Полный текст (457 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الذين يخاطرون حياة الأمة ويطردون جماهير الشعب الجائعة جسمًا وروحًا، الهاربة من ظلمهم، يشدها الجوع والألم، إلى الموانىء للهجرة، أم لم يريدوا". وقال في خطاب أمام أهالي غسان: "نريد حرية الأندلس، داخل اتحاد ايبيري، حتى تتمكن الأندلس من اختيار طريقة حياتها بنفسها واختيار طريق تقدمها دون أن يحكمها قانون أجنبي عنها وعن مصالحها". وهكذا قام إنفانتي ضد مصالح القوى المركزية التي كانت تقرر في مجريط من ينجح في الانتخابات عبر نفوذها المالي والإقطاعي.
ورسب إنفانتي مرة ثانية في هذه المحاولة الانتخابية.
ثم تقدم في نفس السنة لانتخابات أشبلية لـ ٣١/ ٥ / ١٩١٩ م، إذ كون قبل ثلاثة أيام "الديموقراطية الأندلسية" كإئتلاف بين الجمهوريين الاتحاديين والقوميين الأندلسيين والاشتراكيين المستقلين. ولم يحصل إنفانتي سوى على ١.٣٣١ صوت، لكن غضبت عليه السلطة الحاكمة واليمين، واتهموه وأتباعه من القوميين الأندلسيين بالتآمر على أمن الدولة ووحدتها، وقرروا منعهم من دخول مجلس النواب بإطلاق الإشاعات الكاذبة ضدهم، وشراء ضمائر ضعفاء أتباعهم، والسخرية من مبادىء القومية الأندلسية.
ثم أسس إنفانتي في إشبيلية دار ومكتبة "أبانتي" (التقدم) للنشر، نشر فيها عدة كتب له، منها "كتاب الشاطىء"، و"هيئة الأمم"، و"ادعاء الأندلس أمام مؤتمر السلام" و"الدكتاتورية التعليمية" حول النظام الشيوعي والتعريف به، وأصبحت المكتبة بيتًا للأندلس، ومجمعًا للمثقفين القوميين، كما أسس "مركز الدراسات الأندلسية".
وفي سنة ١٩٢٠ م، ظهر كتاب إنفانتي "المعتمد ملك إشبيلية الأخير". وهي قصة مسرحية تاريخية، عرّف إنفانتي عن طريقها بجذور الهوية الأندلسية الإسلامية، ودفع القارىء إلى التعاطف مع الإسلام والانتماء إلى حضارته، مما جعل المعتمد ابن عباد موضوع حب وأغاني في إشبيلية إلى يومنا هذا. وقد استند إنفانتي في مسرحيته على تاريخ أبي القاسم بترجمة "دوزي". تبتدىء المسرحية في "مراعي الفضة" بإشبيلية في يوم سوق من أيام الربيع في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، وتنتهي عند قبر المعتمد ابن عباد في بلدة أغمات بالمغرب في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي.
وفي سنة ١٩٢١ م، ظهر كتابان لإنفانتي: "قصص الحيوانات". و"الاختيار والدين والأخلاق". أما الكتاب الأول فتحاكي قصص الحيوانات فيه أدوار البشر،
стр. 282
وتربط القارىء الأندلسي بأرضه، وتقوي محبته لها ورغبته في الدفاع عنها. أما الكتاب الثاني فلقد عبر إنفانتي فيه عن إيمانه بالله الواحد الخالق، الأول والآخر، وعن كراهيته لكل من يجعل نفسه وسيطًا بين الإنسان وخالقه، خاصة الكنيسة الكاثوليكية، إذ قال: "رائحة القداس تحطم شذا عطر الحقيقة"، وأن التنظيم الكنسي يتعارض مع مبدأ الإيمان. عبر بذلك إنفانتي في الكتاب عن مبادىء إسلامية في عمقها، ورثها عن أجداده عبر قرون الاضطهاد، كما ورثها أفراد أمته الأندلسية، فأصبحت عنصرًا مهمًّا من عناصر الهوية الأندلسية.
وكانت سنة ١٩٢١ م سنة أمل للقوميين الأندلسيين رغم الأوضاع السياسية المضطربة في مجريط. فانتشرت "المراكز الأندلسية" في المدن والقرى، وانتشر معها الفكر الأندلسي في المجالات الثقافية والاجتماعية، بينما ضعفت الحركة السياسية.
وتحمس إنفانتي في هذه الحقبة إلى عدة مشاريع: "مجلس الشيوخ البيتيقي" كهيئة لوحدة الأندلس الثقافية والاجتماعية؛ و"أكاديمية قومية" حقيقية في الأندلس للآداب والعلوم والفنون؛ ونفق يربط المغرب بالأندلس عبر مضيق جبل طارق. ثم فكر إنفانتي في إنشاء مركز نشر عربي إسباني، ومركز نشر جهوي إسباني أمريكي، ومركز أندلسي سينمائي. وبصفة عامة، فكر إنفانتي في إنشاء روابط ثقافية قوية تربط الأندلسيين بعضهم البعض، وبالمغرب ذي الثقافة الإسلامية، وبأمريكا الجنوبية ذات الثقافة الأندلسية.
وفي سنة ١٩٢٣ م، سافر إنفانتي وزوجه إلى بيت أخيه في مجريط حيث كان والده مريضًا، فتوفي أثر مرضه. ألحت العائلة على بلاس بالبقاء في مجريط خوفًا عليه من الرجوع إلى إشبيلية، وقد ساءت الأحوال السياسية فيها، وأصبحت الدكتاتورية وشيكة. وكانت زوجة بلاس إنفانتي قد ضاقت من نشاطه السياسي، وأرادت أن يهتم أكثر بعائلته. وافق إنفانتي على الانتقال من إشبيلية بعد أن سيطر على الحكم الديكتاتوري الجنرال بريمو دي ريبيرا (الذي كان أندلسيًّا) في ١٣/ ٩ / ١٩٢٣ م، لكنه أصر على البقاء في الأندلس. فنقل عمله كموثق عدل، في أواخر سنة ١٩٢٣ م، من قطنيانة (مقاطعة إشبيلية) إلى إيسلا كريستينا (مقاطعة ولبة)، قرب حدود البرتغال.
قضت الدكتاتورية على الحريات بما فيها حرية التعبير، وأقفلت "المراكز
الأندلسية"، واتهمت القوميين الأندلسيين بمقاومة الدولة، وأسكتت القوى المعادية
стр. 283
للكنيسة والقوى اليسارية. فانسحب إنفانتي من العمل السياسي، ونصح أتباعه بذلك، ورفض المشاركة في المؤسسات الأندلسية الكاذبة التي أسسها النظام، وجعلها في يد اليمينيين. وركز إنفانتي على التفكير في مصير الأندلس، وفي جذور الهوية الأندلسية.
فأدت هذه الحقبة إلى تحول هام في حياته، وبالتالي في مسار الحركة الأندلسية.
ففي ١٥/ ٩ / ١٩٢٣ م، في ذروة معارك الريف، قرر إنفانتي زيارة قبر المعتمد ابن عباد في أغمات بالمغرب، رغم المخاطر. فصحبه رجل اسمه بيدال، وموسى بن عبد المؤمن، ترجمان مسلم من وهران. وصل إنفانتي إلى أغمات، وزار قبر الأمير الأندلسي، وشعر بانطواء الزمن، وحلم برهة وكأن سنين الآلام لم تكن، ولم يكن اضطهاد للشعب الأندلسي، ولا قُضي على شخصيته ودينه ولغته وهويته وأرضه وكرامته وعرضه وشرفه، ولم تكن هناك لا قشتالة ولا كنيسة. وتعرف إنفانتي في أغمات على بعض أبناء الأندلس، منهم عمر الدكالي ورجل ينحدر من بني الأحمر، فأشهر بلاس إنفانتي على يديهما إسلامه، وبكى من عظمة اللحظة، فأهداه صديقاه جلبابًا وخنجرًا، هديتين رمزيتين ظلتا مع بلاس إنفانتي إلى آخر حياته، الأولى إعادة لما عمله رسول الله ﷺ ، بإعطاء برده ﵇ إلى كعب بن زهير عندما قال: إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول والثانية شعارًا للنضال الذي ينتظر إنفانتي من أجل تحرير الشعب الأندلسي من الشتات والضياع والمسخ الثقافي والحضاري، وإرجاعه إلى أصالته وينابيعها الإسلامية. وحاول إنفانتي بعد إسلامه ربط الحركة الأندلسية بالحركات الإسلامية والعربية.
ابتدأ إنفانتي، عند رجوعه إلى إيسلا كريستينا بكتابة "جذور الفلامنكو وأسرار الكانتي هوندو". وهو كتاب برهن فيه عن الجذور الإسلامية للأغنية "الفلامنكية" و"الهوندية"، وأنها تعبير لآلام وصيحات الشعب الأندلسي المظلوم أمام إرهاب محاكم التفتيش وتسلط الدولة الإسبانية. وبهذا يكون "الفلامنكو" و"الكانتو هوندو" خيطين من خيوط الهوية الأندلسية التي تربط حاضر الأندلس التعس بماضيها المجيد.
وفي صيف سنة ١٩٢٥ م، رجع إنفانتي مع زوجه إلى منطقة قشريش حيث قضى الصيف مع شقيقه وأهله ووالدتهما. ومرت السهرات في وسط عائلي في الحديث عن الأندلس وأمجادها حول كؤوس القهوة. أما الخمر فلم يكن بلاس إنفانتي يشربه قط، كما كان تام الاستقامة في حياته الخاصة، لا يعرف عنه أي زيغ.
стр. 284
وفي صيف سنة ١٩٢٦ م، التحق ببلاس إنفانتي في إيسلا كريستينا شقيقه وأبناء أخواله فرانسسكو سالاس وليوكارديو بريز دي بركاش وأخت سالاس مع زوجها الجنرال سانتالا. فذهب الجميع في رحلة سياحية على مشارف وادي يانه يتذكرون أحاديث الصبا، وكلها تدور حول الأندلس وتاريخها. ويعتقد الدارسون لحياة بلاس إنفانتي أنه ورث حبه للأندلس عن أمه وأهلها، وهي التي كانت تقص عليه في صباه مآسي أجدادها المورسكيين، وعظمة الأندلس القديمة، وتضحيات الثورات الإسلامية الرافعة للأعلام الخضراء والبيضاء، وثورة طاهر الحر. فبقيت تلك الأحاديث عالقة بذهنه، كما بقيت مثيلاتها عالقة بأذهان الملايين من مواطنيه الأندلسيين.
وفي ٢٨/ ٥ / ١٩٢٨ م ازدادت لبلاس إنفانتي وزوجه، "لويزا خنيزا" ابنتهما الأولى، ثم "مارية" (٤/ ٨ / ١٩٣٠ م) و"الكريا" (٢٤/ ٩ / ١٩٣٥) و"لويس بلاس"، ابنه الوحيد (٢٦/ ١١ / ١٩٣١ م).
وفي سنة ١٩٢٩ م، اتصل إنفانتي في جليقية بزعماء حركتها القومية المجتمعين حول جريدة "نوس"، كما ظل على صلة بزعماء الحركة القومية القطلانية. ومنذ هذه السنة أخذ إنفانتي يكتب رسائل إلى صديقيه "فرانسسكو شيكو كانكا" و"رفائيل أشوا بيلا" حول مبادىء القومية الأندلسية، وإمكانية الرجوع إلى الحركية بعد انتهاء الدكتاتورية المتوقع. أظهرت هذه "الرسائل الأندلسية" تحولاً جديدًا لفكر إنفانتي إلى وضوح أكبر، وخططت لمسار القومية الأندلسية بعد سنة ١٩٣١ م. ومن أقواله فيها: "إن المسؤولية متساوية للجميع أمام الهدف المشترك، لكل واحد حسب مقدوره وكفاءته. يختار كل واحد نضاله بحرية في أعمال مختلفة كل حسب ميوله. نريد أن نؤسس أمة". ثم يقول: هدفنا هو "تحرير الشعب الأندلسي روحيًّا واقتصاديًّا".
وفي سنة ١٩٣٠ م، انتهت الدكتاتورية. فأخذ إنفانتي يفكر في الرجوع إلى إشبيلية وإعادة تنظيم المراكز الأندلسية على أسس جديدة. فنقل عمله كموثق عدل إلى بلدة قورية بالقرب من إشبيلية.
وفي سنة ١٩٣١ م، أسس إنفانتي "مجلس الأندلس التحرري" عوضًا عن المراكز الأندلسية القديمة. وكان نشاط سياسي أكبر منها دون أن يكون حزبًا جديدًا.
وفضل إنفانتي الدخول في حزب يسهل المبادىء الأندلسية دون أن يكون أندلسيًّا.
فانضم إلى "الحزب الجمهوري الاتحادي"، وتقدم باسمه للانتخابات التشريعية في
стр. 285
قرطبة وإشبيلية، بعد إعلان الجمهورية، مستعملاً برنامجه الثوري الأندلسي. فألح في خطبه على ضرورة الرجوع إلى الأصالة الأندلسية، ومجد بجامعة قرطبة الإسلامية التي علمت أوروبا كلها الحضارة والتمدن، وطالب الأندلسيين باستعادة الهوية والتاريخ والأرض، وطالب بإزاحة هيمنة الكنيسة على الدولة والتفريق بينهما. كما طالب بحرية التعليم ومجانيته. وهاجم الكنيسة التي عد من أكبر جرائمها طردها للمسلمين الأندلسيين، وقضاءها بذلك على "زهرة ما تبقى من ثقافتنا". ثم هدد، إذا لم تستجب الحكومة المركزية لمطالب الشعب الأندلسي، بإعلان الجمهورية الأندلسية، "والدفاع عنها ولو أدى ذلك إلى استشهادنا، لإنهاء الاستعمار الخبيث الذي قضى على الأندلس كشعب شرقي". ورفض إنفانتي الانضمام إلى الشيوعية أو التعامل معها لإيمانه بالإله الواحد الأحد، وأخذ إنفانتي في هذه الحقبة يذكر أمجاد الأندلس القديمة في خطبه، ونضال المسلمين الأندلسيين، بما فيهم المورسكيين، وعظمة مسجد قرطبة الأعظم وقصر الحمراء، ويطالب بتحرير الناس والقلوب والثقافة والأرض والاقتصاد. كلام خطير حينذاك.
وفي أبريل سنة ١٩٣٠ م، انعقد في دهلي بالهند مؤتمر "الشعوب التي لا دول لها"، شارك فيه عن القوميين الأندلسيين الشاعر الأندلسي المسلم آبل قدرة، الذي بيّن في خطبته للحاضرين أن نضال تحرير الأندلس هو جزء من نضال شعوب آسيا وإفريقيا المغلوب على أمرها، وأبان أن جذور القومية الأندلسية هي الإسلام، وقال: "والإسلام هو الدوام؛ ماذا بقي لنا من الإسلام؟ بقي لنا الشعور بقوة الله وتوازنها.
فالإسلام ليس روحانية فقط، بل هو حركية كذلك؛ وإذا كان نبوة، بل رسالة، فهي ليست تنبؤًا للمستقبل، بل تخطيطًا لمستقبل أفضل عبر الجهاد المتواصل؛ والدوام ليس فكرة فقط، بل هو عقيدة؛ وهذه العقيدة هي تجربتنا تجربة الأندلس أيام عزها؛ نحن في المجلس الثوري قضاة ضد الجريمة التي ضحيتها القدس، قضاة ضد جرائم الغرب ضد أرض هي شرقية أساسًا: أرض الأندلس".
وقال آبل قدرة في خطابه المذكور، منذرًا بقرب انبعاث إسلامي في الأندلس، مشيرًا إلى المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في القدس بفلسطين، ما يلي: "وعندما سُأل أحدهم في المؤتمر الإسلامي الذي انعقد سابقًا عن ديوان الأندلسيات الذي يرمز إلى نضال الأرض، كان الجواب فمن نحن؟ وإلى من ننتمي؟ فكالشيعي الذي يتحرق دائمًا على قبر الحسين، نحن في قلوبنا حرقة تسمى الأندلس ... الأندلس ... شرقية في
стр. 286
أقصى الغرب. الأندلس ليست أوروبا، فأوروبا هي أوروبا ... والأندلس مستعمرتها؛ ... ويجب أن نعرف كيف نوازي تجربتنا الفلسطينية بتجربتنا العظيمة الزكية الأندلسية".
ثم التقى إنفانتي بالحركات التحررية العربية عبر مجلة "الأمة العربية" (لاناسيون آراب) في جنيف (سويسرا) التي كان ينشرها الأمير شكيب أرسلان وإحسان الجابري.
هذه أفكار إنفانتي والقوميين الأندلسيين الواضحة بعد عشرينات القرن العشرين الميلادي: هوية الأندلس إسلامية، وليست غربية، مما دفع أعداءهم إلى رميهم بالاتهامات المتواصلة. فبسبب دخول بعض الطيارين مع إنفانتي في انتخابات إشبيلية، اتهمت الحكومة المركزية الحركة الأندلسية بالقيام بمؤامرة ضد أمن الدولة فيما يسمى بـ "مؤامرة طبلاتة" (وطبلاتة قاعدة جوية في الأندلس). فأوقفت الحكومة الحملة الانتخابية الأندلسية، وأمرت مدير عام الحرس المدني بإلقاء القبض على زعماء الحركة الأندلسية بتهمة التآمر للقيام بثورة وإعلان الجمهورية الأندلسية. فقبض مدير عام الحرس المدني على بعض ضباط طبلاتة، وعندما لم يجد دليلاً على اتهامات الحكومة أطلق سراحهم. ورد إنفانتي على هذه الاتهامات في كتاب سماه "بيان حقيقة حول مؤامرة طبلاتة ودولة الأندلس الحرة". وكانت "مؤامرة طبلاتة" في الحقيقة مؤامرة حكومية، تلاعبت بعدها الحكومة بأوراق الاقتراع لمنع القوميين من النجاح في الانتخابات. ورغم ذلك حصل إنفانتي في إشبيلية على ٧.٨٠٠ صوت، وفي مقاطعتها على ٥.٩٥٥ صوت.
وفي سنة ١٩٣٢ م، ركزت "مجالس الأندلس التحررية" عملها في كتابة مشروع "دستور حكم ذاتي للأندلس". وفي ٢٩ - ٣١/ ١ / ١٩٣٣ م، اجتمعت في قرطبة مجالس المدن والقرى المختلفة برئاسة خوزي أندرس باسكس للوصول إلى مشروع نهائي، وكونوا "مجلس الحركة الأندلسية" لتطبيق قرارات قرطبة لسنة ١٩٣٣ م. وفي نوفمبر سنة ١٩٣٣ م، تقدم إنفانتي صحبة إدواردو أورتيقة أي كاسي لانتخابات مقاطعة مالقة كقومي أندلسي مستقل، فلم يحصل على أصوات كافية. ولم يكن ذلك هدفه، بل كان هدفه التعريف بمبادئه عبر الحملة الانتخابية. وفي نفس السنة بنى إنفانتي بيتًا في قورية ذا طابع أندلسي سماه باسم عربي "دار الفرح".
ولم تتحرك الحركة الأندلسية طوال سنة ١٩٣٥ م بسبب مقاومة اليمين واليسار لها. وتابع إنفانتي كتاباته: "حكم منتخب جديد" و"الكتاب" و"السفر إلى النهاية"
стр. 287
و"التضامن والانفصال". واجتمع إنفانتي في هذه السنة في إشبيلية ببريمو دي ربيرا.
الدكتاتور السابق، وكانت نتائج الاجتماع سلبية.
حاول رئيس مجلس الأندلس التحرري في إشبيلية، بعد انتخابات فبراير سنة ١٩٣٦ م، تطبيق قرارات قرطبة. وفي ٦/ ٧ / ١٩٣٦ م، انتخب المجلس إنفانتي رئيسًا له. وفي الأسبوع التالي، حضر إنفانتي اجتماعًا أندلسيًّا في قادس رفع فيه العلم الأندلسي (الأخضر والأبيض) على بلديتها. وفي ١٤/ ٧ / ١٩٣٦ م، رفع العلم الأندلسي في اجتماع مماثل على مبنى بلدية إشبيلية. وفي ١٨/ ٧ / ١٩٣٦ م، انفجرت الحرب الأهلية الإسبانية. وفي يوم الأحد ٢/ ٨ / ١٩٣٦ م، هجمت فرقة من الكتائب التابعة لفرانكو على إنفانتي في "دار الفرح" وساقته إلى إشبيلية، حيث سجنته.
وحاولت زوجه مع خالها بدرو بارياس كونسالس، حاكم إشبيلية، إنقاذه، دون جدوى بل سيق إنفانتي إلى سينما خاوركي. وفي فجر يوم الاثنين ١٠/ ٨ / ١٩٣٦ م، سيق إلى طريق قرمونة وأعدم رميًا بالرصاص، فمات شهيدًا ﵀ وهو يصرخ مرتين "عاشت الأندلس حرة! ".
стр. 288
مراجع
الفصل الثامن
٨/ ١ - Piere Vilar "Histoire de l'Espagne" Que Sais-je, Paris, ١٩٨٦.
٨ / ٢ - Francisco Henriquez de Jorquera "Anales de Granada, Description del Reino y Ciudad de Granada. Cronica de la Reconquista (١٤٨٢- ١٤٩٢) , Sucesos de los Anos ١٥٨٨ a ١٦٤٦", Edition de Don Antonio Marin Oceto, ٢ Volumenes, Granada, ١٩٣٤.
٨ / ٣ - R.A. Reyment "Moros y Cristianos" Lamalif, Vol. ١, p. ١٣-٢٤, ١٩٨٩, Cordoba, Espana.
٨ / ٤ - أحمد المقري "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" تحقيق إحسان عباس، بيروت، ١٩٦٦ م، المجلد الأول، صفحة ١٥٥.
٨/ ٥ - مرجع (٨ - ٤)، المجلد الأول، صفحة ١٨٤.
٨/ ٦ - Miguel Asin Palacios "Empreintes de l'Islam" Al-Andalus, XXIIe, ١٩٥٧, p. ١١٧-١٣٠.
٨ / ٧ - Manuel Tellez Laguna "Comares: Un Marquesado en la Axarquia" Malaga. ١٩٨٧.
٨ / ٨ - Juan de Dios Mellado "Axarquia: Luz del Mediteraneo" Malaga, ١٩٨٩.
٨ / ٩ - Victoria Cuenca Gnecco "Adra la Vieja: Siglo XVI" Adra, ١٩٨٥.
٨ / ١٠ - Cristina Segura "Bases Socioeconomicas de la Poblation de Almeria (S.X) " Madrid, ١٩٧٩.
٨ / ١١ - A. Medina Molera "La Herencia Islamica y Arabe en La Lengua y Literatura Aljamiado" Primero Congreso Mundial Andalusi, Castel- lar de la Frontera (Cadiz) , ٢-٥ / ٩ / ١٩٨٩.
стр. 289
٨/ ١٢ - J. Croninas "Dicconario Critico Etimologico de la Lengua Castella- na"Madrid.
٨ / ١٣ -
"Breve Compendio de la Carpinteria de lo Blanco, y Tratado de Alarifes" Sevilla, ١٦٣٣.
٨ / ١٤ - Manuel Gomez Moreno "La Faience de Falauza (Grenade) " Art Populaire (Travaux Artistiques et Scientifiques du Premier Congres International des Arts Populaires) , Paris, ١٩٣١, p. ٢٣٦-٢٣٧.
٨ / ١٥ - Marquis de Villars "Memoires de la Cour d'Espagne de ١٦٧٩ a ١٦٨١ Publies et Annotes par M.A. Morel Fadio" Paris, ١٨٩٣.
٨ / ١٦ - J. Zurita y Calafat "La Verdad Sobre el Campo Andaluz", Madrid, Tup Fortanet, ١٩١٦.
٨ / ١٧ - Ref. (٨.١) , p. ٦٣.
٨ / ١٨ - J.M. Cuenca Toribio "El Colonialismo de la Economia Andaluza Contemporanea: Una Version Heterodoxa" Cordoba, Escudero, ١٩٧٦.
٨ / ١٩ - P. Janke"Mendizabal y la Instauration de la Monarquia Constitu- tional en Espana (١٧٩٠-١٨٥٣) " Madrid, Siglo XXI, ١٩٧٤.
٨ / ٢٠ - I. Obarri "La Cuestion Regional en Espana, ١٨٠٨-١٩٣٩" La Espana de las Autonomas, Madrid, ١٩٨١, Vol. ١.
٨ / ٢١ - Fernando Repiso "Simbolos y Derechos Andaluses" Sevilla, ١٩٨٠, p. ١٢٢-١٤٤.
٨ / ٢٢ - Juan Antonio Lacomba Abellan "Regionalismo y Autonomia en la Andalucia Contemporanea (١٨٣٥-١٩٣٦) , Granada, ١٩٨٨, p. ٢٣-٣١.
٨ / ٢٣ - Blas Infante "Ideal Andaluz" Reed, Sevilla Junta Andalucia / Fonda- tion Blas Infante, ١٩٨٢, p. ١٨٥-١٨٦.
٨ / ٢٤ - J. Acosta Sanchez "La Constitution de Antequera, Estudio Teorico- Critico" Sevilla, Fondation Blas Infante, ١٩٨٣.
٨ / ٢٥ - Ref. (٨.٢٢) , p. ٣٣-٣٩.
٨ / ٢٦ - J.J. Trias y A. Elorza "Federalismo y Reforma Social en Espana
(١٨٤٠-١٨٧٠) " Madrid, Seminarios y Editiones, ١٩٧٥, p. ٤٣٢-٤٥٠. ٨ / ٢٧ - Ref. (٨.٢٦) , p. ٤١١-٤٣١.
٨ / ٢٨ - J. Acosta Sanchez "Andalucia. Reconstrucion de una Identidad y la Lucha Contra el Centralismo" Barcelona, Anagrama, ١٩٧٨, p. ١٤٦.
стр. 290
٨/ ٢٩ - Ref. (٨.٢٢) , p. ٤١-٥٢.
٨ / ٣٠ - J.L. Ortiz de Lanzagorta "Blas Infante, Vida y Muerte de un Hom- bre Andaluz" Sevilla, ١٩٧٩.
٨ / ٣١ - Ref. (٨.٣٠) , p. ٩٠.
٨ / ٣٢ - Blas Infante Perez "Ideal Andaluz" Madrid, ١٩١٤.
٨ / ٣٣ - Ref. (٨.٣٠) , p. ١٥٨-١٦١.
٨ / ٣٤ - Ref. (٨.٣٠) , p. ١٧٠-١٨٠.
٨ / ٣٥ - Ref. (٨.٣٠) , p. ١٨٨-١٨٩.
٨ / ٣٦ - Ref. (٨.٣٠) , p. ٢٠٠-٢٠١.
٨ / ٣٧ - Blas Infante Perez "Motamid, Ultimo Rey de Sevilla" Sevilla, ١٩٢٠.
٨ / ٣٨ - Blas Infante Perez "Cuentos de Animales" Sevilla, ١٩٢١.
٨ / ٣٩ - Blas Infante Perez "Reeletion, la Religion y la Moral" Sevilla ١٩٢١.
٨ / ٤٠ - Manuel Ruiz Lagos "El ٩٨ Andaluz: Joaquim Costa y Blas Infante. Progresso y Regeneration" Paiz Andaluz, Jerez de la Frontera, ١٩٧٨.
٨ / ٤١ - La Voz (Cordoba) , ١٩ / ٦ / ١٩٣١.
٨ / ٤٢ - Ref. (٨.٣٠) , p. ٢١٠.
٨ / ٤٣ - Abel Gudra Discurso de Delhi "Acerca del Reino de Andalucia y de su Position en el Comite Insurrectional de los Pueblos de Oriente" Ms Inedito, ١٩٣٠.
٨ / ٤٤ - Manuel Ruiz Lagos "Blas Infante" Fondation Blas Infante, ١٩٨٤, p. ٧٢-٧٥.
стр. 291
الفصل التاسع
انبعاث القومية الأندلسية ١٩٧٥ - ١٩٩٠ م
٩/ ١ - دكتاتورية فرانكو (١٩٣٩ - ١٩٧٥ م):
قضى بلاس إنفانتي شهيدًا للقضية الأندلسية كما ضحى معه في سبيلها طائفة من المفكرين الأندلسيين بحياتهم؛ منهم فدريكو غارسيا لورقا، شاعر غرناطة الفذ، الذي ولد في بلدة "فونتي باكيروس" (عين رعاة البقر) بمقاطعة غرناطة في ٥/ ٦ / ١٨٩٨ م.
وكان فدريكو غارسيا يعبر عن حب أهل الأندلس للحرية في أشعاره، فاقتادته كتائب فرانكو وأعدمته رميًا بالرصاص في ١٨/ ٨ / ١٩٣٦ م.
وأصبح بلاس إنفانتي بعد استشهاده أب الأندلسيين الروحي، وباعث نهضتهم، والمثال المناضل من أجل حريتهم. وقد شردت قوى الشر أهله بعد اغتياله، وطردت زوجته وأطفاله الصغار من "دار الفرح" بيت سكناهم. وطالبت أرملة بلاس إنفانتي سلطات فرانكو بشهادة قتل زوجها، فما كان من تلك السلطات إلا أن حاكمت بلاس إنفانتي بعد قتله، وأصدرت "المحكمة الجهوية للمسؤوليات السياسية" حكمها في إشبيلية بتاريخ ٤/ ٥ / ١٩٤٠ م تجدد حكمها بإعدام بلاس إنفانتي وتغريمه ألفي بسيطة، تدفعها عنه أرملته، واحتفظت السلطات بـ "دار الفرح" رهنًا حتى تدفع الغرامة.
ولم تحصل الأرملة واليتامى على بيت أبيهم في قورية إلا سنة ١٩٤٣ م بعد أن دفعت الغرامة المطلوبة. وتوفيت أرملة بلاس إنفانتي في ٨/ ٢ / ١٩٥٤ م، أما أبناؤه فلا زالوا بقيد الحياة.
ترك بلاس إنفانتي عدة كتب طبعت حديثًا، منها كتيب "أساسيات الأندلس"، كتبه بين سنة ١٩٣٠ م وسنة ١٩٣٦ م وطبع سنة ١٩٨٤ م. يقول إنفانتي في أول الكتيب إن الهوية الأندلسية تعتمد على مبدأ القوميات ومبدأ الثقافات، وأن الأندلس
стр. 292
أمة ذات ثقافة ذاتية، وأن ثقافتها تتكون من جذور أصلية وأخرى مبتكرة، وأن الطابع الأندلسي ذو تواصل تاريخي، كما يجب أخذ وضع الأندلس الحالي بعين الاعتبار.
ثم قال إن إعادة إحياء الأندلس ترتكز على الأساسيات التالية:
١ - الأندلس الإسلامية كأساس مطلق
٢ - الاتجاه الروحي
٣ - الاتجاه الاقتصادي
٤ - الاتجاه السياسي.
ثم فصل كل موضوع على حدة، وكأنه خطط لمن بعده وترك لهم برنامج انبعاث أندلس إسلامية.
وخرج اليمين منتصرًا من الحرب الأهلية وأعلن الجنرال فرانكو نفسه رئيسًا للدولة سنة ١٩٣٧ م. فألغى كل القوانين الجمهورية، وقضى على الحريات، وأسس في إسبانيا دولة قومية استبدادية مركزية صليبية، أساسها التاريخ الإسباني القديم بكل سلبياته التي ناضلت شعوب إسبانيا من أجل التحرر منه. فورث فرانكو بلدًا فقيرًا جريحًا، أدمَته الحرب الأهلية، التي قتل فيها أو طرد خمس السكان، وتعاطف في أول أمره مع القوى الإيطالية الفاشية والألمانية النازية مما جعله مبغوضًا من طرف جميع القوى الحية الأوروبية.
ولم تنفرج مقاطعة العالم للنظام الدكتاتوري الفرانكوي إلا سنة ١٩٥٣ م بـ "اتفاق المساعدة والتعاون" مع الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن فرانكو فتح بذلك الاتفاق المجال الواسع للنفوذ الأمريكي العسكري والاقتصادي على إسبانيا، إذ ساهمت أمريكا بذلك الاتفاق في الاقتصاد الإسباني بـ ١٤١ مليون دولار كمساعدة عسكرية، و ٨٥ مليون دولار "لتقوية القاعدة الاقتصادية للتعاون العسكري".
وفي سنة ١٩٤٣ م، حاول دون خوان، المطالب بالعرش البوربوني، إقناع فرانكو بإعادة الملكية إلى إسبانيا، وأعاد الطلب دون جدوى سنة ١٩٤٥ م. وفي سنة ١٩٤٧ م، أعلن فرانكو نفسه وصيًّا على العرش الإسباني دون تحديد مدة الوصاية ولا تعيين المُوصى عليه. وفي يوليوز سنة ١٩٧٠ م، اختار فرانكو الأمير "خوان كارلوس" ابن دون خوان خلفًا له وملكًا من بعده.
أما الكنيسة الكاثوليكية فقد ساندت الحركة الفرانكوية منذ أيامها الأولى مساندة تامة، وظلت تساند فرانكو دون شرط إلى سنة ١٩٦٢ م عند انعقاد "مجلس الفاتيكان الثاني". وبالمقابل حصلت الكنيسة من الدولة الفرانكوية على مزايا باهظة، كالامتيازات المالية، والزواج الكاثوليكي الإجباري لكل المواطنين، والتعليم الكاثوليكي الإجباري في المدارس، والموقع السائد للكنيسة في التعليم الابتدائي
стр. 293
والثانوي والجامعي، والبحث العلمي، دون إعطاء أي حق للديانات الأخرى، خاصة الإسلام. وظلت الديانة الكاثوليكية دين الدولة الرسمي، ودين الشعب الإسباني برمته، أراد أم كره. وبعد سنة ١٩٦٣ م، تنظم مساندو الكنيسة في جمعية "أوبوس ديي" التي أصبح لها النفوذ الأكبر في السنين الأخيرة للنظام الفرانكوي، فأخذت محل الكتائب في السلطة، ومحل "الآباء اليسوعيين" و"الحركة الكاثوليكية" في الهيمنة الدينية المتطرفة.
وفي سنة ١٩٥٦ م، أخذت إسبانيا تؤسس قاعدة متواضعة للصناعة. وأدى هذا المجهود إلى اضطرابات عمالية وطلابية أجبرت نظام فرانكو على مضاعفة طاقته القمعية. لكن قبول إسبانيا في الأمم المتحدة والمنظمات الأوروبية أدى إلى انفراج في الحصار الذي كان مضروبًا عليها. وفي أواخر الخمسينات، حاول فرانكو إنجاز "برنامج توازي" للاقتصاد بمساندة الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة هروب العملة الصعبة، مما أدى إلى جمود الحركة الاقتصادية وربط البلاد أكثر بعالم الدولار.
وفي سنة ١٩٦٢ م، انفجرت سلسلة من الاضطرابات العمالية في مقاطعة الأشتورياش.
وبعد سنة ١٩٦٣ م، دخل الاقتصاد الإسباني فترة نمو متواصل عبر سلسلة من "المخططات" الاقتصادية. وفي سنة ١٩٦٤ م، احتفل النظام بذكراه الفضية لمرور ٢٥ سنة على إنشائه. وفي سنة ١٩٦٦ م، جدد "القانون التنظيمي" تركيز فرانكو رئيسًا للدولة، ونظم مجالس "الكورتس". وقدم "القانون التنظيمي" لاستفتاء شعبي، ورغم مقاومة المعارضة قُبل بسبب اتباع النظام لأسلوب الغش لدرجة أن عدد المنتخبين كان أعلى من عدد المسجلين. وألغيت في تلك السنة الرقابة على الصحافة، لكنها عوضت بسلسلة من المتابعات "القانونية" ضد الجرائد التي لا ترضي النظام.
وبعد انتصار فرانكو وكتائبه سنة ١٩٣٩ م، ضعفت المعارضة ضعفًا شديدًا، إذ أعدم عدد كبير من زعمائها واضطر من نجا منهم إلى الهجرة حيث ظلت كتاباتهم دون تأثير. وبين سنتي ١٩٤٠ م و ١٩٥٣ م، تنوعت أشكال المعارضة للنظام: حروب عصابات في بعض المناطق، ومنظمات عمالية سرية، وقدماء الكتائبيين المنقلبين على النظام، وتحرريون وملكيون، لكنهم أُسكتوا جميعًا نتيجة الاضطهاد المتواصل، وظلت كبار أطر المقاومة إما في القبر أو المهجر أو السجن. وألجم
стр. 294
الرعب الطبقات الاجتماعية المتوسطة عن المقاومة واكتفائها بالمقاومة الكلامية في البيوت.
ولم تحل المشاكل السياسية أيام فرانكو، بل زادت حدة. فالنظام الفرانكوي كان يرى في ظهور القوميات المحلية خطرًا على وحدة الدولة، فحاربها بكل قواه، ولم يسمح في آخر أيامه إلا ببعض الحريات الثقافية. فاستغلت قطلونية ذلك الانفراج، ونشرت لغتها في منطقتها وفي منطقة بلنسية والجزر الشرقية، وحتى في منطقة الروسيون الفرنسية، بمساندة الكنيسة المحلية. وتكون "مجلس قطلونية" لتشجيع الثقافة القطلانية رغم منعه في أول أمره. وكانت مقاومة القومية البشكنجية للنظام أعنف من القطلانية، إذ تزعمتها أقلية شابة اختارت طريق عنف المقاومة مقابل عنف الدولة، وقادت مجهود تحرير وطني بالثورة الاجتماعية. ونظم الثوار الباسك أنفسهم في جمعية عسكرية اسمها "إيتا" (أي "أوزكادي" تا أسكتاسونا"، أو "بلاد البسكنج والحرية" باللغة البسكنجية). ولم يسمح للقومية الأندلسية أن تعبر عن نفسها، لا من قريب ولا من بعيد.
وفي مجال الاقتصاد، نزل في سنة ١٩٦٢ م إنتاج الحبوب للشخص الواحد إلى ٦٥ في المائة مما كان عليه سنة ١٩٣٥ م، وظلت في سنة ١٩٦٠ م نسبة العاملين في الزراعة ٤٧ في المائة من مجموع العاملين، ينتجون ٣٣ في المائة من مجموع الدخل القومي، بينما لم تكن الزراعة تستهلك أكثر من ١٣ في المائة من الأموال المستثمرة. وكان اقتصاد إسبانيا متخلفًا حتى في المجال الزراعي: أراضي بدون سكان، وسكان بدون أراضي. وبعد سنة ١٩٦٢ م، ابتدأ الوضع الاقتصادي يتحسن: فتضاعف عدد الجرارات الزراعية تسع مرات، من ٢٦.٠٠٠ جرار إلى ٢٢٣.٠٠٠ جرار، في ظرف ١٥ سنة، وارتفع الإنتاج الزراعي. وتقدمت شرائح الاقتصاد الأخرى، فنزلت نسبة العاملين في الزراعة إلى ٢٦ في المائة من مجموع اليد العاملة، وإلى ١٥ في المائة من مجموع الإنتاج. ورغم ذلك، بقي استثمار الأرض ضعيفًا بالنسبة لباقي أوروبا. وأدى هذا التحول إلى مشاكل اجتماعية مختلفة، كالهجرة إلى المدن وانتشار البطالة.
وأنشأ فرانكو لتشجيع الصناعة "المعهد القومي الصناعي" (ايني) الذي كان يتبع المبادىء الكتائبية من مركزية في الإدارة والاستثمار، فزاد في حدة التباين بين المناطق وبين المجالات الصناعية. وبعد سنة ١٩٥٣ م، فتح فرانكو إسبانيا لرأس
стр. 295
المال الأجنبي، فأخذت اللبرالية مكان الاستبداد المركزي. وأدت المساعدات الأمريكية والتقدم الاقتصادي الأوروبي إلى صعوبات في الاقتصاد الإسباني، منها التضخم المالي، وارتباك توازن المبادلات التجارية. فارتفعت الأسعار بسرعة أجبرت الحكومة على إنجاز مخطط لتوازن النمو وكبح جماحه. فبين سنتي ١٩٥٧ و ١٩٦٤ م، تقدم معدل دخل الفرد بنسبة ١٨ في المائة، ثم بنسبة ٣٥ في المائة بين سنتي ١٩٦٤ م و ١٩٦٩ م. وبين سنتي ١٩٥٩ م و ١٩٦٩ م، تضاعف استهلاك الطاقة، وتزايد إنتاج الصلب، وتطورت المدن والبوادي. وصاحبت هذه الانطلاقة مشاكل أساسية جديدة، هي:
١ - ارتباط الرأسمال الأجنبي بمصالح القائمين على النظام الدكتاتوري.
٢ - هجرة الكفاءات إلى الخارج
٣ - تزايد دور السياحة السلبي على المجتمع.
٤ - ارتفاع الواردات بالنسبة للصادرات
٥ - تزايد التضخم وارتفاع الأسعار.
أدى كل ذلك إلى أزمات اجتماعية حادة: فبين سنتي ١٩٤٠ و ١٩٥٥ م، قضى النظام على الطبقة العاملة فسهل تجمع الأموال في البنوك للاستثمار. وفي أواخر الخمسينات، أدت الانطلاقة الاقتصادية إلى تباين كبير بين القطاعات الاقتصادية المختلفة. ففي الزراعة، زاد فقر الفلاح وغنى الإقطاعي صاحب الأرض، ولم يتماش رفع أجور الفلاحين مع ارتفاع الأسعار مما أدى بالفلاحين إلى الخيار بين الهجرة والبطالة، خاصة في منطقة الأندلس. وهددت الصناعات البالية، كمعادن أشتورياش، والمتجهة للأسواق الخارجية، كصناعة الأحذية، بالإغلاق وعمالها بالبطالة. فحاولت النقابات الرسمية السيطرة على الوضع، والتحكم في النزاعات حتى لا تؤدي إلى الانفجار. وتكونت "لجان عمالية" سرية للمناقشة والمقاومة، طاردها النظام بعنف في غرناطة والفيرول ومجريط وبرشلونة عدة مرات. وركزت الدولة على جمع المال السهل بتشجيع الهجرة، كان ضحيتها عشرات الآلاف من الأندلسيين، والسياحة التي حولت الشباب، الأندلسي خاصة، إلى خدم للسياح أو فساق لإشباع رغباتهم، كما قضت الصناعات الملونة الرخيصة، خاصة في الأندلس، على البيئة في كثير من المناطق وأضرت بصحة الأهالي.
وظهرت مع الاضطرابات العمالية المعارضة الثقافية ضد الدكتاتورية. فاضطر النظام إلى تحملها أحيانًا ومحاربتها أحيانًا أخرى عن طريق جمعيات شبه حكومية بالمراقبة والسجن والإرهاب. وشارك في هذه المقاومة الكتاب والفنانون، وحتى
стр. 296
صغار الرهبان. وبعد سنة ١٩٧٠ م، أخذ الشباب المنتمي للنظام، ككالبو سرير وفراغة إيريبارني، يهجره ويتحول ضده. وأخذ زعماء الأحزاب التي كانت موجودة قبل الحرب الأهلية، بما فيهم القوميون الأندلسيون، ينتظمون سرًّا من جديد، كما تكونت مجموعات حزبية سرية جديدة. وقابل النظام هذه التحركات بطرق مختلفة، فمثلاً تقبل النظام مشاركة خيل روبلس سنة ١٩٦٢ م في مؤتمر دولي طالب فيه بروابط أقوى مع أوروبا، بينما أعدم الشيوعي خوليان غريماو.
وأدى اضطهاد القوميات واليسار إلى إنشاء حركات إرهابية، كـ "إيتا" بالنسبة للقومية الباسكية و"فراب" بالنسبة لليسار، التي ركزت على مقاومة جهاز النظام القمعي عسكريًّا. فضاعف النظام قمعه للمعارضة، مما أدى بإسبانيا إلى دوامة من المزايدة في العنف بين الحكومة رالجماعات الإرهابية. وفي ديسمبر سنة ١٩٧٣ م، قتل الإرهابيون الأميرال كريرو بلانكو، رئيس الوزراء، الذي كان من أول المخلصين للجنرال فرانكو، فتزعزع بمقتله النظام. وتزامن ذلك مع أزمة البترول الدولية التي أضعفت الاقتصاد الإسباني. وفي سبتمبر سنة ١٩٧٥ م، أدى إعدام خمسة من المتهمين بالإرهاب بعد محاكمة صورية تنافت مع أبسط قواعد العدالة، إلى اشمئزاز من النظام الفرانكوي في العالم أجمع.
وعند مرض فرانكو، أخذت كل الأطراف السياسية تستعد لما بعده. فالتفت حول اليمين الطبقات المستفيدة من النظام، منها الكنيسة الكاثوليكية وجمعية "أوبوس ديي" والطبقات الأرستوقراطية والإقطاعية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالبنوك والصناعة.
وبقي الجيش والشرطة قاعدة النظام المخلصة.
وفي أكتوبر سنة ١٩٧٥ م، تحول مرض فرانكو إلى احتضار أدى إلى موته في ٢٠/ ١١ / ١٩٧٥ م، وتولية خوان كارلوس ملكًا على إسبانيا في ٢٢/ ١١ / ١٩٧٥ م.
وبموت فرانكو مات نظامه، وانفتح عهد جديد على إسبانيا والقومية الأندلسية والإسلام في الأندلس.
٩/ ٢ - رجوع الديموقراطية وانبعاث القومية الأندلسية:
عندما تولى الملك خوان كارلوس السلطة ترك رئاسة الحكومة في أول الأمر لآرياس نبارو، رئيس وزراء فرانكو قبل وفاته. وكان نبارو يمثل نهج فرانكو بكل إخلاص. وفي نفس الوقت، كلف الملك ثلاث وزراء سفراء، وهم فراغة وغاديغس
стр. 297
والرايلسا، بدراسة إمكانية ضم إسبانيا إلى المسار الأوروبي، كاليونان والبرتغال، وبموافقة الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي ٣/ ٧ / ١٩٧٦ م، قبل الملك استقالة نبارو من رئاسة الحكومة، وكلف أدولفو سوارز بتشكيل حكومة جديدة. وكان سوارز آنذاك شابًّا مجهولاً خرج من أوساط "الحركة" الفرانكوية. عمل سوارز على تحويل النظام إلى الديموقراطية، فركز على الإصلاح السياسي بتهيىء استفتاء شامل لبرنامجه: إطلاق سراح المساجين السياسيين، والسماح برجوع المنفيين، وإجراء الانتخابات الحرة، وتشكيل كورتس جديدة ومجلس للشيوخ بالانتخاب عدا أربعين عضوًا يعينهم الملك.
وفي ١٥/ ١٢ / ١٩٧٦ م، قدمت الإجراءات الإصلاحية لاستفتاء شعبي شارك فيه ٧٧ في المائة من الناخبين المسجلين، صوت عليها بنعم ٩٤ في المائة منهم. فكان هذا الاستفتاء نصرًا كبيرًا لسياسة الحكومة الجديدة وموافقة شعبية على مجهودها نحو الانفتاح دون الانفصال عن الماضي. وتتابعت قرارات الحكومة، أهمها إلغاء محكمة الأمن العام، والعفو الشامل عن جميع السياسيين. ولم يعكر صفو هذا التحول الجذري والسلمي سوى العمليات الإرهابية لبعض الجماعات المتطرفة، منها حجز رئيس مجلس الدولة ورئيس المجلس الأعلى للعدالة من طرف أعضاء فرقة "غرابو" (مجموعة الفاتح من أكتوبر الثورية المعادية للفاشية)، ومقتل أربعة محامين للجان العمالية من طرف منظمة إرهابية يمينية اسمها "الرابطة الكنسية المعادية للشيوعية". ثم تحول سوارز بإصلاحاته إلى صفوف الجيش وقوات الشرطة التي أخذت تواجه المظاهرات الشعبية والاضطرابات العمالية.
وقررت الحكومة قبول كل الأحزاب السياسية الشرعية، فسجلت حوالي ٢٠٠ حزب سياسي. وفي أوائل سنة ١٩٧٧ م، أسس خوزي دي الرايلسا وبيو كبانياس "اتحاد المركز الديموقراطي" كبديل للتجمع الفرانكوي الجديد المسمى بـ "الرابطة الشعبية" الذي كانا يتزعمانه، فانضم إليهما عدد من اللبراليين والمسيحيين الديموقراطيين والاشتراكيين الديموقراطيين، بما فيهم سوارز وجماعته الذي أصبح زعيمًا له. ثم ظهر إلى الوجود "الحزب الشيوعي الإسباني" وطلب الاعتراف به، كما تكون من جديد الحزب التاريخي المسمى "الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني". فاعترفت الحكومة بكل هذه الأحزاب وبغيرها، تسجل منها في انتخابات
стр. 298
سنة ١٩٧٧ م ٣٣ حزبًا. واعترفت الحكومة كذلك بالدول الشيوعية في شرق أوروبا.
أدى الاعتراف بالحزب الشيوعي الإسباني وإلغاء الأمانة العامة للحركة الفرانكوية إلى مقاومة اليمين وأقصى اليمين للحكومة، وإلى اضطرابات في مجلس الجيش الأعلى. لكن الحكومة لم تعر لذلك انتباهًا، وتابعت مسيرتها التحررية.
وفي ١٥/ ٦ / ١٩٧٧ م، أجريت انتخابات تشريعية أسفرت عن فوز "اتحاد المركز الديموقراطي" بـ ١٦٦ مقعدًا في مجلس الكورتس، و"الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني" بـ ١١٨ مقعدًا. ولم تحصل "الرابطة الشعبية" اليمينية برئاسة فراغة إلا على ١٦ مقعد، وحصل الحزب الشيوعي الإسباني برئاسة سانتياغو كريليو على عشر مقاعد فقط. وكانت النتائج في بعض المناطق غير متوقعة. ففي قطلونية حصل الشيوعيون على عشرين في المائة من الأصوات، بينما حصل الاشتراكيون على ٣٥ في المائة منها، ولم يستقطب الوسط وأحزاب اليمين إلا نسب ضعيفة.
وأخذ وضع سوارز يضعف حتى قبل الانتخابات التشريعية، بسبب ضعف القاعدة اليمينية التي كان مستندًا عليها، وأصبح "الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني" أكبر قوة معارضة. وواجهت سوارز مشاكل سياسية لا يمكنه التأخر في مجابهتها، أولها مشكلة مركزية الدولة أو عدم مركزيتها. ففي ١١/ ٩ / ١٩٧٧ م، وهو اليوم القومي القطلاني، تظاهر أكثر من مليون شخص في شوارع برشلونة تحت شعار "نريد قانون الاستقلال الذاتي". فاستجابت حكومة سوارز بإنشاء حكومة محلية قطلانية "جنرالتات" برئاسة ترادلاس الذي أتي به من المنفى. ثم تحركت "أوسكادي" (بلاد الباسك) التي أصبح فيها لليسار القومي أكبر تأثير، بما فيه قسمه العسكري "إيتا" الذي أقسم على الحصول على استقلال "أوسكادي" ولو بالعنف إذا اقتضى الحال.
ولمواجهة الأزمتين الاقتصادية والسياسية، عقد سوارز اجتماعًا للناطقين باسم التنظيمات السياسية في البرلمان لإنقاذ الموقف. فتوصلوا إلى ما يسمى بـ "اتفاق مونكلوا" الذي يربط بين الحكومة والمعارضة في المسؤولية، وهو بمثابة هدنة بين أصحاب المعامل والمنظمات العمالية.
ومنذ سنة ١٩٧٨ م، ابتدأت المحادثات الدستورية، حصل فيها الاتفاق على الحفاظ على وحدة إسبانيا، ولكن في نفس الوقت الاعتراف بقومياتها واحترام
стр. 299
تعدديتها. كما وقع الاتفاق على سيادة الشعب ولكن مع احترام مقام الملك، وعلى ضمان حرية رأس المال ولكن مع التخطيط.
ونجح الوسط بالأكثرية في الكورتس في انتخابات مارس سنة ١٩٧٩ م، بينما فاز الشيوعيون والاشتراكيون والقوميون الباسك في كثير من المدن الكبيرة. ووقع الاستفتاء على قانون الحكم الذاتي لقطلونية ولأوسكادي، لكن بمستوى من الاستقلال أقل مما حصلت عليه المقاطعتان في الثلاثينات، لذلك لم يستجب الأهالي للاستفتاء بحماس، وعكف أربعون في المائة منهم عن الإدلاء بأصواتهم.
وفاز في انتخابات البرلمان القطلاني "حزب التلاقي والوحدة" الوسط، وانتخب جوردي بوجول، رئيسه، رئيسًا للحكومة المحلية. وفي أوسكادي حصل "الحزب القومي الباسكي" على نسبة كبيرة من الأصوات، بينما فازت الأحزاب الإسبانية في المنطقة بنسب مرتفعة من الأصوات، فقررت منظمة "الإيتا" متابعة المقاومة العسكرية ضد الوجود الإسباني، ورفضت التفاوض إلى أن تخرج قوى الأمن الإسبانية من أوسكادي. وفي نفس السنة، وافق البرلمان على قانون "التنسيق بين الأنظمة ذات الحكم الذاتي"، مما جعل القوميين المحليين يخافون استعماله من طرف الحكومة المركزية لتقليص سلطاتهم.
وفي ٢٣/ ٢/ ١٩٨١ م، هاجم الكلونيل تيخيرو الكورتس بفرقة من الحرس المدني، حاملاً مسدسه، وأجبر النواب على الاختفاء وراء الكراسي أمام عدسات التلفزيون التي نقلت المنظر الغريب إلى العالم أجمع. لكن هذه المحاولة الانقلابية اليمينية فشلت بسبب موقف الملك الصارم ضدها، فتنصل كبار قواد الجيش، كالجنرال ميلانس في بلنسية والجنرال أرمادا في مجريط، من مساندتها. فقبض على تيخيرو وحوكم وسجن، وتابعت إسبانيا مسيرتها نحو الديموقراطية.
وتشتتت أحزاب الوسط في انتخابات أكتوبر سنة ١٩٨٢ م، بينما تمحور الناخبون حول "الرابطة الشعبية" برئاسة فراغة إيريبارني، في اليمين، التي أزاحت أقصى اليمين، وحول "الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني" برئاسة الأندلسي فليبي غونزالس، في اليسار الذي أزاح أقصى اليسار. وحصل هذا الأخير على أكثرية المقاعد المطلقة في الكورتس، وأصبح غونزالس رئيسًا للحكومة إلى الآن (سنة ١٩٩٢ م). فتبع سياسة معتدلة في المجال الاجتماعي، رغم بعض الاضطرابات في صفوف الجيش، وفي الاقتصاد رغم انهيار شركة "الروماسة"
стр. 300
وتزايد البطالة والإرهاب، خاصة من طرف منظمة الإيتا، والعنف البوليسي. لكن الحزب الاشتراكي فشل في انتخابات أوسكادي وقطلونية المحلية، بينما فاز في الأندلس.
ونجح "الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني" الحاكم في ربط إسبانيا بأوروبا بشكل وثيق، ولأول مرة أخذت فرنسا تنسق مع إسبانيا مقاومة إرهاب منظمة الإيتا.
وفي سنة ١٩٨١ م، دخلت إسبانيا منظمة حلف شمال الأطلسي رغم أن الحزب الاشتراكي وعد في انتخابات سنة ١٩٨٢ م بإخراجها منه، ولما وصل للحكم أجرى استفتاء حول الموضوع بتاريخ ١٢/ ٣/ ١٩٨٦ م، فأجاب ٥٢ في المائة من المصوتين بنعم على ترك إسبانيا في الحلف الأطلسي. وفي ١/ ١/ ١٩٨٦ م، قُبلت إسبانيا في السوق الأوروبية المشتركة، فحبذت ذلك معظم المناطق الإسبانية، عدا المناطق النائية التي خافت من التهميش داخل المجموعة الأوروبية.
وأدى النظام الديمقراطي بإسبانيا إلى تقدم شامل في الثمانينات. ففي سنة ١٩٨٥ م، أصبح سكان إسبانيا حوالي ٣٥ مليون نسمة بنسبة للولادة تعادل ١٣.٤ في الألف، ونسبة للوفيات تعادل ٧.٦ في الألف، أي بنسبة زيادة طبيعية تساوي ٥.٨ في الألف، أو حوالي ٢٠٠.٠٠٠ إسباني جديد كل سنة. وتحسنت الأوضاع الصحية في البلاد، فنزلت نسبة وفيات الأطفال إلى ٨.٦ في الألف. وارتفع الإنتاج في كل المجالات: فوصل إنتاج القمح إلى ٦ مليون طن، والصلب إلى ١٣ مليون طن، والكهرباء إلى ٣.٣٥ كيلوواط ساعي لكل فرد، والسيارات إلى ١.٣ مليون وحدة. وانتشرت الطرق السريعة والفنادق الرفيعة في طول البلاد وعرضها.
ورغم ذلك التقدم بقيت بعض المشاكل الأساسية دون حل: فمعدل دخل الفرد الواحد سنة ١٩٨٣ م لم يكن سوى ٤.٨٠٠ دولار، ولم يزد على ما كان عليه سنة ١٩٨٠ م إلا بنسبة ١.٧ في المائة. وظلت نسبة البطالة مرتفعة جدًّا حوالي ٢١ في المائة من مجموع القوى العاملة. وتضررت الصناعات التقليدية كتربية الماشية وزراعة الفواكه والنسيج، بينما اختلفت الإنتاجية الزراعية باختلاف السنين والمناطق.
وتضررت منطقة الأندلس بصفة خاصة، إذ بقيت الأراضي الزراعية بها في يد كبار الملاك القادمين من الشمال بينما انتشر الفقر بين الأندلسيين وتزايدت هجرتهم، كما تضاعف التباين الصارخ بين المناطق الفقيرة في القرى والمدن الداخلية
стр. 301
والشواطىء الغنية ذات السياحة الجماعية أو بعض المدن الكبرى كإشبيلية ومالقة وغرناطة.
وتحولت إسبانيا من دولة مركزية إلى دولة اتحادية، لكن حصلت الوحدات المختلفة في الاتحاد الجديد على مستويات متفاوتة من الحكم الذاتي. وحرصت بعض المناطق على الاعتراف بها ليس كمنطقة ذات حكم ذاتي فقط، بل على خصوصيتها كقومية قائمة بذاتها.
فنجحت إسبانيا في تحويل نفسها إلى ولايات إسبانية متحدة، ولكنها لا زالت تبحث طريقها كاتحاد لقوميات مختلفة. ومن بين قوميات إسبانيا بل وأوروبا الغربية كلها، تجد القومية الأندلسية نفسها في وضع فريد لأنها ركزت وجودها على قاعدة تاريخية إسلامية، بينما قامت جميع القوميات الأخرى على ذكرى الدول النصرانية التي قامت في القرون الوسطى ضد الوجود الإسلامي، وعلى أفكار الكنيسة الكاثوليكية التي كانت أساسها. لذا كان اعتراف الحكومة المركزية الإسبانية بالقومية القطلانية أو الباسكية أسهل بكثير من الاعتراف بالقومية الأندلسية.
فمملكة أراغون التاريخية انقسمت اليوم إلى أقسامها الأربع، وهي:
١ - قطلونية، عاصمتها برشلونة ولغتها القطلانية، وهي وريثة إمارة قطلونية في القرون الوسطى، وليس فيها أي تأثير إسلامي معاصر سوى بعض الاهتمام بالتاريخ الإسلامي في مصب نهر الابرة.
٢ - أراغون، عاصمتها سرقسطة ولغتها القشتالية (انقرضت اللغة الأراغونية)، وهي وريثة دولة أراغون التاريخية، وتضم أرضها معظم الثغر الأعلى في الدولة الإسلامية، ولأراغون اليوم بعض الاهتمام بتاريخها الإسلامي لكنها لا تعد هذا التاريخ أساسيًّا في هويتها.
٣ - بلاد بلنسية، عاصمتها بلنسية ولغتها البلنسية (وهي قريبة من القطلانية)، وهي، كشقيقتها أراغون، تعد نفسها وريثة الوجود النصراني ولا تهتم بالوجود الإسلامي فيها إلا اهتمامًا عابرًا، كما لا تعده أساسيًّا في هويتها.
٤ - الجزر الشرقية، عاصمتها ميورقة ولغتها البليارية (وهي قريبة من القطلانية)، وهي كذلك وريثة الوجود النصراني وتعد تاريخها الإسلامي ثانويًّا في تكوين هويتها.
وانقسمت مملكة نبارة التاريخية إلى منطقتين:
١ - نبارة، عاصمتها بنبلونة ولغتها القشتالية وإن كان قسم كبير من أهلها في الشمال يتكلم البشكنجية، وهويتها تعود إلى
стр. 302
دولة نبارة النصرانية في القرون الوسطى.
٢ - أوسكادي، عاصمتها بتورية ولغتها البشكنجية، وهي مركز القومية البشكنجية وتاريخها نصراني مثل نبارة وهي تطالب بانضمامها إليها.
وأعيد تنظيم مناطق جديدة للثلاث ممالك النصرانية الأساسية التي تكونت لمقاومة الفتح الإسلامي، وتعتمد هويتها بصفة مطلقة على تاريخها النصراني، وهي:
١ - جليقية، عاصمتها لاكرونيا ولغتها الجليقية.
٢ - أشتورياش، عاصمتها أبيط ولها لغة محلية كادت تندثر تحاول إحياءها.
٣ - قنتبرية، عاصمتها شنت أندر ولغتها القشتالية.
وانقسمت القشتالتان، القديمة والجديدة، إلى أربع مناطق، لغتها جميعًا القشتالية وانتماؤها كاثوليكي، وهي:
١ - لاريوخا، عاصمتها لوغرونيو.
٢ - وقشتالة ليون، عاصمتها ليون.
٣ - مجريط، منطقة العاصمة.
٤ - قشتالة مانشة، عاصمتها طليطلة، وهي تضم منطقة الثغر الأوسط في الدولة الإسلامية، وآثارها الإسلامية كثيرة.
ثم تكونت منطقة الاسترمادورا، عاصمتها ماردة، ومنطقة مرسية، عاصمتها مرسية، ومنطقة الأندلس، عاصمتها إشبيلية، ومنطقة الجزر الخالدات، عاصمتها لاس بالماس. ولغة جميع هذه المناطق القشتالية.
ويبين الجدول التالي المناطق الإسبانية ذات الحكم الذاتي، ومساحاتها، وعدد سكانها حسب إحصاء سنة ١٩٨١ م.
стр. 303
مناطق إسبانيا ذات الحكم الذاتي
الأندلس
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٦.٤٤٢.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٨٧.٢٦٨
عاصمتها: إشبيلية
لغتها: القشتالية
قطلونية
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٥.٩٥٨.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٣١.٩٣٠
عاصمتها: برشلونة
لغتها: القطلانية
مجريط
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٤.٧٢٧.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٧.٩٩٠
عاصمتها: مجريط
لغتها: القشتالية
بلنسية
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٣.٦٤٧.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٢٣.٣٠٥
عاصمتها: بلنسية
لغتها: البلنسية
قشتالية - ليون
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٢.٤٧٨.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٩٤.٢٤٧
عاصمتها: ليون
لغتها: القشتالية
أوسكادي
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٢.١٣٥.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٧.٢٦١
عاصمتها: بتوريا
لغتها: البشكنجية
قشتالة - مانشة
سكانها سنة ١٩٨١ م: ١.٦٢٨.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٧٩.٢٢٦
عاصمتها: طليطلة
لغتها: القشتالية
الجزر الخالدات
سكانها سنة ١٩٨١ م: ١.٤٤٥.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٧.٢٧٣
عاصمتها: لاس بالماس
لغتها: القشتالية
أراغون
سكانها سنة ١٩٨١ م: ١.٢١٣.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٤٧.٦٦٩
عاصمتها: سرقسطة
لغتها: القشتالية
أشتورياش
سكانها سنة ١٩٨١ م: ١.١٢٧.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ١٠.٥٦٥
عاصمتها: أبيط
لغتها: الأشتورية
استرامدورا
سكانها سنة ١٩٨١ م: ١.٠٥٠.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٤١.٦٠٢
عاصمتها: ماردة
لغتها: القشتالية
مرسية
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٩٥٨.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ١١.٣١٧
عاصمتها: مرسية
لغتها: القشتالية
الجزر الشرقية
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٦٨٥.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٥.٠١٤
عاصمتها: ميورقة
لغتها: البليارية
قنتبرية
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٥١١.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٥.٢٨٩
عاصمتها: شنت أندر
لغتها: القشتالية
نبارة
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٥٠٧.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ١.٤٢١
عاصمتها: بنبلونة
لغتها: القشتالية
لاريوخا
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٢٥٣.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٥.٠٣٤
عاصمتها: لوغرونيو
لغتها: القشتالية
المجموع
سكانها سنة ١٩٨١ م: ٣٧.٦١٧.٠٠٠
مساحتها بالكيلومتر مربع: ٥٠٤.٧٥٠
عاصمتها: مجريط
لغتها: القشتالية
стр. 304
٩/ ٣ - إنشاء منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي:
في سنة ١٩٧٨ م، ابتدأت المحادثات الدستورية في إسبانيا، وقررت الأكثرية على أن تكون إسبانيا ملكية دستورية اتحادية. وبعد انتخابات مارس سنة ١٩٧٩ م، اعترف الكورتس بالقوميات المسماة "التقليدية" أي الباسكية والقطلانية، ووقعت الموافقة بالاستفتاء على دستوري الحكم الذاتي لمنطقتي قطلونية وأوسكادي.
وفي سنة ١٩٧٩ م بالذات، أخذ الأندلسيون يطالبون بالاعتراف بقوميتهم واعتبارها قومية "تقليدية"، أي يريد الأندلسيون الحصول على حكم ذاتي بنفس المستوى الذي حصل عليه القطلانيون والباسك. وفي ١١/ ٨/ ١٩٧٩ م، عقدت القوى السياسية الأندلسية المختلفة اجتماعها الأول في قشريش، بلدة بلاس إنفانتي، في الذكرى الثالثة والأربعين لاستشهاده، بدعوة رفائيل أسكوديرو، رئيس مجلس الأندلس حينذاك. واستجابت للدعوة الفروع الأندلسية للأحزاب التالية: الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، واتحاد الوسط الديموقراطي (الحاكم حينذاك في مجريط)، والحزب الشيوعي الإسباني، وحزب العمل الأندلسي. بينما رفض الحزب الاشتراكي الأندلسي (الحزب القومي الأندلسي فيما بعد) الاستجابة للدعوة، واجتمع زعماؤه بمفردهم في رندة، في نفس التاريخ، مما كان له التأثير السيىء في شعبية هذا الحزب في المستقبل. اتفقت الأحزاب المذكورة على نسيان نزاعاتهم الحزبية في قشريش، وتوحيد الكلمة السياسية كأندلسيين للاتفاق على خطة واحدة تجعل الحكومة الإسبانية تعترف بالقومية الأندلسية كقومية "تقليدية" وتعطي منطقة الأندلس حكمًا ذاتيًّا بنفس المستوى الذي حصلت عليه قطلونية وأوسكادي.
وأظهر أسكوديرو الاتجاه العام لاجتماع قشريش في خطابه الافتتاحي، إذ قال:
"في ١١ غشت عام ١٩٣٦ م، صاح بلاس إنفانتي في لحظة استشهاده: "عاشت الأندلس حرة"، فلخص بصيحته هذه حلمًا قديمًا للأندلسيين: وهو تأسيس أندلس ذات حكم ذاتي، أندلس تحكم نفسها بنفسها، أندلس ذات رجال ونساء مستعدين أن يخرجوا من هوان القرون للمشي في طريق التحرر الاجتماعي والثقافي، ولا زالت صيحة التحرير هذه قائمة. واليوم وفي هذه الساعة، يجب على الشعب الأندلسي أن يستعد ليأخذ حقه من التاريخ، عبر طريق طويلة ... ".
وانتهى اجتماع قشريش بإجماع السياسيين الأندلسيين على ما يلي: "إن مجلس الأندلس في ذكرى وفاة بلاس إنفانتي، ينهج طريقه ويتبنى إرثه السياسي، ويتابع
стр. 305
رسالته التاريخية باقتراحه على الشعب الأندلسي مشروعًا نبيلاً للوصول إلى دستور الحكم الذاتي الكامل للأندلس. وكما قال بلاس إنفانتي شهورًا قبل وفاته: "يكون الدستور الأندلسي كما يريده كل الأندلسيين، لذلك نطلب من الأندلسيين جميعًا أن يتدارسوا بالطريقة السهلة التي يريدونها وبدون تعقيد، شكل الحكومة التي يريدونها لأنفسهم ... ".
ووقع الإجماع في قشريش على المطالبة بالحكم الذاتي عن طريق المادة ١٥١ من الدستور الإسباني، التي تعطي استقلالاً ذاتيًّا كاملاً كالذي حصلت عليه قطلونية وأوسكادي، عوضًا عن المادة ١٤٣ التي تؤدي إلى شيء من المسؤولية المحلية فقط. وكانت الحكومة المركزية تود إعطاء الأندلس حكمًا ذاتيًّا حسب المادة ١٤٣.
وحضر اجتماع قشريش كذلك كلابيرو أريبالو، وزير الثقافة الإسباني، وهو أندلسي عضو في اتحاد الوسط الديموقراطي الحاكم، كما حضره عمداء سبع عواصم أندلسية من الثمانية المجتمعة، ولم يغب سوى عمدة إشبيلية الذي حضر اجتماع الحزب الاشتراكي الأندلسي في رندة. واستقبل عمدة قشريش وأهلها المؤتمرين بحماس فائق. وفي ١١/ ٨/ ١٩٧٦ م، أصبحت قشريش أول بلدة أندلسية تجرأت بعد موت فرانكو على إحياء ذكرى بلاس إنفانتي عندما دشن عمدتها حينذاك نصبًا في ذكراه، فأزاحته الحكومة المركزية، ولكن النصب أعيد لمكانه بعد ذلك. وبعد انتهاء الاجتماع، وعد الوزير أريبالو بنقل رغبة الشعب الأندلسي إلى الحكومة المركزية، وقال: "يجب أن يعامل الأندلسيون في المجال الاقتصادي معاملة أفضل من أي شعب من شعوب إسبانيا".
وبعد اجتماع قشريش، أخذ أسكوديرو، رئيس المجلس الأعلى، وزعماء الأحزاب الأندلسيون يتجولون في أنحاء الأندلس لإخبار الأهالي بقراراته، وحثهم على المطالبة بالحكم الذاتي للأندلس. ولم تكن الحكومة المركزية برئاسة حزب "اتحاد الوسط الديموقراطي" ترى بعين الرضى نهوض القومية الأندلسية، ولا كانت تحبذ حصول الأندلس على الحكم الذاتي. وكان الحل الدستوري الوحيد للمشكل هو إجراء استفتاء شعبي في الأندلس يُستفتى فيه الأهالي عن رأيهم في الحصول على الحكم الذاتي. وفي ٣/ ١٠/ ١٩٧٩ م، اجتمع أسكوديرو بأدلفو سوارز، رئيس الوزراء، واتفقا أن يكون موعد الاستفتاء بتاريخ ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م.
стр. 306
وبعد تحديد الموعد، أخذت الأحزاب الأندلسية تقوم بالترتيبات اللازمة لتفسير معنى الحكم الذاتي للجماهير وحثها على التصويت، بينما ابتدأت الحكومة المركزية تفكر في إفشال الاستفتاء أو تأخيره، وحددت شروطًا تعجيزية وقاسية لإنجاحه، منها أن يجري الاستفتاء في ثمان مقاطعات (ولبة وإشبيلية وقادس وقرطبة ومالقة وجيان وغرناطة والمرية)، وأن تجيب كل واحدة منها بأكثر من خمسين في المائة من الناخبين المسجلين بالموافقة على السؤال التالي: "هل توافق على المضي في المبادرة المذكورة في المادة ١٥١ من الدستور (الإسباني) وتنفيذ الإجراءات المنصوص عليها في تلك المادة؟ ". وإذا كانت الإجابة أقل من خمسين في المائة في إحدى المقاطعات، عد الجواب سلبيًّا في كل الأندلس. ولم تطبق هذه الشروط المجحفة في أية منطقة من مناطق إسبانيا، لا في أوسكادي ولا في قطلونية ولا في غيرهما.
وحث الزعماء الأندلسيون، وعلى رأسهم أوسكوديرو، الشعب الأندلسي على التظاهر سلميًّا يوم ٢/ ١٢/ ١٩٧٩ م، في مدن الأندلس وقراها للتعبير عن رغبته الجماعية في الحصول على اعتراف الحكومة الإسبانية بالأمة الأندلسية كقومية قائمة بنفسها والحصول منها على الحكم الذاتي. فاستجابت الجماهير وخرجت في مظاهرات شعبية كبيرة أدت إلى اشتباكات مع الشرطة في قرطبة وإشبيلية. وعلق الرئيس أسكوديرو على هذه الأحداث بقوله: "يجب أن تعد الأحداث التي وقعت في مظاهرات قرطبة وإشبيلية في إطار سياسة الاستفزازات التي تهدف إلى كسر وحدة الشعب الأندلسي وخلق الفوضى بين صفوفه حتى ينفر من استفتاء ٢٨ فبراير".
وفي ٧ - ٨/ ١/ ١٩٨٠ م، زار الملك خوان كارلوس مقاطعتي جيان وغرناطة، فصاحبه الرئيس أوسكوديرو. وفي جيان صاح الملك: "عاشت الأندلس" فكان هتافه بمثابة مساندة للمطالب الشعبية الأندلسية.
وفي ١٤/ ١/ ١٩٨٠ م، قررت اللجنة التنفيذية للحزب الحاكم (اتحاد الوسط الديموقراطي) أن أحسن طريقة لحصول الأندلس على الحكم الذاتي هو عبر المادة رقم ١٤٣، وقررت عدم مساندة استفتاء ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م ومطالبة الأهالي بعدم التصويت. فكانت هذه القرارات ضربة قاسية للمطالب الأندلسية وغدرًا من طرف
стр. 307
الحزب الحاكم للأندلس وضعت أتباعه الأندلسيين في موقف حرج. ومن هؤلاء منويل كلابيرو أريبالو، وزير الثقافة، وهو الأندلسي الذي شارك في كتابة الدستور الإسباني بما فيه المادتين ١٤٣ و ١٥١، فقرر تقديم استقالته والرجوع إلى إشبيلية للمساهمة في تشجيع الشعب الأندلسي على الجواب على سؤال الاستفتاء بنعم، كما قرر فرع حزب "اتحاد الوسط الديموقراطي" في الأندلس مساندة الاستفتاء على عكس قرار لجنة الحزب التنفيذية. وهكذا وقع إجماع الأحزاب في منطقة الأندلس على مساندة الاستفتاء والإجابة عليه بالموافقة.
وابتدأت حملة الاستفتاء متأخرة في كل أنحاء الأندلس، ولم يكن الزعماء الأندلسيون يخافون من الجواب بـ "لا"، ولكنهم كانوا يخافون من عدم التصويت، خاصة وأن ثلث الأندلسيين امتنعوا عن التصويت في الانتخابات والاستفتاءات الماضية لأسباب متعددة، أهمها كثرتها، وعقلية الشعب الأندلسي الناتجة عن الاضطهاد المتواصل التي تجعله سلبيًّا أمام كل ما يأتي من الحكومة، فلم يتعود بعد على التغير، خاصة في القرى النائية.
وواجه الأندلسيون مشكلة كبيرة أخرى: وهي عدم دقة اللوائح الانتخابية التي كان أساسها إحصاء سنة ١٩٧٥ م، وقد عدلت في أواخر ١٩٧٦ م و ١٩٧٧ م و ١٩٧٨ م. وأهم خطأ في هذه اللوائح يعود إلى كون البلديات اعتادت قديمًا على تكثير أعداد سكانها للحصول على مساهمات أكبر من الحكومة في ميزانياتها، وذلك بعدم شطب أسماء الموتى والمهاجرين. وطبعًا سيعد هؤلاء في الاستفتاء من بين المسجلين الذين لم يصوتوا، مما سيكون له أكبر الخطر على نتائجه.
كما أجرت الحكومة ضغوطًا على مقاطعة المرية لسحبها من الأندلس وجعلها تنضم إلى منطقة مرسية، كما كان هناك خطر على مقاطعة جيان لكثرة المهاجرين إليها من خارج الأندلس.
وأجري الاستفتاء في المقاطعات الثمانية في التاريخ المحدد. وقد وصلت النتيجة إلى النسب المذكورة في الجدول التالي بالنسبة لجميع الناخبين المسجلين في كل مقاطعة:
стр. 308
نتائج الاستفتاء الأندلسي بتاريخ ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م
إشبيلية
المصوتون: ٧٢.٧
الموافقون: ٦٤.٩
المعارضون: ٣.٠
الأوراق الملغاة: ٤.٨
غير المصوتين: ٢٧.٣
قادس
المصوتون: ٦١.٤
الموافقون: ٥٥.٤
المعارضون: ٢.٠
الأوراق الملغاة: ٤.٠
غير المصوتين: ٣٨.٦
مالقة
المصوتون: ٥٩.٣
الموافقون: ٥٢.٤
المعارضون: ٣.٢
الأوراق الملغاة: ٣.٧
غير المصوتين: ٤٠.٧
غرناطة
المصوتون: ٦٢.٥
الموافقون: ٥٣.٠
المعارضون: ٣.٨
الأوراق الملغاة: ٥.٧
غير المصوتين: ٣٧.٥
قرطبة
المصوتون: ٦٩.٦
الموافقون: ٦٠.٠
المعارضون: ٣.٩
الأوراق الملغاة: ٥.٧
غير المصوتين: ٣٠.٤
جيان
المصوتون: ٦٣.٢
الموافقون: ٥٠.١
المعارضون: ٦.٣
الأوراق الملغاة: ٦.٨
غير المصوتين: ٣٦.٨
ولبة
المصوتون: ٦٠.٦
الموافقون: ٥٣.٩
المعارضون: ٢.٢
الأوراق الملغاة: ٤.٥
غير المصوتين: ٣٩.٤
المرية
المصوتون: ٥١.٠
الموافقون: ٤٢.١
المعارضون: ٤.٠
الأوراق الملغاة: ٤.٩
غير المصوتين: ٤٩.٠
المجموع
المصوتون: ٦٤.٢
الموافقون: ٥٥.٧
المعارضون: ٣.٤
الأوراق الملغاة: ٥.١
غير المصوتين: ٣٥.٨
كان عدد الناخبين المسجلين في المقاطعات الثمانية ٤.٤٣٥.١٩٥ شخص. إذن، رغم معارضة الحزب الحاكم والحكومة، شارك في الاستفتاء حوالي ثلثا المسجلين، وكانت أعلى نسبة مشاركة في مقاطعة إشبيلية وأضعفها في مقاطعة المرية، ولم تعارض الحكم الذاتي في جميع المقاطعات إلا نسبًا ضئيلة من الناخبين. وقد شاركت أكثرية أعضاء الأحزاب اليسارية في الاستفتاء، كما شارك فيه عدد هام من أعضاء الأحزاب اليمينية.
لذا عدّ المراقبون السياسيون استفتاء ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م انبعاثًا للأمة الأندلسية، إذ صوت الأندلسيون بنسبة ٥٦ في المائة تقريبًا على أنهم قومية قائمة بنفسها وبذلك تبنوا أفكار بلاس إنفانتي ٤٣ سنة بعد استشهاده. وكانت نسبة الموافقين أعلى في مقاطعتي إشبيلية وقرطبة المركزيتين. وحتى جيان، التي خيف عليها، صوتت بالموافقة بنسبة تساوي ٥٠.٠٧٣ في المائة من المسجلين، أي بـ ٣٤٤ صوت أكثر من النصف
стр. 309
المطلوب. ولم ينخفض على النصف سوى المرية، ورغم ذلك لم يصوت بـ "لا" فيها سوى ٤ في المائة من مجموع الناخبين المسجلين فيها. ولذا عد الأندلسيون استفتاء ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م نصرًا تاريخيًّا للأندلس ووجودها.
ورغم محاولة الحكومة رفض نتيجة الاستفتاء بسبب تصويت المرية، اضطرت إلى قبوله لما كان لموقفها من غرابة، إذ من بين الذين أدلوا بأصواتهم في المرية صوت ٨٢.٥ في المائة بالموافقة على السؤال المطروح.
وبعد الاستفتاء، ابتدأ زعماء الأندلس في تخطيط نظم منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي ودستورها ونشيدها الوطني وعلمها، الخ ...
٩/ ٤ - رموز منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي:
تكونت منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي من المقاطعات الثمانية التي شاركت في الاستفتاء وهي: ولبة وإشبيلية وقادس وقرطبة ومالقة وجيان وغرناطة والمرية.
واختيرت إشبيلية عاصمة لها، كما وافقت الحكومة الإسبانية على دستورها (بما في ذلك مدى حكمها الذاتي) ورموزها (الترس والعلم والنشيد الوطني) وحقوقها.
كان ترس الأندلس الرمزي الأول هو الذي وجد على باب قصبة قرطبة، والذي يعود تاريخه إلى عهد عبد الرحمن الناصر الأموي. ويمثل الترس المذكور مئذنة مسجد قرطبة الجامع تعلوها ثلاثة كويرات نحاسية، وتحيط بالمئذنة أسوار مدينة قرطبة وأربع نخلات، ويمر تحت الأسوار الوادي الكبير عليه جسر وبشاطئه ناعورة. يرمز هذا الترس إلى معاني الأندلس الأزلية، وقد أحياه القوميون الأندلسيون وجعلوه شعارًا للأندلس الحديثة، وزادوا عليه هذا البيت مكتوبًا باللغة العربية والحرف الكوفي:
قرطبة موطن الحرب والفرسان ... ومورد الحكمة الصافي والعرفان
أما الترس الذي اتخذه الأندلسيون شعارًا للأندلس ذات الحكم الذاتي هو كذلك من ابتكار بلاس إنفانتي في مجلس رندة سنة ١٩١٨ م حيث قدمه بالعبارات التالية: "لكي نتفق على ترس للأندلس، نستلهم رموزه من ترس قادس، مولد شعبنا منذ أيام الطرطيسيين في السنين الغابرة؛ وهو يعبر عن مجهود انبعاث وطن على المستوى الثقافي. وتظهر في الترس صورة لهرقل شابًّا، رمز القوة الشابة الدائمة للعقل الذي يتحكم وينسق القوة المادية الحيوانية المتمثلة في أسدين (تحت قدم هرقل). ويكتب
стр. 310
على قدم الترس: "الأندلس لنفسها ولإسبانيا وللبشرية". وباللغة اللاتينية على رأس الترس (فوق ساريتين) "هرقل المؤسس الحاكم" التي تلخص ترس قادس".
نرى تركيز هذا الترس على تاريخ ما قبل إسلام الأندلس، وعلى مدينة قادس بالذات التي كانت مركز الانطلاقة للقومية الأندلسية في أوائل القرن التاسع عشر بعد الغزو النبليوني الفرنسي. ولقد وافق الأندلسيون المعاصرون على تبني هذا الترس بعد أن أجروا عليه تغييرات خفيفة في صورة هرقل.
أما العلم الأندلسي المعاصر فيعود إلى جذور إسلامية محضة، وهو مكون من ثلاثة هوامش أفقية متساوية، خضراء في الأعلى والأسفل وبيضاء في الوسط. وقد وافق عليه كذلك مجلس رندة سنة ١٩١٨ م.
ويرمز اللون الأخضر في العلم الأندلسي إلى الدولة الأموية في الأندلس التي كان علمها أخضر، بينما يرمز اللون الأبيض إلى الدولة الموحدية ذات العلم الأبيض. وبما أن الأمويين استعملوا العلم الأخضر منصوبًا على أعلى مئذنة الجامع الأعظم بقرطبة للدعوة إلى الصلاة، وأن الموحدين أدخلوا العلم الأبيض لتوحيد الأندلس بعد شتاتها إلى طوائف، اختار بلاس إنفانتي اللونين رمزًا للأندلس الجديدة: الأخضر رمزًا لدعوة الحوار والشورى، والأبيض رمزًا للائتلاف والوحدة والسلام. وبعبارة بلاس إنفانتي في خطاب ألقاه في قادس سنة ١٩٣٦ م قبل استشهاده بقليل: "إن العلم الأندلسي الذي رفعناه هنا هذا المساء، رغم أنه رمز الأمل والسلام، لن يأتي لنا لا بالأمل ولا بالحرية اللتين نتطلع إليهما إلا إذا رفعناه عاليًا في قلوبنا".
ويعود تاريخ العلم الأخضر والأبيض على شكله الحالي الذي استعاده بلاس إنفانتي ووافق عليه الشعب الأندلسي، وأصبح اليوم علم منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي إلى السلطان أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي الذي رفع مثل هذا العلم على مئذنة مسجد إشبيلية الأعظم في ١٨/ ٧/ ١١٩٥ م بعد انتصاره على الجيوش النصرانية في معركة الأرك معلنًا بذلك انتصار الشعب الأندلسي (الأخضر) المسلم الموحد (الأبيض).
وبقي هذا العلم في مخيلة الأندلسيين، فرفعوه عاليًا في مقاومتهم المريرة لغزو غرناطة من طرف نصارى قشتالة حتى سقوطها سنة ١٤٩٢ م. فكان هذا العلم، الأخضر والأبيض، علم السلطان أبي عبد الله عندما قبض عليه القشتاليون على أبواب
стр. 311
اليسانة. وقد غنم القشتاليون ٢٢ علمًا من هذه الأعلام النصرية، بقي بعضها في المتاحف الإسبانية إلى يومنا هذا.
ولم يسقط العلم الأخضر والأبيض بسقوط غرناطة، بل ظل في قلوب الأندلسيين شعارًا لهم يخرجونه في ثوراتهم المتتالية. فقد ظهر هذا العلم مرة أخرى سنة ١٦٤١ م كعلم ثورة طاهر الحر ودوق مدينة شذونة، كما كان علم معظم الثورات الشعبية الأندلسية في القرن التاسع عشر الميلادي.
وهكذا نرى أن العلم الأندلسي المعاصر هو علم إسلامي محض، رجع فيه الأندلسيون المعاصرون باختياره إلى ينابيعهم الإسلامية وكل ما فيها من رموز عليا من الأخوة والمحبة والوحدة والإيمان بالله واحترام خلق الله ومحبتهم. وظل اللونان الأخضر والأبيض في المخيلة الأندلسية الجماعية محبوبين ممثلين النور والأمل.
أما النشيد الوطني الأندلسي فيعود اختياره كنشيد القومية الأندلسية إلى اجتماع رندة كذلك في يناير سنة ١٩١٨ م. وهو من تأليف بلاس إنفانتي موسيقى وكلمات، بالتعاون مع المعلم قشتيليو، مدير الجوق البلدي الإشبيلي حينذاك. أما الكلمات فهي عبارة عن أربع رباعيات باللغة القشتالية هذه ترجمتها:
الراية البيضاء والخضراء ... تعود عبر قرون من الحرب
لتعلن السلام والأمن ... تحت شمس أرضنا
أيها الأندلسيون قوموا ... اطلبوا الأرض والحرية
ليكونا للأندلس الحرة ... إسبانيا والبشرية
نحن الأندلسيون نريد ... أن نعود كما كنا
رجال ضياء، الذين للعالم ... أعطوا أرواح الرجال
أيها الأندلسيون قوموا ... اطلبوا الأرض والحرية
ليكونا للأندلس الحرة ... إسبانيا والبشرية
وقد اقتبس بلاس إنفانتي موسيقى النشيد الوطني الأندلسي من التقاليد الموسيقية الأندلسية المتوارثة منذ أيام المسلمين، والتي حافظت على بعضها موسيقى "الفلامنكو"، وهي عبارة عربية أصلها "فلاح منكوب"، وظل النشيد الوطني الأندلسي
стр. 312
فريدًا من نوعه من بين الأناشيد الوطنية لكونه ليس نشيدًا عسكريًّا بل يوحي بالحنين إلى الأصالة والسلام.
استوحى الأندلسيون دستورهم الحالي من المحاولات الحديثة للحصول على نظام خاص للأندلس يضمن لها الحكم الذاتي، أولها دستور أنتقيرة لسنة ١٨٨٣ م الذي نصت فقرته الأولى على أن الأندلس أمة ذات سيادة وحكم ذاتي، تنظم نفسها في جمهورية ديموقراطية تمثيلية، لا تحصل على قوتها من أية سلطة خارجة عن المجموعات الكانتونية المستقلة التي تكونها حسب هذا الاتفاق.
وتوصل اجتماع قرطبة في ٢٩ - ٣١/ ١ / ١٩٣٣ م إلى تحرير دستور جديد للأندلس تسترجع به شخصيتها وتبني مستقبلها مع احترام خصوصيتها. وقد عالج دستور قرطبة قواعد التنظيم الجهوي في الأندلس وتمثيل المناطق ومسؤوليات الحكومة الأندلسية، وسلطات البلديات، وشروط الجنسية الأندلسية، والشؤون المالية. كما عالج الدستور الترتيبات التنفيذية والتشريعية والعدلية. وقرر الاجتماع عدم تغيير الدستور الأندلسي أو تبديله إلا بنفس الضمانات التي حرر بها.
أما الدستور الأندلسي الحالي، الذي يسمى بدستور قرمونة، فيعود تحريره إلى ديسمبر سنة ١٩٧٨ م، حين اجتمع المجلس الأندلسي (الخونتا) برئاسة بلاسيدو فرناندس بياغاس، فوقع الحاضرون على "اتفاق حكم ذاتي" يتعهدون فيه على العمل لحصول الأندلس على أكبر قدر من الحكم الذاتي في أقصر مدة ممكنة. وفي ٢٣/ ٦ / ١٩٧٩ م، وافق جمع الخونتا الأندلسية المنعقد في غرناطة بالإجماع على المطالبة بالحكم الذاتي عن طريق المادة ١٥١ من الدستور الإسباني. وفي ١٥/ ٨ / ١٩٧٩ م، حرر "دستور الأندلس" في قرمونة بموافقة الأحزاب الحاضرة حينذاك: الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، واتحاد الوسط الديموقراطي، والحزب الشيوعي الإسباني، والحزب الاشتراكي الأندلسي (الحزب القومي الأندلسي فيما بعد).
ويمكن ترجمة أهم بنود دستور قرمونة الحالي في النقاط التالية: تلخص المواد ١ إلى ١٢ النقاط العامة للدستور، فتقول المادة الأولى إن "الشعب الأندلسي قرر تنظيم نفسه كجماعة ذات حكم ذاتي كتعبير عن هويته التاريخية والسياسية وإنجازًا كاملاً لحقه في حكم نفسه بنفسه، وذلك بموافقة الدستور (الاسباني) ومع هذا الدستور (الأندلسي) الذي هو القاعدة التشريعية لنظامه". وتنص المادة الثانية على أن الأندلس تتكون من جميع أراضي المقاطعات التالية: المرية وقادس وقرطبة وغرناطة
стр. 313
وولبة وجيان ومالقة وإشبيلية. وتنص المادة الثالثة على أن "الجماعة البلدية" هي القاعدة التنظيمية للمجتمع الأندلسي ولها شخصيتها القانونية المستقلة ووظائفها في إطار اختصاصاتها. وحددت المادة الرابعة دور المقاطعة وخصوصياتها، كما نصت المادة الخامسة على إمكان تجميع عدة "جماعات بلدية" متجاورة في "كور" ذات
مصالح مشتركة. وحددت المادة السادسة العلم الأندلسي، والسابعة عاصمة المنطقة الأندلسية، وحددت المادة الثامنة الجنسية الأندلسية، وحددت المواد التاسعة إلى الحادية عشرة حقوق الأفراد والمؤسسات و"الجماعات البلدية" في الأندلس، ونصت المادة الثانية عشرة على المبادىء العليا التي تنوي الوصول إليها منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي، منها التركيز على الأصالة الثقافية.
وبينت المواد ١٣ إلى ٢٣ مسؤوليات "جماعة الأندلس ذات الحكم الذاتي" بما فيها تشجيع الثقافة الأندلسية في كل أشكالها ومظاهرها وتقويتها، والحفاظ على التراث التاريخي والفني والمعماري والآثاري والعلمي للشعب الأندلسي. وبينت المواد كذلك المسؤوليات الاقتصادية والتجارية والصحية والتدريبية، وفي مجالات الطاقة والمعادن والبنوك والشؤون الاجتماعية والزراعية والشرطة المحلية والأمن الداخلي.
وحددت المواد ٢٤ إلى ٤٥ التنظيم الإداري للجماعة ذات الحكم الذاتي، بما فيها "مجلس الممثلين" و"الحكومة المحلية" (خونتا) ورئيس محكمة الأندلس العليا.
وتطرقت المواد ٤٦ إلى ٥٣ بتفصيل إلى إدارة العدالة في الأندلس وتحديد طرق تكوين محكمة الأندلس العليا ورئيسها وحدود مسؤولياتها.
وتطرقت المواد ٥٤ إلى ٦٩ إلى الاقتصاد والمالية، بينما بينت المواد ٧٠ إلى ٧٢ العلاقة بين الأندلس والحكومة المركزية الإسبانية، والعلاقة بين الأندلس والمناطق ذات الحكم الذاتي الأخرى. وتطرقت المادتان ٧٣ و ٧٤ إلى الطرق القانونية لتعديل الدستور.
وهكذا، ولأول مرة بعد سقوط غرناطة وضياع استقلال ما تبقى من الأندلس، أصبح لأهل الأندلس صوت في شؤون بلادهم ورأي في تخطيط مصيرهم. ولم تعد الأندلس تعامل كمستعمرة تباع وتشترى لمصالح أوروبا العليا. ولكن هل مسحت آثار
الماضي القاسية بهذه السهولة؟ لقد حصلت الأندلس على حكمها الذاتي ولم يكن ذلك إلا بداية. فماذا عن شخصيتها القومية واستعادة هويتها وإعادة كرامة أهلها وإعادة
стр. 314
كتابة تاريخها؟ فلقد أعلن الزعماء الأندلسيون بلاس إنفانتي أبًا للأمة وتبنوا كثيرًا من أفكاره ومجدوه بعد استشهاده بما يقرب من نصف قرن، ولكن ماذا عن رغبته في إعادة بناء الأمة الأندلسية وانبعاث شخصيتها التاريخية واستعادة هويتها الإسلامية وتراثها العريق؟ لقد نجح برنامج بلاس إنفانتي السياسي ولكن بقي برنامجه الحضاري لانبعاث الأمة الأندلسية ينتظر من يحققه.
٩/ ٥ - إحصائيات الأندلس المعاصرة:
تنتشر الأندلس الحالية جغرافيًّا حول سهول الوادي الكبير، وتضم جبال الشارات الجنوبية المكونة من النظام الجبلي البيتيقي الموازي لجبال الريف بالمغرب، كما تضم هضاب جبل العروس الشمالية، وهي مطلة على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ويفرقها عن المغرب مضيق جبل طارق. وبالأندلس تنوع كبير في المناخ،
من البارد الذي يشبه القطبي في أعالي جبل شلير إلى مناخ شبه استوائي في بعض الأودية أو شبه صحراوي في وادي المنصورة. أما مناخ الوادي الكبير فهو معتدل يتناسب مع زراعة غنية واستيطان كثيف.
وتتكون منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي المعاصرة من المقاطعات الثمانية المذكورة أعلاه، ومجموع مساحتها ٨٧.٢٦٨ كيلومتر مربع، وسكانها سنة ١٩٨١ م ٦.٤٤٢.٠٠٠ نسمة، وعاصمتها إشبيلية. ويضم القوميون الأندلسيون إلى المنطقة الحالية منطقة مرسية (مساحتها ١١.٣١٧ كيلومتر مربع وسكانها ٩٥٨.٠٠٠ نسمة سنة ١٩٨١ م)، ومقاطعة بطليوس (مساحتها ٢١.٦٥٧ كيلومتر مربع وسكانها ٦٣٥.٠٠٠ نسمة سنة ١٩٨١ م)، والنصف الجنوبي لمقاطعة قلعة رباح (مساحتها حوالي ١٠.٠٠٠ كيلومتر مربع وسكانها حوالي ٢٠٠.٠٠٠ نسمة سنة ١٩٨١ م)، والنصف الجنوبي لمقاطعة البسيط (مساحتها حواي ٦.٠٠٠ كيلومتر مربع وسكانها حوالي ١٥٠.٠٠٠ نسمة سنة ١٩٨١ م)، والثلث الجنوبي من مقاطعة لقنت (مساحتها حوالي ٢.٠٠٠ كيلومتر مربع وسكانها حوالي ٣٥٠.٠٠٠ نسمة سنة ١٩٨١ م). فتكون مساحة منطقة الأندلس الطبيعية حوالي ١٤٠.٠٠٠ كيلومتر مربع (٢٨ في المائة من مساحة إسبانيا) وسكانها حوالي ٨.٧٣٥.٠٠٠ نسمة سنة ١٩٨١ م. ويقدر عدد الأندلسيين النازحين إلى مناطق إسبانيا الأخرى خارج منطقة الأندلس بحوالي عددهم في الأندلس الطبيعية، فيكون عدد الأندلسيين في إسبانيا حوالي ١٧.٥٠٠.٠٠٠ نسمة سنة ١٩٨١ م (أي حوالي ٤٦ في المائة من سكان إسبانيا). ولنقتصر على المقاطعات الثمانية التي
стр. 315
تكون منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي مبينين في الجدول التالي مساحتها بالكيلومتر
مربع وسكانها سنة ١٩٨١ م.
إشبيلية
المساحة بالكيلومتر مربع: ١٤.٠٠١
السكان سنة ١٩٨١ م: ١.٤٧٧.٤٢٨
مالقة
المساحة بالكيلومتر مربع: ٧.٢٧٦
السكان سنة ١٩٨١ م: ١.٠٣٦.٢٦١
قادس
المساحة بالكيلومتر مربع: ٧.٣٨٥
السكان سنة ١٩٨١ م: ١.٠٠١.٧١٦
غرناطة
المساحة بالكيلومتر مربع: ١٢.٥٣١
السكان سنة ١٩٨١ م: ٧٦١.٧٣٤
قرطبة
المساحة بالكيلومتر مربع: ١٣.٧١٨
السكان سنة ١٩٨١ م: ٧١٧.٢١٣
جيان
المساحة بالكيلومتر مربع: ١٣.٤٩٨
السكان سنة ١٩٨١ م: ٦٢٧.٥٩٨
ولبة
المساحة بالكيلومتر مربع: ١٠.٠٨٥
السكان سنة ١٩٨١ م: ٤١٤.٤٩٢
المرية
المساحة بالكيلومتر مربع: ٨.٧٧٤
السكان سنة ١٩٨١ م: ٤٠٥.٣١٣
المجموع
المساحة بالكيلومتر مربع: ٨٧.٢٦٨
السكان سنة ١٩٨١ م: ٦.٤٤١.٧٦٥
ويبين الجدول التالي تزايد السكان في المقاطعات الثمانية منذ سنة ١٨٦٠ م:
إشبيلية
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٤٧٣.٩٢٠
١٩٠٠ م: ٥٥٥.٢٥٦
١٩٤٠ م: ٩٦٣.٤٤
١٩٨٠ م: ١.٤١٥.١٥٣
مالقة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٤٤٦.٦٥٩
١٩٠٠ م: ٥١١.٩٨٩
١٩٤٠ م: ٦٧٧.٤٧٤
١٩٨٠ م: ٩٦٤.٩٣٣
قادس
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٣٩١.٢٠٦
١٩٠٠ م: ٤٥٢.٦٥٩
١٩٤٠ م: ٦٠٠.٤٤٠
١٩٨٠ م: ١.٠١٢.٩٨١
غرناطة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٤٤١.٤٠٤
١٩٠٠ م: ٤٩٢.٤٦٠
١٩٤٠ م: ٧٣٧.٦٩٠
١٩٨٠ م: ٧٣٥.٦٣٦
قرطبة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٣٥٨.٦٥٧
١٩٠٠ م: ٤٥٥.٨٥٩
١٩٤٠ م: ٧٦١.١٥٠
١٩٨٠ م: ٧٠٧.٩٥٣
جيان
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٣٦٢.٤٦٦
١٩٠٠ م: ٤٧٤.٤٩٠
١٩٤٠ م: ٧٥٣.٣٠٨
١٩٨٠ م: ٦٢٩.٣٦٨
ولبة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ١٧٦.٦٢٦
١٩٠٠ م: ٢٦٠.٨٨٠
١٩٤٠ م: ٣٦٦.٥٢٦
١٩٨٠ م: ٤٠٠.٧٦٤
المرية
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٣١٥.٤٥٠
١٩٠٠ م: ٣٥٩.٠١٣
١٩٤٠ م: ٣٥٩.٧٣٠
١٩٨٠ م: ٣٩٦.١٧٤
المجموع
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٢.٩٦٦.٣٨٨
١٩٠٠ م: ٣.٥٦٢.٦٠٦
١٩٤٠ م: ٥.٢١٩.٣٦٢
١٩٨٠ م: ٦.٢٦٢.٩٦٢
стр. 316
وكانت كثافة السكان في الأندلس سنة ١٩٨١ م حوالي ٧٤ شخص للكيلومتر المربع، وهي في ارتفاع مستمر، يقطن منهم حوالي ٣٧ في المائة في المناطق القروية، و ٦٣ في المائة في المناطق الحضرية، وهذه النسبة الأخيرة في ارتفاع مستمر. وأهم مدن الأندلس هي عواصم المقاطعات الثمانية، أكبرها العاصمة إشبيلية تليها مالقة ثم قرطبة فغرناطة. ويبين الجدول التالي تزايد عدد سكان العواصم الثمانية منذ سنة ١٨٦٠ م:
إشبيلية
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ١١٨.٢٩٨
١٩٠٠ م: ١٤٨.٣١٥
١٩٣٠ م: ٢٢٨.٧٢٩
١٩٨٠ م: ٦٢٨.٣٣١
مالقة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٩٤.٧٣٢
١٩٠٠ م: ١٣٠.١٠٩
١٩٣٠ م: ١٨٨.٠١٠
١٩٨٠ م: ٤٤٥.٣٤٥
قرطبة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٤٥.٩٦٣
١٩٠٠ م: ٥٨.٢٧٥
١٩٣٠ م: ١٠٣.١٠٦
١٩٨٠ م: ٢٧٣.٢٥٣
غرناطة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٦٧.٣٢٦
١٩٠٠ م: ٧٥.٩٠٠
١٩٣٠ م: ١١٨.١٧٩
١٩٨٠ م: ٢٣٦.٨٤١
قادس
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٧١.٥٢١
١٩٠٠ م: ٦٩.٣٨٢
١٩٣٠ م: ٧٥.٧٦٩
١٩٨٠ م: ١٤٧.٧٧٨
المرية
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٢٩.٤٢٦
١٩٠٠ م: ٤٧.٣٢٦
١٩٣٠ م: ٥٣.٩٧٧
١٩٨٠ م: ١٢٧.٢٥٩
ولبة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٩.٨٠٥
١٩٠٠ م: ٢١.٣٥٩
١٩٣٠ م: ٤٤.٨٧٢
١٩٨٠ م: ١٢٥.٦٨١
جيان
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٢٢.٩٣٨
١٩٠٠ م: ٢٦.٤٣٤
١٩٣٠ م: ٣٩.٧٨٧
١٩٨٠ م: ٨٩.٤٨٩
ومن خصوصيات سكان الأندلس سنة ١٩٧٥ م أن ٣٠.٥ في المائة منهم أقل من ١٥ سنة (٣٣.١ في المائة سنة ١٩٠٠ م)، و ٦٠.١ في المائة تتراوح أعمارهم بين ١٥ و ٦٤ سنة (٦٢.١ في المائة سنة ١٩٠٠ م)، و ٩.٤ في المائة تزيد أعمارهم عن ٦٥ سنة (٤.٨ في المائة سنة ١٩٠٠ م). وكانت نسبة المواليد في الحقبة بين ١٩٦١ م و ١٩٧٠ م بمعدل ٢٠.٧٩ مولود لكل ألف ساكن في السنة (٣٨.٢٥ في الحقبة ١٩٠١ - ١٩١٠ م) ونسبة الوفيات ٨.٥٨ متوفَّى لكل ألف ساكن في السنة (٢٨.٨٧ في الحقبة ١٩٠١ - ١٩١٠ م)، وبذلك تكون الزيادة الطبيعية ١٢.٢١ شخصًا لكل ألف ساكن في السنة في الحقبة المذكورة (٩.٣٨ في الحقبة ١٩٠١ - ١٩١٠ م)، وهي نسبة مرتفعة بالنسبة لباقي أوروبا، وإن كانت تتجه إلى الانخفاض. لذلك فالأمة الأندلسية المعاصرة هي أمة شابة يكثر فيها الشباب ويقل العجزة.
стр. 317
ولا زالت الأمية مرتفعة بين الأندلسيين، إذ كانت نسبة الأميين من مجموع السكان ١٠ في المائة سنة ١٩٧٥ م (٦٨ في المائة سنة ١٩٠٠ م) ويتوقع أن تصل إلى الصفر في المستقبل القريب. وفي سنة ١٩٧٩ م كان يعمل ٣٠.٣ في المائة من السكان العاملين في الزراعة (٥٧ في المائة سنة ١٩٥٠ م) و ١٦.١ في المائة في الصناعة (١١.١ في المائة سنة ١٩٥٠ م) و ١٠.٣ في المائة في التجارة (٥.٤ في المائة سنة ١٩٥٠ م). غير أن نسبة البطالة ظلت مرتفعة مما أدى إلى هجرة متواصلة للأندلسيين لباقي إسبانيا وخارجها. وتدل الأرقام أعلاه على أن الأندلس بلاد زراعية أكثر من باقي إسبانيا. كما أن دخل الفرد في الأندلس بقي أقل منه في باقي إسبانيا، إذ وصل سنة ١٩٧٧ م إلى حوالي ١٥٠.٠٠٠ بسيطة فقط للفرد الواحد، وهو في ارتفاع سريع ومستمر.
والأندلس أرض زراعية تستثمر ٩١.٤ في المائة من مساحتها، وهي نسبة أعلى بقليل منها في باقي إسبانيا. وأهم المنتوجات الزراعية سنة ١٩٨٢ م هي الحبوب (معظمها القمح والذرى والأرز)، خصصت لها ١.١٧٤.٧٤٠ هكتار (٢٧ في المائة من الأراضي المستثمرة) وهي في زيادة، والزيتون، خصصت له ١.٢٨٢.١٩٨ هكتار (٢٩ في المائة من الأراضي المستثمرة) وهي في انخفاض، بينما خصصت باقي الأراضي (٤٤ في المائة) لزراعة العنب والقطن والشمندر والفواكه والقطنيات والزهور، الخ ... أما المواشي فكان عددها في الأندلس سنة ١٩٧٢ م ١.٤٠٠.٠٠٠ من الغنم و ٧١٠.٠٠٠ من الماعز و ٤٨٠.٠٠٠ من البقر و ٤٦٠.٠٠٠ من الخنازير. وتقدمت الزراعة في السنين الأخيرة بشكل ملحوظ، إذ تضاعف فيها استعمال الآليات الزراعية عدة مرات، وانتشرت الزراعة المغطاة خاصة بعد انضمام إسبانيا للسوق الأوروبية المشتركة.
أما الصناعة فقد بقيت محدودة، عدا في منطقة ولبة حيث انتشرت الصناعات الكيماوية، وأثرت تأثيرًا سيئًا على البيئة.
ويذهب إلى المدارس في الأندلس حوالي ٧٥٠.٠٠٠ طالب (سنة ١٩٧٩ م) يعلمهم حوالي ٢٥.٠٠٠ معلم مسجل، يدرس حوالي ٤٠ في المائة منهم في المدارس الخاصة و ٦٠ في المائة في المدارس الحكومية. وتوجد في الأندلس عدة جامعات (في غرناطة وإشبيلية ومالقة وقرطبة) تدرس فيها شتى العلوم، كما بها عدة مؤسسات للتعليم العالي علمية وفنية في مدن متعددة.
стр. 318
والأندلس اليوم منطقة سياحية كذلك. وقد جلبت السياحة دخلاً كبيرًا من العملة الصعبة، لكن كثيرًا من المفكرين الأندلسيين انتقدوها لتأثيرها السيىء على الثقافة والقيم والبيئة الأندلسية، ولكون معظم المستفيدين منها من غير الأندلسيين أو طبقات خاصة منهم مما أدى إلى تحويل المجتمع الأندلسي إلى خدمة المقاهي والملاهي؛ وقد انتشرت التسهيلات الفندقية في كل الأندلس، خاصة الشواطىء، إذ اقترب عدد الغرف الفندقية سنة ١٩٧٧ م إلى المائة ألف غرفة وتعدتها بكثير اليوم (سنة ١٩٩٠ م)، بينما وصل عدد السياح سنة ١٩٧٤ م وحدها إلى ٣.٥ مليون سائح (وتضاعف هذا العدد سنة ١٩٩٠ م).
أما النقل، فقد كان في الأندلس سنة ١٩٧٥ م ١٣٢.٥٥٠ شاحنة و ٥.١٨٩ حافلة و ٥٢٥.٩٢٧ سيارة خاصة (٨٦ سيارة لكل ألف مواطن، و ٤١ سنة ١٩٧٠ م)، وهي في ارتفاع كبير، و ٢٠٣.٦٢٤ دراجة نارية (٣٣ دراجة لكل ألف مواطن) وهي في انخفاض، و ١٥٤.٢٦٠ دراجة عادية (٢٥ دراجة لكل ألف مواطن، و ٣٣ سنة ١٩٧٠ م) وهي في انخفاض. وسجلت سنة ١٩٧٨ م وحدها ٧٠.٥٢٩ سيارة خاصة جديدة و ٤.٥٨٠ دراجة نارية. كما توجد في الأندلس شبكة طرق مهمة، وقد ابتدىء في بناء شبكة للطرق السريعة تربط العواصم الأندلسية المختلفة. كما توجد بالأندلس عدة موانىء كبيرة، أهمها مالقة وإشبيلية والمرية والجزيرة الخضراء وولبة، وعدة مطارات، منها الدولية في مالقة وإشبيلية، والوطنية في غرناطة وشريش (مقاطعة قادس) والمرية.
стр. 319
مراجع
الفصل التاسع
٩/ ١ - Blas Infante "Fundamentos de Andalucia" Fondation Blas Infante, Sevilla, ١٩٨٤.
٩/٢ - Enrique Soria Medina "Los Cuarenta Anos" Andalucia dijo Si, Au - gusto Llorca, Sevilla, ١٩٨٠.
٩/٣ - Augusto Llorca "Andalucia dijo Si" Sevilla, ١٩٨٠, p. ١٧-١٨.
٩/٤ - Ref. (٩.٣) , p. ١٥.
٩/٥ - Ref. (٩.٣) , p. ١٩
٩/٦ - Ref. (٩.٣) , p. ٢٨.
٩/٧ - Fernando Repiso "Simbolos y Derechos Andaluces" Sevilla, ١٩٨٠.
٩/٨ - Ref. (٩.٧) , p. ١٩-٣٠.
٩/٩ - Ref. (٩.٧) , p. ٣١-٤٨.
٩/١٠ - Ref. (٩.٧) , p. ٤٩-٥٣.
٩/١١ - Ref. (٩.٧) , p. ٦١-٧٠.
٩/١٢ - Enrique Soria Medina "Andalucia: Datos para su Historia: ١٩٠٠-
١٩٧٩" Sevilla, ١٩٨٠.
стр. 320
الفصل العاشر
الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ١٩٧٠ م)
١٠/ ١ - الجمعيات الإسلامية للوافدين:
غاب الإسلام، ظاهرًا عن أرض الأندلس منذ سنة ١٦٠٩ م، واحتفظ به في القلوب من تبقى من المسلمين الأندلسيين. وكان التنصير شرطًا للإقامة لمن وفد من المسلمين إلى إسبانيا. وخف هذا الوضع بعد الحرب العالمية الثانية وهجرة عدد من أهل منطقة الحماية الإسبانية بشمال المغرب إلى إسبانيا، كجنود مع جيش فرانكو. وكان فرانكو قد وعدهم بتسليمهم مسجد قرطبة الجامع إن هو انتصر. فلم يف بالوعد، وعوضًا عن المسجد الجامع، بنى لهم في ساحة عامة بوسط قرطبة مسجدًا صغيرًا مقابل مستشفى للصلاة على موتاهم. وقد أقفل المسجد الصغير (المسمى عند أهل قرطبة بالمرابطو) بعد الحرب الأهلية بقليل، وأصبح مخزنًا لآليات الحديقة العامة، ولم يفتح من جديد للصلاة إلا مؤخرًا.
وتكاثرت أعداد المسلمين الوافدين إلى إسبانيا بعد سنة ١٩٦٠ م. إلى أن وصلت سنة ١٩٩٠ م إلى حوالي مائتي ألف مسلم، معظمهم من العمال المغاربة، والطلبة المشارقة الذين مكثوا بعد تخرجهم وحصلوا على الجنسية الإسبانية. ولم يتمكن هؤلاء من تنظيم أنفسهم إلا مؤخرًا.
ففي ٢٤/ ١٢ / ١٩٦٤ م، صدر قانون الجمعيات الذي سمح للجمعيات الدينية غير الكاثوليكية بشيء من التنظيم لأول مرة. وفي ٢٨/ ٦ / ١٩٦٧ م، أصدرت الحكومة الإسبانية قانونًا جديدًا تسمح فيه بحرية الأديان، أصبح معه من الممكن تأسيس جمعيات إسلامية لأول مرة منذ سقوط غرناطة، رغم نقصه، إذ لا يسمح بممارسة الشعائر غير الكاثوليكية إلا جزئيًّا، ولا يسمح للمجموعة الإسلامية بإجراء
следующие страницы →