Полный текст (457 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وهكذا تظاهر المسلمون مكرهين بقبول دين النصارى، يقومون بما يجبرون عليه من الترداد إلى الكنائس وتعميد الأطفال. لكنهم ظلوا مسلمين سرًّا يقومون بشعائر الإسلام من صلاة وصيام وتحاشي المنكرات. فكانوا يغسلون أبناءهم من التعميد، ويقومون بالزواج الإسلامي بعد الزواج في الكنيسة، ويربون أبناءهم سرًّا على الإسلام. وعملوا جهدهم للتكيف مع هذا الوضع الشاذ الحرج الخطر إلى أن يأتي الله بفرج من عنده. وتحولت الكنيسة والدولة من أمل تنصير المسلمين بالتبشير إلى أمل تنصيرهم بالإكراه والعنف والقوة. وتجددت القوانين الجائرة والإجراءات الصارمة لتطبيقها بعنف. ففي سنة ١٥٠٨ م جددت لائحة ملكية منع استعمال اللباس العربي بين المورسكيين. كما أصدر الملك فراندو خمس لوائح سنة ١٥١١ م أولها بتاريخ ٢٠/ ٥ / ١٥١١ م تحدد استعمال المورسكيين لبعض الأدوات التي يمكن أن تستعمل كأسلحة، كالسكاكين وغيرها، ولائحة بتاريخ ١٠/ ٦ / ١٥١١ م تحدد ضرورة إحراق ما تبقى من الكتب العربية، وثلاثة لوائح بتاريخ ٢٠/ ٦ / ١٥١١ م حول منع ذبح الحيوانات بالطريقة الإسلامية وحول"البادرينو" و" المادرينة"أي ولي الرجل أو ولية المرأة في الشعائر النصرانية عند التعميد والزواج إلى غير ذلك، وكانت هذه القوانين تهدف إلى تحطيم الخاصية الثقافية للمورسكيين بعد إلغاء عقيدتهم الإسلامية. وبما أن هذه الإجراءات لم تطبق بالصفة المرضية للكنيسة والطاغية جددت لوائح في فبراير سنة ١٥١٢ م تؤكد منع الذبح واللباس الإسلامي كما تمنع المورسكيين من مزاولة مهنة الصرافة لمنعهم من الاتصال بالمتطوعة المغاربة الذين هم على صلة بهم. وقد صدرت قوانين أخرى مكملة في ٢٩/ ٧ / ١٥١٣ م.
وأخذ فراندو الكاثوليكي يتنكر للوعود التي قطعها على نفسه بمعاملة النصارى الجدد في موضوع الضرائب معاملته للنصارى القدامى حتى قبل سنة ١٥١٠ م حيث طبق على المورسكيين ضرائب خاصة بهم سميت ب"الفارضة" تنقسم إلى أربعة أجزاء، ثلاثة منها تسمى"بالفارضة العظمى" وتضم غرامة سنوية قدرها ٢١.٠٠٠ دوقة ذهبية، وأخرى فوق العادية قدرها ٥.٠٠٠ دوقة، وضريبة من ١٠.٠٠٠ دوقة لبناء قصر للملك في غرناطة. والفارضة الرابعة، وتسمى"الفارضة الصغرى" أو"فارضة البحر" لتمويل حراس البحر.
ومات فراندو الكاثوليكي في ٢٣/ ١ / ١٥١٦ م وهو يوصي أولاده بالقضاء على الإسلام وتحطيم بقايا الديانة المحمدية في إسبانيا، بعد أن ذاقت الأمة الأندلسية من
стр. 72
ظلمه وغدره وتعسفه الأمرين. وكانت الملكة إيسابيلا قد سبقته إلى حتفها في ٢٦/ ١١ / ١٥٠٤ م ودفنت على هضبة الحمراء، ودفن فراندو بقربها حسب وصيته. ثم نقل حفيدهما كارلوس الخامس رفاتهما إلى كنيسة غرناطة الكاتدرائية القائمة فوق مسجد غرناطة الأعظم.
لما هلك فراندو الكاثوليكي خلفه سبطه كارلوس الخامس، أولاً تحت وصاية الكاردينال سيسيزوس، ثم انفرد بالحكم بعد سنة ١٥١٩ م. وتنفس الأندلسيون الصعداء بعد موت فراندو، إذ واجههم ابنه في أول أمره بشيء من اللين وخفت حدة
محاكم التفتيش بعض الشيء.
لكن هذا الوضع لم يدم طويلاً، إذ تحولت أوضاع الأندلسيين من جديد إلى الأسوأ سنة ١٥٢٤ م، وظهر كارلوس الخامس كأكبر عدو للإسلام في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط.
وفي سنة ١٥١٨ م أصدر الملك أحكامًا قاسية بحق المسلمين فأوفد الأندلسيون للملك وفدًا للشكوى من تظلمهم. فلم يأت ذلك بطائل. وصدر مرسوم جديد في ١٢/ ٣ / ١٥٢٤ م يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه وإخراج كل من أبى التنصير من إسبانيا، وأن يعاقب كل من أبى التنصير أو الهجرة في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحول جميع المساجد الباقية إلى كنائس. فأرسل المورسكيون وفدًا إلى الملك بمجريط (التي أصبحت عاصمة إسبانيا الجديدة) يلتمسون منه من جديد حمايته وعدله ويستغيثون به. فانتقل كارلوس الخامس في يونيو عام ١٥٢٦ م إلى غرناطة وبقي فيها إلى غاية ديسمبر من نفس السنة لمتابعة الموضوع بنفسه وإيجاد حل له.
فندب الملك محكمة كبرى مكونة من النواب والقساوسة والقادة وقضاة التفتيش برئاسة"المفتش العام"لتنظر في ظلامة المورسكيين، ولتقرر فيما إذا كان تنصير المسلمين قسرًا صحيحًا وملزمًا أم لا. فإذا كان هذا التنصير صحيحًا عوقب المخالف بالموت حرقًا كمرتد. وقد قدمت المحكمة تقريرها في سبتمبر عام ١٥٢٦ م أكدت فيه أن المورسكيين هم فعلاً ضحية اعتداءات متواصلة من طرف النصارى القدامى الذين يشتمونهم في الطرقات ويستغلونهم شر استغلال ويهينونهم رجالاً ونساء دون حماية القانون. لكن المحكمة قررت كذلك أن تنصير المسلمين القسري صحيح ولا
طعن فيه. وفي ٢٩/ ٩ / ١٥٢٦ م وقع الملك على حوالي ٤٠ لائحة لتحديد تظلم
стр. 73
المورسكيين، لكنه أصدر قانونًا بتاريخ ٧/ ١٢ / ١٥٢٦ م أعلن فيه أن جميع المورسكيين نصارى يتحتم منعهم من الخروج من إسبانيا ويجبرهم على تنصير جميع أبنائهم، وقضى على من تنكر منهم للنصرانية بالمصادرة والإعدام. كما قرر القانون تحريم التخاطب بالعربية أو الكتابة بها وتعليم الإسبانية لجميع المورسكيين الذين طلب منهم أن يتقدموا بجميع الوثائق المكتوبة بالعربية للمفتش العام. وطلب منهم اجتناب كل ما له صلة بالعقيدة الإسلامية، وأمر بهدم الحمامات، وبأن تبقى بيوت المورسكيين مفتوحة على الدوام ليرى الجميع ماذا يجري فيها، وأن تزيل المورسكيات حجابهن، الخ ... وكتب الملك رسالة بتاريخ ١٤/ ١٢ / ١٥٢٦ م إلى بابا روما الذي كان يحثه على الصرامة مع المورسكيين، قائلاً:"لم يكن اعتناق النصرانية من طرف المورسكيين بإرادتهم ولا عن اقتناع، ولم يعلموا عقيدة إيماننا الكاثوليكي كما يجب". وزاد أسقف غرناطة على قانون الملك تعليمات مؤرخة بـ ١٠/ ١٢ / ١٥٢٦ م حاولت تأطير المورسكيين في أقرب وقت تأطيرًا دينيًّا كاملاً لتنصيرهم. وعرض المورسكيون على الملك دفع ٩٠.٠٠٠ دوقة ذهبية في ست سنين لتخفيف هذه الإجراءات دون جدوى.
ثم التمس المورسكيون مرة أخرى من الملك الرأفة، ودفعوا له ٨٠.٠٠٠ دوقة ذهبية، فوافق على وقف تنفيذ هذه الإجراءات لمدة أربعين سنة، يحتفظ خلالها المورسكيون بلغتهم العربية وثيابهم الإسلامية وبعض التسهيلات الأخرى مقابل دفع ضريبة سنوية. وكان يجمع من هذه الضريبة أموالاً طائلة.
وهكذا توصل الموركسيون إلى نوع من التوازن مع كارلوس الخامس تأرجح فيه وضعهم بين المد والجزر رغم اضطهاد"محاكم التفتيش" المتواصل، خاصة سنة ١٥٢٩ م بغرناطة، وسنة ١٥٣٢ م حين منعت الحفلات ذات الطابع الإسلامي وأنشأت الحملات التنصيرية المتتابعة. وانتقل مركز"محاكم التفتيش" سنة ١٥٢٦ م من قرطبة إلى غرناطة. كما جمع معظم المسلمين في أحياء خاصة اسمها"موريرا" لكي لا يختلطوا بالنصارى القدامى.
وتغير هذا التوازن إلى الأسوأ بموت كارلوس الخامس وتسلم الملك ابنه فليبي الثاني سنة ١٥٥٥ م. وكان هذا الأخير متعصبًا ضعيف الشخصية أمام الرهبان.
فاغتنمت الكنيسة فترة ملكه للتشديد مرة أخرى على الأندلسيين والرجوع إلى سياسة
стр. 74
الاضطهاد المتواصل. وشجع الملك على تطرفه هذا خوفه من قوة الدولة العثمانية الصاعدة وعلاقات الأندلسيين بها.
ابتدأ فليبي الثاني ضغطه على المورسكيين سنة ١٥٦٠ م بمنعهم من اقتناء العبيد والرقيق السود، وسبب ذلك أن هذه الطبقة كانت في أغلبها مسلمة وكان الهدف من هذا القرار منعهم من التأثر بالتعاليم الإسلامية. فالتمس المورسكيون من الملك الرجوع عن هذا القرار، لكنه رفض الاستجابة لمطالبهم نهائيًّا سنة ١٥٦٣ م.
وفي ١٤/ ٥ / ١٥٦٣ م أصدر الملك قرارًا بمنع المورسكيين من امتلاك الأسلحة أو حملها، وفرض عليهم تسليم أسلحتهم في مدة أقصاها خمسون يومًا من تاريخه. وحدد المرسوم عقوبة المخالفين بالأشغال الشاقة لمدة ست سنوات. ولم يستثن القرار أحدًا إلا بأمر وختم من الحاكم العام. وطبق القرار بغاية الشدة والحزم، فأصبح المورسكيون أكثر عرضة لكل معتد وظالم. فسلم بعض
المورسكيين أسلحتهم لكن الغالبية العظمى رفضت تسليمها وأخفتها. فأصدرت الحكومة سنة ١٥٦٤ م مرسومًا يلغي حصانة المورسكيين المقيمين في أراضي النبلاء ويحدد حصانة من يقيم منهم في الأديرة والكنائس بثلاثة أيام. فازدادت شراسة محاكم التفتيش وتتبعها للمسلمين.
ابتدأ الضغط الكبير في مايو سنة ١٥٦٦ م بعد مضي أربعين سنة من صدور قانون كارلوس الخامس، حين أراد فليبي الثاني العودة إلى تطبيقه بكل صرامة. قضى هذا القانون المجدد بمنح المورسكيين ثلاث سنين لتعلم اللغة الإسبانية يمنع بعدها التكلم بالعربية وتلغى كل العقود المكتوبة بالعربية. وقضى القانون بتسليم ما تبقى من الكتب العربية في ظرف ثلاثين يومًا، ومنع خياطة أثواب عربية جديدة، وألا يخاط من الثياب الحريرية لمدة عام واحد، والصوفية لمدة عامين، على أن يمنع استعمالها بعد ذلك. ومنع القانون المورسكيات من التحجب وأجبرهن على التزيي بلباس النصرانيات. ومنع القانون إجراء أية شعائر إسلامية وأجبر المورسكيين على أن تكون كل حفلاتهم مطابقة للتعاليم الكنسية وأن تظل بيوتهم مفتوحة في الحفلات وأيام الأعياد والجمع. ومنع القانون الغناء والرقص العربي واستعمال آلات الطرب العربية والتخضب بالحناء والاستحمام، وأمر بهدم الحمامات. وحرم القانون على المورسكيين استعمال الأسماء العربية واقتناء العبيد. وفرض القانون على المخالفين أقصى العقوبات من السجن والنفي والتعذيب والمصادرة والإعدام حرقًا.
стр. 75
أمر الملك رئيس المجلس الملكي، ديسا، بإذاعة هذا القانون الغاشم في ١/ ١ / ١٥٦٧ في غرناطة وأحيائها وجميع أنحاء المملكة الإسلامية القديمة. وتولى إذاعته موكب من قضاة"محاكم التفتيش"تتبعهم الطبول والزمور. وبدأ تطبيق القانون بكل صرامة. فهدمت الحمامات وملئت السجون وتناثرت الجثث في شوارع غرناطة وقراها ونشطت"محاكم التفتيش". ولم تفد المورسكيين أية شفاعة، فوصلوا إلى حالة من اليأس الكامل أدت إلى ثورة عارمة جمعت فيها الأمة الأندلسية ما تبقى من قواها، وكادت تنتصر لولا خذلان العالم الإسلامي مرة أخرى.
وقبل أن نتطرق إلى تفاصيل ثورة غرناطة العظمى لنر وضع المدجنين خارج
مملكة غرناطة وما آلوا إليه في ممالك البرتغال وقشتالة وأراغون إلى سنة ١٥٦٧ م.
٢/ ٤ - وضع المسلمين في مملكتي البرتغال وقشتالة:
البرتغال دولة من الدول النصرانية في شبه الجزيرة الإيبرية التي تأسست وتوسعت على حساب الدولة الأندلسية. تأسست البرتغال كإمارة صغيرة على حدود الدولة الإسلامية الشمالية الغربية. وقد استولى على هذه الإمارة المنصور بن أبي عامر، لكنها اغتنمت فرصة سقوط الدولة الأموية فاحتلت براغة سنة ١٠٤٠ م، وهي بلدة مجاورة لعاصمتها الأولى"أبورتو" أو"بورتوغال" التي أعطت اسمها للبلاد وتجزأ غرب الأندلس إلى عدة ممالك أيام الطوائف. فأصبح الجنوب تحت بني هارون سنة ١٠٢٦ م، وعاصمتهم شنتمرية الغرب (الفارو اليوم)، ووسط البلاد في يد بني الأفطس سنة ١٠٢٢ م، وعاصمتهم بطليوس (بإسبانيا اليوم).
وتابع البرتغاليون غزوهم للأراضي الإسلامية على حساب بني الأفطس. فاحتلوا مدينة قلمرية سنة ١٠٦٤ م ونقلوا إليها عاصمتهم. وتجزأت دولة بني هارون في شنتمرية الغرب إذ نشأت دولة بني مزين وعاصمتها شلب سنة ١٠٦٨ م وانضم الباقي إلى دولة بني عباد وعاصمتهم إشبيلية (بإسبانيا اليوم). ثم قضى المرابطون على بني الأفطس وبني عباد ووحدوا البلاد واستقرت الحدود لمائة وخمسين سنة بعد أن احتل البرتغاليون مدينة الأشبونة سنة ١٠٩٣ م.
وحلّت الدولة الموحدية محل الدولة المرابطية فاحتل البرتغاليون مدينة يابورة سنة ١١٦٦ م. ولما ضعفت الدولة الموحدية سيطر البرتغاليون على مدن إسلامية أخرى، فغزوا قصر بني دنيس سنة ١٢١٧ م ثم باجة وشنتمرية وشلب وجميع غرب
стр. 76
الأندلس سنة ١٢٤٩ م، فنقلوا عاصمتهم من قلمرية إلى الأشبونة واستقرت حدود البرتغال على ما هي عليه اليوم.
وعند احتلال الأراضي الإسلامية، صادر البرتغاليون جميع أراضي المسلمين وبيوتهم ووزعوها على نبلاء النصارى. فهاجر عدد كبير من المسلمين إلى ما تبقى من الأراضي الإسلامية بينما استقر معظم الباقين كمدجنين بنسب عالية في الجنوب.
ولما أرغمت إسبانيا المسلمين على التنصير تبعتها البرتغال سنة ١٥٠٢ م بتنصير المدجنين. فهاجر منهم عدد كبير إلى شمال المغرب وسمحت لهم إسبانيا بعبور أراضيها بينما استقر الباقون كنصارى ظاهرًا ومسلمين سرًّا. وبقيت هذه الجاليات إلى سنة ١٥٤٠ م عندما تزوج ملك البرتغال بأخت ملك إسبانيا. وكان شرط الزواج طرد المسلمين. فهاجر عدد كبير منهم إلى العرائش والقصر الكبير والمناطق المجاورة لهما بشمال المغرب. بينما بقي الباقون كنصارى في البرتغال. وينتمي اليوم معظم سكان البرتغال جنوب الأشبونة إلى أصول إسلامية وهم لا يختلفون عن الأندلسيين.
عند سقوط طليطلة سنة ١٠٨٥ م هاجر إلى باقي الأراضي الإسلامية عدد كبير من المسلمين، بينما بقي الآخرون تحت حكم النصارى كمدجنين. وكثرت أعداد هؤلاء بعد سقوط أراض إسلامية واسعة في القرن الثالث عشر في يد قشتالة، منها عواصم الإسلام مرسية وقرطبة وإشبيلية. وكان القشتاليون الذين يوقعون عقودًا مع المغلوبين يضمنون فيها حقوقهم الدينية، ينكرونها بسرعة بعد تمكنهم، ويعاملونهم معاملة ظالمة.
في سنة ١٢٥٨ م وضع ألفونسو العاجز قانونًا عامًا لمملكته سماه"الأقسام السبعة" صنف فيها المسلمين إلى أربع فئات وجعل لكل فئة منها معاملة خاصة، وهم المتنصرون والعبيد والمعتقون والمدجنون. أما المتنصرين فكانوا موضع احتقار من طرف النصارى القدامى، فوحد القانون بين الفئتين، وأعطى ميراث الأب المسلم لأولاده المتنصرين دون غيرهم من الأبناء. وعقوبة من يرتد منهم الموت وفقدان الحقوق ومصادرة الأموال. أما الأرقاء المسلمون فكانوا معرضين لكل أنواع الظلم والإيذاء، وكان لسيدهم عليهم حق الموت والحياة والتعذيب والاغتصاب والتفريق بين الأقارب وبيع من شاء منهم. ولم يكن حال المعتقين أفضل بكثير من حال الرقيق. أما المدجنين فكانت حريتهم الدينية تحترم لحد ما، وكانوا يعيشون في أحياء خاصة
стр. 77
بهم لهم شرائعهم وقضاتهم وتقاليدهم ومساجدهم وأعيادهم، وإن كانوا دائمًا عرضة للاضطهاد حسب أهواء طاغية الوقت وسياسته الخارجية.
نتيجة هذه المعاملة السيئة، ثار المدجنون سنة ١٢٦١ م وانقضوا على جميع الحصون الممتدة بين شريش غربًا ومرسية شرقًا، ورفعوا علم مملكة غرناطة وأعلنوا انضمامهم لها. وساند ابن الأحمر هذه الثورة بادىء الأمر. كان الفونسو العاشر في شقوبية، فطلب من ابن الأحمر مساعدته على القضاء على الثورة حسب الاتفاق الذي بينهما، فاعتذر، وسانده خايمي الأول، ملك أراغون. وضرب ملك قشتالة الحصار على شريش في مايو سنة ١٢٦٤ م، فاستسلمت بعد ستة شهور فطرد أهلها. ثم احتل الفونسو من جديد شلوقة وشذونة والبريجة وأركش وأخيرًا قادس سنة ١٢٦٦ م. واحتل ملك أراغون لقنت سنة ١٢٦٣ م، ثم قرطاجنة. ثم فرض الحصار على المرية مع جيش قشتالي برئاسة ابن ملك قشتالة، فاستسلمت المدينة في ١٣/ ٢ / ١٢٦٦ م. وفي ٥/ ٦ / ١٢٦٦ م فرق ملك قشتالة بين مسلمي ونصارى مرسية في حيين وبنى بينهما سورًا. وكان يسمى الحي الإسلامي الرشاقة، وبقيت إدارته بيد بني هود المسلمين إلى سنة ١٣٠٨ م حيث انتقلت الإدارة إلى يد القشتاليين.
ثم توالت القرارات التي تحد من حقوق المسلمين، يشرع كل ملك عند توليته تشريعات جديدة ضد المسلمين. ففي سنة ١٣٤٨ م أصدر الفونسو الحادي عشر أمرًا من قلعة النهر يحرم فيه على المسلمين أن يتعاملوا بالمال أو يقرضوا بالفائدة، ثم حرم عليهم في قرار من مجريط أن يشغلوا وظيفة مالية مع الحكومة أو مع النبلاء، ومنعهم من المحاماة في القضايا القائمة بين النصارى. وحدد عقوبة من يخالف بمصادرة جميع الأموال والتعذيب الجسدي.
وجدد الملك أنريكي الثاني في برغش سنة ١٣٦٨ م التحريمات السابقة وأصدر أمرًا آخر سنة ١٣٧١ م يحرم فيه على المسلمين التسمي بأسماء نصرانية ويفرض عليهم وضع إشارة مميزة في ثيابهم.
وأصدر خوان الأول في شوربة مرسومًا سنة ١٣٨٧ م يجدد فيه منع المسلمين من الوظائف المالية ويمنع شتم المتنصرين وإهانتهم بتسميتهم بالكلاب والخنازير، ويعاقب من يخالف بغرامة قدرها ٣٠٠ مرابطي أو الحبس ١٥ يومًا. كما يحرم على النصارى تربية أولاد المسلمين ويعاقب من يخالف بغرامة قدرها ٦٠٠ مرابطي، وسمح
стр. 78
للمزارعين النصارى بالعمل لدى المسلمين وحمايتهم في أسفارهم. ويقرر المرسوم بألا يعتق الرق المسلم بيد اليهودي إذا اعتنق اليهودية بل يسترق سيده.
وأصدر خوان الأول مرسومًا آخر سنة ١٣٨٧ م يمنع فيه المسلمين من العيش مع النصارى أو العكس، ويعاقب المخالف بالتعذيب ومصادرة الأموال. ويحرم على النصارى استعمال المسلمين إلا إذا كانوا عبيدًا لديهم، ويعاقب من يخالف بغرامة قدرها ٦٠٠٠ مرابطي إلا إذا كان المسلم طبيبًا. ويحرم على المسلمين العمل يوم الأحد علنًا، ويعاقب المخالف بغرامة قدرها ٣٠ مرابطي. يجبر المرسوم المسلمين على إخلاء الطريق التي يمر بها الصليب، وإذا تعذر عليهم ذلك وجب عليهم الركوع للصليب، وعقوبة المخالف مصادرة ثيابه وإعطائها للنصراني الذي يقبض عليه ويسلمه للقاضي.
ثم أصدر خوان الأول مرسومًا ثالثًا سنة ١٣٨٨ م في بلد الوليد يجدد منع النصارى من معايشة المسلمين أو تربية أبنائهم، ويعاقب من يخالف بالجلد. ويمنع المرسوم المسلمين مرة أخرى من دخول الوظائف العامة خاصة المالية منها.
وأصدر خوان الثاني مرسومًا في بلد الوليد سنة ١٤٠٨ م يكرر فيه منع المسلمين من دخول الوظائف المالية، ويعاقب كلاً من المسلم المخالف ومستخدمه النصراني بغرامة قدرها ٢٠٠٠ مرابطي. كما يمنع المرسوم المسلمين من الأكل أو الشرب مع النصارى ويعاقب من يخالف بالجلد مائة جلدة. ويحرم على المسلمين استخدام النصارى ويعاقب من يخالف بالجلد مائة جلدة. وإذا تكررت المخالفة في هذه الحالة والحالة السابقة يدفع المخالف ألف مرابطي، يمنح ثلثها للمخبر النصراني. ويمنع المرسوم المسلمين من الحضور في أعياد النصارى كما يمنعهم من أن يكونوا عرابين في حفلات التعميد، ويعاقب من يخالف بغرامة قدرها ٢٠٠٠ مرابطي. ويمنع المرسوم المسلمين من زيارة المرضى النصارى، ويعاقب من يخالف بغرامة قدرها ٣٠٠ مرابطي. ويمنع المسلمين من مزاولة مهنة الجراحة أو العطارة أو الصيدلة أو بيع المواد الغذائية أو الأدوية. ويعاقب من يخالف بدفع غرامة قدرها ٢٠٠٠ مرابطي وبالجلد. ويجبر المرسوم المسلمين على السكن في أحياء خاصة، ويلغي المحاكم الشرعية الإسلامية ويوصي القضاة النصارى أن يقضوا بين المسلمين وفقًا للحقوق التي منحتهم إياها امتيازاتهم. ويمنع المرسوم النبلاء من قبول المسلمين الذين يغيرون محل إقامتهم، ويعاقب المخالف بغرامة قدرها ٢٠٠
стр. 79
مرابطي، ولمن يكرر المخالفة غرامة قدرها ١٠٠.٠٠٠ مرابطي، وتصادر كل أملاك وإقطاعات من يخالف للمرة الثالثة. ويقضي المرسوم على المدجن المسلم الذي يقبض عليه وهو هارب إلى مملكة غرناطة بأن يسترقه النصراني القابض عليه.
وتصادر أملاكه لصالح النصراني المذكور.
ثم أصدر خوان الثاني مرسومًا ثانيًا في نفس السنة أجبر فيه المدجنين في طليطلة وغيرها من المدن على ترك منازلهم وأموالهم والانتقال إلى قشتالة القديمة.
وأصدر خوان الثاني مرسومًا سنة ١٤٢٢ م يقضي فيه بالإعدام على كل مسلم يمنع آخر من اعتناق النصرانية ولو كان ابنه، ويقضي باسترقاق المسلم القادم من مملكة غرناطة لصالح النصراني القابض عليه. ثم أصدر أمرًا سنة ١٤٣٥ م يحرم فيه على النصارى توقيع كتب التزام وإقرار بدين لمسلم إلا إذا كان خاليًا من شرط دفع فائدة عن هذا الدين. وأصدر أمرًا سنة ١٤٣٨ م يعتبر فيه يمين النصراني أمام القاضي الذي يقر فيه بدين لمسلم باطلة إلا إذا كان المقر له مزارعًا.
ثم أصدرت الملكة إيسابيلا في مجريط سنة ١٤٧٦ م مرسومًا تلغي فيه ما تبقى من المحاكم الشرعية الإسلامية، وتمنع فيه المسلمين من لبس الجوخ أو الحرير أو الذهب أو الفضة، كما حرمت عليهم أن يكون ذلك في جهاز خيولهم، وتعاقب من يخالف بمصادرة ذلك. ويجبر المرسوم المسلمين على وضع قطعة ثوب حمراء على أكتافهم، وقلنسوة أو قبعة خضراء على رؤوسهم، والمسلمات على حمل قطعة ثوب أزرق عرضها أربعة أصابع.
ثم أصدرت الملكة إيسابيلا في طليطلة أمرًا آخر سنة ١٤٨٠ م أكدت فيه على عزل المسلمين عن النصارى في السكن، وكررت فيه الأمر باسترقاق المسلمين الهاربين إلى غرناطة لحساب القابض عليهم. وسمحت للمسلمين ببناء مساجد جديدة في أحيائهم.
هذه هي الأوضاع التي كان يعيشها المسلمون المدجنون في مملكة قشتالة قبل سقوط غرناطة. أما بعد سقوطها، فقد أخذت الدولة الإسبانية تعاملهم بكيفية أسوأ بكثير على غرار معاملتها لمسلمي غرناطة، إلى أن قرر الملكان الكاثوليكيان إرسال أمر إلى حاكم قرطبة سنة ١٥٠٢ م يطلبان منه فيه اتخاذ قرار حازم يقضي بقتل المسلمين الرافضين للتنصير أو طردهم خارج البلاد. كما أصدرا أمرًا يحرمان فيه على مسلمي قشتالة الاتصال بمسلمي غرناطة أو الاختلاط بهم. ثم صدر قرار ملكي بتاريخ
стр. 80
١٢/ ٢ / ١٥٠٢ م نشر بإشبيلية يأمر بتنصير جميع مسلمي قشتالة وليون وإخراج من يرفض التنصير. فتنصر ظاهرًا معظمهم.
ظلت قشتالة تخاف من تأثير الثبات الغرناطي على مورسكيي قشتالة. فصدر مرسوم ملكي في فبراير سنة ١٥١٥ م أعلن في طليطلة يحرم فيه بتاتًا على المنصرين حديثًا في أية جهة من مملكة قشتالة أن يخترقوا أراضي مملكة غرناطة أو يتصلوا بمورسكيي غرناطة، وعقوبة المخالف الموت والمصادرة.
وحاول كارلوس الخامس معاملة المورسكيين القشتاليين بشيء من الرأفة، فأبلغ سنة ١٥٤٣ م "المفتشين العامين" في "ديوان التفتيش" بأنه تحقيقًا لرغبة مطران طليطلة أصدر عفوه على أهل "مدينة دل كامبو" وبلدة "أريفالو" فيما ارتكبوه من ذنوب الكفر والمروق (أي إخفاء الإسلام) ويكتفي بأن يطلب منهم الاعتراف بذنوبهم أمام الديوان ثم ترد إليهم أملاكهم المصادرة.
هذه هي أوضاع مسلمي قشتالة قبيل ثورة غرناطة العظمى. ولنر الآن أوضاع مسلمي مملكة أراغون الذين كانوا أكثر عددًا ونفوذًا من إخوانهم في قشتالة.
٢/ ٥ - وضع المدجنين في مملكة أراغون:
كانت مملكة أراغون تنقسم إلى أربع مناطق إدارية: أراغون القديمة وقطلونية ومملكة بلنسية والجزر الشرقية. وقد تكونت مجموعات كبيرة من المدجنين في كل هذه المناطق عند احتلالها من يد المسلمين. بقيت في القرن السادس عشر مجموعات إسلامية على مصب نهر أبرة في منطقة طرقونة وطرطوشة التابعتان لقطلونية، منذ سقوط الأولى من يد المسلمين سنة ٩٦٠ م والثانية سنة ١٢٠٠ م. وبقيت مجموعة كبيرة من المدجنين في منطقة أراغون القديمة منذ سقوط سرقسطة سنة ١١١٨ م حتى أصبحوا يكونون في القرن السادس عشر خمس السكان، وكانت نسبهم أعلى خارج المدن وفي السهول. وسقطت مملكة بلنسية في يد النصارى سنة ١٢٣٨ م، ورغم الهجرة والطرد فقد بقي ثلث سكانها مسلمين في القرن السادس عشر، بينما كونوا أكثرية السكان في كثير من مناطقها. واحتل النصارى أكبر الجزر الشرقية، ميورقة، سنة ١٢٢٠ م، ويابسة سنة ١٢٣٥ م، ومنورقة سنة ١٢٨٦ م، وبقي بها عدد من المدجنين. وكان معظم مدجني مملكة أراغون مزارعين يعملون في أراض يملكها نبلاء
стр. 81
نصارى يعيشون عالة عليهم. ولذا عمل النبلاء على حمايتهم دفاعًا عن مصالحهم. ولنر وضع هؤلاء المدجنين قبل سقوط غرناطة وبعده.
احتل خايمي الأول ملك أراغون بلنسية سنة ١٢٣٨ م بعد أن عقد مع أهلها معاهدة يتعهد فيها بصيانة المسلمين وأموالهم وعقيدتهم ولغتهم والشريعة الإسلامية وأن يهادن ما تبقى من منطقة بلنسية في يد المسلمين لمدة ثمان سنين. لكن خايمي غدر بعهوده فور تملكه المدينة، فلاحق المسلمين داخلها وخارجها، وحول أجمل المساجد وأكبرها إلى كنائس، وأتى بمهاجرين نصارى من الشمال، وأسكن المسلمين في أحياء خاصة بهم. وأخذ النصارى القادمون يزعجون المسلمين دون ردع من الدولة. ثم صادر خايمي الأول أموال المسلمين وأقطعها للنبلاء من النصارى الوافدين حتى أصبح جميع المسلمين شبه أرقاء يعملون لساداتهم من النصارى. وفي سنة ١٢٤٨ م نشر خايمي الأول تشريعات خاصة بالمسلمين لا تختلف عن مثيلاتها المطبقة في قشتالة، وكانت معارضة تمامًا لمعاهدات الاستسلام.
وفي سنة ١٢٥١ م احتل خايمي الأول مدينة شاطبة فأصدر منشورًا بتاريخ ٢٣ /
١١/ ١٢٥١ م يتضمن شروطًا سخية لهم مماثلة لتلك التي وقعها مع بلنسية عند
استسلامها.
ثم أخذ بابا روما يضغط على خايمي الأول لإبادة العنصر الإسلامي الموجود في مملكته. فحاول ملك أراغون طاعته في ذلك، لكنه واجه معارضة من الإقطاعيين النبلاء الذين رأوا في المسلمين عنصرًا لإغنائهم، كما تعارضت أوامر البابا مع سياسة أراغون المتظاهرة بمعاملة أفضل للمسلمين من قشتالة لتنافسهما على غزو ما تبقى من الأراضي الإسلامية، كما أن العنصر الإسلامي كان يكون أكثرية السكان والطبقة العاملة منهم يصعب ملء الفراغ الذي يتركونه إذا طردوا.
وأمام هذه المعاملة السيئة والغدر الصريح للمعاهدات ثار المسلمون سنة ١٢٥٤ م تحت زعامة رجل اسمه الأزرق واستولوا على عدد من الحصون بين شاطبة ودانية ولقنت، وسيطروا على الجبال الواقعة جنوب نهر شقر. فتوجه خايمي الأول على رأس جيش إلى بلنسية، وعقد فيها مجلس النواب (الكورتس) الذين قرروا طرد المسلمين من مملكة أراغون، وسمحوا لهم أن يحملوا ما يستطيعون حمله من أموالهم وأمتعتهم. فشجع ذلك المترددين من المسلمين على الانضمام إلى
стр. 82
الثورة. فاندلعت الثورة شمال نهر شقر، وانضم المطرودون إلى الثوار واستولوا على ١٢ حصنًا، لكن مسلمي مدينة بلنسية وضواحيها فضلوا النزوح إلى مرسية على الثورة. ودامت الثورة بمساعدة مملكة غرناطة بين مد وجزر إلى سنة ١٢٥٧ م حيث اضطر الأزرق وباقي المسلمين إلى الاستسلام على أن ينزح من أراد من قواد الثورة إلى غرناطة ويبقى من يريد البقاء في أرضه دون أن يشمله الطرد.
واستغل البابا كليمانت الرابع مساعدته للملك خايمي الأول في إخماد ثورة بلنسية بالمال لفرض شروطه، وأعلن أن الكنيسة مستعدة أن تتنازل عن حصتها في الضرائب المسماة بالعشر شرط أن يقسم الملك أمام مذبح العذراء في كنيسة بلنسية بأن يبيد المسلمين الموجودين في مملكته جميعًا. فأقسم الملك على ذلك والتزم به علنًا، لكنه تردد في تطبيق ذلك خوفًا من أن تقلص مملكته، وتوصل إلى حل إجرامي وهو رفع حماية الدولة عن المسلمين نهائيًّا. فأصبح المسلمون عرضة للاعتداءات وهجوم الجنود النظاميين لأخذ أبنائهم وبناتهم وبيعهم كعبيد. ولم يرد الملك على شكاوى المسلمين بل زاد على ذلك بقوانين تعسفية سنة ١٢٦٨ م حدد فيها حق اللجوء إلى الكنائس بثلاثة أيام، وكان كثير من ضعفاء المسلمين يهربون إلى الكنائس من ظلم المعتدين عليهم فيحصلون مقابل التنصير على حماية دائمة.
وعندما يئس المسلمون من إنصاف الملك خايمي الأول قرروا الثورة مرة ثانية في شهر مارس عام ١٢٧٦ م جنوب نهر شقر، واحتل الثوار أربعين حصنًا واستغاثوا بسلطان غرناطة، أبو عبد الله. فعامل خايمي أولاً الثوار بالحيلة، إذ هادن الحصون التي لا ترفع علم غرناطة وحارب الحصون الأخرى، وبهذا شجع النزاعات الداخلية بين المسلمين. ثم حاصر الملك خايمي مدينة شاطبة عاصمة الثوار، فاختار الثوار رئيسًا لهم الأزرق مرة ثانية ولما استشهد أمام حصن الكيل تسلم ابنه القيادة فاستشهد بدوره. ورغم ذلك لم يستطع النصارى احتلال شاطبة ونجح الثوار في تحرير حصن الكيل.
ومرض خايمي الأول إبان الثورة، فنشر عند احتضاره منشورًا في ١٨/ ٧ / ١٢٧٦ م ضمن فيه وصيته لابنه وخليفته بدرو الثالث جاء فيها: "لقد تقدمنا بالوعد أمام مذبح العذراء في بلنسية بأن نخرج المسلمين من أرضنا، وذلك لقاء تنازل البابا عن العشر، فإننا نرجو من ولي العهد دون بدرو بأن يطرد جميع المسلمين من
стр. 83
مملكة بلنسية وأن لا يبقي منهم فيها أحدًا لأي سبب كان، حتى ولو دفعوا ما عليهم ... "، وحينما قربت وفاته سلم ابنه سيفه وأوصاه أن يستعمله ضد المسلمين دون توقف ولا هوادة إلى أن يقضي عليهم جميعًا ويطردهم من المملكة. ومات خايمي الأول في ٢٧/ ٧ / ١٢٧٦ م وثورة المسلمين في أوجها.
وعندما تسلم السلطة بدرو الثالث تفاوض مع الثوار، واتفق معهم على هدنة مدتها ثلاثة شهور، باستثناء ستة حصون نجح في احتلالها في شهر أبريل سنة ١٢٧٧ م. ثم احتل مويلة في ٢٩/ ٩ / ١٢٧٧ م وأخيرًا استسلمت له منتيسة، فتلاشت الثورة. فأمر الملك بنزع سلاح الثوار دون معاقبتهم، ووزعهم على أنحاء المملكة لإعمارها دون أن يأبه بوصية أبيه.
وفي سنة ١٢٨٣ م أصدر الملك بدرو الثالث قانونًا يسمح فيه للمسلمين بالانتقال والإقامة حيثما شاؤوا في مملكته والتجارة بحرية، لكنه حرم عليهم وظائف القضاء والشرطة والمال، وألزمهم بأن يقسموا يمينًا أن لا يقرضوا أحدًا بأكثر من ٢٠% سنويًّا، ويعاقب المخالف بغرامة قدرها خمس دوقات ذهبية، ومنع قبول شهادة المسلم إلا بشروط حددها، وقضى بسقوط الدين غير المعقود أمام القضاء بعد ست سنين إن كان المقرض مسلمًا.
وفي سنة ١٣٠١ م أصدر الملك خايمي الثاني قانونًا ينص فيه على أنه تكفي شهادة نصرانيين بحق المسلم دون حاجة لشهادة مسلم معهما كما كان يجري به العمل من قبل. وفي عام ١٣١١ م، أيام هذا الملك، دعا البابا كليمنت الخامس إلى عقد مجمع كنسي في فيينا طالب فيه ملوك أراغون وقشتالة والبرتغال بإخلاء ممالكهم من الإسلام، وإن لم يفعلوا أوعدهم بنزول غضب الله عليهم.
وفي سنة ١٣٢٨ م أصدر الملك الفونسو الرابع قانونًا في بلنسية يعطي فيه السلطة المطلقة للسيد الإقطاعي أن يقضي بين المسلمين الذين تحت حكمه، وأن يعاقب ويبتر الأعضاء ويجلد ويقتل ويصادر ويحتفظ بما يصادره لنفسه أو يقتسمه مع القاضي في أحيان محددة. أما ابنه بدرو الرابع فقد سن عام ١٣٤٢ م قانونًا يؤكد فيه القانون السابق. وفي سنة ١٣٧٠ م سن قانونًا يمنع فيه المسلمين من الهجرة إلى غرناطة أو إلى المغرب حتى لو دفعوا خمس ممتلكاتهم كما كانوا يفعلون من قبل.
وسن قانونًا ثالثًا سنة ١٣٧١ م يمنع فيه فرض مراقب نصراني على المسلمين كما كان من قبل. وفي سنة ١٣٨٩ م أصدر الملك خوان الأول قانونًا يحرم فيه على الأسرى
стр. 84
المسلمين أن يفتدوا بأموال من مملكة بلنسية إن كانوا خارجها، وإن فعلوا تعرضوا لعقوبة الاسترقاق.
وفي سنة ١٤٠٣ م أصدر الملك مارتين الأول قانونًا يؤكد فيه ما شرع من قبل حول فدية أسرى المسلمين، ويقضي بمصادرة أموال كل من هاجر من المسلمين، واسترقاق من يقبض عليه منهم، وتوزيع أموالهم ثلاثة أثلاث: للملك، وللإقطاعي الذي كان يسكن عنده المهاجر، وللإقطاعي الذي قبض على أرضه. ويمنع القانون المسلمين من الانتقال من أرض إقطاعي إلى أرض غيره إلا بشروط، ويوجب على الإقطاعي الذي يلجأ عنده مسلم بأن يسلمه خلال ثمانين يومًا من الإنذار النهائي لتسليمه وإلا غرم ١٠٠٠ فلوران.
وفي سنة ١٤١٨ م أصدر الملك فراندو الأول قانونًا يحرم فيه على المسلمين الخروج من مملكة أراغون إلا لخدمة سيدهم النصراني ودون اصطحاب أبنائهم. وقرر القانون بان المسلمة المسترقة التي تحمل من سيدها لا تصبح حرة إلا إذا اعترف السيد النصراني بأنه منها، وإذا حملت من غير سيدها، إن كان نصرانيًّا تظل مسترقة ويجبر النصراني على أخذ ابنه، هان ماتت المرأة عند الولادة دفع ثمنها لسيدها. وأمر القانون أن توضع أحياء المسلمين تحت إشراف مراقب نصراني، وحرم على المسلمين الآذان تحت طائلة الإعدام، وفرض عقوبة الموت على المسلم الذي يجرح نصرانيًّا في غير الدفاع المشروع، وغرامة تعادل ضعفي الغرامة التي يدفعها النصراني في حالة الدفاع المشروع.
وأصدر الملك الفونسو الخامس قانونًا يمنع فيه هجرة المسلم حتى لو حصل على موافقة سيده الإقطاعي. وأصدر سنة ١٤٢٨ م قانونًا أكد فيه حق السادة الإقطاعيين في القضاء بين جميع أتباعهم بما فيهم المسلمين، وأصدر أمرًا يقضي بأنه لا يحق للمسلم أن يدعي الفقر ليتخلص من قضاء سيده وليطالب بمحاكمته أمام محاكم الدولة كما هو الوضع بالنسبة للفقراء. وقرر أن المسلم إذا بدل مقر سكناه من إقطاع إلى إقطاع آخر دون تصفية حساباته صودرت كل أملاكه المنقولة وغير المنقولة، وإذا بدل مقره دون موافقة سيده الإقطاعي فرض عليه الرق وعلى زوجته وأولاده.
هذا هو الوضع الذي كان عليه المسلمون في مملكة أراغون قبل سقوط
غرناطة. وكانوا يعيشون كمسلمين تحت حكم النصارى لمدة تتراوح بين القرنين
стр. 85
والثلاثة قرون يعملون كمزارعين لساداتهم النصارى لهم عليهم سيطرة تشبه سيطرة السادة على العبيد. ونظموا أنفسهم دينيًا في جماعات تعيش حول مساجدها، لها فقهاؤها وعلماؤها. لكن هذا التوازن الذي تعود عليه المدجنون في مملكة أراغون سيختل إلى الأسوأ بعد سقوط غرناطة.
أصبحت مخاوف مسلمي أراغون تتزايد منذ صدور الأمر بتنصير مسلمي غرناطة ثم مسلمي قشتالة سنة ١٥٠٢ م. فتدخل السادة الإقطاعيون الذين يعمل المسلمون في أراضيهم أمام مجلس الكورتس في برشلونة سنة ١٥٠٣ م لحمايتهم من التنصير الإجباري أو الطرد. ولقد جاءت هذه الحماية ببعض النتائج في أول الأمر حتى أن الملك كارلوس الأول اضطر سنة ١٥١٧ م أن يكذب الشائعات التي تنسب إليه نية طرد المسلمين من مملكة أراغون. لكن عداوة الكنيسة وعامة النصارى للمسلمين كانت قوية، كما أن الدولة سلحت عامة النصارى سنة ١٥٠٩ م لرد هجوم المجاهدين الأتراك على السواحل ومنعت المسلمين من سكنى السواحل.
وأصبح هذا العداء يظهر بشكل واضح ودموي بعد حادث قتل عبدين من طرف مسلمين في ٢٠/ ٥ / ١٥٢١ م. فهاجم النصارى قرى إسلامية في منطقة بلنسية في شهر يونيو سنة ١٥٢١ م، وفي ١٥/ ٧ / ١٥٢١ م هاجمت قوة من النصارى قوامها ٤٠٠ شخص بلدة مربيط الإسلامية، وفي شهر غشت من نفس السنة أجبر النصارى ١٥.٠٠٠ مسلم على التنصير بالقوة خاصة في بلدة بولوب وضواحيها، وفي مارس سنة ١٥٢٢ م قامت قوة من النصارى بالإغارة على قريتين مسلمتين هما البركة والكوثر.
ومنذ مارس سنة ١٥٢٣ م أخذت "محاكم التفتيش "تناقش موضوع تشبث المورسكيين بالإسلام، فقام المفتش العام دون ألونسو منريكي بعقد اجتماع لمحاكم التفتيش في شهر يناير عام ١٥٢٤ م لدراسة موضوع رجوع الذين تنصروا منذ عام ١٥٢١ م إلى الإسلام. وتأجل الاجتماع عدة مرات، ثم عقد أولى جلساته في ١٩/ ٢ / ١٥٢٥ م ودامت الاجتماعات إلى ٢٢/ ٦ / ١٥٢٥ م. فقرر الجمع بأن المسلمين الذين أجبروا على التنصير هم نصارى وجب عليهم أن يعيشوا حياة النصارى، وعلى " محاكم التفتيش "أن تعاملهم معاملة المرتدين إذا رفضوا ذلك.
وفي نفس الوقت طلب كارلوس الخامس رأي البابا في الأمر. فأصدر البابا كليمنت السابع أمرًا بتاريخ ١٢/ ٥ / ١٥٢٤ م يتضمن إحلال الملك من قسمه في
стр. 86
المحافظة على حقوق المسلمين ومطالبة الملك بتحويل المسلمين إلى النصرانية بالقوة ومنحه حق فرض الرق على من رفض ونصحه باستعمال محاكم التفتيش لإرهاب المسلمين وإجبارهم على التنصير. وفي ١٦/ ١١ / ١٥٢٥ م أصدر الملك أمرًا بتنفيذ مضمون الأمر البابوي وقضى بتنصير المسلمين ونزعهم من السلاح وتحويل جميع المساجد إلى كنائس تحت طائلة إيقاع المعارضين في الرق بعد ٨/ ١٢ / ١٥٢٥ م. وفي ١٠/ ١٢ / ١٥٢٥ م طلب مفوض ديوان التفتيش من المسلمين الرافضين للتنصير الاستعداد لترك بيوتهم والخروج من المملكة في موعد أقصاه ٢١ /
١/ ١٥٢٦ م.
أوفد المسلمون شخصين إلى الملك يسترجعونه في هذا الأمر فرفض الرجوع عنه. لكن مقابل غرامة له منهم قدرها ٤٠.٠٠٠ دوقة خفف عليهم شروط التنصير، إذ منحهم حق الاستمرار في استعمال اللغة العربية لمدة أقصاها عشر سنين، ووعدهم بإبطال نزع السلاح، وبأن يساويهم بالنصارى القدامى في الضرائب. فدخل اليأس نفوس المسلمين ولم يعودوا يفكرون إلا في الثورة، فثار بعضهم في أحواز سرقسطة.
وانطلقت الثورة في منطقة بلنسية من بلدة بني الوزير وانتشرت إلى القرى المجاورة.
ثم ثار المسلمون على ضفاف نهر شقر وفي الأراضي الواقعة بين دانية وغاندية وتحصنوا في حصن بولبه. ثم تحرك الثوار إلى مدينة بيكوك.
وفي ١٥/ ٢ / ١٥٢٦ م أعلن المنادون في شوارع بلنسية باسم نائب الملك الحرب على المسلمين، فتقدم ٥.٠٠٠ متطوع نصراني، حاصروا حصن بولبه، فاضطر المدافعون عنه إلى الاستسلام في ١٨/ ٣ / ١٥٢٦ م. فاسترق النصارى من وجدوا فيه من مسلمي أراغون وأجبروا الباقين على التنصير ودفع غرامة قدرها ١٢.٠٠٠ دوقة من الذهب. لكن معظم الثوار اتجهوا شمالاً إلى بلدة شقوربة وتحصنوا بجبال "أشالدان " الواقعة بقربها وبايعوا سلطانًا عليهم سليم المنصور. ونشطوا في تحصين تلك الجبال وتعاهدوا على الجهاد حتى الشهادة. فجاء الملك على جيش إلى بلنسية وبدأ هجماته على الثوار في شهر أبريل ١٥٢٦ م ثم استنجد بالمتطوعة الألمان، فالتحق بجيشه ٣.٠٠٠ جندي ألماني في ٧/ ٩ / ١٥٢٦ م، وتزايد عدد جنود الجيش المهاجم حتى زادوا على ٨.٠٠٠ جندي دون الفرسان. فانهزم المسلمون واستشهد سلطانهم سليم المنصور. ثم قضي على الثوار المسلمين في منطقة دانية، ففر منهم حوالي ألفي شخص على بواخر مجاهدي البحر للجزائر والمغرب.
стр. 87
وهكذا قضى كارلوس الخامس على مقاومة المسلمين في مملكة أراغون وسار في مخططه التنصيري بينما عمل المسلمون كإخوانهم في غرناطة على الحفاظ على إسلامهم سرًّا والتظاهر تحت واقع القهر بالنصرانية.
وأخذ كثير منهم يهاجر إلى بلاد الإسلام في بلدان المغرب. ففي سنة ١٥٢٩ م وحدها أرسل خير الدين الحاكم العثماني على الجزائر عدة سفن بقيادة نائبين، ايدين ريس وصالح ريس، فرست بقرب مرفأ أوليفة شمال دانية ونزلت منها إلى البر قوة استطاعت أن تحرر ٦٠٠ مسلم أندلسي ممّن يرغب في الهجرة وهاجمت السفن التركية سفنًا إسبانية أغارت عليها في طريق الرجوع. ويقدر عدد من هاجر في سفن الأتراك من مملكة أراغون وحدها في هذه الفترة ما يقارب ٧٠.٠٠٠ مورسكي. كما حمل في سنة ١٥٥٩ أمير البحر طورغود من شاطىء بلنسية ٢.٥٠٠ مورسكي.
كما حاولت الدولة الإسبانية قطع الصلة بين المسلمين في المناطق المختلفة خاصة بين مسلمي مملكة بلنسية ومسلمي مملكة غرناطة. ففي سنة ١٥٤١ م حرم على مسلمي غرناطة النزوح إلى بلنسية وحرمت الهجرة من بلنسية إلا بترخيص ملكي مقابل غرامة باهظة.
هذه هي الأحوال التي كان عليها مسلمو مملكة أراغون قبيل ثورة غرناطة العظمى: مسلمين سرًّا ونصارى ظاهرًا، منهم من يأمل في قوة خارقة تحررهم من الظلم الذي هم عليه، ومنهم من لا يفكر إلا في الهجرة إلى ما تبقى من دار الإسلام في البحر الأبيض المتوسط خاصة شمال إفريقيا.
стр. 88
مراجع
الفصل الثاني
٢/ ١ - A. de Santa Cruz "Cronica de los Reyes Catolicos" Edition y estudio
por Juan de Mata Carriazo, Tomo, Sevilla ١٩٥١, Capt. XLIV,
Page. ١٩٣.
٢ / ٢ - Lafuente Alcanta "Historia de Granada", Granada, ١٩٠٤.
٢ / ٣ - مؤلف مجهول "نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر" طبع بالعرائش سنة ١٩٤٠ م بتحقيق الفريد البستاني.
٢/ ٤ - محمد داود "تاريخ تطوان" ٨ أجزاء، تطوان والرباط، ١٩٥٩ - ١٩٧٩.
٢/ ٥ - Hernando de Baeza "Las Cosas de Granada", ed. por M. Muller, Gottingen, ١٨٦٣.
٢ / ٦ - Luis del Marmol Carvajal "Historia del Rebelion y Castigo de los Moriscos de Granada", Biblioteca de Autores Espanoles.
٢ / ٧ - محمد عبده حتاملة "التنصير القسري لمسلمي الأندلس في عهد الملكين الكاثوليكيين" عمان، الأردن، عام ١٩٨٠ م.
٢/ ٨ - M. A. Ladero Quesada "Los Mudejares de Castilla en Tiempo de Isa-
bell" Valladolid (Espana) , ١٩٦٩.
٢ / ٩ - A. Gallego Burin y A. Gamir Sandoval "Los Moriscos del Reino de
Granada segun el Sinodo de Guadix en ١٥٥٤" Granada, ١٩٦٨.
٢ / ١٠ - A. Dominguez Ortiz y Bernard Vincent "Historia de los Moriscos"
Revista de Occidente, Madrid, ١٩٧٨.
٢ / ١١ - علي محمد حمودة "تاريخ الأندلس السياسي والعمراني والاجتماعي" الطبعة الأولى سنة ١٩٥٧ م.
стр. 89
٢/ ١٢ - المقري "أزهار الرياض في أخبار عياض" الجزء الأول، الصفحات ١٠٩ إلى ١١٥، القاهرة سنة ١٩٣٩ م.
٢/ ١٣ - A. C. Lea "History of the Inquisition in Spain" ٤ Volumes, New York (USA) , ١٩٠٦-١٩٠٧.
٢ / ١٤ - يوجد النص العربي بمكتبة الفاتيكان ( Borgiano Arabo) رقم ١٧١ من الورقة ٢ إلى ٤.
٢/ ١٥ - Pedro Longas "Vida Religiosa de los Moriscos" Madrid, ١٩١٥.
٢ / ١٦ - Archivo Municipal de Granada (A. M. G., Provisiones) , I, Fol. ٤٧١ vo.
٢ / ١٧ - A. M. G. (Provisiones) , I, fol. ٢٠٢ vo.
٢ / ١٨ - Ref. (٢.٩) , pp. ١٧١-١٧٥.
٢ / ١٩ - A. M. G. (Provisiones) I, ٢٥٤ vol, fol, ٢٤٧, fol, ٤٦٨.
٢ / ٢٠ - Archivo General de Simancas (A. G. S., Canasa) Cedules, Libro ٢٧.
٢ / ٢١ - J. Caro Baroja "Los Moriscos del Reino de Granada" Madrid, ١٩٧٦, p. ٥٢-٥٣.
٢ / ٢٢ - أسعد حومد "محنة العرب في الأندلس" المؤسسة العربية للدراسات والنشر، سنة ١٩٨٨.
٢/ ٢٣ - محمد رزوق "الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين ١٦ و ١٧" إفريقيا الشرق، الدار البيضاء (المغرب)، ١٩٨٩، ص ٩٠ - ٩١.
٢/ ٢٤ - Ref. (٢.٦) , t. XXI, p. ١٢٣ y ss.
٢ / ٢٥ - Ref. (٢.٨) , p. ١٥-٢٦.
٢ / ٢٦ - A. G. S., P. R. Leg. ٨, Fol ١٢٠.
٢ / ٢٧ - A. G. S., P. R. Leg. ٢٨, Fol ٤٩.
٢ / ٢٨ - Conte de Circourt "Histoire des Arabes d'Espagne" Paris ١٨٤٦.
٢ / ٢٩ - E. Ciscar y R. Garcia Carcel "Moriscos i Agermanats" Valencia, ١٩٧٤, p. ٣١-٣٢.
٢ / ٣٠ - Ref. (٢.٢٩) , p. ١٢٢-١٢٥.
٢ / ٣١ -A. Redondo "Fray Antonio de Guerera et l'Espagne de son temps" Paris, ١٩٧٦, Section ٢, Chapitre ٥.
٢ / ٣٢ - Ref. (٢.٢٨) , vol. ٢, p. ٢٠٣-٢٠٩.
٢ / ٣٣ - H.C. Lea "History of the Moriscos of Spain, their Conversion and Expulsion" London, ١٩٠١.
стр. 90
الفصل الثالث
ثورة غرناطة الكبرى (١٥٦٨ - ١٥٧٠ م)
٣/ ١ - تهيىء الثورة:
لما أعلنت السلطات الإسبانية في ١/ ١ / ١٥٦٧ م القانون الغاشم الذي استهدف ما تبقى من السِّمات الحضارية للأمة الأندلسية المسلمة، شرعت بملاحقة المسلمين لتنفيذه في كل أنحاء البلاد. فحاول الأندلسيون أولاً تخفيف ما أصابهم بالتفاوض. فرفعوا احتجاجاتهم إلى الرئيس ديسا، رئيس المجلس الملكي (كورتس) يطلبون منه إلغاء هذا القانون، أو على الأقل تأجيل تنفيذه. فتقدم باسمهم وفد يرأسه رئيس جماعتهم مولاي فرانسيسكو نونيز. لكن ديسا قابل الوفد بكل غطرسة وإهانة وإهمال. فأرسل المسلمون آنذاك وفدًا إلى الملك فليبي الثاني وإلى وزيره المفتش العام الكاردينال سبينوزا، العدو اللدود للمسلمين. ترأس الوفد خوان أنريكز، وهو رجل نصراني يعطف على المسلمين ويدافع عنهم. وتضمن الوفد مسلمين من أعيان الأندلسيين هما خوان فرناندس من غرناطة وفراندو الحبقي من وادي آش. اجتمع الوفد بأعضاء الكرتس وبالكاردينال أسبينوزا، دون فائدة، إذ أجاب الكاردينال أن الملك مصمم على تنفيذ القانون وأن العرائض يجب تقديمها لديسا على أي حال. وطلب ديسا من جهته من الكاردينال تنفيذ القانون بصرامة وقسوة بصفته المفتش العام.
وتقدم الماركيز دي مندوجر، حاكم غرناطة، بعريضة إلى الملك أوضح فيها خطورة الموقف لاعتراض المورسكيين على القانون واحتمال ثورتهم بسبب اليأس وطلبهم مساعدة أتراك الجزائر. فلم تأت عريضته بنتيجة، وأخذت السلطات الكنسية تنفذ الأحكام الجديدة في المواعيد المخصصة لها بكل شدة.
стр. 91
وتقدم وفد من مسلمي مملكة بلنسية بالتماسات مماثلة إلى الملك، برئاسة زعيمهم كوزمي ابن عامر الذي كان مقربًا للملك. فنجح بعض الشيء في التخفيف من تطبيق هذا القانون، إذ تقرر معاملة المتهمين بالردة (عن النصرانية) ببعض الرفق، بعدم نزع ممتلكاتهم بتهمة المروق عن الدين، مقابل غرامة سنوية قدرها ٢.٥٠٠ مثقال ذهب يقدمها المورسكيون إلى ديوان التفتيش.
ولم يعد يفكر أهل غرناطة إلا في الثورة للحفاظ على دينهم الإسلام والدفاع عن بلدهم الأندلس بعد أن يئسوا من التعايش مع النصارى تحت هذه الأوضاع المأساوية. واعتصم عدد كبير من مسلمي مملكتي غرناطة وبلنسية وغيرهما بالجبال للإغارة على قوافل الحكومة وقواتها وضرب مصالحها، وكانوا يسمونهم بالمنفيين.
فكانوا أول من ابتدع حرب العصابات ضد الدولة من طرف الشعوب المستضعفة.
وحدد قانون ١/ ١ / ١٥٦٧ م نهاية عام ١٥٦٧ م كموعد نهائي لتخلي المسلمين، نساء ورجالاً، عن لباسهم الإسلامي ولغتهم العربية، الخ ... وألف ديسا قوة من الشرطة لمراقبة المسلمين وألزمهم بنفقاتها. لكن الماركيز مندوجر حل هذه القوة لكسب عطفهم. ثم أمر ديسا بإقصار جميع المورسكيين عن حي البيازين وأمر بعقوبات صارمة لكل من يتعاون مع المنفيين في الجبال. ثم أصدر أمرًا بتاريخ ١/ ١ / ١٥٦٨ م يقضي بأن يسلم المسلمون أولادهم الذين تتراوح أعمارهم بين ٣ و ١٥ سنة إلى السلطات الكنسية لتعليمهم الدين النصراني واللغة القشتالية. فأدى هذا القرار الأخير إلى دفع ما تبقى من المؤمنين بحل سلمي إلى التفكير في الثورة.
عمل زعماء المسلمين في غرناطة حينئذٍ على إشعال ثورة شاملة تعيد للأندلس دولتها وللمسلمين عقيدتهم. فاجتمعوا سرًّا أواخر سنة ١٥٦٧ م في حي البيازين، وتوصلوا إلى شرطين أساسيين لإنجاح الثورة، وهما: أولاً ضرورة مشاركة جميع مسلمي الدولة الإسبانية في الثورة، إن أمكن، أو جميع مسلمي مملكة غرناطة على الأقل؛ ثانيًا ضرورة الحصول على العون المادي بالسلاح والرجال والمال من المغرب والجزائر. وكانت الجزائر آنذاك تابعة للدولة العثمانية، والمغرب تحت حكم الدولة السعدية.
ارتكز أمل الثوار الأندلسيين على الدولة العثمانية، خاصة بعد حصارها لمالطة
سنة ٩٧٣ هـ (١٥٦٥ م). وكان سلطانها حينذاك سليم الثاني، بويع بعد وفاة والده
стр. 92
السلطان سليمان القانوني يوم ٢٠ صفر عام ٩٧٤ هـ (٥/ ٩ / ١٥٦٦ م). وكان السلطان سليم في حرب مع الدول الكاثوليكية في البحر الأبيض المتوسط، وأصبح هدفه الأول تحرير قبرص من البندقيين لتأمين طريق الحج البحرية. وكانت الحرب متواصلة بينه وبين القوى الصليبية للسيطرة على البحر الأبيض المتوسط، نتجت عنها هزيمة العثمانيين في لبانتو بتاريخ ١٧/ ١٠ / ١٥٧١ م. وكان الإسبان يحتلون مناطق واسعة من الشواطىء المغربية والجزائرية والتونسية والليبية بما في ذلك طرابلس وتونس والجزائر. وأمام الخطر الذي كان يهدد أهل شمال إفريقيا بنفس المصير الذي آل إليه الأندلسيون، استغاثوا بالدولة العثمانية. فحرر العثمانيون الجزائر سنة ١٥١٩ م وطرابلس سنة ١٥٥١ م وتونس سنة ١٥٦٨ م، وعملوا على تحرير الشواطىء الأخرى من الوجود الإسباني. وأصبحت الجزائر منذ ذلك الحين مركزًا قويًّا للوجود الإسلامي في البحر الأبيض المتوسط، وعاصمة لولاية عثمانية قوية. وأسند السلطان سليم الثاني في ذي الحجة عام ٩٧٤ هـ (يونيو ١٥٦٦ م)، منصب بيلرباي الجزائر للرئيس محمد بن صالح محل الرئيس حسن بن خير الدين، وعين هذا الأخير قائدًا عامًا للأسطول العثماني. ثم خلف الرئيس محمد بن صالح في ١٤ صفر عام ٩٧٦ هـ (١٨/ ٨ / ١٥٦٨ م)، الرئيس العلج علي، وهو مسلم من مواليد كاستل بجنوب إيطاليا.
وكان المغرب يقاوم كذلك الاحتلالين الإسباني لشواطئه المتوسطية والبرتغالي لشواطئه الأطلسية. وكانت تتنازعه الدولتان الوطاسية والسعدية، فانتهى الصراع بينهما بتوحيد المغرب تحت الدولة السعدية في ٢٤ شوّال عام ٩٦١ هـ (٢٢/ ٩ / ١٥٥٤ م).
وكان أبو عبد الله الغالب، سلطان المغرب من سنة ٩٦٤ هـ إلى سنة ٩٨١ هـ (١٥٥٧ - ١٥٧٤ م)، متهمًا بالتواطؤ مع الإسبان وتسليمهم مدينة بادس (بالمغرب)، وبالانسحاب بدون سبب ظاهر من محاصرة البرتغاليين بالبريجة (الجديدة). وعلى أي حال فقد كان المغرب مشغولاً بتحرير أرضه والدفاع عن وجوده مما أدى إلى انتصاره على البرتغال في معركة وادي المخازن سنة ٩٨٦ هـ (١٥٧٨ م).
ومما يؤسف له أن العلاقات المغربية العثمانية لم تكن طيبة، وكانت دائمًا تتسم بالمصلحة العليا للطرفين أمام الغزو الصليبي ومخاطره.
ثم اتصل منظمو الثورة بالسلطات العثمانية في الجزائر والسعدية في المغرب بسرية كاملة، وبالشخصيات الشعبية في البلدين لطلب العون والمساندة. وقد وصلتنا
стр. 93
بعض هذه الرسائل، نأتي بمقتطفات من اثنين منها: الرسالة الأولى، وهي على شكل قصيدة، قال فيها كاتبها محمد بن محمد بن داود، أحد زعماء الثورة، بعد أن افتتحها بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله الكريم: "استمعوا إلى قصة الأندلس المحزنة، وهي تلك الأمة العظيمة التي غدت اليوم ضعيفة متهيضة، يحيط بها الكفرة من كل صوب، وأضحى أبناؤها كالأغنام الذين لا راعي لهم. وفي كل يوم نسام سوء العذاب ولا حيلة لنا إلا المصانعة حتى ينقذنا الموت مما هو أشر وأدهى، وقد حكموا فينا اليهود الذين لا عهد لهم ولا ذمة، وفي كل يوم يبحثون عن ضلالات وأكاذيب وخدع وانتقامات جديدة. ونرغم على مزاولة الشعائر النصرانية وعبادة الصور، وهو مسخ للواحد القهار، ولا يجرؤ أحد على التذمر أو الكلام. وإذا ما قرع الناقوس ألقى القس عظته بصوت أجش، وفيها يشيد بالنبيذ ولحم الخنزير، ثم تنحني الجماعة أمام الأوثان دون حياء ولا خجل ... ومن عبد الله بلغته قضي عليه بالهلاك، ومن ضبط ألقي في السجن وعذب ليل نهار حتى يرضخ لباطلهم" ثم يصف جرائم محاكم التفتيش ضدّهم من اعتقال وتعذيب وقتل بالحرق، ثم يقول: "وقد علقوا يوم العيد (ذكرى سقوط غرناطة) في ميدان باب البنود قانونًا جديدًا وأخذوا يدهمون الناس في نومهم ويفتحون كل باب، يزمعون تجريدنا من ثيابنا وقديم عاداتنا، ويمزقون الثياب ويحطمون الحمامات. ونحن إذ نيأس من عدل البشر نستغيث بالنبي ﷺ معتمدين على ثواب الآخرة، وقد حثنا شيوخنا على الصلاة والصوم والاعتصام بالله فهو الذي يرحمنا في نهاية الأمر".
والرسالة الثانية موجهة من أحد زعماء الثورة في البيازين إلى أحد رؤساء المغرب، يناشد كاتبه إخوانه المغاربة ويستغيث بهم بحق روابط الدين والعرق ويصف ما قرره النصارى "من إرغامهم على ترك اللغة والشريعة، وكشف الوجوه الحيية المحتشمة، وفتح الأبواب، وما أنزل بهم من محن السجن والأسر ونهب الأملاك" ويطلب إيصال استغاثته للسلطان العثماني. ثم يقول: "لقد غمرتنا الهموم وأعداؤنا يحيطون بنا إحاطة النار المهلكة. إن مصائبنا لأعظم من أن تحتمل، ولقد كتبنا لكم في ليال تفيض بالعذاب والدمع، وفي قلوبنا قبس من الأمل. إذا كانت ثمة بقية من الأمل في أعماق الروح المعذبة".
جاءت الأجوبة من الجزائر والمغرب تعد بالمساندة. فقد وعد سلطان المغرب بالنجدة عندما تعلن الثورة ووعد بيلرباي الجزائر بإرسال قوات مساندة تنزل على
стр. 94
شواطىء الأندلس أثر إعلان الثورة، وأرسل مع المبعوثين المال والسلاح، ولحق بهم من الجزائر والمغرب بعض المتطوعة للجهاد. فشجعت ردود الفعل هذه منظمي الثورة وقوت عزيمتهم على القتال.
وفي نفس الوقت قام منظمو الثورة بالاتصال بمدن وقرى مملكتي غرناطة وبلنسية بتكتم شديد. وكان المورسكيون قد أسسوا جمعية خيرية صرح لها بجمع المال لبناء مستشفى خارج غرناطة للفقراء المرضى. ولم يكتمل بناء المستشفى، فاقترح منظمو الثورة على رئيس الجمعية أن يبعثوا تحت ستار جمعيته وفودًا لجمع المال تعمل في الحقيقة على تنظيم الثورة في المناطق المختلفة، وحصلوا على ترخيص بذلك من الرئيس ديسا. فذهب ثلاثة من زعماء المسلمين لهذه المهمة في وفد عمل على تقصي مستوى مساندة الأندلسيين للثورة بتكتم شديد. وقدروا عند رجوعهم عدد من يمكن أن ينضم إلى الثورة ب ٤٥.٠٠٠ رجل ممن تتراوح أعمارهم بين ٢٠ و ٤٥ سنة. وتبين أن جميع مناطق مملكة غرناطة القديمة تساند الثورة، لكن مسلمي مملكتي مرسية وبلنسية رفضوا المشاركة فيها لعدم ثقتهم بنجاحها ولدوام أملهم في تحرير العثمانيين لهم.
ورغم تستر منظمي الثورة الشديد، فقد أخذت الإشاعات تنطلق بقرب ثورة المسلمين. لكن لا الرئيس ديسا، رئيس الإدارة المدنية، ولا المركيز دي مندوجر، القائد العام للجيش، صدقا هذه الإشاعات. ولإبعاد الشك، أرسل منظمو الثورة ممثلاً عنهم إلى الرئيس ديسا يشتكي من هذه الإشاعات وادعى أنها كاذبة، واقترح باسم المورسكيين تقديم ٣٠٠ رهينة عنوانًا على حسن نيتهم.
ثم اجتمع زعماء الثورة للمرة الثانية في البيازين ودرسوا ردود الوفود إلى الأندلس وإلى المغرب والجزائر. فقرر المجتمعون إعلان الثورة يوم الخميس المقدس (١٤/ ٤ / ١٥٦٨ م)، ووزعوا بينهم مسؤوليات إخبار المناطق الأندلسية المختلفة والمغرب والجزائر. ولم تسر الخطة حسب ما قرر لها، إذ قام أحدهم بتبليغ الرئيس ديسا في ٥/ ٤ / ١٥٦٨ م، فاضطر المنظمون لتأجيل موعد إشعال الثورة. واعتقل ديسا عددًا من وجهاء المسلمين، وألغى تصاريح اقتناء الأسلحة، كما ذهب القائد العام إلى حي البيازين يأمر الناس بالهدوء والسكينة والحفاظ على الأمن. فطمأن بعد ذلك زعماء المسلمين الرئيس ديسا والماركيز دي مندوجر، ثم حددوا موعدًا آخر لإعلان الثورة الذي أجل مرة أخرى.
стр. 95
وفي ٢٧/ ٩ / ١٥٦٨ م عقد هرناندوا بن جهور الصغير، أحد قواد الثورة الذي كان "وزيرًا" في بلدة قديار بالبشرات، جمعًا في حي البيازين لقادة الثورة في بيت رجل شماع اسمه "عدلت"، حضره ٢٦ ممثلاً عن المناطق الأندلسية المختلفة. فشرح لهم ضرورة بيعة سلطان الأندلس قبل إعلان الثورة ليجتمع الناس حوله، ورشح لهم ابن أخيه فراندو دي بالور وقرطبة، وكان هرناندوا وفراندو ينحدران من الأمويين، خلفاء قرطبة. كان فراندو في الثانية والعشرين من عمره، ذا شجاعة ورجاحة عقل، ولد في بلدة بالور بجبال البشرات وأصله من قرطبة. وكان يعمل ممثلاً في بلدية غرناطة. وكان متزوجًا من مسلمة اسمها برياندة بريز، وكانت هي ونساء المسلمين من أول وهلة يشاركن في تهيىء الثورة بكل كتمان وتشجيع. فبايعه الحاضرون، وحول اسمه إلى محمد بن أمية. ثم نهض وصلى بالحاضرين وأقسم أمامهم على القيام بالجهاد حتى النصر أو الاستشهاد. وعين السلطان محمد بن أمية عمه هرناندو ابن جهور الصغير قائدًا عامًّا للثورة. واتفق الحاضرون على إعلان الثورة يوم ١/ ١ / ١٥٦٩ م، على النحو التالي: ينتظم الثوار في حي البيازين إلى ثلاث فرق عند ظهور إشارة محددة واضحة فوق مرتفع جبل قصر الحمراء، الأولى تحمل العلم الأحمر، والثانية العلم الأصفر، والثالثة العلم الأزرق. ومن جهة أخرى، يجتمع ألفان من الثوار لتسلق أسوار قصر الحمراء واحتلاله. يحتل حاملو العلم الأحمر باب فج اللوزة، ثم يتجهون من باب سري إلى المستشفى الملكي ويدخلون من باب البيرة لاحتلال محكمة التفتيش لسجن أعضائها وتحرير سجنائها. ويحتمل حاملو العلم الأصفر ساحة باب البنود ثم يتجهون إلى السجن لتحرير السجناء. ويأخذ حاملو العلم الأزرق طريقهم عبر مدخل وادي آش ونهر هدره، ويتجهون إلى مركز الرئيس ديسا لقتله. وتلتقي الفرق الثلاثة في ساحة باب الرملة. وحينئذٍ يتجه ٨٠٠٠ متطوع من أهل مرج غرناطة ووادي الإقليم للدخول إلى المدينة واحتلالها مرتدين ملابس الجند العثماني والمغربي للتمويه على النصارى وجعلهم يعتقدون قدوم الجنود العثمانيين والمغاربة. ويحتل قصر الحمراء ألفان من المنفيين برئاسة القائدين البرطال والناقص عن طريق وادي شنيل بعد تسلق أسوار الحمراء من ناحية جنة العريف. وهكذا وقع تخطيط الثورة وتحديد مسؤولية كل من حضر.
стр. 96
من البداية، عمل زعماء الثورة على التغلب على الانقسامات الأندلسية بين العائلات وبين سكان المناطق المختلفة، التي كان معظمها ممثلاً في زعامة الثورة: فرج بن فرج ومحمد بن داود وابن عبو من مدينة غرناطة، ومحمد بن أمية وابن جهور وميغال روخاس وهرناندو الحبقي والرامي والمليح وغيرهم من البشرات. كما حدد الثوار موعد الثورة في الشتاء ووقت انتشار الثلوج لمعرفتهم بالأرض الغرناطية أكثر من النصارى والجيوش القشتالية.
٣/ ٢ - إعلان الثورة وبيعة ابن أمية:
ابتدأت الاصطدامات بين الأندلسيين والقشتاليين قبل إعلان الثورة. ففي ٢٣/ ١٢ / ١٥٦٨ م، خرجت كوكبة من حراس محكمة غرناطة وكتبتها لقرية بقيرة بالبشرات لقضاء أعياد رأس السنة يصحبهم خمسون جنديًّا مسلحين بالبنادق، فاتجهوا من مرسى مطريل إلى حصن هريرا لحمايته. كانت عادة الجنود الإسبان عند مرورهم بالقرى الأندلسية القيام باعتداءات لا حصر لها من سلب وقتل واغتصاب. فعندما نزلوا قرب بلدة قديار وأخذوا يعتدون على أهلها، هاجمتهم مجموعة من المنفيين برئاسة استبان البرطال، فأبادتهم واستولت على أسلحتهم، فكانت هذه المعركة هي الشرارة الأولى التي أعلنت الثورة.
وفي ليلة ٢٣ ديسمبر غادر خفية السلطان محمد بن أمية غرناطة متجهًا إلى البشرات. وفي نفس الليلة أخبر شخص أحد القسس بأنه يعمل بالحمراء وأنه أعطى بعض المسلمين معلومات عن مقاييس سلالمها. فأبلغ القسيس فورًا الرئيس ديسا والقائد العام دي مندوجر اللذان زادا في عدد الدوريات والحرس. ولم تستمر الثورة على مخططها الأول إذ هطلت ثلوج غزيرة على جبال شلير فقطعت الطريق إلى غرناطة، فلم يتمكن الثوار من الوصول إلى غرناطة من البشرات في التاريخ المحدد، أي في ٢٤/ ١٢ / ١٥٦٨ م. لكن بيلرباي الجزائر، علج علي، أرسل حسب الموعد إمدادات نزلت للمجاهدين في جهتي المرية ومربلة، ووصلت إلى أماكنها في جبال
البشرات.
ولم يحسب فرج بن فرج للثلج حسابًا. فتحرك من البشرات على رأس ١٨٠ مجاهد، ونفذ إلى حي البيازين ليلاً، وحاول إقناع أهله بالثورة وتنفيذ الخطة التي اتفق عليها ووعد بوصول الرجال. غير أن أهل البيازين رفضوا نصرته عندما رأوا قلة أعداد المجاهدين الذين معه. واضطر فرج بن فرج، بعد محاولات يائسة طول الليل،
стр. 97
الرجوع إلى البشرات وانضمت إليه جموع المجاهدين. وكان خذلان أهل حاضرة غرناطة للثورة أول نكسة لها. لكنها لم تفت في عزيمة المجاهدين الذين ركزوا عملياتهم بعد ذلك على جبال البشرات.
وتوجه محمد بن أمية إلى وادي الإقليم حيث جددت بيعته يوم ٢٩/ ١٢ / ١٥٦٨ م ملكًا للأندلس ورئيسًا للثورة في بلدة برذنار. فأعاد تعيين عمه رئيس للجيش وفرج بن فرج رئيسًا للوزراء. وأرسل الوفود لكل طاعات (محافظات) البشرات الاثنى عشر، فبايعته جميعها. ثم توجه محمد بن أمية إلى البشرات، واستقر في لوشر حيث اتخذ عاصمته الموقتة. ولم تدخل سنة ١٥٦٩ م حتى احتل المجاهدون جميع جبال البشرات ووادي الإقليم بعد طرد الحاميات القشتالية والإرساليات النصرانية أو القضاء عليها.
وأخذ السلطان محمد بن أمية في تعيين قواد المناطق ومستشاريه العسكريين.
فعين شعبان ميكيل دي غرناطة قائدًا لوادي الإقليم، وماركوس الزمار قائدًا لمنطقة قولجر، وماتيو الرامي قائدًا لمنطقة المرية، وفراندو الغري قائدًا لوادي المنصورة، وفرانسسكو بوركرير بن مكنون قائدًا للمنطقة الشرقية، وجرنيمو بن المليح قائدًا لمنطقة وادي آش، ومارتين قائد قائدًا لمنطقة عذرة، الخ ... واختار ثلاثة من المجاهدين مستشارين عسكريين له، هم الناقص والرنداتي والأرشذوني. ومنذ بداية الثورة، أخذ فرج بن فرج يقوم بعمليات انفرادية بين شواطىء بيرة شرق شمال المرية وجبل طارق دون تنسيق مع القيادة، فأزاحه محمد بن أمية وعين مكانه عمه ابن جهور. وكان في انسحاب هذا القائد الفذ من الثورة في أولها نكسة ثانية لها، ولكنها مرت بسلام ودون انشقاق في صفوف المجاهدين. وتابع فرج بن فرج جهاده دون رئاسة مما يدل على إخلاصه وحسن طويته.
أخذ ابن أمية يدعو المجاهدين والأهالي للرجوع إلى الأصالة الإسلامية، ونبذ الألقاب والأسماء النصرانية المفروضة، وإعادة الألقاب والأسماء الإسلامية، والاهتمام بالصلوات الخمس وبإحياء المساجد. ووقعت نقمة الثوار على الكنيسة وممثليها من قسس ورهبان وعلى موظفي الحكومة الذين أذاقوا المسلمين شر العذاب. فانقض عليهم الثوار ومزقوهم شر تمزيق، وقتلوا القسس وقضاة محاكم التفتيش وعمال الحكومة. وعمل محمد بن أمية على منع المجاهدين من الانتقام وقتل الأبرياء.
стр. 98
ثم أرسل ابن أمية البعثات للعالم الإسلامي يطلب العون والمساندة. فأرسل أخاه عبد الله بن أمية إلى الجزائر، وفراندو الحبقي إلى المغرب. وصادر أموال الكنائس وقدمها غنيمة لمصاريف الجهاد.
جاء رد فعل الدولة الإسبانية في فوضى ناتجة عن نزاع قواد الجيش، وإطلاق العنان للجنود والأهالي النصارى للانتقام من المسلمين العزل الذين يقعون في يدهم، من أطفال ونساء، لنهبهم وقتلهم وتشريدهم بكل شراسة. وكان بين الرئيس ديسا والماركيز دي مندوجر، القائد العام للجيش، عداوة ثابتة. كان ديسا وأعوانه يشتكون للملك بمندوجر، ويتهمونه بشتى التهم، فعمد، نكاية في مندوجر، إلى إجراءين: أولهما تأليف حرس وطني تحت رئاسة أحد ضباط البلدية الذين ينتمون إلى عائلة معادية لعائلة مندوجر؛ ثانيهما إرسال كتاب إلى الملك يطلب منه فيه تكليف ماركيز بلش، قائد منطقة مرسية، بمهاجمة البشرات من المنطقة الشرقية، وينتمي هذا الماركيز هو كذلك إلى عائلة معادية لعائلة مندوجر. وهكذا تكون جيشان معاديان: أحدهما تحت قيادة دي مندوجر لينطلق من غرناطة في اتجاه البشرات شرقاً؛ والثاني تحت قيادة ماركيز بلش لينطلق من مرسية في اتجاه البشرات غربًا. فانطلق الجيش الثاني في ٤/ ١ / ١٥٦٩ م ومر على المرية ثم وصل إلى سفح جبال البشرات، فقطع الصلة بين ثوار وادي المنصورة ومناطق ولاية المرية الأخرى وثوار البشرات. وفي ١١/ ١ / ١٥٦٩ م تلقى ماركيز بلش أمر الملك بتعيينه قائدًا عامًّا فوق العادة لمنطقة المرية.
وخرج جيش مندوجر من غرناطة بتاريخ ٢/ ١ / ١٥٦٩ م يصحبه عدد من القواد من أصل إسلامي كلويس دي قرطبة وألونسو دي غرناطة بنيغش. وطلب الملك مساعدات لإنهاء الثورة من الممالك النصرانية خاصة لومبارديا ونابل وصقلية.
اتجه مندوجر بجيشه نحو وادي الإقليم وعسكر في البذول. فواجهه المسلمون برئاسة شعبان في وادي الإقليم. وفي ٤/ ١ / ١٥٦٩ م وجه نحوه السلطان محمد بن أمية جيشًا برئاسة "شابَّا"، عسكر في بقيرة ومنها أخذ يهاجم طلائع جيش الماركيز مندوجر في دورقال. وفي ٩/ ١ / ١٥٦٩ م زحف جيش مندوجر إلى جسر طبلاتة الذي دمره الثوار المسلمون احتياطًا. فوقعت أول معركة كبرى بين المسلمين وجيش مندوجر عند هذا الجسر، نجح بعدها القشتاليون في عبور الجسر ومتابعة تقدمهم نحو لانجرون، ثم أرجبة، ثم بقيرة حيث تمركز جيش الثوار برئاسة السلطان محمد بن أمية في حاضرتها بوبين. وهناك جرت المعركة الثانية بين الثوار وجيش مندوجر اضطر
стр. 99
بعدها محمد بن أمية إلى الانسحاب، فقام الجيش الإسباني بجرائم لا تخطر على بال من قتل وسبي العزل من النساء والأطفال ونهب الممتلكات.
وفي ١٧/ ١ / ١٥٦٩ م وصل جيش مندوجر إلى بلدة جبيلش، فاستسلمت قلعتها، وكان بها حوالي ٣٠٠ مجاهد، وتقول الروايات إن صهر (والد زوجة) محمد بن أمية أخذ يفاوض مندوجر على الاستسلام مقابل ضمانات كافة له ولأتباعه، كما تتهم الروايات ابن جهور بالضعف وبأنه عرض على مندوجر في جبيلش الاستسلام مقابل العفو عنه وعن أتباعه. ولم يستطع مندوجر البت في الأمر قبل مراجعة الملك.
وفي ليلة ١٨/ ١ / ١٥٦٩ م سجن الماركيز دي مندوجر داخل كنيسة جبيلش وحولها جميع الأهالي المسلمين الذين وجدهم في البلدة، وعددهم حوالي ٢٤٠٠ طفل وامرأة و ٣٠٠ رجل مسن. وفي الليل، انقض عليهم النصارى قتلاً حتى أتوا عليهم جميعًا. فكانت مذبحة مروعة دامت حتى الصباح، وفتحت سجلاً جديدًا من المذابح التي سيتعرض لها المسلمون في هذه الحرب. وعند وصول هذه الأخبار إلى الملك، أرسل فرانسيسكو دي قرطبة إلى المرية بصفته قائدًا عامًّا، وأرسل دييكو دي مندوسة للاطلاع على الأوضاع في جبيلش.
وترك مندوجر جبيلش بجيشه يوم ٢٣/ ١ / ١٥٦٩ م مطاردًا الثوار في بسيط أجيجر. وكان محمد بن أمية معسكرًا بجيشه في أندرش. فطلب مندوجر من ألونسو دي غرناطة بنيغش، وهو من أصل إسلامي، التوسط لدى محمد بن أمية ليستسلم ويسلم أسلحته مقابل العفو العام على جميع الثوار، وفي نفس الوقت تابع مندوجر تحرشاته بالمجاهدين إذ اشتبك معهم قرب بطرنة يوم ٢٧/ ١ / ١٥٦٩ م. ثم احتل الجيش القشتالي بطرنة واعتقل مئات من المسلمات بما فيهن والدة محمد بن أمية وشقيقتاه، وتابع الجيش سيره إلى أن احتل أندرش، ناشرًا النهب والرقة والخراب والموت في طريقه.
ثم رجع جيش مندوجر إلى أجيجير وبقي بها خمسة أيام يجهز حملته على مناطق شلوبانية والمنكب وجبل واجر للقضاء على قوة من المجاهدين أعلاه تحت قيادة الزمار. ففي يوم ١١/ ٢ / ١٥٦٩ م قام جيش مندوجر بثلاث هجمات لاحتلال ذلك الجبل الوعر، فقاومه المجاهدون في قلعة واجرش إلى أن هزموا، وقبض الإسبان على القائد الزمار وابنته واقتادوه إلى غرناطة وقتلوه ومثلوا به شر تمثيل بعد
стр. 100
أن عذبوه شر عذاب. وقتل جنود مندوجر كل من وقع بأيديهم من أهل المجاهدين، نساء وأطفالاً وشيوخًا، وانتشروا في البلدة يسرقون وينهبون.
واعتقد مندوجر أن القضاء على الثورة أصبح وشيكًا وأراد القبض على محمد بن أمية. فلاحقه بجيشه على رؤوس الجبال، وقد علم من جواسيسه أن ابن أمية يقضي الليل في بيت محمد بن عبو في بلدة مشينة. فهجم الجيش على بيت ابن عبو، لكن ابن أمية تمكن من الإفلات.
وكان فراندو الغرمي، قائد المجاهدين في الجبهة الشرقية، قد عسكر في بلدة جسيقة على وادي أندرش. فتوجه جيش الماركيز دي بلش على رأس جيش قوامه خمسة آلاف رجل وثلاثمائة فارس، وصفهم المؤرخون الإسبان أنهم كانوا جميعًا لصوصًا وقتلة، لا يهمهم إلا السلب والنهب وإزهاق أرواح العزل. فوصل الجيش إلى جسيقة يوم ١٢/ ١ / ١٥٦٩ م واشتبك في أكبر معركة له مع المجاهدين، اضطر فيها الثوار إلى الانسحاب إلى أندرش. فلحقهم الجيش، لكن فرقة من المجاهدين اتجهت نحو المرية بقيادة ابن مكنون، واستقرت بضواحيها في بلدة فليش. فتحول نحوها جيش دي بلش خوفًا على سقوط المرية في يد المسلمين. فاشتبك الجيش مع فرقة ابن مكنون في ١٨/ ١ / ١٥٦٩ م وأرغمها على الانسحاب بعد أن استبسلت في الدفاع على الحصن في معركة شارك فيها النساء والأطفال. وقد قتل جيش دي بلش في هذه المعركة عدة آلاف من المسلمين وأسر نحو ٢.٠٠٠ من النساء والأطفال وباعهم كعبيد، من بينهم ابن وأختان للقائد ابن مكنون. ثم اتجه الجيش نحو أندرش وأوهانش.
هكذا كان وضع الثورة الأندلسية في أواخر شهر فبراير عام ١٥٦٩ م: حرب غير متكافئة، لا هوادة فيها، يدافع فيها المسلمون بأسلحة بالية دون تدريب عسكري مسبق ضد جيشين كبيرين لأقوى دولة آنذاك في أوروبا. وللتغلب على حرب العصابات التي مهر فيها المسلمون عمل جيش النصارى على قتل عائلاتهم من نساء وأطفال وسبيهم وبيعهم رقيقًا في الأسواق. ولم ينج المسلمون الذين رفضوا الانضمام إلى الثورة، كأهل غرناطة، من هذه المعاملة، إذ تابعهم النصارى بمضايقات لا حدود لها كانت أفظعها مذبحة سجن غرناطة.
في مارس عام ١٥٦٩ م انتشرت إشاعات مفادها أن ابن أمية سيحتل غرناطة على رأس قوة من المجاهدين. فهجم حرس السجن في ١٧/ ٣ / ١٥٦٩ م على
стр. 101
السجناء يذبحونهم دون سابق إنذار، ثم فتحوا أبواب السجن لعامة النصارى، ومضوا الليل جميعًا قتلاً في المسلمين العزل حتى أتوا على ما لا يقل عن ١٥٠ سجينًا من أعيان غرناطة الذين احتفظ بهم الإسبان رهائن للضغط على المجاهدين. ولم ينج من هذه المذبحة الشنيعة سوى والد محمد بن أمية أنطونيو دي بالور وأخيه فرنسسكو. ثم بعد هذه المذبحة قامت محاكم التفتيش بالحكم على القتلى بمصادرة أموالهم.
ولما علم أهل مملكة غرناطة بهذه الجريمة، ثاروا في عدة مدن، كطرش وعذرة، ضد الجيش وقتلوا عددًا من الجنود والضباط. بينما قضى جيشا دي مندوجر ودي بلش معظم شهر مارس في القتل والسلب والنهب، وشتتا المجاهدين على أعالي الجبال بعد أن كبدوا النصارى خسائر كبيرة في الأرواح. وكان مصير من استسلم من المجاهدين الاسترقاق. غير أن شراسة النصارى ضد المسلمين، المسالمين منهم والمحاربين، أدت بالمسلمين إلى تفضيل الموت في معركة الدفاع عن الدين والشرف على الموت دون سبب، مما أذكى روح الجهاد من جديد.
ولم يلتحق بالمجاهدين من الدول الإسلامية إلا بعض المتطوعة المغاربة والجزائريين والأتراك، وقليل من المال والعتاد من الجزائر. وهذا نص رسالة جوابية من السلطان سليم للمجاهدين الأندلسيين في هذه الفترة: "مهمة دفتري رقم ١٤ حكم رقم ٢٣١ بتاريخ ٢٤ شوال عام ٩٧٧ هـ موافق ٢٠/ ١ / ١٥٦٩ م، أعطي إلى خليل جاوخي في ١٠ ذي القعدة. حكم إلى أهالي الأندلس".
"وصل إلى أستانة سعادتنا عرض حالكم الذي جاء فيه أن الكفارة، دمرهم الله وأضلهم، قد سلبوكم أسلحتكم ومنعوكم من التحدث بالعربية، وأنهم يتعرضون لنسائكم ويمارسون كل أنواع الظلم والتعدي عليكم. وتعلمون أنه يوجد حاليًّا لديكم عشرون ألف رجل مسلم كما أن هناك مائة ألف رجل قادر على حمل السلاح. وعلمنا باستلامكم مقدارًا من السلاح من الجزائر، وأن ذلك قد ربط على قلوبكم، وتمكنتم بذلك من تكبيد الكفار العديد من الخسائر. فالحمد لله على نصر أهل الإسلام، وليكتب لهم الفوز الدائم على الكفار، أضلهم الله. وقد عرض بالتفصيل كل ما جاء في عرض حالكم من تحريرات وتقريرات على سرير سعادتنا، وأحاط علمي الشريف الملوكي وشمل كل ما يتعلق بأحوالكم وأخباركم، وأن أنظاري منصرفة دائمًا نحوكم".
стр. 102
"ولكن كفرة جزيرة قبرص القريبة من ممالكي المحروسة، والتي كانت على العهد والأمان منذ زمان أجدادي العظام، أنار الله براهينهم، نقضوا تلك العهود وأخذوا بالتعدي على التجار وأهل الإسلام والمسافرين بحرًا لطواف بيت الله الحرام وزيارة تربة حضرة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام بخلوص النية وصفاء الطوية. وبذلك فإنهم مصرون على العصيان والطغيان. لذا بعد التوكل والاعتماد على علو عناية الحق والتوسل والإسناد إلى المعجزات كثيرة البركات لفخر الموجودات صلوات الله عليه وسلامه. وكذلك بالاستمداد بالأرواح الطاهرة لسائر الصحابة الكرام، عليهم رضوان الله تعالى أجمعين، فقد استقرت نيتنا الملوكية على فتح وتسخير الجزيرة المزمورة في الربيع الآخر القادم. ونضرع إلى عتبة حضرة الحق جل وعلا أن ييسر لنا فتح وتسخير تلك الجزيرة وأن يبسط أيدينا عليها حتى تؤهل بأهل الإسلام، كما كانت عليه، وكي تقام فيها شعائر الشرع الشريف، وحتى يأمن التجار في غدوهم ورواحهم، وينصرفوا للدعاء بثبات ومجد ورفعة الدولة".
"وبما أن الوضع على هذا الحال، فإن إرسال الأسطول الهمايوني المظفر لحمايتكم سيتأخر ريثما يتم إيصال المراكب للعساكر المنصورة للجزيرة المزبورة.
وسيتم ذلك أثر إنهاء الأسطول لمهمته بعناية الحق. وقد أرسل أمري الهمايوني المؤكد إلى أمير أمراء الجزائر الذي تتجه أنظاره وأفئدته نحوكم لإرسال النجدة والمعونة لكم، إما بإرسال العساكر المظفرة أو بإرسال العدة والعتاد، وبموجب أمري الشريف فإن أمير أمراء الجزائر سيكون خير معين وظهير لكم".
"كما أننا نتوخى من خلال حميتكم الإسلامية المتأصلة في حلبتكم عدم التراخي عن إظهار غيرتكم على الدين المتين، فلتظهروا أنواع أخدامكم وأصناف اهتمامكم في الحرب والقتال والجدال ضد الكفار الأذلاء. والمأمول ألا يضن علماء وصلحاء وسائر أهل الإسلام في تلك الديار بالدعاء ليل نهار بتيسير الفتح والنصر للغزوة المظفرة. ولا تتوانوا عن إعلامنا باستمرار عن أحوال وأوضاع تلك الديار".
٣/ ٣ - انتشار الثورة واستشهاد ابن أمية:
قرر الملك فليبي الثاني الاتجاه إلى البشرات لإخضاعها بنفسه، عندما رأى صعوبة القضاء على الثورة، أسوة بسلفه الملكين الكاثوليكيين. فاقترح عليه الكاردينال اسبينوزا بدل ذلك، إرسال أخيه "غير الشرعي"، دون خوان النمساوي، على رأس جيش جديد. فعينه الملك في ١٧/ ٣ / ١٥٦٩ م ووضع تحت إمرته مجلسًا حربيًّا. ثم
стр. 103
أرسل إلى دي مندوجر يخيره بين البقاء تحت إمرة دون خوان أو الانتقال إلى المجلس العسكري في غرناطة كأحد أعضائه. ففضل مندوجر الانتقال إلى غرناطة.
وفي ٦/ ٤ / ١٥٦٩ م ودع دون خوان أخاه الملك وتوجه إلى غرناطة التي وصلها في ١٣/ ٤ / ١٥٦٩ م، فاستقبله نصارى غرناطة مستصحبين أيتامهم وثكلاهم وأراملهم تحريضًا له على إخراج المسلمين. وفي ١٤/ ٤ / ١٥٦٩ م اجتمع بزعماء الأندلسيين الذين اشتكوا إليه من سوء المعاملة والاحتقار ونزع الممتلكات وإزهاق الأرواح بدون سبب، فوعدهم بحماية كل من خلص منهم للنصرانية. وفي ٢٢/ ٤ / ١٥٦٩ م عقد دون خوان مجلسًا حربيًّا لتخطيط القضاء على الثورة، حضره الماركيز مندوجر والرئيس ديسا. واختلفت الآراء في المجلس، فصوت دي مندوجر إلى جانب الذين فضلوا الهدنة والمفاوضة مع المجاهدين، بينما صوت ديسا ومعظم أعضاء المجلس الآخرين على تهجير الأندلسيين من حي البيازين ومن مرج غرناطة ونقلهم إلى قشتالة. ورغم أن دون خوان لم يدل بصوته فقد أبدى ارتياحه للحل الثاني.
وأمام هذه المخاطر الجديدة التي تهدد الأندلسيين، والأعمال الهمجية التي قام بها العسكر القشتالي ضد المجاهدين وعائلاتهم، والتجاوزات المتناهية ضد كل أندلسي من طرف رعاع النصارى، خاصة المجزرة الرهيبة التي كان ضحيتها رهائن سجن غرناطة، فقد أخذت أفواج المتطوعين تنضم إلى المجاهدين مفضلة الموت والسلاح في يدها على العبودية أو الموت في الشوارع والبيوت. وانزرعت بذلك في الجهاد روح جيدة من الحماس والقوة.
وطلب ملك إسبانيا العون من الممالك النصرانية، فتقاطر عليه المتطوعون والمرتزقة في كل أطراف أوروبا: جاء دون لويس دي ريكسنس من إيطاليا على رأس قوة بحرية تتكون من ٢٤ سفينة نزلت على شاطىء البشرات واشتبكت مع الثوار المسلمين في ٢٨/ ٤ / ١٥٦٩ م. فهزمت القوة وخسرت كثيرًا من قوادها قبل أن ترتد إلى فرجليانة. وفي ١٣/ ٥ / ١٥٦٩ م سمح نائب الملك في مقاطعة قطلونية للمتطوعين بالالتحاق بالجيش الإسباني لمحاربة المجاهدين، كما سهل في ١٨/ ٥ / ١٥٦٩ م على الجنود الفرنسيين الاتجاه إلى البشرات. وهكذا اشترك آلاف المتطوعين النصارى من كل أنحاء أوروبا في حرب صليبية حاقدة ضد الأندلسيين، وتقاطروا على مملكة
غرناطة برًّا وبحرًا.
стр. 104
كان ابن أمية يقيم في طاعة أجيجير بالبشرات وخطط مع قواته الهجوم على جيش النصارى محاولاً الحفاظ على المبادرة بالاستفادة من المعارك السريعة المباغتة وتجنب المعارك المكشوفة. ووزع المجاهدون فرقهم المقاتلة في ضواحي المرية ووادي المنصورة ووادي آش ووادي شنيل ومرج غرناطة ووادي الإقليم وجبال البشرات وجبال ابن طوميز شرق مالقة ومنطقة رندة، أي كل نواحي مملكة غرناطة القديمة، حتى أنه قيل إن بعض فرق المجاهدين دخلت حاضرة غرناطة نفسها.
وأخذ المجاهدون المبادرة في كثير من الأحيان: فاجأ المجاهدون كتيبة من ٤٠٠ جندي تحت إمرة حاكم وادي آش الذي تحرك بأمر من ماركيز دي بلش لاحتلال مضيق رياحة، فهزموها وقضوا عليها. ثم شتت المجاهدون قوة تحت إمرة حاكم بلش أرادت أن تحتل صخرة فرجليانة، فهزموها وتابعوها إلى بلش. وبقيت فرجليانة في يد المسلمين إلى أن احتلتها قوة دي ريكسنس المتطوعة في ١١/ ٦ / ١٥٦٩ م. فأبادت حاميتها التي استبسلت في الدفاع عنها بمشاركة النساء والشيوخ. هكذا حرر المجاهدون في ظرف أسابيع المئات من الحصون والقرى والمدن في كل أنحاء مملكة غرناطة.
تقدم جيش الماركيز دي بلش إلى برجة، فزحف إليه ابن أمية في أوائل يونيو عام ١٥٦٩ م على رأس عدة آلاف من المجاهدين منهم حوالي ٤٠٠ متطوع مغربي. وكان قائد المعارك المجاهد مشكر. فاشتعلت في برجة أول معركة كبيرة في هذه المرحلة من الجهاد، اضطر ابن أمية على أثرها إلى الانسحاب إلى قديار بعد أن حمّل جيش دي بلش خسائر فادحة. وقد ادعى كل من المجاهدين والنصارى النصر في معركة برجة التي استشهد فيها حوالي ١٥٠٠ مجاهد.
وفي ٢٣/ ٥ / ١٥٦٩ م انضمت منطقتا الحامة ورندة وجبال بني طوميز شرق مالقة إلى الثورة، فطرد مجاهدو تلك المناطق الحاميات القشتالية بقوات تحت قيادة الشريران وفراندو الدرة، وردوا هجومًا شنه حاكم المرية عليهم واضطر إلى الالتجاء إلى بلش مالقة ولم يعد يخرج منها.
وسيطر مجاهدو وادي المنصورة، شرق المرية، على سلسلة من الحصون والقرى. وحاصروا قلعة صيرون، أكبر تلك الحصون وأمنعها، منذ ١٠/ ٦ / ١٥٦٩ م، إلى أن حرروها في ١١/ ٧ / ١٥٦٩ م بعد أن هزموا قوة قشتالية برئاسة حاكم بسطة حاولت إنقاذها. كما حرر المجاهدون قصور أرية، ثم حاصروا بيرة في سبتمبر
стр. 105
وأرجبة في أكتوبر، وفي شهر يوليوز توفي أحد قواد الجهاد محمد ابن جهور الصغير، عم محمد بن أمية.
بينما كان المجاهدون ينتشرون في كل أنحاء مملكة غرناطة تواجههم قوات دي بلش وفرق المتطوعة النصارى تحت قيادة حكام المناطق، كان دون خوان النمساوي مقيمًا في حاضرة غرناطة منشغلاً عن المعارك بحضور جلسات المجلس العسكري بأمر من أخيه الملك. فوصلته أوامر بتهجير المورسكيين من حاضرة غرناطة في ٢٣/ ٦ / ١٥٦٩ م. وأيد هذا القرار جميع أعضاء المجلس، بما فيهم دي مندوجر. فانتشر الجيش القشتالي في حاضرة غرناطة ومرجها، وبعد فجر ذلك اليوم مباشرة خرج المنادون على أصوات الطبول يعلنون وجوب التحاق المورسكيين بالكنائس، ومنح الرئيس ديسا الأمان لكل من يطيع الأمر. فأذعن أهل غرناطة دون مقاومة، وتجمعوا في الكنائس وقضوا يومهم وليلتهم تحت الحراسة. وفي الصباح فرق الجنود النساء عن الرجال، ثم فرقوا الرجال ما بين الذين تقل أعمارهم عن عشر سنين أو تزيد على الستين وبين الآخرين، وأخذوا هؤلاء بين صفين من الجنود إلى المستشفى الملكي خارج المدينة. ثم انتقوا منهم بعض الصناع والمهرة من العمال الذين سمحوا لهم بالمكوث في غرناطة. وأخذوا الجميع إلى قشتالة، بما فيها مناطق الأندلس التي احتلت قديمًا ومنطقة بطليوس. وعومل المهجرون في الطريق أسوأ معاملة من نهب وقتل، بينما صودرت منازلهم وأملاكهم وأموالهم التي تركوها في غرناطة. ويقدر عدد المهجرين ب ٧.٠٠٠ امرأة و ٣.٥٠٠ رجل لم تصل منهم إلى المناطق المعينة لهم إلا أعداد قليلة، بينما قتل الباقون أو ماتوا جوعًا ومرضًا وتعبًا، أو بيعوا في أسواق النخاسة كعبيد.
وزادت هذه الجريمة النكراء على جرائم النصارى في حق أهل الأندلس مستوى جديدًا، وزادت من كره الأندلسيين للقشتاليين النصارى. وانضمت للمجاهدين بسببها أعداد جديدة من المتطوعين الأندلسيين. وفي ٣/ ٨ / ١٥٦٩ م تمكنت قوة من المجاهدين بقيادة الناقص من القضاء على قوة قشتالية في وادي الإقليم كانت متجهة إلى أرجبة بالمؤن، وأباد المجاهدون كتيبة قشتالية كانت تحرس جسر الطبلات. وضاعف الأرشذوني هجماته على الحصون التي لا زالت بيد الجيش الإسباني، وشدد ابن المليح قائد منطقة وادي المنصورة هجماته على مدينة أرية، وأصبح المجاهدون على أبواب مدينة المرية.
стр. 106
تم تحرك جيش دي بلش بأمر من دون خوان غرناطة من ميناء عذرة الذي أخذه من يد المجاهدين، وتوجه إلى أشيجر. فأمر محمد بن أمية بيدرو مندوسة الحسين، أحد قواده، باعتراض الجيش المهاجم، فلم يستطع. وفي ٣/ ٨ / ١٥٦٩ م سار جيش دي بلش نحو بالور حيث تجمعت قوات المجاهدين تحت قيادة ابن أمية. فقامت بين الطرفين معركة ضارية أرغمت المجاهدين على الانسحاب، وأحرق الجيش بيت ابن أمية في بالور.
وفي غشت عام ١٥٦٩ م أرسل ابن أمية هرناندو الحبقي إلى أمير أمراء الجزائر، علي باشا، مستغيثًا وطالبًا منه مد المجاهدين بالمال والرجال والسلاح فأذاع علي باشا بيانًا يطلب فيه التطوع، فاستجابت له أعداد كبيرة من الجزائريين، اختار منهم ٤٠٠ رجل سلحهم بالبنادق وأرسلهم في ست سفن مع هرناندو الحبقي تحت قيادة ضابط تركي اسمه حسين، وأرسل معهم كمية مهمة من الذخائر والأسلحة. بينما ذهب علي باشا بباقي المتطوعين لتحرير تونس من الإسبان. وطاف القائد حسين، عند وصوله إلى الأندلس، على تجمعات المجاهدين، وأخبرهم أنه يدرس حاجياتهم، فشد ذلك من عزائمهم. وفي نفس الوقت وصل للمجاهدين متطوعون بالأسلحة والمؤن من المغرب، خاصة من منطقة تطوان.
وفي حاضرة غرناطة انتشرت الخلافات في المجلس العسكري لدرجة أدت إلى إيقاف العمليات الحربية ضد المجاهدين. فدعا الملك فليبي الثاني الماركيز دي مندوجر لمقابلته، ولم يعد بعد ذلك إلى غرناطة. ثم اختار المجلس العسكري الحرب ضد المجاهدين كحل وحيد لإنهاء الثورة.
وبينما كانت المبادرة في يد المجاهدين وقع قوادهم في مؤامرة خطيرة أدت إلى انكسارهم. وهي أن الإسبان عندما قاموا بمذبحة سجن غرناطة الرهيبة حقنوا دم والد وأخ ابن أمية للضغط على سلطان الأندلس وقائد ثورتها، فسلموهما لمحاكم التفتيش لتعذيبهما. فأرسل ابن أمية رسالة إلى خوان النمساوي يعرض فيها عليه تسليمهما له مقابل ثمانين أسيرًا من النصارى، وإلا انتقم من النصارى الذين تحت سلطته. فاتفق المجلس الحربي في غرناطة على عدم الإجابة، وأرغموا والد ابن أمية بالكتابة لابنه ناهيًا إياه عن متابعة الثورة ونافيًا أية إساءة أو تعذيب.
فاغتنم ذلك بعض المتعاملين مع العدو الناقمين على ابن أمية للعمل على قتله، على رأسهم دييكو الوزير، وهو أخ زوجة ابن أمية. فأخذوا يبثون الشك بين ابن أمية
стр. 107
والمتطوعين القادمين من الجزائر. فطلب ابن أمية من قريبه وقائده محمد بن عبو (واسمه الإسباني دييغو لوبيز) ضم الأتراك إلى قوته والسير بهم إلى البنيول ولينتظر هناك أوامره. وكانت غاية ابن أمية تحرير ميناء مطريل دون أن يتسرب خبر اتجاه قوة المجاهدين، للحفاظ على المبادرة. فمر حامل الرسالة على أجيجر، فعلم الوزير منه مضمونها، فتآمر مع كاتب ابن أمية في تزوير رسالة أخرى، وأمر بقتل حامل الرسالة الأولى. فوصلت الرسالة المزورة إلى ابن عبو تأمره بتجريد المتطوعين من السلاح وإعدامهم. فاستنكر ابن عبو هذا الأمر، وآمن بالشائعات التي نشرها العدو حول ابن أمية بأنه يريد مهادنة الإسبان لتحرير والده وأخيه. واعتقد المتطوعون أن ابن أمية قد خان، فقرروا عزله وإعدامه دفاعًا عن الثورة.
وسار ابن عبو والمتطوعة الأتراك إلى مقر ابن أمية في لوشر، فقبضوا عليه وواجهوه بالتهم التي يتهمونه بها، وأطلعوه على الرسالة التي بيدهم. فتبرأ ابن أمية من التهم الموجهة ضده، وأكد لهم أن الرسالة مزورة ولم يأمر بكتابتها قط، وأنه ما خان أمته ولا دينه أبدًا. فلم يفده دفاعه عن نفسه، فسجنوه في غرفة، وكلفوا بحراسته دييكو الوزير، كبير المتآمرين عليه، ودييكو أركش، كاتبه. وفي ليل ٢٠/ ١٠ / ١٥٦٩ م، قتله هاذان الخائنان خنقًا.
وهكذا استشهد قائد ثورة الأندلس ضحية الدسائس والغدر، على يد أبناء أمته، تلك الأمة التي ضحى في سبيلها بالغالي والرخيص والتي بسببها شرد أهله وقتلت أمه وأخوته وزوجته وسجن أبوه وأخوه وما وهن ولا استكان، وأجره عند الله. وكان قتله، والمبادرة في يد المجاهدين، انتكاسة كبيرة للثورة.
واقترح قواد الثورة بعد اغتيال ابن أمية، بيعة أحد قائدي المتطوعين، حسين أو أخيه. فرفضا واقترحا مبايعة ابن عبو شرط أن يوافق أمير أمراء الجزائر على ذلك. فوصلت موافقة هذا الأخير مع بعض التعزيزات العسكرية بعد ثلاثة شهور.
فنصب ابن عبو سلطانًا للأندلس تحت اسم عبد الله محمد بن عبو. وقد استاء بعض قواد الثورة، كابن مكنون والأرشذوني، من اغتيال ابن أمية، فانسحبوا من الجهاد واختاروا الهجرة إلى أرض الإسلام، وقد انضم إلى الثورة في أوجها ما يقارب ثلاثين ألف مقاتل، منهم حوالي ٥.٠٠٠ من المتطوعين الأتراك والجزائريين والمغاربة.
стр. 108
٣/ ٤ - مراحل الثورة تحت قيادة ابن عبو:
أعاد ابن عبو فور مبايعته، تنظيم جيش المجاهدين. فعين ابن المليح قائدًا على وادي المنصورة ومنطقة بسطة، والشعيبي على البشرات وجبال شلير، وبولود على منطقة المرية. واستقدم السلاح والذخيرة من موانىء المغرب والجزائر.
ثم نظم ابن عبو جيشًا، قوامه عشرة آلاف مجاهد، اتجه بهم لحصار مدينة أرجبة وقلعتها أواخر شهر أكتوبر سنة ١٥٦٩ م، بعد محاولات فاشلة لاقتحام أسوارها. فطلب قائد حاميتها النجدة من خوان النمساوي في غرناطة، فأنجده بقوة تحت قيادة دوق دي سياسة. فلم تفلح هذه القوة في فك حصار المجاهدين الذين قطعوا الطريق إليها في لانجرون. فنجح المسلمون في تحرير أرجبة، ثم حرروا غليرة، وهي قلعة ذات موقع استراتيجي رفيع. فأتت من أشكر قوات مساندة لجيش دوق دي سياسة فهزمهم المجاهدون في معركة عنيفة.
واستتبت وحدة المجاهدين حول ابن عبو الذي انتشر سلطانه إلى مناطق مالقة
ورندة وكثرت هجماته على مرج غرناطة. وفي أوائل نوفمبر عام ١٥٦٩ م، حررت قوة من المجاهدين بقيادة خريمينو بن المليح حصن أرية بعد معركة عنيفة، إذ كانت حامية أرية النصرانية تغير على قرى المسلمين المجاورة لها، خاصة منتربة.
وفي هذه الأثناء كانت المعارك مشتعلة بين الدولة العثمانية وإسبانيا على
الشواطىء التونسية والجزائرية. وفي ١٩/ ١ / ١٥٧٠ م أفلح أمير أمراء الجزائر، علي باشا، في تحرير مدينة تونس من يد الإسبان والقضاء على ما تبقى من الدولة الحفصية التي أصبحت تحت حماية الإسبان. لذا جمع ملك إسبانيا أقصى ما يمكن من قواته للقضاء على الثورة الأندلسية. فجهز ثلاثة جيوش: أكبرها تحت قيادة أخيه خوان النمساوي، وثانيها تحت قيادة دوق دي سياسة، وثالثها تحت قيادة أنطونيو دي لونا.
ونجحت هذه الجيوش الثلاثة في أخذ المبادرة من يد المجاهدين، وقد تزعزعت وحدتهم بعد مقتل ابن أمية، وقلت الإمدادات التي كانت تصلهم. وقرر الملك حسم الموقف مهما كان الثمن خوفًا من أن ينضم مسلمو بلنسية ومرسية إلى المجاهدين.
فأمر الملك في أواخر ديسمبر عام ١٥٦٩ م، جيش خوان النمساوي بالتحرك.
فانطلق الجيش من غرناطة إلى حصن أبشر، ومنه إلى وادي آش، ووصل إلى بسطة في ٢٩/ ١٢ / ١٥٦٩ م حيث أقام بضعة أيام لتنظيم خطته. ثم اتجه خوان النمساوي بقوة تعدادها ١٢.٠٠٠ جندي إلى حصن غليرة، واحتل في طريقه من يد المسلمين
стр. 109
حصن غولجر. وكان يدافع على غليرة حوالي ٣.٠٠٠ من المجاهدين، من بينهم فرقة من المتطوعين العثمانيين، وساهم في الدفاع عنها النساء الأندلسيات بأسلحتهن. وكان ماركيز دي بلش قد حاصر غليرة مدة طويلة، وعجز عن احتلالها، فأقاله خوان النمساوي في ديسمبر عام ١٥٦٩ م.
قاوم المدافعون عن غليرة جيش خوان النمساوي مقاومة عنيفة، ومنعوه من اقتحام الحصن والبلدة. فحفر الجيش خندقًا حول البلدة، واستعمل المدفعية ضد حصنها، ثم حاصرها حصارًا طويلاً تكبد فيه مئات القتلى والجرحى. وفي ١٠/ ٢ / ١٥٧٠ م انهارت مقاومة المجاهدين ودخل الجيش البلدة في حمى جنونية من القتل والسلب. وأمر خوان النمساوي بقتل جميع الأسرى من رجال ونساء وأطفال، قتل منهم ١٤٠٠ بحضوره، وخربت البلدة، وشتت الملح على أرضها.
وفي نفس الشهر توجه جيش خوان النمساوي شرقًا، وزحف على بلدة صيرون، فتوجهت إليه قوة تعدادها حوالي ستة آلاف مجاهد بقيادة الحبقي وابن المليح. ووقعت معركة طاحنة حول البلدة، قتل فيها المجاهدون عددًا كبيرًا من الجنود والضباط الإسبان على رأسهم دون لويس كيخادا، مربي خوان النمساوي قائد الجيش، وكان يعده في رتبة والده، كما كان كيخادا صديقًا مقربًا للملك شارل الخامس. فهزم المجاهدون جيش خوان النمساوي وشتتوه وكادوا أن يقتلوا قائده. ثم وصلت تعزيزات جديدة للجيش الإسباني فعاد إلى حصار صيرون، ونجح في ٥/ ٣ / ١٥٧٠ م في اقتحام البلدة. فنجا الحبقي مع قلة من المجاهدين، بينما فشا القتل والسلب والنهب والاسترقاق فيمن وقع في يد الجيش.
ثم توجه جيش خوان النمساوي غربًا، فاحتل حصن نجولة واسترق فيه ٤٠٠ طفل وامرأة، ودمره. ثم احتل على التوالي حصون برشانة وكنتورية وتهالي. وفي أواخر أبريل وصل الجيش إلى سهل البدول بالبشرات، وانتظر قدوم جيش دوق دي سياسة.
خرج جيش دوق دي سياسة من غرناطة في شهر فبراير وعبر جبال البشرات من الغرب إلى الشرق ينشر القتل والرعب والدمار في طريقه إلى أن وصل في أواخر شهر أبريل إلى سهل البدول بالبشرات حيث التقى بالجيش الأول.
وخرج جيش أنطونيو دي لونا من أنتقيرة، فوصل في أوائل شهر مارس إلى جبال بني طوميز شرق مالقة لإخضاعها.
стр. 110
وفي ١٤/ ٣ / ١٥٧٠ م، أمر خوان النمساوي باقي المسلمين في حاضرة غرناطة ومرجها بالخروج منها إلى قشتالة. وفي ١٩ مارس جمعهم الجيش في قوافل ووزعهم على قرى قشتالة النائية، وقد مات أكثرهم في الطريق مرضًا أو قتلاً، وبيع عدد كبير منهم في أسواق النخاسة.
وأمام هذا الوضع الحرج أخذ السلطان ابن عبو يستغيث بالدولة العثمانية من جديد. فأرسل كتابًا إلى أمير أمراء الجزائر، علي باشا، وآخر إلى مفتي القسطنطينية مؤرخًا بـ ١١ شعبان عام ٩٧٧ هـ (١١/ ٢ / ١٥٧٠ م) هذا نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم، العزة لله، من عبد الله المتوكل على الله، الحي بفضله وقدرته، المجاهد في سبيله، أمير المؤمنين، المستمسك بشريعة الله، مبيد الكفار وقاهر جيوش العاصين لله، مولاي عبد الله محمد بن عبو، بارك الله مسعاه، وسدد خطاه ليسترد عزة الأندلس، ويجدد نهضتها، نصرها الله القدير، وهو القادر على كل شيء، إلى صديقنا وحبيبنا الخاص، السيد العظيم، والشريف الكريم، السامي المتقدم، العامل المحسن، الخائف من الله، أنعم الله عليه بنعمة الغفران".
"أما بعد فسلام الله عامة على دولتنا العلية، ونعمته وبركاته الوفيرة. أيها الأخ العزيز، لقد بلغتنا أنباء دولتكم العلية، وشخص السلطان الكريم، وما صدر عنه العطف على التعساء البائسين، وأنه سأل عنا، مهتمًا لمعرفة ما يجري لدينا، وأنه اهتم وتألم لما أصابنا من ضنك ونصب على أيدي أولائك النصارى، وأن صاحب الجلالة والعظمة السلطان قد أرسل إلينا كتابًا مختومًا بخاتمه يعدنا فيه بالنصرة بعدد وافر من الرجال المسلمين، وبما نحتاج إليه من العون والعدد التي تسمح لنا بالحفاظ على هذه الأرض".
"وبما أننا نقاسي المتاعب الشديدة في هذه الأزمة المريرة، فإننا نلجأ من جديد إلى الباب العالي، نطلب النجدة والمعونة والنصر عن يدكم. فالنجدة النجدة، بالله القاهر فوق الناس جميعًا. ونرجو من سيادتكم إعلام السلطان القادر بأحوالنا وإخباره بأخبارنا، بالحرب الكبرى التي نخوضها، وقولوا لعظمته إنه إذا أراد أن يشملنا برعايته وعطفه فليبادر إلى إنجادنا بسرعة قبل أن نهلك، فهناك جيشان قويان يتجهان إلينا لمهاجمتنا من جهتين. وإننا إذا ما اندحرنا في المعركة، فإن الله سبحانه سيحاسبه على ذلك حسابًا عسيرًا يوم القيامة، يوم لا تنفع القوة في الحجة. والسلام عليكم ورحمة
следующие страницы →