← История

История · id 37481

انبعاث الإسلام في الأندلس

علي المنتصر الكتاني

Полный текст (457 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المغرب، فانهزم هو وحلفاؤه في معركة وادي المخازن سنة ٩٨٦ هـ (١٥٧٨ م)، فأنقذ الله المغرب من مصير لا يختلف عن مصير الأندلس. وعمل بسبب ذلك أندلسيو المغرب على الإطاحة بمحمد المتوكل إلى أن نجحوا. وساند الأندلسيون أبا مروان عبد الملك المعتصم (١٥٧٦ م - ١٥٧٨ م) إلى أن بويع سلطانًا على المغرب. وكان عبد الملك وأخوه أحمد (المنصور فيما بعد) قد أمضيا سنوات عديدة في الدولة العثمانية، وساهما في معاركها العسكرية وتأثرا بنظامها وترتيبها. فاتصل الأندلسيون العاملون في الجيش المغربي بعبد الملك وهو في الجزائر وشجعوه على دخول المغرب. وقد قال مؤرخ معاصر في هذا الصدد: "وكان معه (المتوكل) في الجيش ألف وثمانمائة من أهل الأندلس. وكان رؤساؤهم يكتبون لمولاي عبد الملك بالقدوم عليهم غير مرة لأنهم كانوا يكرهون مولاي عبد الله وولده مولاي محمد لخيانته لهم في الاتفاق معه على القيام على النصارى (ثورة غرناطة الكبرى) وخذله لهم بعده. فكانت عداوتهم له ومكرهم به في قلوبهم إلى أن يجدوا فرصتهم فيه أو في ولده". وصل الوضع حينذاك بالجالية الأندلسية في المغرب إلى تمكنها من خلع سلطان والإتيان بآخر، فاجتمعت كلمتها على مساندة عبد الملك. وكان أبو الفضل الغري صلة الوصل بين عبد الملك وأندلسيي المغرب. وهو رجل هاجر من غرناطة قبيل ثورتها الكبرى إلى الجزائر، فكسب مكانة كبرى عند كبار الدولة العثمانية. فاقترب من المعتصم في الجزائر، فأرسله للاتصال سرًّا بأندلسيي المغرب وبأتباعه لمساندة دعوته. فانتقل الغري في صورة تاجر إلى مراكش وفاس. كما هاجر إلى الجزائر بعد فشل ثورة غرناطة الكبرى، محمد زرقون، أحد قوادها، فاتصل بعبد الملك وجهز جيشًا من الأندلسيين لإدخاله إلى المغرب. ولما انتصر عبد الملك وجلس على عرش المغرب، عين زرقون رئيسًا أعلى لما يسمى بـ "فرقة النار" في الجيش المغربي. وهاجر من غرناطة بعد فشل ثورتها الكبرى سعيد بن فرج الدغالي، إلى تطوان، ومنها إلى فاس حيث اتصل بالغالب وأصبح رئيس فرقة الأندلسيين بالجيش المغربي. فعند دخول عبد الملك إلى المغرب، انحاز سعيد بن فرج بفرقته إليه مما رجح كفة الصراع إليه. هكذا أصبح الأندلسيون ركنًا قويًّا من أركان الدولة المغربية وجيشها أيام المعتصم. وبنى الأندلسيون كذلك أسطولاً مغربيًّا، خاصة في العرائش وسلا، للجهاد في البحر ضد سفن الإسبان والبرتغاليين.

стр. 142

ولما استغاث محمد المتوكل بالبرتغاليين ليستعيد ملكه مقابل احتفاظهم بسواحل المغرب، انضم أندلسيو المغرب إلى عبد الملك المعتصم ضد البرتغاليين. وكانت لهؤلاء الأندلسيين صلات وثيقة بإخوانهم في الأندلس الذين كانوا يخبرونهم بالنوايا البرتغالية. وكانت مشاركة عدد كبير من الجنود والمتطوعة الأندلسيين في معركة وادي المخازن سنة ١٥٧٨ م عاملاً أساسيًّا في انتصار المسلمين. لذا لم يكن ذلك انتصارًا للمغرب على البرتغال فقط، بل كان كذلك انتصارًا للأندلسيين على الإسبان الذين حاربوا بأعداد كبيرة ضد المغرب في الجيش البرتغالي. وفعلاً ارتعبت بعده إسبانيا من تدخل مغربي في الأندلس لصالح المسلمين. ونتج عن معركة وادي المخازن مقتل ملك البرتغال ومحمد المتوكل والسلطان عبد الملك المعتصم، وبويع المتوكل أبو العباس أحمد المنصور خلفًا لهذا الأخير. كما نتج عنها ضياع استقلال البرتغال التي اندمجت بعدها في إسبانيا لمدة طويلة. هذه مساعدة الأندلسيين للسلطان عبد الملك المعتصم فما هي مساعدته لهم في الدفاع عن الأندلس؟ في الحقيقة، لم يهتم عبد الملك بمساعدة الأندلسيين في مقاومتهم ضد الإسبان، بل كان يرى فيهم مخزن الرجال لجيوشه ولتعمير مدن المغرب. وكباقي السلاطين السعديين، أدى الخوف من الدولة العثمانية بعبد الملك إلى التحالف مع الإسبان، ضد مصالح المغرب العليا، وعلى حساب الأندلسيين. ووصل به الحال إلى أن عرض مرتين على الملك فليبي الثاني، أعدى عدو للإسلام والمسلمين، مشروع حلف مغربي - إسباني دفاعي - هجومي ضد الدولة العثمانية، يتضمن فتح البلدين لتجارة رعاياهما وعدم مساعدة أي طرف لمعارضي الطرف الثاني، أي يتعهد عبد الملك بعدم مساعدة المورسكيين مقابل مساندة إسبانيا في مقاومته للعثمانيين. وبعد استشهاد عبد الملك المعتصم في معركة وادي المخازن بويع أخوه أبو العباس أحمد المنصور (١٥٧٨ م - ١٦٠٣ م) الذي تابع سياسة سلفه في علاقته مع الأندلسيين. إذ كان هو الآخر يرى في الدولة العثمانية عدوه الأول، وفي الهجرة الأندلسية الرجال لجيشه والسكان لمدن المغرب. ولذلك تركزت آمال الأندلسيين أكثر فأكثر على العثمانيين، مما جعلهم مشبوهين لدى المنصور. فقتل زعماءهم الذين أبلوا معه البلاء الحسن في معركة وادي المخازن وكانوا سببًا في انتصار المسلمين، وهم سعيد بن فرج الدغالي وابن أخيه محمد ومحمد زرقون وأبو الفضل الغري وغيرهم.

стр. 143

وقام بتلك المذبحة في يوم واحد من شهر رجب عام ٩٨٦ هـ (شتنبر عام ١٥٧٨ م)، فور الانتهاء من المعركة ومبايعته سلطانًا. ووصل الأمر بالمنصور سنة ١٥٧٠ م إلى إفشاء سر تخطيط المورسكيين للثورة، فأخبر الدولة الإسبانية بذلك كبرهان لتحالفه معها ضد الأندلسيين وضد العثمانيين. واستعمل المنصور العاطفة الشعبية نحو مأساة الأندلس لتقوية سلطانه في المغرب. فبينما كان يتكلم جهرًا عن استعادة الأندلس، كان يتحالف سرًّا مع الإسبان ضد الأندلسيين، ويرمى عبر الصحراء الكبرى بجيوشه وآلاف الأندلسيين، على رأسهم الأندلسي جودر، لاحتلال مملكة إسلامية مسالمة في السودان، بينما يستغيث المورسكيون في الأندلس. وهكذا لم تكن الدولة السعدية على مستوى الدولة المرابطية والموحدية والمرينية في إنجاد الأندلس، ولا في الدفاع عن مصالح المغرب العليا. كان المسلمون في مملكة أراغون القديمة يكونون أقرب تجمع إسلامي من فرنسا في إسبانيا، لا تفرقهم عنها وعن حركة الهوكونو البروتستانتية في ولاية بيارن بها سوى جبال البرت. وكان الملك فليبي الثاني، ملك إسبانيا، يخاف دائمًا من تحالف الهوكونو ومورسكيي أراغون القديمة. وفعلاً، منذ سنة ١٥٧٠ م، أخذ هؤلاء يرسلون سفراءهم إلى بيارن للتفاوض في ربط تحالف مع البرتستانت ضد إسبانيا، وصرح موسيو دو روس، حاكم بيارن: "سنغزو قريبًا إسبانيا، وننتصر عليها، ونستعيد منها نبارة". وفي سنة ١٥٧٣ م توصلت الدولة الإسبانية بأخبار مفادها قرب وقوع هجوم على السواحل البلنسية من الجزائر مقترن بغزو لأراغون القديمة من طرف حاكم بيارن المذكور سابقًا. وفي سنة ١٥٧٥ م، اقترح حاكم بيارن على مسلمي أراغون القديمة مساندته العسكرية إذا قاموا بثورة ضد إسبانيا، وطلب منهم عشرة إلى اثنى عشر ألف أسكودو مقابل مساعدته. وبعد تدارس العرض، وجد المورسكيون أن المال المطلوب فوق طاقتهم، فطلبوه من الدولة العثمانية، لكن دون جدوى. فأخبروا حاكم بيارن أن لديهم كميات كبيرة من السلاح المخبأ، وطلبوا منه قبولها عوضًا عن المال. وقد ساند هوكونو بيارن مسلمي أراغون القديمة في حربهم الأهلية ضد النصارى الجبليين في الفترة بين سنة ١٥٨٥ م و ١٥٨٨ م. وفي سنتي ١٥٩٢ م و ١٥٩٣ م، انتشر الرعب في إسبانيا مرة أخرى عندما لجأ أنطونيو بيريز، أحد زعماء المورسكيين الأراغونيين، إلى فرنسا، وحصل على وعد بالمساندة من أمير بيارن (الذي أصبح فيما

стр. 144

بعد هنري الرابع، ملك فرنسا) في حال ثورة المورسكيين، مقابل مساندتهم له إن غزا أراغون. وفي سنة ١٦٠٥ م، اكتشف ديوان التفتيش تخطيطًا لثورة المسلمين في مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، يتزامن مع إنزال فرنسي على سواحل مملكة بلنسية. واتفق سفراء المورسكيين على موعد الثورة مع بانيسو، سفير دوق دولا فورس، حاكم ولاية بيارن، لديهم. واكتشف الراهب بليدة المؤامرة فبلغ عنها. فقبضت الدولة على عدد كبير من زعماء المورسكيين الذين اتهمتهم بالتآمر، وأعدمتهم شنقًا. ثم أصدر نائب الملك على بلنسية الأمر بالقبض على كل مورسكي يحاول الخروج منها برًّا أو بحرًا. وباختصار، يبدو أن الفرنسيين أرادوا استعمال المورسكيين لتخويف الإسبان، وخلق المشاكل لهم عند الضرورة، للحصول على مكاسب منهم بأرخص الأثمان. لذا لم يقدموا أية مساعدة عملية لمسلمي مملكة أراغون تساعدهم على الثورة. وهكذا تبين للمورسكيين عدم جدية حلفائهم المحتملين، الواحد تلو الآخر، في إنقاذهم، وأنهم يستعملونهم لأغراضهم السياسية. ٤/ ٥ - التفكير في الطرد: وصلت الكنيسة والدولة في إسبانيا إلى اليأس التام من تنصير المسلمين، قبل أن ييأس الأندلسيون من تخليص أنفسهم من الاستعباد النصراني القشتالي الذي وقعوا فيه، ومن مساندة إخوانهم المسلمين من وراء البحار. فبعد إرغام الأندلسيين على التنصير، وحرق كتبهم، ومسخ ثقافتهم، ومصادرة أموالهم، واستعباد أبنائهم ونسائهم، وقتل رجالهم، وقمع ثوراتهم، ومتابعتهم لأتفه الأسباب، ومنعهم من لغتهم العربية وعاداتهم وأسمائهم، ومتابعة تشريدهم وتشتيتهم، وحرق زعمائهم، ثم خذلان الدول الإسلامية عبر البحار لهم، لم تصل الكنيسة الكاثوليكية ولا الدولة الإسبانية إلى النتيجة المبتغاة منهم. فانهزمت الكنيسة أمام تصميمهم على الثبات على الإسلام، وارتعبت الدولة منهم على ضعفهم وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس كلما اكتشفت أو تخيلت مؤامرة ضدها من طرفهم. اطمأنت الدولة الإسبانية من وقوع ثورات جديدة في مملكة غرناطة بعد أن طردت عددًا كبيرًا من الغرناطيين سنة ١٥٧٠ م وشتتتهم على أنحاء قشتالة، فوجهت اهتمامها إلى مسلمي مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، تهدد تجمعاتهم بالطرد

стр. 145

والتشتيت. وعندما رأى رجال الدولة والكنيسة، بعد بضع سنين من نفي الغرناطيين، أن ذلك النفي لم يؤد إلى نتيجة، بل ساعد المسلمين في مناطق أخرى على التشبث بالإسلام وقوى عزمهم على المقاومة، استنتجوا استحالة إخلاص الأندلسيين للنصرانية وأخذوا يفكرون في عدة اقتراحات لحل مشكلة المورسكيين حلاًّ جذريًّا. وانقسمت الاقتراحات إلى ثلاثة حلول: جمع المورسكيين في أحياء خاصة بهم؛ أو إفناؤهم جميعًا؛ أو طردهم خارج إسبانيا. أما الحل الأول، فقد اقترحه سنة ١٥٨٢ م الراهب فرانسسكو دي رباس، إذ اقترح أن يخير المورسكيون بين النصرانية والإسلام. فالذين يختارون النصرانية والاندماج في المجتمع النصراني، تتابع حراستهم ومراقبتهم من طرف النصارى القدامى. والذين يختارون الإسلام، يجمعون في أحياء خاصة بهم، ويسمح لهم باتباع دينهم، وبهذا ينتهي الجدال حول عقيدتهم وغموض وضعيتهم. وتراقب الأحياء الإسلامية بعدد من الجنود النصارى يمولون من طرف المسلمين، ويكون قضاتهم من النصارى. وفي سنة ١٥٨٨ م، أرسل ألونسو كوتييرس من إشبيلية اقتراحًا شبيهًا بالأول. فهو يقترح تجميع كل مائتي عائلة موريسكية في تجمع سكني خاص بها تحت مراقبة متواصلة لنصراني موثوق به. ولا يقومون بشيء من شعائرهم الدينية، ولا يتزوجون إلا بإذنه، وينزع منهم السلاح، وتضاعف عليهم الضرائب، ويؤخذ منهم خمس الميراث، ويعاقبون عقوبات شديدة في حالة المخالفة، تتراوح بين الاستعباد والمصادرة والأعمال الشاقة في السفن والمناجم، ويمنعون من التنقل دون علامة واضحة على وجوههم تبين أنهم مسلمين. أما الحل الثاني، فقد اقترحه سنة ١٥٧٣ م الراهب تريخوس الذي كان من أب نصراني وأم مورسكية، وحمته عائلة أمه من القتل إبان ثورة غرناطة الكبرى. وقد قدم خطة للقضاء على المورسكيين باختطاف كل الأطفال الذين لا تتعدى أعمارهم ست سنوات وتسليمهم للنصارى القدامى لتربيتهم على دين النصرانية، ومنعهم من الزواج حتى لا يتناسلوا، وبهذا ينقرضون مع الأيام. واقترح المطران ربيرا القضاء على المورسكيين بالاسترقاق، وأخذ كل سنة بضعة آلاف رجل منهم للعمل في السفن والمناجم حتى يتم إفناؤهم. واقترح بعض وزراء فليبي الثاني جمع كل المورسكيين وحملهم على السفن ثم إغراقهم في عرض البحر. واقترح مارتين دي سالبتيرة، أسقف سقوربة بمملكة بلنسية، إخصاء كل الذكور المورسكيين، كبارًا وصغارًا، وبهذا

стр. 146

ينقرضون بسرعة. واقترح ألونسو كوتييرس، السابق الذكر، نفس الحل، ولكن فقط لتحديد نسلهم، وليس للقضاء عليهم جميعًا. واقترح أحدهم قتل المورسكيين دفعة واحدة، أو قتل البالغين منهم واسترقاق الباقين وبيعهم. وفي سنة ١٥٨١ م اقترح بدرو بونسي دي ليون، الذي قضى عشرين عامًا في خدمة الملك، إرسال شباب المورسكيين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و ٤٠ سنة للعمل في السفن، وبإبعاد الشباب عن المجتمع المورسكي يقل نسلهم وينقرضون مع الوقت، لأن الذين تتجاوز أعمارهم الأربعين تكون خصوبتهم محدودة. أما الحل الثالث، فهو الذي كان له أكثر المساندين من بين رجال الدولة والكنيسة. ابتدأت فكرته تتبلور منذ اجتماعات الأشبونة التي حضرها فليبي الثاني، ملك إسبانيا، لتنصيبه ملكًا على البرتغال كذلك بعد هزيمتها في وادي المخازن. ففي ٤/ ١٢ / ١٥٨١ م كون الملك لجنة لدراسة وضع الدولة الداخلي والخارجي الناتج عن "الخطر المورسكي"، فدرست الحلول المقترحة. وعقدت اللجنة اجتماعين آخرين في ١٩/ ٦ / ١٥٨٢ م و ١٣/ ٩ / ١٥٨٢ م، توصلت فيهما إلى قرار توصية الملك بطرد جميع المورسكيين خارج إسبانيا. وقدمت اللجنة التوصية لمجلس الدولة (الكورتس) بتاريخ ١٩/ ٩ / ١٥٨٢ م. وتعاطف الملك مع هذه التوصية من أول وهلة إذ، منذ سبتمبر عام ١٥٨٢ م، أخذ يتصل سرًّا بكبار نبلاء الإقطاع في مملكة بلنسية لإقناعهم بفائدة إخراج المورسكيين. وتدارس مجلس الدولة محاسن ومساوىء طرد المورسكيين. فرأى أعضاؤه أن معظم المساوىء اقتصادية بسبب انخفاض دخل الملك والنبلاء إذا طرد المورسكيون، وسياسية بسبب احتمال حدوث اضطرابات عند إخراجهم، ودينية بسبب خسارة أرواح المورسكيين نهائيًّا للدين النصراني، ورأى أعضاء المجلس أن كل هذه المساوىء لا تساوي المحاسن التي تترتب عن هذا الطرد، وهي أن يعم السلام البلاد وأن تتوحد دينيًّا. لذا أجمع رجال الكنيسة على الموافقة على الطرد، بما فيهم أسقف طليطلة وأسقف بلنسية وقضاة التفتيش بهما. واقترح أسقف سقوربة طردهم إلى جزيرة جرداء كالأرض الجديدة (التابعة لكندا اليوم) حتى لا يزيدوا من قوة المسلمين إذا طردوا إلى أرضهم. وبقيت فكرة الطرد بين المد والجزر، وقد اقتنع بها الملك ولكن تهيب من تنفيذها خوفًا من معارضة نبلاء مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، أمثال ماركيز دانية،

стр. 147

وانتظارًا لتوفير المصاريف الهائلة الضرورية لمثل هذا الطرد الجماعي، وكذلك لعدم موافقة الأوضاع الدولية. وحاصر كبار الدولة الملك بالرسائل التي تحرضه على الإسراع بطرد المورسكيين، كالرسالة التي توصل بها من طليطلة سنة ١٥٨٤ م التي يقترح فيها كاتبها على الملك إخراج المورسكيين من طليطلة لتحصينها وإحلال النصارى مكانهم. ولما تيقن الملك فليبي الثاني أن معظم الأهالي النصارى يساندون فكرة طرد المورسكيين، وأن الكنيسة تكاد تكون مجمعة عليه، وأن من السادة من اقتنع به ومعظمهم لن يعارضه، أصدر أمرًا ملكيًّا بتاريخ ١٨/ ١ / ١٥٨٥ م بطرد جميع المورسكيين في ظرف شهرين، والحكم بالإعدام شنقًا لكل متخلف منهم. واستثنى الأمر أطفال المسلمين من الطرد وقرر أخذهم من آبائهم وتسليمهم للكنيسة لتنشئهم على الدين النصراني. ورغم أن مجلس الدولة أوصى بتطبيق هذا الأمر في شتاء السنة نفسها، فقد تردد الملك في تنفيذه، وبقي الوضع معلقًا. وعادت الكنيسة إلى أمل تنصير المورسكيين. ففي ١٧/ ٩ / ١٥٨٧ م أصدر مجلس الدولة بمجريط توصية بإجراء حملة تنصير جديدة بين المورسكيين، رغم عدم اقتناعه بجدواها. وظل الوضع هكذا إلى أن مات فليبي الثاني في سنة ١٥٩٨ م. وخلف فليبي الثاني على عرش إسبانيا ولده فليبي الثالث (١٥٩٨ - ١٦٢١ م)، الذي كان يختلف عن سلفه اختلافًا كبيرًا. فبينما كان فليبي الثاني قوي الشخصية، كامل الاستبداد، كان فليبي الثالث منعدم الشخصية، تام المسالمة، فأصبح ألعوبة في يد الرهبان، وتحت نفوذ وزيره، دوق دي ليرما. وكانت الملكة مرغريتة النمساوية من طينته، ضعفًا وتعصبًا. وعند تولية فليبي الثالث، دخلت إسبانيا مرحلة سلام في علاقاتها الدولية بعد أن عقدت معاهدة مع فرنسا سنة ١٥٩٨ م. كما اقتنع حينذاك نبلاء مملكتي بلنسية وأراغون القديمة بإمكانية استبدال عمالهم المسلمين بمهاجرين نصارى من فرنسا. وفي ٣٠/ ١ / ١٥٩٩ م عقد مجلس الدولة اجتماعًا بحث فيه موضوع طرد المورسكيين، وأوصى هذه المرة بطرد الرجال الذين تزيد أعمارهم عن الستين سنة، والنساء، إلى شمال إفريقيا. أما الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ و ٦٠ سنة، فيحكم عليهم بالأشغال الشاقة فوق السفن مدى الحياة كعبيد، وبمصادرة جميع

стр. 148

أملاكهم، ويسلم الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ١٥ سنة للكنيسة لتنشئهم على الديانة النصرانية. وفي ٢/ ٢ / ١٥٩٩ م تقدم الوزير الدوق دي ليرما لمجلس الدولة بمشروع للخلاص من المورسكيين، قال فيه إن المورسكيين الآن مسلمون كما كانوا وسيظلون. وأوصى بإعدام كل من هم بين الخامسة عشرة والستين من العمر منهم، أو استعبادهم أو إرسالهم للعمل فوق السفن مع مصادرة أملاكهم. وأوصى الوزير بإرسال الرجال الذين جاوز عمرهم الستين، والنساء، إلى شمال إفريقيا، وتسليم الأطفال للكنيسة ليتعلموا الدين النصراني. وتابع مجلس الدولة دراسة الموضوع طوال سنة ١٥٩٩ م في سرية تامة مخافة ثورة المورسكيين، واقترح تهيىء قوة عسكرية كبيرة للإشراف على الطرد، وإحصاء جميع المورسكيين الموجودين في ممالك إسبانيا. وفي عام ١٥٩٩ م، اجتمع مجلس مملكة بلنسية الإقليمي بحضور أسقفها وأسقف إسبانيا، الكاردينال كاسبار دي قرطبة، وكبار رجال الكنيسة، ودرس مرة أخيرة طرق تنصير المورسكيين، وفي نفس السنة تزوج الملك فليبي الثالث بمرغرينة النمساوية عند صديقه دوق دانية، في مملكة بلنسية، حيث درس وضع المورسكيين عن كثب. وبعد زيارته، كتب رسالة بتاريخ ٢٣/ ٥ / ١٥٩٩ م إلى الكاردينال خوان دي ربيرا، أسقف بلنسية، يأمره فيها بالعمل من جديد على تنصير المورسكيين، وتعيين قساوسة جدد، وتدريب الوعاظ، وطبع الكتب لتعليم العقيدة النصرانية، وتأسيس مدرسة للراهبات المورسكيات لتعملن في الأديرة وبيوت النصارى القدامى. وهذا الأمر يدل على أن الملك لم يكن حينذاك يفكر جديًّا في طرد المورسكيين. ولكن أسقف بلنسية كان يعتقد استحالة تنصير المورسكيين، ويساند قرار مجلس الدولة بتاريخ ٣٠/ ١ / ١٥٩٩ م بطردهم. وفي ١٩/ ٢ / ١٦٠٠ م، درس مجلس مملكة بلنسية الإقليمي اقتراح أسقف إسبانيا، الكاردينال دي قرطبة، بإخراج مسلمي بلنسية وتوزيعهم على قشتالة، فنصحه ونصح الكاردينال دي ريبيرا بالاعتدال، وشدد على ضرورة الاكتفاء بطرد فقهاء الإسلام كلما اكتشفوا، واختصار مدة العفو التي صدرت من بابا روما من سنتين إلى سنة واحدة. ثم طلب المجلس من الكنيسة أن تعقد اجتماعًا على مستوى مملكة بلنسية لدراسة تنصير المورسكيين وإنشاء ميلشيات لقمع أي تمرد يصدر عنهم.

стр. 149

لكن الكاردينال دي ربيرا ظل يطالب الملك بطرد المورسكيين. فكتب في أواخر عام ١٦٠١ م رسالة إلى الملك يشكو فيها عنادهم وتماديهم في عدم الإخلاص للنصرانية، ويؤكد فيها خطرهم على الدين النصراني والدولة الإسبانية، إلى أن قال إنهم إن لم يطردوا "فسأرى في حياتي ضياع إسبانيا" ويصر في رسالة ثانية بتاريخ يناير ١٦٠٢ م على ضرورة طردهم لأنهم "ملحدون عنيدون وأعداء للتاج الملكي". وفي ٣/ ١ / ١٦٠٢ م، بعد فشل هجوم إسبانيا على الجزائر، عقد اجتماع لمجلس الدولة، حضره كبار رجالها، اقترح فيه أعضاؤه طرد جميع المورسكيين، ابتداءً من مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، لعلاقاتهم السرية مع الفرنسيين، ووافق بعضهم على نقلهم إلى شمال إفريقيا شرط الاحتفاظ بأطفالهم. ورأى الوزير دي ليرما والكاردينال دي قرطبة أنه من الفظاعة طرد رجال نصروا إلى بلاد المسلمين وإجبارهم بذلك على الدخول في الإسلام، واقترحا أخذ رأي بابا روما في الموضوع، كما تخوفا من ثورة مسلحة. أما فليبي الثالث فقد أجاب على الاقتراح كتابة بقوله: "إذا أمكن طردهم بدون تأنيب الضمير فإني أعتقد أن ذلك هو الحل الأفضل". وتتابعت الاجتماعات، وتشعبت الآراء. وفي سنة ١٦٠٤ م، اجتمع مجلس الدولة ببلنسية بحضور الملك، وركز مرة أخرى على ضرورة تقوية مجهودات التنسيق. وفي مايو سنة ١٦٠٦ م، أرسل بابا روما رسائل إلى أسقف بلنسية وغيره، يطلب فيها من رجال الكنيسة في مملكة بلنسية تدارس طرق تنصير المورسكيين تنصيرًا جديًّا. ولم تأخذ الأوضاع مجرى جديدًا إلا بدخول سنة ١٦٠٨ م كما سنرى في الفصل القادم.

стр. 150

مراجع الفصل الرابع ٤/ ١ - محمد حتاملة "التهجير القسري لمسلمي الأندلس في عهد الملك فليب" عمان (الأردن) عام ١٩٨٢، ص ٦٩ - ٧٨. ٤/ ٢ - B. Vincent "L'Expultion des Morisques du Royaume de Grenade et leur Repartition en Castille (١٥٧٠-١٥٧١) " Melanges de la Casa Velaz- quez, Vol. VI, ١٩٧٠, p. ٢١٠-٢٤٦. ٤ / ٣ - Archivo del Instituto de Valencia de Don Juan, Madrid, Espana, en- vio ٦٢, p. ٥١٥. ٤ / ٤ - Ref (٤.٣) , envio ٦٢, p. ٤٦٦, documento del ١٥٧٠ / ١١ / ١٤. ٤ / ٥ - Ref. (٤.٣) , envio I, p. ٣٥. ٤ / ٦ - Ref. (٤.٣) , envio I, p. ٤٩. ٤ / ٧ - Lapeyre "Geographie de l'Espagne Morisque" SEVPEN, Paris, ١٩٥٩, p. ١٢٥. ٤ / ٨ - B. Vincent "Combien de Morisques ont-ils ete Expulses du Royaume de Grenade?" Melanges de la Casa Velasquez, Vol. VII, ١٩٧١, p. ٣٩٧-٣٩٨. ٤ / ٩ - Archivo de la Casa de Medinaceli (Sevilla) , Marquesado de Co- mares. ٤ / ١٠ - Ref. (٤.٣) , envio I, p. ٦٨. ٤ / ١١ - Francisco Oriol Catena "La Repoblacion del Reino de Granada de- spues de la Expulsion de los Moriscos" Boletin de la Universidad de Granada, Ano VII (Feb. ١٩٣٣) , no ٣٢, p. ٤٩٩-٥٠٠. ٤ / ١٢ - Ref. (٤.١١) , p. ٣١٥-٣٣١ y ٥١٠-٥١٣.

стр. 151

٤/ ١٣ - B. Vincent "Les Bandits Morisques en Andalousie au XVIe Siecle" Revue d'Histoire Moderne et Contemporaine, ١٩٧٤, p. ٣٩٧-٣٩٩. ٤ / ١٤ - A.G.S., Camara de Castilla, leg. ٢١٧٢, ٢١٧٨y ٢١٨٧. ٤ / ١٥ - Ref. (٤.١٤) , leg. ٢١٧٤. ٤ / ١٦ - Ref. (٤.١٤) , leg. ٢١٨٢. ٤ / ١٧ - Ref. (٤.١٤) , leg. ٢١٧٥. ٤ / ١٨ - N. Cabrillana "Esclavos Moriscos en la Almeria del Siglo XVI" Al- Andalus, ١٩٧٥, p. ٥٣-١٢٨. ٤ / ١٩ - Ref. (٤.١٤) , leg. ٢١٧٩. ٤ / ٢٠ - Ref. (٤.١٤) , leg. ٢١٧٨. ٤ / ٢١ - Ref. (٤.١٤) , leg. ٢١٨٢. ٤ / ٢٢ - I. Bauer Landner "Papeles de Mi Archivo, Relaciones y Manuscri- tos (Moriscos) , Madrid, ١٩٢٣, p. ١٤١-١٥٦. ٤ / ٢٣ - Ref. (٢.١٣) . ٤ / ٢٤ - Archivo de la Corona de Aragon, Reg. ٤٣٥٣, p. ١٢٩ y ss. ٤ / ٢٥ - Archivo del Reino de Valencia, Reg. ١٣٣٢, fol. ١٢-١٣. ٤ / ٢٦ - Ref. (٤.٢٥) , Reg. ١٣٣٣, fol. ٢٧٢. ٤ / ٢٧ - Ref. (٤.٢٥) , Reg. ١٣٣٧, fol ٢٠٤. ٤ / ٢٨ - Archivo del Instituto de Valencia de Don Juan, Madrid, envio I, p. ١٣٨. ٤ / ٢٩ - Ref. (٤.٢٨) , envio I, p. ١٤٤. ٤ / ٣٠ - Ref. (٤.٢٨) , envio I, p. ١٦٣. ٤ / ٣١ - Ref. (٤.٢٨) , envio I, p. ١٨٣. ٤ / ٣٢ - S. Garcia Martinez "Bandolerismo, Pirateria y Control de Moricos en Valencia durante el Reinado de Felipe II" Estudis, ١٩٧٢, p. ١٤٤. ٤ / ٣٣ - Ref. (٤.٢٨) , envio I, p. ١٨٥. ٤ / ٣٤ - A. Melon "Lupercis Latras y la Guerra de Moriscos y Montaneses en Aragon en Fines del Siglo XVI" Zaragoza, ١٩١٧.٤ / ٣٥ - J. Regla "Estudios Sobre los Moriscos" ٢e ed., Valencia, p. ١٥٠-١٥١. ٤ / ٣٦ - Ref. (٤.٣٢) , p. ١٥٠-١٥٤.

стр. 152

٤/ ٣٧ - T. Halperin Donghi "Un Conflicto National: Moriscos y Cristianos Viejos en Valencia" Cuadernos de H. de Espana, Buenos Aires XXV-XXVI, ١٩٥٧, p. ١١٧. ٤ / ٣٨ - P. Boronat y Barrachina "Los Moriscos Espanoles y su Expulsion" Valencia, ١٩٠١, ٢ Volumes, vol. I, p. ٢٨٥. ٤ / ٣٩ - Mercedes Garcia Arenal "Los Moriscos" Editoria National, Ma- drid, ١٩٧٥, p. ١٧٧-٢١٥. ٤ / ٤٠ - Raphael Carrasco "Peril Ottoman et Solidarite Morisque" Revue d'Histoire Maghrebine, no. ٢٥-٢٦, Juin ١٩٨٢, p. ٣٣-٤٧. ٤ / ٤١ - Fray D. Haedo "Topografia en Historia General de Argel" Vallado- lid, ١٦١٢, Sociedad de Bibliofilos Espanes, Madrid, ١٩٢٨. ٤ / ٤٢ - F. Braudel "Conflits et Refus de Civilisation: Espanols et Moris- ques au XVIIe Siecle" Annales, Economies, Societes, Civilization, II, Octobre-Decembre ١٩٤٧, no.٤, p. ٤٠٢. ٤ / ٤٣ - مؤلف مجهول "تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية" نشره جورج كولان بالرباط سنة ١٩٣٤ م، ص ٤٤. ٤/ ٤٤ - مرجع (٤ - ٤٢)، ص ٥٣. ٤/ ٤٥ - محمد العربي الخطابي "أمير سعدي في خدمة البلاط الإسباني" مجلة المناهل، العدد ١٣، دجنبر ١٩٧٨ م. ٤/ ٤٦ - عبد العزيز القشتالي "مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفا" تحقيق عبد الله كنون، تطوان ١٩٦٤، ص ٤٣ - ٥٢. ٤/ ٤٧ - F. Braudel "La Mediterranee de la Monde Mediterraneen" ٤e edi- tion, Paris, ١٩٧٩, Vol. ٢, p. ١٢٦. ٤ / ٤٨ - A. Dominguez Ortiz y B. Vincent "Historia de los Moriscos" Revis- ta de Occidente, Madrid, ١٩٧٩, p. ٦١. ٤ / ٤٩ - L. Cardaillac "Morisques et Protestants" Al-Andalus, ١٩٧١, p. ٤٤. ٤ / ٥٠ - H.C. Lea "The Moriscos; Their Conversion and Expulsion" Londres, ١٩٠١, New York, ١٩٦٨, p. ٢٨١-٢٨٨. ٤ / ٥١ - Ref. (٤.٣) , envio I, p. ١٨٣. ٤ / ٥٢ - Ref. (٤.٣٨) , p. ٦٣٤ y ss. ٤ / ٥٣ - Ref. (٤.١٤) , leg. ٢١٧٨. ٤ / ٥٤ - Ref. (٤.٥٠) , p. ٢٩٦-٢٩٩.

стр. 153

٤/ ٥٥ - Ref. (٤.٣٨) , p. ٣٤٦. ٤ / ٥٦ - Ref. (٤.٣٨) , p. ٦٣٤. ٤ / ٥٧ - Ref. (٤.٣٨) , envio I, p.١١٠. ٤ / ٥٨ - Ref. (٤.٤٨) , p. ٧١-٧٢. ٤ / ٥٩ - Ref. (٤.٣٨) , p.٦٠٦ y p.٦٣٣. ٤ / ٦٠ - M. Danvila y Collado "La Expulsion de los Moriscos Espanoles" Madrid, ١٨٨٩, p. ٢٠٥. ٤ / ٦١ - Ref. (٤.٦٠) , p. ٢٣٠.

стр. 154

الفصل الخامس طرد المسلمين الجماعي عن إسبانيا (١٦٠٨ - ١٦١٤ م) ٥/ ١ - قرار الطرد سنة ١٦٠٨ م: في ٣٠/ ١ / ١٦٠٨ م اجتمع مجلس الدولة بكامل أفراده، ووافق بالإجماع على طرد المورسكيين جميعًا من الأراضي الإسبانية. ووافق على هذا القرار هذه المرة أعضاء المجلس الذين ترددوا في اتخاذه من قبل، فرجعوا في رأيهم وساندوه. وكان دوق ليرما رئيس المتحمسين في اتخاذ قرار الطرد بحجة فشل كل حملات التنصير في مملكة بلنسية، وساند رأي ريبرا في إرسال الشباب المورسكي للتجديف فوق السفن، والنساء إلى شمال إفريقيا، والأطفال لبيوت النصارى القدامى. وظهر له أن الوقت أصبح مناسبًا لإنجاز هذا الطرد بسبب أوضاع الدولة العثمانية والمغرب. واقترح جمع السفن التي تنقل المطرودين في مختلف الموانىء، دون إعلان السبب. وقال: "بما أن محاكم التفتيش متعودة على القبض على كثير من المورسكيين، فيمكنها بهذه المناسبة القبض على زعمائهم لإزالة حمايتهم للجماهير المورسكية ورجاحة رأيهم". وبقي على المجلس النظر في حل مشكلة الخسارة المادية التي ستلحق بالنبلاء بسبب طرد خدامهم المورسكيين في مملكة بلنسية. ففكر المجلس في ضرورة تعويضهم بسخاء بأموال المورسكيين المطرودين. ولم يتكلم بتفصيل في جلسات المجلس هذه إلا عن طرد مورسكيي بلنسية. وأما مورسكيي مملكة أراغون القديمة (سرقسطة)، فقد قرر المجلس إرسال كتب في الوقت الراهن إلى نبلائها لإخبارهم بعدم حدوث أي قرار جديد في أمرهم. أما فيما يخص مورسكيي مملكة قشتالة (بما فيها الأندلس)، فقد رأى المجلس أن "إخراجهم من جبال البشرات كان خطأ كبيرًا، وكان الضرر أقل لو تركوا هناك عوضًا عن توزيعهم على كل أنحاء المملكة. وعند الانتهاء من طرد مورسكيي بلنسية يمكن النظر في إمكانية إرجاعهم إلى البشرات أو

стр. 155

توزيعهم على النصارى القدامى، مع منعهم من الحصول على أملاك ثابتة أو الاتجار أو الحصول على وظائف تساعدهم على إلحاق الضرر بالدولة". ولم تطبق الدولة هذا القرار إلا بعد مضي سنة كاملة على اتخاذه، لأنها أرادت تهيىء الجو وترتيب الوضع قبل تطبيق قرار في هذه الأهمية. ومع أنه من حق ملوك إسبانيا اتخاذ أي قرار يؤثر على أملاك وأرواح رعاياهم، في إطار نظام الملكية المطلقة حينذاك، فإنهم لم يستعملوا في الماضي هذا الحق إلا في حالات فردية. لذا فضل الملك فليبي الثالث، لأسباب انتهازية، أن يكون قراره في طرد طائفة بكاملها من رعاياه مبنيًّا على حكم قضائي، على الأقل ظاهرًا، ناتج عن دولة يسودها العدل، حتى يبين للجميع أن الأندلسيين طردوا من إسبانيا نتيجة حكم "عادل" لكونهم "كفرة" بالدين النصراني و"خونة" للدولة الإسبانية. أما "كفرهم" فلا يمكن أن تشهد به إلا الكنيسة الكاثوليكية وبما أن بابا روما رفض إصدار قرار بتكفير جماعي لكل المورسكيين، رفع الملك الموضوع إلى لجنة كنسية. وفي ٢٢/ ١١ / ١٦٠٨ م، اجتمعت اللجنة في بلنسية برئاسة نائب الملك لمملكة بلنسية وعضوية ماركيز قرسينة وأساقفة سقربة وبلنسية وأريولة وطرطوشة. وتتابعت اجتماعات اللجنة حتى مارس سنة ١٦٠٩ م. ولم توافق اللجنة على قرارات مجلس الدولة الأعلى ولا على رأي رئيس الأساقفة، بل أوصت بمتابعة مجهودات التنصير باللين، ومطالبة البابا بفترة عفو جديدة تدوم عدة سنوات تتوقف إبانها محاكم التفتيش عن متابعة المورسكيين. ولم يعجب الملك رأي المجلس الكنسي الذي عينه إذ لم يتماشى مع ميله إلى الطرد، لهذا "فإن الملك الكاثوليكي، وقد رأى أنه من أجل الوصول إلى نتيجة غير أكيدة وجب عليه المرور بكل هذه الأتعاب، وإذا لم يطبق قراره المقدس في طرد المورسكيين فسيكتسبون الوقت اللازم لإنجاز خياناتهم وقراراتهم في القضاء على إسبانيا، ولإنجاز أمر الطرد فقد أمر بالإسراع بتنفيذ رأي دوق ليرما". ويتبين من هذا أن دوق ليرما هو الرجل القوي وراء قرار الطرد، وأن الملك لم تعد تهمه المجادلات الدينية، فهو قرر أن المورسكيين مسلمين وأنهم خطر على الدين والدولة. ويتلخص خطرهم على الدولة في علاقاتهم مع ثلاث دول، هي فرنسا والمغرب والدولة العثمانية. ومما يزيد تخوف الدولة الإسبانية من المورسكيين إظهار عواطفهم نحو المسلمين في الخارج، فكانوا يحتفلون لانتصارات الدولة العثمانية على

стр. 156

النصارى ويحزنون لنكساتها، كما كانوا يفرحون لانهزامات إسبانيا على يد أعدائها، كانهزام بحريتها على يد الإنجليز، ويتعاطفون مع بروتستانت جنوب فرنسا الذين كانوا كذلك ضحايا القمع الكاثوليكي. أما علاقة المورسكيين مع فرنسا، فقد رأينا تخوف فليبي الثاني من مسلمي مملكة أراغون القديمة، خاصة بعد سنة ١٥٨٠ م، ففي سنة ١٥٨٨ م، أمر بتحصين الحدود بين أراغون القديمة وبيارن الفرنسية، وبين مملكة أراغون القديمة ومملكة بلنسية، حتى يعزل مسلمي أراغون القديمة عن البرتستانت الفرنسيين (الهوكونو) وعن المسلمين البلنسيين. ورغم تحول هنري دي بوربون، زعيم الهوكونو، إلى الدين الكاثوليكي عندما أصبح ملكًا على فرنسا تحت اسم هنري الرابع، فقد بقي على عدائه لإسبانيا، وتابع علاقته بالمورسكيين، وأصبحت الدولة الإسبانية تنظر إلى علاقة هنري الرابع بالمورسكيين بتخوف أكبر، إذ أصبحت سياسة لدولة مجاورة ومنافسة. وفي سنة ١٦٠٢ م، فكر الهوكونو في مساعدة مسلمي أراغون على الثورة، فأرسل دوق دي لافورس، حاكم البيارن الفرنسية، مرسولاً اسمه سانسيستبان إلى بلنسية للاتصال بفرنسي يسكنها اسمه مرتين دي إيريوندو بصفته وسيطًا بين الهوكونو والمورسكيين. وشكل المورسكيون لجنة مكونة من خمسة ممثلين لتمثيلهم في المفاوضة مع الفرنسيين بهدف تهيىء ثورة مورسكية شاملة. ثم أرسلت اللجنة ميغيل ابن الأمين، أحد أفرادها، إلى الملك هنري الرابع. وأخذ ابن الأمين معه للملك الفرنسي تقريرًا يشتكي فيه المورسكيون من سوء معاملة محاكم التفتيش التي تضاعف ضرائبها على المورسكيين بأخذ ريالين من كل رب بيت، وتستولي على أموالهم. وبيّن التقرير ضعف الوجود العسكري الإسباني في مملكة بلنسية وسهولة تنظيم ثورة إسلامية شاملة بكل سرية، لقلة الوجود النصراني في القرى الإسلامية. لذا، يؤكد المورسكيون في تقريرهم إلى الملك الفرنسي، إذا وصلت البحرية الفرنسية إلى مرفأ دانية وزودت المورسكيين بالسلاح، فسيمكنهم تسليح ٦٠.٠٠٠ رجل، ويصبح بذلك تحرير بلنسية من الإسبان شيئًا مؤكدًا. كما أكدوا في التقرير مقدرتهم على تسليح ٤٠.٠٠٠ رجل من مسلمي أراغون القديمة. وأكد التقرير أنه في حالة إبحار فرنسي، فسيجد الفرنسيون مساندة ليس من المسلمين فقط، بل حتى من اليهود والبروتستانت والكاثوليك غير الراضين على الأوضاع.

стр. 157

وفي سنة ١٦٠٣ م، افتضحت المحاولة المورسكية عند موت الملكة إيسابيلا، ملكة إنكلترا، التي حاولت فرنسا الحصول على مساندتها في غزو إسبانيا. وخلف إيسابيلا على الملك جاكوب الأول الذي وقع معاهدة صداقة مع إسبانيا، وقدم للملك فليبي الثالث جميع الوثائق الخاصة بعلاقته مع المسلمين البلنسيين، كعلامة على حسن نيته. وكان المطلوب من إنكلترا أن تهجم ببحريتها على جليقية، بينما يثور مسلمو بلنسية وأراغون القديمة، وتغزو فرنسا إسبانيا عبر الحدود المشتركة بحجة حمايتهم. لكن هذا المخطط فشل بموت الملكة إيسابيلا. عاد ميغيل بن الأمين من فرنسا بعد انتهاء مهمته، مصحوبًا برسول من دوق دي لافورس، اسمه دي بانيسو، وتوجها إلى بلنسية مختفين في زي تاجرين. وفي ديسمبر عام ١٦٠٥ م، عقد زعماء المورسكيين اجتماعًا في بلدة توغة حضره ٦٦ ممثلاً عنهم وعشرة جزائريين وميغيل بن الأمين ودي بانيسو. انتخب المورسكيون في ذلك الاجتماع لويس عسكر رئيسًا عليهم، وهو مسلم من بلدة الأقواس بمملكة بلنسية، وخططوا للثورة يوم الخميس المقدس من سنة ١٦٠٥ م حيث يثور عشرة آلاف مسلم يساندهم الفرنسيون المقيمون في بلنسية، فيحرقون الكنائس ويستولون على مدينة بلنسية، وفي نفس الوقت تصل ميناء الغراو أربع سفن فرنسية محملة في الظاهر بالقمح وفي الحقيقة بالأسلحة للثوار. وعند سقوط مدينة بلنسية، يحتل الثوار باقي مملكتها، ثم إسبانيا كلها. هكذا رجع بانيسو بهذا المخطط إلى فرنسا. لكن أحد المشتركين في الاجتماع أوصل الخبر إلى السلطات الإسبانية، فقبضت على أكثر زعماء المورسكيين الذين حضروا الاجتماع، وعذبتهم حتى اعترفوا، ثم أعدمتهم. يبدو أن هنري الرابع لم يكن جادًا في مساعدة مسلمي بلنسية على الثورة، بل أراد فقط الاحتفاظ بعلاقته معهم في حالة قيام حرب بينه وبين إسبانيا. أما الدولة الإسبانية، فقد كانت تأخذ هذه التهديدات مأخذ الجد، لكن رغبة الوزير دوق دي ليرما في طرد المورسكيين كانت بدافع طمعه في مالهم أكثر من مصلحة الدولة الإسبانية أو الكنيسة. أما العلاقة مع المغرب، فقد رأينا معاملة أحمد المنصور للمجاهدين الأندلسيين الذين انتصر المغاربة بفضلهم على الجيوش البرتغالية (مع المتطوعين الإسبان) في معركة وادي المخازن، وكيف أعدم زعماءهم مباشرة بعد الانتصار وبيعته، وأرسل بآلاف الأندلسيين عبر الصحراء عوضًا عن الدفاع عن الأندلس، وكيف تحالف مع

стр. 158

الإسبان ضد الدولة العثمانية والمصالح العليا للمسلمين في المغرب والأندلس. لذا لم يكن الأندلسيون في إسبانيا والمغرب يأملون منه خيرًا. وإثر وفاة السلطان أحمد المنصور سنة ١٦٠٣ م، تقاتل أبناؤه الثلاثة (أبو محمد الشيخ المأمون، وأبو المعالي زيدان الناصر، وأبو فارس عبد الله الواثق) على خلافته، فأدخلوا المغرب في محن لا توصف من الحروب الأهلية والتجزئة مما جعله ضحية سهلة للأطماع النصرانية. كان المأمون ولي عهد أحمد المنصور، لكن بعد وفاة المنصور، بايع أعيان فاس وعلماؤها ولده زيدان، بينما بايع أهل مراكش ولده أبا فارس. فاندلعت الحرب بين زيدان والمأمون وانتهت بهزيمة زيدان واستيلاء المأمون على فاس. ثم توالت الحروب بين الأخوة الثلاثة وانتهت في آخر المطاف سنة ١٦٠٨ م بانتصار زيدان على أخويه واستيلائه على المغرب بأجمعه. وقتل في هذه الحروب أبو فارس. وفر المأمون بأهله وولده إلى إسبانيا مستنصرًا بها ضد زيدان. فوعده فليبي الثالث بالمساندة على استرجاع ملكه مقابل تنازله لإسبانيا عن ثغر العرائش المغربي. وفعلاً استرجع المأمون ملكه بمساعدة إسبانيا وسلم لها العرائش بعد أن أجلى أهلها عنها بالقوة، وكان ثغر العرائش قد أصبح مركزًا للجهاد البحري الأندلسي ضد إسبانيا. كما غدر المأمون بالأندلسيين عندما طلبوا معونته في الثورة، فأوصل الخبر إلى فليبي الثالث، وكان مصيره أن قتله الأندلسيون قرب تطوان في رجب سنة ١٠٢٢ هـ (١٦١٣ م). وفي بداية هذه الأحداث أرسل مورسكيو بلنسية رسلهم إلى زيدان يخبرونه بعلاقات المأمون بفليبي الثالث، ويطلبون منه تحرير الأندلس، ويحاولون إقناعه بسهولة ذلك، ويؤكدون استعدادهم لتقديم ستين ألف مقاتل متى أبحر جنوده في أحد الثغور الإسبانية. لكن السلطان زيدان لم يهتم بهذا العرض، ولم يحرك ساكنًا. ولما علمت الدولة الإسبانية بالخبر، ازدادت حقدًا على مسلمي الأندلس عامة ومسلمي مملكة بلنسية خاصة. وفي هذه الحقبة، اقتصرت علاقة الدولة العثمانية مع المورسكيين على الهجوم المتواصل على شواطىء الأندلس الشرقية ومملكة بلنسية لإنقاذ الراغبين فى الهجرة إلى الجزائر. وكانت الدولة العثمانية منشغلة بحروبها مع الدولة الصفوية في إيران شرقا.

стр. 159

وهذا هو ما رأته الدولة الإسبانية من الجو الدولي المناسب في طرد المورسكيين: فالمغرب مشغول في حروبه الداخلية، والدولة العثمانية مشغولة في حربها مع الصفويين في حدودها الشرقية، وإنكلترا عقدت معاهدة صداقة مع إسبانيا، وفرنسا لن تهاجم إسبانيا بمفردها. إذا كان قرار إسبانيا المصرح به في طرد المورسكيين يعود لاتهامهم بعدم الإخلاص للديانة النصرانية والدولة الإسبانية، فهناك سبب ثالث لم يذكر إلا قليلاً، وذكره الشهاب الحجري، أحد المورسكيين المهاجرين إلى المغرب في هذه الحقبة، والذي كتب بلغة عربية تكاد تكون دارجة، إذ أجاب إبان سفارته لهولاندا عن سبب طرد المورسكيين بما يلي: "اعلم أن (أهل) الأندلس كانوا مسلمين في خفاء من النصارى، ولكن يظهر عليهم الإسلام ويحكمونه فيهم. ولما تحقق منهم ذلك لم يأمن فيهم ولا كان يحمل منهم أحدًا إلى الحروب، وهي التي تفني كثيرًا من الناس. وكان أيضًا يمنعهم من ركوب البحر لئلا يهربوا إلى أهل ملتهم، والبحر يفني كثيرًا من الرجال. وأيضًا في النصارى كثيرون قسيسون ورهبان ومترهبات، وبتركهم الزواج ينقطع فيهم النسل. وفي (أهل) الأندلس لم يكن فيهم قسيسون ولا رهبان ولا مترهبات، إلا جميعهم يتزوجون ويزداد عددهم بالأولاد وبترك الحروب وركوب البحر. وهذا الذي ظهر على إخراجهم لأنهم بطول الزمن يكثرون". ومنذ سنة ١٦٠٨ م، ابتدأت الإشاعات بقرب قرار الطرد تنتشر، وأخذ المورسكيون القادرون على الهجرة يبيعون ممتلكاتهم ويهاجرون في ظروف أفضل من الطرد القسري. وهكذا عبرت أعداد كبيرة من المورسكيين البحر إلى شمال إفريقيا، وعبرت أعداد أخرى جبال ألبرت إلى فرنسا. وأزعجت هذه الهجرة الدولة الإسبانية لأنها تود طرد المورسكيين دون أموالهم. لذا طلب مجلس الدولة بتاريخ ٢٤/ ٦ / ١٦٠٨ م، من ممثله: "الكتابة إلى نائب الملك بقطلونية فيما يخص المورسكيين الذين يمرون عبر فرنسا، يجب التعرف عليهم إذا كان من بينهم أغنياء يختفون، فينبغي احتجازهم وحراستهم وأخذ ما لديهم من مال. أما الفقراء فيخلى سبيلهم، لأنه كلما قل عددهم بيننا كلما كان ذلك أفضل" ولكن عددًا كبيرًا من أغنياء المورسكيين نجحوا في الإفلات من جرائم الطرد المفاجىء الذي سيحدث للباقين.

стр. 160

٥/ ٢ - طرد مسلمي مملكة بلنسية: بعد اتخاذ قرار الطرد سنة ١٦٠٨ م، ظلت الدولة الإسبانية مترددة في اختيار المملكة التي يبدأ بها الطرد، فوقع الإجماع تقريبًا على مملكة بلنسية. لكن في آخر لحظة، تردد أسقف بلنسية خوفًا من عواقب الطرد على الاقتصاد البلنسي (وكان عدد المورسكيين يكون ثلث سكان مملكة بلنسية). فألح على الابتداء بقشتالة لأن، كما قال: "تعتمد المدن والقرى الكبرى (يعني في مملكة بلنسية) في تموينها على ما يأتي به هؤلاء (المورسكيون)، فالكنائس والأديرة والمستشفيات والطوائف الدينية والنبلاء والسادة والمواطنون وأخيرًا جميع الذين هم ضروريون لإدارة الدولة ولراحتها الروحية والدنيوية، كلهم يعتمدون على خدمات المورسكيين". وبينما واصلت اللجنة الكنسية مشاوراتها في بلنسية، أصدر مجلس الدولة قرار الطرد بتاريخ ٤/ ٤ / ١٦٠٩ م، "للمحافظة على أمن الدولة" بينما أهمل الموضوع الديني كسبب في اتخاذ القرار. وتذرع مجلس الدولة بخطر انتصارات مولاي زيدان على أخويه في المغرب، رغم أنه كان يعرف أن لا خطر على إسبانيا منه، خاصة وأن معظم موانىء المغرب كانت بيد الإسبان والبرتغاليين. وقرر مجلس الدولة الابتداء بطرد مورسكيي مملكة بلنسية على أن يبقى القرار سرًّا إلى حين. وفورًا ابتدأت أجهزة الدولة تهيىء للطرد بغاية السرية، فجمعت سفن إيطاليا في جزيرة ميورقة (الجزر الشرقية) حيث يسهل توجيهها إلى موانىء الترحيل بمملكة بلنسية، وتأهبت القوات العسكرية في مملكة بلنسية في حالة مقاومة المورسكيين لإجراءات التهجير. فلم يصل صيف سنة ١٦٠٩ م حتى اجتمعت خمسون سفينة في ميورقة، و ٤.٠٠٠ جندي في مملكة بلنسية، بالإضافة إلى حرسها وخيالة قشتالة لمراقبة حدودها البرية، وقوات الميليشيا. وكلف الأسطول الإسباني في المحيط الأطلسي بمراقبة شواطىء شمال إفريقيا، بقيادة أمير البحر أوكندو. وفي غشت عام ١٦٠٩ م افتضح سر قرار الطرد عندما ظهرت الاستعدادات، فاختلت الأوضاع في مملكة بلنسية، ودخل الرعب قلوب أهلها لما توقعوه من تأثير سلبي على مجرى حياتهم، وخاف النصارى، رعاعهم ونبلاؤهم، الفقر. فقدم النبلاء تقريرًا للملك يوضحون له فيه الخراب الذي سيعم مملكة بلنسية بطرد المورسكيين، والمضار التي ستلحق بهم، وقالوا إنهم يفضلون الموت في الحرب عن الموت فقرًا. لكن الملك لم يزد في رده عليهم على أن قرار الطرد قد اتخذ دون رجعة، ولم يبق

стр. 161

إلا تنفيذه. وانقلب النبلاء إلى مساندة قرار الطرد عندما اطلعوا على بنوده التي تعطيهم، كتعويض لهم، أملاك المورسكيين غير المنقولة، والأملاك المنقولة التي لا يمكنهم حملها. وترك المسلمون العمل، وانعزلوا في بيوتهم يهيئون أنفسهم للطرد. وقع الملك قرار الطرد في ١١/ ٩ / ١٦٠٩ م. وفي اليوم التالي، صدر في بلنسية أمر ملكي يقضي بمعاقبة كل من يسيء معاملة المورسكيين. وفي ١٥/ ٩ / ١٦٠٩ م، اجتمع مجلس الدولة برئاسة الملك، وقرر ما يلي: "الاستمرار في تنفيذ أمر طرد المورسكيين تحقيقًا لخدمة المسيح ولأمن إسبانيا؛ وعدم تنفيذ أمر الطرد في قشتالة إلا بعد أن تتبين نتيجة تنفيذه في بلنسية؛ وتأليف لجنة للنظر في وضع أبناء المورسكيين؛ وتوزيع القوات المسلحة؛ واتخاذ التدابير اللازمة لمراقبة تحركات المورسكيين؛ ومصادرة الثمار والأموال التي يتركونها لتربية أطفالهم المتخلفين؛ واستثناء النساء النصرانيات المتزوجات بمورسكيين، وأطفالهن، والمورسكيين المخلصين للنصرانية، من الطرد". وفي ١٧/ ٩ / ١٦٠٩ م، رست السفن الإيطالية في موانىء مملكة بلنسية، وتولت القوات العسكرية حراسة حدودها مع مملكة أراغون القديمة. وفي ٢١/ ٩ / ١٦٠٩ م، اجتمع الملك مع أعضاء مجلس الدولة والنبلاء وكبار رجال الدولة، وفي اليوم التالي أعلن قرار الطرد، وهذه أهم بنوده: ابتدأ القرار بالإشارة إلى "خيانة" المورسكيين واتصالهم بأعداء إسبانيا، وفشل كل الجهود التي قامت بها الكنيسة لتنصيرهم، لذلك استقر رأي الملك على طردهم إلى بلاد البربر (شمال إفريقيا) وتقرر إخراجهم جميعًا من مملكة بلنسية، رجالاً ونساء وأطفالاً، خلال ثلاثة أيام. وإذا عثر على أحد منهم بعد هذه المهلة، يقبض عليه ويجرد من كل أمتعته، وإذا قاوم يقتل. وعلى مورسكيي بلنسية، في ظرف الثلاثة أيام، المكوث في بيوتهم في انتظار مسؤولي الدولة الذين ينفذون الأمر. وقضى القرار بالإعدام على كل من يخفي مال المورسكيين. ولم يسمح للمورسكيين إلا بحمل أموالهم المنقولة التي يستطيعون حملها شخصيًّا، وكل من يحاول حمل أكثر من ذلك يعرض نفسه لعقوبة الإعدام. أما الأموال التي لا يستطيعون حملها فتسلم للنبيل الذي كان المورسكي تابعًا له. ويستثني القرار من الطرد ستة أشخاص من كل مئة لتعليم مهنهم للنصارى، على أن يكونوا من أكثر المورسكيين إخلاصًا للنصرانية، وأكبرهم سنًّا (وقد ألغي هذا البند فيما بعد). ويلغي القرار الأمر السابق

стр. 162

بعدم الإساءة للمورسكيين بعد مهلة الثلاثة أيام، ويسمح لعشرة من الذين سافروا في الفوج الأول بالعودة لإخبار باقي المورسكيين بالمعاملة التي لاقوها في رحلتهم من طرف ممثلي الدولة. ويسمح القرار بإبقاء أطفال المورسكيين الذين يودون ذلك شرط موافقة أوليائهم، كما يسمح بإبقاء الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات والذين هم من أب نصراني أو أم نصرانية، وتبقى معهم أمهم إن كانت مورسكية ويطرد الأب المورسكي. كما استثنى القرار من الطرد المورسكيين الذين كفوا عن الاختلاط بالجماعات المورسكية منذ أكثر من سنتين، واندمجوا في المجتمع النصراني. وقد اختلف موقف النبلاء من المورسكيين المطرودين بعد أن ساندوهم لمدة قرون. فمنهم من عاملهم في محنتهم أحسن معاملة، وحرسهم إلى أن ركبوا السفن، ومنهم من عاملهم بقساوة ونهب أموالهم، ككونت قسطنطينة الذي سلب المورسكيين المهجرين من منطقته أموالهم وملابسهم الخاصة. أما المورسكيون، فمنهم من اعتبر هذا الطرد فرجًا من الله كما قال الشهاب الحجري: "وبعد ذلك باثنتي عشرة سنة (١٠١٨ هـ) فرج الله تعالى على مسلمي الأندلس الذين كانوا فيها تحت قهر سلطان البلاد المسمى بفليبي الثالث". وقال ابن عبد الرفيع: "ولا يخفى أن هذا أمر عظيم ومحال عادة، لما كنا فيه معه من الشدة والضيق في الدين والنفس والمال. فسبحان رب السماوات والأرض الذي إذا أراد أمرًا قال له كن فيكون؛ فيا لها من أعجوبة ما أعظمها؛ ومن فضلية ما أشرفها". بينما رفض آخرون الخروج وحاولوا الاختفاء قدر ما أمكن. واجتمع فقهاء الجماعات الإسلامية ونصحوا المسلمين بالصبر، وقالوا لهم إن هذا الطرد فرج من الله لهم، وإنقاذ لعقيدتهم، ونهوهم عن المقاومة التي لا فائدة منها، فأخذت جماعات المورسكيين تتأهب للرحيل. لكن أملهم في الخروج بسلام لم يتحقق، إذ لم يرحمهم عدوهم، فصاحبت عمليات الطرد جرائم وفظائع لا تصور. فقد أمرتهم السلطات بحمل ما استطاعوا من أمتعتهم، على ظهورهم. ثم عندما أخذوا يبيعون مواشيهم ودوابهم ومنتوجاتهم الزراعية، من حبوب وزيوت وغير ذلك، للنصارى بأبخس الأثمان، منعوا وأعطي ذلك للنبلاء النصارى. ثم تكونت في الطرقات عصابات من النصارى، تسطوا عليهم وتجردهم مما يحملون من حلي ومال ويقتلون منهم من شاؤوا، وشارك في النهب والسبي والقتل أفراد الجيش الذين

стр. 163

يحرسونهم. ثم قررت الدولة أن يكون ترحيلهم على حسابهم بحيث يدفع غنيهم عن فقيرهم. وأغرق أصحاب السفن النصارى كثيرًا من المورسكيين الذين نقلوهم، لسلب أموالهم، بينما كان في مأمن أكبر من نقلتهم سفن الحكومة. وعومل الكثير منهم عند الوصول إلى شمال إفريقيا أسوأ المعاملة من طرف عصابات الأعراب الذين قتلوا ونهبوا ما شاؤوا. فأخذ كثير من المورسكيين يرجع إلى إسبانيا ويتستر لكي لا يقبض عليه، أو يهب نفسه عبدًا لمن أراد. وقد وصف قوافل المرحلين المورسكيين شاعر إسباني معاصر بأبيات مؤثرة: "فرقة من المسلمين والمسلمات تمشي وهي تسمع من الجميع الشتائم هم يحملون الثروة والأموال وهن يحملن زينتهن والملابس والعجائز بأحزان وبكاء التوى وجههن وشكلهن محملات بجواهر مزيفة وأواني الطبخ ومقلات وقرب وقنادل وعجوز يحمل طفلاً بيده والآخر على صدر أمه الحنون وثالث شاب قوي كالطرياني لا يتأخر عن حمل أبيه" أما الثروة والأموال التي ذكرها الشاعر، فهي من باب التهكم إذ لم تترك الدولة منها للمورسكيين شيئًا. ولم يصل شهر أكتوبر حتى عمت موانىء مملكة بلنسية، من لقنت جنوبًا إلى بني عروس شمالاً، حركة كبيرة، تحمل منها السفن الحكومية والخاصة مئات المورسكيين. فبين سبتمبر سنة ١٦٠٩ م ويناير سنة ١٦١٠ م، رحل حوالي ٣٠.٠٠٠ مورسكي من ميناء لقنت، و ٤٧.١٤٤ من مينائي دانية والجابية، و ١٧.٧٧٦ من رصافة بلنسية، و ٥.٦٩٠ من منكوفر، و ١٥.٢٠٨ من بني عروس، و ١.٦٤٦ من موانىء أخرى وعبر فرنسا. أي يقدر مجموع الراحلين عن مملكة بلنسية بحوالي ١١٧.٤٦٤ شخص، أو ١٢٠.٠٠٠ مورسكي تقريبًا.

стр. 164

وعندما تعدت تجاوزات الأهالي النصارى في مملكة بلنسية الحد المحتمل، ووصل الراجعون بأخبار سوء معاملة النصارى للمورسكيين فوق السفن، وسوء معاملة الأعراب لهم في بر شمال إفريقيا، أدى اليأس بجماعات من المورسكيين إلى ثورة انتحارية في القرى الجبلية، ككورتش وكوفرانش وآيورة، وغيرها من القرى جنوب نهر شقر وعلى حدود قشتالة. فاجتمع عدد كبير منهم في مشارف كورتش القاحلة جنوب نهر شقر، وبايعوا شيخًا مسنًّا من زعماء بلدة تريزة ملكًا عليهم. فرفض البيعة لما رأى من استحالة المهمة المنوطة إليه. ثم بايع الثوار مسلمًا آخر من وجهاء بلدة كتادو اسمه الطريقي. فقبل البيعة، وعين فقيهًا من فقهاء المورسكيين نائبًا عنه، فاجتمع حولهما عدة آلاف من المجاهدين المسلحين، وتحصنوا في الجبال. فأرسل ملك إسبانيا لملاحقتهم جيشًا من الجنود الإيطاليين. وبعد مقاومة عنيفة، قتل فيها العديد من الطرفين، أرغم الجوع والعطش المجاهدين في تلك الجبال الجرداء على الاستسلام، فاستسلم منهم ٣.٠٠٠ مجاهد، طردوا من البلاد، وبقي الطريقي يقاوم مع بعض مئات من المجاهدين إلى أن قبض عليه، وأعدم بعد التعذيب. وقام المورسكيون بثورة أخرى في منطقة لقنت، حيث ترك حوالي عشرون ألفًا منهم قراهم بعد أن أحرقوا بعضها، وهجموا على قرى النصارى المجاورة وتزودوا منها وقتلوا عددًا منهم، ثم التجأوا إلى الجبال المجاورة. فهجم عليهم الجيش الإسباني، مصحوبًا بعدد كبير من رعاع النصارى الطامعين في أموالهم وأبنائهم، فأثخنوا فيهم قتلاً بينما قضى العطش على عدد آخر منهم. وبعد سحق الثورة، وزع النصارى بينهم أطفال المسلمين لبيعهم عبيدًا، وساقوا إلى السفن عراة من نجا منهم من الموت بعد أن أخذوا أطفالهم ونساءهم، وسلبوهم كل شيء حتى ملابسهم التي يرتدونها. وفي مايو سنة ١٦١١ م، أصدر ماركيز كورسينا قرارًا إجراميًّا للقضاء على المتخلفين من المورسكيين، قال فيه: "نهب لكل من يخرج في متابعة هؤلاء المسلمين: ستين ليرة ثمن كل مورسكي يُؤتى به حيًّا، وثلاثين ليرة ثمن رأس كل مورسكي يقتل. ولمن يأتي بمورسكي حيًّا الحق في الاحتفاظ به كعبد من عبيده، هبة منا إليه". وبهذا بقي عدد هام من المورسكيين البلنسيين عبيدًا في البلاد. كم بقي من المورسكيين في مملكة بلنسية بعد الطرد؟ ذكرنا أنه نص قرار الطرد بإبقاء ست أسر لكل مائة ترحل، لكن هذا البند ألغي تحت ضغط ريبيرا الذي أراد

стр. 165

إخراج الجميع. وكان ريبيرا يرغب في الاحتفاظ بأطفال المسلمين الذين تقل أعمارهم عن ١٢ سنة لتربيتهم على النصرانية، لكن مجلس الدولة قرر الاحتفاظ فقط بالأطفال دون ست سنوات من العمر لكي لا يحتفظوا بأي ذكرى للتربية الإسلامية بعد بقائهم. وعندما رفض أهلهم التخلي عنهم، أخذ النصارى، كبيرهم وصغيرهم بما فيهم زوجة نائب الملك، يختطفون أبناء المسلمين لإنقاذهم من "الكفر". وفي ١٩/ ٦ / ١٦١٠ م درس مجلس الدولة تقريرًا تقدم به نائب الملك يقول فيه إنه قد بقي في المملكة حوالي ألف مورسكي، من بينهم رجال ونساء عجزة يفضلون الموت على دين النصارى، ومنهم من تعاون مع السلطات ضد إخوانهم. وقد قدر عدد من أخرجوا بـ ١٣٠.٠٠٠ شخص، قتل منهم قبل الإبحار حوالي ١٠.٠٠٠ شخص. وسنعرض في الفصل القادم عدد من بقي من المورسكيين في مملكة بلنسية بتفصيل. كان الكاردينال خوان دي ريبيرا الرجل الأول وراء قرار الطرد. وقد ألقى خطاب "شكر لله" في كتدرائية بلنسية عند إعلان القرار، نبه فيه على المصاعب التي ستواجه البلاد نتيجة الطرد، ووعد بالتغلب عليها. ثم قال بأن كل المصاعب تهون أمام القضاء على هذه "البذرة الخبيثة (يعني المسلمين) الموجودة بيننا". ولم يعش عدو المسلمين هذا طويلاً بعد إنجاز رغبته، فمات غمًّا في ٦/ ١ / ١٦١١ م لعدم تمكنه من الاحتفاظ بكل الأطفال وتنشئتهم على الدين النصراني. ٥/ ٣ - طرد مسلمي أراغون القديمة وباقي مملكة أراغون: بعد مملكة بلنسية، قررت الدولة الإسبانية طرد مسلمي غرناطة ومرسية وجيان والأندلس ثم قشتالة والاسترمادورا، ولم تذكر، في هذه الفترة، شيئًا عن مصير مسلمي مملكه أراغون القديمة، حيث كانت نسبتهم تتعدى خمس مجموع السكان. بل حاولت الدولة تخديرهم إذ كتب الملك فليبي الثالث إلى غاستون دي مونكادا، ماركيز دي أيتونا، نائب الملك في أراغون القديمة، رسالة بتاريخ ٢٠/ ١٠ / ١٦٠٩ م يأمره بطمأنة المسلمين، وإخبارهم بعدم وجود أية نية للحكومة في طردهم. لكن لم يصدق مسلمو أراغون القديمة رسالة الملك، لما رأوه من تهجير متواصل لمسلمي مناطق إسبانيا الأخرى، وظل الاضطراب قائمًا بين المسلمين والنصارى. ففي ٢٥/ ١١ / ١٦٠٩ م، كتب مجلس مملكة أراغون القديمة رسالة إلى الملك فليبي الثالث يخبره فيها أن المورسكيين في حالة كبيرة من التوتر، وأنهم خائفون مما سيحدث

стр. 166

لهم، وأن ممثلي المملكة يودون إرسال سفارة إلى الكورتس لإخبارهم "بالضرر الكبير الذي سيلحق بهذه المملكة إن طرد مورسكيوها منها"، وإن كان ولا بد طردهم "فليكن ذلك على يد نفس النبلاء الذين يعمل عندهم المورسكيون". ولم تحصل هذه السفارة على نتيجة تذكر. أخذت تنتشر الاضطرابات في المناطق التي يكثر فيها المورسكيون، كسرقسطة وبرجة. وأهمل المورسكيون مزارعهم، وابتدؤوا ببيع ممتلكاتهم بأبخس الأثمان، والتهيىء للهجرة. وأحدث اضطراب أوضاع المورسكيين الرعب بين النصارى، مما جعل الماركيز دي أيتونا كتب للملك بتاريخ ٥/ ١٢ / ١٦٠٩ م، يخبره بأن "أهل هذه المملكة لهم قلة من السلاح لمواجهة الأحداث التي يمكن أن تقع لخدمة جلالتكم وللدفاع عن أنفسهم، وخاصة فيما يخص الإشاعات المنتشرة حول الموركسيين"، ثم يطلب السلاح لبلدتي طرسونة وقلعة أيوب بصفة خاصة. وفي ١١/ ١٢ / ١٦٠٩ م، كتب الماركيز للملك مرة أخرى يقول: "إن مورسكيي هذه المملكة في خوف كبير من أن يعاملوا بما عومل به مورسكيو مملكة بلنسية، فأخذوا يبيعون ما استطاعوا من أمتعتهم، ويرفضون زراعة الأرض ... ويعاملهم النصارى القدامى معاملة سيئة ... أرجو أن يأمرني جلالتكم بطمأنة النصارى الجدد (المسلمين) ومعاقبة النصارى القدامى الذين يسيئون معاملتهم، لأنه لا يستحسن وضعهم في موقف اليأس". وفي ٣١/ ١ / ١٦١٠ م كتب نائب الملك إلى دوق دي ليرما يطلب منه التعليمات حول معاقبة المتسترين على المورسكيين الراجعين من المنفى (من مناطق أخرى في إسبانيا)، فأجاب الدوق بأن الملك يرى أن يقرر ذلك مجلس أراغون. وفي ٢٧/ ١ / ١٦١٠ م، كتب الدوق إلى نائب الملك يخبره بأن الملك علم بأن المورسكيين يبيعون أملاكهم ومنتوجاتهم الزراعية، وهو يأمر بمنع ذلك منعًا باتًا، كما يأمر بمنع المتاجرة مع المورسكيين ومعاقبة المخالف بالمصادرة الكاملة. وعندما تأخر وصول أمر طرد مورسكيي أراغون القديمة، رغم توقع الجميع وصوله، أخذت السلطات الكنسية والمدنية في أراغون القديمة تستعجل الملك في اتخاذ القرار، للخلاص من الوضع المضطرب الذي شمل المملكة. ففي ٦/ ٤ / ١٦١٠ م كتب ميغيل سانتوس دي سان بيدرو، مفتش سرقسطة العام، رسالة إلى نائب الملك في أراغون القديمة يقول فيها إن المورسكيين الأراغونيين، عندما رأوا ما حل بإخوانهم في بلنسية وقشتالة، أخذوا يرفضون زراعة الأرض، ويبيعون أملاكهم،

стр. 167

ويرسلون أموالهم إلى فرنسا، وأنه إذا لم يطردوا فورًا فسيصبحون ضحية للمجاعة، مما يجعلهم ينهبون ويقتلون النصارى القدامى. وأن كثيرًا منهم أخذوا يهاجرون إلى فرنسا، ويطلب منعهم من ذلك، وتسليح المدن الحدودية، وتحويل هجرتهم إلى البحر الأبيض المتوسط، حتى "لا يعطي للفرنسيين رجال تعرف شؤون الحرب وأوضاع هذا البلد". ووافق مجلس الدولة على اقتراح مفتش سرقسطة العام. وفي ١٧/ ٤ / ١٦١٠ م، وقع الملك فليبي الثالث في بلد الوليد أمرًا بطرد مسلمي مملكة أراغون القديمة. وفي ٢٩/ ٥ / ١٦١٠ م، نشر الماركيز دي أيتونا، نائب الملك، الأمر في سرقسطة، وهذه أهم بنوده: ١ - أمر جميع مورسكيي أراغون القديمة، رجالاً ونساء وأطفالاً، بالخروج من منازلهم في ظرف ثلاثة أيام من نشر هذا الأمر، والذهاب إلى النقاط التي يأمرهم بالاتجاه إليها المسؤولون على الإبحار. ويسمح لكل واحد منهم حمل ما استطاع على ظهره، وعليه كذلك حمل ما يقتات به إبان رحلته. ٢ - إعدام كل مورسكي يخفي الممتلكات التي لا يستطيع حملها معه، أو يدفنها، أو يحطمها، أو يحرقها. ٣ - السماح بالبقاء للأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم أربع سنوات، شرط أن يسمح لهم بذلك آباؤهم أو أولياء أمرهم. ٤ - السماح بالبقاء: للنصارى القدامى المتزوجين بمورسكيات وأزواجهم وأبنائهم؛ وللعرب القادمين من بلاد البربر بمحض إرادتهم لاعتناق النصرانية، ولسلالتهم؛ وللعبيد. ٥ - طرد المورسكيين المتزوجين من نصرانيات قديمات، مع السماح لأبنائهم بالبقاء مع أمهم إذا كان عمرهم أقل من ست سنوات، وإذا اختارت البقاء. ٦ - السماح بالبقاء للذين برهنوا علنًا على تمسكهم بالنصرانية، شرط إثبات ذلك بمعلومات كافية ومقبولة. ٧ - منع النصارى القدامى من إخفاء المورسكيين، أو الائتمان على ممتلكاتهم، أو نصحهم في أي موضوع لهم فيه مصلحة. ويعاقب المخالف بالأشغال الشاقة لمدة ست سنوات فوق السفن، وبعقوبات أخرى يقررها نائب الملك.

стр. 168

٨ - منع الإساءة إلى المورسكيين. وتهيأ نائب الملك لعملية إجلاء المورسكيين بإجراء إحصاء عام لهم في أراغون القديمة. فأمرهم بالتجمع في ٣٥ نقطة، ثم التوجه إلى خمس مدن على حدود أراغون القديمة، وهي: فبارة، ومايلة، وبال دي روبلس، وبنياروجا، وأغوا بيبا. وفي ٣٠/ ٥ / ١٦١٠ م، توصل نائب الملك برسالة من الملك فليبي الثالث يسمح فيها "لبعض المورسكيين بالذهاب إلى فرنسا ... مما يسهل كثيرًا هذا الأمر"، خاصة وأن كثيرًا من المورسكيين الأراغونيين هاجروا إلى فرنسا سنة ١٦٠٨ م عن طريق جبال البرت، فغير نائب الملك برنامج الطرد المخطط أولاً. وفي ١٩/ ٦ / ١٦١٠ م، وافق مجلس الدولة على الإجراءات التي اتخذها نائب الملك لطرد المورسكيين الأراغونيين. خرج معظم المورسكيين الأراغونيين من ميناء الفاقش. وعوملوا في طريقهم إلى الميناء من طرف حراس الدولة أسوأ معاملة باعتداء على أشخاصهم وأملاكهم. وكتب دون أغوستين ميجيا لقبطانية بلنسية رسالة يقول فيها إن طرد المورسكيين الأراغونيين والقطلانيين تم في هدوء تام وأن أغنياءهم أجبروا على دفع تكاليف نقل فقرائهم. وفي ١/ ٩ / ١٦١٠ م كتب من طرطوشة موظف لميجيا يقول إن ٦.٠٠٠ مورسكي قد خرجوا مؤخرًا، ودفعوا مصاريف نقلهم. وأن مجموع ما أخذ من الذين أبحروا، وعددهم أكثر من أربعين ألفًا، يعادل ٢٤.٠٠٠ مرابطي (عملة ذهبية). وحددت الوثائق عدد المورسكيين الذين أبحروا من ميناء الفاقش ب ٤١.٩٥٢ شخص، منهم ٣٨.٢٨٦ مورسكي آراغوني و ٤.٠٠٠ مورسكي قطلاني. وقدرت الوثائق عدد المورسكيين الذين هاجروا إلى فرنسا بـ ٢٢.٥٣٢ شخص، خرجوا من نقاط الحدود الثلاثة التالية: بيرة، ورونسفالس، وسومبوت. فيكون مجموع المطرودين من أراغون القديمة حوالي ٦١.٠٠٠ مسلم، ولم يبق منهم في البلاد إلا عدد محدود جدًّا. ثم صدر الأمر بإعدام المتخلفين والراجعين من المورسكيين، فاقترح مجلس الدولة تعويض الإعدام بالطرد، فوافق الملك. مرّت عملية طرد المورسكيين الأراغونيين دون ثورات، وبمصاعب أقل مما حدث في مملكة بلنسية. غير أنها مرت على المورسكيين الأراغونيين في جو من البؤس والآلام، وصفه وصفًا دقيقًا أزنار كاردونا حيث قال: "كانت جماعاتهم تمر في فوضى كاملة، يختلط فيها الراجلون مع الفرسان، يتجاذبون وهم يتقطعون بالآلام

стр. 169

وينفجرون بالدموع، يرتفع منهم ضجيج كبير وصراخ محملون بأطفالهم ونسائهم ومرضاهم وعجزتهم، يغطيهم العرق والغبار، بعضهم يركب فوق العربات يزاحم أمتعته، الثمينة منها والتي لا قيمة لها ... وآخرون يمشون على الأقدام، منكسري الجناح، لباسهم رديء ... وكلهم ينظرون إلى النصارى الذين يتفرجون عليهم، ويقولون لهم: "ليحرسكم الله أيها السادة، استودعناكم الله" ... وتمشي النساء بين الرجال، منهن فتيات مثقلات بألبسة ... تغطي الآلام قلوبهن ... وأخريات تمشين على الأقدام، تظهر علامات التعب والألم والضياع على وجوههن. يتألم الجميع آلامًا شديدة، وتتقطعهم مرارة عظيمة، وكثير منهم يتساقط على جانب الطريق ميتًا من الحزن، بينما يضطر الباقون إلى دفع ثمن الماء والظل، لأن الفصل كان صيفًا". وفي ١٧/ ٤ / ١٦١٠ م، في بلد الوليد، وفي نفس اليوم الذي وقع فيه الملك فليبي الثالث الأمر بطرد مسلمي أراغون القديمة، وقع كذلك الأمر بطرد مسلمي قطلونية. وأعلن دون هكتور ببغناتلي، دوق دي منت ليون، نائب الملك في قطلونية، الأمر في برشلونة. ولم يكن تأثير هذا الطرد على قطلونية كبيرًا مثل ما كان في مملكتي أراغون القديمة وبلنسية اللتين بقيت فيهما مناطق شاسعة خالية من السكان بعد طرد المورسكيين. أما في قطلونية، فلم يكن عدد المسلمين يزيد على ٢ أو ٣ في المائة من مجموع السكان، أو حوالي ٧.٠٠٠ مورسكي، طرد منهم حوالي ٤.٠٠٠ مورسكي، واستثني من الطرد حوالي ٣.٠٠٠ مورسكي بتدخل من مطران طرطوشة الذي دافع عنهم وشهد لهم بالإخلاص للنصرانية. وحيث إن معظم المسلمين كانوا يسكنون مصب نهر الإبرة، لم يتأثر باقي سكان قطلونية كثيرًا بما حدث، فكتب ممثلو برشلونة إلى الملك يهنئونه "بالقرار المقدس الذي اتخذه" في حق المورسكيين. ولم يمنع هذا، في الحقبة ما بين ١٦٠٩ م و ١٦١٠ م، قطاع الطرق النصارى من الاعتداء على المورسكيين، المقيمين منهم في قطلونية والعابرين بها من أراغون القديمة إلى ساحل البحر، مما جعل نائب الملك في قطلونية يعين قاضيًا خاصًّا للنظر في هذا الموضوع ومعاقبة المعتدين. وفي ٣/ ٥ / ١٦١١ م، أرسل الملك فليبي الثالث إلى نائب الملك في قطلونية وفدًا معه رسالة يأمره فيها بـ "الانتهاء من طرد المورسكيين الذين مكثوا". وفي ١٤/ ٦ / ١٦١١ م، أخبر بدرو سولير، قاضي المحكمة الملكية المكلفة بالقبض على

стр. 170

المورسكيين "الذين طردوا ثم عادوا"، نائب الملك بأن كل النصارى الجدد الذين وقعوا في يده هم مرضى يحتاجون احتياجًا ماسًّا إلى الإنقاذ. أما الجزر الشرقية، فلم يكن فيها عدد مهم من المسلمين، وحاول الاستقرار بها الذين عبروها من مسلمي وادي رقوط (ولاية مرسية). وسنرى وضعهم عندما نتطرق لمنطقة مرسية في الفصل القادم. يرتفع إذن عدد المسلمين الذين طردوا من مملكة أراغون بأكملها إلى حوالي ١٩٥.٠٠٠ شخص، منهم ١٣٠.٠٠٠ شخص طردوا من مملكة بلنسية، و ٦١.٠٠٠ شخص من مملكة أراغون القديمة، و ٤.٠٠٠ شخص من إمارة قطلونية. ٥/ ٤ - مسلمي مملكة قشتالة: كانت تنقسم مملكة قشتالة إلى المناطق التالية: الأندلس، ومملكة مرسية، واسترمادورا، وباقي المملكة. في ٩/ ١٢ / ١٦٠٩ م، وقع الملك فليبي الثالث الأمر بطرد مورسكيي الأندلس ومرسية وبلدة فرنجوش (هورناشوس) في منطقة استرمادورا، وكلف دون خوان دي مندوسة، ماركيز دي سان جرمان، بتطبيقه. وفي ١٨/ ١ / ١٦١٠ م، نشر أمر الطرد في مملكة مرسية، وكلف مجلس الدولة دون لويس فاخاردو، عضو الجيش البري والبحرية الإسبانية، بتطبيقه. ونص الأمر بأن الطرد يخص "كل النصارى الجدد المورسكيين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، عدا العبيد ... والمورسكيين القدامى المتأصلين من مملكة مرسية المعروفين بالمدجنين شرط أن يعيشوا حياة نصرانية". واكتفى الأمر أولاً بطرد الغرناطيين فقط من مملكة مرسية، بسبب مقاومة أهل مرسية النصارى لطرد المورسكيين المرسيين الذين كان معظمهم يسكن وادي رقوط، وهي منطقة تضم ست قرى في مرج وادي شقورة تابعة للويس فاخاردو، ماركيز بليش. وقد عارض ممثلو مرسية النصارى طرد الغرناطيين، لما سيؤدي من "ضياع في العلوم وترك للزراعة"، إذ كان الغرناطيون هم القائمون على صناعة الحرير في البلاد. فظل تدخلهم دون جدوى. فطرد من مملكة مرسية، في المرحلة الأولى، حوالي ١٥.٠٠٠ مورسكي، بينما بقي حوالي ٢.٥٠٠ منهم في وادي رقوط. وفي ٨/ ١١ / ١٦١١ م، غير الملك رأيه، وأصدر أمرًا بطرد جميع مورسكيي مرسية بما فيهم

стр. 171

المدجنين. فعاود ممثلو مرسية الدفاع عنهم بحجة أنهم نصارى مخلصين، وانتخبوا الراهب خوان فراي ممثلاً عنهم في هذه المهمة. فكتب فراي للملك تقريرًا مفصلاً عن مورسكيي مرسية وأوضاعهم، برهن فيه على إخلاص مورسكيي وادي رقوط للنصرانية. وبعد نشر قرار الطرد، قام نصارى مرسية بمظاهرات احتجاج توجهوا فيها للكنائس حيث قاموا بدعوات لمورسكيي وادي رقوط. وألقوا خطبًا عامة دافعوا فيها عنهم بحجة أنهم نصارى مخلصين يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر ولا يعرفون اللغة العربية، عدا الكهول. فأدت هذه المظاهرات بالملك إلى تأجيل تنفيذ أمر الطرد. ثم وصلت تقارير إلى مجلس الدولة مفادها أن مورسكيي وادي رقوط هم في الحقيقة مسلمون يتظاهرون بالنصرانية تقية. وفي ٨/ ١٠ / ١٦١٣ م مال الملك لهذا الرأي، ووقع أمرًا جديدًا بالايسكوريال بطرد جميع مورسكيي وادي رقوط ومن تخلف من باقي مورسكيي مملكة مرسية، وكلف الكوندي سلازار بتنفيذه. وأمهل الأمر المورسكيين ثلاثين يومًا للخروج من البلاد، "لأنه قد عرف الآن بالتأكيد ... بأن بعضهم يعملون بكل وقاحة ضد تعاليم الإله وتعاليمي، وبسبب العدد القليل جدًّا من النصارى القدامى الذين يعيشون بينهم مما يظهر نياتهم السيئة". وقرر الملك طرد جميع المورسكيين، "رجالاً ونساء من كل الأعمار، المتأصلين من مرسية وغير المتأصلين ... مع أبنائهم وبناتهم، وخدامهم وخادماتهم، وأصدقاء قومهم، كبارًا وصغارًا ... ومنعهم من الخروج من أي ميناء سوى قرطاجنة، ومن الدخول لأية مملكة أخرى من ممالكنا" ولم يستثن الأمر من الطرد سوى العبيد. وقرر الأمر "بأن الذين يسمون بالمورسكيين القدامى ويعيشون في قرى وادي رقوط، وغيرهم من الذين ينفصلون عن النصارى القدامى في مملكة مرسية، يمكنهم في ظرف ٣٠ يومًا التصرف في أملاكهم الثابتة، وحمل نصف ثمنها معهم شرط أن يتركوا لممتلكاتي الملكية النصف الآخر، وتقديمها ليد المسؤول بذلك في مملكة مرسية. أما المورسكيون الذين ليسوا قدامى فلا يسمح لهم بالتصرف إلا في أملاكهم المنقولة، ويسمح لهم بحمل نصف ثمنها معهم وترك نصفها الآخر لممتلكاتي الملكية مع جميع ما لديهم من أموال غير منقولة". وطرد من جديد هذه المرة من مملكة مرسية حوالي ٧.٠٠٠ مورسكي. وهرب بعضهم إلى مملكة بلنسية، "وعندما لوحقوا هناك، رجعوا من جديد إلى مرسية حيث

стр. 172

تزايد عددهم لدرجة أن مجلس الدولة أخذ منذ منتصف سنة ١٦١٥ م في البحث عن وسائل طرد المتخلفين إلى الممالك الأجنبية". واتجه بعض المورسكيين المرسيين الآخرين إلى الجزر الشرقية، فكتب نائب الملك في ميورقة (قاعدة الجزر الشرقية) في ١٨/ ٣ / ١٦١٤ م إلى الملك فليبي الثالث يستأذنه في السماح لهم بالإقامة. وفي ١٩/ ٤ / ١٦١٤ م، أجاب الملك بما يلي: "اعلموا نائب الملك بأنه لا يسمح بأي حال من الأحوال أن يمكث المورسكيون هناك، فليخرجهم، لأن تلك الجزيرة مجاورة لإسبانيا وقريبة من الجزائر، فلتطبق أوامري عليهم الآن وعلى غيرهم من المورسكيين في المستقبل". وفي ٢٦/ ٧ / ١٦١٤ م وصل الأمر إلى نائب الملك بميورقة بطرد مورسكيي وادي رقوط الذين التجأوا إلى الجزر الشرقية، وإعطائهم مهلة ثلاثين يومًا للخروج. وفي ١٨/ ٨ / ١٦١٤ م، أخبر نائب الملك على الجزر الشرقية فليبي الثالث بخروج آخر مجموعة من مورسكيي وادي رقوط، مؤلفة من حوالي ٢٠٠ امرأة متزوجة، ولم يبق سوى ٣٠ نصرانيًّا جديدًا فقيرًا في الجزيرة تعذر عليهم السفر لفقرهم. فأجاب الملك بما يلي: "آمرك أن تخرج هؤلاء المتخلفين، وتعطيهم المركب والتسهيلات الممكنة". هكذا تابع الملك فليبي الثالث ورجال دولته بكل قسوة وانعدام الرحمة حتى العجزة المستضعفين من الأمة الأندلسية، مستميتًا في طردهم، وكأن دافعه ليس دفع الخطر ولكن الحقد الدفين في قلبه والخوف غير المنطقي الذي يجعله يقترب من مرحلة الجنون. وبهذا يمكن تقدير عدد المورسكيين الذين أخرجوا من مملكة مرسية بحوالي ٢٢.٠٠٠ شخص. نص قرار الطرد الذي وقعه الملك فليبي الثالث بتاريخ ٩/ ١٢ / ١٦٠٩ م على بلدة فرنجوس بالذات، وهي توجد اليوم في ولاية بطليوس (منطقة الاسترمادورا). وكان كل أهلها، وعددهم ٥.٠٠٠ نسمة، مسلمين محليين، أي مدجنين. وكان أهل فرنجوس منظمين تنظيمًا جيدًا، استطاعوا بسببه السيطرة على تجارة الطرق في المنطقة. ولاحقتهم محاكم التفتيش دون أن تنال منهم شيئًا. لذلك أرسل مجلس الدولة القاضي ماديرا لمتابعتهم، فحكم على العديد منهم بالإعدام شنقًا أو بالتجذيف فوق السفن. وعندما صدر قرار الطرد كلف ماديرا بتنفيذه، فبدأ بتهجير مورسكيي فرنجوس في شهر يناير عام ١٦١٠ م مستثنيًا الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات. وكان نقلهم عبر ميناء إشبيلية، وأخذ ماديرا منهم ٢٢.٠٠٠ دوقة ثمن نقلهم.

стр. 173

واستقر مورسكيو فرنجوس بعد ذلك في مدينة الرباط (عاصمة المغرب اليوم) التي عمروها بعد أن كانت خرابًا، وكان لهم فيها تاريخ مجيد في الجهاد البحري ضد الإسبان. هكذا أخرج ماديرا حوالي ٣.٠٠٠ مورسكي من فرنجوس، كما خرج حوالي ٥.٠٠٠ موريسكي آخرين من مدن استرمادورا الأخرى عن طريق قشتالة القديمة. فيكون مجموع من خرج من منطقة استرمادورا حوالي ٨.٠٠٠ موريسكي. أما في الأندلس، فلقد حاول المسؤولون والأهالي النصارى جهدهم منع طرد المسلمين منها، كما حدث في مملكة مرسية، مما يدل دلالة قاطعة أن معظم هؤلاء ينحدرون من أصول إسلامية ويضمرون العطف على إخوانهم في محنتهم. فادعى ماركيز الغابة أن المورسكيين التابعين له لهم حقوق يجب احترامها، وبين حسن سيرتهم حيث لم يسبق لمحاكم التفتيش أن عاقبت أحدًا منهم. وفي أرشذونة (مقاطعة مالقة) احتج المورسكيون أمام المسؤولين بأمر في يدهم سبق أن منحه لهم الملك يعفيهم من ضريبة "الفارضة" التي كانت مطبقة على النصارى الجدد. وفي قاعدة غرناطة عمل الأهالي على إخفاء المورسكيين بينهم. وفي مالقة تدخل الأهالي لإعفاء العبيد المسلمين من الطرد. كما أن عددًا من المورسكيين الذين تعاونوا مع السلطات ضد إخوانهم طلبوا المكوث في البلاد خوفًا على حياتهم. ففي بسطة (مقاطعة غرناطة) طلبت محكمة التفتيش العليا من محكمة غرناطة إعفاء جيرو مينو ومغدلينة دي كابيدو من الطرد "أو على الأقل عدم إرسالهما مع أهل بسطة". ومع ذلك، اتخذ الملك فليبي الثالث قرار الطرد المذكور بتاريخ ٩/ ١٢ / ١٦٠٩ م الذي أعلن عنه في إشبيلية بتاريخ ١٢/ ١ / ١٦١٠ م ينص القرار على "أن الملك حدد فترة قدرها ثلاثون يومًا لكي يبيع المطرودون أملاكهم المنقولة ويتهيؤون للإبحار". لكن ماركيز سان جرمان، المكلف بإنجاز الأمر، قلص هذه الفترة إلى عشرين يومًا فقط. وأذن الماركيز لمورسكيي الأندلس "باصطحاب أبنائهم مهما كانت أعمارهم إذا كانت هجرتهم إلى بلدان كاثوليكية، أما إذا كانت هجرتهم إلى إفريقيا فلن يسمح لهم باصطحاب أطفالهم الذين تقل أعمارهم عن سبع سنوات، وعليهم تركهم في إسبانيا". ويقدر عدد من أخرج من المورسكيين من الأندلس بحوالي ٣٢.٠٠٠ فقط. لكن يظهر أن هذا العدد أقل من الواقع، إذ خرج حوالي ٢٠.٠٠٠ شخص قبل أمر الطرد، فيكون إذن مجموع من أخرج من الأندلس حوالي ٥٢.٠٠٠ شخص.

стр. 174

وفي ٢٢/ ٣ / ١٦١١ م نشر الملك أمرًا ملكيًّا ينبه فيه على رجوع عدد من المورسكيين الأندلسيين الذين يدعون بأنهم نصارى، ويأمر فيه بإخراج جميعهم دون استثناء، حتى العبيد المسلمين الموجودين في الأندلس، في ظرف سنتين. "ولم يكن عند المحاكم والأشخاص الذين كلفوا بهذا الأمر في الأندلس، في مملكة غرناطة وخارجها، حماس لإخراج من مكث منهم (المورسكيين) ولا معاقبة من رجعوا كما يجب". وفي ٢٨/ ١٢ / ١٦٠٩ م، وقع الملك فليبي الثالث بمجريط أمرًا ملكيًّا يوافق فيه على خروج المورسكيين "الفوري والحر" من قشتالة القديمة والجديدة ومن المانشا والاسترمادورا. فأدى هذا الأمر إلى إخراج حوالي ١٦.٧١٣ شخص من المنطقة المذكورة، بينما بقي عدة آلاف من المورسكيين الذين لم يستطيعوا أو لم يريدوا الخروج بسبب الاستقبال السيىء الذي كان ينتظرهم في فرنسا عبر الحدود البرية مع إسبانيا. فأمر الملك في ١/ ٥ / ١٦١٠ م بقطع طريق برغش المؤدية إلى فرنسا على المورسكيين، وإرغام المتخلفين على الاتجاه إلى ميناء قرطاجنة شرط إبحارهم إلى الممالك النصرانية. خرج من ميناء قرطاجنة حوالي ١٦.٦٤٢ مورسكي قدموا من قشتالة. لكن السلطات الإسبانية علمت أنهم، رغم اتجاههم أولاً إلى الموانىء النصرانية بفرنسا وإيطاليا، تحولوا بعد ذلك إلى الموانىء الإسلامية بشمال إفريقيا. وفي نفس اليوم (١/ ٥ / ١٦١٠ م)، استدعى الملك الكوندي دي سلازار إلى طليطلة، وكلفه بطرد ما تبقى من المورسكيين في طليطلة والمانشا واسترمادورا. وفي ١٠/ ٥ / ١٦١٠ م، وقع الملك أمرًا بطرد المورسكيين الذين التجأوا إلى قشتالة القديمة والجديدة واسترمادورا والمانشا من بلنسية والأندلس وغرناطة وقطلونية ومرسية وأراغون القديمة. غير أن السلطات المحلية لم تتحمس لطرد المورسكيين، كما يظهر من تسلسل الأوامر بالطرد في السنوات الثلاثة التالية. ففي ٢٢/ ٣ / ١٦١١ م، وقع الملك أمرًا بطرد من تخلف من المورسكيين في الأندلس ومن عاد إليها منهم. فأخرج من برغش حوالي ١١.٣١٧ مورسكي، ومن قرطاجنة حوالي ١٠.٠٠٠ مورسكي، منهم عدد كبير من الغرناطيين العائدين، أو القاطنين بقشتالة. وفي ٣١/ ٥ / ١٦١١ م، جدد أمرًا بطرد المتخلفين، وآخر في ٢١/ ٨ / ١٦١١ م، وثالث في ١٩/ ٩ / ١٦١٢ م، ورابع في ١٦/ ١ / ١٦١٣ م، وخامس في ٢٠/ ٤ / ١٦١٣ م. ورغم كل هذه الأوامر، فقد ظل مورسكيو سهل قلعة رباح معفيين من الطرد.

стр. 175

يمكن إذًا تقدير مجموع من طرد من المسلمين من قشتالة القديمة والجديدة والمانشا بحوالي ٥٠.٠٠٠ شخص. ويكون مجموع من طرد من مملكة قشتالة حوالي ١٣٢.٠٠٠ مسلم، منهم ٥٠.٠٠٠ شخص من القشتالتين، و ٥٢.٠٠٠ شخص من الأندلس، و ٢٢.٠٠٠ شخص من مرسية، و ٨.٠٠٠ شخص من استرمادورا. وبهذا يكون مجموع من طرد من المسلمين من إسبانيا في الحقبة بين سنتي ١٦٠٩ م و ١٦١٤ م حوالي ٣٢٧.٠٠٠ شخص، منهم ١٩٥.٠٠٠ شخص من مملكة أراغون، و ١٣٢.٠٠٠ شخص من مملكة قشتالة. وقد اختلف المؤرخون في تقديراتهم للمسلمين المطرودين، فتفاوتت ما بين مائة ألف والمليون. لكن معظم من عايشوا الأحداث برهنوا على أن الإحصائيات أعطت أرقامًا تتراوح بين ٢٧٠.٠٠٠ و ٣٤٠.٠٠٠ مورسكي. وتعود صعوبة تقدير عدد المطرودين بالضبط إلى أسباب كثيرة، منها أن عددًا كبيرًا منهم طرد عدة مرات، ومنهم من عد من المطرودين دون أن يترك البلاد. وسنقدر في الفصول التالية أعداد المورسكيين الذين بقوا في إسبانيا والذين عادوا بعد قرار الطرد. وفي يوم ٢٥/ ٣ / ١٦١١ م خرج الملك فليبي الثالث على رأس رجال الدولة، وفي أحسن أبهة، مرتديًا الألبسة البيضاء، وقام بمسيرة "شكر لله" على انتهاء عملية طرد المسلمين بسلام التي ابتدأها قبل سنتين. ٥/ ٥ - المورسكيون المطرودون في مناطق هجرتهم: أخرجت الحكومة الإسبانية من أرضها في الفترة ما بين سنتي ١٦٠٩ م و ١٦١٤ م حوالي ٣٢٧.٠٠٠ مسلم أندلسي ومدجن. استقر العدد الأكبر منهم في المغرب والجزائر وتونس. وانتقل آخرون إلى فرنسا، ومنها إلى البلاد الإسلامية. كما انتقل البعض الآخر، إما مباشرة أو عبر فرنسا، إلى موانىء الدولة العثمانية. أما المغرب، فيقدر عدد الأندلسيين الذين دخلوه في هذه الفترة ما بين ٤٠.٠٠٠ أندلسي في المصادر الإسبانية و ٦٠.٠٠٠ أندلسي في المصادر الأندلسية، والرقم الأعلى هو الأرجح. استقر حوالي ٣٠.٠٠٠ أندلسي (نصف الوافدين إلى المغرب) في المناطق الشمالية المجاورة لمضيق جبل طارق، إذ استوطن منهم حوالي ١٠.٠٠٠ أندلسي بمدينة تطوان، وحوالي ٢٠.٠٠٠ أندلسي بمدن الشمال الأخرى، كشفشاون

стр. 176

والقصر الكبير، وقراه وباديته. واستقر حوالي ١٠.٠٠٠ أندلسي آخرون على مصب وادي أبي رقراق، في سلا، وخاصة في مدينة الرباط التي عمروها بعد أن كانت خرابًا. واتجه حوالي ١٠.٠٠٠ أندلسي آخرين إلى مدينة فاس، بينما توزع الباقون، أي حوالي ١٠.٠٠٠ أندلسي، على مدن المغرب الأخرى، كمكناس ومراكش وآسفى ووجدة، وعلى موانئه وبواديه. وكان انتقال الأندلسيين إلى المغرب عن طريق المراكز التي استعمرتها إسبانيا على شواطئه، كطنجة وسبتة، ومنها انتقلوا إلى المناطق الأخرى. ولقد قدم معظم الأندلسيين المهاجرين إلى المغرب من الأندلس والقشتالتين واسترمادورا، بينما قدم آخرون من مرسية وبلنسية وأراغون القديمة وقطلونية. واتجه معظم أهل القشتالتين واسترمادورا إلى مصب وادي أبي رقراق، خاصة الرباط حيث انتقل كل من أتى من فرنجوس بعد أن أراد مولاي زيدان استعمالهم في حروبه الصحراوية، وانتقل معظم الغرناطيين إلى فاس وشمال المغرب، بينما استقر أهل بلنسية ومرسية وأراغون القديمة وقطلونية في تطوان والرباط. وعمل السلطان السعدي مولاي زيدان على تيسير استيطان المهاجرين الأندلسيين، إذ رأى فيهم عنصرًا مفيدًا للمغرب، لتعمير مدنه، وتحسين أوضاع بواديه، والاستفادة من رجالهم وخبراتهم في الجيش. وتدخل مولاي زيدان للدفاع عنهم ضد مناوئيهم داخل المغرب وخارجه. ففي المغرب، أذن لهم بالاستيطان حيثما شاؤوا وبإعادة تعمير مدينة الرباط، وقدم لهم التسهيلات اللازمة لذلك. وخارج المغرب، دافع على حقوقهم، وتابع المعتدين عليهم عند انتقالهم إليه. مثال ذلك السفارة التي أرسلها مولاي زيدان برئاسة الشهاب الحجري، أحد المهاجرين الأندلسيين، إلى باريز لأخذ حقوق الركاب الأندلسيين الذين اعتدى عليهم أصحاب السفن الفرنسيون، إذ "كان الأندلسيون يقطعون البحر في سفن النصارى بالكراء، ودخل كثير منهم في سفن من الإفرنج من أربع سفن، وبعث رجل أندلسي من بلاد فرنجة يطلب منهم وكالة ليطلب بالشرع عنهم ببلاد الفرنج، واتفق نظرهم أنهم يبعثون خمسة رجالاً من المنهوبين لهم، واحدًا من الأندلس الذين سبقوهم بالخروج، واتفقوا أني نمشي لهم، وأعطاني السلطان كتابه وركبنا البحر المحيط بمدينة آسفى". ولم يستقبل الأندلسيون المهاجرون استقبالاً جيدًا من طرف الأهالي المغاربة إلا في مدينتي فاس وتطوان حيث كانت بهما جالية أندلسية قديمة كبيرة وذات نفوذ. أما

стр. 177

في مدن المغرب الأخرى، كسلا والقصر الكبير، وبواديه، فقد كان استقبالهم فيها فاترًا إن لم يكن سيئًا. وسبب ذلك أن معظم الأندلسيين الوافدين على المغرب في هذه الفترة كانت قد مرت عليهم أجيال من الاضطهاد النصراني جعلت جلهم يجهل اللغة العربية ولا يتكلم إلا الإسبانية، ويحمل أسماء إسبانية، ويتاثر بالعادات النصرانية، كما كانت معرفتهم بالتعاليم الإسلامية ضعيفة بالنسبة للمغاربة، حتى أن أعداءهم أصبحوا ينعتونهم بـ "نصارى قشتالة". وقد أدى هذا الوضع بالتجمعات الأندلسية الكبيرة، خاصة في تطوان والرباط، إلى الاستقلال عن الدولة المغربية لفترة، وتكوين جمهوريات اختصت بالجهاد البحري ضد الإسبان وغيرهم من النصارى في البحر الأبيض المتوسط (تطوان)، وفي المحيط الأطلسي (الرباط وسلا). وبرز من بين الأندلسيين المهاجرين إلى المغرب في هذه الفترة شخصيات مهمة. منهم عدد كبير ممن عملوا في الترجمة والسفارة، كالشهاب أحمد بن قاسم الحجري الذي كان ترجمانًا وسفيرًا للسلطان مولاي زيدان، ويوسف بسكيانو، ومحمد بنيغش. ومنهم الأطباء، كأبي القاسم الوزير بن محمد الغساني، وأحمد بن معيوب، وغيرهم. ومنهم من برز في فنون أخرى. وأخذ الأندلسيون معهم إلى المغرب تقنيات متقدمة في الزراعة والهندسة والحرف أكدت التأثرات الأندلسية القديمة، وأثرت على الشخصية المغربية ومكوناتها الثقافية تأثيرًا دائمًا جعلت من المغرب الوارث المعاصر للحضارة الأندلسية الإسلامية. أما الجزائر، فيقدر عدد من هاجر إليها في هذه الفترة من الأندلسيين بحوالي ٦٥.٠٠٠ أندلسي. استقر حوالي ٢٥.٠٠٠ أندلسي منهم في الجزائر العاصمة وحدها، وتوزع عدد منهم على المدن المجاورة لها، كالبليدة. ودخل حوالي ٢٢.٠٠٠ أندلسي الأراضي الجزائرية عبر ميناء وهران، الذي كان مستعمرة إسبانية حينذاك، فانتقلوا إلى المدن الجزائرية المجاورة، خاصة تلمسان ومستغانم. ويقدر بحوالي ١٨.٠٠٠ أندلسي عدد الذين هاجروا إلى السواحل الجزائرية الأخرى، كبجاية وشرشال وبونة (عنابة) وغيرها. وقدم معظم الأندلسيين الذين توجهوا إلى الجزائر من مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، وقدم بعضهم من مملكة مرسية. استقبلت الدولة العثمانية في الجزائر المهاجرين الأندلسيين استقبالاً جيدًا، ويسرت لهم سبل الاستيطان. ووجد المهاجرون الاستقبال الرحب من طرف الأهالي في المدن الجزائرية الكبيرة، كالجزائر العاصمة وتلمسان وبجاية ومستغانم وغيرها.

стр. 178

لكن المهاجرين الأندلسيين عوملوا من طرف الأعراب في بوادي الجزائر، خاصة عند انتقالهم من مستعمرة وهران إلى الأراضي العثمانية أسوأ المعاملة. فقد قتل الأعراب منهم عددًا كبيرًا، ونهبوا قوافلهم وسلبوها، كما وصف ذلك المقري قائلاً: "فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهب أموالهم". وزاد البوعبدلي قائلاً: "وقد انتهى بهم (أي الأعراب) الأمر إلى قتلهم (أي الأندلسيين) وبقر بطونهم مما يظنون ابتلاع الجوهر". وقاومت السلطات العثمانية في الجزائر العاصمة هذه الجرائم أشد المقاومة، كما تصدى لها العلماء. ودافعت بعض القبائل الواعية عن الأندلسيين، كما فعلت مثلاً قبيلة سويد التي قامت لمقاتلة القبائل المعتدية على الأندلسيين، كقبيلة هبرة، على جرائمها. وقد أثّرت هذه الهجرة على الجزائر تأثيرًا دائمًا، خاصة في الزراعة والفنون العسكرية والإدارية. كما قام الأندلسيون المستقرون في شواطىء الجزائر بتنظيم الجهاد البحري ضد المصالح الإسبانية في البحر الأبيض المتوسط. أما تونس، فيقدر عدد الأندلسيين الذين هاجروا إليها في هذه الفترة بحوالي ٥٠.٠٠٠ أندلسي. وقد استقر عدة آلاف منهم في تونس العاصمة وأرباضها، فسكن وجهاؤهم في "زقاق الأندلس" داخل الأسوار، وبنى عامتهم أرباضًا خارجها في باب الجزيرة وباب قرطاجنة وباب السويقة وحومة الأندلس. أما العدد الأكبر من المهاجرين الأندلسيين فقد ساعدتهم السلطات العثمانية في تونس على تأسيس مدن زراعية في أربع مناطق من الولاية التونسية، وهي: ١ - ضواحي تونس العاصمة؛ ٢ - والوطن القبلي؛ ٣ - ووادي المجردة؛ ٤ - ومنطقة بنزرت. وقدم معظم الأندلسيين الذين هاجروا إلى تونس من مملكتي بلنسية وأراغون القديمة. وقد انتقل معظم الأراغونيين، أو الثغريين كما كانوا يسمون أنفسهم، إلى تونس عن طريق ميناء أغد بفرنسا. استقبلت السلطات العثمانية في تونس، وعلى رأسها حاكمها عثمان داي، المهاجرين الأندلسيين استقبالاً جيدًا ومنظمًا، ورأت فيهم عنصرًا مهمًا لإعادة تعمير البلاد والوقوف أمام عبث الأعراب. فسهل عثمان داي عليهم سبل العيش، وحماهم من هجوم الأعراب، وأقرهم على الولاة الذين ينتخبونهم من بين زعمائهم، وأعفاهم من الضرائب لمدة كافية لاستقرارهم. ثم تابع ولاة الدولة العثمانية في تونس الذين

стр. 179

خلفوا عثمان داي سياسته اتجاه الأندلسيين. وشرع عثمان داي منصب رئيس الأندلسيين بالانتخاب فيما بينهم، يسمى بـ "شيخ الأندلس". وأول من تولى هذا المنصب هو مصطفى بن عبد العزيز كردناش، دام فيه مدة ثلاثين سنة، قدم إلى تونس من بسطة بمقاطعة غرناطة. واستقبل أهالي مدينة تونس المهاجرين الأندلسيين استقبالاً جيدًا، ولم تسأ معاملتهم إلا من طرف الأعراب، لكن الدولة حمتهم من تجاوزاتهم حماية كافية. كان تأثير الهجرة الأندلسية على تونس إيجابيًّا ودائمًا، خاصة في تعمير مدنها وبواديها، وإنعاش الصناعة والزراعة بها، وإحياء اقتصادها. ففي ضواحي تونس العاصمة، سلم عثمان داي للأندلسيين جميع المزارع المهجورة فأسسوا العديد من القرى الزراعية، كأريانة وسوكرة ومنوبة والباردو ورادس ومرناق وغيرها. فأدخلوا إلى تلك المناطق زراعة التوت وصناعة الحرير. وأسسوا في الوطن القبلي المدن والقرى الزراعية التالية: حمام الأنف وسليمان وقرنبلية وتركي وبلي ونيانو وزعوان ومنزل بوزلفى ومنزل تميم ودار شعبان ونابل وغيرها. أما في وادي المجردة، فقد أسس الأندلسيون المهاجرون في هذه الفترة سلسلة من المدن والقرى الزراعية، وهي: تستور والسلوقية ومجاز الباب وقريش الوادي وتبوربة والجديدة وقلعة الأندلس وعوسجة والعالية والماتلين ورأس الجبل وغار الملح ومنزل جميل وماطر. وأحيوا مدينة بنزرت وأسسوا في منطقتها بلدة منزل عبد الرحمن. وقد فشل الأندلسيون، رغم مجهودهم، في إعادة تعمير مدينة المهدية (عاصمة الدولة الفاطمية قديمًا) وقد أصبحت خرابًا، بسبب انتشار الأوبئة وتجاوزات الأعراب. ومجمل القول، فقد أدت الهجرة الأندلسية إلى تونس في هذه الحقبة بالذات إلى انتعاش كبير في المجالات الزراعية والصناعية وفي العلوم. فأدخل الأندلسيون صناعة الشاشية وصناعة الحرير، وأحيوا أراضي موات شاسعة، نشروا زراعة الزيتون، وتسببوا في ازدهار التجارة. وقد نشطت الثقافة الأعجمية بتونس على يد جماعة من المثقفين الأندلسيين المهاجرين إليها، منهم: عبد الكريم بن علي بريز، وإبراهيم التايبلي بيريز، وأصله من طليطلة، والحاج محمد روبيو، وأصله من أراغون القديمة، وغيرهم كثير. كما ظهر في الدبلوماسية عدد كبير من الأندلسيين، من بينهم أحمد بن قاسم بجرانو الأندلسي الذي خدم مولاي زيدان، سلطان

стр. 180

المغرب، قبل هجرته لتونس، وفي العلوم الحربية إبراهيم بن أحمد، وغيرهم في شتى الفنون والعلوم. أما ليبيا، فقد هاجر إلى طرابلس والمناطق المجاورة لها عدة آلاف من الأندلسيين، إما مباشرة أو عن طريق تونس. وهكذا يكون مجموع الأندلسيين المهجرين من بلادهم قسرًا والذين وصلوا إلى شمال إفريقيا في الحقبة بين سنتي ١٦٠٩ م و ١٦١٤ م حوالي ١٨٠.٠٠٠ أندلسي، منهم ٦٠.٠٠٠ أندلسي استقروا في المغرب، و ٦٥.٠٠٠ أندلسي في الجزائر، و ٥٠.٠٠٠ أندلسي في تونس، وبضعة آلاف منهم في ليبيا. فإلى أين اتجه الباقون؟ يمكن تقدير عدد الأندلسيين الذين تركوا إسبانيا عن طريق فرنسا بحوالي ٥٠.٠٠٠ أندلسي على أقل تقدير. وقد استقبلهم الفرنسيون، أول الأمر، استقبالاً حسناً. ففي فبراير سنة ١٦١٠ م، سمح لهم هنري الرابع، ملك فرنسا، بالمكوث فيها شرط اعتناق الدين الكاثوليكي والإخلاص له. وعندما تكاثرت أعداد الوافدين منهم، وهم على ما هم عليه من الفقر والتعب والمرض، أخذ الأهالي الفرنسيون يشتكون إلى الملك من وجودهم ففي ٢٥/ ٤ / ١٦١٠ م، أمر الملك مدن جنوب فرنسا بتوجيه اللاجئين الأندلسيين إلى الموانىء المجاورة لإبحارهم خارج البلاد. وزادت معاملة اللاجئين الأندلسيين المقيمين في فرنسا سوءًا بعد وفاة الملك هنري الرابع في مايو سنة ١٦١٠ م. فقررت بلديتا طلوشة (تولوز) وبايون إقفال الحدود عنهم، وهدد برلمان اللانكدوق بتعذيب من يرفض منهم الخروج من فرنسا، ومنعت مقاطعة البروفانس عبورهم نهر الردانة (الرون). لم يزد معظم الأندلسيين الذين دخلوا فرنسا على عبورها إلى بلدان أخرى، معظمها إسلامية. ولم يبق بفرنسا سوى ألف موريسكي تقريبًا. وقد ذكر آغرفوي، وهو مؤرخ فرنسي معاصر، "أن عددًا منهم (أي الأندلسيين) سمح لهم بالإقامة في المدن، حيث عمل بعضهم في التجارة وعمل آخرون منهم في الطب، بينما ظل كثيرون يعملون في الزراعة". ودخل عدة آلاف من الأندلسيين المطرودين إلى إيطاليا، ولم يستقر منهم بها سوى حوالي ألف أندلسي، أقام معظمهم في صقلية جنوبًا وفي تسكانيا شمالاً. واتخذ الآخرون إيطاليا طريقًا للاتجاه إلى الدولة العثمانية. وقد قام السلطان العثماني
следующие страницы →