← История

История · id 37481

انبعاث الإسلام في الأندلس

علي المنتصر الكتاني

Полный текст (457 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ألفًا بعد تعدد الشروط على ستين شرطًا، ولم يوفوا لهم بواحد منها، إلى غير ذلك من الغدر والمكر بأهل غرناطة وغيرهم من أهل الأندلس، في كل بلد وقرية، فألفيناهم ما تكلموا إلا بالحق". لذلك حدد مولاي إسماعيل شرطه لإطلاق سراح الأسرى النصارى بأن: "تعطونا في الخمسين نصرانيًا من هذه المائة خمسة آلاف كتاب ... وتعطونا خمسمائة أسير من المسلمين في الخمسين الأخرى". وقد فشل الغساني في الرجوع بالكتب بحجة احتراق قصر الأسكوريال الذي كانت الكتب العربية مخزونة فيه، واكتفى بالرجوع بالأسرى المسلمين، لكن الغساني سجل رحلته في كتاب، نقل فيه ما عاينه بنفسه من الوجود الإسلامي ثمانين سنة بعد الطرد في عدة مدن أندلسية. ففي البريجة (مقاطعة إشبيلية)، ذكر الغساني أن "فيها انتسب لنا البعض إلى الأندلس (أي المسلمين) بإشارة خفية لم يقدر على التصريح بغير كلام خفي، والغالب على جل سكانها أنهم من بقايا الأندلس إلا أن العهد طال عليهم وربوا في بحبوحة الكفر، فغلبت عليهم الشقاوة والعياذ بالله". وفي أطريرة (مقاطعة إشبيلية)، التقى الغساني ببنتين من سلالة بني الأحمر، ملوك غرناطة، عن طريق أمهما، إحداهما بنت القاضي والأخرى بنت حاكم البلد، كما التقى بأهلهما في مجريط، عاصمة إسبانيا، إذ قال: "ولقد أخبرني بمدينة مدريد رجل يسمى ضون ألونص، حفيد موسى أخي السلطان حسن المتغلب عليه بغرناطة، أن البنتين بأطريرة من دمه، وضون ألونص هذا رجل حسن الأخلاق، حسن الثياب، له قوة وشجاعة معروفة عند النصارى، وهو معدود من فرسانهم وشجعانهم ... ومع هذا فهو مائل إلى من تلقاه من أهل الإسلام، ويذكر نسبه، ويعجبه ما سمعه من الحديث عن الإسلام وأهله". وعن مرشانة (مقاطعة إشبيلية)، يقول الغساني إن معظم سكانها من سلالة المسلمين القدماء. وعن أندوجر (مقاطعة جيان)، يقول الغساني: "والغالب أنهم (أهلها) من بقايا الأندلس، وجلهم من أولاد السراج الذين كانوا انتصروا على السلطان أبي الحسن آخر ملوك غرناطة". وقال الغساني إنه بينما كان يفتخر بعضهم بأصله الإسلامي، يتبرأ آخرون من هذا الأصل ويدعون النسبة إلى نبارة. وقال الغساني إن الموظفين من الأصول

стр. 247

الإسلامية الذين لقيهم في المراكز العامة، لا يخفون أصولهم ويعتزون بها. ثم قال: "إن من يكون من نسل هؤلاء القوم الذين تنصروا أن يرث عمل الصليب على كتفه برحمة في ثوبه المتدثر به ... والخطط التي يتولونها بقايا هذا الجنس المذكور هي الكتابة وحكمة البلدان والشرطة وغيرها، مما ليست له وجاهة كبيرة وولاية شنيعة، مثل التصرف في المحال أو الولاية للأقاليم الكبيرة والمدن والقواعد مثل إشبيلية وما شاكلها. وعلى كل حال فهم في هذه النواحي كثيرون لا يحصون، فمنهم من ينتسب، ومنهم من ينفر من سماعه الانتساب ذلك". ولم يعثر الغساني على الوجود الإسلامي إلا في الأندلس ومجريط حيث سمع من المنحدرين من أهل الأندلس انتقادًا كبيرًا لقرار طرد سنة ١٦٠٩ م. ولو مر الغساني على مناطق أخرى خارج منطقتي جيان وإشبيلية من مناطق الأندلس الطبيعية، بما فيها سهل قلعة رباح، لخرج بنفس الانطباعات التي وجدها في المنطقتين المذكورتين. وفي سنتي ١٧٦٦ م و ١٧٦٧ م، أرسل سيدي محمد بن عبد الله، سلطان المغرب، سفيره أحمد بن المهدي الغزال الأندلسي المالقي إلى ملك إسبانيا، للمفاوضة في إطلاق سراح الأسرى المغاربة وتحسين أوضاع بقية الأسرى المسلمين. وقد نجحت هذه السفارة، وتتوجت في مايو سنة ١٨٦٧ م بعقد معاهدة صداقة بين البلدين. وقد دون الغزال رحلته في كتاب سماه "نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد"، ذكر فيه ما لاحظه من آثار إسلامية. فلاحظ عن أهل أطريرة (مقاطعة إشبيلية) أن: "دمهم دم العرب، وأخلاقهم مباينة لأخلاق العجم، وميلهم للمسلمين وتحننهم للجنس وأسفهم عند التشييع يقطع أنهم من بقايا الأندلس، وقد طال عليهم العهد وربوا في بحبوحة الكفر والعياذ بالله ... والكثير من ألقابهم موجودة عندنا في الإسلام، كقبريرة وقرطناش وبريشة وأرميرو وأفريركو واللمب وأولاد خويا وخيرون وراغون وبائص ومنضوصة وغير ذلك". ثم تحدّث الغزال عن بلدتي بلاسيوس وبلافرانكا المتجاورتين (مقاطعة إشبيلية) على مسافة قريبة غرب أطريرة بما يلي: "ولا مرية في أنهما من بقايا الأندلس، وقد التقينا برجل من طلبة المدينتين اسمه بلاشكو، وهو من أعيان العدول عندهم، وقد

стр. 248

أظهر من الميل إلينا ما غلب على الظن أنه مسلم، وصار يشير بإشارة خفية، ويكثر من الالتفات حال مخاطبته إيانا، ولم يستطع التصريح بما في باطن الأمر". وقال الغزال عن أهل إشبيلية: "ومما غلب على الظن من ظهور انقيادهم وامتثالهم وفرحهم بالمسلمين، أنهم إذا عرض عليهم الإسلام لأجاب جميعهم لو لم تكن بين ظهورهم الفرايلية (الرهبان) ... وهذا ما أبدته الفراسة في القوم عند مباشرتهم واختبار أحوالهم من غير لفظ ولا إشارة إلا ما كان من بعض بقية الإسلام. فمنهم من لفظ ومنهم من أشار. نسأل الله تعالى أن يهدي جميعهم للإسلام". وقال الغزال عن أهل أندوجر (مقاطعة جيان): "وأهلها أهل حضارة، وقد أخذوا نصيبهم من الحسن، وأُخبرنا أن الكثير منهم من بقية الأندلس، ولا يستبعد ذلك، لأن أخلاقهم ليست كأخلاق الروم، وفي ميلهم للإسلام ومحبتهم ما فيه أكبر علامة لذلك". وقال الغزال عن أهل الشر (مقاطعة لقنت): "ميلهم للمسلمين بالقلب والقالب، والظاهر دال على الباطن، ولا شك أن فيهم عرقًا عريقًا في الإسلام، حيث إن أسلافهم على الدين القويم. فهم يستأنسون بذلك ويقرون بأن الدين الإسلامي أشرف الأديان، وأن المسلمين هم على الحق ومن سواهم على الباطل، لكن لم تصلهم الدعوة. وعلى تقدير وصولها إليهم الآن لم يمكنهم حفظها والعمل بها. هذا في مقام العسر، وأما إن جهر أحد بذلك، فلا يستتاب عندهم ولا يحكم عليه إلا بالقتل". وقال الغزال عن أهل لورقة (مقاطعة مرسية): "ولهم محبة كبيرة في الإسلام". وقال الغزال عن أهل لوشة (مقاطعة غرناطة): "فهم على قدم غرناطة في الميل للمسلمين والمحبة الدالة على أن فيهم عرقًا يشم للإسلام بالخصوصية، رجالاً ونساء وصبيانًا، بزيادة على غيرهم، والكثير من ألقابهم موجود عندنا في الإسلام. فمنهم من يشير إشارة خفية ومنهم من يجهر بذلك. ولا مرية في أنهم من بقايا الأندلس، وقد طال عليهم العهد فغلبت عليهم الشقاوة والعياذ بالله". وفي سنتي ١٧٧٥ م و ١٧٧٦ م زار الأندلس الرحالة الإنكليزي هانري سوينبورن، وكتب عدة رسائل واصفًا مرئياته فيها، وفي إسبانيا عامة، جمعت في كتاب. وبعد أن ذكر إجراءات محاكم التفتيش سنة ١٧٢٤ م ضد ما تبقى من

стр. 249

المورسكيين في الأندلس، قال سوينبورن إنه عندما زار غرناطة تعرف على عدة عائلات من أصول إسلامية. وفي سنة ١٧٧٩ م (١١٩٣ هـ)، أرسل سيدي محمد بن عبد الله، سلطان المغرب، سفيره محمد بن عثمان المكناسي إلى ملك إسبانيا في شأن افتكاك الأسرى المغاربة. وقد زار السفير الأندلس وكتب ملاحظته في كتاب. قال المكناسي في رحلته عن غرناطة: "وبهذه المدينة من بقايا الأندلس شيء كثير، فمنهم من ينتسب ومنهم من لا ينتسب. وقد تعرف إلينا أحد أصحاب الشرطة ممن له غلظة وتجبر، وقد رأيت فيه ظلمًا كثيرًا يضرب النصارى ويشتمهم، وقد أتاني ذات يوم فقال: إني من المسلمين وإنما جعلت هذه الخطة بيدي سببًا للوصول إلى إذاية هؤلاء الكفرة، وأنا من أولاد صيرون". ثم تحدّث المكناسي عن أحد أعيان بلدة لوشة (مقاطعة غرناطة) قائلاً: "ففرح بدخولنا إلى داره فرحًا كثيرًا وقال: أنا من أولاد رغوان وأنا محب في المسلمين، فقلت له: إن إخوانكم عندنا في بلدنا من خيار الناس فهلا قدمت عليهم؟ فقال: أقدم إن شاء الله لرؤية البلد بقصد التجارة". وفي سنتي ١٧٨٦ م و ١٧٨٧ م، زار الأندلس الرحالة الإنكليزي جوزف تاوسند، ووثق رحلته في كتاب. وقد اجتمع تاوسند عند مروره بغرناطة بغاردوكي، قاضي محكمة التفتيش، وكانت له علاقة وثيقة معه، وقد أطلعه على متابعة محاكم التفتيش للعائلات المورسكية سنة ١٧٢٦ م ثم قال: "وفي يومنا هذا يعتقد الجميع أن كلا المسلمين واليهود كثيرون في إسبانيا؛ فالمسلمون يعيش أكثرهم في الجبال، واليهود في المدن الكبيرة. وهما يختفيان اختفاء كاملاً، ويتظاهران بالانتماء إلى تعاليم الكنيسة في مظاهرهما الخارجية. ويعتقد بعض الأشخاص أن بعض الرهبان الأكثر ورعًا وحتى بعض موظفي محاكم التفتيش هم في الحقيقة يهود". وفي سنة ١٧٨٧ م، كتب بورو: "إن عدد اليهود والمسلمين لا زال كبيرًا في إسبانيا، فالمسلمون لجؤوا إلى الجبال، بينما لجأ اليهود إلى المدن الكبيرة". وفي سنة ١٨٠٩ م، زار الأندلس رحالة إنكليزي آخر واستقر في بلدة الحامة (مقاطعة غرناطة) حيث لاحظ كثرة المنحدرين من المسلمين، وتعرف على صاحب شركة بغالين فوجده وجميع أهله ذوي أشكال عربية رغم ما يدعونه من الدم القشتالي.

стр. 250

ولذا يعتقد الجميع، كما يقول الرحالة، أن معظم أهل الأندلس من أصول إسلامية، إن لم يكن ذلك عن طريق الآباء فعن طريق الأمهات. وفي سنة ١٨٢٨ م، كتب منيانو عن بلدة أجيجر (مقاطعة غرناطة)، معقل المجاهدين القديم في جبال البشرات، ما يلي: "يقال بأنه رغم الشدة التي طبقت في طرد المورسكيين، لم يمكن اجتناب ترك عائلات مختلفة". وفي سنة ١٨٤٧ م، كتب فورد عن أجيجر كذلك ما يلي: "أجيجر الإسلامية، عاصمة البشرات، محاطة بالجبال وهي تحلق فوق عذرة ... ونصف أهلها مسلمين رغم أنهم يتكلمون الإسبانية. وتنظر النساء ذوات الخدود الوردية والعيون السود والشعر الأسود بشراسة إلى الغريب الذي يمر من وقت بعيد إلى آخر من نوافذ لا تزيد عن كونها ثقبًا ليست أكبر من رأس الواحدة منهن". هذا عدا الأسماء العائلية المشهورة إلى اليوم في إسبانيا، والدالة على أصول أصحابها الإسلامية، كالزكري وابن النجار وابن أمية وابن جمعة وبنيغش وغيرها من الأسماء الكثيرة. وقد تكلم عن المورسكيين، وما آلوا إليه، عدد من الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين في القرن الثامن عشر، مثل فولتير، المفكر الفرنسي الذي كان المورسكيون بالنسبة إليه أهل الأندلس الأصليين، ومن سلالة ساداتها، وأصبحوا مواطنين إسبان مضطهدين ومطاردين، مما دفعهم إلى الثورة والهجرة، رغم ضرورة وجودهم بالنسبة لاقتصاد إسبانيا، ورغم حبهم للعمل وإتقانهم له. كما يرى فولتير أنهم ضحية التطرف الصليبي الذي أجبرهم على التظاهر بالنصرانية. وقارن فولتير محنة المسلمين في إسبانيا بمحنة البروتستانت في فرنسا وأشار إلى أن "عدة عائلات (مورسكية) ممن أخلصوا للنصرانية استقرت في منطقة البروفانس باللانكودوق، ومنهم من وصل إلى باريز، وأخيرًا استقر هؤلاء اللاجئون في البلاد (فرانسا)، واندمجوا في الأمة (الفرنسية) التي استفادت منهم بسبب غلط إسبانيا، والتي اتبعت أخيرًا مثالها (السيىء) في تهجير البروتستانت". كما ذكر المورسكيين عدد من المفكرين الفرنسيين، من بينهم ديدرو والراهب راينال، في كتاب "تاريخ مراكز التجارة في الهندين الفلسفي والسياسي" الذي صدر في القرن الثامن عشر الميلادي. ذكر الكتاب المورسكيين "كمحمديين" من "أتباع القرآن" الذين تحاول إسبانيا جعلهم نصارى، ووصف وضعهم بعد سنة ١٦٠٩ م بأنهم

стр. 251

مواطنون لا يثق بهم، أو لاجئون، أو مبعدون، أو قراصنة، أو مخربون، أو خارجون على القانون، أو مستعبدون للغير. وبتلخيص، يعبر الكتاب عن رأي الكنيسة الكاثوليكية في المورسكيين، ومن يفكر تفكيرها. ورغم ذلك يعترف الكتاب بأن لدى المورسكيين قوة تحمل كبيرة، وكفاءات عالية، ومعرفة جيدة بفنون التجارة والزراعة. وأخيرًا، هرب عدد من المورسكيين من المدن والقرى بعد قرار طرد سنة ١٦٠٩ م، وانضموا إلى جماعات الغجر الرُّحَّل في إسبانيا، مما جعل عددًا كبيرًا من هؤلاء اليوم يتأصلون من أصول إسلامية. وهذا ما يفسر أصل غناء "الفلامنكو" الذي يعد غناء مورسكيًّا. ولذا تساءل بعضهم عن السرية في الغناء الفلامنكي وقال: "وهلا تفهم هذه السرية إذا تذكرنا أنه إلى أيام كارلوس الثالث كان سيف المنع مسلطًا على الموسيقى والغناء المورسكي؟ ". فهل يعقل إذًا أن يكون هناك موسيقى وغناء مورسكيًّا دون وجود مورسكيين؟.

стр. 252

مراجع الفصل السابع ٧/ ١ - Jaime Bleda "Cronica de los Moros de Espana" Valencia, ١٦١٨, p.١٠٢١., ٧ / ٢ - Archivo de la Corona de Aragon, Corona de Aragon, ٢٢١ II ٣. ٧ / ٣ - Ref. (٧.٢) , ٢٢١ II ٤. ٧ / ٤ - Joan Regla "La Expulsion de los Moriscos y sus Consequencias en la Economia Valanciana" Hispania, ١٩٥٣, p. ١٣٣. ٧ / ٥ - Boronat y Barrachina "Los Moriscos Espanoles y su Expulsion" Va- lencia, ١٩٠١, Vol. II. p. ٣٠٦. ٧ / ٦ - Ref. (٧.٢) , ٢٢١ II ٢. ٧ / ٧ - Ref. (٧.٢) , ٢٢١ II ١. ٧ / ٨ - Actas de la Cortes, XL, ٤٠٦. ٧ / ٩ - Actas de las Cortes, XLII, ١٩٤ y XLIII, ٢٩٩. ٧ / ١٠ - A. Dominguez Ortiz "Felipe IV. y los Moriscos" MEAH, and VII, No. ٨. ٧ / ١١ - "Informe Sobre los Moros Esclavos y Libres de Sevilla" Biblioteca National, Madrid, Ms. ١٨٧٣٥. ٧ / ١٢ - Actas de la Cortes, XLV, ٢٢٢. ٧ / ١٣ - Actas de la Cortes, XLVII. ٧ / ١٤ - Archivo General de Simancas, Estado, Espana, ٢٦٥٣. ٧ / ١٥ - Archivo Historico National, Inquisicion de Toledo, Leg ٢١٠٦. ٧ / ١٦ - Ref. (٧.١٥) , Leg. ٩٢, No. ١٣.

стр. 253

٧/ ١٧ - Manuel Barrios "Sociedades Secretas del Crimen en Andalucia" Tec- nos, Madrid, ١٩٨٧, p. ٧٦. ٧ / ١٨ - Archivo Diocesano de Cuenca, Leg. ٤٣٧, No. ٦١٦٩. ٧ / ١٩ - Anales de Granada, Vol. II, p. ٧٣٥ y ss. ٧ / ٢٠ - Antonio Dominguez Ortiz y Bernard Vincent "Historia de los Mor- iscos" Madrid, ١٩٧٨, Apendice XI, p. ٢٨٦-٢٨٧. ٧ / ٢١ - Bartolome Bennassar et Lucile Bennassar "Les Chretiens d'Allah" Perrin, Paris, ١٩٨٩, p. ١٤٨-٢٠١. ٧ / ٢٢ - Andre Henri Argaz "Histoire Inattendue des Arabes en Espagne" Editions Cremille et Famot, Geneve, ١٩٨٣, p. ٢٦٠-٢٦٣. ٧ / ٢٣ - Henry Swinburne "Travels Through Spain in the Years ١٧٧٥ and ١٧٧٦" p. ١٥٤. ٧ / ٢٤ - Joseph Towsend "A Journey Through Spain in the Years ١٧٨٦ and ١٧٨٧" (٣ volumes) , Vol. III, p. ٨٢ - ٨٤. ٧ / ٢٥ - Juan F. Perez de Herrasti "Historia dela Casa de Herrasti" Grana- da, ١٧٥٠ p. ٢٨٤. ٧ / ٢٦ - Henry Charles Lea "A History of the Spanish Inquisition" Vol. III, p. ٤٠٦. ٧ / ٢٧ - Henry Charles Lea "The Moriscos of Spain, their Conversion and Expulsion" Londres, ١٩٠١, New York, ١٩٦٨, Vol. III, p. ٤٠٦. ٧ / ٢٨ - Archivo Municipal de Granada. ٧ / ٢٩ - Biblioteca National, Madrid, Ms, ١٨١٩٦. ٧ / ٣٠ - Fernando Repiso "Simbolos y Derechos Andaluces" Sevilla ١٩٨a. ٧ / ٣١ - Guillermo Gozelbes Busto "La Republica Andaluza de Rabat en Si- glo XVII" Madrid. ٧ / ٣٢ - Ref. (٧.٢٩) , p. ١٦٩-١٧١. ٧ / ٣٣ - Antonio Domingo Ortiz "Alteraciones Andaluzas", Madrid, Nar- cea, ١٩٧٣, p. ٧٨. ٧ / ٣٤ - Juan Diaz del Moral "Historia de las Agitaciones Campesinas Anda - luzas" Alianza Editorial, Madrid, ١٩٨٤, p. ٦٣-٧٢. ٧ / ٣٥ - Ref. (٧.٣٠) , p. ١١٨-١٢٢.

стр. 254

٧/ ٣٦ - Antonio Mestre "Estudio de la Demografia de Oliva, a Traves de los Archivos Parroquiales Despues de la Expulsion de los Moriscos" Estudis ١, ١٩٧٢, p. ١٦٩-١٨٤. ٧ / ٣٧ - عبد الرحمن بن زيدان "إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس" المطبعة الوطنية الرباط، ١٩٣٣، (خمسة أجزاء)، الجزء الثاني، الصفحتان ٦٣ و ٦٤. ٧/ ٣٨ - محمد بن عبد الوهاب الغساني "رحلة الوزير في افتكاك الأسير" مخطوط الخزانة الحسنية بالرباط، عدد ١١٣٢٩. ٧/ ٣٩ - أحمد بن المهدي الغزال "نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد" تحقيق إسماعيل العربي، بيروت، ١٩٨٠ م. ٧/ ٤٠ - Ref. (٧.٢٣) . ٧ / ٤١ - محمد بن عثمان المكناسي "الأكسير في افتكاك الأسير" تحقيق محمد الفاسي، الرباط، ١٩٦٥. ٧/ ٤٢ - Ref. (٧.٢٤) . ٧ / ٤٣ - George Borrow "Los Zincali" Turner, Madrid, ١٩٧٩. ٧ / ٤٤ - Robert Semple "A Second Journey in Spain, in the Spring of ١٨٠٩" London, ١٨٠٩, p. ١٩٩-٢٠٠. ٧ / ٤٥ - Sebastian Minano "Diccionario Geografico-Estadistico de Espana y Portugal" IX, Madrid, ١٨٢٨, p. ١١٠a. ٧ / ٤٦ - R. Ford "A Handbook for Travellers in Spain" Second Edition London, ١٨٤٧, p. ١٦٠. ٧ / ٤٧ - Voltaire "Essais sur les Moeurs" Tome II, p. ٤٢٦-٤٢٧. ٧ / ٤٨ - Abbe Raynal "l'Histoire Philosophique des Etablissements du Com- merce dans les Deux Indes". ١٧٧٠-١٧٧١. ٧ / ٤٩ - Manuel Barrios "Los Oscuras Raices del Flamenco", Sevilla, ١٩٨٦.

стр. 255

الفصل الثامن تكوين القومية الأندلسية (في القرنين التاسع عشر والعشرين) ٨/ ١ - إسبانيا في القرنين التاسع عشر والعشرين: اتسم حكم فراندو السابع (١٨١٤ - ١٨٣٣ م) بعد تحرير إسبانيا من الوجود الفرنسي باضطهاد المعارضة وسوء معاملة المواطنين من طرف جماعة من الجنرالات المنتفعين الذين كانوا يحومون حوله. وأدت تجاوزات الجيش الإسباني بقيادة الجنرال موريو في جنوب أمريكا إلى استقلال كلومبيا عن إسبانيا، ثم تحررت معظم مستعمرات إسبانيا بعد هزيمة أياشوكو سنة ١٨٢٤ م. وفي سنة ١٨٢٠ م، تمرد الكلونيل ريكو في قادس بالأندلس، وأخذ ينتقل بين مدن الأندلس يطالب الملك بتنفيذ دستور قادس لسنة ١٨١٢ م، الذي حررته في قادس المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي. ثم ثارت جليقية على الملك. وفي ١٠/ ٣ / ١٨٢٣ م، قبل الملك شروط المتمردين بما فيها دستور قادس، لكن المتعصبين من بين حاشيته عارضوه في ذلك باسم الدفاع عن الدين الكاثوليكي، فرجع الملك في قراره وأزال مرة ثانية دستور قادس، وعاد إلى الاستبداد، ثم أعدم الكلونيل ريكو وعددًا كبيرًا من زملائه. ثم تتابعت الإعدامات، فأعدمت الدولة الألبسنادو، أكثر زعماء المعارضة شعبية. وفي سنة ١٨٢٦ م، أعدم الأخوة بازان. وفي سنة ١٨٣١ م، أعدم تريفوس وماريتانا بينيدة بتهمة خياطة علم المعارضة، ثم اجتمع المتعصبون النصارى حول دون كارلوس، أخي الملك الذي كان يتعاطف مع أفكارهم، بنية مبايعته بعد وفاة أخيه. وفور وفاة فراندو السابع سنة ١٨٣٣ م، قامت حرب أهلية بين الذين بايعوا ابنته إيسابيلا الثانية (١٨٣٣ - ١٨٦٨ م) تحت وصاية أمها مارية كريستينا، زوجة فراندو

стр. 256

الثالثة، وبين المتطرفين النصارى الذين بايعوا دون كارلوس. وقامت ما تسمى الحرب "الكارلية" الأولى التي دامت إلى سنة ١٨٤٠ م، وشملت ولايات الشمال والشرق كنبارة وقطلونية وبلنسية. ولم تؤثر الحرب الكارلية على الأندلس التي أصبحت مركز عداوة للكنيسة وامتيازاتها. وفي سنة ١٨٣٥ م، أدى انتشار الوباء إلى ثورة في مجريط عمت بعد ذلك أنحاء إسبانيا، في سرقسطة وبرشلونة والأندلس. وركز الثوار غضبهم على الكنيسة وسلطتها، فحرقوا الأديرة والكنائس، وكونوا لجانًا ثورية في أنحاء إسبانيا تطالب بالعودة إلى دستور قادس. فأدت الثورة إلى إحلال تورينو مكان مارتينز دي لاروزا في رئاسة الحكومة، ثم خلفه منديزابال الذي لاحق الكنيسة وصادر ممتلكاتها. وفي سنة ١٨٣٦ م، أجبرت مارية كريستينا على قبول دستور قادس، ثم رجعت في قرارها سنة ١٨٣٧ م، وعادت إلى السلطة المطلقة سنة ١٨٣٩ م. وفي سنة ١٨٤٠ م، أزاح مارية كريستينا وزيرها اسبرتيرو، وحل محلها كوصي على الملكة إيسابيلا الثانية. ولكن اسبرتيرو نشر الرعب في البلاد، فأعدم عدة جنرالات، وضرب برشلونة بالقنابل عندما تظاهر أهلها، ثم ضرب إشبيلية، وفي سنة ١٨٤٣ م، اضطر إلى ترك السلطة والفرار إلى لندن. وفي سنة ١٨٤٣ م، رشدت إيسابيلا الثانية. فمالت إلى المعتدلين ضد التقدميين. فأسس وزيرها كونزلز برابو الحرس المدني سنة ١٨٤٣ م، وفي سنة ١٨٤٥ م كتب ناربايز دستورًا جديدًا أعطى فيه اختصاصات مطلقة للسلطة التنفيذية. وفي سنة ١٨٤٧ م، اشتعلت الحرب الكارلية من جديد. وفي سنة ١٨٤٨ م، قضى الوزير ناربايز على ثورة في البلاد بمجزرة دامية. ثم وقع نزاع بين الزعماء الإسبان حول تزويج الملكة، فوقع اختيار الأطراف المختلفة على شخص غير معروف زوجًا لها. وفي سنة ١٨٥١ م، خلف سارتوريوس الوزير ناربايز، لكنه أبعد بدوره نتيجة سلسلة من الفضائح المالية والفساد، وحل محله شخصان يمثلان التقدميين والمعتدلين. وفي سنة ١٨٥٦ م، أعادت الملكة إلى الوزارة ناربايز الذي يمثل المعتدلين، بعد اضطرابات حدثت في الأندلس. وفي سنة ١٨٥٩ م، خرج الجيش الإسباني من سبتة واحتل تطوان. ولم يخرج منها إلا بعد شروط مجحفة للمغرب، أدت إلى انهيار اقتصاده واتساع رقعة الاحتلال حول مدينتي سبتة ومليلة.

стр. 257

وفي سنة ١٨٦٨ م، توفي ناربايز فعمت الاضطرابات البلاد، انتهت في سبتمبر سنة ١٨٦٨ م بثورة شاملة بقيادة سرانو، أعلنت الحريات الأساسية وطالبت بالانتخابات العامة. فهزم الثوار جيش الملكة التي أصبحت مبغوضة لدى العامة بسبب تجاوزاتها في حياتها الخاصة، فخلعت وأرغمت على اللجوء إلى فرنسا. حكم سرانو، زعيم الثورة، إسبانيا بالتعاون مع بريم، وعقد اجتماعًا للكورتس وافق فيه على دستور ملكي دستوري ثم اختاروا الأمير أميديو دي سابوا، ابن ملك إيطاليا، ملكًا لإسبانيا. وفي ٣٠/ ١٢ / ١٨٧٠ م، يوم وصول الأمير إلى مجريط، اغتيل بريم. وفي فبراير سنة ١٨٧٣ م، تنازل الأمير أميديو عن العرش بسبب انقسامات الطبقة الحاكمة من جهة، وعودة الحرب الكارلية والاضطرابات الشعبية من جهة أخرى. فأعلنت الجمهورية بدستور اتحادي، وانتخب رئيسًا لها القطلاني بي اي مارغال. وعندما انقسمت الولايات إلى كنتونات صغيرة تكاد تكون مستقلة، قدم بي استقالته من رئاسة الجمهورية، فخلفه سلمرون، ثم قسطلار الذي أعاد للجمهورية مركزيتها. وفي ٣/ ١ / ١٨٧٤ م، ثار الجنرال بافيا وألغى الكورتس، وأقام دكتاتورية في البلاد لمدة قصيرة، ثم أعاد الملكية. وأتى بافيا من إنكلترا بألفونسو ابن الملكة إيسابيلا الثانية، صحبة معلمه كانوباس دل قشتيليو، فبويع ملكًا على إسبانيا تحت اسم الفونسو الثاني عشر (١٨٧٥ - ١٨٨٥ م). ثم تعاقب على الحكم حزب المحافظين يعارضه في أقصى اليمين الكارليون، والحزب التقدمي يعارضه الجمهوريون. وانتهت الحرب الكارلية أيام الفونسو الثاني عشر. وفي سنة ١٨٨٥ م، مات الملك وترك زوجه مارية كريستينا حاملاً. بويع الابن إثر ولادته تحت اسم الفونسو الثالث عشر (١٨٨٥ - ١٩٣١ م) تحت وصاية أمه، وفي أيامها فقدت إسبانيا ما تبقى لها من مستعمرات. ففي سنة ١٨٩٨ م، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في ثورتي كوبا والفلبين، وطردت إسبانيا منهما. ثم انتشرت الاضطرابات في أنحاء البلاد، خاصة في بلاد الباسك وفي قطلونية. وفي سنة ١٩٠٢ م، رشد الفونسو الثالث عشر، فزادت الاضطرابات خاصة في قطلونية حيث انتشرت "الأناركية" العالمية والقومية المحلية. وظهر التضامن القومي القطلاني بوضوح في انتخابات سنة ١٩٠٦ م. وفي سنة ١٩٠٩ م، قامت مظاهرات في برشلونة ضد تجنيد الشباب للذهاب إلى المغرب،

стр. 258

قضت عليها الحكومة بمذبحة بين المتظاهرين وإعدام فرير، أحد زعماء قطلونية، لأفكاره القومية. فأدت تلك الأحداث إلى عزل الوزير ماورا وتنصيب التقدمي كناليخاس (١٩١٠ - ١٩١٢ م) محله، فحاول حل المشكلة المغربية، والحد من سلطة الكنيسة، وإعطاء القطلانيين بعض الحريات، لكن اغتاله أحد الأناركيين قبل إتمام برنامجه. فتسلسل الوزراء على الحكم إلى أن اندلعت الحرب العالمية الأولى. فتجزأ الإسبان بين مساندين لألمانيا ومساندين للحلفاء، إلا أن الحكومة استطاعت الحفاظ على حيادها إبان الحرب. وفي سنة ١٩١٧ م، أدى غلاء المعيشة إلى اضطرابات وحوادث غيرت أوضاع إسبانيا نهائيًّا. كان القرن التاسع عشر في إسبانيا قرن اضطراب وانكماش، لم يلعب ملوكها فيه الدور الرائد الذي توقعه منهم الإسبان، بينما انقسمت الطبقة الرائدة بين ملكيين يمينيين متطرفين (الكارلي) ومعتدلين من جهة، وبين تقدميين معادين للكنيسة من جهة أخرى، دون أن تجد الديموقراطية موطنًا لها. فلم يطبق دستور قادس إلا لفترة قصيرة، وكذلك دستور سنة ١٨٦٩ م. وطبقت دساتير سنة ١٨٣٤ م و ١٨٣٧ م و ١٨٤٥ م و ١٨٥٦ م بالإكراه دون إرادة شعبية. ودام دستور سنة ١٨٧٦ م إلى سنة ١٩٢٣ م، وقد قبل فيه مبدأ الانتخابات العامة في سنة ١٨٩٠ م. وكان يتحكم الضباط في الجيش الإسباني الذي لم تكن له قاعدة شعبية. واختلف الضباط في الرأي، وانتمى كثير منهم إلى الخلايا الماسونية، فكثرت الانقلابات العسكرية بالعشرات، نجح منها ١٢ انقلابًا، دون أن تكون لها علاقة بالثورات الشعبية. وكثرت في القرن التاسع عشر الثورات الشعبية في إسبانيا، منها، في أقصى اليمين، ما سببته التعاليم الكاثوليكية المتطرفة كالحركة الكارلية التي انتشرت في المناطق الكاثوليكية كبلاد الباسك، ونبارة، وقطلونية، ومنها ثورات الأندلسيين الذين لم يرضخوا قط للدولة، منذ ضياع استقلالهم، والقضاء على دينهم الإسلامي، ومسخ هويتهم القومية، وإفقار أراضيهم، ونهب خيراتهم. وكانت حركتهم دائمًا ضد الدولة والكنيسة في آن واحد، ومن أجل تحقيق حكم ذاتي للأندلس. ومنها اضطرابات المدن المختلفة التي تنتج عن أسباب متعددة، أهمها الثورة ضد الفقر والفساد، وهي كذلك توجه غضبها على الكنيسة، فيحرق الثوار الأديرة ويلاحقون الرهبان.

стр. 259

تزايد عدد سكان إسبانيا من ١١ مليون نسمة سنة ١٨٠٨ م إلى ١٥.٥ مليون سنة ١٨٥٧ م و ١٨.٥ مليون سنة ١٩٠٠ م، و ٢٤ مليون سنة ١٩٣٥ م قبيل الحرب الأهلية. ولم يتقدم اقتصاد إسبانيا ولا تقنياتها بنفس السرعة التي تقدم بها عدد سكانها. فعم الفقر، واتسع الفرق بين طبقات المجتمع، وانتشرت الأمراض والأوبئة. وبقيت ملكية الأرض في يد النبلاء والكنيسة، خاصة في الأندلس حيث ظلت جماهير المزارعين دون أرض. وبقيت طرق استغلال المعادن والصناعة متخلفة أو في يد الأجانب. واتسم القرن التاسع عشر بانبعاث القوميات، كالقطلانية والباسكية والأندلسية، وانقسام الطبقة المثقفة بين المركزية والاتحادية. وفي سنة ١٩١٧ م، قامت حركة عسكرية ضد الفساد والرشوة، فأخذت المعارضة تجتمع في كل أنحاء البلاد وتكون مجالس حكومية شعبية. فقضت الحكومة على التمرد بالقوة، وقبضت على معظم رؤسائه. ثم مرّت الحكومة بأزمات متواصلة إلى سنة ١٩٢٣ م. وسهل غلاء المعيشة انتشار الاشتراكية والشيوعية والأناركية. ثم كانت الكارثة بالنسبة لإسبانيا في ٢٠/ ٧ / ١٩٢١ م، عندما انهزم جيشها في أنوال على يد المجاهدين المغاربة بقيادة الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، وقتل فيها الجنرال سلبستر، رئيس الجيش، مع رجال أركانه العامة وقتل وأسر ١٤.٠٠٠ جندي، لم يعش بعدها النظام طويلاً. فأخذ الملك والجنرالات والوزراء يرمون بعضهم البعض بالتهم حول مسؤولية الكارثة. وطالب الجنرال بريمو دي ربيرا في مجلس الشيوخ إسبانيا بالانسحاب من المغرب نهائيًّا. وفي ١٣/ ٩ / ١٩٢٣ م، كون الجنرال بريمو دي ربيرا "مجلس رئاسة عسكري" بقيادته، اعترفت به جميع الطبقات السياسية، كما اعترف به الملك والجيش، فأصبح دكتاتور إسبانيا. وتحالف دي ربيرا ضد الثورة الريفية مع فرنسا، التي اقتسمت المغرب مع إسبانيا سنة ١٩١٢ م، فقضوا عليها سنة ١٩٢٥ م، واستعادت إسبانيا منطقة حمايتها بالمغرب. وفي سنة ١٩٢٥ م، تحول "مجلس الرئاسة العسكري" إلى "مجلس رئاسة مدني". وفي سنة ١٩٢٧ م، عين دي ربيرا مجلسًا استشاريًّا، وفي سنة ١٩٢٩ م، حاول كتابة دستور جديد. ولم يتمكن دي ربيرا من حل المشاكل التي كان يتخبط فيها المجتمع الإسباني، كملكية الأرض والقوميات المحلية والتباين الاقتصادي

стр. 260

بين طبقات المجتمع خاصة في الأندلس. فقرر في ٣٠/ ١ / ١٩٣٠ م الانسحاب من الحكم والهجرة إلى باريز حيث توفي. خلف دي ربيرا في الحكم الجنرال بيرنغر، فكثرت الاضطرابات في عهده. ثم تعاهد الجمهوريون في "خلف سان سبستيان" على إلغاء الملكية في إسبانيا. وفي ١٤/ ٤ / ١٩٣١ م، انسحب الجنرال بيرنغر بعد انتخابات عامة نجح فيها الجمهوريون، فأعلنوا الجمهورية، واضطر الملك الفونسو الثالث عشر إلى التنازل ومغادرة البلاد. أعلنت في إسبانيا "جمهورية العمال" بدستور عد، في وقته، من أكثر دساتير أوروبا ديموقراطية الذي أعطى المناطق المختلفة حق طلب الحكم الذاتي، وأنشىء مجلس للنواب بالانتخاب العام شارك فيه لأول مرة النساء والجنود. وانتخب نيساتو القلعة سمورة رئيسًا للجمهورية، وانضمت إسبانيا إلى هيئة الأمم. وعمّمت الجمهورية التعليم العلماني، وحدت من هيمنة الكنيسة في التعليم والسياسة والاقتصاد حتى أعلن بعض قاداتها، كأثاينا، "بأن إسبانيا لم تعد كاثوليكية"، وانتشر في البلاد عداء الكنيسة، خاصة في الأندلس. وفي ١١/ ٥ / ١٩٣١ م، أخذت الجماهير تحرق الأديرة وتزيل الصلبان عن المقابر والمدارس، فعوقب من احتج على ذلك من رجال الكنيسة. ثم ركّزت الجمهورية على تحويل إسبانيا إلى دولة اتحادية بإعطاء قطلونية وأوسكادي (بلاد الباسك) الحكم الذاتي. ثم أسست قوة جديدة سمتها "حراس الهجوم" لتنافس قوات "الحرس المدني" التي أصبحت مكروهة لدى الشعب. ثم حاولت الجمهورية معالجة المشكل الزراعي. لكن مذبحة "كاساس بيخاس" (الدور القديمة بالأندلس) في ١٢/ ١ / ١٩٣٣ م ضد الأناركيين الأندلسيين أدت إلى إضعاف مساندة الشعب للجمهورية. فجوبهت الحكومة من طرف الملكيين والكنيسة في اليمين، ومن طرف العمال والشيوعيين في اليسار. وفي ديسمبر عام ١٩٣٣ م، عمت الاضطرابات الأراغون والاسترمادورا. وفي أكتوبر سنة ١٩٣٤ م، ثارت قطلونية وآشتورياش، فقضى على الثورتين بالقوة. وفي سنة ١٩٣٥ م، تدهور الوضع بسبب المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وسياسة رئيس الجمهورية والفضائح التي سببها بعض المسؤولين فتتابعت الاضطرابات. وفي ١٨/ ٧ / ١٩٣٦ م، قام الجيش بانقلاب عسكري، بقيادة الجنرال سان خورخو، ومساهمة الجنرالين فرانكو وغودو. فرفضت حكومة الجمهورية الانقلاب،

стр. 261

كما رفضته فئات كثيرة من الشعب الإسباني، مما أدى إلى اندلاع حرب أهلية طاحنة في البلاد بين الجيش والكنيسة التي أعلنتها حربًا صليبية من جهة، وبين التقدميين الجمهوريين من جهة أخرى، انتهت سنة ١٩٣٩ م بانتصار اليمين بقيادة الجنرال فرنسسكو فرانكو الذي أصبح دكتاتور إسبانيا إلى وفاته سنة ١٩٧٥ م. وأدّت هذه الحرب الأهلية إلى مقتل حوالي ٦٠٠.٠٠٠ شخص، وهجرة حوالي ٤٠٠.٠٠٠ آخرين إلى فرنسا، وخراب كبير في البلاد بأجمعها. وكانت حربًا طاحنة بين الكنيسة وأعدائها قتل فيها أكثر من ٢٠.٠٠٠ راهب، كما قامت الكنيسة وحلفاؤها بمذابح مفجعة بين الأهالي. اشتعلت الحرب العالمية الثانية بعد انتصار فرانكو بقليل، فاحتل طنجة، واجتمع بهتلر وموسوليني، لكنه بقي في الحياد إبان الحرب، رغم أن الكتائب التي ارتكز عليها في الحرب الأهلية، والتي جعلها بعد ذلك ركيزة نظامه، اقتبست نظامها من الحزب النازي الألماني. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بقي نظام فرانكو منبوذًا من طرف أوروبا، فأغلقت فرنسا حدودها مع إسبانيا، ورُفضت إسبانيا من دخول الأمم المتحدة. وبعد مفاوضات مع دون خوان (كوندي دي برشلونة فيما بعد) ابن الفونسو الثالث عشر، أعلن فرانكو نفسه وصيًّا لعرش المملكة الإسبانية. وفي الخمسينات، ابتدأت عزلة النظام تضعف بعد توصله بمساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة. وشهدت الستينات انطلاقة اقتصادية مهمة في إسبانيا. وفي يوليوز سنة ١٩٧٠ م، عين فرانكو الأمير خوان كارلوس حفيد الفونسو الثالث عشر (ابن ابنه خوان) وليًّا للعهد. وفي ٢٠/ ١١ / ١٩٧٥ م، توفي فرانكو بعد مرض طويل، فانفتح على إسبانيا والأندلس عهد جديد. ٨/ ٢ - الجذور الإسلامية للقومية الأندلسية: قضى طرد سنة ١٦٠٩ م للنخبة المورسكية على التنظيم المورسكي الذي حافظ على الإسلام في الأندلس لمدة مائة وعشرين سنة بعد سقوط غرناطة، فاندثر الإسلام ظاهرًا وبقي حيًّا في قلوب المجتمع الأندلسي، بل ظل كثير من الأندلسيين مسلمين سرًّا. ولم تنجح الكنيسة في تحويل الشعب الأندلسي إلى ما أرادته: كاثوليكي الديانة، إسباني الهوية، بل تكونت منه شخصية جديدة، هي القومية الأندلسية المعاصرة، ذات الجذور الإسلامية الواضحة. أما خرافة تبديل سكان الأندلس بآخرين من الشمال بعد طرد سنة ١٦٠٩ م، بينت البراهين التاريخية، كما رأينا، والواقع المشاهد، أن لا

стр. 262

أساس لها من الصحة. ولنوضح فيما يلي أهم ما بقي من الآثار الإسلامية في المجتمع الأندلسي المعاصر. أولاً، تنطق كل مظاهر الأندلس الخارجية، في المدن والقرى والقلاع، بالوجود الإسلامي. وبقي الفن المعماري الأندلسي حيًّا، يعتز به أهل الأندلس ويتذوقه غيرهم، كما حافظ البيت الأندلسي المعاصر على طابعه الإسلامي القديم. ويرى اليوم زائر حي البيازين بغرناطة على الشكل الذي وصفه به دي خرقيرا حيث قال بأنه عبارة عن شبكة من الأزقة، منها ما له مخرج ومنها ما لا يخرج منه "وببناءاته ذات الطابع المورسكي، وأزقته الضيقة لدرجة لا يمكن معها أن يمر بها أكثر من شخصين في آن واحد، ومنها ما لا يمكن أن يمر بها إلا شخص واحد". وظلت الحديقة الأندلسية إلى اليوم، فنًّا قائمًا بنفسه، كما أصبحت الشرفة (البلكون) من علامات الهندسة المعمارية الأندلسية المعاصرة. وتشهد أسوار المدن القديمة والمساجد المحولة إلى كنائس، والكنائس المبنية على شكل مساجد، والقصور القديمة، والجديدة التي تحاكي شكل القديمة، كلها تشهد بتواصل الحضارة الأندلسية المعمارية. ولم تتغير قط قرى البشرات، والمنطقة الشرقية وجبال رندة بمقاطعة مالقة، ووادي المنصورة بمقاطعة المرية، منذ سقوطها في يد الجيوش القشتالية. ولكن كل تلك القصور والمساجد إنما هي، كما قال أحد المسلمين الأندلسيين المعاصرين، بقايا قافلة الأندلس التي مرت عبر التاريخ وتركت تلك الآثار، ولكن القافلة الحية هي التي لا زالت قائمة لم تندثر وبقيت الآثار الإسلامية في شخصية أفرادها وتكوين مجتمعها. قام باحث سويدي بدراسة فصائل دم أهل الأندلس، فوجد أن نسب الفصائل المختلفة بينهم تختلف عن باقي إسبانيا وتشابه النسب الموجودة في شمال إفريقيا. ولا حاجة، في الحقيقة، لهذا البحث الدقيق، إذ يمكن لكل ملاحظ أن يرى أن أوصاف أهل الأندلس اليوم تتطابق مع أوصاف الأندلسيين القدامى المحررة في الكتب القديمة، مدينة مدينة ومنطقة منطقة. قال أبو الفضل النيقاشي: "جرت مناظرة بين يدي ملك المغرب المنصور يعقوب (الموحدي)، بين الفقيه أبي الوليد بن رشد والرئيس أبي بكر بن زهر، فقال ابن رشد لابن زهر في تفضيل قرطبة: ما أدري ما تقول، غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية فأُريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإن مات مطرب بقرطبة

стр. 263

فأريد بيع آلاته حملت إلى إشبيلية". وأهل إشبيلية هم كذلك اليوم يحبون الطرب والغناء، كما أن أهل قرطبة اليوم موسومون بالجد والنفور من اللهو. وقال الحجاري عن مدينة شريش: "لأهلها همم وظرف في اللباس وإظهار الرفاهية وتخلق بالآداب، ولا تكاد ترى بها إلا عاشقًا ومعشوقًا". وهي كذلك اليوم، إذ تعد نسبة الشباب فيها من بين السكان أعلى نسبة في القطر الإسباني. ووصف لسان الدين ابن الخطيب أهل غرناطة بأنهم بيض الوجوه، سود الشعور. وهم كذلك اليوم. كما تحدث القدامى عن التنافس القائم بين أهل إشبيلية وجيرانهم أهل طريانة. والحال كذلك اليوم. وبصفة عامة يمكن التعرف على أهل الأندلس بسهولة من بين غيرهم من أهل إسبانيا، لاختلاف سماتهم عن القشتاليين والقطلانيين وغيرهم. وأهم ظاهرة في الهوية الأندلسية المعاصرة هو موقف أهلها من الإسلام. فبعد طرد سنة ١٦٠٩ م، ظلت الذاكرة الجماعية الأندلسية تحن إليه وتكره الكاثوليكية التي أجبروا عليها وكل ما له صلة بها. وهذا الشعور هو الذي دفع أهل قرطبة إلى الدفاع عن مسجدها الأعظم عندما أراد ملك قشتالة هدمه لبناء كنيسة قوطية على أنقاضه. وظهرت كراهية الأندلسيين للكنيسة إبان ثوراتهم الشعبية المتواصلة والحروب الأهلية في القرنين الميلاديين التاسع عشر والعشرين، التي كانوا يطالبون فيها بتحجيم سلطة الكنيسة وتحرير البلاد من هيمنتها، بل ذهب الكثير منهم إلى حرق الأديرة والكنائس وملاحقة الرهبان. بل حتى التراث الصوفي الأندلسي المتظاهر بالنصرانية بعد سقوط غرناطة وإلى اليوم هو تراث إسلامي. فـ "سان خوان دي لا كروس" المتوفَّى سنة ١٥٩١ م في أبدة، والذي أعلن قديسًا من طرف البابا سنة ١٧٢٦ م، و"دكتورًا للكنيسة" سنة ١٩٢٦ م، إنما هو في كل أفكاره وأعماله من أتباع الشيخ ابن عباد صوفي رندة، المولود بها سنة ١٣٧١ م، والذي هو بدوره من أتباع الشيخ المربي أبي الحسن الشاذلي. وكذلك الوضع بالنسبة للصوفية الأندلسيين المسمين بالمتنورين (آلومبرادوس)، فهم في الحقيقة أتباع للطريقة الشاذلية. وبعد سنة ١٩٧٥ م، وحصول إسبانيا على الديموقراطية وفصل سلطة الكنيسة عن الدولة، أظهر الأندلسيون شعورهم الحقيقي بالنفور من الكنائس وهيمنة أية سلطة على ضمائرهم. وقد ظهر في بحث قامت به الكنيسة أن أقل نسب زوار الكنائس من

стр. 264

بين مجموع السكان في إسبانيا توجد في المقاطعات الأندلسية الثمانية، وأقلها على الإطلاق مقاطعة قادس حيث لا تزيد فيها هذه النسبة على الخمسة في المائة من مجموع سكانها. ومن جهة أخرى نفر الأندلسيون المعاصرون من الرهبنة، حتى أصبحت معظم كنائس الأندلس مقفلة أو مفتوحة للسيّاح. ولا يعني هذا أن الأندلسيين المعاصرين لا يؤمنون بالله، بل عكس ذلك، هم شعب يؤمن، لكن تجربته التاريخية أدت إلى ذكرى جماعية لديه جعلته ينفر من الكنيسة ويقترب من الإسلام. ففي العادات الشعبية المعاصرة في منطقة البشرات، تخيف الأم طفلها قائلة له: "سيأتيك رجل السمن"، وذلك لأن الرهبان في القرن السادس عشر الميلادي كانوا يأتون بشحم الخنزير للبيوت، ويجبرون أهلها على أكلها، ويعاقبونهم إذا رفضوا ذلك. ومن مظاهر اعتزاز الأندلسيين المعاصرين بجذورهم الإسلامية ما قامت به بلدية فرجليانة بمنطقة الشرقية (مقاطعة مالقة). فقد أقامت في كل أزقة المدينة وشوارعها رسومًا من الزليج تحتها كتابات بالإسبانية تذكر المقاومة الإسلامية أيام ثورة غرناطة الكبرى. ومثال ذلك هذه الكتابة: "وعم السكوت الرهيب قرية فرجليانة. وظل المرتفع مهجورًا، والأجسام ميتة، وصوت مارتين الوزير (زعيم المقاومة الإسلامية المحلية) يقول: إذا متنا في سبيل الدفاع عن حريتنا ونحن نجاهد، فستستقبل أمنا الأرض ما أنتجته، ومن لم يغطه كفن فلن تبخل عليه السماء بغطاءها. لم يشأ الله أن يقال إن رجال بني طوميز (منطقة فرجليانة) هابوا الموت في سبيل الدفاع عن وطنهم". ومثال ذلك احتفال بعض المدن السنوي بانتصار المسلمين على النصارى كما تفعل بلدة قمارش (بالشرقية كذلك) يوم ٢٥ مارس من كل سنة إلى اليوم، وقد حضر هذا الاحتفال بدعوة من البلدية كاتب هذه السطور سنة ١٩٩٠ م. ومثال ذلك أيضًا الكتب التي تنتجها المدن الكبيرة والصغيرة تبين فيها أصولها الإسلامية، كما فعلت قمارش ومنطقة الشرقية وعذرة والمرية وغيرها من المدن والقرى والمناطق. وأجبر الأ ﷺ إلى تكوين لهجة أندلسية لها سمات خاصة ورثتها عن اللغة العربية. ولمدة

стр. 265

طويلة، كان الأندلسيون مزدوجي اللغة، يتكلمون الأعجمية الأندلسية واللهجة العربية الأندلسية في آن واحد، بينما كانت العربية الفصحى لغة حضارتهم. وقد أثرت الأعجمية الأندلسية في العربية الأندلسية، ثم اندثرت بانتشار اللغة العربية في مملكة غرناطة. وفي القرن السادس عشر، عندما أرغم الأندلسيون على التكلم بالقشتالية، كانت لغتهم الدارجة العربية الأندلسية، وكانت اللغة القشتالية غريبة عنهم، فتأثرت مع الأيام بها. ويظهر هذا التأثير بالنسبة للحروف في نطق الهاء مثلاً، في اللهجة الأندلسية المعاصرة. ودخلت في اللهجة الأندلسية المعاصرة مفردات عربية أكثر مما دخل في اللغة القشتالية الفصحى، مثل "القفيقة" و"البطانة" و"البديل" و"شيشارو"، و"الكافر" و"المجاعة"، الخ ... عدا الـ ٤.٠٠٠ كلمة عربية التي دخلت اللغة القشتالية نفسها كـ "القاضي" و"القائد" و"دار الصناعة" و" الضيعة" و" الفندق "و"البناء" و"السطيحة" و"القنديل "و"المعصرة" و"الجبلي" (أي الخنزير البري)، الخ ... كما دخلت في اللهجة الأندلسية تراكيب نحوية عربية كعبارة "دوينيو دي" بمعنى "صاحب كذا" في عبارة "دينيو دي راثون"، أي "صاحب عقل"، التي جاءت من "ذو" في العربية الأندلسية، الخ ... وأثرت العربية كذلك على معاني الكلمات القشتالية، ككلمة "كمبنيرو" بمعنى "صاحب" في اللهجة الأندلسية، وفعل "ببليكار" بمعنى "نشر" في اللهجة الأندلسية. ويعتقد أن تحريف اللام القشتالية إلى راء أندلسية هو من تأثير الدارجة العربية كنطق "أرما" عوضًا عن "ألما" (الروح) أو "سارتار" عوضًا عن "سالتار" (إخراج)، الخ ... وكذلك نطق "الياء" القشتالية "جيمًا" في الأندلسية كـ"جو" عوضًا عن "يو" (أنا)، وإلغاء الدال في وسط الكلمات كنطق "غرنا" عوضًا عن "غرنادا" (غرناطة) و"ينايرو" عوضًا عن "بناديرو" (خباز)، أو في آخرها كـ "بردا" عوضًا عن "برداد" (حقيقة)، إلى آخر التأثيرات التي درستها الكتب المختصة. ويمكن تلخيص التأثير العربي على اللهجة الأندلسية المعاصرة بما قاله أحد الأندلسيين المعاصرين عندما تكلم عن فرض اللغة القشتالية على الأمة الأندلسية: "كان ذلك كما لو أجبرنا على لبس حذاء غير متناسب مع قدمنا، وفوق ذلك كان صغيرًا عليها، مما ضيق علينا جدًّا. فتحول مع الأيام وتبدل إلى أن وصلنا من نظام تفاهم مفروض وعدم ملائم إلى نظام يتناسب أكثر مع خصاصيتنا".

стр. 266

وبرز الأندلسيون المعاصرون في نفس المهن التي برز فيها قبلهم أجدادهم المورسكيون. فالنجارة، مثلاً، كانت مجزأة عند الأندلسيين في العصر الإسلامي إلى ست حرف: النجارة الفنية، والنجارة الخارجية، والنجارة المتواضعة كإصلاح النواعير والطواحين، وما إلى ذلك. وبقي نفس الترتيب في الأندلس إبان القرن السابع عشر كما دل على ذلك كتاب "مختصر نجارة العارفين" الذي نشر سنة ١٦٣٣ م وهو كتاب تعليمي للنجارة على الطريقة المتبعة أيام الدولة النصرية، وأعيد طبع الكتاب مرة ثانية سنة ١٧٢٧ م، ومرة ثالثة سنة ١٨٦٧ م. وقال الناشر في مقدمة هذا الكتاب إن فنون النجارة الموضحة فيه كانت منتشرة في غرناطة وسرقسطة إلى أواخر القرن الثامن عشر. فمن جعل هذا التراث حيًّا سوى أبناء المورسكيين وأحفادهم الذين مكثوا في الأندلس؟ وبقي طابع اللباس والصناعات المتصلة به إسلاميًّا في غرناطة وجبال البشرات إلى آخر القرن التاسع عشر. وبقيت صناعة الحرير حيّة في يد عائلات من أصول إسلامية رغم تأثرها السلبي الشديد بطرد سنة ١٦٠٩ م. وبقيت صناعة الخزف التي كانت ببلدة فج اللوزة (مقاطعة غرناطة) أيام الدولة الأندلسية إلى ما هي عليه إلى اليوم. والأمثلة على ذلك كثيرة في مناطق أخرى من الأندلس. وكانت الزراعة في الأندلس نتيجة عبقرية المسلمين الأندلسيين في خدمة الأرض وتجميلها، فاشتهروا ببراعتهم في إنشاء الحدائق وتزيينها، وزراعة أشجار الفواكه، فاشتهر وادي آش إلى اليوم بالتفاح (التفاح الجلياني)، ومالقة بالتين، وشرف إشبيلية بالزيتون، الخ ... ويتهم الغرب الأندلسيين اليوم بما يتهم به جميع الشعوب الإسلامية من التواكل والكسل وحب اللهو، والتمادي في الخيال وحب الشعر. ويُنعت الأندلسيون إلى اليوم خارج منطقتهم في إسبانيا بكلمة "مورو" (مسلم)، وهذا يدل على أن صورة الأندلس في نظر باقي إسبانيا لا زالت إسلامية. وهكذا يراهم السياح الأوروبيون، كالفرنسي فيلار الذي زار إسبانيا بين سنتي ١٦٧٩ م و ١٦٨١ م، فقال عندما حضر في مباراة لعب الفرسان بالثيران: "وهذه اللعبة من بقايا المسلمين الذين لم تطرد بطردهم من إسبانيا أفكارهم ولا طرق تعاملهم نهائيًّا". وطريقة توزيع ملكية الأرض في الأندلس المعاصرة هي أكبر شاهد لاستمرارية الأمة الأندلسية عبر محنتها. فبعد سقوط مدن الأندلس ومقاطعاتها المختلفة، صودرت

стр. 267

أراضي الأهالي ووزعت على طبقتين من المستفيدين: الكنيسة والنبلاء، وكلاهما من الشمال النصراني. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وزعت أراضي شاسعة على أجانب فرنسيين وإنكليز. فأصبحت أرض الأندلس في يد عدد صغير من الملاك الأجانب عن الأندلس، بينما ظلت الجماهير الأندلسية، المنحدرة من أصول إسلامية، تعمل دون أرض، وتعيش مآسي الاستغلال والحرمان. ففي أوائل القرن العشرين، كان واحد في المائة من أصحاب الأرض في الأندلس يملكون ٤٢ في المائة منها. وفي شريش، يملك ثلاثة في المائة من أصحاب الأرض ٦٧ في المائة منها. وتتوزع ٤٥ إلى ٨١ في المائة من المزارع الغنية بمناطق إشبيلية وأطريرة وأستجة وقرمونة على الملاك الغرباء. وأدى هذا الوضع إلى مشكلة أخرى، وهو أن الملاك، الكنيسة والنبلاء، الذين يملكون أراضي الأندلس ومزارعها ومناجمها، لا تربطهم بها رابطة، فينقلون ما يستثمرونه من أرضها إلى مناطق أخرى في إسبانيا لبناء المصانع واستثمار الأموال. لذا نرى حتى اليوم أن اقتصاد منطقة الأندلس اقتصادًا استعماريًّا، تصدر فيه الأندلس المواد الأولية المعدنية والزراعية إلى باقي إسبانيا، ثم تعود إلى شرائها منها مصنوعة بأغلى الأثمان. فتصدِّر بذلك عمل أبنائها، الذين يضطرون إلى الهجرة إلى قطلونية وأوسكادي ومجريط للعمل في أحطِّ المِهَن، لدرجة أصبح يكوِّن فيها الأندلسيون اليوم النصف الأكثر فقرًا من سكان قطلونية، ونسبة كبيرة من سكان أوسكادي ومجريط، وأصبح عدد الأندلسيين في إسبانيا، خارج الأندلس يساوي عددهم في الأندلس (سبعة ملايين). كما اضطر عدد كبير من الأندلسيين إلى الهجرة إلى غرب أوروبا، يشاركون إخوانهم المغاربة مرارة الغربة وصعوبة العيش، وكذلك العنصرية والاضطهاد. وأصبحت من أهم أنشطة الأندلس السياحة الجماعية التي غيرت شكل سواحلها وثقافة أبنائها، والصناعة الملوثة التي نشرت الخراب والمرض في كثير من مناطقها كمنطقة ولبة. رأينا إذن أن جميع المعالم الجغرافية والإثنية واللغوية والحضارية والأخلاقية والاقتصادية المعاصرة للشعب الأندلسي كلها ذات جذور إسلامية، فمتى شعر الأندلسيون المعاصرون بهوية خاصة بسببها؟ ٨/ ٣ - انبعاث الهوية الأندلسية (١٨٠٨ - ١٨٧٣ م): ظل الشعور بالانتماء الأندلسي دفينًا في نفوس أهل الأندلس دون تعبير واضح إلى أن غزت، سنة ١٨٠٨ م، جيوش نابليون الفرنسية إسبانيا، بما فيها الأندلس،

стр. 268

وعاثت فيها فسادًا، فانهارت أمامها مقاومة الملك والنبلاء والحكومة والدولة في مجريط، وتركوا البلاد لمصيرها. فقامت الشعوب الإسبانية تدافع عن نفسها، كل شعب من جهته يعود في نضاله إلى أصالته. وثار أهل الأندلس ضد الغزو الفرنسي كأندلسيين. وفي ١٤/ ٧ / ١٨٠٨ م، استسلمت لهم البحرية الفرنسية في قادس. وفي ١٩/ ٧ / ١٨٠٨ م، كسبت المقاومة الأندلسية معركة مصيرية في بايلن (مقاطعة جيان) ضد الجيش الفرنسي. وفي ١٧/ ١٢ / ١٨٠٨ م، تكونت حكومة سرية في إشبيلية تحت اسم "المجلس الأعلى المركزي" اعترفت بها كل قوى المقاومة في البلاد كممثل عنها. وبعد سنتين من المقاومة المتواصلة، عمت المجاعة مقاطعات الأندلس. واستطاعت مدينة قادس تحرير نفسها رغم الحصار الذي فرضه الفرنسيون عليها ورغم غاراتهم البحرية والبرية المتواصلة. وصمد سكان قادس بمساعدة إنكلترا، فخططوا مع المقاومين الأندلسيين الآخرين لبناء إسبانيا جديدة بعد خروج الفرنسيين، وذلك بكتابة دستور جديد للبلاد، عرف فيما بعد بدستور قادس، أعلن في ١٩/ ٣ / ١٨١٢ م. جعل هذا الدستور إسبانيا مملكة دستورية، وحدّ من سلطات الملك والكنيسة، وقرر الديموقراطية في المعاملة بين الأفراد والجماعات والشعوب الإسبانية، واعترف، لأول مرة، بالأندلسيين كإحدى الشعوب الإسبانية ذات الشخصية المميزة. ظل دستور قادس مطلب الحركات التصحيحية في إسبانيا طوال القرن التاسع عشر. وفي سبتمبر سنة ١٨١٢ م، اضطر الفرنسيون إلى الرحيل تاركين وراءهم الفقر والخراب. لكن الملك فراندو السابع سرق ثورة الأهالي بعد رجوعه، وخيب آمالهم، فألغى دستور قادس الذي لم ير نور التطبيق قط، وعاد إلى النظام المركزي والاستبدادي البالي من تحكم الكنيسة وقشتالة في البلاد بأكملها. وفي ١/ ١ / ١٨٢٠ م، اندلعت الثورة من "لاس كبساس دي سان خوان" (مقاطعة إشبيلية) بقيادة رفائيل دل رييغو، طالب الثوار فها بالعودة إلى دستور قادس. فانضمت إليهم القوات العسكرية في إشبيلية وقادس وشريش وباقي الأندلس. ثم انضمت إلى الأندلس مناطق إسبانيا الأخرى. وفي ٧/ ٣ / ١٨٢٠ م، اضطر الملك فراندو السابع ومجلس الكورتس إلى قبول دستور قادس على مضض. وفي سنة ١٨٢١ م، حاول خوزي مورينو كيرا إعلان جمهورية قادس، وتحويل الأندلس إلى جمهورية مستقلة.

стр. 269

ولم يكن فراندو السابع مخلصًا في قبوله لدستور قادس، فاستغاث بالكنيسة وبالفرنسيين فاتحدا وكونا قوة غزت إسبانيا من بلدة "بايون" تحت صرخات: "عاش الملك المستبد عاش الدين (يعني الكاثوليكي) عاشت محاكم التفتيش". واجتمع جيش من اليمينيين قوامه أربعون ألف رجل استطاع أن يطرد مساندي دستور قادس والقبض على رييغو، قائد الثورة. وفي ٣/ ١٠ / ١٨٢٣ م، أصدر الملك أمرًا بالعودة إلى ما قبل ٧/ ٣ / ١٨٢٠ م، وألغى بذلك دستور قادس. فثار الأهالي في إشبيلية وغيرها من المدن الأندلسية، وهجموا على محكمة التفتيش وحطموا آلات التعذيب بها. وفي ٢٨/ ٢ / ١٨٣١ م، قام الجنرال طريخوس بحركة عسكرية للمطالبة بدستور قادس، فأنزل قواتًا بحرية قرب الجزيرة الخضراء. لكنه اضطر إلى الالتجاء إلى جبل طارق حيث اتصل به حاكم مالقة العسكري، ووعده بالمساندة شرط قدومه إلى مالقة. فصدقه طريخوس وأبحر في خمسين من مسانديه قرب ميناء سهيل. ولكن حاكم مالقة غدر به عند اقترابه منها، فقبض عليه وأعدمه. وتتابعت محاولات العودة إلى دستور قادس كالإنزال البحري الذي قام به الجنرال مانزنارس على شواطىء قادس، وثورة استانسلو فرناندس وأهل بلدة لوس باريوس (مقاطعة قادس). وثورة أهل قادس ضد حاكمها العسكري وإعدامهم له، وغيرها من ثورات الأفراد والجماعات، كمريانة دي بنيدا التي أعدمت لرفعها للعلم الأخضر، الذي يمثل الأندلس الإسلامية، والذي أصبح شعارًا للأندلسيين. تابعت وصية إيسابيلا الثانية سياسة زوجها، وعينت سيا برمودس وزيرًا لها. فثارت عليه الأندلس وطالبت بطرده وإجراء إصلاحات سياسية. فأقصته الوصية وأحلت محله مرتينز دي لا روزا الذي لم يرض هو الآخر المطالبين بالإصلاح، فخلفه الكوندي دي تورينو دون أي تغيير في السياسة. وفي مارس سنة ١٨٣٥ م، انطلقت الثورة من مالقة، فتكوّنت قوة شعبية طردت ممثلي الحكومة، وانتخبت مجلسًا ثوريًّا لإدارة مقاطعة مالقة حسب دستور قادس، ومطالبة الحكومة المركزية بتطبيقه كذلك. وتبعت المدن الأندلسية الأخرى مثال مالقة، المدينة تلو الأخرى: إشبيلية (مقاطعة إشبيلية)، وقادس والجزيرة الخضراء وشنت رخ وميناء شنتمرية وشريش وشلوقة (مقاطعة قادس)، ورندة وأندوجر (مقاطعة مالقة)، وجيان (مقاطعة جيان)، والمرية (مقاطعة المرية)، وقرطبة (مقاطعة قرطبة)، وغرناطة

стр. 270

(مقاطعة غرناطة). وهكذا ثارت معظم مقاطعات الأندلس ضد الحكومة المركزية في مجريط. ولم يصل شهر غشت عام ١٨٣٥ م، حتى عمت ثورة الأندلس جميع مناطق إسبانيا الأخرى، عدا قشتالة القديمة التي بقيت موالية للحكومة، فتكونت فيها مجالس ثورية محلية. ثم اتحدت المجالس الثورية المختلفة في الأندلس، وكونت جيشًا شعبيًّا أندلسيًّا بقيادة بيلاباديرنا لإزاحة الحكومة المركزية في مجريط بالقوة. فأرسلت الحكومة لملاقاته، ومنعه من الوصول إلى العاصمة، جيشًا بقيادة الجنرال لاستر. والتقى الطرفان في وادي دسبينيا بروس (مرمى الكلاب)، على حدود الأندلس مع قشتالة الجديدة. وسمي هذا الوادي بهذا الاسم أيام اضطهاد المسلمين حيث كان النصارى يرمون جثثهم في هذا الوادي. فانضم عدد كبير من جنود الحكومة إلى الجيش الأندلسي، مما ساعده على إلحاق هزيمة ساحقة بجيش الحكومة. فرجع الجنرال لاستر إلى مجريط في ثلة من أتباعه، وقرر الجيش الأندلسي عدم ملاحقته. وأدى انهزام الحكومة إلى إحلال منذيزابال محل دي تورينو في رئاسة الحكومة في سبتمبر سنة ١٨٣٥ م، وكان رجلاً تقدميًّا، له حنكة سياسية كبيرة وسمعة طيبة، وكان قد قضى على الثورة الكارلية سنة ١٨٣٣ م. فنجح في إقناع المجالس الثورية قبول تعيين الحكومة لها. كما قرر إلغاء أفضلية الابن الأكبر في الوراثة، ومصادرة أراضي الكنيسة وذلك لإرضاء الطبقة البورجوازية الصاعدة التي كانت عمود الثورة الفقري. وفي ٢/ ٩ / ١٨٣٥ م، رفضت المدن الأندلسية أن ترضخ لمطالب منديزابال، بل توحدت عبر "مجلس أعلى للثورة" مقره بلدة أندوجر (مقاطعة جيان) يمثل جميع الأندلس عبر ممثلين من جميع مقاطعاتها. وانتخب المجلس الكوندي دي دوناديو، ممثل مدينة جيان، رئيسًا له، وأرسل إنذارًا للحكومة في مجريط يعبر فيه عن رغبة الأندلسيين في حكم ديموقراطي على أساس دستور أندوجر وجعل الحكومة مسؤولة أمام الإرادة الشعبية. ثم كون المجلس جيشًا أندلسيًّا للدفاع عن الأندلس. لكن منديزابال نجح ببراعته السياسية في إقناع المدن الأندلسية الواحدة تلو الأخرى بالرجوع للحكومة. وفي ١٩/ ١٠ / ١٨٣٥ م، اضطر مجلس الثورة الأعلى الأندلسي في أندوجر أن يحل نفسه.

стр. 271

كانت أحداث سنة ١٨٣٥ م مهمة في تكوين القومية الأندلسية المعاصرة، إذ تحركت فيها الأندلس لأول مرة منذ ثورات المورسكيين كأمة واحدة أمام الحكم المركزي في مجريط، وكانت الثورات قبل ذلك إسبانية في الأندلس وليست أندلسية. وخير تقدير لأهمية ثورة ١٨٣٥ م ما قاله بلاس انفانتي، مؤسّس القومية الأندلسية المعاصرة، إذ قال: "لقد أعطت الأندلس سنة ١٨٣٥ م برهانًا واضحًا عن وجود شعور وحدة مصيرية في منطقتها، تنبض فيه رغبتها في المساهمة، كوحدة تشعر بنفسها، في سيادة الدولة المركزية. وقد كونت الولايات الأندلسية الموحدة أكبر وأقوى مقاومة لمنديزابال، وأنشأت أمام القوى المركزية قوة جهوية فاعلة، لها جيشها الخاص، تعاملت ندًّا لند مع كرستينا (الوصية على العرش). وأعلنت أسس الحكم الشعبي، وتصرفت بشرف وأخلاق". ودرس أكوستا سانشس دستور أندوجر لسنة ١٨٣٥ م، فوجده "أكثر الأنظمة أصالة للتفكير الكنفدرالي". تكون مجلس الثورة الأعلى في أندوجر من ممثلين عن كل واحدة من المقاطعات الأندلسية الثمانية، وأعطى الدستور لكل مقاطعة حكمها الذاتي. فأساس دستور أندوجر هو تمثيل المدن الأندلسية المشترك أمام العالم الخارجي دون التدخل في شؤونها الداخلية. لذا كان لكل مجلس ثوري محلي شعور كامل بسيادته المحلية، وبانتمائه في نفس الوقت للأندلس في وحدة متكاملة. وقال أكوستا: فقد كان مجلس أندوجر الأعلى "أول بداية حكومة أندلسية، بل الوحيدة، في القرون الأخيرة". وبعد ثورة عام ١٨٣٥ م، رجعت إسبانيا إلى فسادها الأول: سيطرة الكنيسة عبر رهبان متعصبين وجهلة، وفساد الإدارة، وانتشار الرشوة. وأخذت الحكومة تحشد الفقراء في جيشها لقتلهم في حروب خاسرة، وتتخذ قرارات بإصلاح زراعي لا يستفيد منه إلا الأغنياء. وظلت الأندلس أفقر مناطق إسبانيا، يرزح مزارعوها تحت تجاوزات النبلاء الشماليين الذين يملكون الأرض، أو من مآسي البطالة حيث كانت الحكومة تفضل تنمية قطلونية كمركز لصناعات النسيج، وأوسكادي للصناعات الثقيلة. وإذا كان تأسيس "مجلس أعلى للثورة" الأندلسية سنة ١٨٣٥ م تعبيرًا عن انبعاث الهوية الأندلسية في المدن، فقد بقي الفلاح الأندلسي جاهلاً، جائعًا، غير قادر على التعبير عن آرائه. وفي ٣٠/ ٦ / ١٨٥٧ م، توجه عدد من الفلاحين الأندلسيين بقيادة مانويل كارو، إلى بلدتي الرحى وأطريرة (مقاطعة إشبيلية) يطالبون بأرض أجدادهم. فاحتلوا

стр. 272

البلدتين، وأحرقوا سجلاتهما العقارية. فلاحقهم الجيش إلى جبال بني عوجان (مقاطعة مالقة)، وقتل منهم ٢٥ فلاحًا، وسجن الباقين. وفي ١٢/ ٧ / ١٨٥٧ م، أعدم الجيش منهم ٢٥ فلاحًا آخرين. وأدى هذا الحدث الدامي إلى تغير في موقف الفلاح الأندلسي الذي أخذ يتغلب على عقدة الخوف المسيطرة عليه، ويطالب بحقوقه المهضومة. وفي أواخر سنة ١٨٦١ م، اشتعلت اضطرابات جديدة بين فلاحي الأندلس، ابتدأت في ملينة (مقاطعة مالقة) حيث جمع رفائيل بيريز دل ألامو، وهو من مواليد بلدة أركش (مقاطعة قادس) يعمل بيطريًّا في بلدة لوشة (مقاطعة غرناطة)، عددًا من الفلاحين، واحتلوا بلدة حصن آشر (مقاطعة غرناطة) حيث انضم إليهم أهلها، ثم لوشة. فانضم إليهم عدد من فلاحي الحامة وحصن آشر وأنتقيرة وما جاورها من مقاطعتي غرناطة ومالقة. فأرسل بيريز منشورًا إلى الحكومة يقول فيه: "لتعرفوا أن هدفنا هو الدفاع عن حقوق الإنسان واحترام أرضه وسكنه وأفكاره". ونظم بيريز حكومة شعبية، مقرها لوشة، وجيشًا مكونًا من ١٠.٠٠٠ فلاح أندلسي للدفاع عنها. فلاحقه جيش الحكومة من لوشة إلى الحامة، حيث اضطر إلى الاستسلام خوفًا على الأهالي. وفي سنة ١٩١١ م، توفي بيريز فقيرًا منسيًّا في أركش، جاهلاً دوره الأساسي في تقوية الهوية الأندلسية لدى الفلاحين. وفي سنة ١٨٥٧ م، أسس في إشبيلية فرانسسكو مارية دي توبينو، وهو أندلسي من قادس، جريدة "الأندلس"، وهي "جريدة السياسة والتجارة والزراعة والمعادن والفنون والآداب والخطوط الحديدية والأهداف الاتحادية" كما وصفت نفسها. ثم تابعت الجريدة بقيادة خوان، أخي مؤسسها، نشاطها في نشر التوعية الأندلسية إلى سنة ١٨٩٩ م. وفي سنة ١٨٦٩ م، ظهرت جريدة "الفدرالية الأندلسية" في قادس، ثم جريدة "الدولة الأندلسية". وفي ١٨/ ٩ / ١٨٦٨ م، أعلنت البحرية الثورة في قادس (الأندلس) ضد إيسابيلا الثانية، بقيادة الجنرال بريم. فانضمت إليها إشبيلية ثم المدن الأندلسية الأخرى: قرطبة ومالقة وغرناطة وولبة وأنتقيرة وطريف وقرمونة وغيرها، وكونت مجلسًا للثورة. وفي ٢١/ ٩ / ١٨٦٨ م، أرسلت الحكومة الجيش للقضاء على الثورة، فالتقى مع جيش الثوار الأندلسيين أمام القليعة، قرب قرطبة، فانهزم جيش الحكومة. وفي ٣٠/ ٩ /

стр. 273

١٨٦٨ م، توصل مجلس الثورة ببرقية من مجريط تقول "ذهبت دونيا إيسابيلا دي بوربون (الملكة) وكل عائلتها إلى فرنسا"، وبهذا انتصرت الثورة. ولم يرضَ الجمهوريون عن انتخاب الجنرال سرانو رئيسًا للثورة. وفي ٣/ ١٢ / ١٩٦٨ م، اجتمع عدد منهم في البيارة (مقاطعة قرطبة) لنشر أفكارهم، وهي المطالبة بتأسيس جمهورية اتحادية في إسبانيا تعترف بالحكم الذاتي للأندلس، وإلغاء الدين الكاثوليكي كدين الدولة الرسمي، فمنعتهم السلطات بالقوة مما أدى إلى قتل اثنين منهم. وفي ٤/ ١٢ / ١٨٦٨ م، تمرد عمال ميناء شنتمرية (مقاطعة قادس)، فقضى الجيش عليهم في مذبحة كبيرة، هرب بعدها الناجون منها إلى الجبال لمتابعة المقاومة. وفي ٦/ ١٢ / ١٨٦٨ م، ثار أهل قادس وضواحيها، برئاسة فرمين سالبوشيا، واحتلوا المدينة، ثم انتشر التمرد إلى مالقة وغرناطة وإشبيلية وشريش. فكونت الحكومة جيشًا خاصًّا لمقاومة التمرد في الأندلس، نجح في مهمته بعد قتل أكثر من ثلاثة آلاف أندلسي. وفي ١/ ١ / ١٨٦٩ م، ثارت مالقة فاحتلتها الحكومة في اليوم التالي. وفي ٣/ ١ / ١٨٦٩ م، لحقتها شريش وإشبيلية. وكان لهذه الأحداث دور كبير في تركيز الهوية الأندلسية بين جميع أهل الأندلس، إذ اجتمع فيها، لأول مرة، أهل المدن وأهل البادية لمطالب أندلسية واحدة. وأصبحت ذكرى ٤ ديسمبر يومًا للأندلس يحييه سنويًّا الوطنيون الأندلسيون، بما فيهم المسلمون. وفي ١٨/ ٥ / ١٨٦٩ م، وقع ممثلون عن أراغون وقطلونية وبلنسية والجزر الشرقية "حلف طرطوشة الاتحادي" الذي تبنى أفكار بلانتين آلميرال في إنشاء جمهورية إسبانية كنفدرالية، أو فدرالية، تدخل فيها "الدول" المذكورة أعلاه كوحدات ذات سيادة. وفي ١٢/ ٦ / ١٨٦٩ م، تبعت الأندلس مثال قطلونية باجتماع ممثليها مع ممثلي مرسية واسترمادورا وتوقيع "حلف قرطبة الاتحادي"، الذي انضمت إليه فيما بعد الجزر الخالدات، مساندين أفكار بي اي مارغال الجمهورية الاتحادية. وتابعت حكومة الجمهورية، التي أعلنت سنة ١٨٧٣ م، نفس السياسة المركزية. فثارت المدن الأندلسية مرة أخرى، وكونت كنتونات في مالقة وإشبيلية وقادس وقرطبة وغرناطة. وفي ٢١/ ٧ / ١٨٧٣ م، نشرت هذه الكنتونات منشورًا من دسبنيا بروس أعلنت فيه عدم ثقتها بحكومة مجريط، ونعتتها بأنها أكثر مركزية من سابقاتها، وطالبت "بالتأسيس الفوري للولايات الكنفدرالية". وانتهى المنشور قائلاً:

стр. 274

"تقع فوق دسبنيا بروس قلعة الحرية التاريخية التي لا تقهر. قد زرعنا البارحة علم الدولة الأندلسية المستقلة، وأسسنا كنتونات الدولة الأندلسية". فتنازل بي إي مارغال عن رئاسة حكومة الجمهورية التي سيطر عليها اليمينيون المركزيون برئاسة سلمرون الذي أرسل الجيش ضد الأندلس، وقضى على السيادة الأندلسية لإعادة المركزية إلى إسبانيا. بعد ٣/ ١ / ١٨٧٤ م، ورجوع الملكية، أصبحت الحركات الجمهورية والاتحادية سرية من جديد، وساد الجوع والفقر في الأندلس، فتنظم الفلاحون الجائعون في منظمات إرهابية، كاليد السوداء وغيرها، زرعت الرعب في البلاد لمدة سنتين. وفي ٢٠/ ٥ / ١٨٧٤ م، التقى ممثلون عن أربعين مقاطعة إسبانية، بما فيها الأندلسية، في جمع عام تأسيسي لـ "الحزب الجمهوري الاتحادي". وفي ٣١/ ٥ / ١٨٨٣ م، عقد هذا الحزب اجتماعه العام الثاني في سرقسطة، حضره ممثلون عن ٤٤ مقاطعة إسبانية، منها خمسة من المقاطعات الأندلسية الثمانية، وانتخبوا القطلاني بي إي مارغال رئيسًا للحزب، واتفقوا على الشكل الذي يريدونه للدولة الإسبانية. وفي ٢٧/ ١٢ / ١٨٨٣ م، اجتمع الجمهوريون الاتحاديون الأندلسيون في مدينة أنتقيرة (مقاطعة مالقة)، وانتخبوا لرئاستهم أنطونيو أزواغا، واتفقوا على مشروع "دستور أنتقيرة" الذي خطط لإنشاء دولة أندلسية اتحادية، ديموقراطية تمثيلية، مستقلة ذات سيادة، تضمن فيها الحريات الشخصية بتنسيق مع الحريات الجماعية، تفصل فيها السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية، تكون عضوًا في كفندرالية إيبيرية. وأصبح "دستور أنتقيرة" أساس المشاريع الاتحادية التي اقترحها المفكرون الأندلسيون فيما بعد. ٨/ ٤ - بروز الحركة الأندلسية ودور بلاس إنفانتي: تتلخص أهم سمات الحركة الأندلسية في القرن التاسع عشر في الانتماء إلى منطقة واحدة (الأندلس)، وأمة واحدة (الأندلسية)، والمطالبة بحقوقها، والوقوف في وجه تجاوزات الدولة المركزية، والكنيسة الكاثوليكية، والإقطاع الزراعي. ولم يدرس أحد من المفكرين الأندلسيين حينذاك مقومات الأمة الأندلسية الخاصة بها. فهل الأندلسيون يرتبطون فقط بمصالح خاصة متصلة بمنطقتهم؟ أم هم قومية تختلف

стр. 275

عن كل القوميات الأخرى بخاصيات مميزة؟ وإن كان كذلك فما هي هذه الخاصيات؟ الأندلسي الذي أجاب على هذه الأسئلة لأول مرة بما هو مقبول عند معظم الأندلسيين هو بلاس إنفانتي بيريز الذي يعده جميع الأندلسيين، بما فيهم المسلمون، أبا قوميتهم ومفكر انبعاثهم المعاصر. ولد بلاس إنفانتي في بلدة قشريش (مقاطعة مالقة) في ٥/ ٧ / ١٨٨٥ م، أمه خنيزة بيريز رومو، وهي امرأة قوية ودينة، سليلة عائلة تزعمت الحركات الثورية في بلدة قشريش منذ حركتي طاهر الحر وتريخوس ومن تبعهما ممن حاولوا الدفاع عن الأندلس، فهي ابنة اغناسيو بريز دي بركاش إي سلاس، رجل ثقافة وقانون، ومارية رومو بيرا. أما والد بلاس إنفانتي فهو لويس إنفانتي أندرادس، رجل مستقيم يعيش من أملاكه الزراعية، وهو ابن بلاس إنفانتي كلورادو وأنطونيا أندرادس لويس. وبعد سنتين، ولد شقيقه ايغناسيو الذي أصبح فيما بعد قاضيًا ببلدة قزلون (مقاطعة جيان). درس بلاس دراسته الابتدائية في قشريش، وتربى في بيت والده على المبادىء العليا والاستقامة. وفي سنة ١٨٩٦ م، دخل مدرسة "خسوس نزارينو" (اليسوع الناصري) الداخلية، التابعة للرهبان "الاسكلابيين" بمدينة أرشذونة (مقاطعة مالقة). وفي يونيو سنة ١٨٩٧ م، تقدم لدخول "معهد المقاطعة للدراسة الثانوية" بقبرة (مقاطعة قرطبة) كمسجل حر. فتخرج منه سنة ١٩٠٠ م، بشهادة "الباشلراتو" للدراسة الثانوية. وكان بلاس إنفانتي يعلم الفلاحين الأندلسيين الكتابة والقراءة في عطله، فتعلم الكثير عن مشاكلهم وحياتهم الاجتماعية. وبعد تخرجه، رجع بلاس إنفانتي إلى قشريش حيث عمل مساعدًا لأبيه الذي التحق بأمانة محكمة قشريش بعد أن فشلت أعماله الزراعية. فتكلف جده لأمه بتوجيهه لمتابعة دراسة القضاء، فالتحق بقسم الحقوق من كلية الفلسفة والآداب بجامعة غرناطة، وتخرج منه بامتياز في أكتوبر سنة ١٩٠٦ م. فتعرف بلاس إنفانتي إبان مقامه في غرناطة، على التراث الإسلامي الأندلسي، فزار المدرسة الشرعية التي بناها بنو الأحمر قرب مسجدها الأعظم الذي بنيت على أنقاضه كتدرائية المدينة. فدخل الإسلام أعماق الشاب الأندلسي الذي رأى ما رآه فراندو باسكس أوكانيا: "من ابن طفيل وابن رشد وابن زهر وابن عربي الذي قلده

стр. 276

دانتي، ومن ابن شهيد، كاتب الرسالة التي قص فيها سياحة شاعر عبر الجنة، وابن حزم الذي ترك لنا طوق الحمامة، أو كتاب الحب، إلى الوزير الغرناطي ابن زمرك الذي بقيت قصائده مسجلة على جدران الحمراء". ففتحت أزقة غرناطة وأهلها وأرواح شهدائها عيني بلاس إنفانتي على عظمة الإسلام وحضارته الأندلسية، وأخذ شعوره الفطري بالهوية الأندلسية يأخذ شكل شعور الهوية الإسلامية الأندلسية. رجع بلاس إنفانتي بعد تخرجه من جامعة غرناطة إلى قشريش حيث هيأ نفسه لمباراة العدالة. فسافر إلى غرناطة وإشبيلية وقرطبة ومجريط لتهيىء امتحاناته. فاجتمع في تلك المدن بزعماء الحركة الأندلسية، وتعرف فيها على مزيد من التراث الإسلامي الأندلسي. وأصبح يفكر في أن الهوية الأندلسية ليست هوية عرق أو دم ولكن هوية "وجود" و"معرفة" وآمن بوحدانية الله الواحد الذي هو إله أهل الجمعة والسبت والأحد. دخلت الأندلس السنوات الأولى من القرن العشرين وهي في حركة مصيرية من اكتشاف النفس. ففي سنة ١٩٠٥ م، صدر كتابان، أحدهما "مأساة الأندلس" لآثورين، والثاني "هذه الشمس الأم الطاغية" لخوزي أندرس باسكس، يصفان مآسي المجاعة والبطالة في المقاطعات الأندلسية، خاصة إشبيلية وقادس وولبة، وعدم مبالاة الحكومة المركزية بتخفيفها، ولا الأحزاب الوطنية الكبرى، اليمين منها واليسار. وفي سنة ١٩٠٧ م، زار بلاس إنفانتي إشبيلية، فوجد فيها نشاطًا فكريًّا كبيرًا: جمعيات شباب لدراسة تاريخ الأندلس، و"ألعاب وردية" تلقى فيها الخطب الحماسية الأندلسية، وجو ثقافي وسياسي حي يشارك فيه المحامون والأطباء والكتاب والفنانون. ولم يتمكن بلاس إنفانتي من الحصول على عمل ككاتب عدل رغم تفوقه، حيث كان سنه أقل من ٢٥ سنة، سن العمل القانوني. وفي سنة ١٩٠٩ م، تحولت "الألعاب الوردية" في "أتينيو" إشبيلية إلى احتفال قومي أندلسي، خطب فيه ماريو ماندس بخارانو خطبة حماسية مؤثرة عن الشخصية الأندلسية كان لها تأثير عميق في البلاد، فتدارسته الجرائد والجمعيات الثقافية. وكان تجاوب المفكرين مع ذلك الخطاب برهانًا على أن الأمة الأندلسية لا زالت حية. وفي شهري سبتمبر وأكتوبر سنة ١٩١٢ م، نشرت جريدة "اللبيرال" (المحرر) اليومية الإشبيلية سلسلة مقالات عن "ضرورة إنشاء كيان سياسي جهوي في الأندلس" عناوينها: "ماذا تفكر الأندلس؟ "، "من أجل مجلس أندلسي"، الخ ...

стр. 277

وفي سنة ١٩١٠ م، عين بلاس إنفانتي عدلاً في بلدة قطنيانة (مقاطعة إشبيلية)، وسكن في إشبيلية القريبة منها صحبة شقيقه إغناسيو الذي كان يهيىء مباراة العدالة. وابتدأ بلاس إنفانتي ينتقل بين قطنيانة وإشبيلية حيث يحضر المحاضرات، ويداوم على ريادة أتينيو إشبيلية مشاركًا في نشاطه الثقافي الأندلسي. وتعرف في قطنيانة على مهندسين زراعيين كان لهما تأثير عميق في تفكيره لا يقل عن تأثير الفلاح الأندلسي الذي عاش معه بلاس إنفانتي ورأى فقره وعذابه تحت الظلم والطغيان. فالأول، أنطونيو ألبندين أورخون، أصله من رندة، كانت له مجلة اسمها "الأمبوستو أونيكو" (الضريبة الوحيدة) نشر فيها أفكار الأمريكي هانري جورج حول "الاقتصاد الطبيعي" وطبقها لأول مرة على الأندلس ليبرهن على أنها منطقة اقتصادية طبيعية. والثاني، خوان سانشز ميخيا. ثم شارك بلاس إنفانتي في "المؤتمر الدولي الأول للاقتصاديين الفيزوقراطيين" الذي انعقد في رندة بتاريخ ٢٦ - ٢٨/ ٥ / ١٩١٣ م حيث التقى ببشكوال قريون، أحد المختصين في مشاكل الأرض والإصلاح الزراعي الأندلسي الذي أصبح فيما بعد زميل إنفانتي في كفاحه. ألقى إنفانتي في المؤتمر أول خطبة سياسية اجتماعية له عن الأندلس، افتتحها بتحية أندلسية، ثم قال بصوت المحتج: "إن أغنى أرض في إسبانيا مقفلة عن العمل. فالثيران الهمجية (يعني نبلاء الشمال) تسمن، والأراضي تمنع من أبنائها الذين يجبرون على الهجرة، والاحتكار ينمو ويترعرع بهمجية، ويصعب التعريف بهذا الوضع أمام أنانية السادة وعدم مبالاة العبيد". ثم قال: "وقد جاءت الساعة لكي يتحرر الإنسان من سيطرة الإنسان". وانتهى مؤتمر رندة بتأسيس "الرابطة الأندلسية الجورجية" التي ساهم أعضاؤها، كشيكو كانكا والبارس أزوريو وليسوس أورتيقا، مساهمة فعالة في الحركة الأندلسية في بداية القرن العشرين الميلادي. وفي سنة ١٩١٣ م كذلك، شارك خوزي ماري اسكيردو في "أتينيو" مجريط في إحدى الاجتماعات السياسية حول اللامركزية، وألقى فيه خطابًا تاريخيًّا طالب فيه بنظرية متكاملة للقومية الأندلسية، كما طالب أن تكون الأندلس منطقة حرة على المستوى الذي تستحقه من كونها وارث المملكة الإسلامية الأندلسية. وهكذا ربط مفكر أندلسي لأول مرة القومية الأندلسية بماضيها الإسلامي. ثم قال: "وهذه الديموقراطية ليست إلا ديموقراطية الممالك النصرانية الغازية (يعني الشمال) فهل سينتهي غزو الأندلس؟ ". وكان لهذا الخطاب تأثير عميق في فكر بلاس إنفانتي.

стр. 278

وفي سنة ١٩١٣ م، زار إشبيلية فرانسسكو كامو، زعيم الحركة القطلانية في برشلونة بدعوة من "أتينيو" إشبيلية لإلقاء خطاب افتتاح "الألعاب الوردية"، فأعطى بذلك للحركة الأندلسية جدية، وزكاها بمساندة الحركة القطلانية لها. لكن بلاس إنفانتي لم يرتح لعلاقة القطلاني كامبو بالحركة الأندلسية. فالقومية القطلانية تختلف في أساسها عن الأندلسية، وللبورجوازية القطلانية مصلحة في استغلال موارد الأندلس الطبيعية ويدها العاملة الرخيصة لصناعتها وكأن الأندلس مستعمرة لقطلونية. فلم ير إنفانتي أنه من الممكن التعاون في المرحلة الراهنة بين القومية القطلانية والقومية الأندلسية الناشئة. وفي ٢١/ ١١ / ١٩١٣ م، قُبل إنفانتي في مجلس المحامين. وفي ٢٣/ ٣ / ١٩١٤ م، ألقى خطابًا في قسم العلوم الأخلاقية والسياسية في "أتينيو" إشبيلية عن "النظرية الأندلسية"، كان أساس كتابه التاريخي عن القومية الأندلسية. وتسبب الخطاب في مجادلة حادة بينه وبين خوزي مارية اسكيردو، أحد القوميين الأندلسيين، حول مواضيع دينية. وفي نفس السنة فتح إنفانتي مكتب محاماة في ساحة أرغويلس بإشبيلية. وفي سنة ١٩١٤ م، ظهرت الطبعة الأولى من كتاب "النظرية الأندلسية" في إشبيلية، يوضح فيه إنفانتي نظريته حول القومية الأندلسية، مما جعله كتاب الفكر الأندلسي الأساسي. ضم الكتاب عدة مقالات عن انبعاث الأندلس، و"حول الجهوية الأندلسية". وفي نفس السنة، ابتكر إنفانتي فكرة تأسيس المراكز الأندلسية، وأسس أولها في إشبيلية سنة ١٩١٦ م، تبعته مراكز أخرى في مدن وقرى المقاطعات الأندلسية الثمانية. وكان قد أصدر عدد من القوميين الأندلسيين مجلة "بتيكا" (اسم الأندلس القديم) في ٢٠/ ١١ / ١٩١٣ م. فلم يرتح إنفانتي للمجلة، فأصدر سنة ١٩١٦ م، بعد أن تعاون معها، مجلة "الأندلس" كلسان حال المراكز الأندلسية والحركة القومية الأندلسية كما يراها إنفانتي. صدرت المجلة في طبعة إشبيلية شهرية بمركز إشبيلية الأندلسي، وأخرى قرطبية أسبوعية، أصغر من سابقتها، بمركز قرطبة. واختلفت مجلة "الأندلس" عن مجلة "بتيكا" بكون الأخيرة كانت تتطرق للمجالات الثقافية والنظرية، بينما تطرقت مجلة "الأندلس" بصفة أوضح للمبادىء، والتعريف بها وتعميمها بالطرق السياسية.

стр. 279

ومع الأيام تحول "مركز إشبيلية الأندلسي" إلى مركز أنشطة أندلسية، تثقيفية وتخطيطية، ومنه خرج المنشور الداعي إلى "اجتماع المقاطعات الأندلسية" في رندة، الذي استعمل عبارة "الأمة الأندلسية" لأول مرة، بينما بقي "أتينيو إشبيلية" مركزًا للنخبة المثقفة فقط. وتحولت المراكز الأندلسية إلى مدارس مجانية لتعريف الأندلسيين بأمجادهم وتقوية الهوية الأندلسية فيهم. وهكذا أصبح بلاس إنفانتي، بأفكاره وحركيته، رئيس تيار جديد للقومية الأندلسية. وفي ١٦/ ٦ / ١٩١٧ م، ألقى إنفانتي بصفته رئيس "مركز إشبيلية الأندلسي" محاضرة أساسية أعطت لأفكاره نضوجًا ثوريًّا، حيث قال: "لقد قلت فيما مضى، وأكرر اليوم، بأن إسبانيا الكلاسيكية، إسبانيا التي نعرفها، قد ماتت، لأنها اليوم يعوزها الشعور بالقضاء على نهم من أنهوا حياتها ... قبل الحرب وبعدها، لم تتمكن إسبانيا في المجتمع الأوروبي أن تبرهن على قوميتها". وقال بأن إضرابات العمال دفاعًا عن مطالبهم إنما تدل على أنهم لا زالوا أحياء. ثم قال: "إن الأحزاب السياسية الحالية لا تتجاوب اليوم مع طلبات الشعب. تحتاج إلى رجال جدد. ومن هؤلاء الرجال نحن في المركز الأندلسي. هل تعرفون ما هو روح الحياة؟ إنه القومية الجديدة. فجذور الشعب توجد في وطنية أبنائه. وهذه الوطنية هي التي تدفعنا نحن لتحقيق عمل إنقاذ وطني". ثم تتحول لهجته، فيقول: "لقد مر قرن منذ أن أعلنت الجمهورية الفرنسية الحرية فمن عمل بهذه الحرية؟ نحن نريد الحرية الاقتصادية. لنا الحرية السياسية، ولكن ما عسانا أن نفعل بها؟ ألنكون عبيدًا للإقطاعيين؟ ". ثم قال: "القاعدة الأساسية لإنقاذ الأندلس هي حرية الأرض". وأخيرًا صرح بوضوح: "نحن لسنا بصدد إنشاء حزب، نحن نريد إنشاء شعب قادر أن يحكم نفسه بنفسه ... وإذا أدى نضالنا إلى حتفنا، فسنموت سعداء لكوننا قمنا بالواجب". وفي ١٣ - ١٤/ ١ / ١٩١٨ م، انعقد اجتماع "مجلس المقاطعات الأندلسية" في رندة وحضره كامبو ممثلاً عن الحركة القومية القطلانية وقد حدد الاجتماع معالم القومية الأندلسية في حركتها المستقبلية في النقاط التالية: ١ - الاعتراف بالأندلس كبلد وقومية ومنطقة ذات حكم ذاتي ديموقراطي على أساس دستور أنتقيرة لسنة ١٨٨٣ م؛ ٢ - اختيار العلم الأخضر والأبيض (خطوط أفقية أخضر فأبيض فأخضر) علم الأمة الأندلسية، ورمز قادس شعارًا لها؛ ٣ - إعطاء المساندة الكاملة لما يسمى "مجلس البرلمانيين" السرية في مجريط وبرشلونة، التي أقامت إبان الحرب العالمية الأولى سنة

стр. 280

١٩١٦ م اجتماعًا في لوزان (سويسرا) للقوميات التي ليست لها دول، حضرها ممثلون عن بريطانيا (الفرنسية) وسكوتلاندة، وقطلونية وأوسكادي. ثم تقدم إنفانتي وخوزي أندرس باسكس، باسم المؤتمر، لهيئة الأمم طالبين منها الاعتراف بالقومية الأندلسية. وهكذا حاولت القومية الأندلسية إيجاد حلفاء لها داخل إسبانيا وخارجها. وقد كان لإنفانتي دور كبير في قرارات رندة حيث لخص الموقف السائد في المؤتمر بما يلي: "إن القوميين الأندلسيين لا يبتكرون شيئًا جديدًا: نحن نقتصر فقط على الاعتراف بوجود أمتنا كما صنفها تاريخنا". وفي أواخر سنة ١٩١٨ م، خطب إنفانتي الآنسة أنغوستياس غارسيا بارياس، ابنة صديقه الخاندرو غارسيا، أديب من بلدة بنيافلور (مقاطعة إشبيلية)، وتزوجها في ٩/ ٢ / ١٩١٩ م في بيت أهل العروس ببلدة بنيافلور. وعارضت هذا الزواج عائلة أم العروس، إذ هم أحفاد أنطونيو بارياس كرة، رجل كاثوليكي صاحب مال وجاه، فلم يروا بعين الرضا زواج بنتهم بالعدل الأندلسي المعادي للكنيسة. ولكن والد العروس تغلب على تحفظات زوجه وأهلها. فكانت أنغوستياس نعم الزوج المساندة لزوجها في نضاله من أجل هوية الأندلس. واستقر إنفانتي بعد زواجه في إشبيلية. ٨/ ٥ - تطور الحركة الأندلسية: إسلام بلاس إنفانتي واستشهاده: ومنذ سنة ١٩١٨ م واجتماعات "مجلس المقاطعات الأندلسية" في رندة، دخل إنفانتي اللعبة السياسية للتعريف بأفكاره القومية الأندلسية. فتقدم لانتخابات منطقة غسان - أشتبونة (مقاطعة مالقة) حيث توجد قشريش. فلم يفز في الانتخابات. وفي يناير سنة ١٩١٩ م، شارك إنفانتي في اجتماع "المجلس الإداري الأندلسي" التأسيسي برئاسة القومي الأندلسي ديونيسو باستور الذي كان إنفانتي يكن له احترامًا كبيرًا. وانتهى الاجتماع بالاتفاق على "تخطيط نظري للقومية الأندلسية" كان له تأثير هام على مجرى الفكر القومي الأندلسي. ثم رجع إنفانتي إلى قرطبة لحضور "مجلس العلاقات بين المراكز الأندلسية" الذي انعقد في ٢٣ - ٢٥/ ٣ / ١٩١٩ م. وفي منتصف سنة ١٩١٩ م، تقدم إنفانتي لانتخابات مجلس النواب في مقاطعة غسان باسم "الديموقراطية الأندلسية". فهيأ لها أكثر من سابقتها، وأظهر فيها آراءه بوضوح، إذ قال في منشور انتخابي: "سيسترجع الشعب والفلاح الأندلسي أرضه، أراد الذين يعيشون من دم الأمة أم لم يريدوا؟ أراد ذلك الإقطاعيون وزعماء السوء

стр. 281

الذين يخاطرون حياة الأمة ويطردون جماهير الشعب الجائعة جسمًا وروحًا، الهاربة من ظلمهم، يشدها الجوع والألم، إلى الموانىء للهجرة، أم لم يريدوا". وقال في خطاب أمام أهالي غسان: "نريد حرية الأندلس، داخل اتحاد ايبيري، حتى تتمكن الأندلس من اختيار طريقة حياتها بنفسها واختيار طريق تقدمها دون أن يحكمها قانون أجنبي عنها وعن مصالحها". وهكذا قام إنفانتي ضد مصالح القوى المركزية التي كانت تقرر في مجريط من ينجح في الانتخابات عبر نفوذها المالي والإقطاعي. ورسب إنفانتي مرة ثانية في هذه المحاولة الانتخابية. ثم تقدم في نفس السنة لانتخابات أشبلية لـ ٣١/ ٥ / ١٩١٩ م، إذ كون قبل ثلاثة أيام "الديموقراطية الأندلسية" كإئتلاف بين الجمهوريين الاتحاديين والقوميين الأندلسيين والاشتراكيين المستقلين. ولم يحصل إنفانتي سوى على ١.٣٣١ صوت، لكن غضبت عليه السلطة الحاكمة واليمين، واتهموه وأتباعه من القوميين الأندلسيين بالتآمر على أمن الدولة ووحدتها، وقرروا منعهم من دخول مجلس النواب بإطلاق الإشاعات الكاذبة ضدهم، وشراء ضمائر ضعفاء أتباعهم، والسخرية من مبادىء القومية الأندلسية. ثم أسس إنفانتي في إشبيلية دار ومكتبة "أبانتي" (التقدم) للنشر، نشر فيها عدة كتب له، منها "كتاب الشاطىء"، و"هيئة الأمم"، و"ادعاء الأندلس أمام مؤتمر السلام" و"الدكتاتورية التعليمية" حول النظام الشيوعي والتعريف به، وأصبحت المكتبة بيتًا للأندلس، ومجمعًا للمثقفين القوميين، كما أسس "مركز الدراسات الأندلسية". وفي سنة ١٩٢٠ م، ظهر كتاب إنفانتي "المعتمد ملك إشبيلية الأخير". وهي قصة مسرحية تاريخية، عرّف إنفانتي عن طريقها بجذور الهوية الأندلسية الإسلامية، ودفع القارىء إلى التعاطف مع الإسلام والانتماء إلى حضارته، مما جعل المعتمد ابن عباد موضوع حب وأغاني في إشبيلية إلى يومنا هذا. وقد استند إنفانتي في مسرحيته على تاريخ أبي القاسم بترجمة "دوزي". تبتدىء المسرحية في "مراعي الفضة" بإشبيلية في يوم سوق من أيام الربيع في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، وتنتهي عند قبر المعتمد ابن عباد في بلدة أغمات بالمغرب في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي. وفي سنة ١٩٢١ م، ظهر كتابان لإنفانتي: "قصص الحيوانات". و"الاختيار والدين والأخلاق". أما الكتاب الأول فتحاكي قصص الحيوانات فيه أدوار البشر،

стр. 282

وتربط القارىء الأندلسي بأرضه، وتقوي محبته لها ورغبته في الدفاع عنها. أما الكتاب الثاني فلقد عبر إنفانتي فيه عن إيمانه بالله الواحد الخالق، الأول والآخر، وعن كراهيته لكل من يجعل نفسه وسيطًا بين الإنسان وخالقه، خاصة الكنيسة الكاثوليكية، إذ قال: "رائحة القداس تحطم شذا عطر الحقيقة"، وأن التنظيم الكنسي يتعارض مع مبدأ الإيمان. عبر بذلك إنفانتي في الكتاب عن مبادىء إسلامية في عمقها، ورثها عن أجداده عبر قرون الاضطهاد، كما ورثها أفراد أمته الأندلسية، فأصبحت عنصرًا مهمًّا من عناصر الهوية الأندلسية. وكانت سنة ١٩٢١ م سنة أمل للقوميين الأندلسيين رغم الأوضاع السياسية المضطربة في مجريط. فانتشرت "المراكز الأندلسية" في المدن والقرى، وانتشر معها الفكر الأندلسي في المجالات الثقافية والاجتماعية، بينما ضعفت الحركة السياسية. وتحمس إنفانتي في هذه الحقبة إلى عدة مشاريع: "مجلس الشيوخ البيتيقي" كهيئة لوحدة الأندلس الثقافية والاجتماعية؛ و"أكاديمية قومية" حقيقية في الأندلس للآداب والعلوم والفنون؛ ونفق يربط المغرب بالأندلس عبر مضيق جبل طارق. ثم فكر إنفانتي في إنشاء مركز نشر عربي إسباني، ومركز نشر جهوي إسباني أمريكي، ومركز أندلسي سينمائي. وبصفة عامة، فكر إنفانتي في إنشاء روابط ثقافية قوية تربط الأندلسيين بعضهم البعض، وبالمغرب ذي الثقافة الإسلامية، وبأمريكا الجنوبية ذات الثقافة الأندلسية. وفي سنة ١٩٢٣ م، سافر إنفانتي وزوجه إلى بيت أخيه في مجريط حيث كان والده مريضًا، فتوفي أثر مرضه. ألحت العائلة على بلاس بالبقاء في مجريط خوفًا عليه من الرجوع إلى إشبيلية، وقد ساءت الأحوال السياسية فيها، وأصبحت الدكتاتورية وشيكة. وكانت زوجة بلاس إنفانتي قد ضاقت من نشاطه السياسي، وأرادت أن يهتم أكثر بعائلته. وافق إنفانتي على الانتقال من إشبيلية بعد أن سيطر على الحكم الديكتاتوري الجنرال بريمو دي ريبيرا (الذي كان أندلسيًّا) في ١٣/ ٩ / ١٩٢٣ م، لكنه أصر على البقاء في الأندلس. فنقل عمله كموثق عدل، في أواخر سنة ١٩٢٣ م، من قطنيانة (مقاطعة إشبيلية) إلى إيسلا كريستينا (مقاطعة ولبة)، قرب حدود البرتغال. قضت الدكتاتورية على الحريات بما فيها حرية التعبير، وأقفلت "المراكز الأندلسية"، واتهمت القوميين الأندلسيين بمقاومة الدولة، وأسكتت القوى المعادية

стр. 283

للكنيسة والقوى اليسارية. فانسحب إنفانتي من العمل السياسي، ونصح أتباعه بذلك، ورفض المشاركة في المؤسسات الأندلسية الكاذبة التي أسسها النظام، وجعلها في يد اليمينيين. وركز إنفانتي على التفكير في مصير الأندلس، وفي جذور الهوية الأندلسية. فأدت هذه الحقبة إلى تحول هام في حياته، وبالتالي في مسار الحركة الأندلسية. ففي ١٥/ ٩ / ١٩٢٣ م، في ذروة معارك الريف، قرر إنفانتي زيارة قبر المعتمد ابن عباد في أغمات بالمغرب، رغم المخاطر. فصحبه رجل اسمه بيدال، وموسى بن عبد المؤمن، ترجمان مسلم من وهران. وصل إنفانتي إلى أغمات، وزار قبر الأمير الأندلسي، وشعر بانطواء الزمن، وحلم برهة وكأن سنين الآلام لم تكن، ولم يكن اضطهاد للشعب الأندلسي، ولا قُضي على شخصيته ودينه ولغته وهويته وأرضه وكرامته وعرضه وشرفه، ولم تكن هناك لا قشتالة ولا كنيسة. وتعرف إنفانتي في أغمات على بعض أبناء الأندلس، منهم عمر الدكالي ورجل ينحدر من بني الأحمر، فأشهر بلاس إنفانتي على يديهما إسلامه، وبكى من عظمة اللحظة، فأهداه صديقاه جلبابًا وخنجرًا، هديتين رمزيتين ظلتا مع بلاس إنفانتي إلى آخر حياته، الأولى إعادة لما عمله رسول الله ﷺ ، بإعطاء برده ﵇ إلى كعب بن زهير عندما قال: إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول والثانية شعارًا للنضال الذي ينتظر إنفانتي من أجل تحرير الشعب الأندلسي من الشتات والضياع والمسخ الثقافي والحضاري، وإرجاعه إلى أصالته وينابيعها الإسلامية. وحاول إنفانتي بعد إسلامه ربط الحركة الأندلسية بالحركات الإسلامية والعربية. ابتدأ إنفانتي، عند رجوعه إلى إيسلا كريستينا بكتابة "جذور الفلامنكو وأسرار الكانتي هوندو". وهو كتاب برهن فيه عن الجذور الإسلامية للأغنية "الفلامنكية" و"الهوندية"، وأنها تعبير لآلام وصيحات الشعب الأندلسي المظلوم أمام إرهاب محاكم التفتيش وتسلط الدولة الإسبانية. وبهذا يكون "الفلامنكو" و"الكانتو هوندو" خيطين من خيوط الهوية الأندلسية التي تربط حاضر الأندلس التعس بماضيها المجيد. وفي صيف سنة ١٩٢٥ م، رجع إنفانتي مع زوجه إلى منطقة قشريش حيث قضى الصيف مع شقيقه وأهله ووالدتهما. ومرت السهرات في وسط عائلي في الحديث عن الأندلس وأمجادها حول كؤوس القهوة. أما الخمر فلم يكن بلاس إنفانتي يشربه قط، كما كان تام الاستقامة في حياته الخاصة، لا يعرف عنه أي زيغ.

стр. 284

وفي صيف سنة ١٩٢٦ م، التحق ببلاس إنفانتي في إيسلا كريستينا شقيقه وأبناء أخواله فرانسسكو سالاس وليوكارديو بريز دي بركاش وأخت سالاس مع زوجها الجنرال سانتالا. فذهب الجميع في رحلة سياحية على مشارف وادي يانه يتذكرون أحاديث الصبا، وكلها تدور حول الأندلس وتاريخها. ويعتقد الدارسون لحياة بلاس إنفانتي أنه ورث حبه للأندلس عن أمه وأهلها، وهي التي كانت تقص عليه في صباه مآسي أجدادها المورسكيين، وعظمة الأندلس القديمة، وتضحيات الثورات الإسلامية الرافعة للأعلام الخضراء والبيضاء، وثورة طاهر الحر. فبقيت تلك الأحاديث عالقة بذهنه، كما بقيت مثيلاتها عالقة بأذهان الملايين من مواطنيه الأندلسيين. وفي ٢٨/ ٥ / ١٩٢٨ م ازدادت لبلاس إنفانتي وزوجه، "لويزا خنيزا" ابنتهما الأولى، ثم "مارية" (٤/ ٨ / ١٩٣٠ م) و"الكريا" (٢٤/ ٩ / ١٩٣٥) و"لويس بلاس"، ابنه الوحيد (٢٦/ ١١ / ١٩٣١ م). وفي سنة ١٩٢٩ م، اتصل إنفانتي في جليقية بزعماء حركتها القومية المجتمعين حول جريدة "نوس"، كما ظل على صلة بزعماء الحركة القومية القطلانية. ومنذ هذه السنة أخذ إنفانتي يكتب رسائل إلى صديقيه "فرانسسكو شيكو كانكا" و"رفائيل أشوا بيلا" حول مبادىء القومية الأندلسية، وإمكانية الرجوع إلى الحركية بعد انتهاء الدكتاتورية المتوقع. أظهرت هذه "الرسائل الأندلسية" تحولاً جديدًا لفكر إنفانتي إلى وضوح أكبر، وخططت لمسار القومية الأندلسية بعد سنة ١٩٣١ م. ومن أقواله فيها: "إن المسؤولية متساوية للجميع أمام الهدف المشترك، لكل واحد حسب مقدوره وكفاءته. يختار كل واحد نضاله بحرية في أعمال مختلفة كل حسب ميوله. نريد أن نؤسس أمة". ثم يقول: هدفنا هو "تحرير الشعب الأندلسي روحيًّا واقتصاديًّا". وفي سنة ١٩٣٠ م، انتهت الدكتاتورية. فأخذ إنفانتي يفكر في الرجوع إلى إشبيلية وإعادة تنظيم المراكز الأندلسية على أسس جديدة. فنقل عمله كموثق عدل إلى بلدة قورية بالقرب من إشبيلية. وفي سنة ١٩٣١ م، أسس إنفانتي "مجلس الأندلس التحرري" عوضًا عن المراكز الأندلسية القديمة. وكان نشاط سياسي أكبر منها دون أن يكون حزبًا جديدًا. وفضل إنفانتي الدخول في حزب يسهل المبادىء الأندلسية دون أن يكون أندلسيًّا. فانضم إلى "الحزب الجمهوري الاتحادي"، وتقدم باسمه للانتخابات التشريعية في

стр. 285

قرطبة وإشبيلية، بعد إعلان الجمهورية، مستعملاً برنامجه الثوري الأندلسي. فألح في خطبه على ضرورة الرجوع إلى الأصالة الأندلسية، ومجد بجامعة قرطبة الإسلامية التي علمت أوروبا كلها الحضارة والتمدن، وطالب الأندلسيين باستعادة الهوية والتاريخ والأرض، وطالب بإزاحة هيمنة الكنيسة على الدولة والتفريق بينهما. كما طالب بحرية التعليم ومجانيته. وهاجم الكنيسة التي عد من أكبر جرائمها طردها للمسلمين الأندلسيين، وقضاءها بذلك على "زهرة ما تبقى من ثقافتنا". ثم هدد، إذا لم تستجب الحكومة المركزية لمطالب الشعب الأندلسي، بإعلان الجمهورية الأندلسية، "والدفاع عنها ولو أدى ذلك إلى استشهادنا، لإنهاء الاستعمار الخبيث الذي قضى على الأندلس كشعب شرقي". ورفض إنفانتي الانضمام إلى الشيوعية أو التعامل معها لإيمانه بالإله الواحد الأحد، وأخذ إنفانتي في هذه الحقبة يذكر أمجاد الأندلس القديمة في خطبه، ونضال المسلمين الأندلسيين، بما فيهم المورسكيين، وعظمة مسجد قرطبة الأعظم وقصر الحمراء، ويطالب بتحرير الناس والقلوب والثقافة والأرض والاقتصاد. كلام خطير حينذاك. وفي أبريل سنة ١٩٣٠ م، انعقد في دهلي بالهند مؤتمر "الشعوب التي لا دول لها"، شارك فيه عن القوميين الأندلسيين الشاعر الأندلسي المسلم آبل قدرة، الذي بيّن في خطبته للحاضرين أن نضال تحرير الأندلس هو جزء من نضال شعوب آسيا وإفريقيا المغلوب على أمرها، وأبان أن جذور القومية الأندلسية هي الإسلام، وقال: "والإسلام هو الدوام؛ ماذا بقي لنا من الإسلام؟ بقي لنا الشعور بقوة الله وتوازنها. فالإسلام ليس روحانية فقط، بل هو حركية كذلك؛ وإذا كان نبوة، بل رسالة، فهي ليست تنبؤًا للمستقبل، بل تخطيطًا لمستقبل أفضل عبر الجهاد المتواصل؛ والدوام ليس فكرة فقط، بل هو عقيدة؛ وهذه العقيدة هي تجربتنا تجربة الأندلس أيام عزها؛ نحن في المجلس الثوري قضاة ضد الجريمة التي ضحيتها القدس، قضاة ضد جرائم الغرب ضد أرض هي شرقية أساسًا: أرض الأندلس". وقال آبل قدرة في خطابه المذكور، منذرًا بقرب انبعاث إسلامي في الأندلس، مشيرًا إلى المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في القدس بفلسطين، ما يلي: "وعندما سُأل أحدهم في المؤتمر الإسلامي الذي انعقد سابقًا عن ديوان الأندلسيات الذي يرمز إلى نضال الأرض، كان الجواب فمن نحن؟ وإلى من ننتمي؟ فكالشيعي الذي يتحرق دائمًا على قبر الحسين، نحن في قلوبنا حرقة تسمى الأندلس ... الأندلس ... شرقية في
следующие страницы →