا أية مساعدة عملية لمسلمي مملكة أراغون تساعدهم على الثورة. وهكذا تبين للمورسكيين عدم جدية حلفائهم المحتملين، الواحد تلو الآخر، في إنقاذهم، وأنهم يستعملونهم لأغراضهم السياسية. ٤/ ٥ - التفكير في الطرد: وصلت الكنيسة والدولة في إسبانيا إلى اليأس التام من تنصير المسلمين، قبل أن ييأس الأندلسيون من تخليص أنفسهم من الاستعباد النصراني القشتالي الذي وقعوا فيه، ومن مساندة إخوانهم المسلمين من وراء البحار. فبعد إرغام الأندلسيين على التنصير، وحرق كتبهم، ومسخ ثقافتهم، ومصادرة أموالهم، واستعباد أبنائهم ونسائهم، وقتل رجالهم، وقمع ثوراتهم، ومتابعتهم لأتفه الأسباب، ومنعهم من لغتهم العربية وعاداتهم وأسمائهم، ومتابعة تشريدهم وتشتيتهم، وحرق زعمائهم، ثم خذلان الدول الإسلامية عبر البحار لهم، لم تصل الكنيسة الكاثوليكية ولا الدولة الإسبانية إلى النتيجة المبتغاة منهم. فانهزمت الكنيسة أمام تصميمهم على الثبات على الإسلام، وارتعبت الدولة منهم على ضعفهم وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس كلما اكتشفت أو تخيلت مؤامرة ضدها من طرفهم. اطمأنت الدولة الإسبانية من وقوع ثورات جديدة في مملكة غرناطة بعد أن طردت عددًا كبيرًا من الغرناطيين سنة ١٥٧٠ م وشتتتهم على أنحاء قشتالة، فوجهت اهتمامها إلى مسلمي مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، تهدد تجمعاتهم بالطرد

стр. 145

والتشتيت. وعندما رأى رجال الدولة والكنيسة، بعد بضع سنين من نفي الغرناطيين، أن ذلك النفي لم يؤد إلى نتيجة، بل ساعد المسلمين في مناطق أخرى على التشبث بالإسلام وقوى عزمهم على المقاومة، استنتجوا استحالة إخلاص الأندلسيين للنصرانية وأخذوا يفكرون في عدة اقتراحات لحل مشكلة المورسكيين حلاًّ جذريًّا. وانقسمت الاقتراحات إلى ثلاثة حلول: جمع المورسكيين في أحياء خاصة بهم؛ أو إفناؤهم جميعًا؛ أو طردهم خارج إسبانيا. أما الحل الأول، فقد اقترحه سنة ١٥٨٢ م الراهب فرانسسكو دي رباس، إذ اقترح أن يخير المورسكيون بين النصرانية والإسلام. فالذين يختارون النصرانية والاندماج في المجتمع النصراني، تتابع حراستهم ومراقبتهم من طرف النصارى القدامى. والذين يختارون الإسلام، يجمعون في أحياء خاصة بهم، ويسمح لهم باتباع دينهم، وبهذا ينتهي الجدال حول عقيدتهم وغموض وضعيتهم. وتراقب الأحياء الإسلامية بعدد من الجنود النصارى يمولون من طرف المسلمين، ويكون قضاتهم من النصارى. وفي سنة ١٥٨٨ م، أرسل ألونسو كوتييرس من إشبيلية اقتراحًا شبيهًا بالأول. فهو يقترح تجميع كل مائتي عائلة موريسكية في تجمع سكني خاص بها تحت مراقبة متواصلة لنصراني موثوق به. ولا يقومون بشيء من شعائرهم الدينية، ولا يتزوجون إلا بإذنه، وينزع منهم السلاح، وتضاعف عليهم الضرائب، ويؤخذ منهم خمس الميراث، ويعاقبون عقوبات شديدة في حالة المخالفة، تتراوح بين الاستعباد والمصادرة والأعمال الشاقة في السفن والمناجم، ويمنعون من التنقل دون علامة واضحة على وجوههم تبين أنهم مسلمين. أما الحل الثاني، فقد اقترحه سنة ١٥٧٣ م الراهب تريخوس الذي كان من أب نصراني وأم مورسكية، وحمته عائلة أمه من القتل إبان ثورة غرناطة الكبرى. وقد قدم خطة للقضاء على المورسكيين باختطاف كل الأطفال الذين لا تتعدى أعمارهم ست سنوات وتسليمهم للنصارى القدامى لتربيتهم على دين النصرانية، ومنعهم من الزواج حتى لا يتناسلوا، وبهذا ينقرضون مع الأيام. واقترح المطران ربيرا القضاء على المورسكيين بالاسترقاق، وأخذ كل سنة بضعة آلاف رجل منهم للعمل في السفن والمناجم حتى يتم إفناؤهم. واقترح بعض وزراء فليبي الثاني جمع كل المورسكيين وحملهم على السفن ثم إغراقهم في عرض البحر. واقترح مارتين دي سالبتيرة، أسقف سقوربة بمملكة بلنسية، إخصاء كل الذكور المورسكيين، كبارًا وصغارًا، وبهذا
следующие страницы →