Полный текст (457 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
والقصر الكبير، وقراه وباديته. واستقر حوالي ١٠.٠٠٠ أندلسي آخرون على مصب وادي أبي رقراق، في سلا، وخاصة في مدينة الرباط التي عمروها بعد أن كانت خرابًا. واتجه حوالي ١٠.٠٠٠ أندلسي آخرين إلى مدينة فاس، بينما توزع الباقون، أي حوالي ١٠.٠٠٠ أندلسي، على مدن المغرب الأخرى، كمكناس ومراكش وآسفى ووجدة، وعلى موانئه وبواديه.
وكان انتقال الأندلسيين إلى المغرب عن طريق المراكز التي استعمرتها إسبانيا على شواطئه، كطنجة وسبتة، ومنها انتقلوا إلى المناطق الأخرى. ولقد قدم معظم الأندلسيين المهاجرين إلى المغرب من الأندلس والقشتالتين واسترمادورا، بينما قدم آخرون من مرسية وبلنسية وأراغون القديمة وقطلونية. واتجه معظم أهل القشتالتين واسترمادورا إلى مصب وادي أبي رقراق، خاصة الرباط حيث انتقل كل من أتى من فرنجوس بعد أن أراد مولاي زيدان استعمالهم في حروبه الصحراوية، وانتقل معظم الغرناطيين إلى فاس وشمال المغرب، بينما استقر أهل بلنسية ومرسية وأراغون القديمة وقطلونية في تطوان والرباط.
وعمل السلطان السعدي مولاي زيدان على تيسير استيطان المهاجرين الأندلسيين، إذ رأى فيهم عنصرًا مفيدًا للمغرب، لتعمير مدنه، وتحسين أوضاع بواديه، والاستفادة من رجالهم وخبراتهم في الجيش. وتدخل مولاي زيدان للدفاع عنهم ضد مناوئيهم داخل المغرب وخارجه. ففي المغرب، أذن لهم بالاستيطان حيثما شاؤوا وبإعادة تعمير مدينة الرباط، وقدم لهم التسهيلات اللازمة لذلك. وخارج المغرب، دافع على حقوقهم، وتابع المعتدين عليهم عند انتقالهم إليه. مثال ذلك السفارة التي أرسلها مولاي زيدان برئاسة الشهاب الحجري، أحد المهاجرين الأندلسيين، إلى باريز لأخذ حقوق الركاب الأندلسيين الذين اعتدى عليهم أصحاب السفن الفرنسيون، إذ "كان الأندلسيون يقطعون البحر في سفن النصارى بالكراء، ودخل كثير منهم في سفن من الإفرنج من أربع سفن، وبعث رجل أندلسي من بلاد فرنجة يطلب منهم وكالة ليطلب بالشرع عنهم ببلاد الفرنج، واتفق نظرهم أنهم يبعثون خمسة رجالاً من المنهوبين لهم، واحدًا من الأندلس الذين سبقوهم بالخروج، واتفقوا أني نمشي لهم، وأعطاني السلطان كتابه وركبنا البحر المحيط بمدينة آسفى".
ولم يستقبل الأندلسيون المهاجرون استقبالاً جيدًا من طرف الأهالي المغاربة إلا في مدينتي فاس وتطوان حيث كانت بهما جالية أندلسية قديمة كبيرة وذات نفوذ. أما
стр. 177
في مدن المغرب الأخرى، كسلا والقصر الكبير، وبواديه، فقد كان استقبالهم فيها فاترًا إن لم يكن سيئًا. وسبب ذلك أن معظم الأندلسيين الوافدين على المغرب في هذه الفترة كانت قد مرت عليهم أجيال من الاضطهاد النصراني جعلت جلهم يجهل اللغة العربية ولا يتكلم إلا الإسبانية، ويحمل أسماء إسبانية، ويتاثر بالعادات النصرانية، كما كانت معرفتهم بالتعاليم الإسلامية ضعيفة بالنسبة للمغاربة، حتى أن أعداءهم أصبحوا ينعتونهم بـ "نصارى قشتالة". وقد أدى هذا الوضع بالتجمعات الأندلسية الكبيرة، خاصة في تطوان والرباط، إلى الاستقلال عن الدولة المغربية لفترة، وتكوين جمهوريات اختصت بالجهاد البحري ضد الإسبان وغيرهم من النصارى في البحر الأبيض المتوسط (تطوان)، وفي المحيط الأطلسي (الرباط وسلا).
وبرز من بين الأندلسيين المهاجرين إلى المغرب في هذه الفترة شخصيات مهمة. منهم عدد كبير ممن عملوا في الترجمة والسفارة، كالشهاب أحمد بن قاسم الحجري الذي كان ترجمانًا وسفيرًا للسلطان مولاي زيدان، ويوسف بسكيانو، ومحمد بنيغش. ومنهم الأطباء، كأبي القاسم الوزير بن محمد الغساني، وأحمد بن معيوب، وغيرهم. ومنهم من برز في فنون أخرى. وأخذ الأندلسيون معهم إلى المغرب تقنيات متقدمة في الزراعة والهندسة والحرف أكدت التأثرات الأندلسية القديمة، وأثرت على الشخصية المغربية ومكوناتها الثقافية تأثيرًا دائمًا جعلت من المغرب الوارث المعاصر للحضارة الأندلسية الإسلامية.
أما الجزائر، فيقدر عدد من هاجر إليها في هذه الفترة من الأندلسيين بحوالي ٦٥.٠٠٠ أندلسي. استقر حوالي ٢٥.٠٠٠ أندلسي منهم في الجزائر العاصمة وحدها، وتوزع عدد منهم على المدن المجاورة لها، كالبليدة. ودخل حوالي ٢٢.٠٠٠ أندلسي الأراضي الجزائرية عبر ميناء وهران، الذي كان مستعمرة إسبانية حينذاك، فانتقلوا إلى المدن الجزائرية المجاورة، خاصة تلمسان ومستغانم. ويقدر بحوالي ١٨.٠٠٠ أندلسي عدد الذين هاجروا إلى السواحل الجزائرية الأخرى، كبجاية وشرشال وبونة (عنابة) وغيرها. وقدم معظم الأندلسيين الذين توجهوا إلى الجزائر من مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، وقدم بعضهم من مملكة مرسية.
استقبلت الدولة العثمانية في الجزائر المهاجرين الأندلسيين استقبالاً جيدًا، ويسرت لهم سبل الاستيطان. ووجد المهاجرون الاستقبال الرحب من طرف الأهالي في المدن الجزائرية الكبيرة، كالجزائر العاصمة وتلمسان وبجاية ومستغانم وغيرها.
стр. 178
لكن المهاجرين الأندلسيين عوملوا من طرف الأعراب في بوادي الجزائر، خاصة عند انتقالهم من مستعمرة وهران إلى الأراضي العثمانية أسوأ المعاملة. فقد قتل الأعراب منهم عددًا كبيرًا، ونهبوا قوافلهم وسلبوها، كما وصف ذلك المقري قائلاً: "فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهب أموالهم". وزاد البوعبدلي قائلاً: "وقد انتهى بهم (أي الأعراب) الأمر إلى قتلهم (أي الأندلسيين) وبقر بطونهم مما يظنون ابتلاع الجوهر".
وقاومت السلطات العثمانية في الجزائر العاصمة هذه الجرائم أشد المقاومة، كما
تصدى لها العلماء. ودافعت بعض القبائل الواعية عن الأندلسيين، كما فعلت مثلاً
قبيلة سويد التي قامت لمقاتلة القبائل المعتدية على الأندلسيين، كقبيلة هبرة، على
جرائمها.
وقد أثّرت هذه الهجرة على الجزائر تأثيرًا دائمًا، خاصة في الزراعة والفنون العسكرية والإدارية. كما قام الأندلسيون المستقرون في شواطىء الجزائر بتنظيم الجهاد البحري ضد المصالح الإسبانية في البحر الأبيض المتوسط. أما تونس، فيقدر عدد الأندلسيين الذين هاجروا إليها في هذه الفترة بحوالي ٥٠.٠٠٠ أندلسي. وقد استقر عدة آلاف منهم في تونس العاصمة وأرباضها، فسكن وجهاؤهم في "زقاق الأندلس" داخل الأسوار، وبنى عامتهم أرباضًا خارجها في باب الجزيرة وباب قرطاجنة وباب السويقة وحومة الأندلس. أما العدد الأكبر من المهاجرين الأندلسيين فقد ساعدتهم السلطات العثمانية في تونس على تأسيس مدن زراعية في أربع مناطق من الولاية التونسية، وهي: ١ - ضواحي تونس العاصمة؛ ٢ - والوطن القبلي؛ ٣ - ووادي المجردة؛ ٤ - ومنطقة بنزرت. وقدم معظم الأندلسيين الذين هاجروا إلى تونس من مملكتي بلنسية وأراغون القديمة. وقد انتقل معظم الأراغونيين، أو الثغريين كما كانوا يسمون أنفسهم، إلى تونس عن طريق ميناء أغد بفرنسا.
استقبلت السلطات العثمانية في تونس، وعلى رأسها حاكمها عثمان داي، المهاجرين الأندلسيين استقبالاً جيدًا ومنظمًا، ورأت فيهم عنصرًا مهمًا لإعادة تعمير البلاد والوقوف أمام عبث الأعراب. فسهل عثمان داي عليهم سبل العيش، وحماهم من هجوم الأعراب، وأقرهم على الولاة الذين ينتخبونهم من بين زعمائهم، وأعفاهم من الضرائب لمدة كافية لاستقرارهم. ثم تابع ولاة الدولة العثمانية في تونس الذين
стр. 179
خلفوا عثمان داي سياسته اتجاه الأندلسيين. وشرع عثمان داي منصب رئيس الأندلسيين بالانتخاب فيما بينهم، يسمى بـ "شيخ الأندلس". وأول من تولى هذا المنصب هو مصطفى بن عبد العزيز كردناش، دام فيه مدة ثلاثين سنة، قدم إلى تونس من بسطة بمقاطعة غرناطة.
واستقبل أهالي مدينة تونس المهاجرين الأندلسيين استقبالاً جيدًا، ولم تسأ معاملتهم إلا من طرف الأعراب، لكن الدولة حمتهم من تجاوزاتهم حماية كافية. كان تأثير الهجرة الأندلسية على تونس إيجابيًّا ودائمًا، خاصة في تعمير مدنها وبواديها، وإنعاش الصناعة والزراعة بها، وإحياء اقتصادها.
ففي ضواحي تونس العاصمة، سلم عثمان داي للأندلسيين جميع المزارع المهجورة فأسسوا العديد من القرى الزراعية، كأريانة وسوكرة ومنوبة والباردو ورادس ومرناق وغيرها. فأدخلوا إلى تلك المناطق زراعة التوت وصناعة الحرير. وأسسوا في الوطن القبلي المدن والقرى الزراعية التالية: حمام الأنف وسليمان وقرنبلية وتركي وبلي ونيانو وزعوان ومنزل بوزلفى ومنزل تميم ودار شعبان ونابل وغيرها. أما في وادي المجردة، فقد أسس الأندلسيون المهاجرون في هذه الفترة سلسلة من المدن والقرى الزراعية، وهي: تستور والسلوقية ومجاز الباب وقريش الوادي وتبوربة والجديدة وقلعة الأندلس وعوسجة والعالية والماتلين ورأس الجبل وغار الملح ومنزل جميل وماطر. وأحيوا مدينة بنزرت وأسسوا في منطقتها بلدة منزل عبد الرحمن. وقد فشل الأندلسيون، رغم مجهودهم، في إعادة تعمير مدينة المهدية (عاصمة الدولة الفاطمية قديمًا) وقد أصبحت خرابًا، بسبب انتشار الأوبئة وتجاوزات الأعراب.
ومجمل القول، فقد أدت الهجرة الأندلسية إلى تونس في هذه الحقبة بالذات إلى انتعاش كبير في المجالات الزراعية والصناعية وفي العلوم. فأدخل الأندلسيون صناعة الشاشية وصناعة الحرير، وأحيوا أراضي موات شاسعة، نشروا زراعة الزيتون، وتسببوا في ازدهار التجارة. وقد نشطت الثقافة الأعجمية بتونس على يد جماعة من المثقفين الأندلسيين المهاجرين إليها، منهم: عبد الكريم بن علي بريز، وإبراهيم التايبلي بيريز، وأصله من طليطلة، والحاج محمد روبيو، وأصله من أراغون القديمة، وغيرهم كثير. كما ظهر في الدبلوماسية عدد كبير من الأندلسيين، من بينهم أحمد بن قاسم بجرانو الأندلسي الذي خدم مولاي زيدان، سلطان
стр. 180
المغرب، قبل هجرته لتونس، وفي العلوم الحربية إبراهيم بن أحمد، وغيرهم في شتى الفنون والعلوم.
أما ليبيا، فقد هاجر إلى طرابلس والمناطق المجاورة لها عدة آلاف من
الأندلسيين، إما مباشرة أو عن طريق تونس.
وهكذا يكون مجموع الأندلسيين المهجرين من بلادهم قسرًا والذين وصلوا إلى شمال إفريقيا في الحقبة بين سنتي ١٦٠٩ م و ١٦١٤ م حوالي ١٨٠.٠٠٠ أندلسي، منهم ٦٠.٠٠٠ أندلسي استقروا في المغرب، و ٦٥.٠٠٠ أندلسي في الجزائر، و ٥٠.٠٠٠ أندلسي في تونس، وبضعة آلاف منهم في ليبيا. فإلى أين اتجه الباقون؟
يمكن تقدير عدد الأندلسيين الذين تركوا إسبانيا عن طريق فرنسا بحوالي ٥٠.٠٠٠ أندلسي على أقل تقدير. وقد استقبلهم الفرنسيون، أول الأمر، استقبالاً حسناً. ففي فبراير سنة ١٦١٠ م، سمح لهم هنري الرابع، ملك فرنسا، بالمكوث فيها شرط اعتناق الدين الكاثوليكي والإخلاص له. وعندما تكاثرت أعداد الوافدين منهم، وهم على ما هم عليه من الفقر والتعب والمرض، أخذ الأهالي الفرنسيون يشتكون إلى الملك من وجودهم ففي ٢٥/ ٤ / ١٦١٠ م، أمر الملك مدن جنوب فرنسا بتوجيه اللاجئين الأندلسيين إلى الموانىء المجاورة لإبحارهم خارج البلاد. وزادت معاملة اللاجئين الأندلسيين المقيمين في فرنسا سوءًا بعد وفاة الملك هنري الرابع في مايو سنة ١٦١٠ م. فقررت بلديتا طلوشة (تولوز) وبايون إقفال الحدود عنهم، وهدد برلمان اللانكدوق بتعذيب من يرفض منهم الخروج من فرنسا، ومنعت مقاطعة البروفانس عبورهم نهر الردانة (الرون).
لم يزد معظم الأندلسيين الذين دخلوا فرنسا على عبورها إلى بلدان أخرى، معظمها إسلامية. ولم يبق بفرنسا سوى ألف موريسكي تقريبًا. وقد ذكر آغرفوي، وهو مؤرخ فرنسي معاصر، "أن عددًا منهم (أي الأندلسيين) سمح لهم بالإقامة في المدن، حيث عمل بعضهم في التجارة وعمل آخرون منهم في الطب، بينما ظل كثيرون يعملون في الزراعة".
ودخل عدة آلاف من الأندلسيين المطرودين إلى إيطاليا، ولم يستقر منهم بها سوى حوالي ألف أندلسي، أقام معظمهم في صقلية جنوبًا وفي تسكانيا شمالاً.
واتخذ الآخرون إيطاليا طريقًا للاتجاه إلى الدولة العثمانية. وقد قام السلطان العثماني
стр. 181
أحمد الأول بمجهود كبير في تسهيل انتقالهم، فكتب لحكام فرنسا وبريطانيا والإمارات الإيطالية رسائل يطالبهم فيها بتسهيل نقل الأندلسيين إلى الأراضي العثمانية. كما أرسل إلى ماري دي ميدسيس، الوصية على ابنها ملك فرنسا لويس الثالث عشر، رسالة يطلب منها توفير عدد من السفن لمساعدة الأندلسيين المقيمين في جنوب فرنسا على التوجه إلى الأراضي العثمانية. فاستجابت الوصية لطلب السلطان. وأرسل السلطان سفيره الحاج إبراهيم آغا إلى جاك الأول، ملك بريطانيا، لمساعدة الأندلسيين وكذلك تسهيل انتقالهم إلى الدولة العثمانية. فرفض جاك الأول الاستجابة لطلب السلطان. وكذلك ناشد السلطان أحمد الأول دوج البندقية بمساعدة الأندلسيين على الوصول إلى الأراضي العثمانية عن طريق البر، وطلب منه "ألا يتدخل في أمورهم، أو يتعرض لأشخاصهم، أو لأرزاقهم، أو لأموالهم، أو لدوابهم، إنجازًا لما بيننا من العهد والأمان، وذلك أثناء مرورهم بالمنازل والمراحل والمعابر (التي تحت حكمكم)، حتى يصلوا عندنا آمنين سالمين ... لتقوية أواصر المصالحة وتمديد المعاهدة (بيننا) ".
وقد اختار معظم الأندلسيين الذين دخلوا فرنسا من إسبانيا، ومعظمهم من مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، الطريق التالية للوصول إلى الأراضي العثمانية: دخلوا بلدة طارب في فرنسا، ثم توجهوا إلى طلوشة (تولوز) فلذن (ليون)، ومنها خرجوا من فرنسا عبر وادي الردانة (الرون)، فدخلوا الأراضي السويسرية في جنيف، ومنها إلى وادي الفالي (سويسرا)، حيث أقام عدد منهم، ثم دخلوا الأراضي الإيطالية متجهين إلى مدينة ميلانو (إيطاليا)، ومنها إلى البندقية، فبلاد البوسنة والهرسك (في يوغسلافيا اليوم) بالدولة العثمانية. وهكذا عبر آلاف الأندلسيين هذه الطريق الطويلة، فاستقر بعضهم في بلاد البوسنة والهرسك، وتابع الباقون طريقهم إلى سلانك (في اليونان اليوم) حيث استقر عدة آلاف منهم، ثم تابع الباقون طريقهم إلى القسطنطينية (اسطنبول)، عاصمة الدولة العثمانية. ومنهم من توجه بعد ذلك إلى بلاد الشام، خاصة دمشق والساحل اللبناني. وقد عمر الأندلسيون أحياء كاملة في القسطنطينية، منها حي كلاطة المشهور اليوم. وأصبح للأندلسيين نفوذ كبير في القسطنطينية، لاحظه المراقبون الأوروبيون المعاصرون.
ويقدر عدد الأندلسيبن المطرودين في الحقبة بين سنتي ١٦٠٩ م و ١٦١٤ م الذين هاجروا إلى الأراضي العثمانية الآسيوية والأوروبية بحوالي ٤٠.٠٠٠ أندلسي.
стр. 182
وهاجر عدد من الأندلسيين إلى القارة الأمريكية كما يظهر من سجلات محاكم التفتيش ومن الآثار المعمارية التي تركوها هناك. غير أن هجرة معظم الأندلسيين إلى جنوب أمريكا كانت قبل طرد سنة ١٦٠٩ م.
وهكذا يمكن تقدير عدد الأندلسيين المطرودين الذين وصلوا إلى أرض المهجر بحوالي ٢٣٠.٠٠٠ شخص، استقر منهم بشمال إفريقيا حوالي ١٨٠.٠٠٠ أندلسي، وفي الأراضي العثمانية الآسيوية والأوروبية حوالي ٤٠.٠٠٠ أندلسي، وفي الدول النصرانية بأوروبا وأمريكا حوالي ١٠.٠٠٠ أندلسي.
فماذا حدث لـ ٩٧.٠٠٠ أندلسي الباقين الذين أخرجوا من إسبانيا؟ يمكن تقدير عدد من مات منهم، غرقًا في البحار أو قتلاً في الطرقات أو بسبب المرض والجوع والفاقة، بحوالي عشرين في المائة من مجموع المطرودين، أو حوالي ٦٥.٠٠٠ أندلسي، بينما رجع ال ٣٢.٠٠٠ أندلسي الباقون إلى الأندلس بطريقة ما واندمجوا في أهاليها.
стр. 183
مراجع
الفصل الخامس
٥/ ١ - Boronat y Barranchina "Los Moriscos Espanoles y su Expulsion" Valencia, ١٩٠١, Vol. II, Apendice ٤.
٥ / ٢ - J. Bleda "Cronica de los Moros de Espana" Valencia, ١٦١٨, p. ٩٧٥.
٥ / ٣ - Duc de la Force "Memoires Authentiques de Jacques Nompar de Caumont, Duc de la Force" Tome I, Paris, ١٨٤٣.
٥ / ٤ - L. Cabrera de Cordoba "Relaciones de las Cosas Sucedidas en Espana desde ١٥٩٩ Hasta ١٦١٤" Madrid ١٨٥٧, p. ٢٤٠ (Abril de ١٦٠٥) .
٥ / ٥ - L. Cardaillac "Morisques et Protestants" Al-Andalus, XXXVI, ١٩٧١, p.٢٩-٦٣.
٥ / ٦ - أبو عبد الله محمد اليفرني "نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي" طبع فاس، المغرب.
٥/ ٧ - H.C. Lea "The Moriscos, Their Conversion and Expulsion" Londres, ١٩٠١, New York, ١٩٦٨, p. ٢٨٩-٢٩٠.
٥ / ٨ - شهاب الدين أحمد بن قاسم الحجري "ناصر الدين على القوم الكافرين" تحقيق محمد رزوق، الدار البيضاء، ١٩٨٧، ص ١٠٣ - ١٠٤.
٥/ ٩ - Ref. (٥.١) , Vol. II, p. ٤٩٠-٩١, y Apendice ٧.
٥ / ١٠ - Ref. (٥.١) , Vol. II, Apendice ٩.
٥ / ١١ - M. Danvila y Collado "La Expulsion de los Moriscos Espanoles" Madrid, ١٨٨٩, p. ٢٧٤-٢٧٧.
٥ / ١٢ - M. Garcia Arenal "Los Moriscos", Madrid, ١٩٧٥, p. ٢٥٢-٢٥٥.
٥ / ١٣ - Gaspar de Aguilar "Expulsion de los Moriscos de Espana por la S.C.R Magestad del Rey Don Phelipe Tercero" Valencia, ١٦١٠.
стр. 184
٥/ ١٤ - المرجع (٥ - ٨)، ص ٢.
٥/ ١٥ - محمد بن عبد الرفيع "الأنوار النبوية في آباء خير البرية" مخطوط الخزانة العامة بالرباط، عدد ١٢٣٩ ك، ص ٣٣٦.
٥/ ١٦ - Ref. (٥.١٣) .
٥ / ١٧ - H. Lapeyre "Geographie de l'Espagne Morisque" SEVPEN, Paris, ١٩٦٩.
٥ / ١٨ - Damian Fonseca "Justa Expulsion de los Moriscos de Espana, Con la Instruccion, Apostasia y Traicion dellos: y Respuesta alas Dudas que se Ofrecieron acerca desta Materia" Roma, ١٦١١, Capitulos ٤ y
٥.
٥ / ١٩ - Ref. (٥.١) , Vol. II, p.٢٧٢-٢٧٣.
٥ / ٢٠ - Ref. (٥.١) , Vol. II, p. ٢٤٦, y Apendices ٢٤ y ٢٥.
٥ / ٢١ - Ref. (٥.١) , Vol. II, p. ٢٧٧-٢٧٩.
٥ / ٢٢ - A. Dominguez Ortiz y Bernard Vincent "Historia de los Moriscos" Revista de Occidente, ١٩٧٩, p. ١٨٦.
٥ / ٢٣ - Ref. (٥.٢٢) , p. ١٩٥.
٥ / ٢٤ - Archivo de la Corona de Aragon, Corona de Aragon, ٢٢١ III ٢.
٥ / ٢٥ - Ref. (٥.١) , Vol. II, p. ٢٩٦-٢٩٧.
٥ / ٢٦ - Ref. (٥.٢٤) , ٢٢١ IV, ٧.
٥ / ٢٧ - Ref. (٥.٢٤) , ٢٢١ IV, ٦.
٥ / ٢٨ - Ref. (٥.٢٤) , ٢٢١ VII, ٤.
٥ / ٢٩ - Ref. (٥.٢٤) , ٢٢١ II, ١٢.
٥ / ٣٠ - Ref. (٥.١) , Vol, II, p. ٢٩٨-٢٩٩.
٥ / ٣١ - Ref. (٥.٢٤) , ٢٢١ II, ١٧.
٥ / ٣٢ - Ref. (٥.٢٤) , ٢٢١ V, ١٢.
٥ / ٣٣ - Ref. (٥.٢٤) , ٢٢١ II, ١٤.
٥ / ٣٤ - Ref. (٥.١) , Vol. II, p. ٣٠١-٣٠٢.
٥ / ٣٥ - Ref. (٥.٢٤) , ٢٢١ III, ٧.
٥ / ٣٦ - Ref. (٥.٢٤) , ٢٢١ VI, ٧.
٥ / ٣٧ - Aznar Cardona "Expulsion Justificada de los Moriscos Espanoles" Parte ٢, Capitulo ٢.
٥ / ٣٨ - Archivo de la Corona de Aragon, Reg. ٥١٨٩, ٤٣v-٤٤v.
стр. 185
٥/ ٣٩ - Ref. (٥.٣٨) , Reg. ٥٢١٠, ٣١٩v.
٥ / ٤٠ - Ref. (٥.٣٨) , Reg. ٥٢١٠, ٢٣٨.
٥ / ٤١ - Ref. (٥.١) , Vol. II, p. ٢٨١-٢٨٢.
٥ / ٤٢ - F. Janer "Condicion Social de los Moriscos en Espana, Causas de su Expulsion y Consecuencias que esta Produjo en el Orden Politico y Economico", Madrid, ١٨٥٧, p. ٢٨٤-٢٨٥.
٥ / ٤٣ - Ref. (٥.٤٢) , p. ٣٠٥.
٥ / ٤٤ - Ref. (٥.١٧) , Apendice XVI.
٥ / ٤٥ - Ref. (٥.١) , Vol. II, p. ٢٨٥-٢٨٧.
٥ / ٤٦ - Ref. (٥.٤٢) , ٢٢١ VI, ٤.
٥ / ٤٧ - Ref. (٥.٤٢) , ٢٢١ VI, ٢.
٥ / ٤٨ - Ref. (٥.٤٢) , ٢٢١ VI, ٣.
٥ / ٤٩ - Ref. (٥.١٧) , p. ١٤٧.
٥ / ٥٠ - Ref. (٥.٤٢) , p. ١٧٦ y ss.
٥ / ٥١ - Archivo Historico National, Inquisition, (Espana) , Libro ٥٨٦, Fo- lio ٣٢٠.
٥ / ٥٢ - Munoz Gaviria "Historia del Alzamiento de los Moriscos, su Expul- sion de Espana y sus Consecuencias en todas las Provincias del Re- ino" Madrid, ١٨٨١, p. ١٨٢.
٥ / ٥٣ - Marcos de Guadalajara "Memorable Expulsion u Justisimo Destier- ro de los Moriscos de Espana" Pamplona, ١٦١٣, Fols ١٢٠v-١٢٢v.
٥ / ٥٤ - Marcos de Guadalajara "Proclicion y Destierro de los Moriscos de Castilla hasta el Valle de Ricote. Con las Disensiones de los Herma- nos Xarifes y Presa en Berberia de la Fuerca y Puerto de Alarache' Imp. Nicolas de Assiayn, Pamplona, ١٦١٤, Fol. ٤١v-٤٢v.
٥ / ٥٥ - Ref. (٥.٤٢) , p. ٣٣٩-٣٤٠.
٥ / ٥٦ - Ref. (٥.١) , p. ٢٩١-٢٩٢.
٥ / ٥٧ - Ref. (٥.٥٤) , fol. ٣٤v-٣٧v.
٥ / ٥٨ - Ref. (٥.٥٤) , fol. ٤٤v-٤٥v.
٥ / ٥٩ - Ref. (٥.١) , p. ٣٠٣.
٥ / ٦٠ - Don Diego de Guzman "Vida y Muerte de Dona Margarita de Aus- tria" ٢e parte, Capitulo ٢٠.
٥ / ٦١ - Ref. (٥.١٨) , p. ٢٠٠.
стр. 186
٥/ ٦٢ - الشهاب الحجري، مخطوط المكتبة الجامعية بمدينة بلونيا (إيطاليا) ورقة ١٥٦ ظ.
٥/ ٦٣ - Juan Penella Roma "Los Moriscos Espanoles Emigrado Al Norte de Africa" Thesis, Barcelona, ١٩٧١.
٥ / ٦٤ - مرجع (٥ - ٨)، ص ٣٠.
٥/ ٦٥ - محمد رزوق "الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب" مطبعة إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، ١٩٨٧.
٥/ ٦٦ - Jean Monlaii "Les Etats Barbaresques" Collection Que Sais-Je? No. ١٠٩٧, p. ١٠٨.
٥ / ٦٧ - Ref. (٥.١٧) , p. ٥٥-٥٦.
٥ / ٦٨ - أحمد المقري "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب" نشرة إحسان عباس، بيروت، ١٩٦٨، المجلد ٤، ص ٥٢٨.
٥/ ٦٩ - المهدي البو عبدلي "مقدمة كتاب الشعر الجماني" ص ٢٧.
٥/ ٧٠ - ناصر الدين السعيدوني "الجالية الأندلسية بالجزائر" مجلة أوراق، مدريد، العدد ٤، ص ١١٧.
٥/ ٧١ - J.D. Latham "Muçtafa de Cardenas et L"Apport des Morisques a la Societe Tunisienne du XVII Siecle" Les Africains (Edition Jeune Afrique) , Paris, Vol. ٧, p. ٢٠١-٢٢٩.
٥ / ٧٢ - Guiy Turbet-Delof "Un Morisque Andalou Refugie en Tripolitaine: Le Marabout Issouf" Etudes sur les Morisques Andalous, ed. S.M. Zbiss, A. Gafsi, M. Boughanni et M. de Epalza, Tunis, ١٩٨٣, p. ١٩٥-٢٠٠.
٥ / ٧٣ - L. Cardaillac "Morisques en Province" Revue des Langues Ro - manes, ١٩٧١.
٥ / ٧٤ - Juan Pignon "Etudes sur les Morisques Andalous" Tunis ١٩٨٣, p. ٧٥.
٥ / ٧٥ - عبد الجليل التميمي "رسالة من السلطان العثماني أحمد الأول إلى دوج البندقية حول المورسكيين" مجلة التاريخ المغربي، تونس، عدد ٧ و ٨، ص ٧ - ١٣.
стр. 187
الفصل السادس
ديموغرافية المورسكيين وحياتهم الاجتماعية
٦/ ١ - ديموغرافية المورسكيين:
يجد الباحث صعوبة في إحصاء عدد المورسكيين عند محاولته للتعرف على من هو المورسكي في إسبانيا القرن السادس عشر. فمعظم الأندلسيين الذين أجبروا على التنصير أظهروا التنصر تقية واحتفظوا بالإسلام سرًّا وتنظموا للدفاع عنه ولتعليمه لأبنائهم. وأدى هذا الوضع إلى عدم ثقة النصارى القدامى في كل المتنصرين قهرًا، حتى في الأقلية الصغيرة منهم التي أخلصت للنصرانية. وشرعت الحكومة الإسبانية لمقاومة الأندلسيين مفهومًا عنصريًّا غريبًا، هو نقاوة الدم النصراني. ويعني ذلك أن كل من تنسل من أجداد مسلمين يعد دمه غير نقي، ويصبح بذلك مشكوكًا في ولائه للدين النصراني والدولة الإسبانية، فيبعد عن مسؤوليات الدولة. وهذا ما حدث فعلاً لعدة شخصيات اشتهرت في التاريخ الثقافي والفكري الإسباني، كسرفانتس، مؤلف قصة دون كيشوطي. ومن جهة أخرى، لم يكن المورسكيون مجموعة عرقية مختلفة عن النصارى. فكلاهما من عرق واحد، ولا يمكن التعرف على المورسكيين إلا باختلاف اللباس والعادات، بينما معظم نصارى الأندلس آنذاك كانوا من أصول إسلامية وهذا ما يجعل تقدير عدد المورسكيين صعبًا، عدا في مملكتي بلنسية وأراغون القديمة حيث كانوا منظمين في جماعات محددة المعالم، ولم يكونوا أول الأمر مضطهدين بمستوى اضطهاد أهل الأندلس في الجنوب.
سندرس أولاً ديموغرافية مسلمي مملكة أراغون بمناطقها الثلاثة: مملكة بلنسية،
ومملكة أراغون القديمة، وقطلونية.
стр. 188
أما مملكة بلنسية، فقد طرد منها عدد من المسلمين عدة مرات منذ احتلالها في القرن الثالث عشر الميلادي، كما هاجرت منها أعداد كبيرة من المسلمين عبر القرون.
ورغم ذلك، بقي في مملكة بلنسية عدد كبير منهم كمدجنين بينما تنصرت أعداد أخرى، طمعًا أو قهرًا. وفي سنة ١٥١٠ م، كان عدد سكان مملكة بلنسية حوالي ٢٧٣.٠٠٠ شخص، وأصبح عددهم سنة ١٥٥٠ م حوالي ٤٣٢.٠٠٠ نسمة موزعين على ٨٤.٥٠٤ بيت، من بينهم حوالي ١٥٩.٠٠٠ مورسكيًّا موزعين على ٣١.٥١٥ بيت. أي أن نسبة المورسكيين من مجموع سكان مملكة بلنسية كانت سنة ١٥٥٠ م تعادل حوالي ٣٧.٦ في المائة.
وفي سنة ١٦٠٠ م، قدر عدد سكان مملكة بلنسية بحوالي ٥٠٩.٠٠٠ نسمة يسكنون ١٠١.٧٩٢ بيتًا، منهم حوالي ١٤٠.٠٠٠ مورسكيًّا يسكنون ٢٨.٠٧١ بيتًا، وبهذا نزلت نسبة المورسكيين من مجموع السكان في ظرف أربعين سنة إلى ٢٧.٧ في المائة. لكن الأرقام التي قدمت عن عدد المورسكيين سنة ١٦٠٠ م ليست موثوقة، إذ ذكر المؤرخون النصارى المعاصرون "بأن السكان المورسكيين في بلنسية أصبح يتزايد عددهم بطريقة مهولة لدرجة أن الكورتس (مجلس الدولة) أمر في أوائل القرن السابع عشر عدم إحصاء عددهم لكي لا يعرفوا مدى قوتهم العددية". بل قدرت نسبة زيادة مسلمي مملكة بلنسية بحوالي ٦٩.٧ في المائة في الحقبة بين سنتي ١٥٦٣ م و ١٦٠٩ م، بينما قدرت نسبة زيادة النصارى في نفس الحقبة بحوالي ٤٤.٧ في المائة فقط. وإذا اعتبرنا عدد المورسكيين المنشور في مملكة بلنسية سنة ١٥٥٠ م قريبًا من الواقع وطبقنا عليه نسبة زيادة المورسكيين المذكورة، وجدنا أن عدد المورسكيين المحتمل في مملكة بلنسية يعادل حوالي ٢٨٠.٠٠٠ مورسكيًّا سنة ١٦٠٠ م، ويمكن تقدير من هاجر منهم إلى البلاد الإسلامية في نفس الحقبة بحوالي ٨٠.٠٠٠ مورسكيًّا. فيكون إذن عدد المورسكيين المقيمين في مملكة بلنسية سنة ١٦٠٠ م حوالي ٢٠٠.٠٠٠ مورسكيًّا، أي ما يعادل حوالي ٤٠ في المائة من مجموع سكانها. وهذا ما يفسر رعب السلطات الكنسية والحكومية من تزايدهم.
ويقدر عدد سكان مملكة بلنسية سنة ١٦٠٩ م، باعتبار الزيادة الطبيعية، بحوالي ٥٨٠.٠٠٠ نسمة، منهم حوالي ٢٣٠.٠٠٠ مورسكيًّا. وقد قدرنا عدد من طرد منهم سنة ١٦٠٩ م، وما قبلها مباشرة، بحوالي ١٣٠.٠٠٠ مورسكيًّا، بينما قتل منهم في مقاومتهم لهذا الطرد حوالي ١٠.٠٠٠ مورسكيًّا، فيكون المجموع حوالي ١٤٠.٠٠٠
стр. 189
مورسكيًّا. لذا يمكن تقدير من بقي من المورسكيين في مملكة بلنسية بعد الطرد بحوالي ٩٠.٠٠٠ شخص. أي أن عدد سكان مملكة بلنسية نزل بسبب طرد ربع سكانها في بضعة شهور، من ٥٨٠.٠٠٠ نسمة إلى ٤٤٠.٠٠٠ نسمة، خمسهم ممن تبقى من المورسكيين، الأطفال والمستعبدين والمخفيين والهاربين، في حالة يرثى لها من الفقر والقهر والتشتيت بعد أن قضي على تنظيمهم وزعمائهم، طردًا وقتلاً. فمن المورسكيين المتخلفين من اندمج في السكان النصارى، ومنهم من التحق بقبائل الغجر، ولم يبق لهم اليوم من الإسلام إلا ذكراه والحنين إليه.
وكان مسلمو مملكة بلنسية يقطنون بنسب كبيرة في المناطق الجبلية، إذ طرد معظمهم من المدن والسهول، عدا منطقة شاطبة، بعد احتلال البلاد في القرن الثالث عشر الميلادي. وكان معظم المسلمين يعيشون في قرى صغيرة تحت سيادة نبلاء مدنيين، وأقلهم تحت سيادة الكنيسة الكاثوليكية. وأظهر إحصاء سنة ١٥٥٠ م أنهم كانوا يقطنون في ٤٥٠ قرية إسلامية، أكبرها بونيول (٣.٨٠٠ نسمة) في مقاطعة بلنسية، والدا (٣.٥٠٠ نسمة) في مقاطعة لقنت، وآسب (٢٨٥٠ نسمة) جنوب الدا في مقاطعة لقنت كذلك. وكان عدد سكان مدينة بلنسية حوالي ٥٠.٠٠٠ نسمة، لم يكن منهم سوى عدد قليل من المسلمين.
أما مملكة أراغون القديمة، فقد طرد عند احتلالها المسلمون من مدنها الكبرى، وهاجر عدد كبير منهم إلى الأراضي الإسلامية، بينما بقيت أعداد أخرى في السهول الزراعية، خاصة حول نهر ابرة. وعلى عكس مملكة بلنسية، كانت نسبة المسلمين في أراغون القديمة مرتفعة في السهول ومنخفضة في الجبال. وكان "معظم سكان القرى في المنطقة التي تكون ولاية سرقسطة اليوم مسلمين" عند احتلال النصارى للثغر الأعلى. وفي سنة ١٤٩٥ م، أظهر أول إحصاء أجري في مملكة أراغون القديمة أن عدد سكانها ٢٠٠.٠٠٠ نسمة، من بينهم حوالي ٥٠.٠٠٠ مسلم، أي ربع مجموع سكانها. وفي سنة ١٥٧٥ م، أصبح عدد المورسكيين في أراغون القديمة يقارب ٥٤.٠٠٠ مورسكي يقطنون في ١٠.٨٢٥ بيت. وفي سنة ١٥٩٣ م، وصل مجموع سكان مملكة أراغون القديمة إلى ٣٠٢.٠٠٠ نسمة، من بينهم حوالي ٨٤.٠٠٠ مورسكي يعيشون في ١٦.٨٦٥ بيت، أي ما يعادل حوالي ٢٨ في المائة من مجموع السكان. وفي إحصاء سنة ١٦٠٣ م، نزل عدد المورسكيين إلى ٧١.٠٠٠ مورسكي فقط، يقطنون في ١٤.١٠٩ بيت، من مجموع ٣٣٢.٠٠٠ نسمة،. يقطنون في ٦٦.٥٤٧
стр. 190
بيت. أي أن نسبة المورسكيين من مجموع سكان مملكة أراغون القديمة نزلت سنة ١٦٠٣ م إلى حوالي ٢١ في المائة.
وكما ذكرنا بالنسبة لمملكة بلنسية، فهناك أسباب وجيهة للشك في صحة هذه الأرقام الأخيرة، والاعتقاد بأنها أقل من الواقع. إذ وجد أن عدد المعمدين في مملكة أراغون القديمة في الفترة ما بين سنتي ١٥٩٠ م و ١٦٠٩ م، أي قبل طرد
المورسكيين، يساوي ٣.٠٥ طفل لكل زوجين، وأصبح يساوي ٢.٩٤ طفل لكل زوجين في الفترة ما بين سنتي ١٦١٠ م و ١٦٥٠ م، أي بعد الطرد. فإذا فرضنا أن الفرق بين الرقمين يعود إلى إخراج المورسكيين، نجد أنه يولد لكل زوجين مورسكيين ٣.٥١ من الأطفال، ولكل زوجين نصرانيين ٢.٩٤ من الأطفال، أي أن نسبة زيادة المسلمين كانت أعلى من نسبة زيادة النصارى بحوالي ١٦ في المائة.
وباعتبار نسبة التزايد هذه منذ سنة ١٥٩٣ م، يصبح عدد المورسكيين في أراغون القديمة سنة ١٦٠٣ م حوالي ١٠٣.٠٠٠ مورسكي، أي حوالي ٣١ في المائة من مجموع السكان. وفي سنة ١٦٠٩ م، أصبح مجموع سكان مملكة أراغون القديمة حوالي ٣٥٢.٠٠٠ نسمة، منهم حوالي ١١٠.٠٠٠ مورسكي. وطرد من هؤلاء سنة ١٦٠٩ م وما بعدها، كما رأينا، حوالي ٦١.٠٠٠ مورسكي، أي حوالي ١٧ في المائة من مجموع سكان أراغون القديمة.
فيكون قد مكث في البلاد حوالي ٤٩.٠٠٠ مورسكي من مجموع ٢٩١.٠٠٠ نسمة، أي نزلت نسبتهم بعد الطرد إلى ١٧ في المائة من مجموع السكان. وكان معظم المورسكيين المتخلفين في أراغون القديمة من الأطفال والعبيد والمشردين والمختفين، بعد أن طرد جميع فقهائهم ومنظميهم، فاندمجوا في الأهالي النصارى ولم يبق اليوم من الإسلام إلا ذكراه، كما حدث في مملكة بلنسية.
وفي سنة ١٦٠٣ م، كان مورسكيو أراغون القديمة يقطنون في حوالي ١٣٠ قرية مورسكية، أكبرها إيجيا (٢٢٦٠ مورسكي)، وبيلا فليش (٢٢٣٠ مورسكي)، وبريا (٢١٦٥ مورسكي)، وكلها في مقاطعة سرقسطة. أما المدن الكبيرة فلم يكن يقطن في كل من سرقسطة وطرويل سوى ٧٥٠ مورسكي.
أما قطلونية، بما فيها منطقة الروسيون (الفرنسية اليوم)، فكان عدد سكانها سنة ١٥٥٢ م حوالي ٣٥٨.٠٠٠ نسمة يقطنون في ٧١.٦٨٠ بيت. وكان معظم مورسكييها
стр. 191
يقطنون في مصب نهر ابرة في مقاطعة طرقونة، حيث كان يقطن سنة ١٥٨٧ م حوالي ٦.٢٧٥ مورسكي. وفي نفس السنة، كان يقطن حوالي ١.٥٠٠ مورسكي ثلاث قرى في مقاطعة لاردة. فيكون مجموع مورسكيي قطلونية حوالي ١٠.٠٠٠ مورسكي إذا اعتبرنا أن حوالي ٢.٠٠٠ مورسكي آخرين يقطنون مناطق أخرى من الإمارة. وفي سنة ١٦٠٩ م، كان مجموع عدد سكان قطلونية حوالي ٤٨٨.٠٠٠ نسمة، منهم حوالي ١٣.٠٠٠ مورسكي، أي ٢.٧ في المائة من مجموع السكان. طرد منهم بعد سنة ١٦٠٩ م، كما رأينا، حوالي ٤.٠٠٠ مورسكي، وتخلف ٩.٠٠٠ مورسكي من مجموع ٤٨٤.٠٠٠ نسمة في قطلونية، أي ١.٩ في المائة من مجموع السكان، اندمجوا في المجتمع النصراني مع مرور السنين.
أما الجزر الشرقية، فلم يذكر عن وضع مُسلِمِيها شيء كثير. ولا شك أن عددهم كان يُعَدُّ بالآلاف، تخلفوا واندمجوا في المجتمع النصراني كذلك. ونلخص في الجدول التالي عدد المسلمين في ممالك أراغون الثلاثة، قبيل الطرد وبعده.
عدد سكان مملكة أراغون سنة ١٦٠٩ م
مملكة بلنسية
قبل الطرد:
المجموع: ٥٨٠.٠٠٠
المسلمون: ٢٣٠.٠٠٠
نسبة المسلمين: ٣٩.٧%
بعد الطرد:
المجموع: ٤٤٠.٠٠٠
المسلمون: ٩٠.٠٠٠
نسبة المسلمين: ٢٠.٥%
مملكة أراغون القديمة
قبل الطرد:
المجموع: ٣٥٢.٠٠٠
المسلمون: ١١٠.٠٠٠
نسبة المسلمين: ٣١.٢%
بعد الطرد:
المجموع: ٢٩١.٠٠٠
المسلمون: ٤٩.٠٠٠
نسبة المسلمين: ١٦.٨%
مملكة قطلونية
قبل الطرد:
المجموع: ٤٨٨.٠٠٠
المسلمون: ١٣.٠٠٠
نسبة المسلمين: ٢.٧%
بعد الطرد:
المجموع: ٤٨٤.٠٠٠
المسلمون: ٩.٠٠٠
نسبة المسلمين: ١.٩%
المجموع العام لمملكة أراغون
قبل الطرد:
المجموع: ١.٤٢٠.٠٠٠
المسلمون: ٣٥٣.٠٠٠
نسبة المسلمين: ٢٤.٩%
بعد الطرد:
المجموع: ١.٢١٥.٠٠٠
المسلمون: ١٤٨.٠٠٠
نسبة المسلمين: ١٢.٢%
لتقدير عدد مسلمي مملكة قشتالة، يجب تقدير عدد المدجنين القدامى بمفردهم، ثم تقدير عدد الغرناطيين الذين شتتوا بعد ثورة غرناطة الكبرى. ولنبدأ بتقدير عدد مورسكيي مملكة قشتالة خارج مملكة غرناطة.
стр. 192
فيما يخص الاسترمادورا قدرت إحصائية محاكم التفتيش لسنة ١٥٩٤ م عدد المورسكيين القدامى (أي من أصل مدجن) في مقاطعتي فرنجوس وليرينة بحوالي ١٤.٠٠٠ مورسكي، أو حوالي ١٧.٠٠٠ مورسكي سنة ١٦٠٩ م.
أما مملكة مرسية، فقد قدرنا عدد المورسكيين الذين طردوا منها بحوالي ٢٢.٠٠٠ مورسكي، فيكون عدد المورسكيين القدامى بها حوالي ٣٨.٠٠٠ مورسكي سنة ١٦٠٩ م.
أما القشتالتين، القديمة والجديدة، فقد قدرت محاكم التفتيش سنة ١٥٩٤ م عدد المورسكيين القدامى في منطقة بلد الوليد بقشتالة القديمة بـ ٨.٣٣٦ مورسكي، وفي منطقة كونكة بقشتالة الجديدة بـ ٤.٧٥٣ مورسكي، أي ما مجموعه ١٣.٠٨٩ مورسكي، أو حوالي ١٦.٠٠٠ مورسكي سنة ١٦٠٩ م. وفي سنة ١٥٠١ م، قدر عدد المورسكيين القدامى في مملكة طليطلة بقشتالة الجديدة بـ ١٩.٨١٩ مورسكي، أي أن عددهم أصبح يقارب ٦٨.٠٠٠ مورسكي سنة ١٦٠٩ م، إذا أخذنا بعين الاعتبار زيادتهم الطبيعية في مدة تزيد على القرن. وكان جل هؤلاء يقطنون مدينة طليطلة وجنوب قشتالة الجديدة في قرى هضبة قلعة رباح التي يشعر أهلها إلى اليوم بالانتماء إلى الأندلس.
وأما لامانشا فكان بها أواسط القرن السادس عشر الميلادي حوالي ٨.٣٤٠ مورسكي قديم، أو حوالي ١٧.٠٠٠ مورسكي قديم سنة ١٦٠٩ م.
وهكذا نرى أن عدد المدجنين سنة ١٦٠٩ م في مملكة قشتالة، خارج الأندلس الحالية، حوالي ١٥٦.٠٠٠ مورسكي قديم، وهو مجموع المورسكيين القدامى الذين يقطنون الاسترمادورا ومرسية وبلد الوليد وكونكة وطليطلة والمانشا.
أما منطقة الأندلس، خارج مملكة غرناطة، فقد كان عدد المدجنين القاطنين بها كبيرًا في معظم مقاطعاتها، ويكونون نسبًا عالية من مجموع سكانها. ففي سنة ١٥٨٠ م، كان يسكن حوالي ٥.٠٠٠ مورسكي قديم في قرطبة، ٨.٠٠٠ مورسكي قديم في إشبيلية، و ٢٢٢٥ في جيان، و ٢.٠٠٠ في بياسة، و ٢.٠٠٠ في براغة، و ١.١٠٠ في أستجة، و ١.٠٠٠ في أبدة، الخ ... أي أن عدد المورسكيين القدامى في مدن الأندلس الكبيرة يقارب ٢٥.٠٠٠ مورسكي، وإذا أخذنا في الاعتبار سكان القرى، وصلنا إلى ضعف هذا الرقم أو حوالي ٥٠.٠٠٠ مورسكي قديم في منطقة الأندلس خارج غرناطة سنة ١٥٨٠ م، أو حوالي ٧٠.٠٠٠ مورسكي قديم سنة
стр. 193
١٦٠٩ م. مع العلم أن معظم نصارى مناطق الأندلس كانوا من أصل إسلامي، أجبروا على التنصير بضغوط متواصلة عبر القرون.
أما مملكة غرناطة، فكان عدد سكانها قبل انهيارها في أواخر القرن الخامس عشر حوالي نصف مليون نسمة، هاجر نصفهم، أو قتل، في الأحداث التي أدت إلى سقوطها، وبعدها. وتزايد، بعد ذلك، عدد سكان غرناطة، رغم الهجرة المتواصلة إلى المغرب، حتى وصل سنة ١٥٦١ م، أي قبيل ثورة غرناطة الكبرى، إلى حوالي ٣٠٤.٠٠٠ نسمة يسكنون في ٦٠.٨٢٧ بيت. منهم حوالي ١٨٠.٠٠٠ مورسكي (أي ٥٩.٢ في المائة من مجموع السكان) يسكنون في ٣٥.٦٨١ بيت. فيكون عدد النصارى حوالي ١٢٤.٠٠٠ نصراني، معظمهم من أصول إسلامية.
ولو افترضنا التزايد الطبيعي للنصارى والمسلمين حسب ما ذكرناه آنفًا لمملكة أراغون القديمة، يكون عدد سكان مملكة غرناطة المحتمل سنة ١٥٨٧ م حوالي ٣٩٠.٠٠٠ نسمة، ٢٤٠.٠٠٠ مورسكي (٦١.٥ في المائة من مجموع السكان)، و١٥٠.٠٠٠ نصراني. غير أن أحداث ثورة غرناطة الكبرى أدت إلى طرد حوالي ٨٠.٠٠٠ مورسكي إلى قشتالة، منهم ٤٦.٠٠٠ فور انتهاء الحرب، و ٣٤.٠٠٠ إبان الحرب وبعد انتهائها ببضع سنين. وإذا قدر عدد المستشهدين في الحرب بحوالي ٢٠.٠٠٠ مسلم، وعدد المهاجرين إلى شمال إفريقيا بحوالي ٢٠.٠٠٠ آخرين، فيكون عدد المورسكيين في غرناطة سنة ١٥٨٧ م حوالي ١٢٠.٠٠٠ شخص. ويمكن تقدير عدد قتلى النصارى بـ ١٥.٠٠٠ شخص، وعدد الهاربين منهم بـ ٢٥.٠٠٠ شخص، فيكون عددهم سنة ١٥٨٧ م ١١٠.٠٠٠ شخص، وعدد مجموع سكان مملكة غرناطة ٢٣٠.٠٠٠ شخص، أي أن نسبة المسلمين أصبحت ٥٢.٢ في المائة. وقد عد المرجع السابق عدد بيوت غرناطة سنة ١٥٨٧ م بـ ٤٤.٤٨١ بيت يسكنها حوالي ٢٢٢.٤٠٥ نسمة. ولا شك أن هذا التقدير الأخير، يقل عن الواقع بالنسبة للمورسكيين، بسبب تشتتهم في الجبال وفي بيوت النصارى والكنائس والأديرة كعبيد وأطفال.
يمكن إذن تقدير عدد سكان مملكة غرناطة سنة ١٦٠٩ م بحوالي ٢٨٥.٠٠٠ نسمة، منهم ١٥٥.٠٠٠ مورسكي (٥٤.٤ في المائة من مجموع السكان)، و ١٣٠.٠٠٠ نصراني.
стр. 194
وأصبح الغرناطيون المطرودون إلى قشتالة يعيشون عيشة الرحل، وعددهم ٨٠.٠٠٠ غرناطي، كما رأينا، مات منهم الربع إبان التهجير، أي ٢٠.٠٠٠ شخص. وأصبح عدد الباقين سنة ١٦٠٩ م حوالي ٩٥.٠٠٠ غرناطي. ويبين الجدول التالي عدد مسلمي قشتالة سنة ١٦٠٩ م، قبيل الطرد مباشرة وبعده.
ديموغرافية مسلمي مملكة قشتالة وتوابعها سنة ١٦٠٩ م
القشتالتان
قبل الطرد: ٨٥.٠٠٠
عدد المطرودين: ٥٠.٠٠٠
الباقون: ٣٥.٠٠٠
نسبة المطرودين: ٥٩%
الاسترمادورا
قبل الطرد: ١٧.٠٠٠
عدد المطرودين: ٨.٠٠٠
الباقون: ٩.٠٠٠
نسبة المطرودين: ٥٣%
مرسية
قبل الطرد: ٣٨.٠٠٠
عدد المطرودين: ٢٢.٠٠٠
الباقون: ١٦.٠٠٠
نسبة المطرودين: ٥٨%
الأندلس
قبل الطرد: ٣٢٠.٠٠٠
عدد المطرودين: ٥٢.٠٠٠
الباقون: ٢٦٨.٠٠٠
نسبة المطرودين: ١٦%
المجموع العام
قبل الطرد:
٤٦٠.٠٠٠
عدد المطرودين: ١٣٢.٠٠٠
الباقون: ٣٢٨.٠٠٠
نسبة المطرودين: ٢٩%
يبين هذا الجدول عدم صحة خرافة الطرد النهائي لمسلمي إسبانيا سنة ١٦٠٩ م، خاصة بالنسبة للأندلس حيث لم يطرد سوى ١٦ في المائة من مجموع المورسكيين، بينما لم يطرد سوى ٢٩ في المائة من مجموع مورسكيي مملكة قشتالة وملحقاتها.
وبسبب ذلك ينحدر اليوم معظم سكان منطقة الأندلس في حدودها الحالية من أصول إسلامية، على عكس ما حدث في مملكتي أراغون القديمة وبلنسية حيث لم يبق فيها بعد الطرد سوى خمس مسلميها. وهذا ما يفسر الشعور السائد في منطقة الأندلس الحالية بالانتماء إلى التاريخ الإسلامي، مما كون القاعدة الأساسية للقومية الأندلسية المعاصرة.
٦/ ٢ - حياة المورسكيين الدينية:
ارتبط المورسكيون بالإسلام ارتباطًا كاملاً. وكمسلمين، حاولوا جهدهم اتباع تعاليم دينهم سرًّا، جيلاً بعد جيل، رغم ما يصيبهم بسبب ذلك من بلوى. وكرهوا
стр. 195
الدين النصراني الذي أجبروا على التظاهر به، كما كرهوا القائمين عليه كراهية لا حد لها. فهم آمنوا بالله الواحد، وبرسالة سيدنا محمد ﷺ ، وتعلقوا بحبه.
كان للمورسكيين تنظيم سري جيد مكون من مجموعات تسمى الواحدة منها "جماعة"، لها فقيه يقوم مقام الإمام والمعلم والمرشد والقاضي بين جماعته. ويكون هؤلاء الفقهاء السريون، في كثير من الأحيان، زعماء الجماعة الإسلامية.
وكان معظم المورسكيين يحافظون على الصلوات الخمس، ويقومون بها خفية من النصارى، ويحفظون من أجل ذلك الفاتحة، على الأقل. ويوم الجمعة كانوا يغتسلون ويلبسون أفخر ثيابهم، ويكثرون الصدقات أو يصومون، كما كانوا يتجهون إلى مساجد سرية لصلاة الجمعة كلما أمكن ذلك، أو يصلون جماعة في بيوتهم. وفي
مساء الجمعة، كانوا يجتمعون للأكل جماعة والغناء والذكر.
وكان المورسكيون يصومون شهر رمضان، ويحتفلون بعيد الفطر، ويخرجون الزكاة لفقرائهم. كما كانوا يحتفلون بعيد الأضحى، ويذبحون الأضحية. وكانوا يحتفلون بيوم عاشوراء ويصومونه، وبذكرى مولد النبي ﷺ .
ولم يذهب منهم إلى الحج إلا بعض المحظوظين فقد وجد مخطوط في أراغون
القديمة باللغة الأعجمية تحت عنوان "قصائد الحاج بوي مونثون عن سفره إلى مكة
في القرن السادس عشر"، مما يدل على أن كثيرًا من المورسكيين سافروا ثم رجعوا
إلى بلادهم، ومنهم من حج بيت الله الحرام ورجع.
وكان المورسكيون يمتنعون امتناعًا تامًّا عن أكل لحم الخنزير. ولا يأكلون إلا لحم الحيوانات التي يذبحونها بالطريقة الإسلامية. وكانوا يمتنعون كذلك عن شرب الخمر أو التعامل به. ويحرصون على النظافة، حتى أصبح الحمام علامة من علاماتهم حاربتهم محاكم التفتيش بتحطيمها. فهم كانوا يتوضؤون قبل كل صلاة، ويغسلون أفواههم قبل الأكل وبعده، ويحرصون على أن يكون ماء الوضوء طاهرًا لا رائحة فيه ولا لون.
وكانت معظم عادات المورسكيين إسلامية. ففي اليوم السابع من ولادة الطفل، تقام له حفلة "فدا" (عقيقة)، فيغسل، وتكتب شهادة الإسلام على جبهته، وتعلق على عنقه "أحراز" (تمائم) بها آيات قرآنية، وتقام له عقيقة يعطى فيها اسمه الإسلامي السري بعد ذبح الأضحية. ويختن الطفل الذكر في اليوم الثامن. لكن
стр. 196
ختان الذكور أخذ يتأخر بين المورسكيين إلى السن الثامنة في أواخر القرن السادس عشر الميلادي.
ويغتسل الزوجان قبل حفل الزواج، وتغطي العروس رأسها بسترة، وعندما تذهب لبيت عريسها تدخله بالقدم اليمنى تيمنًا.
ويغسل المورسكيون جثمان الميت، ويعطرونه، ويلبسونه الكفن، ويقرؤون عليه آيات من القرآن الكريم. ثم يدفن في أرض نظيفة في اتجاه القبلة في مقبرة خاصة بالمورسكيين خارج البلدة، ويرفضون دفنه مع النصارى في مقابر الكنائس. ويترك المورسكيون فوق القبر الماء والخبز وعناقيد من العنب، وأحيانًا بعض النقود. وهي عادة للأندلسيين اشتركوا فيها مع النصارى الذين يعيشون بينهم.
وكانت للمورسكيين عادات خاصة بهم، ورثوها عن أجدادهم كاحتفالهم بعيد ميلاد سيدنا عيسى ﵇ وبشهر يناير. وكان لهم تقديس لبعض الينابيع، كعين الصحة بالقرب من نهر هدره قرب غرناطة. ولهم مقابر يسمونها "الرابطات"، كانت مقدسة عندهم بسبب وجود قبر عالم أو مجاهد حارب النصارى يتبركون بروضته، كرابطة "كنيلش الزيتون" التي كانت روضة لأربعة من المجاهدين، فأصبحت محجًّا للمورسكيين.
وظل المورسكيون يحتفظون ببعض مساجدهم، خاصة في مملكة بلنسية، إلى غاية سنة ١٥٢٥ م، حيث زاد بعد ذلك الاضطهاد، ومنعت العبادات الإسلامية منعًا باتًا. فأصبحت العبادات تمارس في سرية تامة داخل البيوت، وفي بعض المساجد السرية النائية. ففي ٢٢/ ٣ / ١٥٧٤ م، اكتشف بين الجبال القريبة من بلدة كلاندا بأراغون القديمة مسجد سري، ورغم ذلك تابع المورسكيون الذهاب إليه إذ حوكم فقيهه آمادور سامبرفيلو سنة ١٥٩٣ م بتهمة تدريس القرآن به. وفي سنة ١٦٠٩ م، اكتشفت مساجد في عدة قرى بأراغون القديمة، كبلافليش وبوروي التي وجد الفقيه ميغال كالبو يعلم القرآن في مسجدها عند طرد أهلها.
وكان فقهاء المورسكيين يؤطرون الجالية المسلمة، ويعملون على تربيتها التربية الإسلامية، وتعريفها بأمجادها، ومساعدتها على الصمود ضد دعايات الرهبان ضد العقيدة الإسلامية. فهم يعلمون جماهير المسلمين مبادىء دينهم، ويلقنونهم القرآن الكريم وسيرة الرسول ﷺ ، ويدربونهم على الحرف العربي. وكان الفقهاء يقومون بنسخ المصاحف والكتب الإسلامية، ويعودون المرضى، ويدفنون الموتى ويزوجون
стр. 197
الشباب. كما كانوا، لمعرفتهم باللغة العربية، الصلة بين المورسكيين والأمة الإسلامية في الخارج. وكان المورسكيون يساندون فقهاءهم على العيش بالهبات، كما كان معظم الفقهاء يمتهنون حرفًا متواضعة يعيشون عليها.
وقام الفقهاء بدور هام إبان الأزمات، كطرد سنة ١٦٠٩ م، في تأطير المسلمين ومواساتهم وتشجيعهم على الهجرة إلى أرض المسلمين للحفاظ على دينهم. وقد برع المورسكيون في تطبيق التقية لدرجة كبيرة. فعندما يجبر الزوجان على الزواج باللباس النصراني في الكنيسة بإشراف الرهبان، يفعلان ذلك ثم عندما يرجعان إلى بيتهما يزيلان لباسهما النصراني ويلبسان لباسًا إسلاميًّا، ويعاد الزواج بالطريقة الإسلامية بحضور الفقيه. "وعندما يعمد الأطفال (في الكنيسة) يغسلونهم سرًّا بالماء الساخن لإزالة الزيت المقدس عنهم، ثم يقومون بشعائرهم (الإسلامية) ويعطونهم اسمًا إسلاميًّا"، الخ ... هذه حياة المورسكيين الإسلامية السرية، أما مقاومتهم للضغوط التنصيرية لمحاكم التفتيش والكنيسة الكاثوليكية والدولة الإسبانية فقد كانت أساسًا عقائدية. فقام فقهاء المورسكيين بكتابة اللغة الأعجمية بالحروف العربية للبرهنة للمورسكيين والنصارى على السواء أن الإسلام هو الدين الحق وأن النصرانية دين محرف خاطىء، كما كتبوا كتبًا في سيرة الرسول ﷺ وتبيين عظمته وأخلاقه الكريمة. وكان هذا المجهود الثقافي ردًّا على سيل المنشورات والكتب الكنسية التي تهاجم بين الأوساط المورسكية الإسلام ومبادئه والقرآن الكريم وشخص سيدنا محمد ﷺ ، ككتاب "آنتي القرآن" لبرناردو بيريز دي شينشون الذي نشر في إشبيلية سنة ١٥٢٨ م، وفي بلنسية سنة ١٥٣٢ م، وكتاب "أمبروباسيو القرآن" للراهب ريكولدو دي مونتيكروسي، وغيرهما كثير. وعمل الرهبان على تعليم المسلمين الدعوات النصرانية، حتى أصبح معظم المورسكيين يحفظونها في أواخر القرن السادس عشر الميلادي، وركزوا على أطفال المسلمين وزعمائهم.
وتأثرت طبقة ضئيلة من المورسكيين بهذه الدعاية المعادية. منهم خوان أندريس الذي كتب كتابًا يتهجم فيه على الإسلام والنبي الكريم، طبع أولاً في بلنسية سنة ١٥١٥ م، ثم في إشبيلية سنة ١٥٣٧ م، وفي غرناطة سنة ١٥٦٠ م. وكان خوان أندريس فقيهًا لمدينة شاطبة اسمه ابن عبد الله وابن فقيهها كذلك، ارتد عن الإسلام سنة ١٤٨٧ م بمحض إرادته وترهب، وكرس حياته لمحاربة الإسلام.
стр. 198
وزاد تمسك المورسكيين بالإسلام وشعائره بزيادة اضطهاد الكنيسة والدولة ومحاكم التفتيش. وحافظوا على طهارتهم وصلاتهم حتى في السجون وفي طريقهم إلى الإعدام حرقًا. وحافظوا على قدسية يوم الجمعة بارتداء أحسن الملابس والامتناع عن التجارة رغم المضايقات. وأصروا على صيام رمضان، حتى قبيل الطرد سنة ١٦٠٩ م، وكانوا ينعزلون عن النصارى في ورشات العمل وفي المزارع لكي لا يفسدوا عليهم صيامهم. كما تشبث المورسكيون بالامتناع عن أكل لحم الخنزير حتى بعد الطرد وهم بفرنسا. وقد اشتكى جماعة منهم لبعض الرهبان الإسبان في فرنسا قائلين: "بأن الخنازير تمشي في الشوارع بين الأهالي، ويصعب عليهم الابتعاد عنها لكي لا تنجس ملابسهم. كما أنهم يأنفون من أكل الخبز الذي يطبخ في مطابخ الفرنسيين لأنهم يستعملون فيها شحوم الخنازير، ولذا أسسوا فرنًا خاصًّا بهم في دار أحدهم، يطبخون فيه الخبز ويقلون اللحم".
وتمادوا في الامتناع عن شرب الخمر رغم ضغوط محاكم التفتيش، حتى أنهم كانوا يزرعون العنب ويعصرونه تقية. وهكذا قبضت محاكم التفتيش بطليطلة على خوان هراندو لأنه يزرع العنب ويعصر الخمر لـ "إخفاء سوء نيته، وهو في الواقع لا يشرب خمرًا".
ولم يكن التمسك بالدين الإسلامي بالأمر الهين. فلقد كانت تحيط به مخاطر جمة مصدرها محاكم التفتيش التي وصفها أحد فقهائهم بأنها "يترأس جلساتها الشيطان بذاته، ويكون من بين مستشاريه الغش وعمى البصيرة"، أو كما قال فقيه آخر: حيث يعمل "قضاة التفتيش الكفرة بطرقهم الشيطانية، يدفعهم إبليسهم ليقيموا أنفسهم قضاة على ضمائر الخلق، ويجبرونهم بالقوة على اتباع معتقداتهم الملعونة الكافرة الضالة".
وقد عملت محاكم التفتيش منذ البداية على أخذ أموال المسلمين رشوة لتغض الطرف عن بعض ممارساتهم الإسلامية. فمنذ سنة ١٥٧١ م، أخذ المورسكيون البلنسيون يدفعون ٥٠.٠٠٠ دوقة ذهبية سنويًّا لمحاكم التفتيش من أجل ذلك. وفي سنة ١٥٤٣ م، دفع المورسكيون الغرناطيون ١٢.٠٠٠ دوقة ذهبية للمحكمة وللملك. وفي سنة ١٥٥٥ م دفعوا لهما ٢٠٠.٠٠٠ دوقة ذهبية. ومنذ سنة ١٥٥٨ م، أخذوا يدفعون ١٠٠.٠٠٠ دوقة ذهبية للملك و ٣.٠٠٠ دوقة سنوية للمحكمة.
وفي الفترة بين سنتي ١٥٥٠ م و ١٥٨٠ م، حكمت محاكم التفتيش في الاثني عشر "أتودافي" المعروفة بغرناطة على ٩٩٨ شخص، منهم ٧٨٠ مورسكي، أي ٧٨
стр. 199
في المائة من المجموع. وكانت نسب المورسكيين من بين المحكوم عليهم في المدن الأخرى مماثلة لغرناطة، إذ ركزت محاكم التفتيش غضبها ضد المسلمين في سرقسطة وطليطلة ومرسية وكونكة وغيرها من المدن. وطبقت محاكم التفتيش على المتهمين بالإسلام إحدى العقوبتين: أولهما العفو عند التوبة، ويعني ذلك مصادرة جميع أموال المتهم. وكان ذلك مصير جميع من وقع بيد هذه المحاكم. ثانيها الإعدام حرقًا بعد المصادرة الشاملة. وطبقت هذه العقوبة بصفة خاصة على فقهاء المورسكيين وزعمائهم. ونذكر من بين هؤلاء الشهداء فقيه بلدة مويل "جوان الحاج" الذي أحرق في سرقسطة سنة ١٥٤٦ م، وماريا الغرناطية فقيهة مورسكية أحرقت في لغرونيو سنة ١٥٧٦ م، وبياتريس باديا فقيهة أركش التي أحرقت في ١٣/ ١٢ / ١٥٩٨ م في كونكة. وأحرق في غرناطة ١٢ مورسكيًّا في الـ ١٢
"أتودافي" المذكورة أعلاه، الخ ... وثبت المورسكيون على الإسلام رغم هذه الصعاب، بل أكثر من ذلك قاموا بدعوة النصارى إلى اعتناقه والانضمام معهم إلى الحالة التي هم عليها، وقبول مشاركتهم مصابهم. فقد نقل أحدهم، وهو الشهاب الحجري، محادثة جرت بينه وبين قس في غرناطة عن الزواج بين المورسكيين والنصارى فقال: "كان بمدينة أنتقيرة رجل من قرابتي عشق بنتًا نصرانية، وفي اليوم الذي مشوا فيه بالعروسة إلى الكنيسة ليتم النكاح احتاج بلبس العروس الزرد المهندس من تحت الحوائج، وأخذ عنده سيفًا لأن قرابتها حلفوا أنهم يقتلونه في الطريق، وبعد أن تزوجها بسنين لم يدخل إليها أحد من قرابتها بل يتمنون موته وموتها ... وأسلمت على يده وحسن إسلامها غاية الحسن، وأسلمت على يدها أمها العجوزة".
وفي سنة ١٥٦٥ م، وصل إلى إسبانيا فرنسي من تولوز، واختلط بالمورسكيين، ثم اعتنق الإسلام، واستقر في بلدة سان كليمانتي بمقاطعة كونكة. فشكت محاكم التفتيش في أمره. وكشف قاضيها عورته، ولما وجده مختنًا حكم عليه بالتجذيف في السفن.
وفي سنة ١٥٧١ م، حكمت محاكم التفتيش على لويس بالاس، وهو نبيل من بلنسية، بالسجن لمدة غير محددة وبمصادرة أمواله ومنعه من الإقامة في بارونية "كورتس" والسكنى في أية منطقة يوجد فيها المورسكيون. وكانت تهمته أنه اعتنق "دين محمد" وطبق شعائره وفضله على الديانات كلها.
стр. 200
وفي سنة ١٦٠١ م، اكتشف في سجن طليطلة أن الفقيه "خيرومينو روخاس" كان يدعو المساجين النصارى إلى الإسلام ويقول لهم إنه "يرغب في إنقاذ أرواحهم، وأن الله سوف يهديهم وينقذهم من العمى والجهل".
وفي سنة ١٦٠٦ م، قبض على نصراني قديم اسمه "فرانسسكو دسكالسو" في بلدة قسطنطينة بمملكة بلنسية بتهمة اعتناق الإسلام. وكان يعيش كالمسلمين، ويكتب لهم أغاني حماسية يغنيها بالعود تحضهم على صوم رمضان. ثم تزوج مسلمة، كان ينتقل معها من بلدة إلى أخرى. كما قبض على يهودي في أراغون لأنه اعتنق الإسلام وتزوج مسلمة. وقد وردت في الوثائق أمثلة كثيرة على اعتناق غير المسلمين الإسلام، مما يدل على قوة المورسكيين الروحية التي لم تقهر ولو بقهر أجسامهم وسلب أموالهم.
وفي سنة ١٦١٠ م، حكمت محكمة مرسية للتفتيش على خوان فرانسسكو لاسال، وكان شابًّا عمره ٢١ سنة، أصله من سرقسطة حيث عاش مع المورسكيين واعتنق الإسلام وكتب كتابًا ضد الديانة النصرانية وضد شرب الخمر.
وفي سنة ١٦١٩ م، حكمت محكمة غرناطة للتفتيش على الطبيب آلونسو دي لونا، من أصل نصراني قديم، الذي اعتنق الإسلام في بلده غرناطة ومارسه سرًّا في بيته. وكان رجلاً مثقفًا يجيد اللغات اللاتينية والإيطالية والعربية، وطبعًا الإسبانية، ويحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. وكان محافظًا على صلواته الخمس وصيامه في شهر رمضان. وكتب سرًّا كتيبات يفسر فيها المبادىء الإسلامية ويدعو فيها أهل غرناطة إلى اعتناق الإسلام. وقد حصلت المحكمة منه على هذه الاعترافات بعد أن عذبته بشر أنواع العذاب في سجونها.
وبصفة عامة، فقد قبضت محاكم التفتيش، طوال القرن السادس عشر، على ١١٠ نصراني قديم على الأقل، اعتنقوا الإسلام وهاجروا إلى شمال إفريقيا. وتقدر نسبة الذين قبض عليهم بحوالي نصف في المائة من عدد الذين أسلموا وهاجروا فعلاً. فيكون عددهم الإجمالي ٢٢.٠٠٠ شخص، عدا آلاف المورسكيين. وفي سنة ١٥٨٨ م، اكتشفت صحيفة رق قديمة في صومعة تربيانة بغرناطة تؤكد أن المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله، وليس ابنًا لله كما يدعيه النصارى.
стр. 201
ومن فبراير سنة ١٥٩٥ م إلى آخر سنة ١٥٩٧ م، أخرجت من تحت أرض التلة الغرناطية المسماة بعد ذلك بـ "التلة المقدسة" (ساكرو مونتي) مجموعة من الصفائح الرصاصية نقشت عليها كتابات مجهولة، منها ما هو بالعربية وما هو باللاتينية، كونت مكتبة كاملة تعود إلى القرون النصرانية الأولى. أما النصوص اللاتينية، فهي تقص استشهاد "القديس هيسكيوس"، رفيق "القديس شنت ياقو" من طرف "القديس سيسيل" في غرناطة. أما النصوص العربية فهي كتابات دينية مفادها أن عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وتكرر فيها عبارة "لا إله إلا الله عيسى روح الله" وبها أدعية "شنت ياقو" وقصة حياته ودراسة عن الملائكة وحياة سيدنا عيسى ﵇ وحياة السيدة مريم
وتاريخ الإنجيل، الخ ...
وقد شكل دون بدرو دي كاسترو، لجنة كنسية كاثوليكية لدراسة الموضوع، فقررت أن الصفائح "رسائل إلهية"، وأنها "عقيدة سامية موحاة". لكن مجلس قشتالة طالب بنقل الصفائح إلى مجريط لترجمتها ودراستها من جديد. واتهمت الحكومة بعض الأطراف المورسكية بتزييف هذه الصفائح لإظهار باطل المسيحية الحالية، واتهم بذلك بصفة خاصة الموريسكيان "ألونسو دي قشتيليو" و"ميغال دي لونا".
وقد أشار الشهاب الحجري إلى رق غرناطة الذي قام بترجمته عند اكتشافه، إذ قال: "ففرح القسيس فرحًا عظيمًا بما ترجمت، وعلى أنه الحق، وأعطاني ثلاثمائة ريال وأيضًا كتابًا بالإذن بالترجمة من العربي إلى العجمي وبالعكس، وامتد الخبر عند النصارى، حين كانوا يشيرون عليّ ويقولون: هذا هو الذي فهم الرق الذي وجد في الصومعة". ولا شك أن الاكتشافين يدخلان في الحرب العقائدية التي كانت قائمة في إسبانيا بين المسلمين والنصارى.
وملخص القول ما قاله الشهاب الحجري، أحد رجالهم: كان المورسكيون "يعبدون دينين: دين النصارى جهرًا، ودين المسلمين في خفاء من الناس. وإذا ظهر على أحد شيء من عمل المسلمين يحكمون فيهم الكفار الحكم القوي، يحرقون بعضهم كما شاهدت".
٦/ ٣ - حياة المورسكيين الاجتماعية:
لم يكن المورسكيون يختلفون كثيرًا في عاداتهم عن المجتمعات الإسلامية الأخرى، رغم ضروريات التقية التي كانوا يمارسونها. فيقوم الفقيه بواجبه الإسلامي
стр. 202
سرًّا، ويظهر بين الناس في شكل عامل من العمال. ويتظاهر رئيس الجماعة بضعف الحيلة، والغني بالفقر، ويخفي التقي المسلم تقواه الإسلامية بمظاهر نصرانية. وكانت للمورسكيين، خاصة الغرناطيين منهم، عصبية عائلية قوية، فكان كل واحد منهم ينتمي إلى عائلة يعرف اسمها الإسلامي السري رغم تظاهره بالاسم النصراني المرغم عليه. وكان لشباب المورسكيين احترام كبير لشيوخهم، والأبناء لآبائهم. وكان لكل عائلة شيخها الذي يجمع شملها، فيطيعونه ويحترمون أوامره. وكانت تجتمع العائلات المختلفة في قبائل ينظم شؤونها مجلس مكون من شيوخ العائلات المختلفة. وكان لهذه المجالس دور كبير في أخذ القرارات الهامة، كالقيام بثورة غرناطة الكبرى وغيرها.
وكان أهل البشرات من أشد الأندلسيين ارتباطًا بالإسلام، وأحسنهم تنظيمًا.
وكانت "الطاعة" في البشرات تقوم مقام القبيلة في المدينة، يترأسها قائد يقوم بأمور الدنيا، وفقيه يقوم بأمور الدين. وكانت تتجزأ كل طاعة إلى عدة قرى، وكل قرية إلى عدة حارات. ولما استعمر النصارى جبال البشرات أقاموا نصرانيًّا قائدًا أعلى للبشرات ونصارى قوادًا للطاعات، بينما تركوا رئاسة القرى لـ "وزراء" مورسكيين.
كان المورسكيون يحتفلون بالعقيقة والختان والزواج والجنازة، ويعطون لاحتفالاتهم طابعًا إسلاميًّا. وكانت لهم أسماء إسلامية سرية يعرفون بها بعضهم البعض، بينما يُعرفون في الشارع بالأسماء النصرانية المجبورة عليهم. ومع الأيام، اختلطت الأسماء عليهم فمحمد بن أمية مثلاً كان يعرف كذلك بفراندو البالوري (نسبة إلى بالور بلدة في البشرات)، كما اختلطت الأسماء الإسلامية والأعجمية بين المدجنين خارج مملكة غرناطة قبل سنة ١٤٩٢ م.
ويعلم الآباء أبناءهم، منذ نعومة أظفارهم، الحذر من النصارى، ويلقنونهم مبادىء الإسلام، ويؤكدون عليهم التستر والتقية. ويعلمونهم تاريخ أمتهم الأندلسية، والإهانات التي ذاقوها على يد النصارى المحيطين بهم، ويزرعون في نفوسهم الافتخار بعقيدتهم وأخلاقهم وعاداتهم، وأنها أفضل مما لدى النصارى.
وكانت العلاقة القائمة بين المورسكيين والنصارى تتلخص في ثلاثة مشاعر، وهي: الاحتقار والخوف والكراهية، تشعر بها كل طائفة نحو الطائفة الأخرى، فالثقة كانت منعدمة تمامًا بين أفراد الطائفتين، حيث إن أي كلمة فاه بها المورسكي سرًّا لنصراني أو رأي عابر عبر به له، يمكن أن يؤدي بالمورسكي إلى محاكم التفتيش.
стр. 203
فمثلاً، زار بلنسية خيرومينو قربون، وهو نجار مورسكي من برغش، فمكث بها عدة أشهر، وقبل عودته لبلده دعاه صديق له نصراني إلى حفلة عشاء تكريمًا له، وقدم له لحم الخنزير. فلما رفض المورسكي أكله فضحه "الصديق" النصراني لمحاكم التفتيش، مما أوصله إلى أتعس المهالك. ومثال آخر، أسرّت مورسكية لجارتها النصرانية بأن النصارى لا يحبونها ولا يحبون ابنتها لأنهما مورسكيتين، فأدى ذلك بها إلى محاكم التفتيش كذلك.
وكان النصارى يتهمون المورسكيين بحب المال وبالبخل وبالحرص على العمل، ويغارون منهم. وكانت العائلة المورسكية أكثر تماسكًا من العائلة النصرانية، والأمة المورسكية في مجملها أمة مجاهدة، نظيفة الملبس والعادات، لا يشرب أفرادها خمرًا ولا يتعاطون قمارًا، ولا يهجرون زوجاتهم ولا يتركون أطفالهم كما كان يفعل عامة النصارى في ذلك الوقت.
كان عامة النصارى يهابون المسلمين، خاصة بعد ثورة غرناطة الكبرى، ويتهمونهم بالتعاون مع مجاهدي البحر المغاربة والأتراك، ويخافون من ثوراتهم ومنفييهم في الجبال. وفي أواخر القرن السادس عشر الميلادي وأوائل القرن السابع عشر، أخذت تنتشر بين النصارى الإشاعات المتواصلة بأغرب الأخبار. ففي أوائل القرن السابع عشر، انتشرت إشاعة في بلنسية مفادها أن المورسكيين يسرقون أطفال النصارى لإرسالهم إلى شمال إفريقيا وتربيتهم على الإسلام، وأنهم يرسلونهم ليلاً في البواخر بعد تكميم أفواههم. وتبين بعد ذلك أن الإشاعة ليس لها أساس.
وفي أوائل القرن السادس عشر الميلادي، كان معظم المورسكيين يتكلمون العربية بلهجات تختلف باختلاف المدن والمناطق. وكان لكل طاعة من طاعات البشرات لهجة خاصة بها. وتحت الضغط الصليبي، أخذت اللغة العربية تضعف بين المورسكيين، خاصة في مملكة أراغون القديمة. أما في جبال البشرات، فقد ظلت اللغة العربية منتشرة إلى قيام ثورة غرناطة الكبرى سنة ١٥٦٩ م. وبقي كثير من المورسكيين يعرفون اللغة العربية إلى سنة ١٦٠٩ م إبان الطرد الجماعي. وكان المورسكيون يتكلمون كذلك اللغة "الأعجمية"، ويكتبونها بالحروف العربية. واللغة الأعجمية هي اللغة الدارجة بين المورسكيين حينذاك، القشتالية أو الأراغونية أو القطلانية. وكان المورسكيون يتكلمون هذه اللغات بلكنة خاصة بهم تدل على تأثير
стр. 204
اللغة العربية عليها. وقد أثرت هذه اللكنة على اللهجة الأندلسية التي يُتكلم بها اليوم.
أما اللباس المورسكي، فقد تغير كثيرًا منذ سقوط غرناطة سنة ١٤٩٢ م إلى الطرد الجماعي سنة ١٦٠٩ م. وقد وصف أحدهم لباس المورسكيات في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي وأوائل القرن السادس عشر الميلادي قائلاً: "كلهن يلبسن سراويل من الكتان مرخاة ومثنية تصل إلى الخاصرة على مستوى السرة حيث تربط برباط يشبه رباط الكهان، ويلبس فوق السراويل قميصًا واسعًا من الكتان، وفوقه "بدعية" من الصوف أو الحرير، كل واحدة وإمكاناتها المالية. وعندما تخرجن إلى الشارع، تغطين أجسامهن بغطاء أبيض ناصع من الكتان أو القطن أو الحرير، ويغطين به وجههن ورأسهن لدرجة لا يرى منها إلا عيناهن". وكانت المورسكيات تتزين بدماليج وأطواق وأخراس من الذهب والفضة ذات صنع خاص، وبالمجوهرات.
وقد رسم بعض المعاصرين مورسكيات بألبستهن هاته، تشبه ألبسة مغربيات مدن الشمال القديمة، كسلا وتطوان وفاس ووجدة. والغطاء الأبيض هو ما يسمى في المغرب بالحايك، وكان في الأندلس أقصر مما كان عليه في المغرب. وكانت العائلات الأندلسية تحتفظ عبر الأجيال بالألبسة النسائية الفاخرة التي تستعمل في المناسبات، كالزواج والأعياد الكبرى.
أما الرجال، فكانوا يلبسون اللباس القشتالي، خاصة في المدن، ولم يرجعوا إلى اللباس الإسلامي إلا إبان الثورات، كثورة غرناطة الكبرى. وقد قاومت الدولة اللباس الإسلامي، خاصة بالنسبة للرجال.
كانت حالة المورسكيين الاجتماعية تختلف من مدينة لأخرى. فمدينة إشبيلية مثلاً أصبحت عاصمة الدولة القشتالية منذ احتلالها إلى سنة ١٥٠٥ م، وكان مدجنوها يعيشون في حي خاص اسمه "الدريبغو" (أي الدرب الصغير). وفي سنة ١٤٨٣ م تكونت "موريرية" (أي حي إسلامي) في ربض "سان ماركوس". وعندما أجبر المسلمون على النصرانية في سنة ١٥٠٥ م، حول مسجد الدريبغو الكبير إلى كنيسة، وأصبح المسلمون أحرارًا في السكن في أي حي من أحياء المدينة، لكن ظل تجمعهم أكبر في الدريبغو وسان ماركوس طيلة القرن السادس عشر الميلادي.
وبعد ثورة غرناطة الكبرى سنة ١٥٦٩ م وطرد عدد كبير من الغرناطيين، استقر بعضهم في إشبيلية حتى كاثروا المدجنين الأصليين، ووصلت نسبة المورسكيين إلى
стр. 205
أكثر من عشرة في المائة من مجموع السكان، أي حوالي ٧.٥٠٠ مورسكي، أكثرهم أحرار، وقليل منهم عبيد، وكان معظمهم شبابًا متزوجين، رجالهم أكثر من نسائهم بقليل. وكانت نسبة الموالي مرتفعة، كما كانت نسبة الوفيات من بين الأطفال مرتفعة كذلك، بسبب سوء أحوالهم الصحية الناتجة عن الاضطهاد المتواصل وسوء التغذية.
كان المورسكيون في إشبيلية يقطنون بيوتًا غير صحية أو غرفًا مؤجرة في أحياء إشبيلية الفقيرة. أحيانًا تتكدس عدة عائلات مورسكية في بيت واحد. ففي سان ماركوس، كان يقطن البيت الواحد من ١٥ إلى ٢٠ مورسكيًّا (خلاف نسبة ٥ مورسكي للمسكن الواحد التي كنا اتخذناها سابقًا).
كانت عصبية الجماعة قوية جدًّا بين مورسكيي إشبيلية. فكان زواجهم مع النصارى نادرًا، وعندما يحدث يكون في غالب الأحيان زواج رجل نصراني بمورسكية، فيسكن معها ويندمج كلية في المجتمع المورسكي.
وكان معظم مورسكيي إشبيلية عمالاً فقراء، بعضهم يعمل كخدم في بيوت
النصارى، والبعض الآخر في المزارع القريبة من إشبيلية. واختصوا بمهنتي الخبازة والبستنة. وكان من بينهم بعض التجار المتجولين، كبائعي الخبز والزيت والخضر والبطاطس المقلية والكستنة المشوية، الخ ... ونبغ بعض العمال المهرة، خاصة في طريانة حيث أقام بعض الغرناطيين صناعة الخزف. وبصفة عامة، فقد كان وضع المدجنين الأصليين في إشبيلية أفضل من وضع اللاجئين الغرناطيين.
وكان المورسكيون الإشبيليون يختلطون مع النصارى في النهار لدرجة توهم المراقب السطحي باندماجهم التام في المجتمع النصراني. غير أنهم كانوا في الحقيقة حريصين على الاحتفاظ بهويتهم الإسلامية، فكانوا يتكلمون فيما بينهم اللغة العربية، ويمتنعون عن أكل لحم الخنزير بل مآكل النصارى كلها، ويقيمون الشعائر الإسلامية.
وحاولت سلطات إشبيلية كسر عصبية الجماعة بتشتيتهم في أحياء المدينة، وذلك بتحديد عدد من يسكن منهم في الحي الواحد، وفي المسكن الواحد، وتلاحقهم دائمًا من أجل ذلك، وتتهمهم بالإخلال بالأمن في المدينة وضواحيها.
أما وضع المورسكيين في بلدة "دايميال" الواقعة في مقاطعة قلعة رباح بقشتالة الجديدة، فقد كان يختلف عن وضع مورسكيي إشبيلية. وكان يسكنها أوائل القرن السادس عشر الميلادي، أي قبل حركة التنصير القسرية، حوالي ٤٠٠ مدجن، أي ١٥ في المائة من مجموع سكان البلدة، يكونون جالية منظمة، لها عاداتها وفقهاؤها
стр. 206
وزعماؤها. وكان حي "البريو نويبو" (أي الحي الجديد) مركز هذه الجالية، وبه يقع مسجد المدينة العتيق. ولم يكن مدجنو دايميال يتكلمون سوى القشتالية، ويلبسون كجيرانهم النصارى. وكان انتماؤهم للإسلام هو الفارق الوحيد بينهم وبين جيرانهم، رغم التنصير القسري.
وبعد طرد الغرناطيين وانتقال بعضهم إلى دايميال، تضاعف عدد المورسكيين بها، وأصبحوا يكونون نسبة كبيرة من مجموع السكان في أواخر القرن السادس عشر الميلادي.
كان عدد مسلمي فرنجوس بمقاطعة بطليوس بالاسترمادورا حوالي ٥.٠٠٠
مدجن، أي كل سكان البلدة. وكانوا أغنياء يعيشون على الفلاحة والنقل. كما كانوا منظمين تنظيمًا محكمًا في شبه جمهورية صغيرة، لها مجلسها الذي يجتمع في أحد الكهوف المجاورة للبلدة. وبسبب عملهم في النقل، فقد كانوا يتنقلون في أنحاء إسبانيا، ويربطون العلاقات الوثيقة مع الجاليات المورسكية المبعثرة. وسمح لهم الملك فليبي الثاني بالحفاظ على سلاحهم مقابل غرامة قدرها ٣٠.٠٠٠ دوقة ذهبية.
وكان أهل فرنجوس يتكلمون العربية ويعلمونها لأبنائهم، كما يعلمونهم القرآن الكريم، ويحرصون على القيام بالشعائر الإسلامية رغم التنصير القسري.
تعطي هذه الأمثلة الثلاثة فكرة عن التنوع الكبير للجماعات المورسكية المبعثرة، وتغير أوضاعها الاجتماعية بتغير الزمان والمكان.
لم يكن المورسكيون يختلفون في شكلهم عن الأندلسيين القدامى ولا عن أندلسيي اليوم. وهذا دليل آخر على كذب ما ادعته الكنيسة من تبديل كامل لسكان الأندلس بعد الطرد سنة ١٦٠٩ م. ولا يرتكز هذا الادعاء على أية حقائق تاريخية، بل ظل، إلى يومنا هذا، يختلف شكل الأندلسي عن شكل إسباني الشمال، كما أن الأمة الأندلسية ظلت شاعرة بوجودها رغم ما مرت به من محن. وقد قال "لوبي دي بيكا"
إنه يمكن التعرف على المورسكي في شمال إسبانيا من بين النصارى بسحنته، ولا يمكن ذلك بتاتًا في جنوبها.
٦/ ٤ - حياة المورسكيين الاقتصادية:
كان المجتمع المورسكي يختلف عن المجتمع النصراني اقتصاديًّا كما يختلف عنه اجتماعيًّا. فلم تتكون بين المورسكيين طبقات اجتماعية متسلطة على اقتصاد
стр. 207
الجماعة كما حدث في المجتمع النصراني. ولم يؤد الاختلاف في الأصل والغنى والمهنة بين مورسكي وآخر إلى تكوين طبقات مستغلة للجماعة. لذا لم تحدث في المجتمع المورسكي نزاعات طبقية، واقتصر نضال الجماعة المورسكية على نزاعها مع المجتمع النصراني. وهكذا كان المجتمع المورسكي مترابطًا موحدًا.
وكان المورسكيون يحبون العمل ويخلصون في مهنهم، بشهادة أعدائهم، على خلاف معاصريهم من النصارى. وقد نقل أحد النصارى على لسان موريسكي من البشرات قوله: "عندما تشرق الشمس يلفع وجهي شعاعها عند خروجي من بيتي إلى المزرعة، وعند رجوعي مساء يلفع قفاي شعاعها عند غروبها. ولست كالنصارى القدامى الذين يعملون في الظل". وقال نصراني معاصر آخر عن المورسكيين: "خلقهم الله ليعيشوا بأكل رديء وقليل، ويكفي أنهم لا يشربون خمرًا ليكونوا أوفر حظًّا منا".
وقد اتهم الراهب "بليدة"، عدو المسلمين اللدود، مورسكيي بلنسية بالكسل، واتهمهم بقلة العمل لقلة أكلهم، وأنهم لا يعملون سوى ثلاث إلى خمس ساعات في اليوم. وإذا كان ذلك صحيحًا، رغم تحامل بليدة المذكور على كل ما له صلة بالمسلمين، فسببه أن مورسكيي بلنسية كانوا يعملون لحساب ساداتهم من نبلاء النصارى الذين كانوا يستنزفون عرق جبينهم ويستفيدون من كل ما زاد من اجتهادهم، على عكس مورسكيي مملكة غرناطة، خاصة منطقة البشرات منها، الذين كانوا يملكون أرضهم ويكسبون من جهدهم. ورغم ذلك، فقد انهار اقتصاد مملكة بلنسية بعد طرد المورسكيين سنة ١٦٠٩ م.
زار الرحالة الألماني "منذر" منطقة أراغون القديمة أيام الملكين الكاثوليكيين، وقال إن المورسكيين السرقسطيين كانوا أقوياء البنية ومتعودين على العمل الشاق، ومن أهم مهنهم الحدادة والبناء وصناعة الخزف والنجارة وتجارة الزيت، الخ ... وذكر أنه يمكن لستين منهم العيش على أرض لا تغذي سوى ربع عددهم من النصارى بسبب حبهم للعمل وقدرتهم عليه.
وكان المورسكيون في مدن إسبانيا المختلفة يحترفون كذلك بعض المهن الضرورية كالخياطة، وصناعة الحبال، والخرازة، والبيع بالمفرق، وبيع الخضر بالتجوال، الخ ... وكان هناك تباين كبير في مستوى حياة المورسكيين ونوعية أعمالهم حسب المناطق المختلفة، وفي كل منطقة حسب مدنها وقراها. فالغرناطيون الذين وزعوا
стр. 208
على قشتالة أصبحوا رحلاً ينتقلون من بلدة إلى أخرى، ومن الصعب عليهم اكتساب الأرض الزراعية. فتوجهوا إلى المهن التي تتطلب التنقل كالنقل والتجارة بين المدن والقرى. أما المورسكيون الذين لم يطردوا من أرضهم، كالبلنسيين والمرسيين والأراغونيين، فقد توجهوا إلى كل المهن التي يحتاج إليها المجتمع، خاصة الحرف في المدن. وبرع مورسكيو منطقة سرقسطة في صناعة السيوف والأسلحة الأخرى.
وبصفة عامة، كان أكثر المورسكيين يعملون في قطاع الاقتصاد الأول، خاصة الزراعة. ولم يكونوا يعملون في الصيد البحري إذ منعتهم الدولة من الاقتراب من الشواطىء. كما لم يهتموا بتربية المواشي. وعمل عدد منهم في صناعة الفحم والخشب في الجبال والصيد البري، كما عمل آخرون في القطاع الثاني، خاصة المهن. أما القطاع الثالث، كالنقل والتجارة، فقد برع فيها عدد مهم من أغنيائهم.
أما الزراعة، فقد اختص المورسكيون فيها بزراعة السواني والحدائق، فركزوا بذلك على الزراعة المكثفة بسبب صعوبة حصولهم على الأرض، كما كان الوضع على ضفاف نهر أبرة وروافده في أراغون القديمة. وركز المورسكيون في مملكة بلنسية، بعد طردهم من السهول الغنية إلى الجبال الجرداء، على الزراعة المكثفة ببناء
الأسطحة المدرجة في الجبال واستصلاحها. وقاموا بأعمال هندسية رائعة لجلب الماء واستغلاله أفضل استغلال. كما كان المورسكيون في بلنسية يقومون بمهنة حراسة مزارع النصارى الكبيرة من الماشية. وقد اتهم فقراء النصارى في مملكة بلنسية المورسكيين الذين لا أرض لهم بقبول أبخس الأجور للعمل في أراضي النبلاء، مما جعلهم منافسين خطرين لهم.
وكان المورسكيون ذوي كفاءة عالية في الزراعة. وعندما طرد عدد منهم سنة ١٦٠٩ م، وشتت الباقون، انقرضت بعض الزراعات نهائيًّا في إسبانيا. ففي مملكة بلنسية، كان إنتاج الأرز في القرن السادس عشر الميلادي مرتفعًا بسبب عمل المورسكيين، وضعف في القرن السابع عشر لدرجة كاد ينقرض معها، إلى أن عادوا إلى زراعته في القرن الثامن عشر. وكذلك الحال بالنسبة لقصب السكر الذي تماسكت زراعته في هضاب مملكة بلنسية، وانقرضت في سهولها بسبب طرد المورسكيين. وفي مملكة مرسية وبعض مناطق مملكتي بلنسية وغرناطة، اختص المورسكيون في تربية دودة القز وصناعة الحرير. ولم تنقذ هذه الصناعة من الفناء المحقق إلا
стр. 209
لتخلف المورسكيين المختصين فيها رغم أوامر الطرد. واختص مورسكيو أراغون القديمة أكثر من غيرهم في الزراعة السقوية، لذا انخفض إنتاج القمح من الأراضي السقوية انخفاضًا هائلاً بعد طردهم. ولم يختص المورسكيون في الزراعة الشتوية إلا في منطقة الاسترمادورا، كما اختصوا في زراعة أشجار الفواكه رغم رداءة أرض الاسترمادورا وصعوبة مناخها.
أما في مملكة غرناطة، فقد تحول مسلموها إلى عمال متجولين ومزارعين في أراضي النصارى وعبيد بعد ثورة غرناطة الكبرى ومصادرة أراضيهم.
كان المورسكيون أحدق من النصارى في المهن التي اختصوا فيها. كما اختصوا في الصناعات الغذائية وفي بيع الغذاء الجاهز في القرى والمدن، بينما عمل بعضهم كميكانيكيين ونحاسين وحدادين وخرازين، وصانعي الصابون، وحمالين. وكان عدد آخر منهم يعمل في صناعات الجلد بأنواعها، والخشب والحديد والخزف. ولم يكن منهم سوى عدد قليل في صناعة الأثواب.
وعملت الدولة الإسبانية على إبعاد المورسكيين عن المهن الحرة ومراكز المسؤولية طوال القرن السادس عشر. فشرعت عدة قوانين تمنع استخدامهم في التعليم وفي وظائف الحكومة، كما تمنع النصارى من تدريبهم. وشرعت الدولة قوانين أخرى تمنع المورسكيين من دخول المهن ذات المستوى الاجتماعي الرفيع، كالصيدلة والطب والصياغة والسمسرة، الخ ... ورغم ذلك، استطاع كثير منهم مزاولة عدة حرف ممنوعة عليهم، كصناعة الحرير والخياطة، نظرًا لمهارتهم وجودة عملهم، وكانت لبعضهم مصانع ناجحة في المدن الكبرى، خاصة إشبيلية.
ولقد ترك المورسكيون روائع معمارية تسمى بالفن المدجن، أهمها قصور مدينة إشبيلية التي ابتدىء ببنائها سنة ١٥٠٥ م، وصومعة سرقسطة الجديدة التي بنيت في نفس السنة، وغيرهما. وأدى جهل النصارى بروعة الفن المدجن إلى تحطيم كثير من النفائس المعمارية في القرون الأخيرة، بما فيها صومعة سرقسطة. وكان المدجنون في أراغون القديمة يعتزون بانتمائهم الإسلامي قبل التنصير القسري، ويوقعون الأبنية التي يبنونها، بما فيها الكنائس، بـ "لا إله إلا الله محمد رسول الله". وكان النصارى يحترمون كبار معلمي البناء المدجنين، ويسمحون لهم بالسكن معهم خارج أحياء المدجنين. ومن بين كبار "العارفين" (أي كبار الفنيين) المعروفين العارف زونزونغي الذي بنى عدة قصور وأبنية عامة في مدينة المرية في القرن السادس عشر.
стр. 210
واحتكر المورسكيون في بعض المدن، ككونكة وقرطبة وإشبيلية وبلاسنسية وآبلة، صناعتي الحديد والنحاس. ومن أشهر العارفين فيهما العارف خوان رودريكز الذي بنى أبواب كتدرائية إشبيلية البرونزية، والعارف إبراهيم، والعارف زيد، والعارف حامد، وغيرهم من المورسكيين. وبرع مورسكيو أراغون القديمة في الصناعات الجلدية، كالأحذية، خاصة في بلدة برية الموركسية. وبرع مورسكيو بلنسية في صناعة السلل والحصير، وكانوا يصدرونها من مملكة بلنسية إلى كل أنحاء إسبانيا.
كما اختص المورسكيون في صناعة "نيران الألعاب البهلوانية" وبقيت هذه الصناعة قائمة إلى اليوم في غرناطة وبلنسية ومرسية. ومهر المورسكيون الأراغونيون في صناعة البارود والبنادق، وكانوا يصدرونها إلى مناطق إسبانيا الأخرى.
واحتكر الغرناطيون في قشتالة مهنة النقل على البغال، وكان البغالون يعملون لحسابهم الخاص في التجارة بين مناطق إسبانيا ومدنها. وحاولت الدولة الإسبانية عرقلة هذا النشاط بمنع الغرناطيين من تغيير أماكن سكناهم، فلم تستطع تطبيق قرارها، ونجح الغرناطيون في السيطرة على طرق النقل في القشتالتين، لدرجة تضرر معها النقل في المنطقة بأكملها بعد طرد سنة ١٦٠٩ م.
واستطاع مورسكيو مملكة أراغون القديمة السيطرة على النقل النهري على نهر أبرة وروافده. وقد جعل بعض المراقبين ذلك سببًا في براعة المورسكيين المطرودين إلى شمال إفريقيا في الجهاد البحري. ونجح كثير منهم في الالتحاق بالبحرية الإسبانية وتعلم علوم البحر، رغم منع السلطات الإسبانية.
كما نجح بعض المورسكيين في المدن، كآبلة وليرينة وكونكة، في الوصول إلى أعلى المراتب ككتاب وأطباء وصيادلة وغير ذلك، رغم المنع المفروض عليهم.
وكانت الدولة الإسبانية والكنيسة الكاثوليكية تمنعان المورسكيين من مزاولة مهنة الطب بصفة خاصة. وكانوا يتهمونهم بقتل النصارى، وعدم معالجة النفس، والتحالف مع الشيطان. ورغم ذلك، جلبت مهارتهم أعدادًا كبيرة من مرضى النصارى إليهم. لدرجة أن الملكين فليبي الثاني وفليبي الثالث اضطرا إلى الالتجاء إلى أطباء مورسكيين، كالطبيب بنتريتي والطبيب خيرومينو باشق من بلنسية، ولم ينج هذان الطبيبان من متابعات محاكم التفتيش.
وبسبب الاضطهاد المتواصل للمورسكيين، لم يكن وضعهم الاقتصادي جيدًا، عدا قلة منهم نجحت رغم ذلك في تحسين مواردها. ورغم هذا الوضع الاقتصادي
стр. 211
السيىء، فقد اتهم النصارى المورسكيين بالبخل وبإخفاء غناهم تحت مظاهر الفقر، لتبرير صمودهم المتواصل. وكان معظم المورسكيين يسكنون بيوتًا غير صحية، كالأكواخ في مملكة بلنسية والكهوف في مملكة غرناطة.
واستطاع المورسكيون الصمود بسبب اقتصادهم وحسن عاداتهم الاجتماعية.
ففي سنة ١٦٠٩ م، أحصت الدولة الإسبانية أموال المورسكيين المطرودين من القشتالتين ومدنهما. ككونكة وآبلة، فوجدتها تعادل حوالي ٤٣٠ مليون مرابطي، وهو قدر أقل بكثير من الواقع، إذ لم تستطع الدولة إحصاء لا الأموال المنقولة ولا كل الأموال غير المنقولة.
وكان من بين المورسكيين تباين كبير بين القلة الغنية والكثرة الفقيرة. وقد اشتهر بعض أغنيائهم الذين كانوا فريسة لمحاكم التفتيش، كايسابيلا الرميمية، زوجة تاجر حرير، والأخوين ميغال وخيرومينو لوبيز، تاجرا حرير بقرطبة، وفراندو الزيت، تاجر توابل بقرطبة كذلك، وفيسنتي دي لاطوري، صاحب مزارع عنب وزيتون في منطقة إشبيلية. اضطرت هذه القلة الغنية إخفاء غناها أمام خطر تسلط محاكم التفتيش والكنيسة والملك عليهم بشتى الطرق لأخذ أموالهم.
وكان المورسكيون المستعبدون في حالة يرثى لها من التشريد في كل أنحاء إسبانيا. فقد كانت المدن تعج بأعدادهم، وكان وضعهم بصفة عامة أسوأ بكثير من وضع المورسكيين الأحرار على سوء حاله.
٦/ ٥ - الثقافة المورسكية:
كانت الأمة الأندلسية إبان محنتها الكبرى، في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، تناضل بكل ما لديها من إمكانات للحفاظ على خصوصيتها وشخصيتها الذاتية بالسلاح كلما تمكنت من ذلك، وبالكلمة عندما يصبح جهاد السلاح مستحيلاً. وقد ارتبط الأندلسيون في هذه الفترة ارتباطًا وثيقًا باللغة العربية، فلقنوها لأبنائهم، وتدارسوها فيما بينهم، وكتبوا بها حسب المستطاع. وفسر
أحدهم، الشهاب الحجري هذا الارتباط بما يلي: "وكل لسان مختلف عن غيره، وهذه العربية وحيدة في الدنيا. وقالوا الحق في ذلك. فهو كلام مبارك، ومن تكلم بها لا بد يذكر الله. ولذلك كان يقول بعض من الأندلس (أي أهل الأندلس): لا عربية بلا الله، ولا عجمية بلا شيطان، لأن النصارى يذكرونه في كلامهم، ولا يكره
стр. 212
العربية والكلام بها إلا من لا يعرف فضلها وبركتها". وقال في موضع آخر: "وأقول: اعلم أن أول ما تكلمت به ببلاد الأندلس كان العربية. وكانت النصارى ... تتحكم فيمن يجدون يقرأ العربية. فتعلمت القراءة الأعجمية (يعني الإسبانية) للأخذ والعطاء".
والشهاب الحجري هو من المورسكيين المعروفين الذين كتبوا باللغة العربية بعد خروجهم من الأندلس قبيل طرد سنة ١٦٠٩ م. واسمه العربي أحمد بن قاسم بن أحمد الفقيه قاسم بن الشيخ الحجري، ويعرف بالشهاب الحجري وبآفوقاي، ولا يعرف اسمه المورسكي. وقد استطاع الهجرة من أحواز غرناطة سنة ١٠٠٧ هـ (موافق ١٥٩٨ م)، وانتقل إلى المغرب، وعمل ترجمانًا لدى السلطان زيدان السعدي ولأولاده من بعده. وكتب بعد خروجه من الأندلس كتاب "ناصر الدين على القوم الكافرين" وصف فيه أوضاع المورسكيين في أواخر القرن السادس عشر الميلادي، وترجم كتاب "العز والمنافع للمجاهدين بالمدافع" من اللغة الأعجمية، وهو كتاب في فن المدفعية. كما كتب الشهاب الحجري عدة كتب أخرى منها كتاب "رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب"، وقد ضاع كما ضاعت كتب أخرى له. وتوفي الشهاب الحجري بعد سنة ١٠٥١ هـ (١٦٤١ م).
ولم يكتب باللغة العربية من المورسكيين إلا ثلة بعد هجرتها إلى البلاد الإسلامية، منهم، عدا الشهاب الحجري، محمد بن عبد الرفيع المتوفى سنة ١٠٥٢ هـ (١٦٤٣ م)، صاحب كتاب "الأنوار النبوية في آباء خير البرية". ومنهم من كتبوا لإخوانهم في بلاد هجرتهم، وليس لأمتهم الأسيرة التي أصبح أكثر أفرادها، في أوائل القرن السابع عشر، يجهلون اللغة العربية بسبب الحرب المتواصلة التي شنتها الكنيسة الكاثوليكية والدولة الإسبانية عليها وعلى من يتكلم باللغة العربية.
أدى ذلك القهر إلى تحول الكتاب الأندلسيين إلى لغة التخاطب بينهم، وهي اللاتينية المحلية بلهجتها الإسلامية: القشتالية في غالب الأحيان (الإسبانية القديمة)، أو الأراغونية أو القطلانية أو البرتغالية أحيانًا أخرى، حسب مناطقهم. فولدت بذلك لغة إسلامية جديدة، كتبوها بالحرف العربي، وسموها اللغة الأعجمية. تكونت هذه اللغة في القرن الرابع عشر الميلادي بين مدجني مملكتي أراغون وقشتالة، واندثرت في القرن الثامن عشر، فكان عمرها ٤٠٠ سنة تقريبًا. وجعل المورسكيون هذه اللغة وسيلة تعبيرهم ومتنفسًا لجهادهم طيلة هذه الحقبة الطويلة. فكتبوا بها شعرًا ونثرًا في
стр. 213
فنون شتى: التفسير والحديث والفقه والسيرة النبوية والعلوم التجريبية والتاريخ والجغرافيا والآداب، الخ ... وردوا بها هجوم النصارى على الإسلام ومبادئه ورموزه.
وانتشرت الكتب الأعجمية بين مسلمي الأندلس انتشارًا كبيرًا رغم محاربة السلطات الكنسية والحكومية لها، ومطاردتها لمن يكتبها أو يقرأها أو ينسخها أو يحتفظ بها. ويجتمع منها اليوم في المكتبات الإسبانية وغيرها آلاف المجلدات التي تكون وعاء لتراث إسلامي يتيم، يجهله المسلمون العرب لعدم معرفتهم اللغة الأعجمية، كما يهمله الإسبان لعدم معرفتهم حرفه العربي وعدم تعبيره عن الحضارة السائدة بينهم اليوم، فأصبح في خطر الضياع. وهذا التراث جدير بأن يخرج إلى الوجود ويعرف به كتراث إسلامي فريد، يدل على تجربة أمة مسلمة تفانت في الحفاظ على عقيدتها الإسلامية ولغتها العربية وكل ما يتعلق بها من عبارات وحروف عندما أصبح الاحتفاظ باللغة العربية نفسها مستحيلاً.
ومن أهم وأقدم الآثار الأعجمية في الشعر قصيدة سيدنا يوسف ﵇ لشاعر مدجن مجهول عاش بأراغون القديمة في القرن الرابع عشر الميلادي، أي قبل سقوط غرناطة بحوالي قرن ونصف. وتتكون القصيدة من ١٢٢٠ بيت مجزأة في ٣٠٥ رباعية. وهي تقص قصة سيدنا يوسف ﵇ حسب ما جاء في القرآن الكريم، لتعليم الناشئة المسلمة مبادىء الإسلام وأخلاقه بطريقة مشوقة، كما يبدو جليًّا من افتتاحيتها التالية:
حديث دا يوسف ﵇
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لو ميانت أد الله، أللت ياش أبارددار
أنرد اقنبلد، شانر دارايترار
شانر داتد، أن شل اشانر
فرانكو ابدارشه، أرداندر شارتار
стр. 214
غرن باش ال، شبدار تد ألمند أبرق
نن شلا أنقبرا كشه كا أنالمند نسق
شقيارا ان لمرن يان تد لكمرق
ن يان لتيار برياته ن يان لبلنق
فغبش أشبار، أيداش، مش أمدش
لك كنتاشيه ان لش تيانبش بشدش
أجق اييوسف ايشش داش ارمنش
بر كبدشيه أنبدية أبيارن أشايار ملش
الخ ...
وترجمتها:
قصة يوسف ﵇
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله العلي الحق
العزيز الكامل الملك العادل
ربّ العالمين الواحد الأحد الصمد
الكريم القوي القيوم
هو الأكبر، تعم قوته كل شيء
ولا تخفى عليه خافية في الكون
لا في البر ولا في البحر
لا في الأرض السوداء ولا البيضاء
اعلموا واسمعوا يا أحبائي
ما حدث في الأيام الغابرة
ليعقوب ويوسف وأخوته العشرة
الذين بالطمع والغيرة أصبحوا شريرين
стр. 215
وعبر علي بيريز، أحد كبار شعراء الأعجمية، في شعره القوي على الثورة الكامنة لدى الشعب الأندلسي المضطهد المقهور في عقيدته وجسمه وشرفه ومأكله ومشربه ووطنه، وفي كل ما يجعل الإنسان إنسانًا، فيصيح علي بيريز بأبيات قوية نأتي بترجمة بعضها:
ذئاب سارقة عديمة الخير، همها
الكبرياء والعجرفة واللواط
والفسق والكفر والانتقام
والغدر والظلم والسرقة
كل ذلك بدون عدل.
أنا لا أبكي على ما مضى
لأن لا يمكن الرجوع إلى الماضي
ولكن يبكي لما سنرى
من نتانة ومرارة
كل من يفهم؛
هاجر علي بيريز في أوائل القرن السابع عشر إلى تونس، وعبّر عن هذه الهجرة بقوله: "أخرجنا الله بعظيم قوته من يد الفراعنة الكفرة وقضاة التفتيش الملعونين". وبكى شعراء آخرون بأبيات محزنة على ما آل إليه وطنهم من تدمير، ومثال ذلك هذه الأبيات المترجمة لشاعر أعجمي مجهول يبكي فيها بلدته الحامة (القريبة من غرناطة) عند سقوطها في يد النصارى:
آه على بلدي الحامة؛
الرجال والنساء والأطفال
كلهم يبكون هذه الخسارة العظمى
كما بكت كل سيدات
غرناطة
следующие страницы →